شكر وتقدير
أعدّ هذا التقرير فريقٌ بقيادة أولغا ستريتسكا إيلينا من منظمة العمل الدولية، التي تولّت أيضاً تحريره النهائي، وجرى ذلك تحت الإشراف العام للسيد سرينيفاس ريدي، رئيس فرع المهارات وقابلية التوظيف في إدارة سياسات التشغيل بالمنظمة. وقد أعدّ المسودة الأولى أندرو ماكوشان وسايمون بروك بتوجيه من هاي كيونغ تشون من منظمة العمل الدولية، التي اضطلعت بالتنسيق العام للمشروع.
وعمل كلٌّ من كورنيليا مادالينا سوتا وآن م. فوربوش وإيفا ألكسندري وفريا غومبيرتز من مؤسسة كامبريدج إيكونومتريكس بتعاون وثيق مع منظمة العمل الدولية، فقدّموا النمذجة الاقتصادية القياسية الكلية والإسقاطات المعتمدة في هذا التقرير. وأسهم تاكاكي كيزو من المنظمة في تحليل البيانات وقدّم مدخلات إضافية، في حين أبدى أليس فوتزا وخوان إيفان مارتن لاتايكس من المنظمة ملاحظات ومقترحات قيّمة.
وقد أُعدّ هذا المنشور تحت إشراف ييني يوستوك من منظمة العمل الدولية، بينما تولّى ماوريتسيو كوستانزا تصميمه وإخراجه الفني.
تقديم
يتشكّل عالم العمل اليوم في ظل تحولات هيكلية عميقة ما فتئت تعيد رسم ملامح سوق العمل. فتغيّر المناخ والرقمنة، إلى جانب تحولات جوهرية أخرى، يعيدان تشكيل الوظائف والطلب على المهارات بوتيرة ونطاق غير مسبوقين. ويتيح التحولان الأخضر والرقمي فرصة تاريخية لبناء اقتصادات ومجتمعات أكثر شمولاً واستدامة، غير أنهما ينطويان في الوقت ذاته على مخاطر جسيمة، منها اتساع أوجه عدم المساواة، ونقص المهارات، واضطراب أسواق العمل، وتفاوت فرص الوصول إلى الفرص الجديدة.
ويأتي هذا التقرير، الصادر بعنوان "القوى العاملة 2030: المهارات اللازمة للازدهار في ظل التحولين الأخضر والرقمي"، استجابةً لهذه التحديات بوضوح وبصيرة. فهو يقدّم إسقاطات جديدة للتشغيل بحسب المهن، أعدّتها منظمة العمل الدولية بالاشتراك مع مؤسسة كامبريدج إيكونومتريكس، ويقرنها بمراجعة معمّقة للأدلة العالمية، بهدف إلقاء الضوء على الكيفية التي سيؤثر بها التحول نحو الطاقة النظيفة، وتعزيز الاتصال الرقمي، والتفاعل بينهما، في المهن واحتياجات المهارات وأسواق العمل عبر الأقاليم وفئات الدخل المختلفة.
وتؤكد النتائج رسالة محورية مفادها أن تنمية المهارات ركيزة أساسية لتحقيق انتقال عادل. فالتحولان الأخضر والرقمي سيُحدثان ملايين الوظائف الجديدة بحلول عام 2030، ولا سيما إذا جرى السعي إليهما معاً، لكن ذلك مشروط بأن تستثمر البلدان استثماراً طموحاً ومتسقاً في منظومات المهارات. وينبغي لهذه المنظومات أن تكون قادرة على استشراف التغيير، وتكييف المناهج، وتعزيز المسارات المهنية، والوصول إلى جميع المتعلمين، من الشباب والكبار والنساء، وصولاً إلى العمال في الاقتصاد غير المنظم والفئات المحرومة الأشد تعرضاً لتقلبات سوق العمل.
وفي الوقت نفسه، يسلّط التقرير الضوء على تحديات مستمرة. فالنساء ما زلن ممثَّلات تمثيلاً ناقصاً في كثير من المهن الخضراء والرقمية. والبلدان منخفضة الدخل، رغم ما يمكن أن تجنيه من مكاسب كبيرة، تعاني محدودية الوصول إلى البنية التحتية ومنظومات التدريب والتمويل. كما يحتاج العاملون في القطاعات التي تشهد إزالة الكربون أو الأتمتة إلى دعم موجّه لإعادة تأهيلهم ورفع مهاراتهم. ومن دون عمل مقصود ومدروس، قد تعيد التحولات المقبلة إنتاج أوجه عدم المساواة القائمة، بل قد تعمّقها.
وتقتضي ولاية منظمة العمل الدولية في تعزيز العمل اللائق والنهوض بالعدالة الاجتماعية أن يُتعامل مع هذه التحولات بالتزام راسخ بالإنصاف والشمول والحوار الاجتماعي. ومن ثمّ يجب أن توضع تنمية المهارات في صميم أطر السياسات المتعلقة بالعمل المناخي والرقمنة، وهو ما يتطلب تنسيقاً بين الوزارات، وإشراكاً لمنظمات أصحاب العمل والعمال، وشراكات متينة مع مقدّمي التدريب والمستثمرين والمجتمعات المحلية.
وستساعد الأدلة والتوصيات الواردة في هذا المنشور الحكومات والشركاء الاجتماعيين على تصميم استراتيجيات للمهارات تستثمر إمكانات التحولين الأخضر والرقمي استثماراً كاملاً، مع ضمان ألا يتخلف أي عامل عن الركب. فبناء القوى العاملة لعام 2030 ليس مجرد تحدٍّ في مجال تنمية المهارات، بل هو استثمار في مستقبل عمل أكثر استدامة وإنصافاً وقدرة على الصمود.
سرينيفاس ريدي، رئيس فرع المهارات وقابلية التوظيف، منظمة العمل الدولية
الملخص
يحلل هذا التقرير آثار التحولين الأخضر والرقمي في التشغيل، وما يترتب عليهما من انعكاسات على احتياجات المهن والمهارات، وسبل الاستجابة بفاعلية أكبر للتحديات الناشئة عنهما. وتستكشف الدراسة المحركات الرئيسية المؤثرة في أسواق العمل، ومتطلبات المهن، وإسقاطات التشغيل في ظل ثلاثة سيناريوهات: سيناريو تحول الطاقة، وسيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض، وسيناريو مركّب يجمع التحولين الأخضر والرقمي. كما يحدد الاحتياجات الحرجة من المهن والمهارات، ويقيّم تدابير السياسات والتدريب الرامية إلى تهيئة القوى العاملة. وتبرز النتائج الرئيسية الحاجة إلى تسريع التحول في التعليم والتدريب لتلبية متطلبات الصناعة الناشئة، ويؤكد التقرير ضرورة دمج استراتيجيات تنمية المهارات الخضراء والرقمية لتعزيز نمو اقتصادي مستدام وشامل. ويختتم بتوصيات موجهة إلى صانعي السياسات والشركاء الاجتماعيين ومؤسسات التعليم والتدريب وسائر الجهات المعنية.
الملخص التنفيذي
يحلل هذا التقرير احتياجات التشغيل والمهارات الناشئة عن التحولين الأخضر والرقمي، وسبل الاستجابة بفاعلية أكبر للتحديات التي يفرضانها. ويرتكز التقرير على مجموعة من سيناريوهات التشغيل والمهارات أعدّتها منظمة العمل الدولية بالاشتراك مع مؤسسة كامبريدج إيكونومتريكس، تقدّر الآثار المحتملة للانتقال إلى الحياد المناخي في إنتاج الطاقة، وللوصول إلى تغطية شبه شاملة بخدمات النطاق العريض، فضلاً عن الآثار المجتمعة للتحولين معاً. وتُوضع هذه الإسقاطات في سياقها من خلال مراجعة معمّقة للأدبيات ذات الصلة.
ويتسم التحول الأخضر بالجهود العالمية الرامية إلى التصدي لتغيّر المناخ، والمدفوعة بوجه خاص بالتزامات الوصول إلى صافي انبعاثات صفري، وهي التزامات سرّعت وتيرة الاستثمار في مجالات منها الطاقة المتجددة والتصنيع الأكثر استدامة. وتؤدي سياسات مثل تسعير الكربون والأطر التنظيمية الخاصة بكفاءة الطاقة دوراً محورياً في تحفيز نمو أسواق المنتجات والخدمات الخضراء وإنعاش الطلب على الوظائف الخضراء في قطاعات متعددة، شأنها في ذلك شأن التقنيات الخضراء والابتكار. ويشهد الطلب على العمالة في طائفة من المهن ارتفاعاً بالفعل، كالمهندسين والفنيين ومديري المشاريع في مشاريع البنية التحتية الخضراء، وسيواصل ارتفاعه. ويتناول سيناريو تحول الطاقة المعتمد في هذا التقرير آثار تحقيق الحياد المناخي في التشغيل والمهارات، على أن يتحقق في معظمه بحلول عام 2050 وكلياً بحلول عام 2060، مع التركيز على الفترة الممتدة حتى عام 2030. ووفقاً لهذا السيناريو، سيرتفع نمو التشغيل العالمي بنسبة 1% بين عامي 2024 و2030 مقارنة بالسيناريو الأساسي، أي ما يعادل 37.2 مليون وظيفة إضافية. ويُتوقع أن تظهر تباينات كبيرة بين المهن والأقاليم الجغرافية، إذ ستُستحدث وظائف في قطاعات الطاقة النظيفة، وستعوّض المكاسب الصافية في التشغيل الخسائرَ في الصناعات المعتمدة على الوقود الأحفوري. ولأن نمو الوظائف يتركز في قطاعي البناء والتصنيع، فإن الرجال سيستفيدون من هذا السيناريو بصورة غير متناسبة، نظراً لهيمنتهم على التشغيل في هذين القطاعين. وسيتطلب تحويل الصناعات لبلوغ أهداف خفض الكربون استثمارات واسعة في تدريب القوى العاملة، مع التركيز بوجه خاص على تزويد العمال الحاليين بمهارات جديدة وإعداد الشباب للفرص الناشئة.
أما التحول الرقمي فيعيد تشكيل الاقتصادات من خلال تطورات تكنولوجية متسارعة، كالذكاء الاصطناعي والأتمتة وتحليلات البيانات الضخمة، وهي تطورات تعيد بدورها رسم متطلبات القوى العاملة في صناعات عديدة. ويعني التحول الرقمي أن الإلمام الرقمي والقدرة على التكيف مع الأدوات التكنولوجية الجديدة باتا ضروريين في جميع المهن، في حين يتزايد الطلب على الكفاءة في المهارات التقنية المتخصصة في مجالات تحليل البيانات والأمن السيبراني وتطوير البرمجيات والحوسبة السحابية. ومن المتوقع أن يُحدث التحول الرقمي فرص عمل كبيرة، لا سيما في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتسويق الرقمي وحلول العمل عن بُعد. غير أن الأتمتة قد تُقصي بعض الأدوار، مما يستلزم جهوداً موجهة لإعادة التأهيل بهدف الحد من فقدان الوظائف. ولن يقتصر الطلب على مهارات تكنولوجيا المعلومات المتقدمة والإلمام الرقمي على قطاع التكنولوجيا، إذ يتزايد عدد الصناعات التقليدية التي تدمج الحلول الرقمية في عملياتها. ويتعين على المؤسسات كذلك أن تستثمر في تدريب موظفيها على استخدام الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي استخداماً فعالاً، بما يضمن أن تُترجم مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الرقمنة إلى نمو مستدام في التشغيل بدلاً من تقليص القوى العاملة. ويفترض سيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض أن تتوفر خدمة الإنترنت عريض النطاق لما لا يقل عن 90% من السكان بحلول عام 2030، وهو ما سيؤدي إلى زيادة في التشغيل العالمي بنحو 0.7%، أي أكثر من 23 مليون وظيفة، بحلول عام 2030 مقارنة بالسيناريو الأساسي. وهنا أيضاً ستظهر تباينات مكانية ومهنية كبيرة في أثر السيناريو، وستذهب معظم الوظائف الجديدة إلى الرجال.
ويتناول التقرير كذلك آثار التحولين الأخضر والرقمي مجتمعَين في التشغيل والمهارات، إذ تُعدّ التكنولوجيا والابتكار الأخضران من المحركات الرئيسية للتحول الأخضر، فهما يسهمان في التخفيف من تغيّر المناخ والتكيف معه على حد سواء، ومن أمثلة ذلك الشبكات الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي المستدامة والتقنيات الرقمية الموفرة للطاقة. ويتيح هذا التقاطع فرصاً لاستحداث الوظائف، لكنه يطرح أيضاً تحديات في مجال تنمية المهارات وجاهزية القوى العاملة. فعند نقطة التقاء التحولين، يحتاج جميع العمال إلى مهارات أساسية في التقنيات الخضراء والرقمية معاً، تمكّنهم من استخدام تقنيات مثل العدادات الذكية، إلى جانب المهارات الجوهرية في حل المشكلات والتفكير النقدي. وتبرز الحاجة كذلك إلى مهارات تقنية أكثر تخصصاً حيث تُطبَّق المهارات الرقمية المتقدمة على المنتجات والخدمات الخضراء، كما تظهر مهن جديدة، مثل المختصين الرقميين العاملين في الزراعة الدقيقة وتحسين إدارة النفايات. ويعتمد السيناريو المركّب افتراضات السيناريوهين السابقين معاً، سعياً إلى رصد أوجه التآزر والمفاضلة التي تحدث في آن واحد. ونتيجة لذلك، يتوقع هذا السيناريو أن يكون نمو التشغيل العالمي أعلى من السيناريو الأساسي بنسبة 1.6% في عام 2030، أي بزيادة قدرها 58 مليون وظيفة. وستشهد جميع المهن نمواً، على أن تكون مهن الحرف وما يتصل بها محوراً لمكاسب كبيرة، فيما ستتحقق معظم المكاسب في المهن التي تتطلب مستويات مهارة متوسطة.
ويكشف تحليل الأدبيات المتعلقة باستجابات تنمية المهارات للتحولين الأخضر والرقمي عن طيف واسع من التدابير يغطي مجمل سياسات التعليم والتدريب التقني والمهني وممارساته. فعلى صعيد كل تحول على حدة، وُضعت استراتيجيات وسياسات رفيعة المستوى، وطُوّرت آليات لاستشراف المهارات واستُخدمت، ورُوجعت المؤهلات والبرامج أو استُحدثت أخرى جديدة، واتُّخذت خطوات لتكييف برامج التطوير المهني للمعلمين والمدربين. وفي المقابل، تقلّ كثيراً الأمثلة على السياسات والممارسات التي تعالج التحولين في آن واحد. ومن التحديات التي تواجه استجابات تنمية المهارات عبر التحولين تفاوتُ فرص الوصول إلى التدريب، ولا سيما في المناطق منخفضة الدخل، وبطءُ تكيّف منظومات التعليم مع احتياجات الصناعة المتطورة. وفضلاً عن ذلك، لا تزال الفجوات بين الجنسين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وفي المهن الخضراء بحاجة إلى معالجة لضمان مشاركة شاملة في القوى العاملة، إذ تظل النساء ممثَّلات تمثيلاً ناقصاً في الصناعات الرقمية والخضراء، خاصة في الأدوار التقنية، وهو ما قد يحدّ من الفاعلية الإجمالية لاستراتيجيات انتقال القوى العاملة. وسيكون تشجيع مشاركة المرأة بدرجة أكبر في هذه القطاعات، عبر التواصل الموجّه والمنح الدراسية وسياسات بيئة العمل، أمراً حاسماً لضمان توزيع مكاسب التشغيل الناتجة عن التحولين المتلازمين على نطاق واسع.
إن لكلا التحولين، منفردَين ومجتمعَين، القدرة على توليد فرص عمل كبيرة، شريطة اتخاذ خطوات تمكّن منظومات تنمية المهارات من الاستجابة بفاعلية. وتتضمن توصيات التقرير جملة من التدابير التي تساعد على تحقيق ذلك، منها: جعل تنمية المهارات محوراً لجميع الاستراتيجيات والخطط والالتزامات التمويلية المتعلقة بالتحولين الأخضر والرقمي؛ وبناء علاقات متينة بين الوزارات الحكومية وإشراك جميع الجهات المعنية في تحديد أهداف التحولين والإجراءات اللازمة لبلوغها؛ وتحسين عرض التعليم والتدريب بما يتيح استجابات أسرع وأكثر فاعلية لاحتياجات المهارات الناشئة؛ وتزويد الجميع بالمهارات الخضراء والرقمية الأساسية والكفاءات العامة حتى يستفيد الجميع من التحولين؛ وإدماج المساواة بين الجنسين في كل مرحلة ومستوى من مستويات تنمية المهارات لضمان توزيع منصف لمكاسب التشغيل بين الجنسين؛ ومعالجة التوزيع المكاني غير المتكافئ لمكاسب التشغيل المرتقبة، ولا سيما فيما يخص البلدان الأفريقية والبلدان منخفضة الدخل التي تبدو حالياً الأقل استفادة من التحولين.
ويؤكد التقرير الحاجة الملحة إلى مواءمة تنمية القوى العاملة مع التحولين الأخضر والرقمي من أجل بلوغ مستقبل مستدام وشامل رقمياً. فمن خلال سدّ فجوات المهارات وتنفيذ سياسات موجهة، تستطيع الاقتصادات أن تستثمر كامل إمكانات الثورتين الخضراء والرقمية لتحقيق منافع اجتماعية وبيئية واقتصادية طويلة الأمد. وسيتوقف نجاح هذين التحولين في نهاية المطاف على تضافر جهود الحكومات وقطاع الأعمال ومقدّمي التعليم لبناء قوى عاملة مهيأة لتحديات سوق عمل سريع التطور وفرصه. ويتعين على صانعي السياسات إعطاء الأولوية للاستثمار في المهارات، بما يضمن ألا يتخلف العمال عن الركب في أثناء خضوع الصناعات لتغيرات هيكلية. ومع توفر الدعم المناسب والسياسات الملائمة، يمكن للتحولين الأخضر والرقمي أن يصبحا محركين للنمو الاقتصادي واستحداث الوظائف وتحقيق العدالة الاجتماعية في العقود المقبلة.
