تصدير
تضطلع الحماية الاجتماعية الشاملة بدور محوري في دعم العمل المناخي وتيسير الانتقال العادل. فالأزمة الكوكبية الثلاثية تتكشف أمام أعيننا بكل ما تحمله من تغير مناخي وتلوث وفقدان للتنوع البيولوجي، وتذكّرنا بها كل يوم تقريباً كوارث متعددة الأشكال وأرقام قياسية مناخية تُحطَّم تباعاً. ونحن ندرك تمام الإدراك ضرورة رفع سقف الطموح المناخي، غير أن كثيراً من صانعي القرار يحجمون عن اتخاذ خطوات أكثر جرأة خشية التبعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المترتبة على تدابير التخفيف والتكيف اللازمة.
ويمكن للحماية الاجتماعية الشاملة أن تسهم في حل هذه المعضلة، إذ تقدم استجابة سياساتية منهجية تتصدى في آن واحد للمخاطر المرتبطة بدورة الحياة وللمخاطر المرتبطة بالمناخ، فتحدّ من أوجه الضعف وتعزز قدرة الأفراد والمجتمعات والاقتصادات على الصمود. وهي بذلك تمكّن من اتخاذ تدابير التكيف والتخفيف الضرورية وتيسّرها، وتسهم في معالجة الخسائر والأضرار الناجمة عن المناخ. بيد أن ذلك لن يتحقق إلا إذا كفلت نظم الحماية الاجتماعية تغطية شاملة، وقدمت إعانات متكاملة ووافية، واستندت إلى تمويل منصف ومستدام.
وعلى الرغم من التقدم الملحوظ في توسيع نطاق الحماية الاجتماعية منذ عام 2015، فإن كثيراً من البلدان لا تزال غير مهيأة على النحو الكافي لمواجهة التحديات المقبلة. فالالتزامات الرامية إلى إعمال الحق العالمي في الضمان الاجتماعي للجميع لا تزال بعيدة المنال، إذ يبقى 3.8 مليارات شخص محرومين من أي حماية على الإطلاق، فضلاً عن أعداد أكبر لا تحظى بحماية كافية. ومن ثم ينبغي أن يكون ضمان حصول الناس على الحماية الاجتماعية، حتى يتمكنوا من التعامل مع عواقب الصدمات المناخية والانخراط في اقتصاد أكثر اخضراراً ومواجهة المخاطر المعتادة لدورة الحياة، أولوية قصوى لدى واضعي السياسات.
ويركز إصدار 2024 إلى 2026 من التقرير العالمي للحماية الاجتماعية على الحماية الاجتماعية الشاملة من أجل العمل المناخي والانتقال العادل. ويقدم التقرير تحديثاً عالمياً لوضع الحماية الاجتماعية في أنحاء العالم، ويتضمن لأول مرة بيانات عن الاتجاهات الزمنية، ويعرض طيفاً واسعاً من الإحصاءات العالمية والإقليمية والقطرية بشأن التغطية والإعانات المقدمة والإنفاق العام المرتبط بها. كما يحدد فجوات الحماية والتمويل التي يتعين سدها، ويطرح توصيات سياساتية قابلة للتنفيذ لتحقيق الحماية الاجتماعية الشاملة للجميع بحلول عام 2030.
والأهم من ذلك أن التقرير يبين كيف يمكن للحماية الاجتماعية أن تدعم السياسات المناخية وتسرّع الانتقال العادل، بما يمكّن البلدان من بناء نظم قادرة على الصمود تحمي سكانها من مخاطر دورة الحياة ومن التحديات المرتبطة بالمناخ على حد سواء. ولتحقيق ذلك، يتعين على البلدان بناء نظم الحماية الاجتماعية وتعزيزها لحماية الناس من المخاطر المعتادة لدورة الحياة، ومن تقلبات مناخ يزداد اضطراباً، ومن الآثار الاجتماعية السلبية لبعض السياسات المناخية.
وإنني أحث واضعي السياسات على الاستفادة مما يقدمه هذا التقرير من رؤى. فلكي نطلق العنان للطموح المناخي ونمضي في مسار الانتقال العادل، لا بد من الاستثمار في تعزيز نظم الحماية الاجتماعية الوطنية. إن فرصة بناء مستقبل أكثر اخضراراً باتت في متناول واضعي السياسات، فلنغتنم هذه الفرصة ولنعمل معاً من أجل عالم أكثر إشراقاً واستدامة.
جيلبير هونغبو
المدير العام لمنظمة العمل الدولية
الملخص التنفيذي
لأول مرة في التاريخ، باتت أكثر من نصف سكان العالم مشمولة بشكل من أشكال الحماية الاجتماعية. ومع أن هذا التقدم موضع ترحيب، فإن الحقيقة المجردة تظل أن 3.8 مليارات شخص ما زالوا محرومين تماماً من أي حماية. وتزداد الحاجة الملحة إلى جعل الحق الإنساني في الضمان الاجتماعي واقعاً للجميع إلحاحاً بالنظر إلى الدور الذي يتعين على الحماية الاجتماعية أن تؤديه في مواجهة تحد أكبر، ألا وهو ضرورة العمل المناخي والانتقال العادل للتصدي للأزمة الكوكبية الثلاثية المتمثلة في تغير المناخ والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي، وهي أزمة تهدد عالمنا. ومع اقتراب العالم في هذه اللحظة من تجاوز نقاط تحول كبرى بفعل الاحترار، تمثل الأزمة المناخية أخطر تهديد منفرد للعدالة الاجتماعية.
ولذلك تقتضي الضرورة الملحة التحرك بسرعة نحو انتقال عادل استجابة لهذه الأزمة. ولنظم الحماية الاجتماعية الشاملة دور مهم في المساعدة على تحقيق الطموحات المناخية وتيسير الانتقال العادل. ومع تركيز بالغ على الأزمة المناخية ومقتضيات الانتقال العادل، يقدم هذا التقرير لمحة عامة عالمية عن التقدم المحرز في أنحاء العالم منذ عام 2015 في توسيع نطاق الحماية الاجتماعية وبناء نظم حماية اجتماعية قائمة على الحقوق. وهو بذلك يسهم إسهاماً أساسياً في الإطار الخاص برصد خطة عام 2030. ويدعو التقرير واضعي السياسات والشركاء الاجتماعيين وسائر أصحاب المصلحة إلى تسريع جهودهم من أجل سد فجوات الحماية وتحقيق الطموحات المناخية في آن واحد.
وتنبثق عن هذا التقرير خمس رسائل رئيسية:
أولاً: تسهم الحماية الاجتماعية إسهاماً مهماً في التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره على حد سواء. فالحماية الاجتماعية أساسية للتكيف مع تغير المناخ، أي عملية التأقلم مع تغير المناخ الفعلي أو المتوقع وآثاره بغية الحد من الضرر أو اغتنام الفرص المفيدة، لأنها تعالج الأسباب الجذرية للهشاشة من خلال منع الفقر والإقصاء الاجتماعي والحد من عدم المساواة. كما أنها تعزز قدرة الناس على مواجهة الصدمات المرتبطة بالمناخ مسبقاً عبر توفير حد أدنى من الدخل وإتاحة الرعاية الصحية. وتسهم كذلك في رفع القدرات التكيفية، بما فيها قدرات الأجيال المقبلة، بفضل آثارها الإيجابية في التنمية البشرية والاستثمار المنتج وتنويع سبل العيش. وفضلاً عن ذلك، يمكن لاستجابة شاملة وفعالة واسعة النطاق للخسائر والأضرار أن تستفيد من نظم الحماية الاجتماعية، ولا سيما حين تتوافر مستويات عالية من التغطية والجاهزية. ونظم الحماية الاجتماعية عنصر أساسي أيضاً في تعويض الأفراد والمؤسسات عن الآثار السلبية المحتملة لتدابير التخفيف، أي الإجراءات التي تبطئ وتيرة تغير المناخ كإبقاء الوقود الأحفوري في باطن الأرض أو تعزيز مصارف غازات الدفيئة وحمايتها كالغابات والتربة والمحيطات، ولغيرها من السياسات البيئية، وفي التخفيف من حدة تلك الآثار. وحين تقترن هذه النظم بسياسات سوق العمل النشطة، يمكنها أن تساعد الناس على الانتقال إلى وظائف أكثر اخضراراً وممارسات اقتصادية أكثر استدامة. كما يمكن للحماية الاجتماعية أن تدعم جهود التخفيف بصورة مباشرة؛ فتخضير صناديق المعاشات التقاعدية العامة، والتحويل التدريجي لدعم الوقود الأحفوري إلى إعانات للحماية الاجتماعية، وتقديم دعم للدخل يثني عن الأنشطة الضارة بهدف حماية مصارف الكربون الطبيعية الحيوية واستعادتها، كلها خيارات تدعم خفض الانبعاثات.
ثانياً: تمثل الحماية الاجتماعية بذلك عاملاً تمكينياً للعمل المناخي ومحفزاً للانتقال العادل وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية. فنظم الحماية الاجتماعية، بوصفها جزءاً من استجابة سياساتية متكاملة، تلبي متطلبات التخفيف والتكيف على نحو منصف. وهي تساعد على حماية دخول الناس وصحتهم ووظائفهم، وكذلك المؤسسات، من الصدمات المناخية ومن الآثار السلبية للسياسات المناخية. وتشجع الحماية الاجتماعية على المخاطرة المنتجة والتخطيط للمستقبل، ومن ثم يمكنها أن تضمن استفادة الجميع، بمن فيهم أشد الفئات هشاشة، من تدابير التكيف مع تغير المناخ. كما يمكنها أن تمكّن من إعادة هيكلة الوظائف، وتحمي مستويات المعيشة، وتحافظ على التماسك الاجتماعي، وتحد من الهشاشة، وتسهم في بناء مجتمعات أكثر عدلاً وشمولاً واقتصادات مستدامة ومنتجة. غير أن الحماية الاجتماعية لا تستطيع تحقيق ذلك بمفردها، بل يتعين أن تعمل جنباً إلى جنب مع سياسات أخرى لإتاحة سياسات فعالة للتخفيف والتكيف، وهي سياسات لا غنى عنها لكوكب صالح للعيش.
ثالثاً: ثمة حاجة إلى إجراءات سياساتية حاسمة لتعزيز نظم الحماية الاجتماعية وتكييفها مع الواقع الجديد، ولا سيما في البلدان والأقاليم الأشد تأثراً بتغير المناخ، حيث تكون التغطية في أدنى مستوياتها. فالحماية الاجتماعية تعزز قدرة الأفراد والاقتصادات والمجتمعات على الصمود، إذ توفر استجابة سياساتية منهجية للمخاطر المتشابكة والمتبادلة التعزيز بين مخاطر دورة الحياة والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي مخاطر مرشحة لأن تصبح أكثر تداخلاً وأقل قابلية للفصل مع كل كسر عشري إضافي في درجة الاحترار العالمي. وفي هذا السياق، سيتعين على واضعي السياسات تحقيق هدف مزدوج: تنفيذ سياسات مناخية تدعم جهود التخفيف والتكيف لاحتواء الأزمة المناخية، وفي الوقت ذاته تعزيز الحماية الاجتماعية لمواجهة المخاطر المعتادة لدورة الحياة والمخاطر المناخية معاً. وفي ظل مشهد متغير للمخاطر، يجب على واضعي السياسات أن يضمنوا قدرة نظم الحماية الاجتماعية لديهم على التعامل مع هذين النوعين من المخاطر.
رابعاً: غير أن قدرة نظم الحماية الاجتماعية على الإسهام في الانتقال العادل تكبحها الفجوات المستمرة في تغطية الحماية الاجتماعية وكفايتها وتمويلها، وهي فجوات تعيق تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030. ولا غنى عن الاستثمار في تعزيز نظم الحماية الاجتماعية لإنجاح الانتقال العادل. فتكاليف التقاعس هائلة، ومن غير الرشيد وغير الحصيف عدم الاستثمار. ولذلك فإن الحجة الداعية إلى تعزيز نظم الحماية الاجتماعية مقنعة بقدر ما هي ملحة. فمن دون الاستثمار في نظم حماية شاملة، ستفاقم الأزمة المناخية أوجه الهشاشة والفقر وعدم المساواة القائمة، في حين أن المطلوب هو العكس تماماً. وعلاوة على ذلك، ستكون الحماية الاجتماعية ضرورية لحشد الدعم الشعبي حتى تصبح السياسات الطموحة للتخفيف والسياسات البيئية قابلة للتطبيق. وتوفر صكوك حقوق الإنسان ومعايير الضمان الاجتماعي الدولية إرشاداً أساسياً لبناء نظم حماية اجتماعية شاملة قادرة على الاستجابة لهذه التحديات وإعمال الحق الإنساني في الضمان الاجتماعي للجميع.
خامساً: يجب أن تسترشد العمل المناخي والانتقال العادل بالعدالة الاجتماعية، وأن تكون حقوق الإنسان في صميم هذه العملية. فالحماية الاجتماعية يمكن أن تساعد على ضمان عدم إغفال أحد، وأن تسهم في تصحيح أوجه عدم المساواة والإجحاف القائمة منذ أمد بعيد على الصعيدين العالمي والمحلي، والتي زادتها الأزمة المناخية وضوحاً. ولا يمكن التغلب على الأزمة المناخية إلا بجهد مشترك، ولكن مع مسؤولية متباينة تتناسب مع القدرات. ولا بد من الاعتراف بأن مسؤولية علاجية خاصة تقع على عاتق المسؤولين في المقام الأول عن هذه الأزمة. ولهذا الأمر انعكاسات كبيرة على تمويل الحماية الاجتماعية على الصعيد المحلي، وعلى دور الدعم المالي الدولي للبلدان التي تفتقر إلى قدرات اقتصادية ومالية كافية، والتي أسهمت بأقل قدر في هذه الأزمة لكنها تتحمل وطأتها الأشد. ويشكل ذلك عنصراً رئيسياً من عناصر العدالة الاجتماعية.
تقدم محرز، لكن المليارات ما زالوا متروكين وغير مهيئين لصدمات دورة الحياة والصدمات المناخية القادمة
منذ صدور الإصدار السابق من التقرير العالمي للحماية الاجتماعية، تجاوزت تغطية الحماية الاجتماعية على الصعيد العالمي معلماً مهماً. فلأول مرة، أصبح أكثر من نصف سكان العالم، أي 52.4%، مشمولين بإعانة واحدة على الأقل من إعانات الحماية الاجتماعية وفق مؤشر أهداف التنمية المستدامة 1.3.1، بعد أن كانت النسبة 42.8% في عام 2015. وهذا تقدم موضع ترحيب.
ولو استمر التقدم بهذا المعدل على الصعيد العالمي، لاستغرق الأمر 49 عاماً أخرى، أي حتى عام 2073، حتى يُشمل الجميع بإعانة واحدة على الأقل من إعانات الحماية الاجتماعية. وهذه وتيرة بطيئة جداً لسد فجوات الحماية.
يضاف إلى ذلك أن العالم يسير حالياً في مسارين متباعدين ومتباينين جداً في مجال الحماية الاجتماعية: فالبلدان المرتفعة الدخل تقترب من التمتع بتغطية شاملة بنسبة 85.9%، والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا بنسبة 71.2% والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا بنسبة 32.4% تحقق خطوات واسعة في سد فجوات الحماية. وفي المقابل، لم تكد معدلات التغطية في البلدان المنخفضة الدخل، البالغة 9.7%، تتحرك منذ عام 2015، وهي معدلات متدنية على نحو غير مقبول.
ولا تزال الفجوات بين الجنسين في التغطية القانونية والفعلية على الصعيد العالمي كبيرة. فالتغطية الفعلية للنساء بإعانة واحدة على الأقل من إعانات الحماية الاجتماعية تتخلف عن تغطية الرجال، إذ تبلغ 50.1% للنساء مقابل 54.6% للرجال. ويلاحظ تفاوت مماثل في التغطية القانونية الشاملة؛ فلا يتجاوز نصيب السكان في سن العمل المشمولين قانوناً بنظم ضمان اجتماعي شاملة 33.8%. وعند تفصيل هذا الرقم، تتكشف فجوة واضحة بين الجنسين، إذ يبلغ معدل التغطية 39.3% للرجال و28.2% للنساء، أي بفارق 11.1 نقطة مئوية. ولا بد أن تصبح نظم الحماية الاجتماعية أكثر استجابة للاعتبارات الجنسانية، في إطار مجموعة أوسع من السياسات التي تعالج أوجه عدم المساواة في أسواق العمل والتوظيف والمجتمع.
وبالنسبة إلى من لا يشملهم التأمين الاجتماعي، تجدر الإشارة إلى أن المساعدة الاجتماعية أو غيرها من الإعانات النقدية غير القائمة على الاشتراكات تؤدي، في غياب هذا التأمين، دوراً أساسياً في ضمان مستوى أساسي على الأقل من الضمان الاجتماعي. وعلى الصعيد العالمي، ارتفعت التغطية من 26.7% إلى 37.3% من الأشخاص المستضعفين منذ عام 2015. ويُعزى هذا الارتفاع جزئياً إلى الاستجابة السياساتية المؤقتة لجائحة كوفيد 19. غير أن ارتفاع التغطية قد ينبع أيضاً من تزايد الاحتياجات بسبب تفاقم الفقر والهشاشة وعجز العمل اللائق. وأياً كان التفسير، فإن الأمر يتطلب جهوداً أكبر لتيسير الانتقال من المساعدة الاجتماعية إلى عمل لائق، بما في ذلك العمل الحر، مشمول بالتأمين الاجتماعي الذي يوفر مستويات أعلى من الحماية ويخفف الضغط على الموازنات الحكومية.
احتمال مقلق: البلدان الأشد تأثراً بالأزمة المناخية غير مهيأة على نحو مؤسف
لا يزال سكان البلدان الواقعة في الخط الأمامي للأزمة المناخية والأكثر عرضة للمخاطر المناخية غير مهيئين على نحو مؤسف. ففي البلدان العشرين الأشد تأثراً بالأزمة المناخية، لا يتجاوز نصيب السكان المشمولين بشكل من أشكال الحماية الاجتماعية 8.7%، مما يترك 364 مليون شخص بلا حماية على الإطلاق. ولا تتجاوز التغطية الفعلية في البلدان الخمسين الأشد تأثراً بالمناخ نحو 25% من السكان، وهو ما يعني أن 2.1 مليار شخص يواجهون حالياً ويلات الانهيار المناخي دون أي حماية، معتمدين على حيلتهم الذاتية وعلى ذويهم للتأقلم.
وليس هذا هو السبيل الصائب للمضي قدماً في ظل مستقبل مناخي أكثر تقلباً. ويزداد الوضع البائس لهؤلاء الناس قتامة بسبب فجوة التمويل الكبيرة التي تحول دون وجود أرضية للحماية الاجتماعية على الأقل. إذ تعادل فجوة التمويل السنوية في البلدان العشرين الأشد تأثراً 200.1 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 69.1% من ناتجها المحلي الإجمالي، وتبلغ في البلدان الخمسين الأشد تأثراً 644 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 10.5% من ناتجها المحلي الإجمالي. وليس سد فجوات التمويل هذه أمراً مستحيلاً إذا جرى بناء القدرات المحلية، لكنه سيتطلب دعماً دولياً منسقاً، ولا سيما في البلدان الأشد تأثراً.
ترتبط فجوات الحماية إلى حد كبير بنقص كبير في الاستثمار في الحماية الاجتماعية
لا تزال فجوات التمويل في مجال الحماية الاجتماعية كبيرة. فلضمان مستوى أساسي على الأقل من الضمان الاجتماعي من خلال أرضية للحماية الاجتماعية، تحتاج البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى 1.4 تريليون دولار أمريكي إضافية سنوياً، أي 3.3% من ناتجها المحلي الإجمالي المجمّع لعام 2024، منها 2.0% من الناتج المحلي الإجمالي أو 833.4 مليار دولار أمريكي للرعاية الصحية الأساسية، و1.3% من الناتج المحلي الإجمالي أو 552.3 مليار دولار أمريكي لخمس إعانات نقدية للحماية الاجتماعية. وعلى وجه التحديد، ستحتاج البلدان المنخفضة الدخل إلى استثمار 308.5 مليارات دولار أمريكي إضافية سنوياً، أي ما يعادل 52.3% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو أمر غير ممكن على المدى القصير دون دعم دولي.
وتتعثر الطموحات الرامية إلى سد الفجوات في تغطية الحماية الاجتماعية وشموليتها وكفايتها بسبب النقص الكبير في الاستثمار فيها. فالبلدان تنفق في المتوسط 12.9% من ناتجها المحلي الإجمالي على الحماية الاجتماعية باستثناء الصحة، غير أن هذا الرقم يخفي تفاوتات هائلة بين البلدان. إذ تنفق البلدان المرتفعة الدخل 16.2%، والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا 8.5%، والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا 4.2% فقط، والبلدان المنخفضة الدخل نسبة زهيدة قدرها 0.8%.
ومن الأهمية بمكان أيضاً زيادة كفاية الحماية الاجتماعية. فالفجوات المستمرة في الكفاية تحد من قدرة الحماية الاجتماعية على منع الفقر والحد منه وتمكين الناس من حياة كريمة. ويعد ضمان إعانات وافية طوال حياة الناس أمراً أساسياً لضمان أرضية للحماية الاجتماعية والسعي نحو مستويات أعلى من الإعانات. ومن المرجح جداً أن تؤدي الأزمة المناخية إلى زيادة الاحتياجات، بما في ذلك بسبب ارتفاع الأسعار، وهو ما سيستلزم زيادة مقابلة في التوقعات العامة بشأن كفاية الإعانات.
ولكي تحقق نظم الحماية الاجتماعية إمكاناتها في التصدي لمخاطر دورة الحياة والاستجابة لتغير المناخ، يجب تعزيزها بدرجة أكبر. ولذلك تلزم جهود إضافية لضمان حماية شاملة ومتكاملة ووافية، مع الحرص على أن تُموَّل نظم الحماية الاجتماعية تمويلاً منصفاً ومستداماً. وتكلفة التقاعس عن الاستثمار في الحماية الاجتماعية هائلة، فهي تشمل ضياع الإنتاجية والازدهار، وتزايد مخاطر تهديد التماسك الاجتماعي، وإهدار القدرات البشرية، وآلاماً ومعاناة لا داعي لها، واعتلالاً ووفيات مبكرة، وغير ذلك من الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية.
الحماية الاجتماعية ما زالت بعيدة المنال بالنسبة إلى 1.8 مليار طفل
لا تزال الحماية الاجتماعية بعيدة المنال بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الأطفال. فعلى الصعيد العالمي، لا يحصل على إعانة أسرية أو إعانة للأطفال سوى 23.9% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و18 عاماً، مما يعني أن 1.8 مليار طفل غير مشمولين. أما بالنسبة إلى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و15 عاماً، فإن 28.2% منهم مشمولون، بزيادة قدرها 6.1 نقاط مئوية منذ عام 2015، وهو ما يعني أن 1.4 مليار طفل محرومون من هذه الحماية.
ولا يحصل على إعانة نقدية للأطفال أو الأسرة سوى أقل من طفل واحد من كل عشرة أطفال، أي 7.6%، من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و18 عاماً في البلدان المنخفضة الدخل، مما يجعل الملايين عرضة للانقطاع عن التعليم وسوء التغذية والفقر وعدم المساواة، ويعرضهم لآثار طويلة الأمد. ويتحمل الأطفال، ولا سيما الفقراء منهم، العبء الأكبر للأزمة المناخية.
وقد وُصفت الأزمة المناخية بأنها عنف هيكلي ضد الأطفال يقوّض رفاههم وآفاقهم المستقبلية. ويؤكد ذلك أهمية جعل نظم الحماية الاجتماعية أكثر شمولاً وقدرة على الصمود، حتى تواصل تحقيق أهدافها الأساسية وتلبي الاحتياجات الإضافية للأطفال الناجمة عن تغير المناخ.
ولا بد من زيادة الإنفاق العام على الحماية الاجتماعية للأطفال. ففي المتوسط، يُنفق 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي على إعانات الأطفال على الصعيد العالمي. وهنا أيضاً توجد تفاوتات إقليمية كبيرة، إذ تتراوح النسبة بين 0.2% في البلدان المنخفضة الدخل و1.0% في البلدان المرتفعة الدخل.
فجوات حماية واضحة ما زالت قائمة بالنسبة إلى الأشخاص في سن العمل
تُظهر اتجاهات التغطية العالمية بين عامي 2015 و2023، بما فيها مؤشر أهداف التنمية المستدامة 1.3.1، بعض التقدم، لكنه لا يزال غير كاف بالنسبة إلى الأشخاص في سن العمل، مما يترك ملايين كثيرة دون حماية أو بحماية غير كافية. وستتفاقم هذه الفجوات في الحماية بفعل المخاطر المناخية وسياسات التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه.
حماية الأمومة: تحصل 36.4% من النساء اللواتي لديهن مواليد جدد في جميع أنحاء العالم على إعانة نقدية للأمومة، بزيادة قدرها 6.8 نقاط مئوية. ويعني ذلك أن 85 مليون امرأة لديهن مواليد جدد غير مشمولات. يضاف إلى ذلك استمرار أوجه عدم المساواة في الحصول على خدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال، كما أن التعرض لمخاطر تغير المناخ تترتب عليه عواقب على اعتلال الأمهات والمواليد ووفياتهم.
إعانات المرض، من حيث التغطية القانونية: يحق قانوناً لـ56.1% من القوى العاملة في العالم، أي ما يمثل 34.4% من السكان في سن العمل، الحصول على إعانات المرض. ويعني ذلك أن 4.1 مليارات شخص في سن العمل غير محميين قانوناً. وحتى عند وجود التغطية، فإن محدودية الكفاية والمدة ومعايير الاستحقاق قد تولد فجوات في الحماية. ويفرض تغير المناخ تحديات جديدة على الإنتاجية وعلى الحماية في حالة المرض بسبب انتشار الأمراض القائمة وظهور أمراض جديدة.
الحماية من إصابات العمل: يتمتع 37.4% من العمال بالحماية من إصابات العمل والأمراض المهنية، بزيادة قدرها 4.6 نقاط مئوية، مما يترك 2.3 مليار عامل دون أي تغطية. وتُديم هذه الفجوات هياكلُ سوق العمل غير المواتية وضعفُ إنفاذ النظم، ولا سيما في البلدان الأدنى دخلاً. وستزيد المخاطر المناخية، كالحرارة الشديدة، من مخاطر إصابات العمل ومن احتياجات السلامة والصحة المهنيتين.
إعانات الإعاقة: يحصل 38.9% من الأشخاص ذوي الإعاقة الشديدة على إعانة الإعاقة، بزيادة قدرها 6.1 نقاط مئوية. ويترتب على ذلك أن 146 مليون شخص من ذوي الإعاقة الشديدة غير مشمولين. وغالباً ما تكون الخدمات الإضافية التي يحتاجها الأشخاص ذوو الإعاقة غير كافية لتلبية احتياجاتهم المتنوعة. ويزيد تغير المناخ من هشاشة الأشخاص ذوي الإعاقة.
الحماية من البطالة: يحصل 16.7% من العاطلين عن العمل على إعانات بطالة نقدية، بزيادة قدرها 1.3 نقطة مئوية، وهو ما يعني أن 157 مليون عاطل عن العمل غير مشمولين. وكثيراً ما يفتقر الشباب والعاملون لحسابهم الخاص والعاملون عبر المنصات الرقمية والعمال الزراعيون والعمال المهاجرون إلى الحماية من البطالة. كما أن كثيراً من النظم القائمة غير مهيأة للتصدي للتحديات المرتبطة بالمناخ ولا لتيسير إزالة الكربون من القطاعات الكثيفة الكربون.
وتبين التقديرات أن 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي على الصعيد العالمي تُخصَّص للإنفاق العام على الحماية الاجتماعية، باستثناء الصحة، للأشخاص في سن العمل. وتفسر محدودية الإنفاق إلى حد كبير فجوات الحماية التي يعاني منها الأشخاص في سن العمل.
كبار السن ما زالوا يواجهون تحديات في التغطية والكفاية
المعاشات التقاعدية هي أكثر أشكال الحماية الاجتماعية انتشاراً على الصعيد العالمي. ففي جميع أنحاء العالم، يحصل 79.6% من الأشخاص الذين تجاوزوا سن التقاعد على معاش تقاعدي، بزيادة قدرها 5.5 نقاط مئوية منذ عام 2015. ومع ذلك، فإن أكثر من 165 مليون شخص تجاوزوا سن التقاعد القانونية لا يحصلون على معاش تقاعدي.
ولا يزال ضمان حماية وافية في الشيخوخة يمثل تحدياً، ولا سيما للنساء، والعمال ذوي الدخل المنخفض، والعاملين في أشكال العمل غير المستقرة، والعاملين عبر المنصات الرقمية، والعمال المهاجرين. ومن المرجح أن تتفاقم هذه التحديات بفعل تغير المناخ، في صورة هجرة قسرية ومسارات مهنية مجزأة وضغوط اقتصادية عامة يسببها المناخ.
وفي كثير من البلدان، ولا سيما تلك التي ينتشر فيها العمل غير المنظم، لم يكن توسيع تغطية المعاشات التقاعدية القائمة على الاشتراكات سريعاً بما يكفي لضمان أمن دخل واف في الشيخوخة. ويوفر استحداث معاشات تقاعدية ممولة من الضرائب مصدر دخل مهماً لكبار السن الذين لا تكفي استحقاقاتهم من المعاشات القائمة على الاشتراكات. ومع ذلك، فإن مستويات الإعانات في بعض البلدان غير كافية لضمان أرضية للحماية الاجتماعية لكبار السن.
وعلى الصعيد العالمي، يبلغ متوسط الإنفاق العام على المعاشات التقاعدية وغيرها من الإعانات غير الصحية لكبار السن 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، لا تزال هناك تفاوتات إقليمية كبيرة، إذ تتراوح مستويات الإنفاق بين 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا وآسيا الوسطى و1.7% في أفريقيا.
وتهدد الأزمة المناخية الاستدامة المالية لنظم المعاشات التقاعدية وكفايتها. ومن ثم يتعين على هذه النظم أن تتكيف لمواجهة المخاطر المرتبطة بالمناخ بما يضمن استدامتها على المدى الطويل ويحمي جودة حياة المستفيدين. كما يمكن لصناديق المعاشات التقاعدية أن تساعد في مكافحة الأزمة المناخية من خلال الاستثمار الاستراتيجي في الأصول المستدامة والمنخفضة الكربون.
الحماية الصحية الاجتماعية: إسهام أساسي في التغطية الصحية الشاملة
لم يصبح الحق في الحماية الصحية الاجتماعية بعد واقعاً شاملاً. فمع أن أكثر من أربعة أخماس سكان العالم، أي 83.7%، مشمولون بموجب القانون، فإن 60.1% فقط من سكان العالم محميون فعلياً بنظام للحماية الصحية. ويعني ذلك أن 3.3 مليارات شخص لا يتمتعون بالحماية. وقد توقفت التغطية عن التحسن منذ عام 2020، مما يكشف عن فجوات مهمة في التنفيذ. وإلى جانب توسيع الحماية الصحية، يعد الاستثمار في توافر خدمات رعاية صحية جيدة أمراً حاسماً.
ولا تزال العوائق أمام الحصول على الرعاية الصحية قائمة في صورة نفقات صحية مباشرة تتحملها الأسر، وبعد المسافات، ومحدودية نطاق الخدمات الصحية وجودتها ومقبوليتها، وطول فترات الانتظار المرتبطة بنقص العاملين في مجالي الصحة والرعاية وسوء توزيعهم، فضلاً عن تكاليف الفرصة البديلة مثل ضياع وقت العمل والدخل.
وتتزايد النفقات الصحية المباشرة على الصعيد العالمي، وقد دفعت 1.3 مليار شخص إلى براثن الفقر في عام 2019. ويعد التمويل الجماعي والتجميع الواسع للمخاطر والاستحقاقات القائمة على الحقوق شروطاً أساسية لدعم الحصول الفعلي على الرعاية الصحية للجميع بطريقة قادرة على الاستجابة للصدمات.
وثمة حاجة ملحة إلى روابط أقوى وتنسيق أفضل بين الحصول على الرعاية الصحية وأمن الدخل لمعالجة المحددات الرئيسية للصحة. فالأزمة المناخية تؤثر مباشرة في صحة الناس، وتفاقم في الوقت ذاته أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية القائمة، التي تعد من المحددات القوية للإنصاف الصحي. ولا ينبغي أن تكون الصحة والرفاه امتيازاً للقلة، وتستدعي أوجه عدم المساواة التي تفجرها الأزمة المناخية استثماراً عاجلاً.
آن أوان رفع سقف الطموح: نحو مستقبل أكثر اخضراراً وأمناً اقتصادياً وعدلاً اجتماعياً
يوشك الوقت أن ينفد لوقف الاحترار العالمي الجامح ولتحقيق الحماية الاجتماعية الشاملة، إذ لم يتبق سوى أقل من ست سنوات على المعلم الرئيسي لعام 2030. لقد حان الوقت لرفع سقف الطموح وتسريع التقدم في مجال الحماية الاجتماعية وتحقيق الانتقال العادل. وهذا أمر أساسي للأجيال الحالية والمقبلة. ويتطلب ذلك استثمارات كبيرة وعزيمة وإرادة سياسية من واضعي السياسات الوطنيين والجهات الفاعلة الدولية على حد سواء. وينبغي أن يكون حماية الكوكب، مع حماية صحة الناس ودخولهم ووظائفهم وسبل عيشهم وكذلك المؤسسات، والحفاظ على كوكب صالح للعيش، دافعاً كافياً لواضعي السياسات لبناء نظم الحماية الاجتماعية. وتحقيقاً لهذه الغاية، يمكن تحديد عدة أولويات:
أولاً: يتطلب التخفيف من الأزمة المناخية وتحقيق الانتقال العادل إيلاء الاهتمام الكافي لبناء نظم حماية اجتماعية شاملة قائمة على الحقوق. ويجب على البلدان تكثيف جهودها لمواجهة التهديد الوجودي الذي تمثله الأزمة المناخية. والحماية الاجتماعية من أقوى الأدوات السياساتية التي يمكن للحكومات أن تستعين بها لإدارة هذا التحدي بإنصاف من خلال ضمان حماية الجميع حماية وافية. ويجب أن يكون ذلك جزءاً من استجابة سياساتية متكاملة، يمكن أن تساعد على تأمين الشرعية السياسية للسياسات المناخية. ويتطلب تصحيح أوجه الإجحاف المتأصلة في الأزمة المناخية عدالة عالمية، بما في ذلك التضامن في التمويل.
ثانياً: من خلال تعزيز نظم الحماية الاجتماعية، يمكن للدول أن تبرهن على عزمها حماية شعوبها عبر عقد اجتماعي متجدد. وهذا أمر أساسي لتعزيز الرفاه والتماسك الاجتماعي والسعي إلى العدالة الاجتماعية. فالحماية الاجتماعية القوية تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويمكنها أن تضمن حماية جميع أفراد المجتمع حماية جيدة، وتولد استعداداً لقبول السياسات المناخية.
ثالثاً: لا يزال الحفاظ على الوعد بعدم إغفال أحد أمراً بالغ الأهمية. ويعني ذلك التحول من الحد من الفقر إلى منعه، والانتقال من شبكات الأمان الاجتماعي الهشة إلى أرضيات متينة للحماية الاجتماعية، والوصول تدريجياً إلى مستويات أعلى وأكثر كفاية من الحماية؛ وضمان استجابة نظم الحماية الاجتماعية للاعتبارات الجنسانية؛ وتيسير الحصول على الرعاية الجيدة وغيرها من الخدمات؛ وجعل الصحة والرفاه محوراً أكثر مركزية في اقتصاداتنا.
رابعاً: تتطلب الجاهزية للصدمات المناخية ولسياسات الانتقال العادل وجود نظم حماية اجتماعية شاملة مسبقاً. ويعني ذلك إرساء الأسس الصحيحة، وصياغة الاستراتيجيات والسياسات الوطنية للحماية الاجتماعية وتنفيذها من خلال الحوار الاجتماعي الآن لا لاحقاً. فالنظم يمكن أن تسهم في منع آثار الأزمات واحتوائها وتخفيفها، وتعزيز التعافي السريع، وبناء قدرة الناس على التعامل مع الصدمات والمخاطر اليومية على حد سواء. وفي الأزمات الإنسانية، يتطلب ذلك العمل عبر الترابط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام، واستخدام نظم الصحة والحماية الاجتماعية القائمة قدر الإمكان، وتعزيزها بصورة منهجية.
خامساً: لا بد من مزيد من الاستثمار لتحقيق نظم حماية اجتماعية شاملة ومتينة. ويكتسي حشد الموارد المحلية أهمية حاسمة لمواجهة مخاطر دورة الحياة والمخاطر المناخية على نحو مستدام ومنصف. أما البلدان ذات القدرات المالية المحدودة، وكثير منها شديد التأثر أيضاً بالأزمة المناخية، فتحتاج إلى دعم مالي دولي يمكّنها من سد فجوات التمويل وبناء نظم الحماية الاجتماعية لديها.
وثمة مكاسب هائلة يمكن جنيها إذا مُنحت الحماية الاجتماعية الشاملة الأولوية السياساتية التي تستحقها في العمل المناخي والانتقال العادل. فبوصفها جزءاً من إطار سياساتي متكامل، يمكن للحماية الاجتماعية أن تضمن قدرة الجميع على جني ثمار ازدهار جديد أكثر اخضراراً، وعقد اجتماعي متجدد، وكوكب متجدد أكثر ملاءمة للحياة وللأجيال القادمة. والفرصة قائمة إن أراد واضعو السياسات اغتنامها.
