6. الاستنتاجات والتوصيات
يستند هذا الفصل إلى الفصول السابقة من التقرير لتقديم خلاصة شاملة للاستنتاجات والتوصيات.
6.1. مكاسب التحولين الأخضر والرقمي
تشير الإسقاطات المعروضة في هذا التقرير إلى أن التطورات الكبرى في البنية التحتية للتحولين الرقمي والأخضر، وما يرتبط بها من آثار لاحقة، قد تستحدث مجتمعةً 58 مليون وظيفة إضافية، أي بزيادة قدرها 1.6%، بحلول عام 2030 مقارنة بالسيناريو الأساسي. وقد كانت التقنيات الرقمية بالفعل محورية في المراحل الأولى من التحول الأخضر، إلى حد أن إحدى الشركات الرائدة عالمياً في تصنيع المركبات الكهربائية أثارت جدلاً حول ما إذا كان ينبغي عدّها شركة تكنولوجيا أكثر منها شركة تقليدية لصناعة السيارات. وستوفر التغطية الشاملة بالنطاق العريض البنية التحتية اللازمة لاستخدام الأجهزة الرقمية على المستوى المحلي في رصد استهلاك الطاقة والتحكم فيه، وفي إجراء تكيفات محلية مع تغيّر المناخ. وسيكون الاتصال والبيانات وتحليلها مفتاحاً لا لمستقبل رقمي مزدهر فحسب، بل لمستقبل أكثر استدامة أيضاً.
وتبرز الإسقاطات منافع إضافية لتسخير التحولين الأخضر والرقمي. ففيما يتعلق بالوظائف الرقمية، يُتوقع أن تكون المكاسب في سيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض أقل منها في سيناريو تحول الطاقة، لكن نمو الوظائف سيكون أعلى نسبياً في البلدان الأفريقية والبلدان منخفضة الدخل، خلافاً لآثار تحول الطاقة التي ستتركز في آسيا والمحيط الهادئ وفي البلدان متوسطة الدخل. غير أن الأدلة المستقاة من الأدبيات تبرز أيضاً أن الذكاء الاصطناعي، غير المشمول في الإسقاطات الحالية، قد تكون له آثار سلبية، منها فقدان الوظائف، ولا سيما بين الفئات الهشة من السكان.
وفي السيناريو المركّب، تكون مكاسب التشغيل ممكنة في جميع الفئات المهنية، باستثناء العاملين في توليد الطاقة من الوقود الأحفوري، بما في ذلك نمو طفيف بين العمال الزراعيين المهرة رغم التراجع العالمي الأوسع في هذا القطاع، وفي جميع مستويات المهارة. وهذا أمر مشجع من منظور الإنصاف. ومع ذلك، ففي حين يمكن للعمال ذوي المهارات المتوسطة والمنخفضة أن يستفيدوا من التحول المتكامل في الطاقة والاتصال عريض النطاق، ستحتاج أوروبا وآسيا الوسطى والأمريكتان بوجه خاص إلى عمال ذوي مهارات عالية.
والواقع أن كلا التحولين مالا حتى الآن إلى تطلّب مهارات أعلى نسبياً مقارنة بمستويات المهارة السائدة في البلد المعني. ويعود ذلك جزئياً إلى التركيز في المراحل الأولى من التحولين على البحث والتطوير وابتكار منتجات وخدمات جديدة، ويعود أيضاً إلى أن البنية الحالية للسكان في البلدان الأقل دخلاً تتسم بانطلاقها من مستويات مهارة متدنية. ويُحدث نشر المنتجات والخدمات الخضراء وتوسيع الاتصال أثراً مضاعفاً في الاقتصاد بأكمله، إذ يولّد كثيراً من الوظائف غير المباشرة عبر سلسلة القيمة، ويستحدث فرص عمل إضافية من خلال إعادة استثمار الأرباح. وتمتد هذه الوظائف عبر وظائف الإنتاج والتشغيل والصيانة والخدمات، وتتطلب رافداً متواصلاً من العمال المهرة في طيف واسع من المجموعات المهنية. وتشير الإسقاطات إلى أن نمو التشغيل في السنوات المقبلة لن يقتصر على خريجي الجامعات، بل سيمتد إلى المستويات الأدنى من هرم المهارات، ولا سيما مستويات المهارة المتوسطة في جميع فئات الدخل من البلدان، وهو ما قد يسهم في توزيع أكثر إنصافاً للمنافع.
وستعود فرص العمل التي يولّدها التحولان بالنفع على الشباب بدرجة كبيرة نسبياً، ولا سيما في الحرف وما يتصل بها والمهن الأولية. ففي أفريقيا، يُتوقع أن يحقق العمال الشباب مكاسب في جميع مستويات المهارة. وفي المقابل، سيواجه العمال الأكبر سناً طلباً أقل نسبياً مقارنة بالفئات العمرية الأخرى، ويعود ذلك جزئياً إلى أنماط التقاعد، وإن كانوا سيواصلون التمتع بمستويات تشغيل مستقرة عبر المهن والأقاليم، ولا سيما في سيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض. ومما يثير القلق بوجه خاص استمرار الفجوة بين الجنسين في فرص العمل في جميع السيناريوهات والمهن والأقاليم وفئات الدخل، إذ تبقى الأمريكتان الإقليم الوحيد الذي قد تحظى فيه النساء ذوات المهارات العالية بقدر أكبر من الإنصاف.
6.2. العقبات التي تعترض تحقيق المكاسب
غير أن ثمة تساؤلات مهمة تتعلق بالعقبات التي قد توجد في منظومات تنمية المهارات وتحول دون النشر الكامل للطاقة المتجددة والاتصال عريض النطاق بحلول عام 2030، ودون التوزيع العادل لفرص توليد الدخل. وتثير عدة مجالات القلق في هذا الشأن.
أولاً، في ضوء التجارب حتى الآن، يُعدّ التأخر بين عرض المهارات والطلب عليها، الناجم عن أوجه قصور مزمنة في منظومات تنمية المهارات، قضية حرجة.
ثانياً، أظهرت العقود القليلة الماضية أن التحول الأخضر والرقمنة ليسا عمليتين خطيتين تتقدمان تدريجياً وبصورة تراكمية بمرور الزمن، بل يمكن أن تنقطع التطورات، وأن تتراجع الحكومات أو تغيّر مسارها، في حين يمكن للأزمات الاقتصادية وفترات الركود أن تغيّر موازين التكاليف والمنافع، فتكبح الاستثمار.
ثالثاً، كما رأينا، ثمة سؤال حرج يتعلق بالمساواة: من يتأثر بهذه التغيرات، وإلى أي مدى تتوزع منافع التحولين بعدالة بين السكان من حيث أبعاد كالموقع الجغرافي والنوع الاجتماعي والعمر ومستوى الدخل؟ وكما تُظهر الإسقاطات، ثمة خطر أن تتوزع مكاسب التشغيل توزيعاً غير عادل عبر هذه الأبعاد في غياب شكل من أشكال التدخل، وإن حدث ذلك فثمة خطر حدوث ردود فعل مناهضة للأهداف الخضراء ولنشر التقنيات. وفي سياق نقص المهارات، لا يُعدّ عدم المساواة في الوصول إلى فرص العمل وتنمية المهارات قضية إنصاف فحسب، فحين تعجز النساء أو الشباب أو العمال الأكبر سناً عن المشاركة في الاقتصادين الأخضر والرقمي بكامل طاقاتهم الإنتاجية، تكون النتيجة أيضاً خسارة مزدوجة للنمو الاقتصادي والتنمية.
وفيما يخص تنمية المهارات عموماً، ثمة إذن حاجة ماسة إلى تكثيف التحولين الأخضر والرقمي في مجالي التشغيل والمهارات. بل ينبغي أن يكون تطوير منظومات عرض المهارات أولوية عاجلة، لأن الإخفاق في ذلك ينذر بتفويت الأهداف العالمية لخفض الانبعاثات وبنشوء فجوات رقمية أوسع. ويجعل الاعتماد الكبير للتحول الأخضر على التكنولوجيا، سواء التقنيات المعروفة أو التقنيات المستقبلية التي لم تُطوَّر بعد، من الأهمية بمكان أن تُنمّى المهارات الرقمية ومهارات الاقتصاد الأخضر جنباً إلى جنب وعلى امتداد طيف المهارات، لتلبية الحاجة إلى استثمارات مستمرة في البحث والابتكار، حيث تلزم المهارات العالية، وفي بناء البنى التحتية الحيوية وتشغيلها وصيانتها، حيث تلزم المهارات المتوسطة والمنخفضة. وبالمثل، تولّد الرقمنة، ولا سيما الاعتماد الواسع للذكاء الاصطناعي، حاجة ملحة إلى معالجة آثارها البيئية. ويوفر التدريب على جميع مستويات المهارة الوسيلة الأنجع لرفع الوعي بهذه الآثار وعرض حلول عملية لها.
6.3. التصدي للعقبات
يقدّم التقرير التوصيات الآتية.
ينبغي أن تحتل تنمية المهارات موقع الصدارة في جميع الاستراتيجيات والخطط والالتزامات التمويلية المتعلقة بالتحولين الأخضر والرقمي. وينبغي أن يتجاوز ذلك مجرد النظر في احتياجات المهارات، ليُفضي إلى خطط عمل ملموسة تبيّن كيفية تطوير التعليم والتدريب لتلبية المتطلبات الجديدة، مع التزامات واضحة بالتمويل والتنفيذ بين الجهات المعنية. ولما كان التحولان يؤثران في الوافدين الجدد إلى سوق العمل وفي القوى العاملة الحالية على حد سواء، وإن بطرق مختلفة للعمال الشباب والعمال في منتصف حياتهم المهنية والعمال الأكبر سناً، فإن منظومات التعلم مدى الحياة بحاجة إلى توفير حوافز قوية للتعلم المستمر والاعتراف بالمهارات.
ومن اللوازم الأساسية لما سبق: أولاً، اتخاذ خطوات تضمن علاقات قوية بين الوزارات الحكومية من أجل تحقيق أوجه التآزر المحتملة بين التحولين الأخضر والرقمي؛ وثانياً، ضمان إشراك الشركاء الاجتماعيين وسائر الجهات المعنية ذات الصلة، بما فيها القطاع الخاص، في تحديد أهداف التحولين والإجراءات اللازمة لبلوغها. وسيساعد الإشراك المبكر والمنتظم في صياغة الاستراتيجيات والخطط وتنفيذها، من خلال الحوار الاجتماعي، على ضمان الاقتناع بها والشعور بملكيتها.
وينبغي إيلاء الاهتمام لسبل تحسين عرض التعليم والتدريب بحيث يصبح أكثر استجابة لاحتياجات المهارات الجديدة وقادراً على الاستجابة السريعة. وقد ينطوي ذلك على طائفة من الأنشطة تبعاً لسياق كل بلد، منها: تعزيز منظومات استشراف المهارات ومعالجة مسألة الحصول على بيانات أكثر تفصيلاً عن احتياجات المهارات؛ وتحسين إجراءات الجودة المتعلقة بالبرامج وتقديمها؛ واستكشاف أشكال جديدة لتقديم التدريب، كالشهادات المصغرة، ومدى ما يمكن أن تضيفه إلى حافظة خيارات التدريب؛ وضمان حصول المعلمين والمدربين على الإعداد الأولي والتطوير المهني المستمر اللذين يحتاجون إليهما لتطبيق المناهج وأساليب التدريس الجديدة. وفي جميع هذه الاعتبارات، ينبغي إيلاء الاهتمام لما يمكن أن يسهم به التعلم القائم على العمل والتلمذة المهنية في بناء منظومة مهارات أكثر استجابة.
وينبغي أن تتجاوز التدخلات المهارات التقنية، وأن تضمن اكتساب جميع الأفراد المهارات الخضراء والرقمية التأسيسية والكفاءات الجوهرية، بما يمكّنهم من الاستفادة الكاملة من التحولين. وينبغي إدماج مجموعة متكاملة من المهارات الخضراء والرقمية في جميع مراحل التعليم والتدريب الأوليين، وفي برامج رفع المهارات وإعادة التأهيل. كما ينبغي أن يقترن نشر النطاق العريض الشامل بتنمية المهارات الرقمية الأساسية لدى جميع المواطنين، حتى يتمكنوا من استخدام التطبيقات التي تساعد على التخفيف من تغيّر المناخ والتكيف معه.
وينبغي إدراج قضايا المساواة بين الجنسين في كل مرحلة ومستوى من مستويات تنمية المهارات، من التخطيط الاستراتيجي، بما في ذلك عبر المساهمات المحددة وطنياً، إلى التنفيذ في الفصل الدراسي أو مكان العمل. فمن دون تدخلات ملائمة، وكما تُظهر الإسقاطات، ستتضخم أوجه عدم المساواة مع تقدم التحولين الأخضر والرقمي. وتحتاج النساء إلى حزم تدخل شاملة لا يمثل التدريب فيها سوى عنصر واحد، وينبغي أن تتضمن هذه الحزم أنشطة ترويجية لتغيير المواقف في المدارس وأماكن العمل، وتهيئة بيئات عمل تشعر فيها النساء بالأمان والقبول، وتقديم مساعدة مستمرة لدعم الانتقال من التدريب إلى العمل، وتدابير موجهة نشطة لسوق العمل، والمشورة والإرشاد المهنيين.
ويتعين كذلك معالجة جوانب أخرى من عدم المساواة. فينبغي مراعاة التباين المكاني والجغرافي في توزيع منافع التحولين وتكاليفهما في جميع التدخلات. وعلى المستوى العالمي، ينبغي إيلاء الاهتمام للبلدان الأفريقية والبلدان منخفضة الدخل، التي تبدو، وفقاً للإسقاطات، الأقل استفادة، ولا سيما من تحول الطاقة. فمن شأن هذا الوضع أن يفاقم ويديم الظلم المتمثل في أن هذه البلدان تعاني بالفعل بعضاً من أسوأ عواقب الطوارئ المناخية رغم ضآلة مسؤوليتها عنها. وينبغي تكثيف الجهود الدولية لمعالجة هذا الظلم المستمر.
ومن الواضح أن ثمة ثغرات في معرفتنا وفهمنا للتحولين الأخضر والرقمي تستدعي مزيداً من البحث، ومن ذلك الحاجة إلى: بيانات أكثر تفصيلاً عن احتياجات المهارات الخضراء والرقمية على مستوى المهن الفردية، لتكمّل نوع الإسقاطات المعروضة في هذا التقرير، وتتيح فهماً أكثر تفصيلاً للتغيرات المحتملة، بما فيها فقدان الوظائف وانتقالات العمال الممكنة بين المهن؛ وفهم أعمق لكيفية تناول المهارات الخضراء والرقمية معاً في المناهج وأساليب التدريس، ولمدى وجود أوجه تآزر بينهما، ولا سيما فيما يتعلق بالكفاءات الجوهرية كحل المشكلات والتفكير النقدي والتفكير المنظومي، وهي كفاءات يصعب تحليلها عادة؛ وإسقاطات أكثر شمولاً وانتظاماً تتضمن سيناريوهات سياساتية أخرى، منها الاقتصاد الدائري والحلول القائمة على الطبيعة والذكاء الاصطناعي، وتتناول تفاعلها وأثرها المجتمع في الوظائف والمهارات؛ ومزيد من البحث لفهم كيف يمكن لنماذج الأعمال الناشئة المرتبطة بالتحولين الأخضر والرقمي أن تكون مستدامة وأن تدعم وظائف وظروف عمل جيدة؛ ومزيد من الدراسة للعلاقة بين تنمية المهارات ومنظومة البحث والابتكار وتنمية المنشآت، لفهم أفضل للكيفية التي يمكن بها للجهات المعنية أن يدعم بعضها بعضاً.
