القائمة الرئيسية

تقرير مواكبة ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية: الاتجاهات والتحديات والفرص (6/3)

تقرير مواكبة ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية: الاتجاهات والتحديات والفرص (6/3)
ملخص الدراسة

يناقش الفصل الثالث أطر السياسات والتنظيم الخاصة بالتحول الرقمي في الدول العربية، مبرزاً تفاوتاً كبيراً بين دول مجلس التعاون الخليجي والدول الأخرى. فبينما أحرزت دول المجلس تقدماً كبيراً في استراتيجيات الرقمنة الشاملة المرتبطة بالتنويع الاقتصادي، وحققت مستويات نضج تنظيمية عالية (الجيلين الثالث والرابع وقيادة في الجيل الخامس وفق تصنيف الاتحاد الدولي للاتصالات)، لا تزال الدول من خارج المجلس متأخرة، تعاني من فجوات في الرؤى الوطنية وضعف التنفيذ، وتقع في أجيال تنظيمية أقل تطوراً. ويؤكد الفصل على ضرورة ربط الاستراتيجيات الرقمية بخلق فرص العمل اللائق، مشيراً إلى إغفال معظم السياسات لجوانب رئيسية كحماية البيانات الشخصية للعمال والإدماج الفعال للفئات المستضعفة (مثل العمال المهاجرين واللاجئين). كما يبرز ضعف آليات إشراك أصحاب المصلحة ومراجعة السياسات والفجوة بين صياغة السياسات وتنفيذها. ورغم الجهود التي بذلتها بعض الدول (كالسعودية والإمارات والأردن) لتحديث قوانين العمل لتشمل أنماط العمل المرن والحر، لا تزال هناك حاجة ماسة لتحديث تشريعات العمل في دول أخرى. ويخلص الفصل إلى أن معالجة هذه التحديات، بما في ذلك محدودية القدرات المؤسسية والموارد، أمر حاسم للاستفادة الكاملة من إمكانات الرقمنة في المنطقة.

الفصل الثالث: أطر السياسات والتنظيم الخاصة بالتحول الرقمي

إضافة إلى الظروف الأساسية التي سبق عرضها، تأثرت اتجاهات الرقمنة في الدول العربية تأثراً كبيراً بأطر التنظيم والسياسات التي إما استجابت للابتكار الرقمي وإما وجّهته على نحو استباقي.

ففي كثير من البلدان، ولا سيما دول مجلس التعاون، ركزت الرؤى الوطنية على التنويع الاقتصادي، وجعلت من الرقمنة عاملاً تمكينياً محورياً لبلوغ هذا الهدف. وكثيراً ما تُدعم هذه الجهود باستراتيجيات رقمية مخصصة ووثائق سياسات مكملة. وفي المقابل، تُظهر الدول من خارج المجلس تقدماً متفاوتاً في التحول الرقمي، وكثيراً ما تفتقر إلى رؤى وطنية شاملة تمنح الرقمنة الأولوية وتدفعها. ومع ذلك، ثمة إدراك متزايد للدور الحاسم الذي تؤديه الرقمنة في مواكبة الاتجاهات العالمية الكبرى والتطورات التكنولوجية. وقد شرعت كثير من هذه البلدان في صياغة استراتيجيات وسياسات للنهوض بالتنمية الرقمية، وإن كان التنفيذ الفعال لا يزال يمثل تحدياً كبيراً.

وقد وضع الاتحاد الدولي للاتصالات إطاراً مفاهيمياً يصنف البلدان ضمن خمسة أجيال لتنظيم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتحول الرقمي، ويمكن استخدامه لفهم الاتجاهات ورصد التقدم مع تطور بيئات السياسات والتنظيم. وتعكس الأجيال من الأول إلى الرابع تطور الأطر القانونية والتنظيمية المتعلقة بأسواق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ونضجها، بدءاً من الجيل الأول الأقل تطوراً والأكثر مركزية، وانتهاءً بالجيل الرابع الأكثر تقدماً وتمكيناً. وعلى مسار موازٍ، يُوصف الجيل الخامس بأنه "التنظيم الرقمي التعاوني"، ويركز على السياسات والتنظيم المتصلين بالتحول الرقمي بمعناه الواسع. ويقوم الجيل الخامس على تعاون يتجاوز قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بهدف تسريع التنمية الرقمية في قطاعات أخرى متعددة، وتقوية الأسواق، وتحسين الآفاق الاقتصادية والتنموية على المدى الطويل.

وبينما تتيح أداة تتبع تنظيم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تصنيف البلدان ضمن الأجيال من الأول إلى الرابع، يقيس مؤشر الجيل الخامس المرجعي تقدم البلد نحو تنظيم الجيل الخامس، راصداً مسيرة التحول الرقمي من بدايتها وصولاً إلى بناء اقتصاد ومجتمع رقميين مزدهرين.

واللافت أن الاتحاد الدولي للاتصالات، سعياً إلى تكوين رؤية شاملة للبيئة التمكينية للتحول الرقمي، وضع إطاراً موحداً يجمع أدواته الراسخة لتقييم السياسات والتنظيم والحوكمة في أسواق الاتصالات والأسواق الرقمية. وبعبارة أخرى، تقدم أداة التتبع ومؤشر الجيل الخامس تقييمات عالمية للقدرات الوطنية والجاهزية للتحول الرقمي، وتشمل قاعدة بيانات الاتحاد معلومات عن جميع الدول العربية.

ويمكن إبداء عدد من الملاحظات في هذا الشأن:

تكشف درجات تنظيم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عن فوارق كبيرة في النضج التنظيمي بين دول مجلس التعاون والدول من خارجه. ففي عام 2024، بلغ متوسط درجات دول المجلس 85.0، وبلغت المملكة العربية السعودية وعُمان والبحرين مرتبة الجيل الرابع، مما يدل على تنظيم متكامل تقوده أهداف السياسات الاقتصادية والاجتماعية. أما بقية دول المجلس، أي الكويت وقطر والإمارات، فهي من الدول المتقدمة في مرتبة الجيل الثالث، مما يدل على تنظيم يمكّن الاستثمار والابتكار والنفاذ، مع التركيز على تحفيز المنافسة وحماية المستهلك. وفي المقابل، تتخلف الدول من خارج المجلس، باستثناء الأردن الذي بلغ الجيل الرابع، إذ تقع الدول الأخرى ضمن الجيل الثاني أو الأول، بما يشير إلى مراحل مبكرة من التنظيم والإصلاح. ويبرز ذلك التحديات التي تواجهها هذه الدول في تهيئة بيئة رقمية تنافسية.

وتُظهر درجات الحوكمة والسياسات والتنظيم الرقمي التعاوني تفاوتات أكبر بين المجموعتين. إذ يبلغ متوسط مستوى النضج في دول المجلس 67.7، مما يدل على إطار متقدم عموماً للحوكمة الرقمية. وتُصنف المملكة العربية السعودية، التي حصلت على 80.4، في فئة "الريادة"، بما يعكس التزاماً قوياً بسياسات رقمية فعالة. أما الدول من خارج المجلس فتُظهر مستويات نضج أدنى، بمتوسط لا يتجاوز 30.1 يقع ضمن فئة "المرحلة الانتقالية". وتبقى سوريا واليمن في فئة "المحدودة"، مما يدل على قدرة ضئيلة على الحوكمة الرقمية الفعالة.

وانسجاماً مع النتائج السابقة، تُظهر دول مجلس التعاون جاهزية إجمالية أقوى بكثير للتحول الرقمي، في حين تحتاج الدول من خارجه إلى تقدم كبير للحاق بها. بل إن الدول من خارج المجلس تقل عن المتوسط العالمي، مع فجوة واضحة في حالة اليمن. وتقل الدول العربية ككل عن المتوسط العالمي البالغ 62.6، ويعود ذلك أساساً إلى الدول من خارج المجلس. وفي المقابل، تُظهر دول المجلس قدرات وطنية وجاهزية للتحول الرقمي مماثلة لما لدى أوروبا، وإن كانت لا تزال متأخرة عن نظيراتها في أمريكا الشمالية. ورغم الخطوات الكبيرة التي خطتها دول المجلس في إعادة صياغة السياسات وآليات الحوكمة، لا يزال هناك عمل كثير لإطلاق الإمكانات الكاملة للتحول الرقمي. أما الدول من خارج المجلس، حيث تستمر فجوات كبيرة في الجاهزية، فتحتاج إلى اهتمام عاجل من الحكومات، مقترناً بدعم إقليمي ودولي.

ورغم أن كثيراً من الدول العربية وضعت بعض الاستراتيجيات الرقمية، فإن بعضها فقط يغطي بفعالية قطاعات مهمة في الاقتصاد كالصحة والتعليم، أو يتناول تطورات تكنولوجية بعينها كالذكاء الاصطناعي والمدن الذكية. كما أن القليل منها جداً يراعي الانعكاسات على عالم العمل أو يأخذ عناصر العمل اللائق في الحسبان.

ويُعد رصد الاستراتيجيات الرقمية للبلدان والسياسات الداعمة لها أمراً حاسماً لفهم الآثار المعقدة والمتطورة للرقمنة على التشغيل. فتعزيز السياسات الرقمية والأطر التنظيمية يمكن أن يولد حلقة إيجابية يغذي فيها التحول الرقمي خلق الوظائف والتنمية الاقتصادية الأوسع. غير أن الانتقال إلى العمل اللائق وأسواق العمل الشاملة والنمو المستدام لن يتحقق تلقائياً ما لم تُربط هذه الاستراتيجيات الرقمية ربطاً واضحاً بالتدخلات المتعلقة بالتشغيل. فالعمل المدروس والمنسق ضروري لضمان أن يترجَم الابتكار الرقمي إلى منافع ملموسة في سوق العمل.

وينبغي للبلدان أن تركز على إدماج أهداف خلق الوظائف في استراتيجياتها الرقمية، ومعالجة إزاحة الوظائف، وتعزيز ريادة الأعمال الرقمية والتشغيل القائم على الابتكار. كما يتعين عليها مواءمة هذه السياسات مع معايير العمل اللائق، كالأجور العادلة والأمان الوظيفي والسلامة والصحة المهنيتين وحماية العاملين، لضمان عدم المساس بجودة الوظائف خلال مرحلة الانتقال. واللافت أن الأردن وقطر وحدهما أدرجا أهداف تشغيل واضحة في استراتيجيتيهما الرقميتين، إذ يسعى الأردن إلى خلق 50 ألف وظيفة بحلول عام 2025، وتستهدف قطر 26 ألف وظيفة بحلول عام 2030. أما دولة فلسطين والمملكة العربية السعودية فتقران بخلق فرص العمل بوصفه هدفاً عاماً للرقمنة، لكنهما لا تحددان أهدافاً ملموسة. وتتطرق المملكة العربية السعودية كذلك، وإن بإيجاز، إلى بعض جوانب العمل اللائق في سياسة الاقتصاد الرقمي المكونة من أربع صفحات، ومنها الالتزام بخلق وظائف ذات قيمة ومنتجة، وتحسين ظروف مكان العمل، ورفع مهارات الكفاءات الوطنية لتلبية متطلبات وظائف المستقبل، وتوفير العدالة والحماية للعاملين. غير أن معظم السياسات القائمة المرتبطة بالتحول الرقمي في أنحاء المنطقة تميل إلى إغفال أبعاد رئيسية للعمل اللائق، كالسلامة والصحة المهنيتين والحماية الاجتماعية والأجور وساعات العمل، مما يثير مخاوف بشأن جودة الوظائف التي يأتي بها التحول الرقمي.

والأهم من ذلك أن الاستراتيجيات التي تتجاوز الأجندات الرقمية المخصصة يمكن أن تؤدي بدورها دوراً حيوياً في ربط الرقمنة بالتشغيل، بما يساعد على ضمان أن تترجَم الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي إلى نتائج إيجابية في سوق العمل. وتدرك البلدان على نحو متزايد دور الرقمنة ضمن استراتيجياتها الوطنية للتشغيل. فمن بين 75 وثيقة لسياسات التشغيل الوطنية متاحة على بوابة سياسات التشغيل التابعة لمنظمة العمل الدولية، تشير 22 وثيقة صراحة إلى الرقمنة، ومنها ثلاث من أصل أربع وثائق لدول عربية شملتها المراجعة. وحتى حين يُتناول الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ضمن سياسة وطنية أوسع للتشغيل، ينبغي توظيفهما مساراً لا لخلق مزيد من الوظائف فحسب، بل لتعزيز وظائف أفضل للجميع أيضاً.

وقد تطور مفهوم جودة العمل في ظل التقدم التكنولوجي السريع وأشكال التشغيل المستجدة، وبرزت حماية البيانات الشخصية للعاملين بوصفها شاغلاً مهماً في عالم العمل الحديث. وفي هذا السياق، تستدعي أطر حماية البيانات اهتماماً عاجلاً، ولا سيما في بلدان مثل اليمن وسوريا حيث لا توجد لوائح رسمية. وحتى في الدول التي سنّت قوانين لحماية البيانات الشخصية، كثيراً ما تكون الأحكام الصريحة التي تعالج شواغل العمل تحديداً وتصون مبادئ العمل اللائق محدودة. وتعرّض هذه الفجوة التنظيمية العاملين لانتهاكات محتملة، منها التحيزات الخوارزمية والمراقبة المفرطة وإساءة استخدام البيانات الشخصية. واللافت أن قطر بادرت إلى إدراك هذه المخاطر في استراتيجيتها الرقمية، الأجندة الرقمية 2030، التي تبرز أهمية خصوصية البيانات للعاملين عن بُعد، وتقترح تعديل قوانين العمل لمعالجة الأبعاد القانونية للعمل عن بُعد، كحماية الخصوصية الشخصية وتحديد حقوق الإشراف لأصحاب العمل تحديداً واضحاً. وتظل مثل هذه التدابير الاستشرافية أقل شيوعاً في البلدان الأخرى، حيث يلزم بذل جهود أكبر لضمان حماية البيانات الشخصية للعاملين في بيئة عمل تزداد رقمنة.

فضلاً عن ذلك، يقتضي تحقيق نتائج منصفة من الرقمنة التركيز على الفئات المستضعفة التي قد تكون أقل قدرة على الاستفادة من الفرص الرقمية الجديدة. وتهدف الاستراتيجيات الموجهة التي تعتمدها دول مختلفة إلى تعزيز الشمول في الفضاء الرقمي. ورغم أن هذه الجهود تقدم لمحة عن كيفية تعامل البلدان مع قضية الشمول، فإنها لا تكفي لتقييم التزام البلد بالإدماج الرقمي تقييماً كاملاً. واللافت أن كثيراً من البلدان أدمجت الإدماج الرقمي في استراتيجياتها الرقمية الوطنية الأوسع. فسياسة الاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، تركز على زيادة مشاركة النساء والأشخاص ذوي الإعاقة في القوى العاملة، وتهدف كذلك إلى إتاحة الفرص الرقمية لجميع فئات المجتمع، بمن فيهم سكان الأرياف ومختلف الأعمار. وبالمثل، تلتزم البحرين بالإدماج الرقمي، بما يضمن استفادة كل مواطن ومقيم من العالم الرقمي بصرف النظر عن خلفيته أو عمره أو جنسه أو وضعه الاجتماعي. وأطلقت الإمارات عدة مبادرات للإدماج الرقمي تستهدف خصوصاً النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن. وبوجه عام، تعمل دول مجلس التعاون على وضع استراتيجيات تحول مقصودة ومنظمة تتضمن عناصر للإدماج الرقمي. غير أنه ينبغي بذل المزيد للوصول إلى فئات مهمشة أخرى، ولا سيما العمال المهاجرون الذين كثيراً ما يُغفلون في جهود الإدماج الرقمي.

وفي الدول من خارج المجلس، لا تزال فئات مستضعفة كثيرة تواجه عوائق أمام الإدماج الرقمي رغم الجهود المتنامية لتعزيز الشمول. فالأردن مثلاً أطلق سياسة للإدماج الرقمي تمنح الأولوية للأشخاص ذوي الإعاقة والنساء وكبار السن وسكان المناطق النائية، لكن فئات أخرى، ولا سيما اللاجئين، لا تزال متخلفة عن الركب. وكما هو الحال في لبنان، يواجه اللاجئون في الأردن عوائق كبيرة في النفاذ إلى الأدوات الرقمية والاستفادة الكاملة من مبادرات التحول الرقمي، إذ كثيراً ما تغفل السياسات والاستراتيجيات القائمة احتياجاتهم الخاصة، مما يحد من إدماجهم في الاقتصاد الرقمي.

علاوة على ذلك، تتسم آليات إشراك أصحاب المصلحة ومراجعة السياسات، وهي حجر الزاوية في تصميم السياسات وصنع القرار التنظيمي، بالضعف في أنحاء المنطقة. فرغم أن معظم الدول العربية تجري مشاورات عامة لجمع آراء أصحاب المصلحة الوطنيين، كثيراً ما تفتقر هذه العمليات إلى اشتراطات رسمية وجداول زمنية واضحة، ولا يُلزم صناع القرار بالنظر في جميع الملاحظات والرد عليها. ويشير ذلك إلى أن المشاورات، وإن كانت تُجرى، قد تكون محدودة الفعالية والشفافية في التأثير على القرارات التنظيمية. والإشراك الفعلي لأصحاب المصلحة، ولا سيما منظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال، ضروري لضمان أن تكون السياسات شاملة ومستجيبة للاحتياجات المتنوعة وأن تفضي إلى نتائج عادلة ومنصفة في سوق العمل. وقد أبرزت مجموعات النقاش المركزة التي أُجريت لأغراض هذا البحث أن الشركاء الاجتماعيين كثيراً ما يُستبعدون من صياغة استراتيجيات التحول الرقمي، وشدد المشاركون على أهمية إشراكهم لضمان أن تعكس هذه الاستراتيجيات تحديات العاملين وأصحاب العمل وأولوياتهم.

وبعيداً عن المشاورات، جعل قرابة نصف البلدان في المجموعتين قوانينها متاحة عبر مواقع إلكترونية حكومية، وضمنت للجمهور النفاذ إلى المعلومات والحريات الأساسية وفقاً للتشريعات الوطنية والاتفاقات الدولية. غير أن بلداناً أخرى لم تُنشئ بعد مثل هذه الآليات، مما يثير مخاوف بشأن الشفافية والمساءلة والإنفاذ المنصف للحقوق القانونية.

والمثير للقلق أنه فيما يتعلق بمراجعة السياسات، لم يؤكد سوى بلدين تقريباً إجراء مراجعات لاحقة للسياسات، وهي مراجعات تعكس التزاماً بتقييم فعالية السياسات بعد تنفيذها. وفي المقابل، يحد غياب هذه المراجعات في كثير من البلدان الأخرى من قدرتها على التعلم من التجربة وتحسين صنع السياسات مستقبلاً. ويكتسي ذلك أهمية خاصة في ضوء التطور السريع للمشهد الرقمي الذي يتطلب مرونة وتعديلات في الوقت المناسب كي تظل السياسات ملائمة وفعالة. ومن دون هذه المراجعات، قد تجد البلدان صعوبة في التكيف مع التحديات والفرص الجديدة، مما يعيق في نهاية المطاف جهودها في التحول الرقمي.

كما حددت مجموعات النقاش المركزة الانفصال بين وضع السياسات وتنفيذها بوصفه عائقاً رئيسياً أمام التنفيذ الناجح لاستراتيجيات الرقمنة. فرغم أن كثيراً من البلدان اعتمدت استراتيجيات وطنية، كثيراً ما تفتقر هذه الاستراتيجيات إلى خطط تنفيذ ملموسة تحدد بوضوح الأدوار والمسؤوليات والجداول الزمنية وآليات المساءلة. وتقوّض هذه الفجوة فعالية الاستراتيجيات وتحد من قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، ولا سيما فيما يتعلق بالتشغيل وسوق العمل.

وتستقطب سياسات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي اهتماماً متزايداً من صناع السياسات في أنحاء المنطقة العربية، لكن التطور التنظيمي لم يسر بالوتيرة ذاتها. فالتقدم لا يزال متفاوتاً، مع فجوات كبيرة في الأطر القانونية، ولا سيما ما يتعلق بتنظيم العمل. وفي حالات كثيرة، وخاصة في الدول من خارج مجلس التعاون، لا تزال البلدان تعمل بقوانين عمل متقادمة تحتاج إلى إصلاح جوهري. وقد أبرز المشاركون في مجموعات النقاش أن لبنان ودولة فلسطين في حاجة ماسة إلى تحديث تشريعات العمل، بمعزل عن الضغوط الإضافية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والرقمنة. أما العراق فاتخذ خطوات لإدخال إصلاحات عامة على قانون العمل، لكنه لا يزال يفتقر إلى لوائح خاصة بالذكاء الاصطناعي والمجال الرقمي.

وبوجه عام، وحتى حيثما وُجدت لوائح متصلة بالمجال الرقمي، فإنها تميل إلى التركيز أساساً على حماية البيانات، ومؤخراً على الاستجابة التنظيمية لأشكال التشغيل الناشئة كالعمل الحر والعمل عبر المنصات والعمل عن بُعد أو غير النمطي. وتتيح هذه الأنماط المتطورة من العمل فرصاً مهمة للمرونة والابتكار وريادة الأعمال، لكنها تطرح أيضاً تحديات تنظيمية كبيرة، ولا سيما فيما يتعلق بالأمان الوظيفي والنفاذ إلى الحماية الاجتماعية وصون حقوق العاملين.

واستجابة لذلك، بدأت عدة دول عربية في تكييف أطرها القانونية لتعكس على نحو أفضل واقع الاقتصاد الرقمي والقائم على المنصات. ولا تهدف هذه الإصلاحات إلى دعم التشغيل وريادة الأعمال فحسب، بل إلى الحد من العمل غير المنظم وضمان ظروف عمل لائقة لجميع العاملين.

فقد أصدرت المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين والأردن قوانين ولوائح جديدة لتيسير العمل المرن والحر والقائم على المنصات، مرسية بذلك سوابق مهمة في المنطقة. ورغم تفاوت هذه المبادرات في نطاقها والفئات التي تستهدفها، فإنها تشير مجتمعة إلى تحول أوسع نحو تنظيم للعمل أكثر شمولاً وقدرة على التكيف في أجزاء من المنطقة العربية.

تنظيم العمل المرن في الدول العربية: أمثلة من المملكة العربية السعودية والإمارات والأردن

طورت المملكة العربية السعودية منظومة العمل الحر والمرن تطويراً كبيراً في إطار رؤية 2030 والسعي إلى تنويع الاقتصاد. فبحلول أواخر عام 2024، كان أكثر من 2.25 مليون فرد، أغلبهم في الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة، مسجلين في المنصة الوطنية للعمل الحر، وأسهموا بنحو 72.5 مليار ريال سعودي، أي ما يعادل 19 مليار دولار أمريكي أو نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية برنامج العمل الحر الرسمي، الذي يصدر وثائق للعاملين لحسابهم في أكثر من 120 مجالاً مهنياً، تمكنهم من العمل باستقلالية وفتح حسابات مصرفية والاشتراك الطوعي في التأمينات الاجتماعية. وتدعم الحكومة العاملين لحسابهم من خلال مبادرات مثل شركة العمل المستقبلي، وبرنامج ريف، وبنك التنمية الاجتماعية، وصندوق تنمية الموارد البشرية، التي تقدم التدريب والدعم المالي، فضلاً عن دمجهم في أنظمة العمل القائمة. وبحلول مطلع عام 2025، كانت أكثر من 220 ألف وثيقة عمل حر سارية، مع توقعات بأن يسهم العاملون لحسابهم بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بحلول عام 2030. غير أن أهلية الحصول على وثائق العمل الحر تقتصر حالياً على المواطنين السعوديين ومواطني دول مجلس التعاون، بينما يُمنع الوافدون إلى حد كبير من المشاركة ما لم يحصلوا على الإقامة المميزة أو يسجلوا كياناً تجارياً رسمياً، وقد يعرّضهم العمل الحر دون ترخيص لعقوبات.

واتخذت الإمارات بدورها خطوات لإضفاء الطابع الرسمي على العمل المرن، إذ استحدثت تأشيرات العمل الحر وتصاريح العمل المرن التي تتيح للأفراد، ومنهم العاملون في المجال الرقمي، العمل باستقلالية في قطاعات متعددة، بما يعزز التشغيل القائم على الابتكار ويجتذب مجموعة متنوعة من الكفاءات. وتسمح هذه البرامج، المتاحة في إمارات مثل دبي وأبوظبي، للأفراد، ولا سيما في قطاعات التكنولوجيا والإعلام والتعليم والتصميم، بالعمل دون الحاجة إلى كفالة تقليدية من صاحب عمل. ومن خلال تعزيز تنقل العمالة ودعم أشكال العمل غير النمطية، ترعى الإمارات سوق عمل أكثر حيوية وشمولاً، يتسق مع رؤيتها الأوسع لأن تصبح مركزاً رائداً للاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة.

وبالمثل، أصدر الأردن عام 2024 نظام العمل المرن رقم 44، الذي عدّل أحكام قانون العمل لدعم نماذج العمل عن بُعد، والعمل الجزئي، وساعات العمل المرنة، وأسبوع العمل المضغوط، والعمل على أساس سنوي. ويجيز النظام صراحة عقود العمل المرن لطلبة الجامعات، ومقدمي الرعاية بمن فيهم أصحاب المسؤوليات الأسرية والأشخاص ذوو الإعاقة، والنساء الحوامل والمرضعات، وأي موظف يتوافق دوره مع مثل هذه الترتيبات. ويجب أن تُوثق الاتفاقات في عقد مكتوب يحدد ساعات العمل والمهام والمعدات والأجر والحقوق والالتزامات، ويجوز تحويل العقود المعيارية إليها بالتراضي. ويُلزم أصحاب العمل بتسجيل هذه العقود وضمان المعاملة غير التمييزية وتغطية الضمان الاجتماعي. ومن خلال استهداف ذوي المسؤوليات الرعائية والطلبة والأشخاص ذوي الإعاقة، يعزز الإطار الأردني الإدماج في القوى العاملة ويستجيب لاتجاهات القوى العاملة المتطورة في العصر الرقمي.

وبوجه عام، ورغم الاتجاهات الإيجابية في وضع سياسات وأطر لتعزيز التحول الرقمي في الدول العربية، لا تزال هناك فجوات كبيرة، ولا سيما في الاتساق التنظيمي، ومراعاة عالم العمل، والإسهام في العدالة الاجتماعية، وإشراك أصحاب المصلحة. ورغم أن بعض البلدان أحرزت تقدماً في تطوير مقاربات شاملة، لا تزال بلدان أخرى تتعامل مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بوصفها قطاعاً اقتصادياً منفصلاً، مما يحد من قدرتها على الاستفادة الكاملة من التطورات الرقمية. ويزيد من تعقيد هذه المسائل محدودية القدرات المؤسسية والموارد المالية في كثير من البلدان. وستكون معالجة هذه التحديات حاسمة لتفعيل الأثر المضاعف للرقمنة على التحول الاقتصادي وتطور أسواق العمل في أنحاء المنطقة.

دراسة ذات صلة