القائمة الرئيسية

تقرير مواكبة ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية: الاتجاهات والتحديات والفرص (6/5)

تقرير مواكبة ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية: الاتجاهات والتحديات والفرص (6/5)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الخامس تحديات وفرص التشغيل في الدول العربية جراء التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المتسارع. يوضح الفصل أن التكنولوجيا، تاريخياً، أدت إلى تحولات وظيفية لكنها مولّدة صافية للوظائف، وأن الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم يسرّع هذه الديناميات، مؤثراً بشكل كبير في الوظائف الإدراكية المعقدة. يكشف التحليل أن حوالي 2.2% من الوظائف في المنطقة العربية معرضة لخطر أتمتة مرتفع (حوالي 1.2 مليون وظيفة)، بينما تتمتع 14.6% بإمكانات تعزيز كبيرة (حوالي 8 ملايين وظيفة)، وتواجه النساء وكبار السن مخاطر أتمتة أعلى. كما تشير النمذجة الاقتصادية إلى أن توسيع النطاق العريض يخلق وظائف مستقرة، بينما يؤدي دمج الذكاء الاصطناعي إلى نمو اقتصادي أكبر وصافي خلق وظائف على المدى الطويل، بعد فترة خسائر مبدئية. ويبرز الفصل الحاجة الملحة لسياسات استباقية وموجهة لدعم الفئات الأكثر ضعفاً، وضمان جودة الوظائف، وتمكين المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة من التكيف مع هذه التحولات لتحقيق نمو شامل ومستدام.

الفصل الخامس: تحديات التشغيل وفرصه

أثّر التغير التكنولوجي على الدوام في حجم القوى العاملة العالمية وبنيتها، فخلق وظائف في بعض القطاعات وأزاحها في قطاعات أخرى. وتشير الأدلة التاريخية إلى أن التكنولوجيا كانت في المحصلة مولّدة للتشغيل، وإن اقترن ذلك في أحيان كثيرة بتحولات كبيرة في القوى العاملة داخل البلدان والمناطق والصناعات وفيما بينها.

وفي عصر الرقمنة المتسارعة الراهن، تتسارع هذه الديناميات. فأسواق العمل في أنحاء العالم تشهد تغيرات لا في عدد الوظائف المتاحة فحسب، بل في طبيعتها وجودتها أيضاً. إذ تعمل التقنيات الرقمية في آن واحد على إزاحة بعض الوظائف، وتعزيز وظائف قائمة، وتوليد أشكال جديدة كلياً من التشغيل. ويتبين أن ظهور الذكاء الاصطناعي وتقدمه السريع، بما يشمله من تعلم آلي وتعلم عميق وذكاء اصطناعي توليدي ونماذج لغوية كبيرة، ذو أثر تحويلي بالغ. فهذه التقنيات تدفع الأتمتة إلى ما هو أبعد من المهام البدنية الروتينية لتطال الوظائف الإدراكية المعقدة، فتؤثر بصورة متزايدة في الوظائف المكتبية والوظائف القائمة على المعرفة.

ويُعد فهم هذه الاتجاهات أمراً أساسياً لاستشراف التحديات، واغتنام الفرص، وتصميم سياسات تدعم تكيف القوى العاملة وصمودها. ورغم أن كثيراً من البحوث المتعلقة بأثر الرقمنة والذكاء الاصطناعي ركز على الاقتصادات المتقدمة، ثمة فجوة ملحوظة في التحليلات الخاصة بالدول العربية. ويؤكد نقص الأدلة المحلية الحاجة إلى بحث أعمق في كيفية تجلي هذه الاتجاهات العالمية داخل المنطقة، وفي الاستراتيجيات اللازمة للتعامل مع هذا التحول.

لمحة عن العمالة الرقمية في الدول العربية

تشمل العمالة الرقمية عموماً، وإن لم يكن لها تعريف موحد عالمياً، أي عمل يعتمد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أو تدعمه هذه التكنولوجيا. ونظراً لطبيعتها الواسعة والمتطورة، يطرح قياس العمالة الرقمية تحديات كبيرة، مع تباين الأساليب والتعريفات في الغالب بحسب السياقات الوطنية ومدى توافر البيانات. وإدراكاً لهذا التعقيد الذي يزيده التقدم السريع للتقنيات الرقمية، حددت منظمة العمل الدولية مقاربات رئيسية لفهم العمالة الرقمية وقياسها، وتصنفها إلى أساليب قائمة على المخرجات وأخرى قائمة على المهام، تكملها مقاربات نوعية ومختلطة.

ولأغراض هذا القسم، تُرصد العمالة الرقمية باستخدام المقاربة القائمة على المخرجات، وتحديداً أسلوب الكثافة الرقمية. ويدمج التحليل مؤشر الكثافة الرقمية ذا المستويات الأربعة الذي وضعته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لتصنيف القطاعات إلى قطاعات منخفضة الكثافة الرقمية ومتوسطة الكثافة الرقمية وعالية الكثافة الرقمية. ومن ثم تُفهم العمالة الرقمية بمعناها الواسع على أنها جميع الوظائف المؤداة في القطاعات عالية الكثافة الرقمية، ويُستعرض فيما يلي توزيع العمالة في المنطقة بحسب الجنس ومستوى الكثافة الرقمية.

ومن بين الدول الخمس التي تتوافر عنها بيانات عن العمالة القطاعية وفق التصنيف الصناعي الدولي الموحد على مستوى الرقمين، سجلت الإمارات العربية المتحدة أعلى حصة من العمالة الرقمية، إذ يعمل 18.9% من قواها العاملة في قطاعات عالية الكثافة الرقمية. ويعكس ذلك الاقتصاد الرقمي المتقدم نسبياً للإمارات مقارنة بنظرائها في المنطقة. وفي المقابل، تظل العمالة في القطاعات عالية الكثافة الرقمية محدودة في الدول من خارج مجلس التعاون التي شملتها الدراسة. فباستثناء لبنان، يعمل أقل من 10% من القوى العاملة في هذه البلدان في قطاعات عالية الكثافة الرقمية، مما يشير إلى اندماج محدود نسبياً للأنشطة الرقمية المتقدمة في أسواق العمل فيها. وتعود البيانات إلى سنوات مختلفة، هي 2021 للعراق، و2023 للأردن، و2019 للبنان، و2024 لدولة فلسطين، و2023 للإمارات.

ومن الاتجاهات اللافتة في البلدان الخمسة جميعها الحصة الكبيرة من العمالة في القطاعات متوسطة الكثافة الرقمية. ويشير ذلك إلى أن التحول الرقمي ماضٍ في طريقه، لكنه لا يزال متركزاً في قطاعات ذات اعتماد تكنولوجي معتدل. ولتسريع التقدم، يلزم بذل مزيد من الجهود لتوسيع فرص التشغيل في القطاعات عالية الكثافة الرقمية، مع تقليص الاعتماد تدريجياً على القطاعات منخفضة الكثافة الرقمية التي لا تزال تستحوذ على جزء كبير من القوى العاملة.

ومن منظور النوع الاجتماعي، تنخرط النساء عموماً بدرجة أقل في القطاعات منخفضة الكثافة الرقمية، ويتركزن بدرجة أكبر في القطاعات المتوسطة والعالية الكثافة مقارنة بالرجال. ففي بلدان مثل العراق والأردن ولبنان ودولة فلسطين، تعمل أكثر من 50% من النساء المشتغلات في قطاعات متوسطة الكثافة الرقمية. وفي الإمارات، ترتفع حصة النساء في القطاعات عالية الكثافة الرقمية بشكل خاص، إذ تبلغ 21.9% من عمالة النساء، متجاوزة بكثير المستويات المسجلة في البلدان الأخرى. ورغم أن النساء العربيات ممثلات تقليدياً تمثيلاً ناقصاً في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والمجالات كثيفة التكنولوجيا، فقد يكنّ أكثر انخراطاً بقليل من الرجال العرب في العمالة الرقمية بسبب الطبيعة الواسعة والمتنوعة للاقتصاد الرقمي. غير أن هذا الاتجاه لا يعني بالضرورة تحقق المساواة بين الجنسين في العمالة الرقمية. فقد تظل النساء ممثلات تمثيلاً مفرطاً في الشرائح الأدنى أجراً والأقل أماناً أو غير المنظمة من العمل الرقمي، بينما يواصل الرجال هيمنتهم على الأدوار التقنية الأعلى أجراً كهندسة البرمجيات وتطوير الذكاء الاصطناعي.

أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي على الوظائف: إمكانات الأتمتة والتعزيز

شكّل أثر الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل موضع نقاش واسع، ويتفق معظم الباحثين على أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر تأثيراً كبيراً في المهن وسيدفع النمو. غير أن النتائج التجريبية لا تزال غير حاسمة بشأن صافي آثاره على التشغيل والإنتاجية. وقد ركزت الأدبيات أساساً على تقييم "التعرض على مستوى المهام"، أي حصة المهام التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها، لتقدير المخاطر والفرص بالنسبة إلى العاملين. ويرتبط ارتفاع التعرض على مستوى المهام بارتفاع مخاطر الإزاحة. غير أن الدراسات التي أعقبت ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي باتت تفصل على نحو متزايد بين التعرض على مستوى المهام وخطر فقدان الوظيفة، مع التركيز على إمكانات التعزيز التي تنطوي عليها تقنيات الذكاء الاصطناعي. فبحسب درجة التعرض، قد تُؤتمت بعض المهن جزئياً فقط، بما يتيح للعاملين التركيز على مسؤوليات أخرى، فتُستكمل أدوارهم و"تُعزز" بدلاً من أن تُستبدل بالكامل.

وانسجاماً مع الكم المتزايد من البحوث التي أعقبت ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، وظفت دراسة سابقة لمنظمة العمل الدولية تحليل التعرض على مستوى المهام لاستكشاف الديناميات الدقيقة لتأثير الذكاء الاصطناعي على العاملين. وأكدت الدراسة الأثر المزدوج للذكاء الاصطناعي، إذ لا يعني التعرض على مستوى المهام بالضرورة إزاحة الوظيفة، بل قد يتيح للعاملين فرصاً للانتقال نحو أنشطة أكثر إبداعاً أو ذات قيمة مضافة أعلى. وتقدم هذه الدراسة رؤى بشأن التعرض المحتمل للمهن والمهام للنماذج اللغوية الكبيرة ذات القدرات المماثلة لنموذج جي بي تي 4، وهو نموذج من عائلة المحولات التوليدية المدربة مسبقاً، أي النماذج اللغوية الكبيرة القائمة على الشبكات العصبية التي تولد نصوصاً يصعب في الغالب تمييزها عن النصوص التي يكتبها البشر، كما تقدم رؤى بشأن الانعكاسات المحتملة لهذا التعرض. وتُعد الوظائف ذات إمكانات أتمتة مرتفعة إذا كان بوسع التكنولوجيا أن تحل محل معظم المهام المرتبطة بها، بما يفضي إلى فقدان الوظائف. أما حين لا تستطيع التكنولوجيا أتمتة سوى بعض المهام داخل الوظيفة، مع بقاء المدخل البشري ضرورياً للأداء الكلي، فتُعد هذه الوظائف ذات إمكانات تعزيز مرتفعة. ويمكن لهذه الأتمتة الجزئية أن ترفع الكفاءة وتتيح للعاملين التركيز أكثر على مسؤوليات أخرى، فتعزز أدوارهم. وثمة فئة ثالثة من المهن قد تتجه، بحسب تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي ومدى اعتماده، نحو الأتمتة أو التعزيز، بل قد تتطور إلى مهن جديدة كلياً، ونظراً لعدم وضوح اتجاه هذا التطور يُشار إلى هذه الفئة بـ"المجهول الكبير"، ويُقدَّر أنها تمثل قرابة 9% من العمالة العالمية. وتخلص الدراسة إلى أن الأثر الأبرز للذكاء الاصطناعي التوليدي يُرجح أن يكون في تعزيز العمل لا في الأتمتة الكاملة للمهن، بما يفضي إلى تحول في هياكل المهام والأدوار داخل مختلف المهن.

ومن بين المجموعات المهنية الرئيسية، يُعد الكتبة وموظفو الدعم المكتبي الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ إن 24% من المهام الكتابية معرضة بدرجة عالية و58% معرضة بدرجة متوسطة. وبالمقارنة، تبدو المجموعات المهنية الأخرى أقل تعرضاً، إذ تقل حصة المهام ذات إمكانات الأتمتة المرتفعة فيها عن 5%، ولا تتجاوز حصة المهام المعرضة بدرجة متوسطة 25%. وليس مستغرباً أن تتركز المهن ذات إمكانات الأتمتة المرتفعة أساساً في مجموعة الكتبة وموظفي الدعم المكتبي، كطابعي النصوص ومستشاري السفر وصرافي المصارف. وفي المقابل، تتركز المهن ذات إمكانات التعزيز المرتفعة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يفضي إلى تحولات منتجة، في مجموعتي "المهنيين"، كمعلمي التعليم المهني ومطوري البرمجيات والمتخصصين في شبكات الحاسوب، و"الفنيين والمهنيين المساعدين"، كوكلاء العقارات وفنيي الصيدلة ومصممي الديكور الداخلي.

كما أبرزت الدراسة تفاوت آثار التشغيل بين فئات الدخل بفعل اختلاف البنى المهنية. فالبلدان المرتفعة الدخل أكثر تعرضاً لمخاطر الأتمتة؛ إذ بينما يتعرض أقل من 0.5% من إجمالي العمالة في البلدان المنخفضة الدخل للأتمتة المحتملة، ترتفع هذه النسبة إلى 2.5% في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا وإلى 5.5% في البلدان المرتفعة الدخل. وكشفت النتائج كذلك عن أثر مرتبط بالجنس، إذ تبدو النساء أكثر عرضة للأتمتة من الرجال في جميع فئات الدخل، ويُرجح أن يعود ذلك إلى تمثيلهن الأكبر في الوظائف الكتابية.

منظور إقليمي: الآثار المحتملة على الوظائف في الدول العربية

استناداً إلى المنهجية ذاتها، يعتمد هذا التقرير على قاعدة البيانات الجزئية المنسقة لمنظمة العمل الدولية، ويستخدم أساليب إحصائية متقدمة لاستخلاص تقدير إقليمي يمثل الدول العربية الاثنتي عشرة، مع تفصيل إضافي بحسب الجنس والفئة العمرية. وتسلط أعداد العاملين وحصصهم الضوء على إمكانات الأتمتة والتعزيز في مختلف شرائح القوى العاملة.

وفي المنطقة العربية ككل، تمثل الوظائف ذات إمكانات الأتمتة المرتفعة، أي تلك المعرضة لأن يحل محلها الذكاء الاصطناعي التوليدي، 2.2% من إجمالي العمالة، أي ما يعادل نحو 1.2 مليون وظيفة. وتشير هذه الحصة المتواضعة نسبياً إلى أن الأتمتة، وإن كانت مصدر قلق، قد يكون أثرها المُخل الفوري محدوداً على سوق العمل برمتها.

وفي المقابل، تبدو إمكانات تعزيز الوظائف، حيث تعزز التقنيات قدرات العاملين بدلاً من أن تحل محلهم، أكبر بكثير. إذ تتمتع قرابة 14.6% من الوظائف في المنطقة، أي نحو 8 ملايين وظيفة، بإمكانات تعزيز مرتفعة. وتؤكد هذه النتيجة الفرص الكبيرة المتاحة لتسخير التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي في رفع الإنتاجية والكفاءة والقدرة على الصمود، شريطة ضخ الاستثمارات المناسبة في تنمية المهارات والتدريب والبنية التحتية التكنولوجية.

ومن منظور النوع الاجتماعي، تعكس اتجاهات سوق العمل في الدول العربية الأنماط العالمية لكن بصورة أكثر حدة. فحصة الوظائف التي تشغلها النساء والمعرضة لخطر مرتفع من الأتمتة تبلغ 5.3%، أي أكثر من ثلاثة أضعاف حصة الوظائف التي يشغلها الرجال والبالغة 1.6%. ويزداد هذا التفاوت حدة بين الشباب، إذ تتعرض 5.9% من وظائف الشابات لخطر الأتمتة، مقارنة بـ 1.2% فقط من وظائف الشبان، أي بفارق يقارب خمسة أضعاف. وتعكس هذه الفجوة الكبيرة أنواع المهن التي تتركز فيها النساء تقليدياً في المنطقة. فالنساء ممثلات بصورة غير متناسبة في الأدوار التي تنطوي على مهام متكررة وإدارية قائمة على القواعد، وهي فئات شديدة القابلية للأتمتة. وتشمل هذه الأدوار وظائف مثل السكرتارية، وكتبة المحاسبة ومسك الدفاتر، وصرافي المصارف، وأمناء الصناديق، ووظائف متعددة في مبيعات التجزئة. ومع تزايد قدرة التطورات التكنولوجية على أتمتة المهام المعيارية والروتينية، تواجه النساء في هذه الأدوار خطراً متزايداً من الإزاحة.

وفي الوقت ذاته، قد تكون النساء في الدول العربية أكثر استفادة من الرجال من الفرص المرتبطة بتعزيز الوظائف. إذ يُقدَّر أن 22.7% من عمالة النساء تقع في أدوار ذات إمكانات تعزيز مرتفعة، مقارنة بـ 13.0% من عمالة الرجال. ويعود ذلك في جانب كبير منه إلى تركز النساء بدرجة أكبر في قطاعات تمزج بين المهارات التقنية والتفاعل الإنساني. ومن أمثلة هذه الأدوار معلمو التعليم المهني ومعلمو المدارس الذين يدمجون الأدوات الرقمية في الفصول الدراسية بصورة متزايدة، وأخصائيو التعليم الذين يصممون مناهج مدمجة بالتكنولوجيا، ومهنيو الرعاية الصحية كأخصائيي التغذية والممرضين والعاملين في الصحة المجتمعية الذين يستخدمون التقنيات الصحية لتحسين رعاية المرضى، والعاملون في الخدمات الشخصية كمصففي الشعر ونُدُل المطاعم ومضيفي السفر، الذين ينطوي عملهم على مهارات يصعب أتمتتها كالتعاطف والتواصل والتفاعل الإنساني المعقد.

وعلى المستوى العالمي، تسجل منطقة الدول العربية أعلى نسبة من وظائف النساء ذات إمكانات التعزيز المرتفعة. وتبرز هذه الدينامية فرصة حاسمة لتحقيق مكاسب في الإنتاجية وتحسينات في جودة الوظائف للنساء معاً. كما تمثل مدخلاً لتعزيز المساواة بين الجنسين في القوى العاملة، بما يمكّن النساء لا من التكيف مع عالم العمل المتغير فحسب، بل من الازدهار فيه أيضاً. ومن شأن الاستثمارات الاستراتيجية في قطاعات مثل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الشخصية، مقرونة باعتماد أوسع للتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، أن تحول هذه المهن إلى مصادر لعمل لائق ومجزٍ للنساء. وتُعد الجهود الموجهة لتحسين جودة الوظائف، وتوسيع فرص التدريب وإعادة التأهيل، وتوفير دعم الدخل خلال التحولات القطاعية، عناصر حاسمة في هذه العملية. ولن تقتصر هذه الاستثمارات على تمكين النساء، بل ستلبي كذلك الاحتياجات المتطورة للمجتمعات، وتعزز سوق عمل أكثر شمولاً وقدرة على الصمود، ولا سيما في وقت تظل فيه قصور نظم الرعاية عائقاً رئيسياً أمام سد الفجوات بين الجنسين على المستوى العالمي.

ومن منظور العمر، تكشف البيانات أن الشباب أقل حظاً من البالغين في الاستفادة من فرص التعزيز. فبينما تتقارب مخاطر الأتمتة، إذ تطال 2.0% من عمالة الشباب و2.3% من وظائف البالغين في الدول العربية، تتسم الوظائف التي يشغلها الشباب عموماً بإمكانات تعزيز أدنى، إذ تُعد 12.7% من وظائفهم ملائمة للتعزيز، مقارنة بـ 14.9% من وظائف البالغين. وقد يعكس هذا التفاوت كون العاملين البالغين أكثر تواجداً في أدوار راسخة ذات مهارات أعلى أو في مناصب إدارية، حيث تعزز التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي المهام دون أن تحل محل الإسهام البشري. وفي المقابل، كثيراً ما يكون وصول الشباب إلى هذه الأدوار محدوداً لافتقارهم إلى الخبرة أو المهارات المتخصصة. كما يُرجح أن يتركز العاملون الشباب في وظائف مؤقتة قائمة على المهام أو في قطاعات مثل تجارة التجزئة والضيافة التي تتيح عادة إمكانات تعزيز أدنى. وقد تزيد محدودية الوصول إلى فرص التدريب وإعادة التأهيل، والتحيزات لصالح العاملين الأكبر سناً في الأدوار الأكثر تقدماً، من تراجع آفاق التعزيز لدى الشباب.

وإضافة إلى ما سبق، تشير البحوث العالمية إلى أن الأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي يُرجح أن تؤثر أكثر في البلدان المرتفعة الدخل، حيث تُعد 5.1% من العمالة معرضة لخطر مرتفع من الأتمتة، مقارنة بـ 0.4% فقط في البلدان المنخفضة الدخل. وبالمثل، تتزايد إمكانات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الوظائف مع ارتفاع مستوى الدخل، من 10.4% من الوظائف في البلدان المنخفضة الدخل إلى 13.4% في البلدان المرتفعة الدخل. وبافتراض أن هذه الأنماط تسري داخل منطقة الدول العربية، يمكن توقع أن تواجه دول مجلس التعاون، وهي في العادة أعلى دخلاً وأكثر تقدماً تكنولوجياً، تعرضاً أكبر للأتمتة والتعزيز معاً. وفي المقابل، قد تشهد الدول الأقل ثراءً بالموارد من خارج المجلس اعتماداً أبطأ وآثاراً أكثر محدودية.

ورغم أن هذا التحليل لا يأخذ في الحسبان الوظائف الجديدة التي ستنشأ مصاحبة للاستثمارات في الذكاء الاصطناعي التوليدي، تكشف البيانات والأدلة المتاحة أن التحول الرقمي ليس "كارثة تشغيل، بل تحولاً". ويتيح هذا التحول فرصاً لإعادة تعريف العمل، ورفع الإنتاجية، ونأمل أن يسهم في سد الفجوات بين الجنسين وبين الأجيال في سوق العمل. ولجني هذه المنافع كاملة، يتعين على الحكومات ومنظمات أصحاب العمل والعمال وغيرهم من أصحاب المصلحة أن يعالجوا استباقياً مواطن الضعف والفرص الخاصة بمختلف شرائح القوى العاملة. ويتطلب تحقيق انتقال شامل وعادل سياسات تخفف آثار إزاحة الوظائف مع تعظيم مكاسب الإنتاجية، مدعومة بتدابير الحماية الاجتماعية وبرامج التدريب الموجهة ومبادرات شاملة لتنمية المهارات.

استشراف التحول الرقمي: مسارات التشغيل والنمو

يسعى هذا القسم إلى فهم حجم خلق الوظائف وفقدانها بفعل الرقمنة والذكاء الاصطناعي، من خلال نمذجة سيناريوهات مختلفة بالتعاون مع مؤسسة كامبريدج إيكونومتريكس. وقد جرت نمذجة الآثار الكمية للتحول الرقمي على التشغيل والناتج الاقتصادي باستخدام نموذج E3ME. ويُستخدم هذا النموذج الاقتصادي الكلي على نطاق واسع في تقييم السياسات والبحث، ولا سيما لتحليل الآثار الاقتصادية وآثار التشغيل المترتبة على التحولين الأخضر والرقمي. وقد أنتج النموذج تقديرات متعددة للآثار الاقتصادية وآثار التشغيل خلال الفترة من 2024 إلى 2035 عبر ثلاثة سيناريوهات، إذ يقارن سيناريوهين افتراضيين بسيناريو مرجعي يعكس مساراً يستمر فيه الوضع على ما هو عليه دون تحولات جوهرية في السياسات أو التكنولوجيا.

ويمثل السيناريوهان البديلان مستويين مختلفين من الطموح في التحول الرقمي في الدول العربية:

سيناريو توسيع النطاق العريض، ويفترض تحقيق تغطية شبه شاملة بالنطاق العريض لا تقل عن 90% بحلول عام 2030، انسجاماً مع الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة.

سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي، ويبني على أساس سيناريو توسيع النطاق العريض، ويدرج إضافة إلى ذلك الآثار المحتملة لاعتماد الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الاقتصادية.

ويوضح هذان السيناريوهان معاً كيف يمكن للنهوض بالبنية التحتية الرقمية ودمج الذكاء الاصطناعي أن يعيدا تشكيل النمو الاقتصادي والتشغيل في المنطقة العربية. وكما هو الحال في المقاربة القائمة على المهام التي سبق عرضها، لا يُقصد بهذا النموذج تقديم صورة دقيقة للمستقبل، بل إبراز الاتجاهات والتحولات المحتملة لتكون دليلاً لوضع السياسات الملائمة.

الأثر الاقتصادي الكلي على الناتج المحلي الإجمالي والتشغيل

تكشف مقارنة السيناريوهين بالسيناريو المرجعي عن ديناميات اقتصادية كلية متمايزة تشكّلها افتراضات ومستويات طموح رقمي مختلفة. وتُظهر التوقعات الخاصة بالناتج المحلي الإجمالي والتشغيل كيف يمكن للتوسع الرقمي واعتماد الذكاء الاصطناعي أن يؤثرا في المسار الاقتصادي للمنطقة ومسار سوق العمل فيها، بما في ذلك صافي خلق الوظائف.

ويتطلب فهم آثار التشغيل المحتملة بحث الآليات الكامنة التي تدفع نمو الوظائف والتحولات الهيكلية. وفي كلا السيناريوهين، يُدفع خلق الوظائف بثلاثة آثار رئيسية:

الآثار المباشرة، وتشير إلى الوظائف المرتبطة مباشرة بتطوير التقنيات الرقمية ونشرها وتشغيلها، ومن أمثلتها مهندسو البنية التحتية للشبكات في سيناريو توسيع النطاق العريض ومطورو أنظمة الذكاء الاصطناعي في سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي.

الآثار غير المباشرة، وتنشأ في القطاعات التي تدعمها البنية التحتية الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي أو تتيحها هذه البنية والتقنيات، كأدوار سلاسل الإمداد في تصنيع المعدات أو وظائف الخدمات اللوجستية المرتبطة بتوسع التجارة الإلكترونية.

الآثار المستحثة، وتتولد من الآثار الاقتصادية المتتالية الأوسع، إذ يحفز ارتفاع مستويات الدخل والاستهلاك لدى العاملين في الأدوار المباشرة وغير المباشرة الطلب على السلع والخدمات. فارتفاع الدخل المتاح مثلاً قد يعزز التشغيل في تجارة التجزئة والضيافة وغيرها من قطاعات الخدمات.

وتشكل هذه الديناميات، إلى جانب الآثار المحتملة لفقدان الوظائف، أساس التحولات في التشغيل التي تُبحث لاحقاً عبر القطاعات والفئات الديمغرافية.

ويحقق سيناريو توسيع النطاق العريض مكاسب اقتصادية ومكاسب في التشغيل متسقة تفوق المسار المرجعي. ففي هذا السيناريو، ترتفع الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالمسار المرجعي من 2.6 مليار دولار أمريكي عام 2024 إلى 4.1 مليار دولار عام 2030 ثم إلى 4.6 مليار دولار عام 2035، بأسعار عام 2010. ويعكس هذا النمو الآثار المركبة لارتفاع مستويات الاستثمار في النطاق العريض وتحسن الإنتاجية في مختلف القطاعات، ويغذيه التحسن الكبير في الاتصال بالإنترنت الذي يتيح نفاذاً أوسع إلى الخدمات الرقمية والمعلومات. ويعزز اتساع تغطية النطاق العريض الشمول المالي والإدماج الاجتماعي وتحسين الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالرعاية الصحية والتعليم. وتترجم هذه المنافع إلى ارتفاع إنفاق المستهلكين على الخدمات القائمة على الإنترنت، كالخدمات المالية والترفيهية وخدمات الاتصال، بما يدفع النشاط الاقتصادي دفعاً كبيراً.

وتأتي آثار التشغيل إيجابية بالمثل، مع تزايد مطرد في صافي خلق الوظائف خلال الفترة. فمقارنة بالسيناريو المرجعي، يحقق توسيع النطاق العريض 72.8 ألف وظيفة إضافية عام 2024، ترتفع إلى 150.6 ألف عام 2030، ثم إلى 185.9 ألف وظيفة إضافية بحلول عام 2035. ويُدفع هذا النمو القوي في التشغيل في البداية بالطبيعة كثيفة العمالة لتطوير البنية التحتية للنطاق العريض، التي تولد طلباً في قطاعات مثل البناء والإلكترونيات والاتصالات. ومع مرور الوقت، يمكن للرقمنة المتزايدة أن تعزز مكاسب الإنتاجية في طيف واسع من الصناعات، بما يرسخ خلق الوظائف والحيوية الاقتصادية.

أما سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي فيُظهر مكاسب اقتصادية لافتة إلى جانب ديناميات تشغيل أكثر تعقيداً. فمقارنة بالمسار المرجعي، يرتفع الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعاً حاداً، من زيادة قدرها 2.2 مليار دولار عام 2024 إلى 11.6 مليار دولار عام 2030 ثم إلى 14.1 مليار دولار بحلول عام 2035. ويبرز هذا النمو الكبير الإمكانات التحويلية لتقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصادات ودفع الابتكار وتعزيز التنافسية في مختلف القطاعات.

غير أن نتائج التشغيل تقدم صورة أكثر دقة. ففي البداية، يفضي هذا السيناريو إلى خسائر في الوظائف مقارنة بالمسار المرجعي، إذ يسجل عام 2024 تراجعاً قدره 4.6 ألف وظيفة، بما يعكس إزاحة الأدوار في المهن شديدة القابلية للأتمتة. ثم تبدأ سوق العمل في التعافي عام 2028، مع تسارع خلق الوظائف في القطاعات المستفيدة من التعزيز القائم على الذكاء الاصطناعي، لتبلغ المكاسب 37 ألف وظيفة عام 2030. وبحلول عام 2035، يتحقق صافي مكسب قدره 118.4 ألف وظيفة مقارنة بالسيناريو المرجعي. وتتشكل مكاسب التشغيل في هذا السيناريو بفعل آليات رئيسية عدة، منها:

النمو في الطلب على العمالة الخاص بقطاعات بعينها، إذ تستفيد القطاعات ذات الاستخدام المرتفع للحاسوب وإمكانات التعزيز من تحسينات المهام التي تتيحها تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يدفع الطلب على العمالة المتخصصة والماهرة.

آثار النشاط الاستثماري، إذ تولد الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي طلباً على السلع والخدمات والعمالة في القطاعات المستهدفة وعبر سلاسل الإمداد.

التنافسية المدفوعة بالإنتاجية، إذ يعزز اعتماد الذكاء الاصطناعي الكفاءة ويخفض تكاليف الإنتاج، بما يتيح زيادة الناتج وتقليص الواردات وزيادة الصادرات، ويعزز الطلب على العمالة بدرجة أكبر.

الآثار المضاعفة، إذ يفضي الأثر المجمع للأنشطة المباشرة وغير المباشرة إلى آثار مستحثة يحفز فيها النشاط الاقتصادي المتزايد طلباً أوسع على السلع والخدمات، بما يدعم خلق الوظائف في قطاعات متعددة.

ومن الطبيعي أن يكون حجم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي أوسع منه في سيناريو توسيع النطاق العريض. فبينما يركز الأخير استثماراته في البلدان التي تعالج فجوات في تغطية النطاق العريض، يفترض سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي نشاطاً استثمارياً يشمل جميع الدول العربية، بما يضخم النشاط الاقتصادي والطلب على العمالة. وتعمل هذه الآليات بالتزامن مع إزاحة الوظائف بفعل الأتمتة، مما يفضي إلى مكاسب أو خسائر صافية في مراحل مختلفة وعبر قطاعات مختلفة. ففي المرحلة المبكرة، تغلب الخسائر الكبيرة في الوظائف، إذ تزيح الأتمتة الوظائف في المهن عالية المخاطر بوتيرة تفوق وتيرة خلق الوظائف. غير أن هذا الاتجاه ينعكس مع مرور الوقت، إذ يتجاوز خلق الوظائف المدفوع بزيادة الطلب على العمالة وتحسن الإنتاجية والتوسع الاقتصادي حجم الخسائر، لينتهي الأمر بصافي تشغيل كبير بحلول عام 2035.

وبوجه عام، ورغم أن سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي ينطوي على تحديات انتقالية، فإنه يتيح في نهاية المطاف فرصاً كبيرة لرفع الإنتاجية وتحقيق صافي خلق للوظائف وتعزيز الصمود الاقتصادي، شريطة وجود سياسات ملائمة لدعم انتقال العاملين وتنمية المهارات.

اعتبارات أساسية لتفسير نتائج السيناريوهات

رغم أن هذه السيناريوهات تقدم رؤى قيّمة بشأن النتائج المستقبلية المحتملة، فإنها تمثل تصورات مبسطة لا تنبؤات قاطعة. ونظراً لأوجه عدم اليقين الملازمة لمستقبل العمل، الناجمة عن عوامل مثل مدى اعتماد التكنولوجيا وتوافر التمويل والجاهزية المؤسسية، تتطلب النتائج تفسيراً حذراً.

الموازنة بين التشغيل والتنافسية. قد تقود مقارنة الوظائف البالغة 185 ألفاً في سيناريو توسيع النطاق العريض بالوظائف البالغة 118 ألفاً في سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي إلى استنتاج خاطئ مفاده أن توسيع النطاق العريض وحده كافٍ للدول العربية. فرغم أن توسيع النطاق العريض يحقق فعلاً مكاسب كبيرة ومتسقة في التشغيل، فإن الاقتصار عليه يهدد بتقويض التنافسية على المدى الطويل. فمن دون اعتماد الذكاء الاصطناعي، قد تتخلف البلدان عن ركب التقدم التكنولوجي العالمي، وتفوّت مكاسب حاسمة في الإنتاجية مرتبطة بالكفاءات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي. وهذه المكاسب ضرورية لخفض التكاليف، وتحسين جودة المنتجات، وتطوير صناعات متقدمة، واستدامة النمو الاقتصادي. فدمج الذكاء الاصطناعي ينطوي على إمكانات لتحويل الاقتصادات من خلال دفع الابتكار، واجتذاب الاستثمار الأجنبي، ورفع الناتج المحلي الإجمالي والإنتاجية رفعاً كبيراً، وتعزيز خلق وظائف أعلى جودة وأجراً.

التنوع الإقليمي والاستراتيجيات المصممة حسب الحاجة. تتسم منطقة الدول العربية بتنوع كبير، مع فوارق جوهرية في جاهزية البلدان وقدرتها المالية على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فبعض البلدان، ولا سيما دول مجلس التعاون، تمتلك بالفعل تغطية واسعة بالنطاق العريض، وهي في موقع جيد للسعي إلى اعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، مدعومة بموارد مالية وقدرات مؤسسية قوية. وفي المقابل، قد تمنح كثير من الدول من خارج المجلس، التي تواجه قيوداً مالية أو مؤسسية، الأولوية لتوسيع النطاق العريض بوصفه استراتيجية أكثر إلحاحاً وأثراً. فتوسيع النفاذ إلى النطاق العريض يمكن أن يحسن الإدماج الرقمي، ويخلق الوظائف، ويعزز الاندماج الاجتماعي والمالي. وبالنسبة إلى هذه البلدان، يوفر الاستثمار في البنية التحتية للنطاق العريض أساساً عملياً لسد الفجوات الرقمية، وتحفيز التنمية الاقتصادية، وتمهيد الطريق لدمج الذكاء الاصطناعي مستقبلاً حين تسمح الظروف بذلك.

والخلاصة الأساسية لا تكمن في المقارنة بين السيناريوهين، بل في إدراك إمكاناتهما المشتركة في خلق الوظائف، والتأكيد على الأهمية الحاسمة للنهوض بالرقمنة بوصفها ركيزة للنمو الاقتصادي ونمو سوق العمل. فاعتماد الذكاء الاصطناعي لم يعد مسألة "هل" بل مسألة "متى". وسيتعين على كل بلد أن يتقدم بوتيرته الخاصة وفقاً لقدراته. غير أنه من الضروري إدراك أن الذكاء الاصطناعي سيحول الاقتصادات وأسواق العمل تحويلاً جذرياً، حاملاً مخاطر كبيرة لإزاحة الوظائف إلى جانب فرص تشغيل جديدة وأفضل.

ويؤكد هذا التحليل، الذي يُطوّر فيما يلي بحسب القطاع والمهنة والخصائص الديمغرافية الأخرى، الحاجة الملحة لأن تستعد البلدان للتغيرات المقبلة. إنه دعوة إلى العمل، فالتدابير الاستباقية كبرامج إعادة التأهيل ونظم الحماية الاجتماعية المتينة واستراتيجيات دعم تكيف القوى العاملة ضرورية لضمان أن يفضي الانتقال إلى اقتصادات قائمة على الذكاء الاصطناعي إلى نمو شامل ومستدام. ويتعين على صناع السياسات أن يدركوا أن اعتماد الذكاء الاصطناعي أمر حتمي، وأن يتحركوا بحزم للتخفيف من المخاطر على الفئات الأكثر ضعفاً مع ضمان توزيع الفرص بإنصاف، دون أن يُترك أحد خلف الركب.

آثار التشغيل عبر القطاعات والمهن

لإدراك انعكاسات الذكاء الاصطناعي والرقمنة إدراكاً كاملاً، لا بد من بحث تفاوت آثارهما بين القطاعات والمهن. فالتقنيات الرقمية لا تعيد تشكيل عالم العمل على نحو متجانس، بل يتفاوت تأثيرها تفاوتاً كبيراً، وكثيراً ما يضخم التفاوتات القائمة ويخلق ديناميات جديدة داخل أسواق العمل. ويقدم هذا القسم تحليلاً مفصلاً لنتائج التشغيل، مقارناً التغيرات المتوقعة بالسيناريو المرجعي عبر القطاعات والمهن.

التحولات القطاعية في التشغيل

تبرز تقديرات التشغيل تحولات قطاعية كبيرة في سيناريو توسيع النطاق العريض وسيناريو دمج الذكاء الاصطناعي على حد سواء.

ففي سيناريو توسيع النطاق العريض، تتوزع مكاسب التشغيل بحلول عام 2035 توزيعاً غير متساوٍ بين القطاعات، بما يعكس تفاوت حساسية الصناعات للتحسينات في البنية التحتية الرقمية. ويشهد قطاع التوزيع وتجارة التجزئة والفنادق والمطاعم أكبر مكاسب التشغيل عام 2035، مدفوعاً بشدة استجابة هذا القطاع لطلب المستهلكين الذي يرتفع مع تحسن الاتصال والنفاذ إلى الأسواق الإلكترونية. فالبنية التحتية الرقمية تيسر نماذج أعمال جديدة كالتجارة الإلكترونية، وتوسع النطاق السوقي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتخلق طلباً إضافياً على العمالة في خدمات التجزئة كثيفة العمالة.

ويُتوقع كذلك أن يضيف قطاع النقل والتخزين وظائف، مستفيداً من النمو الذي يتيحه النطاق العريض في الخدمات اللوجستية وخدمات التوصيل وإدارة سلاسل الإمداد. فالشبكات الرقمية المحسنة تطور تخطيط المسارات وتتبع المخزون وخدمة العملاء، بما يولد حاجة إلى توسيع الموارد البشرية في المراكز اللوجستية وخدمات التوصيل إلى الوجهة النهائية. كما ستشهد الصناعات التحويلية، ولا سيما المتقدمة منها، نمواً مع تحسين النطاق العريض للاتصال بين منشآت الإنتاج وعبر سلاسل الإمداد. فالبنية التحتية الرقمية المحسنة تمكّن المصنعين من اعتماد أدوات رقمية أكثر كفاءة، وتبسيط العمليات، والمشاركة في الأسواق الرقمية، بما قد يفضي إلى إنتاجية أعلى ويخلق طلباً جديداً على العاملين التقنيين المهرة والمهندسين والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات.

وفي الخدمات العامة، ورغم أن نمو القطاع متواضع مقارنة بتجارة التجزئة والخدمات اللوجستية، يظل هناك صافي خلق للوظائف، إذ يعزز التوسع الرقمي تقديم خدمات التعليم والرعاية الصحية والخدمات الحكومية، بما يتطلب موظفين إضافيين، منهم العاملون في دعم تكنولوجيا المعلومات والإدارة الرقمية والصحة عن بُعد ومنصات التعلم الإلكتروني.

وأخيراً، يشهد قطاع البناء مكاسب مبكرة في التشغيل تبلغ ذروتها بحلول عام 2030. ويعكس هذا النمو المتركز في البداية الطلب الفوري على العمالة المرتبط بنشر البنية التحتية للنطاق العريض، كتركيب الشبكات والأعمال المدنية وخدمات الدعم المتصلة بها. وبعد إرساء البنية التحتية الأولية، تتراجع مستويات التشغيل مع حلول أعمال الصيانة محل مشاريع البناء الكبيرة.

وبوجه عام، يعكس توزيع مكاسب التشغيل فوارق خاصة بكل قطاع في الكثافة الرقمية ومرونة الطلب على العمالة. فتجارة التجزئة والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية المتقدمة شديدة الحساسية لتحسينات الاتصال، لأنها تدمج التقنيات الرقمية في عملياتها الأساسية وفي تعاملها مع العملاء على حد سواء. وفي المقابل، تواجه الخدمات العامة، رغم تزايد رقمنتها، قيوداً هيكلية على توسيع التشغيل بسبب التمويل والتنظيم وبطء اعتماد نماذج الخدمة الجديدة. أما البناء فيشهد مكاسب مؤقتة مرتبطة بنشر البنية التحتية، لكنه لا يحافظ على نمو في التشغيل مدفوع بالرقمنة على المدى الطويل.

ومن الملاحظات اللافتة الأخرى ما يتعلق بخدمات الأعمال المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ففي البداية، يستفيد هذا القطاع الفرعي من توسيع النطاق العريض، إذ تحتاج الشركات إلى خبراء لتركيب الأنظمة الرقمية الجديدة وتكييفها ونشرها. غير أنه بحلول عام 2035، تتضاءل مكاسب التشغيل الصافية. فمع استكمال الشركات توسيع بنيتها التحتية الرقمية، تتحول كثير من الأدوار من دعم النمو إلى التركيز على الصيانة والتحسين، مما يفضي إلى تباطؤ خلق الوظائف.

وفي الوقت ذاته، تتراجع مستويات التشغيل في قطاعات أخرى مقارنة بالمسار المرجعي. ومن بين هذه القطاعات، تتكبد خدمات الأعمال غير المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أكبر الخسائر، بفعل تحول الطلب بعيداً عن الأدوار التقليدية. فمع تزايد اعتماد الشركات على تقنيات تبسط سير العمل وتؤتمت المهام الروتينية وترفع الكفاءة التشغيلية، تصبح كثير من وظائف دعم الأعمال التقليدية فائضة عن الحاجة أو تتقلص تقلصاً كبيراً.

وعلى غرار سيناريو توسيع النطاق العريض، تبرز آثار التشغيل مقارنة بالمسار المرجعي في سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي الأكثر طموحاً تحولات قطاعية مهمة، إذ يبرز قطاعا البناء والنقل والتخزين بوصفهما أكبر الرابحين بحلول عام 2035. ففي قطاع البناء، ستتيح أدوات الذكاء الاصطناعي تخطيطاً أسرع وأدق، بما يقلص تأخر المشاريع وتجاوز التكاليف. فضلاً عن ذلك، يتطلب الاقتصاد القائم على الذكاء الاصطناعي بنية تحتية مادية جديدة، منها مراكز البيانات والمدن الذكية والمراكز اللوجستية، بما يغذي الطلب على عمال البناء والمهندسين المدنيين والكهربائيين والحرف المرتبطة بها. وتجدر الإشارة كذلك إلى أن كثيراً من مهام البناء يصعب أتمتتها بالكامل، فالذكاء الاصطناعي يكمل المهام من خلال تحسين التخطيط وإدارة المواقع، بينما يظل البشر ينفذون جزءاً كبيراً من العمل البدني.

وبالمثل، يُتوقع في قطاع النقل والتخزين، رغم احتمال إزاحة بعض الوظائف، زيادة صافية في التشغيل. فالذكاء الاصطناعي يحول هذا القطاع من خلال خلق أدوار جديدة، منها الإشراف على المركبات والمستودعات ذاتية التشغيل، وإدارة البيانات اللوجستية، وصيانة الأساطيل الذكية، وضمان الأمن السيبراني. ومع انتقال المهام من العمل اليدوي إلى وظائف أكثر تقنية وإشرافية، يواصل الطلب المتنامي المدفوع بالتجارة الإلكترونية وعمليات التوصيل الحضرية وسلاسل الإمداد العالمية توليد فرص تشغيل جديدة. ورغم تزايد الأتمتة، ستظل أنشطة كثيرة، كالتحميل والتوصيل إلى الوجهة النهائية وخدمة العملاء وإدارة المخزون، تتطلب إشرافاً بشرياً. فالذكاء الاصطناعي لا يحل محل العاملين، بل يعيد تشكيل الوظائف ويدفع إلى رفع مهارات القوى العاملة في هذا القطاع.

ويشهد قطاع الزراعة والغابات كذلك مكاسب إيجابية في التشغيل، متأثراً بتحولات في أنماط إنفاق المستهلكين ناجمة عن مكاسب الإنتاجية والنمو الاقتصادي المدفوعين بالذكاء الاصطناعي، إذ يزيد ذلك بدوره الطلب على السلع والخدمات، ومنها المنتجات المرتبطة بالزراعة. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الزراعة من خلال أتمتة المهام الروتينية كالزراعة والحصاد والري، مما قد يقلص بعض وظائف العمل اليدوي. لكنه يخلق في المقابل فرص تشغيل جديدة في مجالات مثل صيانة الآلات والبرمجة وتحليل البيانات وإدارة المزارع. ومع اعتماد المزارع أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي لرصد المحاصيل وترشيد الموارد وتعزيز الاستدامة، سيتزايد الطلب على عاملين يتمتعون بمهارات تقنية ورقمية ومالية. وبوجه عام، يُتوقع أن يجعل الذكاء الاصطناعي الزراعة أكثر كفاءة وربحية، وأن يحول القوى العاملة الزراعية دون أن يقضي عليها، مع دفع الحاجة إلى أنواع جديدة من الخبرات.

وبالنسبة إلى الصناعات الاستخراجية والصناعات التحويلية المتقدمة، يُتوقع أثر إيجابي صافٍ على التشغيل في سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي. وتعكس هذه المكاسب فرصاً في الأدوار الماهرة المتعلقة بتطبيق التكنولوجيا والإشراف عليها، وهي فرص تستكملها الطلبات الناشئة عن النشاط الاقتصادي الأوسع وروابط سلاسل الإمداد، فتدفع نمو التشغيل إلى ما يتجاوز خسائر الوظائف المتوقعة بفعل الأتمتة في هذه القطاعات.

أما خدمات الأعمال المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات فتسلك مساراً ديناميكياً في سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي، إذ تشهد خسائر أولية في الوظائف ثم تنتقل لاحقاً إلى نمو كبير. فيسجل القطاع تراجعاً في التشغيل بين عامي 2024 و2028، بما يعكس الإزاحة قصيرة الأمد للعاملين مع تطبيق الشركات لأنظمة الذكاء الاصطناعي وأتمتة المهام التقليدية. واعتباراً من عام 2029، يدخل القطاع مرحلة نمو، مع تزايد الطلب على الخبرات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بفعل اتساع اعتماد الذكاء الاصطناعي في مختلف الصناعات. وتقود هذا النمو أدوار في تطبيق الأنظمة وتحليل البيانات وصيانة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. ويتناقض هذا النمط تناقضاً حاداً مع خدمات الأعمال غير المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، التي تُظهر تراجعاً في التشغيل مقارنة بالمسار المرجعي بسبب الإزاحة الكبيرة للأدوار الإدارية والتشغيلية التقليدية. ويعكس التباين بين الشقين داخل خدمات الأعمال إعادة الهيكلة الأوسع التي يدفعها الذكاء الاصطناعي، حيث تكتسب الأدوار ذات التوجه التكنولوجي أهمية متزايدة بينما تُلغى الأدوار التقليدية تدريجياً.

ويُتوقع كذلك أن تواجه الخدمات العامة خسائر في التشغيل مقارنة بالسيناريو المرجعي، بسبب الأتمتة والكفاءات الإدارية التي يعززها الذكاء الاصطناعي. إذ تُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لتبسيط الوظائف الإدارية ورقمنة الخدمات العامة وأتمتة المهام في مجالات مثل الترخيص وإدارة السجلات وخدمات المواطنين. وتقلص هذه الجهود الحاجة إلى قوى عاملة إدارية كبيرة، ولا سيما في الأدوار التي تنطوي على مهام كتابية متكررة. وفي الوقت ذاته، تحول الحكومات تركيزها نحو تنمية القطاع الخاص والتحول الرقمي والتنويع الاقتصادي، مما يعيد توجيه نمو التشغيل بعيداً عن القطاع العام. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحسن جودة الخدمات العامة واستجابتها، فإنه يسهم في جهاز حكومي أكثر رشاقة، ولا سيما في السياقات التي أدى فيها التوظيف العام تاريخياً دور صمام أمان اجتماعي لخلق الوظائف.

وتواجه الصناعات التحويلية الأساسية وقطاع التوزيع وتجارة التجزئة والفنادق والمطاعم انكماشاً كبيراً. ويعكس هذا التراجع اضطراب عمليات التصنيع التقليدية ونماذج الخدمات بفعل الابتكارات والتحولات التشغيلية التي يقودها الذكاء الاصطناعي، حيث تفوق الخسائر الكبيرة في الوظائف أي مكاسب في هذه القطاعات.

وبوجه عام، يبرز التحليل تبايناً صارخاً؛ فبينما يحقق توسيع النطاق العريض صافي خلق مطرد للوظائف في جميع القطاعات تقريباً مع أثر سلبي طفيف في قلة منها، يُحدث اعتماد الذكاء الاصطناعي تحولات عميقة تفضي إما إلى مكاسب صافية كبيرة وإما إلى خسائر كبيرة بحسب القطاع. وتؤكد النتائج أهمية السياسات الاستباقية لدعم العاملين في مرحلة الانتقال وضمان نتائج منصفة عبر القطاعات.

التحولات في التشغيل بحسب المهنة

تمثل المهن، وما تنطوي عليه من مهام، القناة الرئيسية التي تمارس الرقمنة والذكاء الاصطناعي من خلالها تأثيرهما. ففي سيناريو توسيع النطاق العريض، يُلاحظ نمو إيجابي متسق في التشغيل في طيف واسع من المهن. وتتحقق أكبر المكاسب في الأدوار كثيفة العمالة والموجهة إلى المستهلكين التي تتطلب تفاعلاً إنسانياً، كالعاملين في الخدمات الشخصية وعمال المبيعات، إلى جانب مساعدي إعداد الطعام والعاملين في الرعاية الشخصية وخدمات الحماية والسائقين. ويعكس ذلك كيف يحفز النفاذ الرقمي الأوسع طلب المستهلكين، ويعزز النشاط الاقتصادي المحلي، ويدعم المشاركة الشاملة في القوى العاملة. ورغم أن الزيادات في المهن عالية المهارة، كالمهنيين في العلوم والهندسة والمهنيين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أكثر تواضعاً، فإن هذا السيناريو لا يفضي إلى اضطرابات كبيرة في التشغيل أو خسائر واسعة في الوظائف، بل يشير النموذج إلى مسار مستقر وشامل لنمو التشغيل.

وعلى النقيض من ذلك، يُظهر سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي إعادة تشكيل ديناميكية للمشهد المهني، تتسم بخلق كبير للوظائف في عدة مهن عالية الطلب، يقابله فقدان كبير للوظائف في مهن أخرى، بما يعكس الطبيعة المُربكة والتحويلية في آن واحد للذكاء الاصطناعي. ويُلاحظ نمو كبير في التشغيل في المهن المتسقة مع المتطلبات التكنولوجية والإدارية والإنسانية لاقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي.

ويتصدر العاملون في الخدمات الشخصية مكاسب التشغيل، بما لا يعكس صمود الأدوار الموجهة إلى الناس التي يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها فحسب، بل يعكس أيضاً الديناميات الأوسع للتغير الاقتصادي المدفوع بالذكاء الاصطناعي. فمع تعزيز الذكاء الاصطناعي للإنتاجية وتوليده مكاسب في القطاعات عالية المهارة وكثيفة التكنولوجيا، يتحول إنفاق المستهلكين بصورة متزايدة نحو الخدمات التي تركز على الرعاية الشخصية والتفاعل الإنساني والقيمة التجريبية، بما يدفع خلق الوظائف في هذه المهن. كما يشهد المهنيون في مجال التدريس نمواً كبيراً، بما يعكس تزايد الطلب على نظم التعليم والتدريب القادرة على دعم سوق عمل سريعة التطور. فمع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للمهارات المطلوبة في مختلف القطاعات، يُتوقع أن تتوسع نظم التعليم النظامي، إلى جانب برامج التعلم المهني وتعليم الكبار. ويدفع ذلك الطلب على المعلمين والمدربين، ولا سيما في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والثقافة الرقمية والتعليم التقني، إلى جانب مجالات جديدة أخرى يحتاجها الاقتصاد الرقمي. وتظهر مكاسب إضافية في التشغيل كذلك لدى السائقين ومشغلي المعدات المتنقلة، ولدى العاملين في حرف البناء وما يتصل بها، مرتبطة بتزايد نشاط البنية التحتية والخدمات اللوجستية الذي يدعمه الذكاء الاصطناعي.

وتتوسع كذلك الأدوار عالية المهارة، كالمهنيين في العلوم والهندسة ومديري الإنتاج والخدمات المتخصصة، مدفوعة بالحاجة إلى الخبرة التقنية والقيادة في نشر الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت ذاته، تظل أدوار مثل عمال النظافة والمساعدين، والعاملين في خدمات الحماية، ومساعدي إعداد الطعام، حيوية بفضل طبيعتها القائمة على التفاعل الإنساني وتقديم الخدمة.

وفي المقابل، تقع خسائر كبيرة في الوظائف في المهن ذات المهام الروتينية أو المتكررة شديدة القابلية للأتمتة. إذ يواجه الكتبة العامون ومشغلو لوحات المفاتيح وعمال المبيعات وكتبة خدمة العملاء تراجعات حادة ومتواصلة، مع أتمتة الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي للعمليات الإدارية وعمليات التجزئة. وعلى خلاف العاملين في الخدمات الشخصية، التي تنطوي على حضور مادي وذكاء عاطفي ومهام حساسة للسياق يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها أو أتمتتها، فإن أدوار المبيعات وخدمة العملاء أكثر قابلية للمحاكاة الرقمية، كما شهدت تحولاً كبيراً نحو التجارة الإلكترونية وأنظمة الدفع الذاتي وقنوات الخدمة المؤتمتة، مما يقلص الطلب على الأدوار التقليدية المتعاملة مع العملاء.

وإلى جانب هذه المهن، تجدر الإشارة إلى أن بعض الأدوار المتخصصة، كالمهنيين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمهنيين المساعدين في مجالات الأعمال والإدارة، يُتوقع أن تشهد بدورها خسائر في التشغيل، بما يعكس مكاسب في الكفاءة تقلص الحاجة إلى بعض المناصب التقنية والإدارية.

وتؤكد هذه التحولات المهنية الأثر المزدوج لاعتماد الذكاء الاصطناعي، أي خلق وظائف عالية الجودة وموجهة نحو المستقبل في مجالات التعليم والإدارة والمجالات التقنية، يقابله إزاحة الأدوار الروتينية والكتابية. وتبرز التباينات الحادة بين المهن الحاجة الملحة إلى تدخلات موجهة، منها برامج إعادة التأهيل التي تركز على إعداد هؤلاء العاملين المستضعفين للأدوار الناشئة، ونظم حماية اجتماعية تدعم من يتعذر عليهم الانتقال فوراً، بما يضمن تكيفاً شاملاً ومنصفاً مع سوق العمل المتطورة.

آثار التشغيل عبر الفئات الديمغرافية

ديناميات العمر في نتائج التشغيل

جرى تفصيل توقعات التشغيل في السيناريوهين بحسب الفئة العمرية لتقييم الآثار المتباينة لتوسيع النطاق العريض ودمج الذكاء الاصطناعي. ويسعى التحليل إلى تحديد الفئات العمرية التي قد تتأثر بصورة غير متناسبة بكل سيناريو، بما يسهم في توجيه تدخلات سياساتية موجهة لضمان نتائج شاملة ومنصفة في سوق العمل.

ففي سيناريو توسيع النطاق العريض، تتوزع مكاسب التشغيل مقارنة بالمسار المرجعي توزيعاً واسعاً على جميع الفئات العمرية، بما يؤكد التوجه الشامل للنمو في هذا السيناريو. ورغم أن جميع الفئات الديمغرافية تستفيد بصورة شبه متساوية بالقيم النسبية، يحقق الأفراد في سن العمل الرئيسية، أي من 25 إلى 54 سنة، أكبر مكاسب التشغيل بالقيم المطلقة، بما يعكس دورهم المحوري في الاقتصاد واحتمال مشاركتهم الأكبر في الوظائف المستحدثة، ولا سيما في قطاعات مثل تجارة التجزئة والخدمات الشخصية والخدمات اللوجستية التي تستجيب بسرعة لزيادة النفاذ الرقمي وطلب المستهلكين. ويستفيد الشباب من 15 إلى 24 سنة كذلك استفادة كبيرة، مدعومين بالفرص التي يتيحها النطاق العريض في أدوار الخدمات للمبتدئين وفرص ريادة الأعمال الرقمية. أما العاملون الأكبر سناً ممن بلغوا 55 سنة فأكثر فيحققون زيادات أصغر في التشغيل، لكنها تظل إيجابية، مما يشير إلى أن النطاق العريض يمكن أن يساعد على إبقائهم منخرطين في سوق العمل. وبوجه عام، يؤكد هذا السيناريو أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية لا يحفز خلق الوظائف فحسب، بل يعزز الإدماج الديمغرافي أيضاً، ولا سيما حين يقترن بإتاحة المهارات وسياسات داعمة.

أما سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي فيقدم مشهداً أكثر تفاوتاً. فالعاملون الأصغر سناً من 15 إلى 24 سنة هم المستفيدون الواضحون، إذ يحققون أعلى مكاسب التشغيل بالقيم المطلقة والنسبية معاً، بما يعكس الطلب على عاملين متمكنين تقنياً وقادرين على التكيف في الأدوار المدفوعة بالذكاء الاصطناعي. ويواجه الأفراد في سن العمل الرئيسية من 25 إلى 54 سنة تراجعاً أولياً في التشغيل، يعود أساساً إلى أتمتة المهام الروتينية والإزاحة الفورية للعاملين في الأدوار شديدة القابلية لكفاءات الذكاء الاصطناعي. غير أنه مع دمج الشركات للذكاء الاصطناعي وظهور فرص جديدة، تتضاءل الخسائر تدريجياً، لتفضي في النهاية إلى تعافٍ ومكاسب صافية إيجابية بحلول عام 2035. ويبرز هذا التعافي الطبيعة الانتقالية لاعتماد الذكاء الاصطناعي، إذ يتكيف العاملون المزاحون تدريجياً مع أدوار جديدة من خلال إعادة التأهيل وإعادة التوزيع. وفي المقابل، يتضرر العاملون الأكبر سناً بصورة غير متناسبة، إذ يتراجع التشغيل لدى الفئة من 55 إلى 64 سنة ولدى من بلغوا 65 سنة فأكثر. ويؤكد ذلك التحديات التي يواجهها العاملون الأكبر سناً في التكيف مع متطلبات سوق عمل يقودها الذكاء الاصطناعي، بدءاً من صعوبات استخدام الأدوات والتقنيات الرقمية الجديدة، وصولاً إلى التحيزات المرتبطة بالعمر ومحدودية استعداد أصحاب العمل للاستثمار في إعادة تدريبهم. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما تتاح للعاملين الأكبر سناً فرص أقل ومرونة أدنى للانتقال إلى مسارات مهنية جديدة مقارنة بنظرائهم الأصغر سناً.

أبعاد النوع الاجتماعي في تحولات التشغيل

بعد أن تناول القسم السابق تفاوت توقعات التشغيل بين الفئات العمرية، لا يقل أهمية فهم آثار سوق العمل من منظور النوع الاجتماعي. فالنوع الاجتماعي يظل محوراً رئيسياً لعدم المساواة في سوق العمل، ولا سيما في الدول العربية، إذ يحدد فرص النفاذ إلى الفرص والمشاركة القطاعية والتعرض للتغير التكنولوجي. ويعرض هذا القسم توقعات التشغيل بحسب الجنس، بهدف تحديد الأنماط المرتبطة بالنوع الاجتماعي في خلق الوظائف والتفاوتات المحتملة.

ففي سيناريو توسيع النطاق العريض، يسجل الرجال والنساء مكاسب شبه متساوية في التشغيل بالقيم النسبية مقارنة بالسيناريو المرجعي، بما يبرز الإمكانات الشاملة على نطاق واسع للبنية التحتية الرقمية الموسعة. غير أن الرجال يستفيدون أكثر بكثير بالقيم المطلقة، وهو انعكاس لتحديات هيكلية قائمة، منها تدني مستوى تشغيل النساء ومشاركتهن في القوى العاملة في الأساس، واستمرار الفصل المهني والقطاعي، وهي عوامل تحد مجتمعة من قدرة النساء على اغتنام فرص العمل الجديدة كاملة. وبينما تشهد النساء نمواً في التشغيل في القطاعات الموجهة إلى المستهلكين والقطاعات الخدمية التي يكنّ ممثلات فيها تمثيلاً جيداً في الغالب، يحقق الرجال مكاسب مطلقة أكبر بكثير، مدفوعة بتوسع التشغيل في قطاعات كثيفة العمالة كالبناء والنقل، التي لا يزال الرجال يشغلونها في الغالب.

وعلى النقيض من النتائج المتوازنة نسبياً لسيناريو توسيع النطاق العريض، يكشف سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي عن تفاوتات واضحة بين الجنسين في آثار التشغيل. فبحلول عام 2035، يُتوقع أن تتكبد النساء خسائر كبيرة في الوظائف مقارنة بالمسار المرجعي، بما ينذر بانتكاس المكاسب المحققة في سوق العمل. ويعود هذا التراجع أساساً إلى أتمتة الأدوار الكتابية والإدارية وكثيفة المهام الروتينية، وهي مهن تتركز فيها النساء بصورة غير متناسبة، مما يبرز هشاشة المهن التي تهيمن عليها الإناث. وفي المقابل، يُتوقع في هذا السيناريو أن يحقق الرجال مكاسب كبيرة في التشغيل، ولا سيما في الخدمات اللوجستية والبناء والمجالات التقنية.

وتؤكد هذه النتائج تباين انعكاسات السيناريوهين على النوع الاجتماعي. فإذا لم تُعالج الأمور، فإن سيناريو توسيع النطاق العريض ييسر نمواً واسع القاعدة في التشغيل لكنه لا يسهم كثيراً في سد الفجوات القائمة بين الجنسين، بينما يفاقم سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي هذه الاختلالات، مضخماً المخاطر ومواطن الضعف التي تواجهها النساء في القوى العاملة. وسواء اختارت البلدان المضي في اعتماد الذكاء الاصطناعي أو منحت الأولوية للبنية التحتية للنطاق العريض، تشير الأدلة إلى حاجة ملحة لاستراتيجيات تراعي النوع الاجتماعي لضمان نتائج منصفة للرجال والنساء على حد سواء.

العمالة الرقمية: الفرص والتحديات أمام الفئات المعرضة للمخاطر

رغم أن التحليل السابق أشار إلى بعض الفئات التي قد تكون في وضع غير مواتٍ في ظل الذكاء الاصطناعي والرقمنة، وهي النساء والأكبر سناً، يحلل هذا القسم بعمق أكبر القنوات التي يؤثر من خلالها الاقتصاد الرقمي في آفاق التشغيل لست فئات كثيراً ما تُهمش في أسواق العمل التقليدية، وهي النساء، والشباب، والأكبر سناً، والأشخاص ذوو الإعاقة، والعمال ذوو المهارات المتدنية، والعمال المهاجرون واللاجئون. ويستعرض القسم الفرص والمخاطر الخاصة بكل فئة، مع إبراز مجالات التدخل السياساتي الشامل.

غير أن نتائج التشغيل في الاقتصاد الرقمي لا تتحدد بالانتماء إلى فئة بعينها فحسب، بل تتشكل أيضاً بفعل السياقات الوطنية الأوسع والخصائص الخاصة بالوظيفة التي تحدد من هو الأكثر عرضة للإزاحة ومن هو الأقدر على الاستفادة من الفرص الناشئة.

ومن أبرز العوامل المرتبطة بالوظيفة ما يلي:

التعرض المهني للأتمتة. تواجه مجموعات مهنية بعينها، ولا سيما الكتبة وموظفو الدعم المكتبي، إمكانات أتمتة مرتفعة، ومن ثم خطراً متزايداً من الاستبدال، كما سبقت الإشارة في هذا التقرير. وقد تبين كذلك أن الأدوار الكتابية والإدارية من أسرع المهن تراجعاً، مما يدل على احتمال أكبر لإزاحة العاملين فيها.

الهشاشة الخاصة بالقطاع. حددت عملية النمذجة الكمية القطاعات المعرضة بشكل خاص للاضطراب. فالعاملون في الصناعات التحويلية الأساسية وخدمات الأعمال غير المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مثلاً، قد يواجهون خسائر كبيرة في الوظائف مع اتساع انتشار الأتمتة، ولا سيما من يفتقرون منهم إلى فرص إعادة التأهيل أو التنقل المهني.

نوع التشغيل. تكون الوظائف المؤقتة والجزئية وغير المنتظمة عموماً أقل استقراراً وأكثر عرضة للتسريح مقارنة بالأدوار الدائمة. كما أن الوظائف في الاقتصاد غير المنظم كثيراً ما تفتقر إلى الاستقرار والحماية، ويكون العاملون فيها في الغالب أكثر عرضة للخطر خلال التحولات الاقتصادية أو التكنولوجية.

حجم المنشأة. تواجه المنشآت الأصغر مخاطر أكبر بسبب محدودية مواردها المالية وبطء اعتمادها الرقمي. ورغم أن ذلك قد يعني تعرضاً فورياً أقل للأتمتة، فإن غياب الاعتماد الرقمي أو تأخره قد يضر في نهاية المطاف بقدرتها التنافسية، ويعرّض قواها العاملة بأكملها للخطر إذا عجزت عن مجاراة السوق.

وفيما يلي عرض للفئات الست المعرضة للمخاطر، مع إبراز التحديات والفرص الرئيسية التي تواجهها. وينبع بعض هذه التحديات من العوامل المرتبطة بالوظيفة التي سبق ذكرها، بينما تتشكل أخرى بفعل ظروف أوسع إما تيسر مشاركتها في الاقتصاد الرقمي وإما تضع عوائق أمام نفاذها المنصف إلى فرص العمل الناشئة.

النساء

المخاطر: تواجه النساء طيفاً من المخاطر الهيكلية والمنهجية مع انتقال عالم العمل نحو مشهد أكثر رقمنة واعتماداً على الذكاء الاصطناعي. ففي الدول العربية، يزيد احتمال تعرض النساء لإزاحة الوظائف بفعل الأتمتة على ثلاثة أضعاف احتمال تعرض الرجال لها. وإضافة إلى ذلك، ورغم تزايد الطلب على المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي، تظل النساء ممثلات تمثيلاً ناقصاً في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مما يحد من مشاركتهن في القطاعات الناشئة سريعة النمو. ورغم رصد بعض التقدم، ولا سيما في دول مجلس التعاون، يلزم بذل جهود أوسع على جميع الأصعدة لإطلاق إمكانات النساء في هذه المجالات كاملة، بما في ذلك معالجة الصور النمطية المرتبطة بالنوع الاجتماعي وتشجيع تشغيل النساء في الحوسبة السحابية والأدوار القائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي وقطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. كما تفاقم العوائق الخاصة بالنوع الاجتماعي، ومنها القيود المالية والمسؤوليات غير المتكافئة في أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر ومحدودية الوصول إلى رعاية الأطفال، مشكلة عدم التوافق في المهارات، إذ كثيراً ما تعيق قدرة النساء على رفع مهاراتهن أو إعادة تأهيلهن، فتقلل أكثر من قدرتهن على التكيف مع التغير التكنولوجي.

ويشكل عدم تكافؤ النفاذ إلى البنية التحتية الرقمية عقبة كبيرة أيضاً. ففي المناطق الأدنى دخلاً والريفية، يقل احتمال امتلاك النساء للأجهزة الرقمية أو تمتعهن باتصال موثوق بالإنترنت مقارنة بالرجال، مما يضعهن في موقف غير مواتٍ في سوق عمل تزداد رقمنة. كما يطرح دمج الذكاء الاصطناعي والأنظمة الخوارزمية في صنع القرار داخل أماكن العمل مخاطر إضافية. فحين تُدرب هذه الأنظمة على بيانات متحيزة أو غير تمثيلية، قد تعيد إنتاج أوجه عدم المساواة القائمة بين الجنسين وتضخمها، بما يفضي إلى نتائج تمييزية في التوظيف والترقيات والنفاذ إلى الفرص، ويرسخ العوائق الهيكلية أمام التشغيل.

الفرص: رغم أن النساء العربيات أكثر تعرضاً لمخاطر الأتمتة، فإنهن أيضاً أكثر احتمالاً من الرجال العرب لشغل وظائف ذات إمكانات تعزيز مرتفعة، بنسبة 22.7% مقابل 13.0%، مما يشير إلى مسارات واعدة لرفع الإنتاجية وتحويل الأدوار. ويمكن لنمو الاقتصاد الرقمي أن يساعد على تجاوز عوائق مزمنة أمام تشغيل النساء، من خلال إتاحة ترتيبات عمل أكثر مرونة تتلاءم على نحو أفضل مع مسؤولياتهن في أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر. فالعمل عن بُعد والعمل الحر والوظائف القائمة على المنصات تقدم بدائل لهياكل التشغيل التقليدية التي كثيراً ما تستبعد النساء بسبب جمود ساعات العمل أو القيود على التنقل أو الأعراف الاجتماعية والثقافية.

ويخلق توسع الأنشطة الرقمية، كالتجارة الإلكترونية والتعليم الإلكتروني والخدمات الرقمية وريادة الأعمال القائمة على التكنولوجيا، مداخل جديدة لمشاركة النساء في القوى العاملة. فهذه الأنشطة تتطلب في العادة رأس مال أولياً أقل، ويمكن ممارستها من المنزل، مما يجعلها جذابة بشكل خاص للنساء في المناطق الريفية أو في البيئات المتأثرة بالنزاعات، شريطة تمكنهن من النفاذ إلى البنية التحتية والمعدات والأدوات.

وبالتوازي مع ذلك، يفتح صعود التعلم الإلكتروني والتدريب على المهارات الرقمية مسارات جديدة أمام النساء لاكتساب كفاءات مطلوبة في السوق بالوتيرة التي تناسبهن. ومع الاستثمارات الملائمة في بنية تحتية رقمية شاملة وتنمية موجهة للمهارات، يمكن للاقتصاد الرقمي أن يمكّن مزيداً من النساء من الانتقال إلى أدوار أعلى مهارة وأفضل أجراً، وأن يقلص الفجوات بين الجنسين في التشغيل. وفي نهاية المطاف، ستكون السياسات والاستراتيجيات المستجيبة للنوع الاجتماعي حاسمة لتعظيم منافع التحول الرقمي والتخفيف من مخاطره، إذ يسهم تطبيق منظور النوع الاجتماعي على هذه الجهود في ضمان نتائج أكثر شمولاً وإنصافاً في سوق العمل.

الشباب

المخاطر: رغم أن الشباب يُنظر إليهم في الغالب باعتبارهم في موقع جيد لتوظيف التقنيات الرقمية، يواجه كثير منهم عوائق كبيرة أمام الحصول على عمل مستقر وعالي الجودة. فالعاملون الشباب كثيراً ما يكونون ممثلين تمثيلاً مفرطاً في اقتصاد العمل المرن، حيث تتيح الوظائف مرونة وفرصاً جديدة لتوليد الدخل، لكنها تفتقر في العادة إلى الأمان الوظيفي والأجور الكافية والحماية الاجتماعية. ويمكن لمثل هذا العمل غير المستقر أن يعمق عدم الاستقرار المالي ويقيد فرص التطور المهني على المدى الطويل.

فضلاً عن ذلك، لا تعد نظم التعليم في كثير من البلدان العربية الشباب إعداداً كافياً لمتطلبات الاقتصاد الرقمي. فالمناهج المدرسية كثيراً ما تفتقر إلى تدريب شامل على الثقافة الرقمية، مما يفضي إلى تفاوتات واسعة في الكفاءات الرقمية لدى الطلبة. وتطال هذه الفجوة بصورة غير متناسبة الشباب المنحدرين من خلفيات اجتماعية واقتصادية محرومة، الذين تتاح لهم فرص أقل لتنمية المهارات الرقمية الأساسية أو التفاعل الجاد مع التكنولوجيا عبر التعليم النظامي. وحتى حيث توفر نظم التعليم قدراً من التدريب على المهارات الرقمية، كثيراً ما تتجاوز الوتيرة السريعة للرقمنة واعتماد الذكاء الاصطناعي المهارات التي يمتلكها الشباب حالياً. ويؤكد ذلك الحاجة الماسة إلى فرص تدريب وإعادة تأهيل مستمرة ومتاحة. غير أن الوصول إلى هذه البرامج أبعد ما يكون عن التكافؤ، إذ كثيراً ما يواجه الشباب من المناطق المنخفضة الدخل أو النائية تعرضاً محدوداً للأدوات الرقمية وفرصاً أقل لاكتساب المهارات ذات الصلة، مما يضعهم في موقف غير مواتٍ في سوق عمل تزداد رقمنة.

إضافة إلى ذلك، يفتقر كثير من الشباب إلى الخبرة العملية المطلوبة عادة للحصول على وظائف عالية الجودة قائمة على التكنولوجيا. ويضعهم ذلك في موقف أضعف في أسواق عمل يفضل فيها أصحاب العمل المرشحين ذوي المهارات التقنية المثبتة والخبرة في القطاع والجاهزية للعمل. ونتيجة لذلك، قد يجد الشباب صعوبة في الاستفادة الكاملة من فرص التشغيل الناشئة عن التحول الرقمي. ومن دون تدخلات موجهة وشاملة، تهدد هذه التحديات بمفاقمة أوجه عدم المساواة القائمة وتقويض إمكانات التحول الرقمي في خلق فرص تشغيل منصفة وشاملة للشباب.

الفرص: يستفيد الشباب إيجابياً من توسيع النطاق العريض ومن دمج الذكاء الاصطناعي على حد سواء. فالنمو السريع للقطاعات الرقمية، ومنها التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية والتسويق الرقمي والصناعات الإبداعية، يفتح مسارات جديدة لتشغيل الشباب تتجاوز أسواق العمل التقليدية. وبفضل المهارات الملائمة، يمكن للشباب أن يجدوا وظائف توفر مرونة أكبر وإمكانات أعلى للتقدم المهني.

وكما هو الحال بالنسبة إلى النساء، خفّضت المنصات الرقمية عوائق دخول مجال ريادة الأعمال، فمكّنت الشباب من إطلاق شركات ناشئة، أو العمل لحسابهم، أو تحقيق دخل من مواهبهم على نطاق عالمي. ويكتسي هذا التوسيع في الفرص قيمة خاصة في السياقات التي يكون فيها العمل المنظم محدوداً، إذ يتيح للشباب إمكانية توليد دخل مستقل ورعاية الابتكار داخل مجتمعاتهم. كما يوسع صعود العمل عن بُعد والمنصات الرقمية النفاذ إلى أسواق العمل العالمية. فيمكن للشباب في المنطقة العربية التعامل مع عملاء دوليين وكسب دخل بالعملة الأجنبية واكتساب خبرة قيّمة دون الحاجة إلى الهجرة الفعلية، وهي ميزة مهمة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها كثير من الدول العربية.

كما يتيح النفاذ إلى منصات التعلم الرقمي للشباب فرصاً مرنة ومنخفضة التكلفة لتنمية المهارات. فالدورات الإلكترونية ومعسكرات تعلم البرمجة المكثفة والتلمذة المهنية الرقمية تساعد على سد الفجوات التي تتركها نظم التعليم التقليدية، وتمكّن الشباب من التكيف المستمر مع متطلبات سوق العمل المتطورة.

العاملون الأكبر سناً

المخاطر: يواجه العاملون الأكبر سناً تحديات كبيرة في التكيف مع الاقتصاد الرقمي سريع التطور وأسواق العمل التي يقودها الذكاء الاصطناعي. فكثير منهم في موقف غير مواتٍ بوضوح بسبب محدودية ثقافتهم الرقمية وندرة فرص رفع المهارات أو إعادة التأهيل المتاحة لهم، ولا سيما في منطقة لا تزال مبادرات التعلم مدى الحياة فيها غير متطورة. وقد فاقمت الوتيرة المتسارعة للتغير التكنولوجي عدم التوافق في المهارات، مما يزيد صعوبة منافسة العاملين الأكبر سناً. ويزيد من هذه التحديات استمرار الصور النمطية الاجتماعية والتحيزات المرتبطة بالعمر في عمليات التوظيف والترقية، التي كثيراً ما تهمش العاملين الأكبر سناً في القطاعات القائمة على التكنولوجيا. وتحد هذه التحيزات من نفاذهم إلى فرص التشغيل الناشئة وتعيق تقدمهم المهني. فضلاً عن ذلك، يتعرض العاملون الأكبر سناً بصورة غير متناسبة للإزاحة بفعل الأتمتة، ولا سيما في المهن الروتينية أو اليدوية، مع دعم محدود للانتقال إلى أدوار جديدة. وكما سبقت الإشارة، يُتوقع أن يشهد العاملون ممن بلغوا 55 سنة فأكثر تراجعاً في آفاق التشغيل في سيناريو دمج الذكاء الاصطناعي مقارنة بالمسار المرجعي.

وفي الدول العربية، كثيراً ما تكون نظم الحماية الاجتماعية غير متطورة، وتغيب أرضيات الحماية الاجتماعية الشاملة إلى حد بعيد. ومن ثم، يفاقم غياب الدعم الموجه هشاشة العاملين الأكبر سناً، ويضعهم أمام خطر متزايد من البطالة وانعدام الأمن الاقتصادي. ويستبعدهم ذلك فعلياً من منافع التحول الرقمي، ويعمق أوجه عدم المساواة القائمة في سوق العمل.

الفرص: رغم أن العاملين الأكبر سناً يواجهون أوجه قصور موثقة جيداً في الاقتصاد الرقمي، فإن هذه التحديات ذاتها تكشف أين تكمن أكثر فرص التدخل والإدماج جدوى. فمع سياسات مدروسة التصميم ودعم موجه، يمكن للتحول الرقمي أن يتحول من قوة مُربكة إلى عامل تمكين قوي، يفتح مسارات جديدة أمام الأكبر سناً ليظلوا مشاركين فاعلين في عالم العمل المتغير. فالاعتماد المتزايد لنماذج العمل عن بُعد والعمل المرن، على سبيل المثال، يمكن أن يساعد على تفكيك عوائق هيكلية مزمنة، بما يمكّن العاملين الأكبر سناً من الانخراط في العمل بشروط تتلاءم مع ظروفهم وقدراتهم وتفضيلاتهم.

وفي الوقت ذاته، تؤكد الوتيرة المتواصلة للتغير التكنولوجي الحاجة الملحة إلى نظم تعلم مدى الحياة متينة وشاملة. فحين تُصمم برامج التدريب الرقمي وإعادة التأهيل بما يلائم الاحتياجات الخاصة للمتعلمين الناضجين، يمكنها أن تسد فجوات حرجة في الكفاءات، وتعزز القدرة على التكيف، وتعيد الثقة في التعامل مع بيئات تكنولوجية غير مألوفة. ومن هذا المنظور، لا تُعد التحديات التي يواجهها العاملون الأكبر سناً مجرد مشكلات ينبغي حلها، بل فرصاً ينبغي اغتنامها. فالاستثمار الاستراتيجي في إدماجهم يمكن أن يحول مخاطر التحولات في سوق العمل المدفوعة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي إلى مكاسب مشتركة بين الأجيال، بما يضمن ألا تتخلف أي فئة عمرية عن ركب مستقبل العمل.

العمال ذوو المهارات المتدنية

المخاطر: يتسم العمال ذوو المهارات المتدنية بهشاشة خاصة، إذ كثيراً ما تنطوي أدوارهم على مهام روتينية أو يدوية تُعد من الأكثر قابلية للأتمتة. فقرابة 57% من العاملين الحاصلين على تعليم ثانوي أو أدنى معرضون لخطر الإزاحة، مقارنة بـ 22% فقط من الحاصلين على تعليم عالٍ. إضافة إلى ذلك، أدى صعود الخدمات الإلكترونية وتنامي إمكانية الاستعانة بمصادر خارجية لأداء المهام عبر الحدود إلى إضعاف القدرة التفاوضية والأمان الوظيفي لكثير من العمال ذوي المهارات المتدنية، ولا سيما في القطاعات ذات الحماية العمالية الضعيفة.

الفرص: يخلق الاقتصاد الرقمي كذلك منافذ جديدة للعمال ذوي المهارات المتدنية، ولا سيما حين يقترن بتنمية موجهة للمهارات وخدمات دعم وسياسات شاملة. فنمو التجارة الإلكترونية والعمل القائم على المنصات والخدمات اللوجستية الرقمية زاد الطلب على أدوار تتطلب ثقافة رقمية أساسية ومهارات تشغيلية، كتنسيق عمليات التوصيل وعمليات المستودعات وخدمة العملاء. فضلاً عن ذلك، يمكن للمنصات المحمولة والإلكترونية أن تمكّن ذوي المهارات المتدنية من الانخراط في المشاريع متناهية الصغر، أو الخدمات الرقمية غير المنظمة، أو الأعمال المنزلية، بما يوفر مصادر دخل بديلة وإدماجاً اقتصادياً أكبر. غير أن تحقيق هذه الفرص يتطلب توسيع النفاذ إلى التدريب الرقمي الأساسي والاتصال، ودعماً مصمماً خصيصاً يسد الفجوات القائمة في التعليم والبنية التحتية.

الأشخاص ذوو الإعاقة

المخاطر: كثيراً ما يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة عوائق متميزة ومركبة في النفاذ إلى فرص الاقتصاد الرقمي، رغم الإمكانات التحويلية للتكنولوجيا في تعزيز إدماجهم. فالمنصات الرقمية غير الميسرة، وقصور البنية التحتية، وغياب التهيئة لذوي الإعاقة في الأدوات والخدمات الرقمية، بما في ذلك غياب التصميم الشامل في بوابات التوظيف الإلكترونية، لا تزال تقيد انخراطهم الفعلي.

كما أن كثيراً من الأشخاص ذوي الإعاقة لديهم مستويات أدنى من التعليم النظامي ونفاذ محدود إلى الإنترنت والأجهزة الرقمية، مما يزيد خطر إقصائهم. ويحد نقص برامج التدريب الشاملة والميسرة أكثر من قدرتهم على اكتساب المهارات الرقمية الأساسية والاستفادة من الفرص الناشئة في الاقتصاد الرقمي.

ونادراً ما تستهدف إعلانات الوظائف الأشخاص ذوي الإعاقة صراحة أو تراعي احتياجاتهم. فمعظم الإعلانات لا توضح ما إذا كانت الأدوار شاملة أو ميسرة، مما يضاعف التحديات التي يواجهونها في العثور على عمل مناسب. كما لا تزال المواقف الاجتماعية السلبية والتحيزات في مكان العمل تحد من خيارات الأشخاص ذوي الإعاقة في النمو والتقدم في المجالات المرتبطة بالتكنولوجيا، حتى حين يمتلكون المهارات والمؤهلات اللازمة.

الفرص: رغم ذلك، لا يزال الاقتصاد الرقمي يتيح إمكانات كبيرة لتحسين نتائج التشغيل للأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما حين يدعمه تصميم رقمي شامل وعمل سياساتي موجه. فالتطورات في التقنيات المساعدة، كقارئات الشاشة وأدوات تحويل الصوت إلى نص وأجهزة الإدخال التكيفية، يمكن أن تتيح نفاذاً أكثر إنصافاً إلى بيئات العمل الرقمية. كما توفر المنصات الرقمية ترتيبات عمل مرنة، منها فرص العمل عن بُعد والعمل الحر، قد تساعد على تجاوز العوائق المادية والمتعلقة بالتنقل.

فضلاً عن ذلك، حين تُصمم برامج التدريب الإلكتروني والأدوات الرقمية مع مراعاة إمكانية النفاذ، يمكنها أن تكون عوامل تمكين قوية لتنمية المهارات والاستقلالية والإدماج. ومع الاستثمارات وأطر السياسات الملائمة، يمكن تسخير التحول الرقمي لتعزيز سوق عمل أكثر شمولاً، تمكّن الأشخاص ذوي الإعاقة في أنحاء الدول العربية من المشاركة على نحو أكمل في عالم العمل المتطور.

المهاجرون واللاجئون

المخاطر: يواجه المهاجرون واللاجئون مواطن ضعف متميزة في الاقتصاد الرقمي، إذ يتركزون في قطاعات شديدة التعرض للأتمتة والاضطراب الرقمي. فأتمتة القوى العاملة تطال أساساً العمال المهاجرين المنخرطين بكثافة في أنشطة الخدمات والعمل الإداري وأعمال الدعم.

ويظل الإقصاء الرقمي مصدر قلق رئيسياً، إذ كثيراً ما يكون نفاذ المهاجرين واللاجئين إلى البنية التحتية والأدوات الرقمية والاتصال بالإنترنت محدوداً. ومن العوائق أمام سوق العمل الرقمية اختلاف اللغة، ونقص الثقافة الرقمية، وضآلة النفاذ إلى الشبكات المهنية المحلية. وقد يعاني اللاجئون على وجه الخصوص من انقطاع مساراتهم التعليمية والمهنية، مما يقلص فرصهم في الحصول على عمل مجدٍ تقليصاً كبيراً. وفي حالات كثيرة، تضاعف التحديات المنهجية والقيود القانونية وعدم استقرار أوضاع الإقامة وممارسات التوظيف التمييزية هذه العوائق. كما يعيق غياب نظم عابرة للحدود للاعتراف بالمؤهلات والتحقق منها كثيراً من المهجرين عن توظيف مهاراتهم في أسواق عمل جديدة.

الفرص: رغم هذه التحديات، يتيح الاقتصاد الرقمي أيضاً فرصاً مجدية للمهاجرين واللاجئين، ولا سيما حين تتوافر سياسات شاملة وتدخلات موجهة. فالمنصات الرقمية توفر خيارات تشغيل مرنة وعن بُعد، ذات قيمة خاصة لمن يعانون من تقييد التنقل أو من أوضاع قانونية مقيدة. ويمكن للعمل الحر عبر الإنترنت وخدمة العملاء عن بُعد وريادة الأعمال الرقمية أن تساعد على فتح منافذ إلى سوق العمل، ولا سيما حين تكون المسارات التقليدية مغلقة.

ويمكن لمنصات التعلم الإلكتروني وبرامج التدريب عبر الهاتف المحمول أن تيسر اكتساب المهارات الرقمية والكفاءة اللغوية، بما يساعد المهاجرين واللاجئين على التكيف مع أسواق العمل المحلية ومع الاتجاهات الرقمية العالمية. ومع الدعم الملائم، يمكن لهذه الأدوات أن تمكّن المهجرين من بناء مسارات مهنية جديدة وتعزيز قدرتهم الاقتصادية على الصمود. فضلاً عن ذلك، يُعد توسيع نظم الاعتراف بالمهارات والتعلم السابق، بما في ذلك الشهادات القابلة للنقل، أمراً أساسياً لإطلاق إمكاناتهم كاملة.

الرقمنة وجودة الوظائف: التحسينات والتحديات المحتملة

استناداً إلى التحليل المعروض حتى الآن، يتضح أن الذكاء الاصطناعي والرقمنة سيُحدثان تحولات كبيرة في سوق العمل. فرغم توقع أن تفضي هذه التقنيات إلى فقدان بعض الوظائف، ولا سيما في الأدوار الروتينية والقابلة للأتمتة، يُتوقع كذلك أن تولد فرص تشغيل جديدة تفوق في المحصلة عدد الوظائف المزاحة.

غير أن التحدي المحوري لا يكمن في كم الوظائف المستحدثة فحسب، بل في ضمان جودتها. فمع تزايد اعتماد المؤسسات على التقنيات المتقدمة، ستتغير طبيعة العمل وظروفه العامة تغيراً كبيراً. ويمكن تحسين جودة الوظائف من خلال أتمتة المهام الروتينية ورعاية الابتكار وإتاحة ترتيبات عمل أكثر مرونة. بيد أن أثر الرقمنة على جودة الوظائف ليس إيجابياً على نحو موحد، إذ تظل آثارها على الأبعاد الرئيسية لجودة الوظائف، أي الأجر وساعات العمل والآفاق المهنية والمهارات والاستقلالية وكثافة العمل والبيئة الاجتماعية والبيئة المادية، غير محسومة.

فرغم أن التقنيات الرقمية قادرة على تحسين جوانب مختلفة من العمل، فإنها قد تضر أيضاً بجودة الوظائف. فالأنظمة الخوارزمية، مثلاً، التي تتيح توزيع المهام ورصد الأداء والإنتاجية، يمتد تأثيرها إلى ما هو أبعد من منصات العمل الرقمية. إذ باتت تُستخدم بصورة متزايدة في الخدمات اللوجستية والتخزين والصناعات التحويلية، ويُتوقع أن تمتد إلى مجالات مثل المصارف والتأمين وخدمة العملاء والخدمات الاجتماعية. ويثير ذلك مخاوف من أن يزيد الذكاء الاصطناعي من تقييد استقلالية العاملين ويكثف المراقبة والسيطرة.

وخلاصة القول، ونظراً للأثر المزدوج للرقمنة، يتوقف خلق وظائف جيدة على اعتماد نهج محوره الإنسان، يضع العاملين في صميم التغير التكنولوجي، ويراعي انعكاساته على ظروف العمل، ويضمن إشراكاً فعلياً للعاملين وأصحاب العمل على حد سواء طوال مراحل الابتكار والتنفيذ.

الرقمنة واعتماد الذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات على مستوى المنشأة

إلى جانب أثره على العاملين، بات اعتماد التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي أمراً أساسياً على نحو متزايد للمنشآت في أنحاء العالم لرفع الإنتاجية ودفع الابتكار والحفاظ على التنافسية. وبالنسبة إلى الأعمال في المنطقة العربية، تتيح هذه التقنيات سبيلاً لمعالجة أوجه القصور في الكفاءة، والنفاذ إلى أسواق جديدة، ودفع النمو الاقتصادي. غير أن القدرة على اغتنام هذه الفرص تتفاوت تفاوتاً كبيراً بين المنشآت، متأثرة لا بالقطاع فحسب، بل بالحجم والموارد المتاحة أيضاً.

وفي العالم العربي، تكتسي المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة أهمية حاسمة، إذ تمثل نحو 90% من الأعمال وتُعد مولداً رئيسياً للوظائف الجديدة. ومن ثم، فإن تعزيز قدرة هذه المنشآت على اعتماد الحلول الرقمية أمر أساسي لا لنموها وتنافسيتها فحسب، بل لتوسيع فرص العمل اللائق وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل في أنحاء المنطقة أيضاً.

إطلاق الإمكانات: فرص المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في الرقمنة والتحول نحو الذكاء الاصطناعي

تقف هذه المنشآت على أعتاب حقبة تحويلية تتيح فيها الرقمنة والذكاء الاصطناعي فرصاً غير مسبوقة للابتكار والمنافسة والنمو. فرغم صغر حجمها مقارنة بالشركات الكبرى، تستطيع هذه المنشآت تسخير الأدوات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لإطلاق القيمة في مختلف عملياتها. ومن أبرز الفرص رفع الإنتاجية والكفاءة التشغيلية. فباعتماد الأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي، يمكن لهذه المنشآت تبسيط العمليات كثيفة العمالة، كإدارة المخزون وخدمة العملاء، بما يتيح لها توزيع مواردها على نحو أكثر استراتيجية. فروبوتات المحادثة وأنظمة إدارة علاقات العملاء المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثلاً، يمكنها تعزيز التواصل مع العملاء مع تقليص أوقات الاستجابة والتكاليف التشغيلية.

كما تفتح الرقمنة أسواقاً جديدة أمام هذه المنشآت، بما يمكّنها من المنافسة على نطاق عالمي. فمنصات التجارة الإلكترونية، مقرونة بأدوات التسويق القائمة على الذكاء الاصطناعي، تتيح لها الوصول إلى عملاء دوليين وقدرات إعلانية مخصصة. وتمكّنها هذه الأدوات من تحديد تفضيلات العملاء، والتنبؤ باتجاهات السوق، وتصميم حملات موجهة، بما يمنحها ميزة تنافسية على منافسين يعتمدون الأساليب التقليدية. فضلاً عن ذلك، يمكن للتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي أن تيسر الابتكار داخل هذه المنشآت، فتمكّنها من تطوير منتجات أو خدمات جديدة تلبي احتياجات العملاء الناشئة. وبفضل القدرات التنبؤية للذكاء الاصطناعي، يمكن للأعمال إجراء نمذجة أولية سريعة واستخلاص رؤى من البيانات الضخمة، بما يعزز الإبداع ويقلص الوقت اللازم لطرح المنتجات في السوق. وتُعد هذه المرونة ميزة خاصة لهذه المنشآت التي كثيراً ما تعتمد على قدرتها على التكيف السريع مع تغير ظروف السوق. إضافة إلى ذلك، يمكن لاعتماد الأدوات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي أن يعزز قدرة هذه المنشآت على الصمود في بيئة اقتصادية متقلبة، إذ تتيح التحليلات التنبؤية للأعمال استباق الاضطرابات وتحسين سلاسل الإمداد وتقليل الهدر.

ومن خلال اغتنام هذه الفرص، يمكن لهذه المنشآت أن تردم الفجوة مع المنشآت الأكبر وأن ترسخ مكانتها لاعباً رئيسياً في الاقتصاد الرقمي. غير أن إطلاق هذه الإمكانات يتوقف على تجاوز تحديات كبيرة تعيق قدرتها على تبني التقنيات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي تبنياً كاملاً.

التحديات الرئيسية التي تواجهها المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في الاعتماد الرقمي

رغم أهمية هذه المنشآت في الدول العربية، فإنها تواجه عوائق خاصة أمام الاعتماد الرقمي، وكثيراً ما تتخلف عن المنشآت الأكبر في تطبيق التكنولوجيا. ويتفاوت الاعتماد الرقمي بين المنشآت الصغيرة والمتوسطة تفاوتاً واسعاً، إذ تبدأ المنشآت الأصغر في العادة برقمنة الوظائف الإدارية أو التسويقية الأساسية، لكنها تواجه عقبات كبيرة حين تحاول دمج تقنيات أكثر تطوراً كتحليلات البيانات أو تخطيط موارد المؤسسة. أما من حيث الفوارق القطاعية، فإن الصناعات كثيفة المعرفة تعتمد الأدوات الرقمية عموماً بسهولة أكبر من الأعمال العاملة في الإقامة وخدمات الطعام ومبيعات التجزئة، حيث تستمر الفجوات التكنولوجية.

ورغم إحراز بعض التقدم الذي سرّعته جائحة كوفيد 19، لا تزال هذه المنشآت في أنحاء العالم تواجه عوائق دخول أمام الرقمنة. ويفاقم ذلك أوجه عدم المساواة الاقتصادية، إذ يكتسب المبادرون الأوائل ميزة تنافسية ويزداد تركز السوق، بينما يتخلف المتأخرون في الاعتماد. وفي المنطقة العربية، تواجه هذه المنشآت طيفاً من التحديات، منها:

التحديات المالية. من العقبات الرئيسية ارتفاع تكلفة اقتناء التكنولوجيا الجديدة، إذ تفتقر كثير من هذه المنشآت إلى الموارد المالية للاستثمار في الأدوات الرقمية المتقدمة والبنية التحتية. ويزيد من ذلك محدودية النفاذ إلى رأس المال، إذ تنظر المؤسسات المالية إلى هذه المنشآت بوصفها مقترضين مرتفعي المخاطر.

نقص المهارات الرقمية. في غياب التدريب أو الخبرة الكافية في الأدوات والعمليات الرقمية، كثيراً ما تعجز هذه المنشآت عن دمج التقنيات الجديدة في عملياتها بفعالية. وتفاقم فجوة المهارات الرقمية هذه وضعها التنافسي الضعيف مقارنة بالمنشآت الأكبر التي تمتلك في العادة موارد أكبر للاستثمار في تدريب الموظفين ورفع مهاراتهم.

عدم تكافؤ النفاذ إلى البنية التحتية الرقمية. يُعد الاتصال الموثوق بالإنترنت ضرورياً لمعظم الأدوات الرقمية، لكنه غير متاح في كل مكان. ويعيق ذلك اعتماد التقنيات الجديدة، ولا سيما في المناطق الريفية والأقل تطوراً، بما يحد من قدرة الأعمال فيها على الانخراط في التجارة الإلكترونية أو التسويق الرقمي أو غير ذلك من أنشطة الأعمال الإلكترونية.

عدم كفاية الدعم الحكومي. بينما تستفيد المنشآت الأكبر في الغالب من البرامج الحكومية والحوافز الضريبية والشراكات بين القطاعين العام والخاص التي تيسر الاعتماد الرقمي، يفتقر كثير من المنشآت الصغيرة إلى هذا النفاذ. ونتيجة لذلك، تجد المنشآت الأصغر نفسها في موقف تنافسي ضعيف، مما يوسع فجوات الدخل والإنتاجية.

المنافسة غير العادلة. تمتلك المنشآت الأكبر نفاذاً أفضل إلى الأدوات الرقمية وتهيمن في الغالب على السوق، بما يخنق الابتكار والنمو الاقتصادي في قطاعات كانت تقودها سابقاً المنشآت الصغيرة، كتجارة التجزئة والزراعة. ويحد هذا التركز السوقي من فرص المنشآت الأصغر في الابتكار ودمج الحلول الرقمية.

ومن دون معالجة هذه القضايا، تواجه هذه المنشآت خطر التخلف أكثر في الاقتصاد الرقمي، بما يفاقم أوجه عدم المساواة الهيكلية وفجوات الإنتاجية والمساوئ التنافسية.

وإلى جانب معالجة التحديات المباشرة التي تواجهها هذه المنشآت، يمكن لتعزيز الدعم المقدم للشركات الناشئة ومنظومات ريادة الأعمال أن يؤدي دوراً حاسماً في تجاوز قضايا أوسع. فالشركات الناشئة كثيراً ما تكون محفزات للابتكار وقادرة على دفع الاعتماد الرقمي في قطاعات مختلفة. وتُعد آليات الدعم الفعالة، كالحاضنات والمسرعات والنفاذ إلى رأس المال الجريء، أساسية لرعاية هذه المشاريع الجديدة. وفي المنطقة العربية، يمكن للدعم الموجه للشركات الناشئة وريادة الأعمال أن يعزز الاعتماد الرقمي تعزيزاً كبيراً ويرعى بيئة أعمال أكثر حيوية. ففي عُمان، دعمت الحكومة بنشاط هذه المنشآت وريادة الأعمال من خلال هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة "ريادة"، التي تقدم خدمات تطوير الأعمال والاستشارات والتدريب والنفاذ إلى التمويل، ولا سيما في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ورغم تزايد انخراط الشباب العُماني في هذه الفرص، يظل الانتقال صعباً. فقاعدة الكفاءات المحلية للمناصب المرتبطة بالتكنولوجيا لا تزال في طور التكوين، كما أن المنشآت الرقمية الحالية لم تلبِّ احتياجات تشغيل الشباب تلبية كاملة، مما يؤكد ضرورة تنمية مهارات موجهة لإعداد العاملين مستقبلاً لسوق عمل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وقد بادر الأردن كذلك إلى رعاية ريادة الأعمال من خلال صناديق خاصة وحاضنات مدعومة من مصادر عامة وخاصة. فشركة أويسس 500، أول حاضنة للشركات الناشئة في المنطقة، تقدم تدريباً مكثفاً وإرشاداً وتمويلاً، وتحصل على حصة ملكية بنسبة 10% في الشركات التقنية الناشئة الواعدة. ويهدف استثمار الحكومة الأردنية البالغ 69 مليون دولار في الصندوق الأردني للريادة إلى دعم المشاريع المبتكرة، علماً بأن 42% من المنشآت الصغيرة والمتوسطة الأردنية قائمة على التكنولوجيا. وتأمل الحكومة أن تعزز الرقمنة المتزايدة العمل لحساب الذات وتخلق فرص عمل للشباب عبر المنصات الرقمية الناشئة.

كما أظهرت منظومة الشركات الناشئة في لبنان نمواً لافتاً، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 24% للشركات التقنية الناشئة. غير أنه رغم وجود قاعدة من المؤسسين ذوي التعليم العالي ومتعددي اللغات وبرامج تسريع عديدة، لا تزال المنظومة في طور التطور من حيث الجودة وكثافة الشبكات. ورغم استفادة لبنان من موقع استراتيجي واقتصاد سوق حر نسبياً، أعاق عدم الاستقرار الجيوسياسي وتدهور قيمة العملة ونقص الخدمات الأساسية نموها إعاقة كبيرة. فضلاً عن ذلك، تجعل الإجراءات البيروقراطية المعقدة تأسيس الشركات الناشئة أو توسيعها أمراً عسيراً. ويزيد من هذه التحديات نقص التمويل وتعقيد التحويلات المالية، مما دفع كثيراً من الشركات الناشئة إلى الإغلاق أو الانتقال إلى دول مجلس التعاون. ومن دون إصلاحات شاملة، يواجه لبنان خطر خسارة إمكاناته بوصفه مركزاً حيوياً للابتكار وريادة الأعمال.

وتوضح حاضنات الشركات الناشئة وبرامج التمويل المتنوعة في الإمارات العربية المتحدة كيف يمكن للدعم المركز أن يرعى منظومة ريادية أكثر حيوية. فدبي على وجه الخصوص تبرز مركزاً إقليمياً قوياً لريادة الأعمال، يجتذب رواد أعمال طموحين من أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع تركز مرتفع للابتكار التكنولوجي، جمعت الشركات الناشئة في دبي نحو 96% من التمويل في الإمارات منذ عام 2017، مؤدية دوراً حاسماً في الاقتصاد الرقمي للبلاد. ووفقاً للمؤشر العالمي لمنظومات الشركات الناشئة، تبرز الإمارات بوصفها الدولة الرائدة بين دول جامعة الدول العربية في تطوير منظومات الشركات الناشئة والابتكار. وتنعكس هيمنتها في ترتيبها المرتفع باستمرار في مؤشرات متعددة، منها الأداء الاقتصادي والقدرة الابتكارية والبنية التحتية الرقمية والحيوية العامة لمنظومتها الريادية.

ومن شأن تعزيز هذه المنظومات أن يسد الفجوة الرقمية، ويحفز النمو الاقتصادي، ويخلق فرصاً للمنشآت الأصغر لتزدهر في بيئة تنافسية. ولا يعود ذلك بالنفع على الشركات الناشئة فحسب، بل يدعم أيضاً المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في أنحاء الدول العربية، بما يفضي إلى مشهد أعمال أكثر صموداً وحيوية.

أثر الرقمنة على الإنتاجية: أدلة غير حاسمة عبر المنشآت والقطاعات والاقتصادات

لا تنشأ العلاقة بين الرقمنة والإنتاجية تلقائياً ولا تأتي على نحو موحد، بل تتشكل بفعل تفاعل معقد بين عوامل متعددة، منها قدرات المنشأة وخصائص القطاع والظروف الهيكلية والاقتصادية الكلية والمؤسسية الأوسع. فعلى مستوى المنشأة، يمكن للتقنيات الرقمية أن تولد مكاسب كبيرة في الإنتاجية من خلال تحسين الكفاءة التشغيلية وخفض تكاليف المعاملات وتمكين المنشآت من التوسع بفعالية أكبر. غير أن تحقيق هذه المكاسب يتوقف على توافر عوامل تمكين داخلية رئيسية، هي الاعتماد الرقمي المتين، والمهارات الرقمية القوية، وثقافة الابتكار، وممارسات إدارية مرنة وقادرة على التكيف. والواقع أن المنشآت التي تعتمد الأدوات الرقمية على نحو مجزأ أو سطحي نادراً ما تحقق مكاسب جوهرية في الكفاءة، إذ يُعد الدمج العميق في العمليات الأساسية أمراً لا غنى عنه. كما أن وجود مديرين وعاملين متمكنين رقمياً عامل حاسم، فالمنشآت التي تتمتع بقيادة رقمية قوية وقوى عاملة قادرة على استخدام التقنيات الجديدة والتكيف معها أكثر قدرة على إطلاق منافع الإنتاجية. ويُتوقع كذلك أن تكون المنشآت التي تستثمر أصلاً في البحث والتطوير، وتجرب منتجات وعمليات جديدة، وتتبع أساليب إدارية مرنة، في موقع أفضل لتوظيف الأدوات الرقمية بفعالية.

والأهم من ذلك أن الطريقة التي تُدخل بها التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لها أهميتها أيضاً. فإشراك العاملين في صنع القرار بشأن الاعتماد الرقمي والتغيير التنظيمي يمكن أن يعزز فعالية التحول الرقمي وشموليته تعزيزاً كبيراً. إذ تضمن مشاركة العاملين عبر المفاوضة الجماعية والآليات التشاورية وغيرها من ممارسات الابتكار في مكان العمل أن تُدخل التقنيات الجديدة بطرق تتسق مع الواقع التشغيلي واحتياجات القوى العاملة. فالموظفون كثيراً ما يقدمون رؤى ميدانية قيّمة بشأن سير العمل والتعامل مع العملاء، بما يساعد المنشآت على تحسين تطبيق الأدوات الرقمية ورفع نتائج الإنتاجية الإجمالية.

وبعيداً عن أثرها على مستوى المنشأة، يتفاوت نطاق الرقمنة ومداها تفاوتاً كبيراً بين القطاعات، إذ تشهد بعض الصناعات تحولات أعمق من غيرها. فأولاً، تؤدي التركيبة القطاعية دوراً رئيسياً. ففي القطاعات التي تهيمن عليها المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، قد يظل الاعتماد الرقمي مجزأً وسطحياً. وكما سبقت الإشارة، يفتقر كثير من هذه المنشآت إلى القدرات المالية أو التقنية أو الإدارية لتطبيق الأدوات الرقمية على نحو يحسن الإنتاجية تحسيناً جوهرياً. ونتيجة لذلك، حتى لو أصبحت قلة من المنشآت الرائدة في القطاع أكثر كفاءة، قد يظل الأثر الأوسع على الإنتاجية محدوداً بسبب تدني متوسط النضج الرقمي في القطاع.

وثانياً، يؤثر مستوى الطابع المنظم داخل القطاع في قدرته على استيعاب التحول الرقمي والاستفادة منه. فالمنشآت غير المنظمة كثيراً ما تعمل خارج الأطر التنظيمية، ويكون نفاذها إلى التمويل ضعيفاً، وحوافزها أو قدراتها على الاستثمار في التكنولوجيا محدودة. ويحد ارتفاع مستوى العمل غير المنظم من نطاق السياسات الرقمية القطاعية وفعاليتها، ويحول دون تجميع المكاسب المحققة على مستوى المنشآت في تحسينات على مستوى القطاع.

وثالثاً، يمكن لإخفاقات التنسيق داخل القطاع، كغياب المعايير المشتركة وضعف روابط سلاسل القيمة وضعف التعاون بين المنشآت والجهات التنظيمية ومزودي التكنولوجيا، أن تضعف أثر المبادرات الرقمية. فالتقنيات المعززة للإنتاجية كثيراً ما تتطلب اعتماداً تكاملياً عبر سلاسل الإمداد أو المنظومات بأكملها كي تحقق عوائدها كاملة، ومن دون هذا التكامل قد لا تترجَم التحسينات المعزولة إلى تقدم على مستوى القطاع.

وأخيراً، تكتسي جاهزية السياسات والمؤسسات على المستوى القطاعي أهمية كبيرة. فالقطاعات التي تمتلك استراتيجيات واضحة للتحول الرقمي، ورقابة تنظيمية قوية، وحوافز استثمارية، وبرامج مصممة لتنمية المهارات، تكون في موقع أفضل لتوسيع الاعتماد الرقمي وتحسين الأداء.

وعند النظر على المستوى الكلي أو الوطني، يتبين أن الدفعة المرتقبة للإنتاجية من الرقمنة جاءت في معظمها دون التوقعات. وتُعرف هذه الظاهرة في الغالب بـ"مفارقة الإنتاجية الحديثة"، وتصف التعايش المحير بين انتشار التكنولوجيا الرقمية على نطاق واسع وركود نمو الإنتاجية بل تراجعه في كثير من الاقتصادات. وتدعم الأدلة التجريبية من المنطقة العربية هذه الرؤى. فقد سعى تقرير حديث أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنتدى البحوث الاقتصادية إلى قياس أثر الرقمنة في المنطقة العربية، وبحث نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج ونمو إنتاجية العمل، لكنه لم يجد سوى أدلة محدودة على أثر الرقمنة في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج على مستوى المنشأة أو على المستوى الكلي. وعند التركيز على إنتاجية العمل بوصفها مؤشراً أبسط، لم يرصد التحليل أي ارتباط واضح بين تقدم الرقمنة ونمو إنتاجية العمل عبر البلدان. فعلى سبيل المثال، ورغم الاعتماد الرقمي الكبير، سجلت المملكة العربية السعودية متوسط نمو سالباً في إنتاجية العمل بلغ 0.9% سنوياً بين عامي 2011 و2019. وربما يعود ذلك إلى ارتفاع حصة الوظائف منخفضة المهارة ومنخفضة الإنتاجية، التي يشغلها أساساً عمال أجانب في قطاعات مثل البناء وتجارة التجزئة والخدمات، بدلاً من الصناعات التحويلية التي تستجيب على نحو أفضل للاستثمارات الرأسمالية في التكنولوجيا والتعليم. وبالمثل، قدمت دراسات حالة من الأردن ولبنان أدلة محدودة على أثر الرقمنة في الإنتاجية. فخلال الفترة من 2011 إلى 2019، تراجعت إنتاجية العمل سنوياً بنسبة 3.6% في لبنان و0.8% في الأردن، رغم المستويات المرتفعة نسبياً من الاعتماد الرقمي.

وتساعد عوامل عدة على تفسير هذه المفارقة، ويعكس كثير منها ديناميات مرصودة على مستوى المنشآت والقطاعات. فأولاً، يحد الانتشار البطيء وغير المتكافئ للتقنيات الرقمية من أثرها الاقتصادي الكلي حداً كبيراً. فحين يتركز الاعتماد في عدد قليل من المنشآت أو القطاعات الرائدة، تنشأ "جزر من التميز" لا تترجَم إلى مكاسب على مستوى المنظومة. وفي الاقتصادات ذات البنية الثنائية الواضحة، حيث تتعايش قلة من المنشآت الكبيرة المنظمة مع قاعدة واسعة من المنشآت الأصغر وغير المنظمة في الغالب، تميل الآثار الكلية للتحول الرقمي إلى أن تكون خافتة. ومن ثم، فإن البنية الهيكلية للاقتصاد وخصائص سوق العمل فيه حاسمة في تشكيل نتائج الإنتاجية الوطنية، التي لا تتوقف على استخدام التكنولوجيا وحده.

وثانياً، لا تتحقق مكاسب الإنتاجية من التقنيات الرقمية فوراً. فكما في موجات تكنولوجية سابقة، كاعتماد الحواسيب الشخصية، كثيراً ما لا تظهر المنافع الكاملة إلا بعد أن تمر المنشآت والقطاعات بعمليات تكيف كبيرة، تشمل إعادة هندسة العمليات وإعادة الهيكلة التنظيمية وتطوير ابتكارات مكملة. وبالنسبة إلى تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، قد يمتد الفاصل الزمني بين التطوير التكنولوجي والنشر الفعال من سنتين إلى أربع سنوات. ويتطلب تحقيق مكاسب الإنتاجية تكاملاً عبر الأنظمة والقطاعات.

وثالثاً، تؤدي البيئة المؤسسية وبيئة الحوكمة دوراً حاسماً في تمكين نمو الإنتاجية أو تقييده. فضعف المؤسسات وتجزؤ الأطر التنظيمية ومحدودية التنسيق بين الجهات العامة والخاصة يمكن أن تعيق تطوير منظومات رقمية داعمة. ويعتمد التحول الرقمي على طيف من الاستثمارات المكملة في البنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني والمهارات والتعليم ونظم الابتكار والخدمات العامة. وفي كثير من الاقتصادات، ولا سيما في المنطقة العربية، لا تزال هذه الأسس المؤسسية ناشئة أو متفاوتة التطور.

ويكمن تحدٍ إضافي في قياس مكاسب الإنتاجية في الاقتصاد الرقمي. فمؤشرات الإنتاجية المعتادة كثيراً ما تعجز عن رصد القيمة التي تولدها الخدمات الرقمية، مما قد يحجب إسهامات الرقمنة الحقيقية، وإن كانت صعبة القياس، في النمو والإنتاجية.

وإجمالاً، تشير هذه الوقائع إلى أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي لن يترجَما من تلقاء نفسيهما إلى مكاسب في الإنتاجية. فإطلاق إمكاناتهما الكاملة يتوقف على منظومة تمكينية متينة تجمع بين الاستثمارات المكملة، والمقاربات الشاملة، والاستراتيجيات الخاصة بكل قطاع، والإصلاحات الهيكلية التي تيسر الانتشار الواسع للابتكار عبر المنشآت والصناعات والمجتمعات. وبدلاً من الاستسلام للتشاؤم استناداً إلى محدودية النتائج الواعدة لموجات تكنولوجية سابقة، من الضروري إدراك أن الجيل الحالي من التقنيات، ومنها الذكاء الاصطناعي، يحمل وعوداً أكبر بكثير. غير أن تحقيق هذا الوعد يتطلب من صناع السياسات وقادة الأعمال استباق العائد المتأخر للإنتاجية، والاستثمار استباقياً في القدرات المكملة، ومنها تطوير البنية التحتية وإعادة تأهيل القوى العاملة والتكيف التنظيمي وإعادة الهيكلة المؤسسية.

دراسة ذات صلة