4. معالجة التحولين الأخضر والرقمي معاً
4.1. مقدمة
يتناول هذا الفصل التقاطع بين التحولين الأخضر والرقمي. فمعظم الأدبيات تميل إلى معالجة أحد التحولين بمعزل عن الآخر، بل إن تقارير تذكر التحولين في عناوينها كثيراً ما تتناولهما منفصلين. واستناداً إلى الأدبيات المحدودة نسبياً المتاحة، وإلى التحليلات المعروضة في الفصلين الثاني والثالث، يقدّم هذا الفصل دراسة متكاملة للتطورات الأخيرة واتجاهات سوق العمل والمهارات المرتبطة بها، وينظر في إمكانات التآزر بين التحولين، بما في ذلك مدى قدرة تغيرات التشغيل والمهارات على أن يعوّض بعضها بعضاً أو يعزز بعضها بعضاً.
4.2. التطورات الأخيرة: الفرص والتحديات واتجاهات السياسات
كما ورد في الفصل الثاني، تُعدّ التكنولوجيا والابتكار الأخضران محركين رئيسيين للتحول الأخضر، والعكس صحيح. فالتطورات التكنولوجية محورية لإنتاج الطاقة المتجددة، من خلال توربينات الرياح وأنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية مثلاً، وللتحسين المستمر لهذه التقنيات. وتواصل الابتكارات فتح آفاق جديدة كطاقة المد والجزر واستخدام الهيدروجين في إنتاج الوقود الإلكتروني. وبالمثل، كانت التطورات التكنولوجية حيوية لاستخدام الطاقة المتجددة في المركبات الكهربائية مثلاً، ولابتكار منتجات جديدة لتحسين كفاءة المباني في استهلاك الطاقة. فللتكنولوجيا إذن دور تحفيزي مهم في التحول الأخضر. وفي المقابل، فإن تطوير تقنيات جديدة لتلبية الاحتياجات المناخية والالتزامات العالمية يعني أن التحول الأخضر يمكنه بدوره أن يحفز تطورات تكنولوجية جديدة، ولولا اندلاع الطوارئ المناخية لربما ظلت المركبات الكهربائية في مراحلها الأولى من التطور.
وبشكل محدد، يمكن للتقنيات الرقمية أن تسهم في التخفيف من تغيّر المناخ والتكيف معه، وفي معالجة تحديات بيئية أخرى كتلوث الهواء وإدارة النفايات وحماية التنوع البيولوجي. ففي مجال التخفيف، يمكن للشبكات الذكية والمباني الذكية أن ترفع كفاءة استخدام الطاقة وتحسن إدارة الطاقة المتجددة، ويجري على هذا الأساس تطوير أنظمة نقل ذكية متكاملة و"مدن ذكية". كما يمكن استخدام الأنظمة الرقمية لقياس استهلاك الطاقة على المستوى المحلي وإدارة العرض والطلب، وهي أساسية لتحسين كفاءة التصنيع عبر الصناعة 4.0 ولدعم الزراعة الدقيقة. وقد قُدّر أن تدابير كهذه قد تدعم خفضاً كبيراً في انبعاثات الكربون، إذ وجدت إحدى الدراسات التي شملت أربعة قطاعات في سبعة بلدان أن هذا الخفض قد يتراوح بين 1.1 و2.1 جيغاطن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحسب السيناريو، مع تركز أعلى إمكانات الخفض في قطاع الطاقة. وفي مجال التكيف، يمكن لتقنيات كأجهزة الاستشعار عن بُعد والأقمار الصناعية ونظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة أن تساعد في رصد الظواهر الجوية المتطرفة وإدارة الكوارث وإدارة الموارد.
ومن السمات المهمة لمثل هذه الأمثلة الدور المحوري الذي يؤديه الاتصال والبيانات وتحليلها. ومن ثمّ ستكون التغطية الشاملة بالنطاق العريض، التي تمثل محور الإسقاطات المتعلقة بالتحول الرقمي في هذا التقرير، محورية لبلوغ أهداف التحول الأخضر وتحقيق المنافع المحتملة للرقمنة.
وفي الوقت ذاته، فإن للتقنيات الرقمية نفسها بصمة كربونية، وهي تفرض متطلبات جديدة على موارد الأرض، كالليثيوم المستخدم في بطاريات المركبات الكهربائية. ويُعدّ تقدير البصمة الكربونية لصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أمراً صعباً، وقد أسفر عن نتائج متباينة تبايناً واسعاً. ومع ذلك، فإن متطلبات الطاقة لأحدث موجة من التقنيات الرقمية الداعمة، على سبيل المثال، لشبكات الجيل الخامس والتصنيع المتقدم ومراكز البيانات القادرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي مرتفعة، وينبغي أن تكون هي في حد ذاتها حافزاً لعمل أسرع وأكثر تضافراً نحو التحول إلى الطاقة المتجددة. وعلى الجانب الإيجابي، فإن كثيراً من التطبيقات القادرة على دعم أنشطة التخفيف من تغيّر المناخ أو التكيف معه ذات بصمة كربونية صغيرة نسبياً. غير أن الوعي بإمكانية وجود حلقات تغذية راجعة سلبية، إلى جانب الإيجابية، بين التحولين الأخضر والرقمي أمر مهم إذا أُريد بلوغ مستقبل أكثر استدامة.
وفيما يتعلق بالعوامل المؤثرة في تقاطع التحولين الأخضر والرقمي، يبيّن الفصلان الثاني والثالث ضرورة النظر في أمرين: المحركات المحددة التي تعمل عند نقطة تقاطعهما، والكيفية التي تؤثر بها محركات كل تحول في الآخر. ويمكن لهذه المحركات المتشابكة أن تعمل بطرق تدعم أوجه التآزر الإيجابية بين التحولين أو تعيقها. ويكشف التحليل وفق هذين البعدين عن القضايا الرئيسية الآتية:
أولاً، من المهم إدراك الاختلاف بين وضعي التحولين فيما يتعلق بالسياسات الحكومية والأسواق والابتكار التكنولوجي. فرغم تنامي أهمية سلوك المستهلكين وطلبهم على المنتجات والخدمات الأكثر اخضراراً، ظل التحول الأخضر حتى الآن معتمداً إلى حد كبير على السياسات والأنظمة العامة لتهيئة البيئة المواتية لتطوير التقنيات الخضراء والأسواق الخضراء. ولا ينطبق ذلك على التحول الرقمي، الذي يتطور إلى حد كبير تطوراً ذاتياً بفعل قوى السوق، مع تدخل تنظيمي يتركز أساساً حول قضايا كخصوصية البيانات والسلوك الاحتكاري لشركات التكنولوجيا الكبرى، رغم أن كثيراً من التقنيات التأسيسية، كالإنترنت والملاحة عبر الأقمار الصناعية، نشأت من الإنفاق العام عبر عقود الدفاع.
ثانياً، ينطوي التحولان على تكاليف تتحملها المؤسسات والأفراد، كتلك المرتبطة ببرامج إعادة التدوير، وأتمتة المهام عبر الحلول الرقمية، وتراجع الصناعات الاستخراجية القائمة على الكربون وما يترتب عليه من فقدان للوظائف. وقد يؤدي ذلك إلى مقاومة التغيير. وبينما دفع ذلك بعض الحكومات إلى التراجع عن السياسات الخضراء، لا يُلاحظ تراجع مماثل فيما يخص الرقمنة التي تتكشف منذ عقود عدة في موجات متعاقبة، رغم المخاوف الأخيرة بشأن الآثار المحتملة للذكاء الاصطناعي في التشغيل، والتساؤلات الأخلاقية حول الإدارة الخوارزمية، والآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على الشباب، وقضايا أخرى كثيرة. بل شهدت الفترة الأخيرة محاولات للحد من العواقب الضارة للرقمنة على التعلم، إذ تراجعت بعض الحكومات عن سياساتها في هذا المجال، فأوقفت نشر أدوات التعلم الرقمي في ظل شح الأدلة على فوائدها، وأعلنت حظر الهواتف المحمولة في المدارس، كما في السويد وإنجلترا.
وأخيراً، واستناداً إلى تحليل الفصلين الثاني والثالث والأدبيات المحدودة التي تتناول التحولين الأخضر والرقمي بصورة متكاملة، يمكن تجميع طائفة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي تشكّل التحولين. وثمة تفاعلات متبادلة قوية بين هذه العوامل جميعاً. وعلى وجه الخصوص، يعني الدور القوي للحكومات في تهيئة الظروف التي ستتحقق من خلالها الأهداف الخضراء أن لها أيضاً دوراً قوياً في تطوير التقنيات الخضراء، وطرحها عبر الأسواق وتنمية المنشآت، واعتمادها واستخدامها من قبل المؤسسات والمواطنين، وتنمية المهارات اللازمة لتمكين هذه العمليات جميعاً. وباختصار، يتعين على الحكومات أن تتعامل مع مجموعة واسعة ومعقدة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية لبلوغ الأهداف الخضراء والرقمية، بما في ذلك تطوير البنية التحتية الحيوية التي تقوم عليها إسقاطات التشغيل المعروضة في هذا التقرير.
فعلى سبيل المثال، تحتاج الحكومات إلى تعويض التكاليف الأولية المرتفعة للتقنيات الخضراء؛ وجذب الاستثمارات المطلوبة؛ وتيسير إعادة توزيع الوظائف بين القطاعات والمهن النامية والمتراجعة من خلال التوجيه المهني وإعادة تأهيل القوى العاملة ورفع مهاراتها؛ وتوفير بيئة تنظيمية تتيح نمو أسواق التكنولوجيا الخضراء؛ وضمان العدالة في توزيع التكاليف والمنافع بين السكان؛ وتيسير الحوار بين القطاعين العام والخاص، بما في ذلك مع أصحاب العمل والعمال الذين قد يتأثرون بالتغيرات؛ وتشجيع التحولات السلوكية نحو الاستدامة من خلال الإلمام المناخي والرقمي. فأجندة الحكومات واسعة وعميقة حقاً.
4.3. آثار التحولين الأخضر والرقمي في المهن والمهارات والتشغيل
فيما يتعلق بآثار التحولين الأخضر والرقمي في المهن والمهارات والتشغيل، ثمة سؤالان رئيسيان ينبغي النظر فيهما: أولهما ما المهارات والمهن المطلوبة عند نقطة التقاء التحولين، وثانيهما ما التفاعلات المحتملة في التشغيل بين التحولين، أي هل يمكن أن تعوّض المكاسب في أحدهما الخسائر في الآخر؟
وفيما يتعلق باحتياجات المهن والمهارات، أظهر الفصلان الثاني والثالث أن ثمة ثلاثة أنواع عريضة من المهارات مطلوبة في كلا التحولين. فما المهارات التي قد تكون مطلوبة عند نقطة التقائهما؟
أولاً، تتطلب جميع الوظائف شكلاً من أشكال المهارات الأساسية. فهي تشمل من جهة مهارات تتعلق بالوعي بالحاجة إلى نمط حياة وعمل أكثر استدامة وسبل تحقيق ذلك، كإعادة التدوير مثلاً، وتشمل من جهة أخرى المهارات الرقمية الأساسية، كالاستخدام الأمثل للحواسيب المحمولة والهواتف الذكية. ومن الواضح أن ثمة مجالات تداخل محتملة بين هذين النوعين من المهارات، كمهارات "الحوسبة الخضراء" التي ترفع الوعي بالحاجة إلى استخدام معدات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة وإعادة تدوير معدات تكنولوجيا المعلومات بمسؤولية، بما يقلل الأثر البيئي للتكنولوجيا. وفي الوقت ذاته، ورغم شح الأدلة في هذا المجال، يبدو أن أوجه التداخل والتآزر هذه لم تحظ ببروز يُذكر في السياسات والممارسات المتعلقة بتنمية المهارات حتى الآن، كما سيُناقش في الفصل الخامس.
ثانياً، يستفيد جميع العمال من طائفة من المهارات الجوهرية كالتفكير المنظومي وحل المشكلات والتواصل، ويُشار إليها أيضاً بالمهارات الناعمة، والمهارات الاجتماعية والعاطفية، والمهارات المعرفية وما وراء المعرفية. وفي التحول الأخضر، تُعدّ هذه المهارات أساسية للتعامل مع التحديات المعقدة التي يفرضها تغيّر المناخ والتدهور البيئي. وفي التحول الرقمي، ازدادت أهمية هذه المهارات للعاملين في تكنولوجيا المعلومات، إذ بات أصحاب العمل يبحثون عن أشخاص يمتلكون قدرات أوسع تتجاوز الخبرة التقنية، كالقدرة على التعاون الفعال ضمن فرق لمعالجة مشكلات الشبكات المعقدة لدى العملاء. وبصورة أعم، يُنظر إليها بوصفها مهمة لتحصين الناس في المستقبل ضد الآثار المحتملة للذكاء الاصطناعي في التشغيل، من خلال إبراز أهمية "القدرات المتمحورة حول الإنسان" في مكان العمل. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن ينمو الطلب أكثر ما ينمو على المهارات المتعلقة بالتفاعل مع الحواسيب، والتفكير الإبداعي، وتحليل البيانات وإدارة المعلومات، والتواصل مع العملاء أو الشركاء الخارجيين، غير أن كثيرين حول العالم لا يزالون يفتقرون إلى الكفاءة الأساسية اللازمة لتلبية هذا الطلب المتزايد.
ثالثاً، يتطلب كلا التحولين أنواعاً مختلفة من المهارات التقنية، سواء أكانت المهارات التي يحتاجها مدققو الطاقة أم مهندسو تعلم الآلة. وعند نقطة التقاء التحولين، نشهد تطبيق مهارات رقمية تقنية متقدمة في تطوير المنتجات والخدمات الخضراء. وقد لا يتطلب ذلك مهارات أو مهناً جديدة كلياً مصممة خصيصاً لاحتياجات الاقتصاد الأخضر في حد ذاته، وإن كان قد يحفز استحداث وظائف جديدة عبر قوى العرض والطلب المعتادة. وفي الوقت ذاته، رُصدت أنواع جديدة من المهن تجمع بين المهارات التقنية الخضراء والرقمية، ومنها مثلاً المختصون في التكنولوجيا الخضراء كخبراء الطاقة ومصممي مصانع الاقتصاد الدائري، والمختصون الرقميون العاملون في الزراعة الدقيقة وتحسين إدارة النفايات، ومهن الإدارة الخضراء التي تتطلب فهماً متقدماً للتطبيقات الرقمية، كمديري المدن الذكية ومديري الطاقة المتجددة.
وفيما يتعلق بالتفاعلات في التشغيل بين التحولين، فإن أنماط استحداث الوظائف وزوالها معقدة. فالتحول الأخضر يستتبع إغلاق خطوط إنتاج وما يرتبط بها من "وظائف بنية" في الصناعات القائمة على الوقود الأحفوري، مع استحداث وظائف لبناء البنية التحتية الجديدة للطاقة وتشغيلها، وتحسين كفاءة الطاقة في المنازل وأماكن العمل. كما يولّد آثاراً أوسع لا ترتبط مباشرة بتغيّر المناخ، كزيادة الطلب على عمال البناء والسباكين والكهربائيين. وإجمالاً، تميل التوقعات إلى الإشارة إلى مكاسب صافية من هذه العمليات. وفي المقابل، يصعب أكثر التنبؤ بآثار التحول الرقمي في التشغيل، بسبب الغموض المحيط بقدرة الموجة التكنولوجية الأحدث القائمة على الذكاء الاصطناعي على استحداث الوظائف وإلغائها، ولا سيما في المهن ذات الطابع المعرفي الأعلى، التي ظلت حتى الآن بمنأى نسبي عن تأثير الرقمنة. وتُعدّ جودة الوظائف أيضاً عاملاً مهماً ومعقِّداً، إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الوظائف الجديدة الناتجة عن جهود التحول الأخضر أو عن توسع العمل عبر المنصات توفر أجوراً وظروف عمل أفضل من الوظائف التي تحل محلها.
أما ما إذا كان التحول الأخضر قادراً على تعويض الخسائر الناجمة عن التحول الرقمي، فذلك يتوقف على آثار كل منهما في المهن والمهارات، وعلى كيفية تجليها على المستويات الجغرافية التفصيلية. ويشير أحد التحليلات المفصلة إلى أن العمال في معظم المهن البنية يمتلكون المهارات اللازمة للانتقال إلى وظائف خضراء، لكن العمال في معظم المهن الأشد عرضة لخطر الأتمتة يفتقرون إلى المهارات اللازمة لمثل هذا الانتقال. ويوضح ذلك تعقيد التحدي المتمثل في ضمان تعويض أي فقدان للوظائف ناجم عن الرقمنة من خلال العمل على التحول الأخضر في مجالي رفع المهارات وإعادة التأهيل. غير أن السؤال الجوهري يتعلق بمكان استحداث الوظائف وزوالها. ففي التحول الأخضر، فُقدت ولا تزال تُفقد وظائف بنية في مناطق قد لا تكون في موقع جيد للاستفادة من الوظائف الجديدة، إما لافتقارها إلى مصادر الطاقة المتجددة كموارد الشمس والرياح، وإما بسبب تركيبة قاعدتها من المنشآت. وحين يُضاف التحول الرقمي إلى هذا المزيج، يصبح من الضروري النظر فيما إذا كانت المناطق الأشد تضرراً من فقدان الوظائف بسبب الرقمنة في موقع جيد للاستفادة من التحول الأخضر أم لا.
وكما تبيّن في الفصول السابقة، يطرح ذلك سؤالاً حاسماً يتعلق بالإنصاف: من يتأثر بتغيرات التشغيل، وإلى أي مدى تتوزع منافع التحولين بعدالة بين السكان من حيث النوع الاجتماعي والعمر ومستوى الدخل؟ وفي كلتا الحالتين، ثمة خطر أن تتوزع مكاسب التشغيل توزيعاً غير متكافئ بين السكان في غياب شكل من أشكال التدخل.
4.4. إسقاطات التشغيل: السيناريو المركّب
يتناول هذا القسم سيناريو يجمع بين سيناريو تحول الطاقة وسيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض اللذين سبق تناولهما. ويتضمن هذا السيناريو المركّب افتراضات السيناريوهين الفرديين معاً، راصداً أوجه التآزر والمفاضلة التي تنشأ حين يحدثان في آن واحد، دون إجراء أي تعديلات أو إعادة تفسير إضافية.
ونتيجة الجمع بين السيناريوهين أن يكون نمو التشغيل العالمي أعلى من السيناريو الأساسي بنسبة 1.6% في عام 2030، أي بزيادة 58 مليون وظيفة. ويقل ذلك بنحو 2.7 مليون وظيفة عن مجموع السيناريوهين منفردين. ويُفسَّر هذا الفارق بأن الجمع بين السيناريوهين في النموذج قد يرفع الإنتاجية بفعل زيادة الاستثمار، إذ قد يُفضي الإنفاق الاستثماري الأعلى إلى مكاسب كفاءة أقوى مما يحققه كل سيناريو منفرداً، نتيجة لوفورات الحجم. وقد يزيد أيضاً الضغط على الأجور، لأن السيناريوهين معاً يرفعان الطلب على العمالة ويؤثران تأثيراً أقوى في معدلات الأجور مما لو نُظر إليهما منفصلين. ويُعدّ أثر سيناريو تحول الطاقة الأكبر، إذ يستأثر بما مقداره 37.2 مليون وظيفة إضافية، مقارنة بما مقداره 23.5 مليون في سيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض. وفي جميع السيناريوهات، ستتحقق معظم المكاسب في المهن التي تتطلب مستويات مهارة متوسطة في جميع فئات الدخل، ولا سيما في البلدان متوسطة الدخل.
وللسيناريوهين أوجه تشابه وأوجه اختلاف في ملامحهما المهنية. فبوجه عام، تتوزع مكاسب التشغيل في سيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض على نطاق أوسع من المهن، لكن كلا السيناريوهين سيُفضي إلى مكاسب مهمة في التشغيل في الحرف وما يتصل بها، والمهن الأولية، ووظائف البناء والتصنيع. أما سيناريو النطاق العريض فسيؤدي كذلك إلى مكاسب مهمة لعمال الخدمات والمبيعات، والمهنيين، والفنيين والمهنيين المساعدين، والمديرين. ونتيجة لذلك، ستشهد جميع المهن نمواً في السيناريو المركّب، حتى الزراعة إلى حد ما، حيث يُتوقع تراجع التشغيل عموماً على المستوى العالمي، وستكون الحرف وما يتصل بها والمهن الأولية محوراً لمكاسب كبيرة تستأثر بما مقداره 47% من مجمل مكاسب التشغيل، يليها عمال الخدمات والمبيعات بنسبة 12% والمهن الاحترافية بنسبة 12%.
وعلى المستوى القطاعي، سيكون استحداث الوظائف لافتاً بوجه خاص في البناء، وطائفة واسعة من الخدمات، وتصنيع المنتجات الإلكترونية وما يتصل بها، بينما ستتركز الخسائر في الصناعات الاستخراجية.
ويكشف النظر في المهن بمزيد من التفصيل أن نمو الوظائف سيتوزع على طائفة واسعة من المهن، مع مكاسب ملحوظة بين العمال في التعدين والبناء والتصنيع والنقل، وعمال البناء، وعمال المعادن والآلات، وعمال الكهرباء والإلكترونيات، وما يتصل بها من مهن. وستتحقق مكاسب كذلك في وظائف الخدمات، ومنها عمال المبيعات وعمال الخدمات الشخصية، كما سيظهر نمو وظائف المهنيين والمهنيين المساعدين ضمن المهن العشر الأولى من حيث نمو الوظائف.
ومن حيث الأقاليم، سيستفيد إقليم آسيا والمحيط الهادئ من الجزء الأكبر من مكاسب التشغيل في السيناريو المركّب، بما يبلغ 32.8 مليون وظيفة إضافية. وستحظى أفريقيا والأمريكتان أيضاً بمكاسب كبيرة في الوظائف، يضيف كل منهما ما يقارب 8 ملايين وظيفة، في حين ستشهد الدول العربية أعلى معدل لنمو الوظائف في هذا السيناريو. وتتوزع مكاسب السيناريو المركّب على الأقاليم بصورة أكثر توازناً إلى حد ما مما في كل سيناريو منفرداً. فلسيناريو تحول الطاقة متصدر واضح هو آسيا والمحيط الهادئ، مع مكاسب محدودة جداً لأفريقيا والبلدان منخفضة الدخل، في حين يُظهر سيناريو النطاق العريض مكاسب ضئيلة جداً للبلدان مرتفعة الدخل، ولا سيما أوروبا وآسيا الوسطى، لأنها تتمتع أصلاً بتغطية واسعة بالنطاق العريض. وتستفيد البلدان منخفضة الدخل من سيناريو النطاق العريض أكثر من استفادتها من سيناريو تحول الطاقة. ونتيجة لهذه الفوارق، يميل السيناريو المركّب إلى "رفع المستوى" مقارنة بالسيناريوهين منفصلين، بحيث لا يقل نمو التشغيل أبداً عن 1.1% رغم تفاوته بحسب الإقليم ومستوى الدخل. والمستفيد الرئيسي هو البلدان متوسطة الدخل من حيث حصتها من إجمالي مكاسب التشغيل العالمية.
وينطبق التوزيع الأكثر توازناً لمكاسب التشغيل في السيناريو المركّب على المهن أيضاً. غير أن ثمة فوارق كبيرة بين الأقاليم، فبينما سيحظى عمال الحرف وما يتصل بها، وعمال الخدمات والمبيعات، والمهن الأولية بنمو كبير في جميع الأقاليم، سيكون الطلب على المهن عالية المهارة مرتفعاً بوجه خاص في الأمريكتين وفي أوروبا وآسيا الوسطى.
وفيما يتعلق بالنوع الاجتماعي، لا تُعدّ المساواة بين الجنسين نتيجة تلقائية لأي من السيناريوهات الثلاثة، إذ يتسم التوزيع الجندري لفرص العمل الإضافية بعدم تكافؤ واضح. فالنساء يحصلن على حصة من الوظائف الإضافية تقل عن حصة الرجال بثلاثين نقطة مئوية في سيناريو النطاق العريض، وبست وأربعين نقطة مئوية في سيناريو تحول الطاقة، وبأربعين نقطة مئوية في السيناريو المركّب. وفي سيناريو النطاق العريض، يعني توزع مكاسب التشغيل على نطاق أوسع من المهن أن مكاسب النساء أكبر منها في سيناريو تحول الطاقة، وإن ظل الرجال المستفيدين الرئيسيين، وذلك لأن نمواً كبيراً في الوظائف متوقع في مهن كالخدمات والمبيعات والدعم المكتبي، حيث تحظى النساء عموماً بتمثيل أفضل مما في الحرف وما يتصل بها مثلاً. ومن ثمّ، سيستأثر الرجال في السيناريو المركّب بما مقداره 70% من الوظائف الجديدة، وبنسبة أعلى في الدول العربية وأفريقيا تبلغ 88% و86% على التوالي. ويبرز إقليم واحد بإمكاناته في تحقيق قدر أكبر من الإنصاف في مكاسب التشغيل للنساء في المهن عالية المهارة ومتوسطتها، هو الأمريكتان.
وفيما يتعلق بالعمر، يُتوقع أن تزداد فرص التشغيل في جميع الفئات العمرية، مع مكاسب نسبية أقوى للشباب من الفئة العمرية بين 15 و24 عاماً، ومكاسب نسبية أصغر باستمرار للعمال الأكبر سناً، ولا سيما في سيناريو تحول الطاقة والسيناريو المركّب.
ولما كان كلا السيناريوهين يُظهر مكاسب مرتفعة نسبياً في الحرف وما يتصل بها وفي المهن الأولية، حيث يحظى الشباب عموماً بتمثيل جيد، ولما كان سيناريو النطاق العريض يُظهر أيضاً مكاسب لعمال الخدمات والمبيعات، وهي مهن مهمة كذلك للشباب، فإن السيناريو المركّب سيدعم ما يقارب 9 ملايين وظيفة للشباب، منها 5 ملايين في الحرف وما يتصل بها والمهن الأولية. ويُتوقع أن تسجل أفريقيا نمواً قوياً في وظائف الشباب في جميع الفئات المهنية، في حين يُتوقع أن تشهد الأمريكتان طلباً مرتفعاً بوجه خاص على الشباب ذوي المهارات العالية.
