القائمة الرئيسية

القوى العاملة 2030: المهارات اللازمة للازدهار في ظل التحولين الأخضر والرقمي (6/2)

القوى العاملة 2030: المهارات اللازمة للازدهار في ظل التحولين الأخضر والرقمي (6/2)
ملخص الدراسة

يدرس هذا الفصل عملية "تخضير الاقتصاد" وتأثيرها على التشغيل والمهارات، معرفاً الاقتصاد الأخضر بأنه اقتصاد منخفض الكربون وكفء وشامل اجتماعياً، والوظائف الخضراء بأنها وظائف لائقة تسهم في صون البيئة أو استعادتها. ويسلط الضوء على مفهوم "الانتقال العادل" لتعظيم الفرص الاجتماعية والاقتصادية للعمل المناخي. يستعرض الكتاب المحركات الرئيسية للتحول الأخضر، بما في ذلك التغيرات البيئية المتفاقمة، السياسات الحكومية (من حوافز تنظيمية إلى تحديات التنفيذ)، التكنولوجيا والابتكار الأخضر، وتطور الأسواق الخضراء. كما يفصل احتياجات المهن والمهارات المتزايدة، مشيراً إلى أن الوظائف القائمة تكتسب مهام خضراء تدريجياً وتتطلب مهارات تأسيسية وجوهرية وتقنية، مع بروز قطاعات الطاقة المتجددة والبناء والنقل. ويبرز الكتاب فوارق مكانية وقطاعية وجندرية في تأثير هذا التحول (حيث الرجال ممثلون بشكل مبالغ فيه في المكاسب، والنساء ممثلات تمثيلاً ناقصاً). ويتوقع سيناريو تحول الطاقة زيادة عالمية في التشغيل بنحو 37.2 مليون وظيفة إضافية بحلول عام 2030، تتركز غالبيتها في قطاعي البناء والتصنيع والمهن ذات "الياقات الزرقاء" والمتوسطة المهارة. ويتوقع أن تستفيد منطقة آسيا والمحيط الهادئ والبلدان متوسطة الدخل أكثر، بينما يستفيد الرجال بشكل غير متناسب مقارنة بالنساء، مع مكاسب ملحوظة للشباب والعمال الأكبر سناً ذوي المهارات العالية.

 

2. تخضير الاقتصاد

2.1. مقدمة

يستعين هذا الفصل بمعلومات ورؤى نوعية وكمية من الأدبيات لدراسة التطورات الأخيرة التي تحرّك احتياجات التشغيل والمهارات المرتبطة بالتحول الأخضر، والآثار المرتبطة بها في التشغيل والمهن والمهارات. ويقدّم بذلك مراجعة معمّقة لهذه الموضوعات قبل أن ينتقل، في القسم الأخير، إلى دراسة إسقاطات الآثار المحتملة للسياسات والاستثمارات المناخية في التشغيل في إطار سيناريو تحول الطاقة.

وتُعرَّف مفاهيم الاقتصاد الأخضر والوظائف الخضراء في الأدبيات بطرق مختلفة. فبعض الأدبيات تصنّف الوظائف بوصفها خضراء تبعاً للقطاع أو الصناعة التي تنتمي إليها، كقطاع الطاقة المتجددة، في حين يسعى بعضها الآخر إلى تحديد درجة "اخضرار" المهنة وفقاً لمدى احتوائها على مهام خضراء، ومن ثمّ يمكن أن توجد مهارات الوظائف الخضراء في أي قطاع أو مهنة. وقد نشرت منظمة العمل الدولية مؤخراً مراجعة للتعريفات لإرشاد البلدان والمنظمات في أثناء وضعها وتنفيذها للسياسات والإجراءات الرامية إلى إقامة اقتصادات ومجتمعات مستدامة بيئياً. ويعتمد هذا التقرير التعريفين الآتيين:

يُعرَّف الاقتصاد الأخضر بأنه اقتصاد منخفض الكربون، كفء في استخدام الموارد، وشامل اجتماعياً. وفي الاقتصاد الأخضر، يكون نمو التشغيل والدخل مدفوعاً بالاستثمار العام والخاص في الأنشطة الاقتصادية والبنى التحتية والأصول التي تتيح خفض انبعاثات الكربون والتلوث، وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة والموارد، ومنع فقدان التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية.

أما الوظائف الخضراء فهي وظائف لائقة تسهم في صون البيئة أو استعادتها، سواء أكانت في قطاعات تقليدية كالتصنيع والبناء، أم في قطاعات خضراء ناشئة كالطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة. وتساعد الوظائف الخضراء على تحسين كفاءة استخدام الطاقة والمواد الخام، والحد من انبعاثات غازات الدفيئة، والتقليل من النفايات والتلوث، وحماية النظم الإيكولوجية واستعادتها، ودعم التكيف مع آثار تغيّر المناخ.

وعلى مرّ السنين، باتت منظمة العمل الدولية تشير بصورة متزايدة إلى الانتقال العادل نحو اقتصادات ومجتمعات مستدامة بيئياً، على النحو الوارد في المبادئ التوجيهية للمنظمة لعام 2015 وفي ديباجة اتفاق باريس، وفي قرار مؤتمر العمل الدولي لعام 2023 الذي أكد مجدداً مبادئ الانتقال العادل، ووصفه بأنه عملية تنطوي على تعظيم الفرص الاجتماعية والاقتصادية للعمل المناخي والبيئي، بما في ذلك تهيئة بيئة مواتية للمنشآت المستدامة، مع تقليص التحديات إلى أدنى حد وإدارتها بعناية، على أن تقوم هذه العملية على حوار اجتماعي فعال، واحترام المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، وأن تتسق مع معايير العمل الدولية.

2.2. التطورات الأخيرة المحرّكة لاحتياجات التشغيل والمهارات: الفرص والتحديات واتجاهات السياسات

تتضافر جملة من المحركات في تشكيل احتياجات التشغيل والمهارات المرتبطة بالتحول الأخضر. وقد أثّر كثير منها في التطورات على مدى سنوات عديدة، وتطور بعضها أو ازداد بروزاً مع تسارع وتيرة التحول الأخضر، كالطلب المتزايد على المعادن الحيوية اللازمة لتحول الطاقة والمركبات الكهربائية. وثمة اتجاهات أخرى تمثّل محركات جديدة كان من الصعب التنبؤ بها مسبقاً، ومن أمثلتها الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الناجم عن عدوان الاتحاد الروسي على أوكرانيا، الذي أظهر الطاقة المتجددة المحلية في ضوء جديد بوصفها وسيلة لتقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري.

وبالنظر إلى هذه المحركات مجتمعة، تبرز عدة سمات مهمة. أولاها الاعتماد على السياسات الحكومية وخطط الاستثمار في تحفيز تطوير الابتكارات والتقنيات والأسواق، ويصدق ذلك بوجه خاص على تحول الطاقة الذي يتطلب استثمارات واسعة النطاق، إلى جانب قرارات سياساتية بإيقاف تشغيل حقول النفط والفحم والغاز، وتحويل القطاعات كثيفة الانبعاثات نحو التقنيات منخفضة الكربون، وتحسين كفاءة الطاقة، وإدماج الطاقة المتجددة. فعلى سبيل المثال، يمكن دعم التخلي التدريجي عن إنتاج السيارات التقليدية العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي من خلال سياسات واستثمارات تشجع التحول نحو بدائل منخفضة الكربون وموفرة للطاقة، كمركبات الطاقة الجديدة التي تعمل بالكهرباء أو الهيدروجين. ومن السمات الرئيسية الأخرى للتحول الأخضر طابعه غير الخطي وما يكتنفه من عدم يقين بمرور الزمن، بسبب تذبذب التزامات الحكومات بالأهداف الخضراء، وتباينه مكانياً نظراً لاختلاف ما تواجهه المناطق المحلية والأقاليم والبلدان من تحديات اقتصادية واجتماعية وبيئية، واختلاف قابليتها لتقليص التكاليف وتعظيم منافع التحول الأخضر.

وتُناقش المحركات في الأقسام التالية تحت العناوين التي اعتمدتها منظمة العمل الدولية سابقاً، نظراً لاستمرار صلاحيتها وإتاحتها وسيلة لإبراز أحدث التطورات.

التغير البيئي

المحرك الأبرز للتحول الأخضر هو البيئة نفسها بطبيعة الحال. فقد شهدت السنوات الأخيرة استمرار الاتجاهات المناخية السلبية بما يتسق مع تغيّر المناخ الناجم عن النشاط البشري، كما حملت معها طائفة من التحديات البيئية الأخرى، منها التلوث البلاستيكي، وتدمير الموائل، وفقدان التنوع البيولوجي، كاستبدال الغابات المطيرة بزراعة أحادية لنخيل الزيت. وعلى الصعيد العالمي، كانت الفترة الممتدة من فبراير 2023 إلى يناير 2024 أشد اثني عشر شهراً حرارةً على الإطلاق. وعلى المستويين الإقليمي والمحلي، يتزايد وقوع الظواهر الجوية المتطرفة وغير المعتادة؛ ففي أوروبا مثلاً، شهد صيف 2023 أكبر حريق غابات وأعلى عدد من أيام الإجهاد الحراري الشديد على الإطلاق. وما زالت التحديات البيئية تشتد، وفرصة تأمين مستقبل صالح للعيش ومستدام للجميع تضيق بسرعة. ويبلغ التحدي ذروته في البلدان شديدة الاعتماد على الموارد الطبيعية، ومعظمها اقتصادات نامية، كما يشتد في البلدان المعرضة لارتفاع منسوب سطح البحر واشتداد العواصف، كالدول الجزرية الصغيرة في المحيط الهادئ. وتتحمل هذه البلدان حصة كبيرة من أعباء تغيّر المناخ، رغم أنها لم تستفد إلا قليلاً من استخدام الفحم والنفط والغاز الذي غذّى التقدم الاجتماعي والاقتصادي في البلدان مرتفعة الدخل. وسيؤثر الإجهاد الحراري كذلك في الوظائف والإنتاجية، إذ يُقدَّر أن 2.2% من إجمالي ساعات العمل في العالم ستُفقد بحلول عام 2030 بسبب ارتفاع درجات الحرارة والإجهاد الحراري، وهي خسارة في الإنتاجية تعادل 80 مليون وظيفة بدوام كامل.

السياسات والتنظيم

تؤدي السياسات والأنظمة الحكومية دوراً محورياً في الحد من الأضرار البيئية أو منعها، وفي تعزيز أنماط أكثر استدامة في الاستهلاك والعمليات التجارية والمنتجات والخدمات. وقد أثّر العمل الحكومي الدولي، من خلال مسار مؤتمرات الأطراف وأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، تأثيراً قوياً في السياسات الوطنية، وهو ما ينعكس في المساهمات المحددة وطنياً، وخطط التكيف الوطنية، والاستراتيجيات طويلة الأجل للتنمية منخفضة الانبعاثات. ويتجلى ذلك أيضاً في شراكات الانتقال العادل في مجال الطاقة، التي توفر ترتيبات للتعاون والتمويل بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة لمساعدة البلدان النامية على التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري.

ويُظهر تحليل أجرته منظمة العمل الدولية للمساهمات المحددة وطنياً أن ما يزيد قليلاً على نصفها على المستوى العالمي يتناول تنمية المهارات بهدف تزويد العمال الحاليين والمستقبليين بمهارات الوظائف الخضراء والصناعات المتطورة. غير أن ثمة تباينات مهمة، فبينما تتضمن 84% من مساهمات البلدان منخفضة الدخل و77% من مساهمات البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى سياسات لتنمية المهارات، لا تتجاوز النسبة 23% في البلدان مرتفعة الدخل. ولا يذكر التعليم والتدريب التقني والمهني إلا 6% من هذه المساهمات، مقارنة بنسبة 19% تذكر التعليم الابتدائي والثانوي و17% تذكر التعليم العالي. وتجدر الإشارة كذلك إلى دور المنظمات الإقليمية في السياسات والتنظيم، ولعل أبرزها حتى الآن الاتحاد الأوروبي الذي يضطلع بدور كبير في وضع أهداف ومعايير بيئية مشتركة لدوله الأعضاء. ولهيئات إقليمية أخرى أيضاً قدرة على أداء دور مهم، ومنها في أفريقيا منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والاتحاد الأفريقي، والجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي.

وتميل السياسات والأنظمة إلى الجمع بين الحوافز والمحفزات من جهة، وحظر الممارسات الضارة بالبيئة من جهة أخرى. ففي عام 2024 مثلاً، أطلقت البرازيل سياستها الوطنية لتحول الطاقة، التي تهدف إلى جذب استثمارات تُقدَّر بتريليوني ريال برازيلي نحو الاقتصاد الأخضر على مدى عشر سنوات. وبصورة أعم، نُظر إلى مكاسب التشغيل المتأتية من التحول الأخضر باعتبارها بارقة أمل في الظروف الاقتصادية الصعبة التي أعقبت جائحة كوفيد 19، كما في الترويج للصفقة الخضراء الأوروبية، وربما بدأ ذلك يعالج مشكلة انفصال سياسات التشغيل والمهارات الخضراء في الماضي إلى حد ما عن السياسات الخضراء الرئيسية.

ويتزايد عدد البلدان التي تسنّ تشريعات وتدابير سياساتية لترسيخ التزاماتها بتحقيق صافي انبعاثات صفري. وشهدت السنوات الأخيرة أيضاً ظهور سياسات تهدف إلى انتزاع التزامات وتعويضات من الجهات المعنية الأوسع المنخرطة في الصناعات كثيفة الكربون. فعلى سبيل المثال، فرضت جنوب أفريقيا في عام 2019 ضريبة على الكربون تقوم على مبدأ "الملوِّث يدفع"، الذي يقضي بأن يتحمل من يُلحق الضرر بالبيئة تكلفة هذا الضرر، ويحفز الشركات على اعتماد تقنيات أنظف. ومن الإجراءات الأخرى في جنوب أفريقيا شراكة الانتقال العادل في مجال الطاقة وخطة التنفيذ المرتبطة بها. وفي الفلبين، يجري النقاش حول مشروع قانون للمساءلة المناخية يتضمن آليات للتعويض والمساءلة عن الخسائر والأضرار الناجمة عن تغيّر المناخ.

ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة أيضاً تراجع بعض الأحزاب السياسية والحكومات عن الأجندة الخضراء، استجابةً للمخاوف من التكاليف قصيرة الأجل للتحول، وللمقاومة المحلية لإنشاء مزارع الرياح والطاقة الشمسية، وهي الظاهرة المعروفة بمقاومة "ليس في فنائي الخلفي". وقد تجلى ذلك مثلاً في الجدل حول فتح حقول فحم وحقول نفط صخري جديدة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وهي مشاريع قد تحقق مكاسب تشغيل قصيرة الأجل في الاقتصادات المحلية، لكنها تهدد بلوغ هدف حصر ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الحقبة الصناعية. وفي بلدان أخرى، واجهت جهود تسريع التحول الأخضر مقاومة، كما في الاتحاد الأوروبي، حيث عُدّل التشريع الصادر عام 2023 بحظر بيع السيارات والشاحنات الخفيفة الجديدة المنبعثة لثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2035 ليشمل الوقود منخفض الانبعاثات، وهو أقل استدامة من المركبات العاملة بالبطاريات.

وقد تبرز كذلك مشكلات في التنفيذ في بعض البلدان. فقد حظرت حكومة أوغندا مؤخراً إنتاج الفحم النباتي بسبب دوره في إزالة الغابات على نطاق واسع، لكن إنفاذ الحظر ظل إشكالياً لأن الفحم النباتي لا يزال مصدراً رئيسياً للطاقة في المجتمعات منخفضة الدخل. وفي كينيا، تعثّر تنفيذ قوانين الحد من استخدام البلاستيك بفعل عوامل منها الاستيراد غير المشروع لبعض أنواع البلاستيك وتحديات أخرى في الإنفاذ. وتبرز تجارب كهذه الحاجة إلى حزم متكاملة من التدابير السياساتية تضمن تحقيق التوازن بين تكاليف التحول الأخضر ومنافعه.

التكنولوجيا والابتكار الأخضران

يتناول الفصل الرابع التقاطع بين التقنيات الرقمية والتحول الأخضر، غير أن ثمة نقاطاً رئيسية ذات طابع أعم حول هذه العلاقة تستحق الإشارة هنا. فالتكنولوجيا الخضراء هي تطبيق المعارف والأجهزة والآليات والتصميم والمهارات لإنتاج منتجات أو أنشطة ذات أثر أقل إضراراً بالبيئة، أو يمكن استخدامها لتحسين الظروف البيئية. ويتطلب تطوير هذه التقنيات مدخلات عالية المهارة، في حين يستلزم طرحها في الأسواق كفاءات قوية في ريادة الأعمال. كما يولّد تطبيقها في الصناعة احتياجات جديدة من المهارات، كأن يحتاج عمال البناء إلى تركيب مواد عزل جديدة في المباني القديمة، بل قد يُفضي إلى مهن جديدة كلياً، كمركّبي العدادات الكهربائية الذكية. ورغم أن الحلول الرقمية عالية التقنية تؤدي دوراً وتتطلب مستويات مهارة عالية، كمبادرات "المدن الذكية" في موريشيوس، فإن الابتكارات منخفضة التقنية، كهاضمات الغاز الحيوي، تسهم هي الأخرى في التشغيل وتنمية المهارات. وتواصل التقنيات والابتكارات تطورها وظهورها؛ ففي سوق المركبات الكهربائية مثلاً، تتواصل الجهود لتمكين البطاريات من قطع مسافات أطول بشحنة واحدة، وتسريع عملية الشحن لزيادة جاذبية هذه المركبات للمستهلكين. وفي الوقت ذاته، تخضع الاستثمارات في البحث والتطوير لتقلبات دورية، إذ تميل إلى الانكماش في فترات الركود الاقتصادي، كتلك التي أعقبت جائحة كوفيد 19 وعدوان الاتحاد الروسي على أوكرانيا. وتؤدي العوامل الهيكلية كذلك دوراً، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل، حيث تزيد محدودية القدرات البحثية من تقييد تطوير حلول مناخية نابعة من الواقع المحلي.

الأسواق الخضراء وتنمية المنشآت

للأسواق وتنمية المنشآت أدوار مهمة في التحول الأخضر، فهي تعكس التفاعل المعقد بين عوامل العرض والطلب، بما في ذلك ظهور منتجات وخدمات أكثر اخضراراً استجابة للإعانات والحوافز الحكومية أو للتطورات التكنولوجية. فبعض الأسواق، كسوق المركبات الكهربائية، يعتمد على تنامي طلب المستهلكين، بينما يعكس بعضها الآخر، كسوق الطاقة عموماً، قوى أكثر تعقيداً تتصل بسياسات إمدادات الطاقة الوطنية، حيث تؤدي السياسات والأنظمة الحكومية دوراً محورياً. وللتجارة وسلاسل الإمداد العالمية، بوصفها سمة من سمات الاقتصاد الحديث المعولم، دور في تطوير المنتجات والخدمات الخضراء وتبادلها، وهي تُحدث بالفعل تحولات مهمة في الميزة التنافسية للدول، يجسّدها صعود الصين بوصفها مصنّعاً عالمياً رئيسياً للمركبات الكهربائية.

والأسواق بطبيعة الحال عرضة لمدّ وجزر دوريين، فضلاً عن القضايا الهيكلية. ويتمثل أحد التحديات في الأسواق الموجهة إلى المستهلكين، كسوق المركبات الكهربائية، في إيجاد سبل لتوسيعها. وسيكون التغلب على مشكلات نمو الأسواق التقليدية أمراً أساسياً، بما في ذلك الانتقال من مرحلة "المتبنّين الأوائل" إلى الإقبال الجماهيري الواسع، وتحقيق وفورات الحجم. وثمة قضايا إضافية تستدعي الاهتمام، كالتغلب على قيود البنية التحتية المتعلقة بنقاط الشحن، وضمان قدرة سلاسل الإمداد على تلبية الطلب المتزايد على المعادن الحيوية والهيدروجين الأخضر. ويمكن أن يكون العمل الحكومي حاسماً في هذه المجالات لفتح الأسواق ودعم الشركات في مراحلها الأولى، للمساعدة في تغطية التكاليف المرتفعة للبدائل الخضراء مقارنة بالمنتجات والخدمات الراسخة الأقل استدامة، فضلاً عن تزويد الناس بمهارات الوظائف الخضراء ومهارات ريادة الأعمال التي يحتاجون إليها.

وقد تتباين متانة بيئة الأعمال تبايناً كبيراً من بلد إلى آخر، وهو ما يؤثر في إمكانات تطوير الأسواق الخضراء. وقد نمت الأسواق الخضراء بأسرع وتيرة وبلغت أكبر نطاق لها في البلدان المتقدمة، وإن كانت الاقتصادات النامية تضيّق هذه الفجوة. وتمتلك الاقتصادات النامية إمكانات لبناء صناعات خضراء تنافسية؛ فناميبيا مثلاً تسعى إلى أن تكون مصدّراً دولياً للهيدروجين الأخضر، مستفيدة من مواردها الوفيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ومع ذلك، لا يزال رأس المال الخاص المخصص للمشاريع الخضراء شحيحاً في البلدان النامية، فبينما يموّل القطاع الخاص 81% من "الاستثمارات الخضراء" في الاقتصادات المتقدمة، لا تتجاوز هذه النسبة 14% في البلدان الناشئة والنامية.

2.3. الاحتياجات الرئيسية من المهن والمهارات

في ضوء المحركات المذكورة آنفاً، ما العواقب الرئيسية لتخضير الاقتصادات على التشغيل والمهارات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، ليس من حيث وضع التوقعات فحسب، بل من حيث تقدير الوضع الراهن أيضاً، تواجه عدداً من التحديات، إذ تتباين تعريفات الوظائف الخضراء، ويتفاوت توفر البيانات تفاوتاً هائلاً بين البلدان.

وفيما يتعلق بمدى انتشار الوظائف الخضراء في الاقتصاد، تتباين التقديرات تبايناً واسعاً تبعاً للافتراضات المعتمدة، فتتراوح بحسب إحدى المراجعات بين 2% و40%. وقد قدّرت منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة أن 78 مليون شخص يعملون حالياً في الحلول القائمة على الطبيعة. وعمل ما مجموعه 16.2 مليون شخص في قطاع الطاقة المتجددة في عام 2023، بزيادة تقارب 3 ملايين عن العام السابق، وهو ما يشير إلى انتقالات محتملة للوظائف من صناعة الوقود الأحفوري. وقدّر التقييم العالمي المرجعي الأخير للتشغيل في الاقتصاد الدائري عدد العاملين فيه بما يتراوح بين 121 و142 مليون عامل، يمثلون ما بين 5% و5.8% من إجمالي القوى العاملة المشتغلة. غير أنه حتى مع تزايد الاهتمام بتغيّر المناخ ونمو أعداد الوظائف الخضراء، يبدو أن المهن القائمة تكتسب المهام الخضراء تدريجياً، إذ لم تنمُ حصة المهام الخضراء في الوظائف إلا بقدر طفيف في العقد السابق لعام 2021. ويشير تحليل إعلانات الوظائف الإلكترونية إلى أن انتشار المهارات الخضراء في المهن "عالية التأثير المناخي" في أوروبا ارتفع من 3% إلى 5% بين عامي 2019 و2022. ويختلف هذا الاتجاه اختلافاً كبيراً بين القطاعات، فلم تُذكر المهارات الخضراء إلا في 2% من إعلانات الوظائف في قطاع تجارة الجملة والتجزئة، مقابل 17% في قطاع الطاقة. وتوحي البيانات المتاحة إذن بأن المجال لا يزال واسعاً لتسريع التحول الأخضر في التشغيل والمهارات.

وبالنظر إلى المستقبل، تتراوح التوقعات بين تلك التي تبحث في الآثار المحتملة لتدابير سياساتية بعينها وتلك التي تقدم تقديرات أعم لآثار التحول الأخضر. فقد قُدّر مثلاً أن تنفيذ الصفقة الخضراء الأوروبية سيعني نمواً إضافياً في التشغيل بنسبة 1.2% حتى عام 2030، أي 2.5 مليون وظيفة إضافية في الاتحاد الأوروبي، في حين قد يؤدي تنفيذ حزمة "الملاءمة لهدف 55" التابعة للاتحاد الأوروبي، وهي مجموعة تدابير تهدف إلى تعديل سياسات المناخ والطاقة واستخدام الأراضي والنقل والضرائب لتحقيق هدف خفض الانبعاثات بنسبة 55% بحلول عام 2030، إلى استحداث 204 آلاف وظيفة إضافية. وإجمالاً، يُتوقع عادة أن تكون مكاسب التشغيل الصافية من التحول الأخضر في الاتحاد الأوروبي محدودة لكنها ذات شأن، مع بعض التباين والتركز المكاني والقطاعي، إذ تكون أكثر أهمية في بعض المناطق والقطاعات دون غيرها، وهو ما سيُناقش لاحقاً. وقدّرت منظمة العمل الدولية أن مكاسب التشغيل الصافية الناتجة عن الاستثمار في الطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري قد تُفضي إلى ما يقارب 25 مليون وظيفة جديدة على المستوى العالمي بحلول عام 2030.

وفيما يتعلق بأنواع المهن والمهارات اللازمة للتحول الأخضر، اعتمدت الأدبيات مقاربات متنوعة. لكن ثمة فكرة مشتركة مفادها أن المهن الفردية لا يمكن تصنيفها ببساطة إلى "خضراء" و"غير خضراء". فمن الواضح أن بعض القطاعات والمهن، كتلك المرتبطة بإدارة النفايات أو الخدمات البيئية، تركز بوضوح على البيئة، غير أن جميع القطاعات والمهن تقع على متصل من درجات الاخضرار إذا أخذنا في الاعتبار عاملين: المهارات الفعلية التي يتطلبها التحول الأخضر، وحاجة جميع أماكن العمل وجميع أصحاب العمل وجميع العمال إلى الانخراط في التحول الأخضر بدرجة ما. وعليه، يمكن تحديد عدة أنواع من المهارات اللازمة للتحول الأخضر: المهارات التأسيسية، وتشمل الحساب والقراءة والكتابة والإلمام الرقمي والإلمام المناخي والبيئي؛ والمهارات الجوهرية أو الناعمة، وتشمل التواصل وحل المشكلات والعمل الجماعي والتعاون والإبداع؛ والمهارات شبه التقنية، وتشمل التعامل مع العملاء وإدارة المشاريع والبحث والمبيعات والتسويق؛ والمهارات التقنية، كالمهارات اللازمة لبناء هاضمات الغاز الحيوي وأنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها.

وتؤدي قطاعات الطاقة المتجددة والبناء والنقل أدواراً محورية في تقديم المنتجات والخدمات الجديدة اللازمة لبلوغ الأهداف الخضراء. وقد شهدت هذه القطاعات بالفعل ظهور مهن جديدة، كمشغّلي توربينات الرياح ومركّبي الألواح الشمسية ومدققي الطاقة، والمزيد منها في الطريق. وبالمثل، سيتطلب التحول الأخضر أيضاً أنظمة متينة لقياس الآثار البيئية ورصدها والإبلاغ عنها وإدارتها، وهو ما قد يُنشئ مع الوقت منظومة كاملة من الأدوار الجديدة في مجالات كتدقيق الاستدامة والمحاسبة الكربونية والامتثال البيئي وغيرها.

وضمن الصورة العامة المعروضة آنفاً، ثمة فوارق مكانية وقطاعية وجندرية مهمة تعكس التفاوت في آثار المحركات على السياسات والتقنيات والأسواق. واللافت أن الفوارق المكانية والقطاعية تتقاطع عبر النطاقات الجغرافية المختلفة. فقدرة البلد أو الإقليم أو المنطقة المحلية على الاستفادة من التحول الأخضر تتوقف على تركيبة قاعدتها من المنشآت وقاعدتها من المهارات، وعلى السياسات الحكومية. ويتوقف الكثير أيضاً على درجة الاعتماد على الصناعات كثيفة الكربون من جهة، والقدرة على اغتنام فرص التحول الأخضر من جهة أخرى. وتتشكل هذه القدرة بفعل عوامل منها الموارد الطبيعية من مصادر الطاقة المتجددة كالشمس والرياح، وحالة البنية التحتية القائمة للطاقة، والقدرة على تصنيع معدات الطاقة المتجددة. فقد تبين مثلاً أن ثلثي إعلانات الوظائف الإلكترونية لمشغّلي محطات الطاقة في ألمانيا كانت لفنيي مزارع الرياح البرية، مقابل الثلث في إيطاليا.

وتتجلى الآثار المكانية والقطاعية بوضوح خاص في المناطق الصناعية القديمة، كما في بولندا ورومانيا، حيث تراجعت الصناعات الاستخراجية كثيفة الكربون والصناعات شديدة التلويث. وقد أبرزت هذه التغيرات صعوبة مساعدة العمال المسرّحين على الانتقال إلى وظائف خضراء جديدة. وتشير أدلة من 30 بلداً من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الوظائف ذات الحصة المرتفعة من المهام الخضراء تطلبت حتى الآن مستويات تعليم عالٍ، وفي المقابل تركزت "الوظائف البنية" في الصناعات الملوِّثة المتراجعة في المهن منخفضة المهارة ومتوسطتها؛ ويُقدَّر أن التشغيل في قطاعات مثل تعدين الفحم والليغنيت في بلدان هذه المنظمة سينخفض بنسبة تصل إلى 90% بين عامي 2019 و2030. غير أنه تبين أيضاً أن العمال في معظم المهن البنية يمتلكون مهارات قابلة للنقل تمكّنهم من الانتقال إلى وظائف خضراء. ويتوقف الكثير كذلك على مدى نشاط الحكومات في دعم التحول الأخضر، ومن الأمثلة البارزة على ذلك نجاح الشركات الصينية في تأمين موقع مهم في سوق المركبات الكهربائية العالمية متجاوزة صانعي السيارات التقليديين.

وفيما يخص الشمول، فإن الحرمان يؤثر في قدرة الفرد على التعلم، وهو ما ينعكس على اكتساب مهارات الوظائف الخضراء. فقد لوحظ مثلاً أن الشباب المحرومين أقل قدرة على استيعاب مفهوم الاستدامة البيئية، وأقل وعياً بالبيئة واهتماماً بها، وأقل انخراطاً في الأنشطة المؤيدة لها. وظلت النساء إجمالاً ممثَّلات تمثيلاً ناقصاً في الوظائف الخضراء، وفي المقابل كان الرجال الأكثر تضرراً من فقدان الوظائف البنية الملوِّثة. وتعكس هذه الأنماط البنية العامة للتشغيل على أساس النوع الاجتماعي، حيث تُمثَّل النساء تمثيلاً زائداً في قطاعات الخدمات كالضيافة والصحة، وهي أقل تأثراً بالتحول الأخضر تأثراً جذرياً، بينما يُمثَّل الرجال تمثيلاً زائداً في التصنيع والبناء والمرافق العامة، وهي أشد تأثراً بالتحول الأخضر. كما تعكس حقيقة أن النساء أقل احتمالاً للانتقال من التعليم أو التدريب إلى الوظائف الخضراء، ويعود ذلك جزئياً إلى أنهن أقل إقبالاً على دراسة تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

وفي الوقت نفسه، تحظى النساء في بعض الوظائف الخضراء، كتلك الموجودة في قطاع الطاقة الشمسية الكهروضوئية وقطاع الطاقة المتجددة الأوسع، بتمثيل أفضل مقارنة بقطاع الطاقة التقليدي. ويدل ذلك على الفرصة التي يتيحها التحول الأخضر لمعالجة الهيمنة الذكورية الراسخة والمتجذرة ثقافياً في بعض القطاعات والمهن. ومع ذلك، لا تزال هناك قضايا مهمة بحاجة إلى معالجة، فالمساهمات المحددة وطنياً مثلاً بحاجة إلى فهم أفضل للآثار المتباينة لتغيّر المناخ على الجنسين، وإلى التزام أقوى بفتح مزيد من الفرص أمام النساء.

2.4. إسقاطات التشغيل: سيناريو تحول الطاقة

يتناول هذا القسم آثار سيناريو تحول الطاقة في التشغيل والمهارات، وهو سيناريو يرسم مساراً لبلوغ ما يقارب الحياد المناخي بحلول عام 2050 والحياد الكامل بحلول عام 2060، مع تركيز خاص على الفترة الممتدة حتى عام 2030. ويتضمن النموذج افتراضات منها: التحول عن الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء؛ وتحسين كفاءة الطاقة في البيئة المبنية من خلال التجديد والتعديل التحديثي؛ ورفع كفاءة استهلاك الوقود واعتماد مركبات تعمل بوقود بديل، كالكهرباء والطاقة الحيوية والهيدروجين، في قطاع النقل، ولا سيما النقل البري؛ وآثار أخرى تمتد عبر الاقتصاد ناجمة عن تطبيق تسعير الكربون.

وإجمالاً، سيبلغ نمو التشغيل العالمي في إطار هذا السيناريو 1% بين عامي 2024 و2030 مقارنة بالسيناريو الأساسي، أي ما يعادل 37.2 مليون وظيفة إضافية. وستتحقق معظم المكاسب بعد عام 2027، مع نمو ضئيل بين عامي 2024 و2027.

ومن حيث القطاعات، سيتركز نحو ثلثي المكاسب في البناء والتصنيع، مع مكاسب كبيرة أيضاً في "الخدمات الأخرى". وستُسجَّل خسائر في "الصناعات الاستخراجية" مع الابتعاد عن الوقود الأحفوري.

وفيما يخص المهن، ستتحقق المكاسب الأبرز في مهن "الياقات الزرقاء"، كعمال التعدين والبناء والتصنيع والنقل، وعمال البناء والحرف المرتبطة به باستثناء الكهربائيين، وعمال المعادن والآلات والحرف المرتبطة بها. وسيكون لهؤلاء العمال دور مهم في مهام كبناء البنية التحتية للطاقة المتجددة، وإعادة تأهيل المباني لتحسين كفاءة استهلاكها للطاقة، وتصنيع المكونات المرتبطة بذلك. وستتحقق مكاسب أيضاً بين المهنيين والمهنيين المساعدين في مجالي الأعمال والإدارة، وكذلك بين المهنيين في العلوم والهندسة، الذين سيؤدون أدواراً مهمة في تطوير عمليات أعمال وإنتاج أكثر استدامة واعتمادها. وستُسجَّل مكاسب في التشغيل كذلك في طائفة من الصناعات، منها تجهيز الأغذية وصناعة الملابس والحرف اليدوية، ارتباطاً باستخدام المواد المستدامة. وبالمقارنة مع السيناريو الأساسي، سيعوّض سيناريو تحول الطاقة الرامي إلى بلوغ صافي انبعاثات كربونية صفري جزءاً من التراجع المتوقع في المهن الأولية على المستوى العالمي، وستتركز معظم مكاسب الوظائف في المهن متوسطة المهارة.

وعلى صعيد الأقاليم، ثمة تباينات مهمة في آثار التشغيل تعكس ما سبق ذكره. إذ سيستأثر إقليم آسيا والمحيط الهادئ بمعظم نمو التشغيل، بنحو 26 مليون وظيفة إضافية، لا بسبب حصة الإقليم المرتفعة من سكان العالم فحسب، بل بفضل الاستثمارات العامة المتنامية باطراد في قدرات الطاقة المتجددة خلال العقود الأخيرة. ومن حيث مستوى الدخل، ستكون البلدان متوسطة الدخل، وخصوصاً ذات الدخل المتوسط الأدنى، الأكثر استفادة، إذ ستستأثر بما مقداره 29 مليون وظيفة إضافية بحلول عام 2030. أما في أفريقيا والبلدان منخفضة الدخل، فلن يُحدث السيناريو سوى فارق هامشي ضئيل نسبياً في التشغيل. وستتحقق أكبر المكاسب قياساً إلى السيناريو الأساسي في الدول العربية، بفضل الاستثمارات المتنامية في قدرات الطاقة المتجددة، وإن كانت مكاسب التشغيل فيها متأخرة بسبب الاعتماد المفرط في الإقليم على الوقود الأحفوري الرخيص.

وبمقارنة الأقاليم من حيث المهن، يلفت النظر أن الأمريكتين، دون سائر الأقاليم، تُظهر مكاسب في التشغيل بين عامي 2024 و2030، بالقيم النسبية، موزعة على جميع المهن. وتتميز أوروبا وآسيا الوسطى بأمرين: أولهما أن المكاسب المتوقعة في المهن الاحترافية كبيرة وتفوق المكاسب في المهن الأولية، وثانيهما أن مكاسب التشغيل موزعة على نطاق أوسع من الفئات المهنية، على غرار الأمريكتين. وفي المقابل، ستكون مكاسب التشغيل في أفريقيا خارج نطاق الحرف وما يتصل بها، وبدرجة أقل المهن الأولية، ضئيلة، مما يشير إلى أن البنية الاقتصادية والمهارية القائمة في القارة تجعلها في موقع ضعيف نسبياً للاستفادة من المكاسب المحتملة للتحول الأخضر، باستثناء عمال الحرف وما يتصل بها والمهن الأولية التي ستشهد بالفعل مكاسب كبيرة في التشغيل.

وفيما يتعلق بالنوع الاجتماعي، فإن تركّز نمو الوظائف في البناء والتصنيع يعني أن الرجال سيستفيدون من السيناريو بصورة غير متناسبة، نظراً لهيمنتهم على التشغيل في هذين القطاعين. وإجمالاً، سيشغل العمال الذكور 73% من مكاسب التشغيل، وستحصل النساء على نحو 17 مليون وظيفة أقل مما يحصل عليه الرجال. وعلى مستوى المهن، ستكون مكاسب الذكور مرتفعة بوجه خاص في الحرف وما يتصل بها وفي المهن الأولية، حيث سيذهب 84% و76% على التوالي من مكاسب التشغيل العالمية إلى الرجال. وعلى الصعيد الإقليمي، ستستفيد النساء بدرجة أكبر في الأمريكتين وفي أوروبا وآسيا الوسطى، لأن جزءاً أكبر من مكاسب التشغيل سيتوزع على مهن أكثر، منها مهن تحظى فيها النساء عموماً بتمثيل أفضل، كالمهن الاحترافية، والفنيين والمهنيين المساعدين، وموظفي الدعم المكتبي، وعمال الخدمات والمبيعات.

وفيما يتصل بالعمر، سيحقق الشباب من الفئة العمرية بين 15 و24 عاماً مكاسب كبيرة من التحول إلى الطاقة المتجددة في جميع الفئات المهنية العريضة، في حين سيحقق الشباب من المهنيين والمهنيين المساعدين والفنيين مكاسب أكبر نسبياً مقارنة بالفئات العمرية الأخرى في الفئات المهنية ذاتها. وتظهر الآفاق الأفضل نسبياً للشباب ذوي المهارات العالية في آسيا والمحيط الهادئ والأمريكتين وأوروبا وآسيا الوسطى. أما الشباب في أفريقيا فسيستفيدون بوجه خاص من نمو الوظائف في الحرف وما يتصل بها وفي المهن الأولية، بينما يُتوقع أن يتكبد المديرون الشباب خسائر، وهو ما يعكس حقيقة أن الوظائف الجيدة التي تُستحدث في أفريقيا غير كافية، إذ يغلب على اقتصاداتها الطابع غير المنظم. وسيستفيد الشباب أيضاً أكثر من الفئات العمرية الأخرى نسبياً من نمو التشغيل في المهن الأولية في أوروبا وآسيا الوسطى وفي الأمريكتين، وفي الأخيرة سيستفيدون كذلك من نمو الوظائف بين مشغّلي المصانع والآلات. ويحظى الشباب بحضور بارز نسبياً في المهن الزراعية، ولا سيما في أفريقيا، ويُتوقع أن يتراجع التشغيل في هذه المهن في السيناريو الأساسي الذي لا يتضمن أي آثار لتحول الطاقة، ومن ثمّ يمكن لتحول الطاقة أن يعوّض هذه الخسائر، وإن كان ذلك سيتفاوت بطبيعة الحال من مكان إلى آخر. غير أن هذا يستلزم سياسات وتدابير فعالة تمكّن من تحقيق هذا الانتقال، ولا سيما ضمان استحداث الوظائف في المناطق التي تعاني فقدان الوظائف الزراعية، ووضع تدابير فعالة لإعادة التأهيل. وسيستفيد العمال الأكبر سناً كذلك نسبياً من سيناريو تحول الطاقة، ولا سيما ذوو المهارات العالية منهم في آسيا والمحيط الهادئ وفي أوروبا وآسيا الوسطى.

دراسة ذات صلة