الفصل الأول: لمحة عامة عن أسواق العمل والبنى الاقتصادية في الدول العربية
تتسم الدول العربية بتنوع واسع في بناها الاقتصادية وأسواق العمل فيها، تشكّله الفوارق في الموارد الطبيعية والمالية ومستوى التنمية الاقتصادية ودرجة الاستقرار الجيوسياسي. فدول مجلس التعاون الخليجي، وهي البحرين والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تعتمد اعتماداً كبيراً على قطاع النفط والغاز الذي شكّل تاريخياً المحرك الرئيسي لاقتصاداتها. وقد أفضى هذا النموذج الاقتصادي القائم على الموارد إلى أسواق عمل مجزأة، يعمل فيها المواطنون في الغالب في القطاع العام، بينما يشكل الوافدون أغلبية القوى العاملة في القطاع الخاص. وتشير الاتجاهات الأخيرة إلى تحول متزايد نحو القطاعات غير النفطية بوصفها محركات رئيسية للتنويع الاقتصادي والنمو، وهو تحول يعود جزئياً إلى تخفيضات الإنتاج النفطي العالمية، كاتفاقات أوبك بلس، وإلى التوجه المتنامي نحو مصادر الطاقة الخضراء والنظيفة. وقد بُذلت جهود لتوسيع قطاعات مثل تجارة التجزئة والخدمات والطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتقنيات الرقمية والسياحة والصناعات التحويلية وغيرها. بيد أنه لا يزال هناك عمل كبير ينبغي إنجازه لتسريع النمو في القطاعات غير النفطية، وإيلاء الأولوية للصناعات عالية القيمة المضافة التي تعزز خلق الوظائف اللائقة، وتجنب انكماش محتمل في إجمالي الناتج المحلي.
أما الدول من خارج مجلس التعاون، وهي العراق والأردن ولبنان ودولة فلسطين وسوريا واليمن، فتواجه تحديات كبيرة ناجمة أساساً عن تدني مستويات الاستقرار نسبياً ومحدودية الموارد المالية. وكثيراً ما تعتمد هذه البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل على قطاعات مثل الخدمات والسياحة والزراعة. وقد أدت محدودية الموارد وعدم الاستقرار السياسي والنزاعات إلى تقويض نمو القطاع الخاص وخلق الوظائف تقويضاً شديداً، كما أضعفت المؤسسات العامة وحدّت من قدرتها على وضع خطط تنموية فعالة وتنفيذها. فسوريا واليمن تعانيان من نزاعات طويلة الأمد منذ سنوات عديدة، فيما أدى اندلاع الحرب مؤخراً في دولة فلسطين ولبنان إلى مزيد من زعزعة استقرار المنطقة. وقد فاقمت هذه النزاعات مشكلات أسواق العمل التي طالما اتسمت بارتفاع البطالة، وانتشار العمل غير المنظم وفقر العاملين، ومحدودية النفاذ إلى الحماية الاجتماعية والعمل اللائق.
وفي عام 2024، كان أقل من نصف السكان في سن العمل في المنطقة مشتغلين، إذ بلغت نسبة العمالة إلى السكان 44.4%، مما يشير إلى قصور جدي في الطلب على العمل. غير أن هذا المتوسط يخفي عالمين مختلفين تماماً. ففي دول مجلس التعاون، ترتفع مستويات التشغيل بشكل ملحوظ، إذ يعمل 67.2% من الأفراد في سن العمل. وعلى النقيض من ذلك، تتخلف الدول من خارج المجلس كثيراً، إذ لا تتجاوز نسبة المشتغلين من سكانها في سن العمل 32.0%. وينعكس هذا الانقسام كذلك في معدلات المشاركة في القوى العاملة، التي تبلغ 69.2% في دول المجلس و38.3% فقط في الدول من خارجه. وتزيد معدلات البطالة هذه الصورة وضوحاً. فرغم أن معدل البطالة الإقليمي الإجمالي يبلغ 9.7%، فإن العبء لا يتوزع بالتساوي. ففي الدول من خارج المجلس، يبلغ معدل البطالة 16.5%، بما يعكس محدودية خلق الوظائف وقدرة سوق العمل على الاستيعاب. وفي المقابل، تظل معدلات البطالة في دول المجلس منخفضة بشكل ملحوظ، ويعود ذلك في جانب كبير منه إلى ارتفاع حصة العمال المهاجرين الذين ترتبط إقامتهم بالعمل من خلال نظام الكفالة، إلى جانب التفضيل السائد لدى المواطنين لوظائف القطاع العام التي كثيراً ما يُنظر إليها باعتبارها حقاً مكتسباً.
ويواجه الشباب عقبات كبيرة لا في الوصول إلى العمل فحسب، بل في الوصول إلى التعليم والتدريب أيضاً، مع تزايد أعداد الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب. ففي عام 2024، بلغ عدد الشباب في هذه الفئة 11.6 مليون، أي ما يعادل ثلث إجمالي الشباب في المنطقة، وهو ما يولّد مخاطر إقصاء اجتماعي وهشاشة اقتصادية طويلة الأمد قد تقوّض مستقبل الأفراد وأهداف التنمية الأوسع على حد سواء.
وتمثل الفجوات بين الجنسين قضية رئيسية أخرى في سوق العمل العربية. ففي عام 2024، لم تتجاوز نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة 19.2%، مقارنة بـ 73.6% للرجال، وهي أوسع فجوة بين الجنسين على مستوى العالم. ولا تزال الأعراف المجتمعية، وعدم المساواة في تقاسم المسؤوليات المنزلية ومسؤوليات الرعاية، وقصور اقتصاد الرعاية، والتمييز في مكان العمل، ومحدودية النفاذ إلى وسائل نقل عام آمنة، تعيق مشاركة المرأة. كما أن معدلات بطالة النساء مرتفعة، إذ تزيد بفارق 9.6 نقطة مئوية على معدلات بطالة الرجال، متجاوزة بكثير المتوسط العالمي البالغ 0.2 نقطة مئوية. وبوجه عام، تمثل النساء العربيات أقل من خُمس إجمالي المشتغلين في المنطقة، ولا يتجاوز دخلهن 12.5% من إجمالي الدخل الذي يحققه الرجال، وهي أدنى نسبة على مستوى العالم. ورغم أن فجوة الدخل هذه تعكس جزئياً الفجوة الواسعة في التشغيل بين الرجال والنساء، فإنها تنجم أيضاً عن عوامل أخرى كالفصل المهني والتمييز في الأجور ومحدودية وصول المرأة إلى المناصب القيادية.
وإلى جانب الشباب والنساء، تشمل الفئات المستضعفة الأخرى في المنطقة العربية اللاجئين والنازحين داخلياً، ولا سيما في الدول من خارج مجلس التعاون، والعمال المهاجرين، وخاصة في دول المجلس. وتواجه هذه الفئات مخاطر متزايدة من الإقصاء ومحدودية النفاذ إلى العمل اللائق، وكثيراً ما تفتقر إلى الحماية القانونية والاجتماعية الكافية.
وبوجه عام، ورغم تعدد العوامل التي تسهم في ضعف نتائج التشغيل في المنطقة، تكمن إحدى القضايا المحورية في إخفاق المنطقة العربية في تحقيق تنويع اقتصادي وتحول هيكلي ناجحين. فبدلاً من التطور نحو اقتصادات عالية الإنتاجية والقيمة المضافة قادرة على توليد عمل لائق ومنتج، شهدت المنطقة في الغالب تراجعاً مبكراً في التصنيع. وعوضاً عن قاعدة صناعية متينة، اتجهت الاقتصادات الإقليمية نحو قطاعات خدمية غير منظمة ومنخفضة الإنتاجية، مما أدى إلى نتائج ضعيفة وغير مستقرة في أسواق العمل. وبحلول عام 2024، شكّل العمل غير المنظم 46.5% من إجمالي التشغيل في المنطقة، مع افتقار الوظائف غير المنظمة إلى الحماية الاجتماعية وتعريض العاملين لمخاطر متزايدة من ظروف العمل السيئة.
وفي ضوء ذلك، ينطوي التحول الرقمي على فرص واعدة ومخاطر جسيمة في آن معاً. فمن جهة، تمتلك الرقمنة إمكانات لدفع خلق الوظائف، ولا سيما في المجالات سريعة النمو كالذكاء الاصطناعي والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والطاقة المتجددة. ولا تدعم هذه المجالات التنويع الاقتصادي الأوسع فحسب، بل تحمل أيضاً وعداً بتوليد وظائف جيدة بأجور أفضل وظروف عمل محسّنة وحماية اجتماعية أقوى. فضلاً عن ذلك، يستطيع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية تحويل الأدوار القائمة وتعزيزها، فتصبح أكثر إنتاجية وجاذبية لقوى عاملة يتزايد مستواها التعليمي. كما يمكن لفرص العمل الرقمي أن تؤدي دوراً حاسماً في تعزيز الإدماج في سوق العمل، ولا سيما للنساء والشباب والمهجرين قسراً وغيرهم من الفئات المستضعفة التي عانت تقليدياً من الإقصاء عن العمل المنظم.
غير أن منافع الرقمنة لا تتحقق تلقائياً. ففي غياب قاعدة إنتاجية متينة، وهو ما يزيده تراجع التصنيع المبكر سوءاً، تبدو كثير من الاقتصادات العربية غير مهيأة لتوجيه الابتكار الرقمي نحو القطاعات عالية القيمة. ونتيجة لذلك، يُخشى أن يتركز النمو الرقمي في أعمال غير مستقرة قائمة على المهام والمنصات، بما يرسخ أنماط العمل غير المنظم وعدم المساواة والهشاشة الاقتصادية. ويضاف إلى ذلك استمرار الفجوات في البنية التحتية الرقمية، وعدم تكافؤ فرص الحصول على المهارات والتدريب، وضعف البيئات التنظيمية، وكلها عوامل تحد من شمولية التقدم الرقمي ومن إمكاناته التحويلية.
