القائمة الرئيسية

القوى العاملة 2030: المهارات اللازمة للازدهار في ظل التحولين الأخضر والرقمي (6/1)

القوى العاملة 2030: المهارات اللازمة للازدهار في ظل التحولين الأخضر والرقمي (6/1)
ملخص الدراسة

يستكشف هذا التقرير التحديات غير المسبوقة التي تفرضها الأزمات المناخية والبيئية المتفاقمة، إلى جانب التسارع في التحول الرقمي (بما في ذلك الذكاء الاصطناعي)، ويركز على تأثيرات كل منهما، وتفاعلهما المشترك، على التشغيل والمهارات على المستوى العالمي. يشدد التقرير على الحاجة الملحّة للبنى التحتية الحيوية (مثل الطاقة المتجددة والنطاق العريض) لدعم هذه التحولات وتحقيق أهداف المناخ والتنمية المستدامة، مع الإشارة إلى أن التقدم في الحلول لا يزال بطيئاً. ويقدم تحليلاً وإسقاطات لآثار هذه التحولات على خلق الوظائف وفقدانها وتغير احتياجات المهارات، مبرزاً التحدي المتمثل في تأخر منظومات تنمية المهارات عن مواكبة هذه المتطلبات المتغيرة، وينتهي بتقديم استنتاجات وتوصيات سياساتية للتغلب على هذه العقبات وضمان انتقال عادل وفعّال.

 

1. المقدمة

1.1. الحاجة إلى هذا التقرير

تتراكم الأدلة على أن التحديات المناخية والبيئية الناجمة عن النشاط البشري تمثّل تهديدات غير مسبوقة للبشرية، وأنها تتواصل بوتيرة متسارعة، إذ تُحطَّم الأرقام القياسية لدرجات الحرارة والظواهر الجوية عالمياً وإقليمياً عاماً بعد عام. وتتنامى المخاوف من أن تكون الأرض مقتربة من نقاط تحوّل حرجة، كالذوبان المفاجئ للتربة الصقيعية أو انهيار تيار الخليج في شمال الأطلسي، قد تؤدي إلى تحولات لا رجعة فيها في المناخ والطقس، بما يحمله ذلك من انعكاسات هائلة على النشاط البشري، ومنها المهارات والوظائف اللازمة للتخفيف من تغيّر المناخ والتكيف معه. وتشير الأدلة إلى أن العمل المناخي قادر على تحقيق صافي استحداث للوظائف في مجالات الطاقة المتجددة والحلول القائمة على الطبيعة والاقتصاد الدائري، غير أن هذه المكاسب ينبغي أن تُوزن مقابل خطر فقدان الوظائف في قطاعات الوقود الأحفوري. وبعيداً عن الأرقام، يظل ضمان العمل اللائق وظروف العمل العادلة والأجور الكافية مصدر قلق قائماً.

ونشهد كذلك رقمنة متزايدة لعالمنا. فقد ظلت الرقمنة سمة من سمات العمل والحياة منذ أكثر من أربعة عقود، إذ جلبت موجاتٌ سابقة من التقنيات الرقمية أشكالاً جديدة من الأتمتة، ثم جاءت جائحة كوفيد 19 لتسرّع استخدام الأدوات الرقمية في العمل والتعليم والتدريب وفي المنازل، حيث أسهمت في تشكيل السلوك الرقمي للمستهلكين. ونقف اليوم على أعتاب موجة تكنولوجية جديدة مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة بسهولة، وتزايد الاهتمام بمدى تعرّض الوظائف لخطر الأتمتة، وبفرص تعزيز الإنتاجية، وبخطر نشوء فجوات رقمية وفجوات في الذكاء الاصطناعي.

ويُقصد بالتحول الأخضر في هذا التقرير، نظراً لتركيزه على التشغيل والمهارات، التغيرات التي تحدث أو ستحدث في الاقتصاد نتيجة الإجراءات المتخذة لمكافحة تغيّر المناخ الناجم عن النشاط البشري ومواجهة تحديات بيئية أخرى كفقدان التنوع البيولوجي ومكافحة التلوث بوجه عام، فهو إذن عملية تحويل العمليات الاقتصادية لتصبح أكثر استدامة بيئياً. ويرتبط هذا المفهوم بمفهوم الانتقال العادل دون أن يكون مرادفاً له، ويشمل الاقتصاد الأخضر والوظائف الخضراء. أما التحول الرقمي فهو عملية دمج التقنيات الرقمية في العمل والحياة.

ولكلا التحولين الأخضر والرقمي عواقب مهمة على التشغيل والمهارات، قائمة ومستمرة، سواء من حيث استحداث الوظائف وزوالها واحتياجات المهارات، أو من حيث مدى عدالة توزيع هذه الآثار أو تفاوتها بين فئات السكان. ومن المهم دراسة هاتين الظاهرتين منفردتين ومجتمعتين، حتى يُفهم التفاعل المحتمل بينهما على نحو أفضل، وتُتخذ الخطوات المناسبة على صعيد السياسات والممارسة. وبهذا الهدف أُعدّ هذا التقرير.

1.2. البنى التحتية الحيوية

سيكون من الضروري على المستوى العالمي إرساء بنى تحتية حيوية إذا أُريد بلوغ الأهداف المناخية وتحقيق منافع الرقمنة والتحول الأخضر وتقاسمها بإنصاف. بل إن التفاعل بين الجانبين الأخضر والرقمي، كما يبيّن هذا التقرير، يجعل هذه البنى التحتية محورية لتحقيق أوجه التآزر المحتملة بين التحولين لصالح البشرية جمعاء. فالتقنيات الرقمية، على سبيل المثال، قادرة على أداء دور حيوي في التحول الأخضر، إذ توفّر الاتصال والنفاذ إلى التقنيات الخضراء الجديدة التي يمكن أن يستخدمها المواطنون والمؤسسات على حد سواء، في حين تُعدّ الطاقة المتجددة ضرورية لتشغيل التحول الرقمي بما يرافقه من احتياجات متزايدة إلى الطاقة. وفي الوقت ذاته، يُنتظر أن يتضاعف الطلب على المواد الخام الحيوية والمعادن والفلزات التقنية نحو ثلاث مرات تقريباً بحلول عام 2030، مع توسع العالم في بنيته التحتية الرقمية وانتقاله من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة بهدف خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية إلى الصفر الصافي بحلول عام 2050.

ومن المؤسف أن تنفيذ الحلول المتاحة لمواجهة التهديدات التي يفرضها التغير المناخي والبيئي ظل حتى الآن متأخراً عن حاجتنا إلى تطبيقها. وكما عبّر عن ذلك البروفيسور جيفري ساكس، فإن مشكلات شديدة الصعوبة كتغيّر المناخ الناجم عن النشاط البشري لها حلول عملية تماماً وإن كانت معقدة، تشمل إزالة الكربون من قطاع الطاقة وتغيير استخدامات الأراضي وتغيير الممارسات الزراعية وغيرها؛ فالحلول موجودة، لكننا لا نطبقها، ولا نطبقها بالتأكيد على النطاق المطلوب.

ويزداد الإلحاح على إرساء البنى التحتية الحيوية إذا أُريد تفادي إخفاق الأهداف المناخية وأهداف التنمية المستدامة. فبلوغ هدف اتفاق باريس المتمثل في حصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2060 يتطلب ابتعاداً شاملاً عن الوقود الأحفوري، وتحقيق منظومة طاقة عالمية خالية من الانبعاثات الصافية بحلول عام 2050، من خلال بناء بنى تحتية جديدة تقوم على مصادر متجددة كالرياح والطاقة الشمسية، إلى جانب طيف واسع من السياسات والأنظمة التي تشجع توليد الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة. وفيما يتصل بالرقمنة، يقتضي الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة، الخاص بإقامة بنى تحتية قادرة على الصمود وتحفيز التصنيع الشامل والمستدام وتشجيع الابتكار، تحقيق تغطية شبه شاملة بخدمات النطاق العريض تشمل ما لا يقل عن 90% من السكان بحلول عام 2030.

وسيكون لهذين التطورين آثار إيجابية وسلبية في التشغيل واحتياجات المهارات، ومن المهم فهم طبيعة هذه الآثار إذا أُريد لمنظومات تنمية المهارات أن تؤدي دوراً داعماً، لا معيقاً، في التحولين الأخضر والرقمي. وكما سيتضح في هذا التقرير، ظلت تنمية المهارات حتى الآن متأخرة عن احتياجات التحولين، مما حدّ حتماً مما يمكن إنجازه. ولذلك فمن الأهمية بمكان اتخاذ خطوات تضمن تطوير منظومات المهارات وتحسينها بما يتماشى مع الاحتياجات المتغيرة للصناعة، للتخفيف من آثار هذا التأخر في السنوات المقبلة.

1.3. فهم الآثار المحتملة في التشغيل والمهارات

ستؤثر الاستثمارات في البنى التحتية الحيوية للطاقة والاتصالات الرقمية في التشغيل واحتياجات المهارات. ولدراسة هذه الآثار، يقدّم هذا التقرير مجموعة من إسقاطات التشغيل أعدّتها مؤسسة كامبريدج إيكونومتريكس بالتعاون مع منظمة العمل الدولية. وتعتمد هذه الإسقاطات سيناريوهين لنمذجة الآثار المحتملة في التشغيل مقارنةً بسيناريو أساسي، أولهما نشر خدمات النطاق العريض الرقمي حتى مستويات شبه شاملة، وهو سيناريو الوصول شبه الشامل إلى النطاق العريض، وثانيهما تنفيذ سياسات الكربون والطاقة الداعمة للانتقال إلى الطاقة النظيفة وكفاءة الطاقة وتحقيق صافي انبعاثات كربونية صفري بحلول عام 2060، وهو سيناريو تحول الطاقة، إضافة إلى آثارهما المجتمعة. وتتوافق التخفيضات العامة في الانبعاثات، ووفورات كفاءة الطاقة، والاستثمارات، وأسعار الكربون الواردة في سيناريو تحول الطاقة مع تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، ويفترض النموذج أن مزيجاً من السياسات المناخية وسياسات الطاقة سيحقق الحياد المناخي بحلول عام 2050 في 124 بلداً، وبحلول عام 2060 في البلدان المتبقية.

ومن المهم وضع هذه الإسقاطات في سياقها وتأطيرها من خلال استكشاف أعمق لآثار التحول الأخضر والرقمنة في التشغيل والمهارات بوجه عام، وبناء فهمنا للتفاعلات بين هذين التحولين. فرغم وجود بعض التأييد غير الموثق للنهوض بالتحولين الأخضر والرقمي، لا تتوفر حالياً إلا أدلة قليلة على الطابع التكاملي، أو المتعارض أحياناً، لهذين التحولين من حيث آثارهما في التشغيل على مستوى المهن. وتهدف الإسقاطات الجديدة والتحليلات المرتبطة بها في هذا التقرير إلى سدّ هذه الثغرة المعرفية، وتيسير النقاشات بشأن السياسات حول أفضل السبل لدعم التحولين الأخضر والرقمي من خلال اكتساب المهارات وإعادة التأهيل ورفع المهارات.

1.4. هيكل التقرير

وانطلاقاً من هذه الأهداف، جاء التقرير على النحو الآتي.

تتناول الفصول الثاني والثالث والرابع على التوالي التحول الأخضر، والتحول الرقمي، والتحولين مجتمعَين. ويتبع كل فصل منها بنية متشابهة، إذ يبدأ بدراسة التطورات الأخيرة التي تحرّك التحولين من حيث احتياجات التشغيل والمهارات، ثم يكشف عن التحولات الرئيسية الملحوظة في احتياجات المهن والمهارات، وأخيراً يعرض إسقاطات التشغيل لكل سيناريو. وكما سبقت الإشارة، فإن المعرفة بالآثار المجتمعة للتحولين الأخضر والرقمي أقل، ولذلك يسعى الفصل الرابع إلى تعميق فهمنا بالاستناد إلى الأدبيات المحدودة التي تتناول التحولين معاً، وإلى المادة الواردة في الفصلين الثاني والثالث، لتقديم دراسة تركيبية للاتجاهات والتطورات. ويبحث هذا الفصل في أوجه التآزر المحتملة بين التحولين، بما في ذلك مدى تعزيز اتجاهات التشغيل والمهارات بعضها لبعض أو تعارضها.

ويدرس الفصل الخامس استجابات تنمية المهارات من حيث السياسات والممارسات في مجال التعليم والتدريب، فيتناول تنمية المهارات للتحولين الأخضر والرقمي كلاً على حدة ومجتمعَين، في ضوء جملة من الأبعاد، منها استشراف المهارات، وتطوير البرامج والمؤهلات، والتدريب الأولي للشباب، ورفع مهارات الكبار وإعادة تأهيلهم، والتطوير المهني للمعلمين والمدربين، والأنشطة المتصلة بالشمول، ولا سيما التدخلات المراعية للنوع الاجتماعي. ويُختتم الفصل بالنظر في التحديات الحرجة التي تعترض تحسين منظومات تنمية المهارات حتى تؤدي دورها كاملاً في التحولين الأخضر والرقمي.

ويقدّم الفصل السادس مجموعة من الاستنتاجات والتوصيات المستندة إلى النتائج المعروضة في التقرير بأكمله، فيلخص المكاسب التي يمكن تحقيقها من التحولين على صعيد التشغيل والمهن، والعقبات التي قد تحول دون تحقيقها عبر منظومات تنمية المهارات. وتركز التوصيات الموجهة إلى السياسات والممارسة على سبل التغلب على هذه العقبات.

دراسة ذات صلة