تمهيد
تشهد أسواق العمل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحولات عميقة؛ إذ تعيد الرقمنة والتغيرات الديموغرافية والتحول الأخضر وتطور نماذج الأعمال تشكيل متطلبات الوظائف وطبيعة العمل ذاتها. ويشير أصحاب العمل إلى نقص مستمر في الكفاءات، في الوقت الذي يواصل فيه مستوى التحصيل التعليمي الرسمي ارتفاعه. وفي المقابل، يواجه كثير من البالغين صعوبة في الحصول على اعتراف بمهاراتهم عند انتقالهم بين القطاعات أو المناطق أو مسارات التعلم. وقد أفضت هذه التطورات مجتمعة إلى اهتمام متزايد بالمقاربات القائمة على المهارات أولاً، وهي مقاربات تضع المهارات المثبتة، لا المؤهلات وحدها، في صميم منظومات سوق العمل والتعلم.
ويتناول هذا التقرير الأسباب التي تجعل المقاربات القائمة على المهارات أولاً في التوظيف وإدارة المواهب وتنمية المهارات أمراً لا غنى عنه لتحسين أداء سوق العمل ورفع الإنتاجية. كما يستعرض الأسس اللازمة لدعم هذه المقاربات، ومنها بناء لغة مشتركة للمهارات، ودمج التعلم المعياري القائم على الوحدات والشهادات المصغرة في منظومات التعليم والتدريب، واعتماد ممارسات للموارد البشرية داخل المنشآت تنطلق من المهارات أولاً، فضلاً عن دور الإرشاد المهني والاعتراف بالتعلم السابق في ربط التعلم بالوظائف. ومن خلال دراسة الممارسات الناشئة والتجارب السياساتية في مختلف الدول، يسعى التقرير إلى تزويد الحكومات وأصحاب العمل ومقدمي التدريب وسائر الجهات المعنية الراغبة في الشروع في مسيرة المهارات أولاً أو المضي فيها بما يعينها على ذلك. ولا يُعدّ وضع المهارات في صميم سياسات سوق العمل وتعليم البالغين غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لدعم الحيوية الاقتصادية والقدرة على الصمود والحراك الاجتماعي في مرحلة تتسم بتحولات متواصلة.
وقد أعدّ هذا التقرير شيزوكا كاتو وميكيلي توتشيو ورولاند توس من مديرية التوظيف والعمل والشؤون الاجتماعية، وقاد العمل ميكيلي توتشيو (كبير الاقتصاديين) تحت إشراف غليندا كوينتيني (رئيسة قسم المهارات والجاهزية للمستقبل). ويتقدم المؤلفون بالشكر إلى جميع المشاركين في استبيان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول اتجاهات سياسات تعليم البالغين لعام 2025، وإلى لجنة التوظيف والعمل والشؤون الاجتماعية على ملاحظاتهم القيّمة. كما يعربون عن امتنانهم للزملاء في مركز ممارسات المهارات أولاً التابع لمعهد تعليم البالغين بجامعة سنغافورة للعلوم الاجتماعية على تعاونهم في إعداد مؤشر الجاهزية لممارسات المهارات أولاً واعتمادها. ويشكر المؤلفون أخيراً سيرشا دوغلاس وناتالي كوري على ما قدمتاه من دعم إداري وتحريري.
الملخص التنفيذي
تتحول العملة المتداولة في أسواق العمل بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من الاعتماد على المؤهلات التقليدية وحدها نحو تركيز أكبر على المهارات. وعلى الرغم من أن التعليم الرسمي والمؤهلات لا يزالان ركيزتين أساسيتين لتنمية المعارف والمهارات والتدليل عليها، فإنهما لا يستطيعان دائماً الإحاطة بكامل المهارات التي يمتلكها الأفراد، ولا مواكبة التغير السريع في الطلب على المهارات. ولهذا انعكاسات مهمة على أسواق العمل، إذ تعاني المنشآت من نقص في الكفاءات، في حين يفيد كثير من العاملين بأن مهاراتهم غير مستغلة على النحو الأمثل. ومع تزايد اكتساب البالغين للمهارات الناشئة عبر التعلم غير النظامي والتعلم العرضي، فإن الاقتصار على الشهادات الجامعية قد يضيّق قاعدة المواهب المتاحة. وفي سياق تتطور فيه المهام بسرعة وتغدو فيه المسارات المهنية أقل خطية، يمكن لاستكمال المؤهلات والمسميات الوظيفية بمعلومات أكثر تفصيلاً عن المهارات أن يساعد على تحديد القدرات المحددة اللازمة لزيادة الإنتاجية ودفع الابتكار.
وقد اكتسبت المقاربات القائمة على المهارات أولاً زخماً متزايداً في إطار التعلم مدى الحياة، بوصفها وسيلة لتحقيق مواءمة أفضل بين المهارات التي يطلبها أصحاب العمل وتلك التي يمتلكها العاملون. وتضع هذه المقاربات المهارات القابلة للإثبات في صميم عمليات التوظيف والتقدم الوظيفي والتدريب، مع إعادة النظر إلى المؤهلات بوصفها بنية مكمّلة تنظّم حزماً من المهارات، لا بديلاً يُستدل به على الكفاءة. وما بدأ تجارب داخل منشآت بعينها بات اليوم يؤثر في منظومات تنمية القوى العاملة وسياسات التعليم والتدريب وخدمات الإرشاد المهني. ولا تقتصر جاذبية منظومات المهارات أولاً على جانبها العملي، بل تستند كذلك إلى منطق اقتصادي متين؛ فالتحصيل التعليمي قد يكون مؤشراً منقوصاً على الإنتاجية، ولا سيما في البيئات سريعة التغير. ومن شأن توفير معلومات أكثر تفصيلاً عن المهارات أن يحسّن كفاءة التخصيص عبر الحد من عدم تماثل المعلومات بين العاملين وأصحاب العمل. كما تنطوي هذه المقاربات على آثار توزيعية، إذ يمكنها توسيع فرص العمل أمام الأفراد الذين لا يحملون مؤهلات تقليدية لكنهم يمتلكون كفاءات ذات صلة.
ويتطلب التحول نحو أسواق عمل قائمة على المهارات أولاً انتقالاً منظومياً شاملاً لا إصلاحاً منفرداً، ويقوم على ركيزتين مترابطتين: أولاهما تنمية المهارات، بمعنى الاكتساب والتحديث المستمرين للكفاءات على امتداد الحياة؛ وثانيتهما الاعتراف بالمهارات، أي القدرة على إبراز ما يستطيع الأفراد القيام به والاعتراف به وتقديره بطرائق عادلة وقابلة للنقل بين السياقات المختلفة. وتعتمد هاتان الركيزتان على بيئة تمكينية أوسع تشمل البنية التحتية للبيانات وترتيبات الحوكمة والعقلية الثقافية الداعمة لاستدامة هذه المقاربات. ولم تتمكن أي دولة حتى الآن من تطوير جميع هذه المكونات في منظومة متكاملة ومتسقة تماماً، إذ يتفاوت التقدم وتتوزع مواطن القوة والقصور على نحو مختلف بين منظومات تنمية المهارات وممارسات الاعتراف بها.
وتمثل اللغة المشتركة للمهارات مكوناً محورياً في المقاربات القائمة على المهارات أولاً، التي يتعذر توسيع نطاقها دون تعريفات موحدة للمهارات وروابط متسقة بينها وبين المهن والمؤهلات ومخرجات التعلم. وقد استثمرت الدول في تصنيفات للمهارات باستخدام مزيج من آراء الخبراء ومشاورات الجهات المعنية والأساليب القائمة على البيانات التي تستفيد من إعلانات الوظائف الشاغرة عبر الإنترنت وتوظف الذكاء الاصطناعي. ويجسّد التصنيف المعياري للمهارات في المملكة المتحدة هذا التوجه، إذ يجمع بين عبارات المهارات والمهام المستقاة من مصادر متعددة ويربطها بالمهن والمؤهلات، مع إشراك الجهات المعنية طوال العملية لتعزيز الدقة. غير أن تشتت لغات المهارات لا يزال سمة سائدة في دول المنظمة؛ فكثيراً ما تُدرج المهارات على نحو غير متسق في المعايير المهنية وأطر المؤهلات ومنظومات التعلم غير النظامي، مما يحدّ من الشفافية والتنقل. وحين لا تُدرج المهارات بصورة متسقة في السجلات والمنصات الموجهة للمستخدمين، يجد المتعلمون صعوبة في المفاضلة بين الخيارات المتاحة، ويتحمل أصحاب العمل تكاليف توظيف أعلى، ويفتقر مقدمو التدريب إلى إشارات واضحة عن الطلب. ولا تزال قابلية التشغيل البيني قيداً محورياً في هذا الشأن.
ولا تزال منظومات التعليم والتدريب منظمة في معظمها حول برامج طويلة تُستكمل في مراحل مبكرة من العمر. وتستلزم المقاربات القائمة على المهارات أولاً إعادة توجيه هذه المنظومات بحيث تمثل المؤهلات حزماً محددة بوضوح من الكفاءات، وتدعم التعلم على امتداد الحياة المهنية. ويتيح التعليم القائم على الوحدات مسارات تعلم تدريجية ومخصصة، شريطة أن تكفل أنظمة تحويل الساعات المعتمدة وأطر المؤهلات ومنظومات البيانات قابليتها للنقل والتراكم. ففي فنلندا والسويد مثلاً، تقدم مؤسسات التعليم العالي وحدات دراسية يمكن تجميعها للحصول على درجات علمية، بدعم من أطر قانونية منظمة. وتبني الشهادات المصغرة على هذا الأساس، إذ توفر استجابات مرنة وفي الوقت المناسب للاحتياجات الناشئة من المهارات، وتتوقف قيمتها على شفافية مخرجاتها ومتانة تقييمها واندماجها في أطر ضمان الجودة المعترف بها. ففي نيوزيلندا على سبيل المثال، تعتمد هيئة المؤهلات النيوزيلندية الشهادات المصغرة بعد مراجعة تصميم البرامج وممارسات التقييم. ويظل الإشراك المنهجي لأصحاب العمل ضرورياً لضمان ملاءمة هذه البرامج، في حين يتطلب الانتقال إلى ثقافة التعلم مدى الحياة سياسات تعالج العوائق المستمرة المرتبطة بالدافعية والوقت والتكلفة، من خلال التواصل الفعّال مع الفئات المستهدفة، والمرونة في أساليب التقديم، والإجازات التدريبية، وأدوات التمويل الموجهة.
وقد بدأت ممارسات الاعتراف بالمواهب داخل المنشآت تتغير، وإن ظل التقدم متفاوتاً. فلا يزال التوظيف والتقدم الوظيفي يعتمدان اعتماداً كبيراً على المؤهلات والخبرة المهنية بوصفها مؤشرات بديلة عن المهارات. ويواجه أصحاب العمل صعوبات عملية في تقييم المهارات بصورة موثوقة وعلى نطاق واسع، في حين تعزز الأعراف التنظيمية والتحيزات اللاواعية الممارسات الراسخة. وحيثما تُعتمد المقاربات القائمة على المهارات أولاً، فإنها تبدأ عادة بوظائف تجريبية، وتستند إلى تقنيات ناشئة تتيح إعداد ملفات المهارات وتقييمها وتخطيط القوى العاملة. وتشير الأدلة المستقاة من مقارنات بين الدول إلى أن إلغاء اشتراطات المؤهلات وحده لا يكفي لتوسيع الفرص؛ فالتوظيف الشامل القائم على المهارات أولاً يتطلب تدابير مقصودة لمعالجة التحيز وإيجاد مسارات دخول بديلة تتيح للمرشحين من مختلف الخلفيات إثبات كفاءتهم. ويمكن للسلطات العامة أن تدعم اعتماد هذه المقاربات على نطاق أوسع، مع إيلاء عناية خاصة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة. فعلى سبيل المثال، وضعت اليابان مسارات للتقدم الوظيفي في عدد من المهن تحدد المهارات ومستويات الإتقان المطلوبة في كل مرحلة، بينما طورت الولايات المتحدة مجموعة أدوات عملية تساعد أصحاب العمل على فهم ممارسات المهارات أولاً وتطبيقها.
ويُعد الربط بين عالمي التعلم والعمل شرطاً أساسياً لنجاح منظومات المهارات أولاً. إذ يمكن للإرشاد المهني أن يساعد الأفراد على قراءة اتجاهات سوق العمل من منظور المهارات وترجمتها إلى خيارات تعلم مدروسة. كما تكتسب جوازات المهارات حضوراً متزايداً؛ فكل من فرنسا وسنغافورة مثلاً تقدم جوازات للمهارات تجمع بين البيانات الإدارية المتعلقة بالتوظيف والتدريب ومعلومات المهارات، بما يمكّن الأفراد من مشاركة سجلات موثقة مع أصحاب العمل والمرشدين المهنيين ومقدمي التدريب. وخلال مرحلة الانتقال إلى اقتصاد قائم على المهارات أولاً، يظل الاعتراف بالتعلم السابق مهماً، ولا سيما للتنقل والترقي في المهن المنظمة، لأنه يحوّل المهارات المثبتة إلى مؤهلات معتمدة. وفي نهاية المطاف، تتوقف فاعلية هذه المقاربات على التعاون المستدام بين الحكومات وأصحاب العمل ومقدمي التدريب والشركاء الاجتماعيين. وتقدم الاستراتيجية الوطنية للتعليم المستمر في ألمانيا نموذجاً على التنسيق المؤسسي بين أطراف متعددة، إذ تجمع الوزارات الاتحادية والسلطات الإقليمية وأصحاب العمل والنقابات العمالية ودائرة التوظيف العامة لتحديد أولويات مشتركة ومواءمتها مع تدابير التمويل.
