5. استجابات تنمية المهارات
5.1. مقدمة
تناولت الفصول السابقة التحولين الأخضر والرقمي من حيث محركاتهما وانعكاساتهما على احتياجات المهارات. وينتقل هذا الفصل إلى مسألة تنمية المهارات، وإلى الاستجابات الراهنة التي يمكن رصدها على صعيد السياسات والبرامج والمبادرات في مجال التعليم والتدريب، وفي المجالات المتصلة بهما كتنمية المنشآت.
ويتضح من التحليل السابق أن التحولين الأخضر والرقمي يستلزمان تغيرات واسعة وعميقة في احتياجات المهارات. ولا يقتصر الأمر على تلبية الحاجة إلى المهارات التقنية والمهن الجديدة التي ظهرت وستواصل الظهور، بل يمتد إلى ضمان تزويد الجميع بالمهارات التأسيسية والجوهرية التي يحتاجون إليها للإسهام في التحولين. ويتطلب ذلك تدخلات في التعليم والتدريب تشمل الشباب والكبار على حد سواء. ورغم صعوبة إجراء تقييم شامل لما أُحرز من تقدم حتى الآن في هذا الشأن، فإن سرعة تغيّر المناخ والابتكار التكنولوجي في الآونة الأخيرة لم تقابلها وتيرة مماثلة في تغيير سياسات التعليم والمهارات. فما الذي أُنجز حتى الآن؟ وما التحديات التي تعترض إحراز مزيد من التقدم؟
وقبل الإجابة عن هذين السؤالين، تجدر الإشارة إلى أن طبيعة التدابير المتخذة تتوقف على طبيعة منظومات تنمية المهارات. فثمة تفاوت هائل على المستوى العالمي في درجة تطور هذه المنظومات. إذ تميل البلدان مرتفعة الدخل إلى امتلاك منظومات متطورة نسبياً، سواء لدخول سوق العمل أو لإعادة التأهيل ورفع المهارات عبر تعليم الكبار، مع تعاون بين الحكومات والشركاء الاجتماعيين من منظمات أصحاب العمل والعمال، واستثمارات كبيرة من القطاعين العام والخاص. وفي المقابل، تميل البلدان منخفضة الدخل إلى امتلاك منظومات ضعيفة التطور، تتسم بانخفاض مستويات الاستثمار العام، ومحدودية توفر التدريب وجودته وملاءمته، وضعف مشاركة القطاع الخاص واستثماره. ويكون التدريب الأولي في البلدان مرتفعة الدخل مجانياً للأفراد في الغالب، بينما يضطر الأفراد في البلدان منخفضة الدخل كثيراً إلى تمويله بأنفسهم. وتؤثر هذه التباينات تأثيراً كبيراً في قدرة البلدان على الاستجابة لتحديات التحولين الأخضر والرقمي. فرغم أن البلدان مرتفعة الدخل لا تزال تعاني فجوات ونقصاً في المهارات، فإن منظوماتها لتنمية المهارات تضعها في موقع متقدم نسبياً مقارنة بالبلدان منخفضة الدخل. ويزداد وضع البلدان منخفضة الدخل صعوبة لكونها الأكثر عرضة لأسوأ آثار الاحترار العالمي، في حين تفتقر إلى البنى اللازمة لتنمية المهارات والاستجابة بفاعلية.
5.2. تدخلات المهارات من أجل التحول الأخضر
تزخر الأدبيات بطيف واسع من التدابير. وتكتسب السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بمهارات الاقتصاد الأخضر، حين تتسق مع السياسات الأخرى ذات الصلة في المجالين البيئي والصناعي، أهمية بالغة في توفير إطار عمل متماسك لتلبية الحاجة إلى هذه المهارات، لأن الحكومات تمتلك قدراً كبيراً من التحكم في الأدوات التي تحفز الطلب خلال مرحلة التحول. غير أن هذه الاستراتيجيات قد تكون أحياناً الحلقة المفقودة بسبب ضعف التواصل بين الإدارات الحكومية، أو قد تقتصر على القطاعات الأشد تأثراً بالتحول الأخضر. وفي أوروبا، تعالج معظم البلدان مسألة مهارات الاقتصاد الأخضر ضمن استراتيجيات وخطط وطنية أخرى لا من خلال وثيقة مخصصة لها. وقد تحتاج الأقاليم والمدن أيضاً إلى استراتيجيات خاصة بها نظراً للتباين المكاني في آثار التحول الأخضر. وفي السنوات السابقة لعام 2019، تركز جهد كبير على صياغة الاستراتيجيات، لكن كثيراً من البلدان واجهت تحديات في التنفيذ. وقد تجاوزت بعض البلدان مرتفعة الدخل الآن مرحلة التركيز على صياغة الاستراتيجيات إلى مرحلة التنفيذ.
وتُعدّ آليات استشراف المهارات حجر الأساس لفهم احتياجات الاقتصاد الأخضر من المهارات، ويمكن أن تتخذ عدة أشكال، منها: إدماج مهارات الوظائف الخضراء بصورة منهجية في الآليات القائمة، كما في المعهد الوطني للتلمذة المهنية في كوستاريكا؛ واتخاذ مبادرات ظرفية من خلال دراسات محددة أو مجموعات خبراء، تركز غالباً على قطاعات بعينها أو تندرج ضمن أنشطة الهيئات القطاعية للمهارات، كما في زامبيا وغانا؛ وإنشاء هياكل وإجراءات مخصصة، كالمرصد الوطني لوظائف ومهن الاقتصاد الأخضر في فرنسا، ومجلس مهارات الوظائف الخضراء في الهند.
ويُعدّ الإشراك الوثيق لمجتمع الأعمال عنصراً مهماً لنجاح تحديد احتياجات المهارات. ففي جنوب أفريقيا، دخلت منظمة وحدة الأعمال في جنوب أفريقيا في شراكة مع المبادرة الوطنية للأعمال ومجموعة بوسطن الاستشارية لإجراء بحث مشترك حول احتياجات تنمية المهارات اللازمة لانتقال البلاد إلى الطاقة المتجددة وتحقيق اقتصاد خالٍ من الانبعاثات الصافية بحلول عام 2050. وخلص هذا الجهد التعاوني إلى أن استحداث الوظائف في قطاع الطاقة المتجددة لن يستوعب تلقائياً العمال المسرّحين من صناعة الوقود الأحفوري بسبب احتمال عدم تطابق المهارات، ودعا إلى إعادة تأهيل مناسبة.
وتميل البلدان مرتفعة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى إلى امتلاك منظومات متطورة لاستشراف المهارات يمكن توظيفها في التنبؤ بمهارات الاقتصاد الأخضر، في حين اعتمدت البلدان الأقل دخلاً على آليات أكثر ظرفية وعلى تعاون موجّه مع الجهات المعنية. ورغم انتشار آليات استشراف المهارات، فإن هذه الأنشطة كثيراً ما لا تعكس أثر السياسات البيئية في سوق العمل، وثمة حاجة إلى بيانات أكثر تفصيلاً على مستوى المهارات والمهن والأقاليم وأسواق العمل المحلية.
تحديد مهارات الاقتصاد الأخضر من خلال مقاربة شاملة للمنظومة في البرازيل
في البرازيل، يتناول "مشروع التعليم والتدريب التقني والمهني"، المدعوم من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، والذي انطلق عام 2021 ويستمر حتى عام 2025، تنمية مهارات الاقتصاد الأخضر بصورة متسقة عبر القطاعات ذات الصلة، وهي الطاقة والاقتصاد الحيوي والاقتصاد الدائري. فبدلاً من أن تعمل المشاريع القطاعية منفردة، يعتمد المشروع مقاربة شاملة للمنظومة، إذ يقدّم المشورة للوزارات المعنية، كوزارتي التعليم والعمل، والدائرة الوطنية للتدريب الصناعي، والشبكة الاتحادية للتعليم والتدريب التقني والمهني، بشأن تطوير تعليم وتدريب قائمين على الاحتياجات، ويستهدف الشركات والمدارس المهنية بهدف ترسيخ أجندة لتنمية مهارات الوظائف الخضراء في منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني. ويعمل المشروع على تحديد الطلب على المهارات في قطاعات مختارة، ووضع معايير مهنية للمهن الخضراء ذات الصلة، وتصميم المناهج، وإدماج مهارات الوظائف الخضراء في تدريب العاملين في هذا التعليم. ويولي المشروع اهتماماً خاصاً لتشجيع النساء والفتيات على دخول قطاع الطاقة، ولإتاحة فرص التدريب للفئات الهشة، فيما تمثّل الرقمنة موضوعاً شاملاً لجميع محاوره. ويرتبط المشروع ارتباطاً وثيقاً بالأطر التنظيمية وتنمية الأسواق في القطاعات ذات الإمكانات الخضراء، ومن ثمّ يستطيع ربط تدخلاته بجانب الطلب في سوق العمل.
وقد بات تخضير برامج تنمية المهارات واسع الانتشار، وهو ينطوي على إدراج المهارات التأسيسية والجوهرية للاقتصاد الأخضر، إلى جانب المهارات التقنية الخاصة بكل مهنة، في المؤهلات وبرامج التدريب. وقد يتراوح ذلك بين مراجعة كاملة للمقررات القائمة، واستحداث مكونات نمطية جديدة، واعتماد شهادات مصغرة تكمّل المؤهلات الحالية أو تكون جزءاً منها، كما في أيرلندا حيث طُوّرت مجموعة من الشهادات المصغرة للمباني شبه الصفرية في استهلاك الطاقة. وقد يكون تحديث برامج التدريب أو تصميم برامج جديدة أمراً صعباً، ولا سيما في البلدان الأقل دخلاً ذات منظومات المهارات الأقل تطوراً، التي قد تستفيد من الدعم في مجال بناء القدرات والتوجيه، على غرار ما تقدمه منظمة العمل الدولية في إطار تنفيذ حقيبة أدوات تخضير التعليم والتدريب التقني والمهني.
ويمكن للتعلم القائم على العمل وللتلمذة المهنية أن يؤديا دوراً مهماً في دعم تنمية المهارات للتحولين الأخضر والرقمي، من خلال الجمع بين التعلم النظري والخبرة العملية المصممة وفق أحدث احتياجات الصناعة، سواء للوافدين الجدد إلى سوق العمل أو لرفع مهارات القوى العاملة الحالية وإعادة تأهيلها. ومع تسارع الابتكارات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر، يتيح التعلم القائم على العمل والتلمذة المهنية للشباب والكبار اكتساب أحدث الخبرات داخل الشركات. بل يمكن للتلمذة المهنية أن تكون أداة لتغيير منظومي في سبيل التحول الأخضر. ففي ألمانيا، تعاونت النقابات العمالية وأصحاب العمل ومؤسسات التدريب والهيئات الحكومية في تطوير برامج تلمذة مهنية شاملة لتزويد العمال بالمهارات التقنية ومهارات السلامة اللازمة لتصنيع توربينات الرياح وتركيبها وصيانتها. ويمكن أيضاً استخدام التلمذة المهنية أداةً لتعزيز الشمول، كما أكدت توصية منظمة العمل الدولية بشأن التلمذة المهنية الجيدة لعام 2023. ومن الأمثلة على ذلك أن كلية بيرفوت الدولية، معتمدة أساساً على التعلم القائم على العمل والتلمذة المهنية غير النظامية، دربت نحو 3500 امرأة ريفية في 93 بلداً، معظمهن من ذوات المستويات المتدنية في القراءة والكتابة، ليصبحن مهندسات للطاقة الشمسية، مما أفضى إلى تركيب أنظمة إنارة شمسية لأكثر من 2.5 مليون شخص.
تكييف التدريب مع المتطلبات الجديدة في قطاع البناء في إستونيا
استحدثت إستونيا نظاماً جديداً للتدريب العملي في برامج التدريب المهني المرتبطة بالبناء، من خلال مشروع يركز على المباني الموفرة للطاقة وحلول المنازل الذكية. ويتسم هذان المجالان بنقص في المهارات، على نحو ما حدده النظام الوطني للتنبؤ بالمهارات، وبعدم كفاية ما يقدمه التعليم والتدريب التقني والمهني فيهما، ولذلك كثيراً ما يواجه المتعلمون صعوبة في الحصول على فرص تدريب عملي في الشركات يكتسبون من خلالها المهارات التقنية المتخصصة المطلوبة. ومن خلال المشروع، يعمل معلمو البناء في المدارس والشركات الشريكة على تحسين تنظيم التدريب العملي، ويضطلع كبار الممارسين في الصناعة بدور أكبر في التدريب، إذ يقدّم عشرة من كبار المختصين من شركات منضوية في الرابطة الإستونية لمقاولي البناء محاضرات أو يشرفون على التدريب العملي في المدارس لمدة لا تقل عن أربع ساعات. ويضم الشركاء ثلاث مدارس للتعليم والتدريب التقني والمهني، واتحاد أصحاب العمل الإستوني، والرابطة الإستونية لمقاولي البناء، التي تُعدّ مشاركتها مكسباً كبيراً للمشروع.
وقد أدرجت بعض البلدان بالفعل المهارات الخضراء العامة والتأسيسية في جميع برامج التعليم والتدريب التقني والمهني. ففي ألمانيا مثلاً، يُطبَّق منذ عام 2021 معيار وطني بشأن حماية البيئة والاستدامة على جميع المتدربين في النظام المزدوج. وقد وضعت هذا المعيار الملزم السلطاتُ الاتحادية وسلطات الولايات بالاشتراك مع الشركاء الاجتماعيين، ويجب إدماجه في جميع مراحل التدريب والتقييم. ويحدد المعيار ست كفاءات جوهرية للتحول الأخضر، منها منع التلوث، والاستخدام المستدام للمواد والطاقة، والامتثال لأنظمة حماية البيئة، والحد من النفايات وإعادة التدوير، وصياغة مقترحات لإجراءات تدعم الاستدامة في مجال العمل الخاص بالمتدرب، والالتزام بأنظمة الاستدامة في الشركة. ومع ذلك، فحتى في البلدان مرتفعة الدخل ذات منظومات المهارات المتقدمة، لم تُوحَّد هذه المقاربات الشاملة توحيداً كاملاً، فهي إما لا تزال قيد التطوير وإما لا تُطبَّق على جميع البرامج. وقد يؤدي ذلك إلى إبطاء التحول الأخضر، إذ يكتسب تخضير البرامج بالكفاءات الخضراء العامة أهمية خاصة للشباب، فالتعليم الأولي قادر على بناء قدرة القوى العاملة على الصمود في أسواق عمل متغيرة.
وفيما يتعلق بالمهارات التقنية وتلبية احتياجات المهن الجديدة والناشئة، يتزايد عدد برامج التعليم والتدريب الجديدة التي تُستحدث، والبرامج القائمة التي تُكيَّف. ففي إقليم فلاندرز ببلجيكا مثلاً، استُحدثت ملامح تدريبية جديدة لمهن مثل فني تكنولوجيا الطاقة المتجددة، وفي أيرلندا اعتُمدت مقاربة منسقة لتنمية مهارات المباني شبه الصفرية في استهلاك الطاقة، من خلال تطوير مجموعة من الوحدات التدريبية لعمال البناء الجدد والحاليين.
تطوير وحدات تدريبية لعمال الطاقة الشمسية في البرازيل
في البرازيل، اتخذت النقابة المركزية الموحدة للعمال خطوات استباقية لمعالجة فجوات المهارات في قطاع الطاقة الشمسية. فبالتعاون مع الجامعات والمدارس التقنية المحلية، طوّرت النقابة وحدات تدريبية تغطي طيفاً واسعاً من الكفاءات، من التركيب الأساسي إلى التصميم المتقدم للأنظمة وصيانتها. وتولي البرامج أيضاً اهتماماً كبيراً بالسلامة والصحة المهنيتين، نظراً لصعوبة الظروف المرتبطة بتركيب الألواح الشمسية وصيانتها. ومن خلال هذه المبادرات، لا تعزز النقابة قابلية العمال للتوظيف فحسب، بل تسهم أيضاً في ضمان حصول قطاع الطاقة الشمسية سريع التوسع على قوى عاملة ماهرة ومؤهلة جيداً.
وتنتشر برامج رفع المهارات وإعادة التأهيل المرتبطة بالوظائف الخضراء على نطاق واسع، سواء للعاملين أو للمتعطلين عن العمل. ويُنظر إلى مهارات الاقتصاد الأخضر على نطاق واسع بوصفها وسيلة لإعادة تأهيل المتعطلين وتوجيههم إلى المهن التي تعاني نقصاً، كما في مبادرة الوظائف الخضراء في السويد لعام 2020. ويمكن أيضاً توجيه إعادة التأهيل ورفع المهارات مكانياً، ولا سيما في المناطق التي تشهد تراجعاً بسبب الانسحاب من الوقود الأحفوري وما يرتبط به من فقدان للوظائف، حيث يكون التدريب في الغالب جزءاً من حزمة أوسع من التدابير تشمل الإرشاد المهني. ففي مقاطعة ألبرتا الكندية مثلاً، يتضمن برنامج حكومة المقاطعة لانتقال القوى العاملة في قطاع الفحم تقديم المشورة المهنية في كل مكان عمل متأثر، إلى جانب المساعدة في كتابة السير الذاتية والاستعداد للمقابلات، والمساعدة المالية، وقسيمة للرسوم الدراسية خاصة بانتقال قطاعي الفحم والكهرباء يمكن استخدامها للالتحاق ببرامج إعادة التأهيل الممولة من القطاع العام. غير أن قضايا التشغيل التي أثارها التحول الأخضر كشفت في حالات كثيرة عن مواطن ضعف في منظومات تعليم الكبار، تتعلق بجودة ما تقدمه من تدريب، وبغياب برامج توصل التدريب إلى أشد الفئات حاجة إليه، ولا سيما ذوو المهارات المنخفضة، والعمال الأكبر سناً، والعاملون لحسابهم الخاص، والعاملون بدوام جزئي أو بعقود مؤقتة. فمنظومات تعليم الكبار في كثير من بلدان العالم، وخصوصاً في البلدان منخفضة الدخل، غير مكيّفة بالقدر الكافي مع احتياجات التعلم والممارسات والأساليب الملائمة للكبار.
أن تصبح الفلبين مركزاً إقليمياً لمهارات الطاقة المتجددة
في الفلبين، تقود وزارة الطاقة برنامجاً لإعادة تأهيل العمال ورفع مهاراتهم في مجال الطاقة المتجددة، وتحديداً في طاقة الرياح البحرية والطاقة الشمسية الكهروضوئية. ويرتبط البرنامج بالهدف الوطني المتمثل في رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 35% على الأقل بحلول عام 2030 و50% بحلول عام 2040، ويسعى إلى جعل البلاد مركزاً آسيوياً للتدريب وتسريع تطوير طاقة الرياح البحرية في الإقليم، وإنشاء نظام دولي لاعتماد القوى العاملة يتيح أيضاً للعمال الفلبينيين تلبية احتياجات القوى العاملة في مجال تحول الطاقة على المستوى العالمي. ومن الجهات الداعمة للبرنامج مشروع "فلبين آمنة طاقوياً" التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، الذي يقدّم دعماً لأبحاث المهارات وأنشطة لبناء القدرات وتعزيزاً موجهاً لمهارات القوى العاملة المرتقبة، وحكومة الدنمارك التي التزمت بدعم إعادة تأهيل ما لا يقل عن 50 ألف عامل تقني في قطاع الطاقة المتجددة ورفع مهاراتهم، وبحشد الدعم الدولي لنظام الاعتماد. وتتولى وزارة الطاقة كذلك تنسيق المواءمة مع المشاريع التنموية لجهات حكومية أخرى، كمشروع تنمية المهارات الذي تنفذه هيئة التعليم التقني وتنمية المهارات بدعم من بنك التنمية الآسيوي، وخطة تنمية الموارد البشرية للوظائف الخضراء في قطاع الطاقة المتجددة التي تعدها وزارة العمل والتوظيف بدعم من منظمة العمل الدولية. ويدرك القطاع الخاص أيضاً الدور الحاسم لتنمية المهارات، وهو ما تجلى في منتدى الموارد البشرية لصناعة الطاقة في الفلبين مؤخراً، حيث تمحورت النقاشات حول الاحتفاظ بالعمال، والاستثمار في مهاراتهم، وضمان فرص تنقل الكفاءات، ومنحهم إحساساً بالغاية من عملهم.
ويُعدّ تحديث مهارات المعلمين والمدربين أمراً حيوياً في هذا المجال، لا لتدريس المهارات التقنية الجديدة المطلوبة فحسب، بل لتدريس المهارات الأساسية والكفاءات العامة المطلوبة أيضاً. فتدريس مهارات وكفاءات كحل المشكلات والتفكير النقدي يتطلب مقاربات للتعليم والتعلم تتمحور حول المتعلم، وتتيح له الانخراط الفعال في تعلمه، كالتعلم القائم على المشاريع. ويمثل ذلك بالنسبة لكثير من المعلمين خطوة مبتكرة إلى الأمام، ولا بد أن يتضمن إعدادهم الأولي وتدريبهم المستمر هذه المقاربات الجديدة، كما في نيجيريا حيث راجعت إدارة إعداد معلمي التعليم المهني في مركز التعليم والتدريب والبحث التقني والمهني مناهجها لإعداد المعلمين وعدّلتها لتتضمن مقررين أخضرين إلزاميين في برنامج الدراسات العليا. ويحتاج المعلمون والمدربون كذلك إلى فرص للتواصل وتبادل الممارسات الجيدة مع أقرانهم، ومن ذلك أن برنامج "غرين إنتربرايز" في زيمبابوي يتضمن بناء شبكة من مؤسسات التعليم والتدريب المهني، وأن شبكة "بيلرس" في ألمانيا تدعم تطوير المواد التعليمية وتبادلها. ومن الأفضل أن يُدرج التطوير المهني للمعلمين والمدربين ضمن تدابير تصميم برامج التدريب وإعادة تصميمها.
وكثيراً ما تُدمج استجابات تنمية المهارات أيضاً في برامج تنمية المنشآت، ضمن حزمة من تدابير الدعم لمساعدة الأفراد على تأسيس الأعمال الخضراء وإدارتها. وتكتسب هذه البرامج أهمية خاصة في البلدان منخفضة الدخل والبلدان متوسطة الدخل التي تواجه في الغالب أكبر التحديات البيئية. ومن ذلك مثلاً أن برنامج الوظائف الخضراء في زامبيا يتضمن برنامج "ابدأ عملك في البناء الأخضر وطوّره"، الذي يستهدف رواد الأعمال الناشئين والراسخين في تطوير أعمال بناء مستدامة بيئياً، ويشمل حزمة تدريبية.
دعم تنمية المنشآت الخضراء في الهند
يضم اتحاد الصناعة الهندية مجلساً للطاقة المتجددة يشارك في كثير من أنشطة هذا المجال، كما يمتلك شبكة من مراكز التميز، منها مركز الأعمال الخضراء الذي يركز على الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، ومركز التميز للتنمية المستدامة، وهما يقدمان خدمات التدريب والاستشارات ويطوّران منتجات معرفية لقطاع الأعمال. وقد أُنشئ مركز الأعمال الخضراء بوصفه المعهد التنموي للاتحاد في مجال الممارسات والأعمال الخضراء، بهدف تقديم خدمات استشارية عالمية المستوى في مجال الحفاظ على الموارد الطبيعية. ومن خلال خدماته في إدارة الطاقة، والمباني الخضراء، والشركات الخضراء، والطاقة المتجددة، واعتماد المنتجات الخضراء، وإدارة النفايات، وعمليات الإنتاج الأنظف، يسعى المركز إلى دعم الهند لتصبح رائدة عالمياً في الأعمال الخضراء. ومنذ عام 2004، سجّل المركز أكثر من 13720 مشروعاً للمباني الخضراء، واعتمد أكثر من 8200 منتج ضمن علامته البيئية "غرين برو"، وأجرى أكثر من 2100 تدقيق للطاقة في أنحاء العالم، وسجّل أكثر من 1150 منشأة تصنيعية ضمن أداته لتقييم الاستدامة "غرين كو"، ويضم أكثر من 30 عضواً من الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا النظيفة. أما مركز التميز للتنمية المستدامة فهو مؤسسة غير ربحية تقودها الصناعة، تساعد الشركات على أن تصبح مؤسسات مستدامة ومهيأة للمستقبل ذات بصمة بيئية أفضل. ويعمل المركز مع طائفة واسعة من الشركاء في مجالات تدخل متعددة، منها الاقتصاد الدائري وبناء أعمال قادرة على الصمود، كتقديم التدريب الإداري لمساعدة الشركات على وضع أطر الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية ومتابعتها، وقد أصدر منشورات عديدة، منها ما يتناول الحد من غازات الدفيئة عبر سلسلة القيمة في صناعة الإسمنت.
ويمثل التركيز على الشمول جزءاً مهماً من كثير من التدخلات. فقد أدرجت بعض البلدان مفهوم الانتقال العادل في استراتيجياتها، كما في النمسا التي نشرت فيها الوزارة الاتحادية لحماية المناخ والبيئة والطاقة والتنقل والابتكار والتكنولوجيا عام 2023 خطة عمل استراتيجية الانتقال العادل في مجال التعليم والتدريب. ومن التدخلات الأكثر تحديداً التدابير المتخذة لتمكين الأفراد من الانتقال من الوظائف البنية إلى الوظائف الخضراء، وهي مهمة للتخفيف من الآثار السلبية للتحول على التشغيل في مجتمعات مناطق بعينها، ولمنع استياء واسع النطاق قد يهدد الدعم السياسي للتحول الأخضر. وتزايد كذلك اعتماد تدابير قائمة على النوع الاجتماعي لمواجهة هيمنة الرجال على المهن الأكثر استفادة من التحول الأخضر. ومن ذلك مثلاً إنشاء مختبر لريادة الأعمال النسائية في جزر الكناري الإسبانية، يشجع العمل الحر للنساء في قطاع التصميم والأزياء، ويدمج مفاهيم الاقتصاد الدائري والتصميم البيئي، وقد أفضى أيضاً إلى إنشاء مركز أفريقي لريادة الأعمال النسائية. أما إدماج ذوي الإعاقة فهو أقل بروزاً بكثير في تدابير التحول الأخضر، وإن كانت مهام مراكز المهارات القطاعية في بولندا تشمل تطوير مسارات للأشخاص ذوي الإعاقة.
وأخيراً، ينبغي للتدخلات الخاصة بالتحول الأخضر أن تضمن تزويد مقدّمي التعليم والتدريب التقني والمهني بالمهارات والمعارف والموارد اللازمة لتقديم المقررات والتدابير الجديدة والمحدّثة المذكورة آنفاً. بل إن لهؤلاء المقدّمين القدرة على أن يصبحوا منارات للممارسات الجيدة في الأجندة الخضراء داخل مجتمعاتهم، فلا يكتفون بتلبية احتياجات الاقتصاد، بل يعتمدون ممارسات خضراء تجعل منهم "نماذج حية" لما يعنيه العيش والعمل والتعلم على نحو مستدام. وبهذا المعنى، يمكنهم المساعدة في تحقيق التكامل بين التدخلات السابق ذكرها.
تغطية جميع العناصر الرئيسية على مستوى مقدّمي التعليم والتدريب التقني والمهني في بنغلاديش
في بنغلاديش، وبين عامي 2017 و2024، دعم مشروع "مهارات 21: تمكين المواطنين من أجل نمو شامل ومستدام" مؤسستين لإعداد المعلمين لتصبحا مركزين للتميز في المهارات، وسبعة معاهد للتعليم والتدريب التقني والمهني لتصبح معاهد نموذجية للتدريب على المهارات. وقد أشرفت على المشروع شراكة ضمت حكومة بنغلاديش، واتحاد أصحاب العمل في بنغلاديش، والمجلس الوطني لتنسيق التثقيف العمالي، ومنظمة العمل الدولية، بتمويل من الاتحاد الأوروبي. ونفّذ المشروع طائفة من الأنشطة، منها: إطلاق مجموعة من المبادرات الخضراء في معاهد التعليم والتدريب التقني والمهني، وتدريب المسؤولين فيها على تخضير هذا التعليم؛ ووضع دليل أخضر وتطبيقه ليكون إطاراً لتدخلات المعاهد، ودعمها في إعداد خطط عمل محددة؛ وتحديد فرص العمل المتاحة للخريجين في المنشآت والمهارات الخضراء، وتحديد العناصر الخضراء الواجب إدماجها في المؤهلات المعدّلة؛ وإنشاء حاضنات أعمال تقدم خدمات كريادة الأعمال الخضراء والتمويل، وتعيين مرشدين ذوي دراية بالأعمال الخضراء. ومن أبرز نتائج المشروع تدريب 2242 من مديري التعليم والتدريب التقني والمهني وكبار المدربين والمدربين والمقيّمين واعتمادهم؛ وتدريب 6791 شاباً وشابة في مقررات معتمدة، التحق نحو نصفهم بسوق العمل؛ ومشاركة 3498 شاباً وشابة في تدريب على تنمية ريادة الأعمال؛ واعتماد التعلم السابق لعدد 3595 عاملاً في الصناعة؛ وإعادة إدماج 3474 عاملاً مهاجراً في سوق العمل، إلى جانب تنمية مهارات أفراد أسرهم.
5.3. تدخلات المهارات من أجل التحول الرقمي
استجابت الحكومات على مدى العقود الأخيرة بطرق متنوعة لموجات التحول الرقمي. وتندرج هذه الاستجابات عموماً في ثلاث فئات: أولاها سياسات التعويض، كإعانات البطالة والدخل الأساسي الشامل، وتهدف إلى تقديم دعم مالي للعمال الذين أزاحهم التقدم التكنولوجي من وظائفهم؛ وثانيتها سياسات الاستثمار، وتركز على التعليم وإعادة التدريب وتنمية المهارات لتزويد العمال الجدد والمسرّحين على حد سواء بالكفاءات التي يتطلبها سوق العمل اليوم؛ وثالثتها سياسات التوجيه، وتشمل الاستراتيجية الصناعية والضرائب والتدابير التنظيمية، وتسعى إلى التأثير في وتيرة التغير التكنولوجي واتجاهه بما يضمن اتساقه مع الأهداف الاجتماعية والاقتصادية الأوسع. ونركز فيما يلي أساساً على الاستجابات المتعلقة بسياسات التوجيه وسياسات الاستثمار.
وبوجه عام، نفّذ كثير من البلدان سياسات شاملة للتعليم الرقمي لتوجيه إصلاح منظومات التعليم والتدريب، ومنظومات تنمية المهارات الأوسع، استجابةً للتحول الرقمي. ولا تقتصر هذه السياسات على تلبية احتياجات المهارات الرقمية الأساسية، بل تهدف أيضاً إلى إعداد القوى العاملة للتحديات التكنولوجية الناشئة كالذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، لا يكفي مجرد اكتساب المهارات الرقمية الأساسية، بل لا بد من استثمار متين في القدرات البشرية، بما في ذلك التعليم في مجال الذكاء الاصطناعي والتعلم مدى الحياة، لضمان قابلية التوظيف على المدى الطويل. وبالمثل، ينبغي أن تتكامل سياسات المهارات الرقمية تكاملاً جيداً مع استراتيجيات سوق العمل الأوسع، بما في ذلك العوامل الديموغرافية والمناخية وعوامل العولمة. وعلى المستوى العالمي، وُضعت أدلة إرشادية لدعم التحول الرقمي في التعليم؛ فمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) مثلاً تؤكد أهمية الاتصال والقيادة والقدرات والتكاليف والمحتوى. وفيما يخص التحول الرقمي للتعليم والتدريب التقني والمهني تحديداً، تؤكد الأطر المدعومة من اليونسكو أهمية بناء القدرات المؤسسية، والبحث والابتكار، والتعاون مع الصناعة، وإشراك المجتمع. وعلى المستوى القاري، أطلقت اليونسكو وشركاؤها عام 2021 المبادرة الأفريقية الشاملة للتحول الرقمي لمنظومات التعليم والتدريب التقني والمهني وتنمية المهارات في أفريقيا، بهدف إقامة منظومة متكاملة تمكّن من التحول الرقمي لهذه المنظومات في القارة. وعلى المستوى الوطني، وُضعت خطط رقمنة خاصة بالتعليم والتدريب التقني والمهني، كما في إثيوبيا، حيث أطلقت الحكومة عام 2020 خطة العمل القُطرية للمهارات الرقمية لمؤسسات التعليم العالي والتعليم والتدريب التقني والمهني، سعياً إلى تحقيق طموحها في إعداد قوى عاملة كفؤة ذات مهارات رقمية قادرة على تحديث قطاعات الزراعة والتصنيع والسياحة والتعدين. وتركز الخطة على وضع سياسات تمكينية، وإصلاح برامج التدريب، والتوسع في المقررات الإلكترونية، وتحسين الاتصال، وبناء قدرات العاملين.
واستجابةً للتحول الرقمي، تُطوَّر برامج تعليم وتدريب جديدة لتلبية الطلب المتزايد على المهارات الرقمية والوظائف الناشئة. ولا تقتصر هذه البرامج على التعليم والتدريب التقني والمهني النظامي، إذ يغتنم القطاع الخاص والقطاع غير النظامي أيضاً الفرص لتقديم تدريب موجّه. وسيساعد المزج بين برامج التعليم والتدريب، إلى جانب فرص رفع المهارات وإعادة التأهيل الموجهة وغيرها من فرص التعلم، المتعلمين على مواكبة أحدث الاتجاهات والتقنيات في مجالاتهم. ويمكن لبرامج التدريب القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تحسّن تحسيناً كبيراً تجربة التعلم ونتائجه معاً. وثمة مبادرات ومشاريع كثيرة تركز على تعزيز ملاءمة ما يقدمه التعليم والتدريب التقني والمهني في البلدان النامية، مع التركيز أيضاً على الاستجابة لاحتياجات المهارات الرقمية. ومن الأمثلة على ذلك مشروع اليونسكو "تعليم أفضل من أجل نهضة أفريقيا"، الذي يعمل في عدد من البلدان الأفريقية على تحسين منظومات التعليم والتدريب التقني والمهني، من تصميم المناهج وتقديمها إلى تقييم احتياجات سوق العمل في قطاعات اقتصادية محددة كالزراعة والبناء. كما يجري تطوير برامج تلمذة مهنية رقمية في أستراليا ومصر وماليزيا.
تنفيذ التلمذة المهنية بالتعلم الرقمي في ماليزيا
في ماليزيا، يعمل مركز تنمية الموارد البشرية في سيلانغور على التلمذة المهنية الرقمية من خلال إطلاق برنامج تلمذة مهنية لمدة عامين على مستوى الماجستير، يمزج بين التعلم الرقمي والتعلم العملي. وباستخدام التكنولوجيا جزءاً من هذه العملية، يطوّر المركز منهجاً جاهزاً للاستخدام يتيح الوصول عن بُعد، يصل من خلاله الطلاب إلى الموارد والتقييمات عن بُعد، بما يتيح تعلماً مرناً. وبالتعاون مع مرشدين من الصناعة، يؤكد المركز على التعلم التطبيقي وتجربة المستخدم. ويستكشف المركز حالياً أيضاً سبلاً لتمويل نموذج التعليم والتدريب التقني والمهني باعتماد مقاربة "سلاسل كتل التعلم"، إذ يمكن لمختلف الشركات، إذا تعاونت الجهات المعنية بهذا التعليم في تبادل المناهج، أن تجتمع وتضع مناهجها في "بنك" مشترك. ويمكن لمفاهيم التعلم القائمة على سلاسل الكتل هذه أن تساعد على خفض التكاليف، والاستغناء عن الوسطاء غير الضروريين، وجعل البرامج أيسر وصولاً. ولا تكتفي هذه المقاربة المبتكرة بخفض النفقات، بل تعزز أيضاً التعاون مع الصناعة، مبشّرة بنموذج مستدام للتلمذة المهنية الرقمية في ماليزيا.
وإضافة إلى ذلك، ثمة فرص للتدريب على المهارات خارج منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني النظامية، تهدف إلى تلبية الطلب المتزايد على المهارات الرقمية. ويمكن لتزويد الطلاب بمهارات رقمية متقدمة أن يمكّن الخريجين من التطلع إلى ما وراء سوق العمل المحلية بحثاً عن فرص في الاقتصاد الرقمي العالمي. وقد ازداد التأكيد في السنوات الأخيرة على أن التعليم الرقمي لا يخلو من عواقب سلبية. فتقرير اليونسكو للرصد العالمي للتعليم لعام 2023، استناداً إلى الأدلة المتاحة، يوضح أن استخدام التكنولوجيا في التعليم ليس دواءً لكل داء، بل ينطوي أيضاً على آثار سلبية، ويدعو إلى أن تُتخذ القرارات المتعلقة باستخدام التكنولوجيا في التعليم بما يعطي الأولوية لاحتياجات المتعلمين، بعد تقييم مدى ملاءمة تطبيقها وإنصافه واستناده إلى الأدلة واستدامته.
الاستجابة للطلب المتزايد على المهارات الرقمية عبر التعاون الدولي في باكستان
تعاون صندوق تنمية المهارات في إقليم البنجاب الباكستاني مع منصة كورسيرا لتمويل مقررات هجينة وإلكترونية معترف بها دولياً من كبرى الجامعات، تركز أساساً على المجالات الرقمية كالتصميم الجرافيكي والتسويق الرقمي وتطوير الألعاب والدعم التقني لتكنولوجيا المعلومات. وقد وجد أحد التقييمات أن 1200 طالب أتموا مقررات كورسيرا المعترف بها دولياً عبر منصة الصندوق، وأن دخلهم ارتفع ارتفاعاً كبيراً نتيجة لذلك.
وتستلزم الوتيرة المتسارعة للتحول الرقمي رفع المهارات وإعادة التأهيل بصورة مستمرة من خلال منظومات التعلم مدى الحياة. فمع تطور التقنيات ومتطلبات الوظائف، ينبغي للأفراد تحديث مهاراتهم بانتظام بدلاً من الاعتماد على تعليم يُكتسب مرة واحدة. فالناس يكتسبون الكفاءة في المهارات الرقمية أو يفقدونها تبعاً لمدى استخدامهم لها، في حين تولّد التقنيات الناشئة والظروف الاجتماعية والبيئية المتغيرة طلباً مستمراً على كفاءات جديدة. وفي هذا السياق، يكتسب تعزيز برامج تعليم الكبار أهمية خاصة، ولا سيما من خلال التدريب في أثناء العمل، والحوافز المالية، والإدماج الرقمي في منظومات التعليم والتدريب. وتُعدّ السياسات الداعمة لتعليم الكبار، كالتدريب الإلكتروني والشهادات الموحدة وحملات التوعية الموجهة، أساسية لتعزيز الإلمام الرقمي وضمان تمكين جميع فئات السكان من التعامل مع متطلبات العصر الرقمي.
ومن الأمثلة ذات الصلة على السياسات إعانات إعادة التدريب في الدنمارك، التي ثبت أنها تخفف من الآثار السلبية للأتمتة بمساعدة العمال في الوظائف الروتينية على الانتقال إلى أدوار جديدة وتحسين آفاق توظيفهم. وبالمثل، أسهمت برامج التدريب ورفع المهارات في ألمانيا في الحد من الأثر السلبي للأتمتة على الرضا الوظيفي وإحساس العمال بهويتهم. وإضافة إلى ذلك، تُطلق برامج عامة لرفع مستوى الإلمام الرقمي لدى السكان، مدفوعة في الغالب بتزايد الاعتماد على الأدوات الرقمية للوصول إلى الخدمات العامة، كدفع الضرائب أو حجز المواعيد الطبية. ومن الأمثلة على ذلك برنامج "أولا مينتور" في إسبانيا، الذي يقدم مقررات إلكترونية للمتعلمين الكبار في مجالات متنوعة، منها الإدارة والزراعة والتصميم الجرافيكي والتسويق والإلكترونيات والسياحة والعناية الشخصية والإنتاج الإعلامي، مع التركيز على المهارات العملية للتطور المهني والشخصي. ومن الأمثلة الأخرى منصة "أوفنن" في هولندا، التي تقدم تدريباً إلكترونياً على المهارات الرقمية للكبار.
ولدعم منظومات التعليم خلال التحول الرقمي، لا بد من استثمار كبير في البنية التحتية الرقمية وفي الكفاءات الرقمية للمعلمين والمدربين معاً. فيجب أن تصبح المدارس مجهزة رقمياً، بما ينعكس على بنيتها التحتية وعملياتها والجاهزية الرقمية لكوادرها، من الإدارة إلى المعلمين. غير أن كثيراً من المعلمين لا يزالون يفتقرون إلى الثقة في استخدام التقنيات الرقمية، مما يستلزم استثمارات كبيرة في إعدادهم الأولي وتدريبهم المستمر. وفي أقاليم كأفريقيا خصوصاً، لا تزال هناك تحديات كبيرة، منها قصور البنية التحتية للتعليم والتدريب، ونقص المعلمين المتمكنين رقمياً، ومحدودية المحتوى المحلي، وارتفاع تكلفة الأجهزة والوصول إلى الإنترنت. وتحول هذه العوامل مجتمعة دون الإدماج الفعال للتعليم والتدريب الرقميين. ويمكن أن تتعلق المبادرات السياساتية بتطوير بنى تحتية تعليمية شاملة ومتكاملة. ومن الأدوات المهمة لاختبار الجاهزية الرقمية للمدارس ومؤسسات التعليم والتدريب التقني والمهني أداة التقييم الذاتي "سيلفي" التابعة للمفوضية الأوروبية، التي تتناول أبعاداً متعددة منها البنية التحتية وكفاءات المعلمين والمدربين والقيادة.
مبادرات سياساتية لتطوير بنى تحتية تعليمية شاملة ومتكاملة في كينيا والصين
في كينيا، تنص مسودة السياسة الوطنية للتطوير المهني المستمر لمدربي التعليم والتدريب التقني والمهني صراحة على الحاجة إلى الكفاءات الرقمية لهؤلاء المدربين، وعلى استخدام البنى التحتية الرقمية لتهيئة منظومة هذا التعليم على نحو أفضل للاحتياجات الناشئة. وتشير السياسة إلى قضايا وقيود كثيرة، منها التوزيع غير المتكافئ والمحدود للبنية التحتية الرقمية، ونقص إمدادات الكهرباء وعدم انتظامها، وتحديات الإلمام الرقمي لدى المدربين، والتطور السريع للتقنيات الرقمية، وأخيراً ضعف إقبال المدربين على اكتساب المهارات الرقمية واستخدامها. واستجابةً لذلك، ستعمل الحكومة على مزيد من إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التطوير المهني المستمر لهؤلاء المدربين. وفي الصين، تحدد ورقة الإصلاح الحكومية لعام 2023 بشأن المهام الرئيسية لتسريع تطوير منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني الحديثة وإصلاحها خططاً لإنشاء نحو 200 قاعدة تدريب افتراضية وطنية من الدرجة الأولى، ونحو 1000 قاعدة تدريب افتراضية إقليمية نموذجية في مختلف المقاطعات والمدن بحلول عام 2025، لدعم برامج هذا التعليم المقدمة افتراضياً. وتهدف هذه المبادرة إلى تعزيز الابتكار في نماذج التعليم والتدريب العملي في قطاع التعليم والتدريب التقني والمهني.
ومن الجوانب الأخيرة التي يمكن رصدها في البلدان التي تهيئ اقتصادها ومجتمعها لجني منافع التحول الرقمي الحاجةُ إلى توفير الظروف التي تتيح تحقق الابتكار الرقمي وتمكّن الناس من توظيف مهاراتهم الرقمية. وتتطلب تهيئة الظروف للتحول الرقمي إيجاد بيئة داعمة تشجع الابتكار وريادة الأعمال في القطاع الرقمي، بما في ذلك إنشاء منظومات للتمويل والدعم للشركات الناشئة، وهي منظومات حاسمة لتعزيز اقتصاد رقمي ديناميكي. وتُعدّ السياسات الرامية إلى انفتاح الأسواق أساسية، لأن التقنيات الرقمية تعيد تشكيل المنافسة والتجارة والاستثمار تشكيلاً عميقاً. ولتعزيز القدرة التنافسية والابتكار، ينبغي للحكومات أن تخفض الحواجز أمام التجارة والاستثمار، وأن تعزز قانون المنافسة، وأن تيسر وصول الشركات والمواطنين إلى التكنولوجيا. وفضلاً عن ذلك، ينبغي توفير شروط التمويل والدعم للشركات الناشئة وريادة الأعمال في المجال الرقمي. ففي نيجيريا، ركزت السياسة الوطنية للابتكار الرقمي وريادة الأعمال للفترة من 2021 إلى 2023، ضمن جملة أمور، على إتاحة الوصول إلى رأس المال، وتوفير بنية تحتية تمكينية، وتعزيز ريادة الأعمال الرقمية.
العمل الدولي لتعزيز المهارات الرقمية
أُطلقت حملة المهارات الرقمية عام 2017 بقيادة الاتحاد الدولي للاتصالات ومنظمة العمل الدولية، بهدف توسيع نطاق العمل وتعزيز تشغيل الشباب من خلال تزويدهم بالمهارات الرقمية. وتعالج الحملة، عبر تحالف يضم جهات معنية متعددة، فجوات المهارات الرقمية بتشجيع الشركاء على تقديم التزامات بالاستثمار في التدريب على هذه المهارات. وتنطلق الحملة من أن هذا الاستثمار استراتيجية رابحة للطرفين، إذ يعالج فجوة المهارات بزيادة قابلية الشباب للتوظيف، ويستحدث وظائف جيدة، ويحفز الابتكار في جميع قطاعات الاقتصاد الرقمي. وقد حصلت الحملة على التزامات من شركاء عديدين، منهم حكومات والقطاع الخاص وبنوك التنمية ومؤسسات خيرية ومنظمات يقودها الشباب وغيرها من منظمات المجتمع المدني. ومن الإجراءات المتخذة: تمويل برامج لتنمية المهارات الرقمية للشباب وتصميمها وتنفيذها، ومنها برامج تركز على الفئات المحرومة كالشابات والشباب ذوي الإعاقة؛ وإدماج التدريب على المهارات الرقمية في برامج التلمذة المهنية وبرامج التعليم والتطوير المهني في مختلف القطاعات والصناعات ولرواد الأعمال الشباب؛ وتطوير قدرات مقدّمي التعليم والتدريب والمعلمين والمدربين وتعزيزها لتقديم المهارات الرقمية وتكييف المناهج مع احتياجات الشباب، من خلال التطوير المهني وأنشطة ريادة الأعمال والتعلم في أثناء العمل والتوظيف. وبفضل هذه الأنشطة، زُوّد أكثر من 23 مليون شاب وشابة بالمهارات الرقمية منذ عام 2017، بدءاً من مهارات الحوسبة الأساسية وصولاً إلى مهارات أكثر تقدماً مرتبطة بالأمن السيبراني والتحول الأخضر.
وثمة تحديات محددة لا تزال تؤدي دوراً رئيسياً في جميع المبادرات السياساتية التي جرت مناقشتها. فالفجوات المستمرة بين الجنسين في المهارات والوظائف الرقمية قد تعيق وصول النساء إلى وظائف وظروف عمل جيدة. ويمكن العثور في أنحاء العالم على أمثلة لسياسات تهدف إلى سد الفجوة بين الجنسين في المهارات الرقمية، وفي مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بوجه أعم. ومن المبادرات اللافتة النابعة من القاعدة مشروع "المرأة في التعليم التقني والتنمية" الأفريقي، الذي صمم دليلاً لدعم التقييم الذاتي وتخطيط الإجراءات الرامية إلى زيادة مشاركة النساء في هذه المجالات وفي مؤسسات التعليم والتدريب التقني والمهني. وفضلاً عن ذلك، قد يؤثر إدماج الذكاء الاصطناعي التوليدي وغيره من التقنيات الرقمية في جودة الوظائف، فيمس كثافة العمل وظروفه واستقلالية العاملين. ولذلك تبرز الحاجة إلى تدخلات سياساتية موجهة تعالج الاحتياجات الخاصة بكل من الجنسين، وتستثمر في المهارات ذات الصلة بالمهن النامية في الاقتصادين الرقمي والأخضر. ويمكن لتعزيز الحوار الاجتماعي بين منظمات العمال وأصحاب العمل خلال مرحلة الانتقال إلى إدماج الذكاء الاصطناعي أن ييسر الممارسات العادلة في اعتماد التقنيات الجديدة، بما يضمن ألا تقتصر السياسات على إعادة التوظيف، بل تعزز جودة الوظائف أيضاً. ويشكّل اقتصاد العمل الحر وما يشبهه من نماذج الأعمال الناشئة ضغطاً على النسيج الاجتماعي القائم. وإجمالاً، يُستبعد أن تتمكن المبادرات السياساتية المذكورة آنفاً من التغلب كلياً على الفجوة الرقمية، وقد تلزم إجراءات إضافية لضمان وظائف وظروف عمل جيدة، بما في ذلك ضمن نماذج الأعمال الجديدة التي يغذيها التحول الرقمي.
5.4. تدخلات المهارات التي تجمع بين البعدين الأخضر والرقمي
كما سبقت الإشارة في هذا التقرير، تقل كثيراً الأدبيات التي تتناول التحولين الأخضر والرقمي بصورة متكاملة. وبالمثل، فيما يتعلق باستجابات المهارات، تقل كثيراً أمثلة السياسات والممارسات التي تعالج التحولين في آن واحد. وفي الوقت ذاته، يُرجَّح أن ينطبق كثير من الملاحظات السابقة بشأن السياسات والممارسات على الجمع بين التحولين. ويبدو أن ثمة التقاءً متزايداً بين تنمية المهارات الخضراء والرقمية، إذ تقيم منظومات التعليم والتدريب روابط قوية بينهما. ومن ثمّ يمكن إبداء بعض الملاحظات المحدودة.
أولاً، تبدو الاستراتيجيات والسياسات التي تعالج مهارات التحولين الأخضر والرقمي معاً استثناءً لا قاعدة. ومن هذه الاستثناءات استراتيجية الانتقال العادل في النمسا، المذكورة آنفاً، التي تشمل التقنيات الخضراء، وخطة العمل بشأن الوظائف الخضراء والرقمية التي أعدتها حكومة هولندا، والتي تتوقع أن يؤدي النقص في المهارات الخضراء ومهارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات معاً إلى إبطاء الجهود الرامية إلى بلوغ الأهداف المناخية للبلاد لعامي 2030 و2050 إبطاءً كبيراً، وتتضمن أدواراً للجهات المعنية الوطنية والإقليمية والمحلية في القطاعين العام والخاص.
ثانياً، فيما يتعلق بتقديم التعليم والتدريب، تُعدّ رقمنة عمليات الإنتاج وتقديم الخدمات في مكان العمل حالياً محركاً قوياً لرقمنة التعليم والتدريب التقني والمهني. ونتيجة لذلك، فإن انتشار الأدوات الرقمية في مجال الاستدامة البيئية، ومن ثمّ في الوظائف الخضراء، يعني أن المهارات الرقمية كثيراً ما تُدرَّس بصورة تلقائية، لأن موضوع التدريب ينطوي على تقنيات من نوع أو آخر، كما في المقررات الكثيرة القائمة أو التي تُطلق حالياً في مجال التقنيات الذكية المرتبطة بالطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.
ثالثاً، قد ينطوي الجمع بين البعدين الأخضر والرقمي على تطوير برامج لمهن جديدة في مجال التكنولوجيا الخضراء، لكنه قد ينطوي أيضاً على استخدام أعم للأدوات الرقمية في تعليم الموضوعات المرتبطة بالاستدامة البيئية وتعلمها. وفي أوروبا، لوحظ أن التعلم المدمج كثيراً ما يكون مكوناً أساسياً في كثير من المشاريع المرتبطة بالتحول الأخضر في التعليم والتدريب التقني والمهني. وعلى نحو أكثر طموحاً، قد يشمل ذلك أيضاً ابتكار منتجات وخدمات رقمية للتحول الأخضر ضمن المناهج المدرسية، من خلال التعلم القائم على المشاريع مثلاً. ففي لاتفيا، تنشئ مدرسة مهنية للبستنة "حديقة ذكية" تستخدم روبوتاً لرصد صحة النباتات ونظام ري ذكياً يُتحكم فيه من محطة أرصاد جوية محلية. وفي لوكسمبورغ، تتيح إحدى الدورات التدريبية للمتعلمين التأمل في البصمة البيئية للأدوات الرقمية، وتعلّمهم سبل الحد منها.
رابعاً، من التطورات العالمية المهمة الشبكة المتنامية لمراكز التميز المهني، التي تمتلك القدرة على الجمع بين البعدين الأخضر والرقمي بطرق جديدة ومثمرة، من خلال ربط المهارات والبحث والابتكار وتنمية الأعمال. ومن ذلك مثلاً حرم أنظمة الطاقة الذكية في إقليم أوفيرن رون ألب الفرنسي، وهو جزء من شبكة وطنية لمراكز التميز المهني، ويجمع أكثر من 100 جهة معنية من قطاع الأعمال والبحث العلمي والتعليم والتدريب التقني والمهني والتعليم العالي، إلى جانب الحكومات المحلية، لتطوير منتجات جديدة وتقييم احتياجات المهارات وتصميم التعليم والتدريب الملائمين.
مركز إقليمي للتميز في التدريب على الطاقة المتجددة في الجنوب الأفريقي
على الحدود بين زامبيا وزيمبابوي، يقدّم مركز كافوي غورج الإقليمي للتدريب حلولاً تدريبية متخصصة في الطاقة الكهرومائية والمجالات المرتبطة بها في أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ويخضع المركز لإشراف مجلس أمناء إقليمي يضم ملاوي وإسواتيني وجمهورية تنزانيا المتحدة وأوغندا وزامبيا وزيمبابوي، وقد اعترفت به رابطة مرافق الطاقة في أفريقيا مركزاً للتميز. وكان المركز شريكاً رئيسياً في تنفيذ مشروع "مهارات الطاقة في الجنوب الأفريقي" للفترة من 2021 إلى 2024، وهو شراكة بين القطاعين العام والخاص أطلقتها منظمة العمل الدولية والحكومة السويدية، بهدف تزويد الإقليم بفنيين ومهندسين ومديرين في مجال الطاقة يتمتعون بمهارات تقنية معززة تمكّنهم من تطبيق أحدث تقنيات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة وإدارتها والترويج لها. ونجح المشروع في تطوير 26 مقرراً تغطي النطاق الواسع من الموضوعات اللازمة في هذا المجال، منها تقنيات التوربينات الغازية بالتعاون مع شركة سيمنز، وإدماج مصادر الطاقة المتجددة في الشبكة، والنمذجة المالية، وإدارة الأصول، وتقييم الأثر البيئي والاجتماعي لمشاريع الطاقة المتجددة. وقُدّم التدريب لأكثر من 1100 مشارك، منهم نساء حصلن على منح دراسية من المشروع تشجيعاً لمشاركة المرأة. وأُقيمت سبع عشرة شراكة مع منشآت خاصة في قطاع الطاقة، حشدت مساهمات بلغت 400 ألف دولار أمريكي لتطوير المقررات وتقديمها وتوفير المعدات المرتبطة بها.
5.5. التحديات الحرجة
تشير الأدلة المستقاة من الأدبيات إلى أن التحولين الرقمي والأخضر يطرحان تحديات متشابهة إلى حد كبير فيما يتعلق بضمان قدرة منظومات التعليم والتدريب على تلبية الطلب المتطور على المهارات. ولذلك يستكشف هذا القسم كيف تتشكل هذه التحديات عند نقطة تقاطع التحولين، مع إبراز أي فوارق مهمة بينهما.
ولعل أهم التحديات الشاملة، ولا سيما في ضوء الإسقاطات التي يبرزها هذا التقرير، أن عرض المهارات الرقمية ومهارات الاقتصاد الأخضر متأخر عن الطلب عليها، مما يؤدي إلى اختناقات كبيرة في المهارات. ويعود ذلك إلى جملة من مواطن الضعف المترابطة في منظومات تنمية المهارات.
والتحدي الحرج الأول هو ضعف الاتساق والتنسيق بين مجالات السياسات المختلفة أو الأوساط المعنية بها، وبين الإدارات الحكومية. فالبعدان الأخضر والرقمي قضيتان شاملتان، ويصعب على الهياكل الحكومية المنظمة عمودياً وهرمياً والمنعزلة في جزر مستقلة أن تتعامل مع مثل هذه القضايا. وينطبق ذلك على كل تحول منفرداً، إذ تظل الروابط في كثير من البلدان بين السياسة البيئية وسياسات سوق العمل أو المهارات محدودة. غير أن الجمع بين التحولين الأخضر والرقمي على مستوى السياسات والاستراتيجيات والتمويل يشكّل تحدياً مضاعفاً، لأنه يتطلب معالجة قضيتين شاملتين في آن واحد. وفي غياب مواءمة قوية، تتعرض أطر الاستراتيجيات والتمويل لخطر أن تصبح ظرفية ومجزأة، رغم فاعلية الاستجابات القطاعية. ويتطلب التعامل مع ذلك مستوى عالياً من التنسيق الفعال داخل الحكومة.
ويتعلق التحدي الحرج الثاني بقدرة منظومات المهارات على الاستجابة للمتطلبات الجديدة في سوق العمل. فضعف الاستجابة ومحدودية الملاءمة لسوق العمل في منظومات تنمية المهارات من القضايا العالمية المزمنة. وتكشف تحديات المهارات التي يفرضها التحولان هذه المشكلة بوضوح شديد، لأنهما يفرضان متطلبات جديدة تستدعي استجابات سريعة، كثيراً ما تكون في أطر زمنية قصيرة ووسط قدر كبير من عدم اليقين، كذلك الذي ولّده ظهور الذكاء الاصطناعي. وتعني مواجهة هذه التحديات امتلاك منظومات فعالة لاستشراف المهارات توفر أساساً تجريبياً متيناً لفهم احتياجات المهارات، وامتلاك القدرة على تصميم برامج جديدة وتحديث البرامج القائمة وتقديمها بسرعة وكفاءة. وتتحمل الحكومات مسؤولية خاصة في التحول الأخضر، لأنها تؤدي دوراً في تهيئة بيئة مواتية لأسواق المنتجات الخضراء، ومن ثمّ للطلب على العمالة، وفي تشكيل عرض هذه العمالة في آن واحد، كما أنها محورية بالقدر نفسه في ضمان النظر في التحولين الأخضر والرقمي معاً. وبالمثل، فإن المتطلبات الجديدة للتحولين من حيث السرعة والمرونة اللازمتين في تنمية المهارات قد تعني إعادة النظر في كيفية عمل الجهات المعنية الرئيسية في القطاعين الخاص والعام معاً، والتفكير في سبل تحسين تعاونها، وفي أدوارها ومسؤولياتها النسبية في تصميم التعليم والتدريب التقني والمهني وتقديمه. وقد تكون التلمذة المهنية مفتاحاً في هذا الشأن، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤديه الصناعة في تحديد محتوى التدريب وطريقة تقديمه.
والتحدي الثالث، الوثيق الصلة بالتحديين السابقين، هو كيفية إشراك مجموعات واسعة من الجهات المعنية وإدارتها. فالمنظومات المستجيبة للمهارات تعتمد على جودة التفاعل مع الجهات المعنية ذات الصلة، ولا سيما الشركاء الاجتماعيين، على النحو الذي تؤكده توصية منظمة العمل الدولية بشأن تنمية الموارد البشرية لعام 2004. ويعني التحولان الرقمي والأخضر توسيع دائرة هذه الجهات لتضم مصالح وشواغل ورؤى جديدة حول احتياجات المهارات. ويلزم إشراك فعال للجهات المعنية على جميع المستويات، من مستوى السياسات الوطنية، كمجلس مهارات الوظائف الخضراء في الهند الذي يضم مجلسه الإداري ممثلين عن الوزارات الحكومية وهيئات أصحاب العمل، إلى جانب أصحاب عمل أفراد، وصولاً إلى المستوى الإقليمي أو القطاعي، كالشبكة الإقليمية لمراصد التشغيل والتدريب في فرنسا. ويجب أن تشعر الجهات المعنية بملكيتها لعمليات تنمية المهارات من خلال تعاون وشراكات حقيقية. ومن التطورات اللافتة ظهور الشراكات الإقليمية ومراكز التميز المهني، إذ يُظهر كثير من هذه المراكز سجلاً ناجحاً في تلبية الاحتياجات القطاعية والإقليمية، وفي تحقيق أوجه التآزر بين التحولين من خلال إدماج البحث والتطوير والابتكار وتنمية المنشآت وتنمية المهارات، كشبكة مراكز التميز المهني في فرنسا في مجال تحول الطاقة والصناعة البيئية.
ويتعلق التحدي الرابع بضمان قدرة المعلمين والمدربين على تنفيذ التطورات المطلوبة. فكما سبقت الإشارة، لا يقتصر الأمر على التأكد من قدرتهم على تدريس موضوعات المناهج الجديدة، وإن كان ذلك تحدياً في حد ذاته، بل يعني تغيير العقليات بحيث يمكن تقديم البرامج الرقمية والخضراء بأساليب تدريس جديدة. ورغم أن هذا الأمر قد يكون أقل أهمية لأنواع المهن التي تتناولها إسقاطات التشغيل، فإنه يظل مفتاحاً لنجاح التحولين الأخضر والرقمي. ومن التحديات في هذا الشأن: افتقار الحكومات في الغالب إلى الأدوات المناسبة للتدخل في الإعداد الأولي للمعلمين؛ وصعوبة إعادة تأهيل المدربين ورفع مهاراتهم، إذ كثيراً ما لا يكون دورهم ذا طابع مهني مؤسسي ولا تُشترط لهم مؤهلات في طرائق التدريس؛ وطبيعة التغيير في المنظومات المدرسية ووتيرته، فهو بطيء تقليدياً ويعتمد اعتماداً كبيراً على قرارات فرق القيادة المدرسية والمعلمين أنفسهم. ويُعدّ ضمان اقتناع المعلمين والمدربين بالتحولين الأخضر والرقمي وشعورهم بملكيتهما أمراً أساسياً للنجاح، ولا سيما أن المناهج وأساليب التدريس الخضراء والرقمية تُطبَّق على مستوى المدرسة والفصل الدراسي، وهناك يمكن تحقيق أوجه التآزر بين البعدين.
ويتعلق التحدي الحرج الخامس بالحاجة إلى البنية التحتية والمعدات داخل منظومات تنمية المهارات لتنمية المهارات الخضراء والرقمية المطلوبة. فالتدريب على هذه المهارات كثيراً ما يتطلب تقنيات ومعدات جديدة، إلى جانب وصول موثوق إلى الإنترنت لاستخدام الأدوات الرقمية بفاعلية. وفي منظومات التعليم والتدريب التقني والمهني في البلدان النامية خصوصاً، يعيق نقص المعدات والمواد المرتبطة بالتحول الأخضر، كالألواح الشمسية الكهروضوئية، وضعف الاتصال عريض النطاق، الجهودَ الرامية إلى بناء القدرات اللازمة للاقتصادين الأخضر والرقمي.
ويتعلق التحدي الحرج الأخير بأفضل السبل لمعالجة قضايا الشمول، وتحديداً المساواة بين الجنسين. فكثيراً ما تُعالج هذه القضايا على نحو ظرفي قائم على المشاريع، وهو ما قد يفيد في لفت الانتباه إليها، لكنه يعني أنها تدخلات محدودة زمنياً. ويصدق ذلك مثلاً حين تُنهى الأنشطة القائمة على الوقود الأحفوري، إذ لا تُعالج الآثار طويلة الأمد بالضرورة معالجة فعالة، بل قد لا تُعالج أصلاً، كما يشهد على ذلك التدهور الدائم لكثير من مجتمعات مناطق الفحم حول العالم، بما تعانيه من أنماط مزمنة من ارتفاع البطالة والعمالة الناقصة واستمرار مستويات الفقر المرتفعة، نتيجة تكرار المعالجات المؤقتة السطحية للتراجع الصناعي. وفيما يتعلق بقضايا النوع الاجتماعي، فإن النساء ممثَّلات تمثيلاً ناقصاً في التدريب على المهارات الرقمية وفي الوظائف الرقمية، لكنهن في الوقت ذاته ممثَّلات تمثيلاً زائداً في المهن المعرضة لخطر أكبر لفقدان الوظائف بسبب الأتمتة، كالمهن المكتبية. ولذلك يجب أن تتجاوز التدخلات استحداث برامج للمهارات مخصصة للنساء وتمويلها، لتعالج أيضاً المواقف المتحيزة الراسخة التي أضفت طابعاً ذكورياً على كثير من المهن، وهو ما يتطلب جهوداً مستدامة وطويلة الأمد. وتبرز قضايا كهذه أهمية وضع استراتيجيات متماسكة وشاملة، مقرونة بالتزامات تمويلية طويلة الأجل، لضمان توزيع عادل اجتماعياً لتكاليف التحولين الأخضر والرقمي ومنافعهما.
