3. رقمنة الاقتصاد
3.1. مقدمة
يستكشف هذا الفصل المشهد الرقمي، فيعرض الاتجاهات والتطورات الراهنة في احتياجات المهن والمهارات، ويدرس انعكاسات توسع الاقتصادات الرقمية على التشغيل، مسلطاً الضوء على التباينات بحسب النوع الاجتماعي ومستويات المهارة والمهن والعمر والأقاليم وفئات الدخل. كما يمهد الطريق لمناقشة الاستجابات في مجال المهارات في الفصل الخامس.
ويُميَّز هنا بين "المهارات الرقمية" و"مهارات الاقتصاد الرقمي". فالمهارات الرقمية جزء من مجموعة أوسع من المهارات اللازمة للاقتصاد الرقمي، تشمل المهارات التأسيسية والتكميلية كالتفكير التحليلي والإبداع وحل المشكلات، وهي مهارات كانت مهمة حتى قبل العصر الرقمي. وبينما تساعد المهارات الرقمية على رقمنة الاقتصاد، تمكّن المهارات الأوسع الأفرادَ من الازدهار فيه. وتشمل الرقمنة طيفاً واسعاً من التقنيات، منها الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والواقع الممتد والطباعة ثلاثية الأبعاد وسلاسل الكتل. ويصعب تعريف الاقتصاد الرقمي بسبب الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية، لكنه يشير عموماً إلى جميع الأنشطة الاقتصادية المعتمدة على المدخلات الرقمية، كالبنية التحتية والخدمات والبيانات. وبينما يمكن لبعض التقنيات الرقمية أن تدعم التحول الأخضر، بتقليل الحاجة إلى التنقل مثلاً، فإن تقنيات أخرى، كتعدين العملات القائمة على سلاسل الكتل أو الذكاء الاصطناعي التوليدي، تزيد استهلاك الطاقة والبصمة البيئية. ويؤكد ذلك أن التحولين الرقمي والأخضر لا يسيران دائماً في الاتجاه نفسه.
وقد تطور الاقتصاد الرقمي على شكل موجات متعاقبة، من التركيز على الكفاءة في تسعينيات القرن الماضي، إلى صعود الخدمات الرقمية في العقد الأول من القرن الحالي، ثم تحوّل نماذج الأعمال في العقد الثاني منه. وتَعِد الموجة الحالية، التي يقودها الذكاء الاصطناعي التوليدي، بمزيد من الإرباك للصناعات، ولا سيما في قطاعات كالخدمات المصرفية والتكنولوجيا وعلوم الحياة، وكذلك في الرعاية الصحية والتصنيع والتجزئة والخدمات اللوجستية. ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية ويعزز قدرات القوى العاملة، فإنه يتطلب استثمارات كبيرة في إعادة التدريب للحد من آثاره السلبية المحتملة. ومع تسارع الرقمنة، لا بد من معالجة قضايا كالمعلومات المضللة، وعدم المساواة، وتفاوت الاعتماد بين البلدان، وخطر إزاحة الوظائف. ومع ذلك، يوحي التحول الجاري بأن الأمر يتعلق بالتكيف لا بكارثة، وهو ما يستدعي سياسات لإدارة التحولات وضمان نتائج منصفة.
ورغم انتشار دور التقنيات الرقمية في الاقتصاد والمجتمع، لا يزال 2.6 مليار شخص، أي نحو ثلث سكان العالم، خارج نطاق الاتصال بالإنترنت، ولا يزال الاتصال الشامل هدفاً بعيد المنال. وعند النظر إلى التقنيات الرقمية الأكثر تقدماً، كاستخدام الذكاء الاصطناعي، تتسع فئة المحرومين من الوصول أكثر، لأن استخدامها يتطلب موارد وبنية تحتية، من نطاق عريض وأجهزة ووحدات معالجة رسومية وغيرها، إضافة إلى المهارات ذات الصلة.
3.2. التطورات الأخيرة المحرّكة لاحتياجات التشغيل والمهارات: الفرص والتحديات واتجاهات السياسات
للتحول الرقمي للاقتصاد، المدفوع بتقنيات ناشئة كالذكاء الاصطناعي التوليدي، انعكاسات عميقة على التشغيل واحتياجات المهارات. وتتشابك هذه التحولات مع التطورات العالمية في مجالات التكنولوجيا والمجتمع والجغرافيا السياسية والبيئة. ويستكشف هذا القسم أربعة تطورات رئيسية تشكّل الاقتصاد الرقمي وتؤثر في القوى العاملة: صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتغيرات الهيكلية التي أحدثتها جائحة كوفيد 19، والطلب المتزايد على المعادن والطاقة لدعم النمو الرقمي، والتحديات المجتمعية المرتبطة بالرقمنة. ويعكس كل اتجاه من هذه الاتجاهات بعداً مختلفاً من أبعاد التحول الرقمي، من الابتكار التكنولوجي إلى الأزمات الصحية العالمية والتوترات الجيوسياسية. وتُبرز هذه الاتجاهات مجتمعة الفرص والتحديات التي تواجه صانعي السياسات في التعامل مع المتطلبات المتغيرة لسوق العمل، وضمان تزويد العمال بالمهارات اللازمة. ويُعدّ فهم هذه التطورات أساسياً لصياغة استراتيجيات فعالة لاستشراف مستقبل العمل.
الذكاء الاصطناعي التوليدي: تطور تكنولوجي واسع الأثر
يمثّل الذكاء الاصطناعي التوليدي تطوراً تكنولوجياً تحويلياً ومُربكاً ذا انعكاسات بعيدة المدى على سوق العمل. ومع تقدم الذكاء الاصطناعي، يُرتقب أن يُحدث اضطراباً كبيراً في الصناعات من خلال أتمتة المهام في قطاعات متنوعة، من الرعاية الصحية والنقل إلى التعليم والزراعة. وبحلول عام 2040، قد يتمكن الذكاء الاصطناعي التوليدي من أتمتة ما يصل إلى ربع الوظائف الحالية، مما قد يؤثر في 300 مليون وظيفة بدوام كامل على مستوى العالم. ورغم أنه يُتوقع أن يرفع الذكاء الاصطناعي الإنتاجية، فإن الاتجاهات التاريخية توحي بأن إزاحة الوظائف قد يقابلها استحداث أدوار جديدة، بما يعزز نمو التشغيل على المدى الطويل.
ويمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي، حين يقترن بالروبوتات، قدرة فريدة على التأثير لا في الوظائف الروتينية منخفضة المهارة فحسب، بل في المواقع عالية المهارة أيضاً، ولا سيما في الاقتصادات المتقدمة، حيث قد يشهد ما يصل إلى 60% من الوظائف قدراً من التغيير بفعل الذكاء الاصطناعي. وبينما قد يعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية في نصف هذه الأدوار، قد يتراجع الطلب على النصف الآخر، مما يؤدي إلى فقدان الوظائف وانخفاض الأجور. وقد تشهد الأسواق الناشئة والبلدان منخفضة الدخل، الأقل تعرضاً للذكاء الاصطناعي، آثاراً فورية أقل، لكنها معرضة لخطر التخلف عن الركب في غياب البنية التحتية اللازمة والقوى العاملة الماهرة القادرة على الاستفادة من إمكاناته، مما يفاقم عدم المساواة على الصعيد العالمي.
ويسلّط صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي الضوء على تحديات ملحّة في تنمية القوى العاملة، ولا سيما الحاجة إلى مهارات جديدة وأنظمة تحمي العمال. ويتعين على صانعي السياسات إعطاء الأولوية لاستراتيجيات تحد من إزاحة الوظائف مع تعظيم منافع هذه التكنولوجيا على صعيد الإنتاجية، وهو ما يستلزم التعاون بين الحكومات ومطوري الذكاء الاصطناعي والباحثين لمعالجة المخاطر والفجوات المعرفية المرتبطة بالتقدم التكنولوجي السريع. وعلى المستوى المؤسسي، ينبغي للشركات، ولا سيما في الاقتصادات المتقدمة، أن تعتمد استراتيجيات استباقية لإدارة التغيرات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي. ويُعدّ تحديد فجوات المهارات، وتقديم تدريب موجّه، ودعم العمال في تطوير كفاءات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خطوات أساسية لضمان القدرة على التكيف. وستكون هذه الجهود حاسمة في إعداد القوى العاملة للتحول الرقمي الجاري، وتمكين العمال من الازدهار في سوق عمل متطور.
جائحة كوفيد 19 وأثرها في بنية العمل وممارساته
سرّعت جائحة كوفيد 19 الرقمنة تسريعاً كبيراً، فأعادت تشكيل بنى العمل وممارساته في مختلف القطاعات. فقد انتشر العمل عن بُعد على نطاق واسع، ولا سيما بين عمال "الياقات البيضاء" ذوي المهارات العالية، في حين واجه عمال "الياقات الزرقاء" ذوو المهارات المنخفضة خسائر أكبر في الوظائف، لأن أدوارهم كانت أقل قابلية للتكيف مع ظروف العمل عن بُعد. وقد عمّق هذا التحول أوجه عدم المساواة القائمة، إذ شهدت الفئات الهشة، كالعاملين في الوظائف منخفضة الأجر والعمال الأصغر سناً وذوي المستويات التعليمية الأدنى، معدلات بطالة أعلى وتقليصاً في ساعات العمل.
وتزايد عدم المساواة داخل البلدان وفيما بينها كذلك، متأثراً ببنى أسواق العمل والبنية التحتية. فقد كانت البلدان التي تمتلك بنية تحتية رقمية متينة وقوى عاملة ماهرة أقدر على التكيف، فحوّلت الأزمة إلى فرصة لمزيد من التحول الرقمي. غير أن الجائحة كشفت أيضاً عن فجوة رقمية متنامية، ولا سيما في المناطق الريفية والأقاليم النامية، حيث لا يزال الوصول إلى التكنولوجيا والتدريب اللازمين محدوداً، مما يفاقم عدم المساواة. ويبرز هذا التفاوت الحاجة إلى سياسات تعزز الوصول المنصف إلى البنية التحتية الرقمية.
وقد زادت جائحة كوفيد 19 الطلب على الإلمام الرقمي وعلى المهارات المتقدمة في تكنولوجيا المعلومات والحوسبة السحابية وتحليل البيانات. ويتطلب هذا التحول أن تولي منظومات التعليم الأولوية للكفاءات الرقمية الأساسية، وأن تكيّف برامج رفع المهارات وإعادة التأهيل لتلبية احتياجات بيئة عمل أكثر أتمتة. واستجابة لذلك، تعمل الحكومات والمنظمات الدولية على تعزيز سياسات تكفل الوصول المنصف إلى البنية التحتية الرقمية وتدعم التعلم مدى الحياة. ويؤكد تنامي العمل الرقمي أهمية السياسات الشاملة التي تساعد جميع العمال على المشاركة في الاقتصاد الرقمي والاستفادة منه.
التوترات الجيوسياسية: الطلب المتزايد على المعادن ومصادر الطاقة اللازمة للاقتصاد الرقمي
أدت الرقمنة المتسارعة للاقتصاد العالمي إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية، إذ تتنافس الدول على تأمين المعادن ومصادر الطاقة الأساسية اللازمة لتشغيل التقنيات الناشئة كالذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس والتصنيع المتقدم. وقد أفضى هذا الطلب إلى احتكاك سياسي، مع سعي البلدان إلى حماية صناعاتها الاستراتيجية وبسط سيطرتها على الموارد الحيوية. ويعتمد الاقتصاد الرقمي اعتماداً كبيراً على البنية التحتية المادية، ويحتاج إلى قدر كبير من الطاقة ومعادن متخصصة لإنتاج المعدات. ونتيجة لذلك، يتنامى الطلب على قوى عاملة ماهرة في مجالات إمدادات الطاقة وتطوير البنية التحتية واستخراج المعادن ومعالجتها، وهو ما يمثل فرصاً وتحديات في آن واحد لسوق العمل.
والبلدان التي تمتلك بنى تحتية رقمية وطاقوية قوية في موقع أفضل للاستفادة من الصناعات القائمة على التكنولوجيا. وفي المقابل، تواجه البلدان التي تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية والتصنيعية وإلى القدرة على رفع مهارات قواها العاملة خطر الإخفاق في اغتنام الفرص التي تتيحها معالجة المعادن وإضافة القيمة إليها، فضلاً عن خطر إزاحة الوظائف واتساع عدم المساواة. ولا يزال تأمين الوصول إلى الموارد والتقنيات الرئيسية، وكذلك امتلاك القدرة الوطنية على الاستحواذ على القيمة المضافة المتولدة عن الاقتصادات الرقمية الصاعدة، قضية محورية في السباق العالمي نحو الهيمنة الرقمية، بما يزيد من حدة التوترات الجيوسياسية، فضلاً عما يرافق ذلك من تحديات بيئية.
القضايا المجتمعية المرتبطة بالتحول الرقمي
يُفضي التقدم التكنولوجي بلا شك إلى تحسن مستويات المعيشة، لكن هذا التحسن يتوزع على نحو غير متكافئ. فعلى المستوى المجتمعي، توسّع الأتمتة والذكاء الاصطناعي الفجوة الرقمية، إذ يتزايد تهميش من يفتقرون إلى الوصول إلى التكنولوجيا أو إلى المهارات الرقمية، ولا سيما النساء وكبار السن والمجتمعات المحرومة. وحتى إن عاد التغير التكنولوجي بالنفع على المجتمع، فإن مواطن الهشاشة التي يُحدثها في سوق العمل تميل إلى التركز في فئات اجتماعية بعينها، مما قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية وسياسية كبيرة. وهذه آثار جوهرية تستدعي استجابات سياساتية ملائمة.
ويواصل العمل عبر المنصات توسعه، فيتيح فرص دخل جديدة، لكنه يعمّق أيضاً مواطن الهشاشة في سوق العمل، ومنها الوظائف المؤقتة وبدوام جزئي ووظائف اقتصاد العمل الحر، حيث يُستعان بالعمال لمهام محددة ويُدفع لهم عن كل مهمة. وتتعلق أوجه العجز الرئيسية في العمل اللائق في اقتصاد المنصات بغموض الوضع الوظيفي، وممارسات الإدارة الخوارزمية، والثغرات في الحماية الاجتماعية وحقوق العمل، ومحدودية فرص إعادة التأهيل ورفع المهارات، التي كثيراً ما يتحمل العمال تكلفتها كاملة.
وتثير الرقمنة كذلك قضايا تتعلق بخصوصية البيانات، إذ يتقبل كثير من المواطنين قدراً من فقدان الخصوصية بوصفه أمراً حتمياً، في حين تتعامل بلدان عدة مع مسألة السيادة الرقمية بوصفها قضية أمن قومي، مما يزيد التوترات الجيوسياسية. ويتزامن ذلك مع تزايد نسبة السكان الذين يرون أن التقدم التقني يدمّر حياتنا، وهو أمر يرتبط أيضاً بالأثر المجتمعي السلبي للذكاء الاصطناعي والتزييف العميق ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعلومات المضللة، وتضليل تصورات الناس ومعتقداتهم وسلوكهم والتلاعب بها. وإجمالاً، تُعدّ الحوكمة الفعالة أساسية للحد من المخاطر وضمان تقاسم منافع التحول الرقمي بإنصاف في المجتمع، وهو ما يتطلب استجابات سياساتية تركز على رفع المهارات وإعادة التأهيل وتطوير البنية التحتية الرقمية.
3.3. الاحتياجات الرئيسية من المهن والمهارات
يتناول هذا القسم بمزيد من التعمق احتياجات المهن والمهارات الناشئة عن التحول الرقمي، مستعرضاً لهذا الغرض عدداً من الإسقاطات والتوقعات والدراسات الاستشرافية.
يشهد مشهد التشغيل العالمي تغيرات كبيرة بفعل التحول الرقمي، مع تفاوت آثاره بين القطاعات والأقاليم. فالتطورات في تقنيات كالذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة تعيد تشكيل أسواق العمل، فتتيح فرصاً من جهة وتُقصي وظائف روتينية منخفضة المهارة من جهة أخرى. والأدوار اليدوية والمكتبية الروتينية معرضة للخطر بوجه خاص، إذ تواجه قطاعات كالتصنيع والخدمات مخاطر كبيرة لفقدان الوظائف بسبب الأتمتة. ويتضح ذلك في أقاليم كرابطة دول جنوب شرق آسيا، حيث يُتوقع أن تشهد بلدان كإندونيسيا والفلبين وتايلاند إزاحة كبيرة للوظائف في صناعات كالإلكترونيات والمنسوجات.
وفي المقابل، يدفع التحول الرقمي إلى استحداث الوظائف، ولا سيما في المجالات عالية التقنية. ففي أوروبا، يُتوقع أن يزيد عدد الوظائف في مجالي الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنحو 900 ألف وظيفة بحلول عام 2035، وتتجاوز احتياجات المهارات الرقمية حدود مهن تكنولوجيا المعلومات التقليدية. فثمة قطاعات عدة تتحول إلى الرقمنة بسرعة؛ إذ تشهد قطاعات كإمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء، والبناء، والأنشطة المهنية والعلمية والتقنية، طلباً مرتفعاً على مهارات تكنولوجيا المعلومات، حيث يشترط ما يقارب نصف إعلانات الوظائف الإلكترونية للأدوار غير التقنية كفاءات رقمية. وفي المقابل، فإن قطاعات كالتعليم وإمدادات المياه وإدارة النفايات، رغم تأثرها الكبير بالرقمنة، تتطلب مهارات رقمية أقل مقارنة بالقطاعات السابقة، إذ لا يذكر المهارات الرقمية سوى ثلث إعلانات الوظائف فيها تقريباً. غير أن الاتجاه آخذ في التغير، فقد شهد قطاع الإقامة وخدمات الطعام زيادة كبيرة في الطلب على المهارات الرقمية، مدفوعة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وتوسع التجارة الإلكترونية وأتمتة المستودعات. وإجمالاً، تُظهر المسوح في الاقتصادات المتقدمة، كما في أوروبا، أن 87% من العمال يستخدمون جهازاً حاسوبياً في عملهم، سواء أكان حاسوباً مكتبياً أم محمولاً أم لوحياً أم هاتفاً ذكياً، ومن ثمّ يحتاجون على الأقل إلى مهارات رقمية أساسية. ورغم هذه الزيادات في الوظائف المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات، يُتوقع أن يكون الأثر الصافي للذكاء الاصطناعي في أوروبا سلبياً، مع خسارة تُقدَّر بنحو 300 ألف وظيفة نتيجة ارتفاع إنتاجية العمل والتكلفة المرتفعة لرفع المهارات.
وعلى الصعيد الإقليمي، يتفاوت أثر التحول الرقمي تفاوتاً كبيراً. ففي الاقتصادات المتقدمة ذات البنى التحتية الرقمية المتطورة، قد تخفف مستويات المهارة الرقمية الأعلى وأسواق العمل الأكثر قدرة على التكيف من حدة إزاحة الوظائف. أما في البلدان النامية التي يكون فيها اعتماد التقنيات الرقمية أبطأ ويغلب فيها التشغيل غير المنظم، فقد يكون التحول أكثر تدرجاً، وقد تواجه هذه الأقاليم اضطرابات متأخرة أو أقل حدة، وإن لم تكن بمنأى عن آثار التحولات التكنولوجية العالمية.
ويعيد التحول الرقمي تشكيل سوق العمل العالمية، مؤدياً إلى ظهور مهن جديدة وتقادم أخرى. فتقنيات كالذكاء الاصطناعي والروبوتات وإنترنت الأشياء تحوّل طبيعة العمل في قطاعات مختلفة. وتشهد أدوار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات نمواً كبيراً، مع توقع استحداث أكثر من 65 ألف وظيفة جديدة في أوروبا بحلول عام 2035. ولا تتطلب هذه الأدوار الكفاءة التقنية فحسب، بل القدرة أيضاً على استخدام التقنيات الناشئة كالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
وبينما تتعزز بعض الأدوار بفعل الأتمتة، فإن أدواراً أخرى، ولا سيما الوظائف اليدوية الروتينية منخفضة المهارة، معرضة لخطر الإزاحة. ويشمل ذلك مثلاً الوظائف المكتبية والإدارية التي تنطوي على مهام كصياغة الوثائق وتحليل المعلومات، وهي ذات قابلية عالية للأتمتة، وتشغلها النساء تقليدياً. فضلاً عن ذلك، تشهد قطاعات كالزراعة والتصنيع اعتماد الروبوتات والذكاء الاصطناعي، مما يقلل الحاجة إلى العمل البشري. وتُستبدل الآلات بكثير من الأدوار التقليدية في صناعات كالتعدين والصهر وتجهيز الأغذية والأعمال المكتبية، مما يدفع إلى الحاجة إلى مهارات جديدة في تقنيات التصنيع المتقدم وإلى الإلمام الرقمي. أما الوظائف التي تقوم أساساً على مهام بدنية، كعمال النظافة والمساعدين، ومنها أدوار كالدهانين وعمال تركيب ورق الجدران وعمال الجص، فتُعدّ من أقل الوظائف تأثراً بتطورات الذكاء الاصطناعي. وإجمالاً، يتجلى التحول الرقمي على نحو مختلف في كل قطاع، وتتطلب ديناميكيات المهارات استراتيجيات استجابة متباينة.
ويبرز صعود الأدوار الهجينة، التي تمزج بين المهارات التقنية والمهارات المتمحورة حول الإنسان، أهمية التعلم مدى الحياة وإعادة التأهيل. فالمهارات في التفاعل بين الإنسان والحاسوب والتفكير الإبداعي وتحليل البيانات والتواصل الخارجي باتت أساسية على نحو متزايد، ولا سيما في قطاعات كالمبيعات حيث يؤتمت الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية. ولا يقتصر الطلب على المهارات الرقمية على المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات، إذ باتت مجالات غير تقنية كالتسويق والصحافة تتطلب قدرات في تحليل البيانات والتواصل الرقمي. ويتضح من الأبحاث القائمة أن المهارات الرقمية الأساسية لا تكفي، فالازدهار في الاقتصاد الرقمي يتطلب مزيجاً من المهارات التقنية والقدرات المتمحورة حول الإنسان.
ورغم تزايد الحاجة إلى المهارات الرقمية، لا تزال الفجوات بين الجنسين قائمة، ولا سيما في أدوار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. فالنساء ممثَّلات تمثيلاً ناقصاً بدرجة كبيرة في المجالات الرقمية عالية الطلب في أنحاء العالم، وبخاصة في البلدان النامية كالهند وإندونيسيا وتايلاند. ويتطلب سد هذه الفجوة جهوداً موجهة لتشجيع النساء على الالتحاق بالتعليم والمسارات المهنية في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
ومع استمرار التحول الرقمي، ستكون إعادة التأهيل ورفع المهارات بصورة مستمرة أمراً حاسماً للتكيف مع الأتمتة والتقنيات المتطورة. ويوفر ما يُعرف بمربع أثر الذكاء الاصطناعي إطاراً للتعامل مع المهارات المطلوبة، يميز بين إعادة التأهيل ورفع المهارات والتأهيل المتقاطع، وهي جميعاً أساسية لإدارة آثار الذكاء الاصطناعي والأتمتة في القوى العاملة. ويخدم كلٌّ منها غرضاً في قطاعات متفاوتة التعرض لأثر الذكاء الاصطناعي: فإعادة التأهيل ترتبط أكثر باستبدال الوظائف والأتمتة، في حين يرتبط رفع المهارات والتأهيل المتقاطع أكثر بتعزيز الوظائف وتهجينها، حيث يوسع العمال مهاراتهم للعمل جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي، فيعززون أدوارهم بدلاً من فقدان وظائفهم.
وفيما يتعلق بالشمول، عمّق التحول الرقمي أوجه عدم المساواة في الفرص، ولا سيما بسبب التفاوت في المهارات الرقمية والوصول إلى التدريب. ويتجلى في هذا السياق ما يُعرف باسم "مبدأ متّى"، حيث يستفيد المتميزون أكثر بينما يتخلف المحرومون أكثر فأكثر. فالعاملون في الوظائف منخفضة الأجر أو المؤقتة كثيراً ما يفتقرون إلى الوصول إلى التدريب الرقمي، مما يفاقم الفجوة بين القادرين على الاستفادة من التطورات الرقمية وغير القادرين على ذلك. ويُلاحظ أن الموظفين الأصغر سناً والأعلى مهارة ممن يعملون بعقود دائمة أكثر حظاً في الحصول على تدريب يموله صاحب العمل، في حين يتخلف العمال الأكبر سناً والمؤقتون. وعلى المستوى العالمي، يفتقر كثيرون إلى الإلمام الرقمي الأساسي، مما يحد أكثر من قدرتهم على التعامل مع الأدوات الرقمية والتعامل مع كميات هائلة من المعلومات، بما فيها المعلومات المضللة.
وتؤدي فجوة المهارات الرقمية هذه، إلى جانب عدم المساواة في الوصول إلى الموارد، إلى تعريض الفئات المهمشة لخطر أكبر للإقصاء من الاقتصاد الرقمي. ويرى القادة الأفارقة حاجة واضحة إلى عمل إضافي لجعل التحول الرقمي في أفريقيا تحولاً شاملاً يردم الفجوة الرقمية ويحد من عدم المساواة. ويتأثر التفاوت في المهارات الرقمية بعوامل كالعمر والتعليم والوضع الاجتماعي والاقتصادي، ولمعالجة أوجه عدم المساواة هذه، ثمة حاجة ملحة إلى برامج موجهة لإعادة التأهيل وإلى وصول منصف إلى التدريب الرقمي. كما أن إدماج الذكاء الاصطناعي والرقمنة في أماكن العمل قد يؤثر في جودة الوظائف، فيقلل أحياناً من استقلالية العمال ورضاهم، مما يؤكد أهمية إشراك العمال في التغيير التكنولوجي. ففي البلدان التي تتمتع بممارسات قوية للتشاور في مكان العمل، كبلدان الشمال الأوروبي وألمانيا، يحقق العمال عموماً نتائج أكثر إيجابية من التغيرات التكنولوجية.
3.4. إسقاطات التشغيل: سيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض
يحلل سيناريو التحول الرقمي، المشار إليه فيما يلي بسيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض، آثار الاستثمار في بلوغ تغطية شاملة بخدمات الإنترنت عريض النطاق، تُعرَّف بأنها تغطية ما لا يقل عن 90% من السكان، عبر الأقاليم والقطاعات في عام 2030. وتستند افتراضات السيناريو إلى التقديرات المنمذجة التي وضعها الاتحاد الدولي للاتصالات لأثر التغطية الشاملة بالنطاق العريض، الثابت والمتنقل، في الاقتصاد، ولذلك فهو لا يرصد آثار الذكاء الاصطناعي في التشغيل التي نوقشت في الأقسام السابقة استناداً إلى مراجعة الأدبيات. وعلى خلاف الآثار المختلطة أو السلبية المحتملة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يُتوقع أن يكون لتوسيع الاتصال عريض النطاق أثر إيجابي في التشغيل، ولا سيما في الأقاليم ضعيفة الاتصال حالياً. وبالنسبة لبعض الأقاليم كأفريقيا، وللبلدان منخفضة الدخل، يتطلب ذلك زيادة كبيرة في التغطية، ومن ثمّ استثماراً في البنية التحتية، إذ لا يزال استخدام الإنترنت في هذه المناطق منخفضاً جداً، فلا يتجاوز نحو 27% في البلدان منخفضة الدخل و38% في أفريقيا. وعليه، لا يمكن افتراض تحقق سيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض تلقائياً، بل هو يمثل تحدياً كبيراً على صعيد السياسات والتنفيذ.
ويتوقع السيناريو أن يعزز النطاق العريض الشامل الرقمنة بحلول عام 2030، فيرفع الإنتاجية من خلال زيادة استخدام الشركات للتقنيات الرقمية وتنامي الطلب على الخدمات الرقمية. وسينعكس هذا الارتفاع في الإنتاجية إيجاباً على الاقتصادات المحلية بخفض الأسعار وتعزيز القدرة التنافسية التجارية، وإن كان قد يخفض الأجور بسبب تراجع الطلب على العمالة. غير أنه يُتوقع أن تدفع زيادة الإنتاج نمو التشغيل والدخل الحقيقي، مما يؤدي إلى زيادة الاستهلاك. وستتفاوت مكاسب الإنتاجية بحسب القطاع والإقليم، إذ يتوقف حجم الدفعة الإنتاجية على الفجوة القائمة في تغطية النطاق العريض، وستشهد القطاعات منخفضة الكثافة الرقمية تحسينات أقل في الإنتاجية. وسيحوّل الوصول إلى الإنترنت أيضاً إنفاق المستهلكين نحو الخدمات الرقمية، ولا سيما في الأقاليم ذات التغطية الحالية المنخفضة كأفريقيا، حيث قد يرتفع الإنفاق على الخدمات المالية وخدمات الاتصالات بنسبة تصل إلى 50%. ومن الآثار الأخرى خفض التكاليف الإدارية للشركات وزيادة الاستثمار في البنية التحتية، مع تخصيص أموال كبيرة لقطاعي البناء والتكنولوجيا. وستموّل الشركات الخاصة توسيع البنية التحتية للنطاق العريض، على أن تُحمَّل التكاليف للمستهلكين أو تُستوعب من خلال تقليص الأرباح، تبعاً لعوامل خاصة بكل قطاع. ولا يأخذ السيناريو في الحسبان الأدلة المتزايدة على أن للرقمنة والذكاء الاصطناعي أثراً أكبر في التشغيل في الاقتصادات المتقدمة، حيث يكون اعتماد هذه التقنيات أيسر.
وفي ظل هذا السيناريو، يُتوقع أن يرتفع التشغيل العالمي بنحو 0.7% بحلول عام 2030، أي بأكثر من 23 مليون وظيفة مقارنة بالسيناريو الأساسي. وتُظهر ديناميكيات التشغيل في إطار هذا السيناريو تبايناً كبيراً بحسب مستويات المهارة والمهن والفئات العمرية والأقاليم ومستويات الدخل. فمن حيث مستويات المهارة والمهن، يتوقع السيناريو مكاسب ملحوظة في التشغيل بين عمال الخدمات والمبيعات، وعمال الحرف وما يتصل بها، والمهن الأولية. وبحلول عام 2030، ستشهد مهن الخدمات والمبيعات نمواً كبيراً، ولا سيما في قطاعي تجارة الجملة والتجزئة اللذين سيضيفان أكثر من 4 ملايين وظيفة. وستستفيد الحرف وما يتصل بها استفادة كبيرة من نمو قطاع التصنيع، مسهمة بأكثر من 3 ملايين وظيفة جديدة. وستشهد المهن الأولية نمواً واسعاً في قطاعات متعددة، مع زيادات كبيرة في البناء وخدمات الدعم الإداري. وبصورة أكثر تحديداً، سيكون استحداث الوظائف في قطاع الخدمات قوياً نسبياً في التوزيع والتجزئة والفنادق والمطاعم، والخدمات المجتمعية والاجتماعية والشخصية، والصحة والعمل الاجتماعي، والنقل والتخزين، مع مكاسب ملحوظة أيضاً في البناء والزراعة وبعض فروع التصنيع.
ويتوقع السيناريو نمو الوظائف في المهن المرتبطة بتطوير البنية التحتية الرقمية وصيانتها، وكذلك بتوسع التجارة الإلكترونية والخدمات الإلكترونية، ولا سيما بين عمال المبيعات والخدمات الشخصية، وكذلك السائقين ومشغّلي المعدات وعمال البناء والحرف المرتبطة به.
وعلى المستوى العالمي، يُتوقع أن تستحدث التغطية الشاملة بالإنترنت عريض النطاق 23.5 مليون وظيفة. ورغم أنه يُتوقع أن تكسب جميع الأقاليم وظائف، فإن آسيا والمحيط الهادئ بنحو 8.2 مليون وظيفة، وأفريقيا بنحو 6.3 مليون، والأمريكتين بنحو 6.2 مليون، ستستأثر بمعظمها. وستحظى أفريقيا والأمريكتان أيضاً بمعدل مرتفع لنمو الوظائف في هذا السيناريو، في حين قد تُعوَّض المكاسب المتواضعة نسبياً في الشرق الأوسط بالقيم المطلقة بمرور الوقت، لأن معدل استحداث الوظائف سيكون الأعلى في هذا الإقليم. وفي المقابل، ستشهد أوروبا وآسيا الوسطى، حيث الوصول إلى الإنترنت واسع الانتشار بالفعل، نمواً متواضعاً. وستكسب البلدان متوسطة الدخل أكثر من 17 مليون وظيفة، أي 75% من مكاسب التشغيل في هذا السيناريو، في حين ستستفيد البلدان منخفضة الدخل من أعلى معدل لكسب الوظائف بين فئات الدخل.
ويُتوقع أن تتفاوت مكاسب التشغيل الصافية بحسب المهنة تفاوتاً شديداً بين الأقاليم. فعمال الخدمات والمبيعات يُظهرون باستمرار أكبر الزيادات، ولا سيما في أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ والأمريكتين، حيث تتوسع الخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية بسرعة. ويُتوقع أيضاً أن تنمو المهن الأولية وعمال الحرف وما يتصل بها نمواً ملحوظاً في هذه الأقاليم، مدفوعة بتزايد الطلب على الخدمات الأساسية والحرف المدعومة رقمياً. وفي المقابل، تتوزع مكاسب التشغيل الأكثر تواضعاً في أوروبا وآسيا الوسطى والدول العربية على نحو أكثر توازناً بين المهن، مع توقع أن تحظى الفئات الأعلى مهارة، من المديرين والمهنيين والفنيين، بالآثار الأكثر إيجابية.
ومن حيث الفئات العمرية، يُتوقع أن يستفيد الشباب بين 15 و24 عاماً استفادة كبيرة من الرقمنة في إطار هذا السيناريو، ولا سيما في المهن متوسطة المهارة. غير أنه يُتوقع أن يحظى الشباب ذوو المهارات العالية في أفريقيا بأقوى الآفاق في سوق العمل. ورغم فتوّة سكانها، ستظل أفريقيا معتمدة أيضاً على العمال الأكبر سناً ذوي المهارات العالية. ويُتوقع أن يظل العمال الأكبر سناً ناشطين في جميع المهن والأقاليم، مما يؤكد قيمة استمرار مشاركتهم في سوق العمل وضرورتها، ويشير إلى الحاجة إلى تدابير لرفع مهاراتهم الرقمية تساعدهم على الحفاظ على مكانتهم.
وفيما يتعلق بالجوانب الجندرية، يُتوقع أن تتوزع مكاسب التشغيل الناتجة عن الرقمنة توزيعاً غير متكافئ على المستوى العالمي، بما يمدّ أوجه عدم المساواة المهنية الحالية إلى المستقبل. فبحلول عام 2030، يُتوقع أن تذهب 65% من الوظائف الجديدة المستحدثة في إطار هذا السيناريو إلى الرجال، مع تفاوتات إقليمية أشد وضوحاً؛ إذ يُتوقع مثلاً أن يستفيد العمال الذكور من نحو 80% من مكاسب التشغيل في الدول العربية، مقارنة بنحو 56% في الأمريكتين. ورغم أن النساء يحظين بآفاق أفضل في الخدمات والمبيعات، وهي من أسرع المهن نمواً في معظم الأقاليم، فإن الحرف وما يتصل بها والأدوار المهنية التقنية ومهن الفنيين لا تزال يغلب عليها الذكور، مما يشير إلى اختلال كبير بين الجنسين في نمو التشغيل. وستتطلب معالجة هذه التفاوتات مبادرات عالمية موجهة لتحقيق المساواة بين الجنسين، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية الرقمية.
