القائمة الرئيسية

التقرير العالمي للحماية الاجتماعية 2024 إلى 2026: الحماية الاجتماعية الشاملة من أجل العمل المناخي والانتقال العادل (5/5)

التقرير العالمي للحماية الاجتماعية 2024 إلى 2026: الحماية الاجتماعية الشاملة من أجل العمل المناخي والانتقال العادل (5/5)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الخامس التوجهات السياساتية اللازمة لجعل الحماية الاجتماعية أداة أساسية للعمل المناخي وتحقيق الانتقال العادل والعدالة الاجتماعية، مؤكداً ضرورة بناء نظم شاملة وقوية قائمة على الحقوق وقادرة على حماية الناس من الفقر والهشاشة ومخاطر تغير المناخ طوال مسار الحياة. ويدعو الفصل إلى الانتقال من التركيز على الحد من الفقر إلى الوقاية منه، وتوفير أرضيات حماية اجتماعية متينة ثم التدرج نحو مستويات أعلى من الحماية، مع توسيع التغطية لتشمل الفئات غير المحمية والعمال بمختلف أشكالهم، وتعزيز المساواة بين الجنسين وحماية العاملين في الاقتصاد غير المنظم والمنصات الرقمية والعمل المنزلي والعمل الحر والمهاجرين. كما يشدد على جعل الحماية الاجتماعية مستجيبة للاعتبارات الجنسانية، وربط الإعانات بالخدمات الصحية ورعاية الأطفال والرعاية الطويلة الأجل، والاعتراف بقيمة الرعاية غير المأجورة وضمان العمل اللائق للعاملين في قطاع الرعاية، إلى جانب تعزيز التغطية الصحية الشاملة وجعل الصحة والرفاه محوراً للاستثمار الاقتصادي والاجتماعي. ويؤكد الفصل أهمية تطوير السياسات والاستراتيجيات والأطر القانونية الوطنية، وتعزيز القدرات المؤسسية ونظم تقديم الخدمات والجاهزية للصدمات، مع ضمان الحوار الاجتماعي والشفافية والمساءلة. وفي جانب التمويل، يدعو إلى توفير موارد محلية مستدامة ومنصفة من خلال الضرائب التصاعدية واشتراكات الضمان الاجتماعي وتحسين كفاءة الإنفاق، إلى جانب زيادة الدعم المالي الدولي للبلدان ذات الحيز المالي المحدود والاستفادة من التمويل المناخي وتسعير الكربون وإصلاح دعم الوقود الأحفوري. ويخلص الفصل إلى أن تعزيز الحماية الاجتماعية الشاملة والقائمة على الحقوق يمكن أن يدعم العدالة الاجتماعية، ويقوي القدرة على الصمود أمام تغير المناخ والتحولات الاقتصادية، ويسهم في تجديد العقد الاجتماعي وتعزيز الثقة والتماسك بين الدولة والمجتمع.

الفصل الخامس: التوجهات السياساتية

الرسائل الرئيسية

الحماية الاجتماعية عامل تمكيني للعمل المناخي ولتحقيق الانتقال العادل وقدر أكبر من العدالة الاجتماعية. فنظم الحماية الاجتماعية، بوصفها جزءاً من استجابة سياساتية متكاملة، تمكّن المجتمعات من إدارة الصدمات المناخية على نحو أفضل، وتلبية متطلبات التخفيف والتكيف بطريقة منصفة. وتعوض الحماية الاجتماعية الناس وتخفف عنهم، وتحمي المؤسسات من الآثار السلبية لهذه السياسات. وهي أساسية لمكافحة تزايد عدم المساواة والهشاشة والفقر والإقصاء الاجتماعي، ولبناء مجتمعات أكثر عدلاً وشمولاً واقتصادات مستدامة ومنتجة.

ولكي تؤدي نظم الحماية الاجتماعية هذا الدور، لا بد من تعزيزها وجعلها شاملة ومتينة. ومن شأن ذلك أن يبعث برسالة قوية من الدول بأنها عازمة على حماية شعوبها من خلال عقد اجتماعي متجدد. ويتطلب المستقبل العادل اجتماعياً والقابل للاستمرار سد فجوات الحماية، وضمان أن يكون توفير الحماية الاجتماعية قائماً على الحقوق ومكرساً في القانون.

ويتطلب صون الكوكب ورفاه البشر مزيداً من الاستثمار لتحقيق نظم حماية اجتماعية شاملة ومتينة. ويكتسي حشد الموارد المحلية أهمية حاسمة لمواجهة مخاطر دورة الحياة والمخاطر المناخية على نحو مستدام ومنصف. وفضلاً عن ذلك، تحتاج البلدان ذات القدرات المالية المحدودة، التي كثيراً ما تكون أيضاً شديدة التأثر بالأزمات المناخية، إلى دعم مالي دولي يمكّنها من سد فجوات التمويل وبناء نظم الحماية الاجتماعية لديها.

ويمكن للحماية الاجتماعية أن تسهم في تصحيح أوجه عدم المساواة والإجحاف القائمة منذ أمد بعيد على الصعيدين العالمي والمحلي. فأوجه الإجحاف في الثروة داخل البلدان وفيما بينها، والمخاطر المتباينة، تلقي ظلماً عبء الأزمة المناخية على عاتق أشد الفئات هشاشة. ويجب أن تسترشد العمل المناخي والانتقال العادل بالعدالة الاجتماعية، وأن تكون حقوق الإنسان في صميم هذه العملية. ولا يمكن التغلب على الأزمة المناخية إلا بجهد مشترك، ولكن بمسؤولية متباينة تتناسب مع القدرات، مع الاعتراف بأن مسؤولية علاجية خاصة تقع على عاتق المسؤولين في المقام الأول عن الأزمة. ولهذا انعكاسات كبيرة على تمويل الحماية الاجتماعية على الصعيد المحلي، وعلى دور الدعم المالي الدولي للبلدان التي تفتقر إلى قدرات اقتصادية ومالية كافية، بوصفه عنصراً رئيسياً من عناصر العدالة الاجتماعية.

5.1 الحماية الاجتماعية الشاملة من أجل مستقبل أكثر عدلاً وأمناً اقتصادياً واخضراراً

إن التخفيف من الأزمة المناخية وتحقيق الانتقال العادل هدفان قابلان للتحقيق. غير أنه من دون إيلاء اهتمام كاف لبناء نظم حماية اجتماعية شاملة، فإن عمليات التكيف والتحولات اللازمة التي يتطلبانها قد تفاقم هشاشة الناس، وتزيد عدم المساواة والفقر سوءاً، وتتدهور معها مستويات المعيشة، وتصبح مثيرة للانقسام وغير مستدامة اجتماعياً وسياسياً، مما يهدد بمزيد من تآكل العقد الاجتماعي. ويجب على البلدان تكثيف جهودها لمواجهة التهديد الوجودي الذي تمثله الأزمة المناخية، مع استيعاب التحولات الديمغرافية والتكنولوجية وغيرها في الوقت ذاته. والحماية الاجتماعية من أقوى الأدوات السياساتية التي يمكن للحكومات أن تستعين بها لإدارة هذه التحديات بإنصاف من خلال ضمان حماية الجميع، وهو ما يمكن أن يساعد على تأمين الشرعية السياسية للسياسات المناخية. ويتطلب تصحيح أوجه الإجحاف المتأصلة في الأزمة المناخية عدالة عالمية، بما في ذلك التضامن في التمويل. ويوشك الوقت أن ينفد لوقف الاحترار العالمي الجامح، إذ لم يتبق سوى أقل من ست سنوات لتحقيق خطة عام 2030.

وفي الوقت الذي يستعرض فيه المجتمع الدولي التقدم المحرز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويسعى إلى توافق أقوى بشأن العمل المناخي وتمويل التنمية والتنمية الاجتماعية، استعداداً لمؤتمر القمة العالمي الثاني للتنمية الاجتماعية عام 2025، فقد حان وقت العمل الجريء. ولا بد من الاعتراف الكامل بالدور الرئيسي للحماية الاجتماعية الشاملة في صون الناس والكوكب، لتوجيه العمل السياساتي الدولي والوطني، بما في ذلك الاستثمار الذي تشتد الحاجة إليه لضمان نظم حماية اجتماعية مستدامة.

وثمة مكاسب هائلة يمكن جنيها إذا مُنحت الحماية الاجتماعية الشاملة الأولوية السياساتية التي تستحقها في الانتقال العادل. فبوصفها جزءاً من إطار سياساتي متكامل، يمكنها أن تضمن قدرة الجميع على جني ثمار ازدهار جديد أكثر اخضراراً، وعقد اجتماعي متجدد، وكوكب متجدد أكثر ملاءمة للحياة وللأجيال القادمة. والفرصة قائمة إن أراد واضعو السياسات اغتنامها.

5.2 الوفاء بالوعد بعدم إغفال أحد

5.2.1 ضمان الحصول الشامل على حماية اجتماعية وافية

مع أن هذا التقرير قد بيّن التقدم المحرز في توسيع الحماية الاجتماعية منذ عام 2015، فقد أبرز أيضاً حجم ما لا يزال يتعين القيام به لضمان الحصول الشامل على حماية اجتماعية وافية. واستناداً إلى الإطار المعياري الدولي والالتزامات القائمة، تعد التوجهات السياساتية التالية محورية لعدم إغفال أحد.

التحول من الحد من الفقر إلى منعه

للحد من الهشاشة وتعزيز القدرة على الصمود، لا بد من إحداث تحول في سياسات الحماية الاجتماعية. فالحد من الفقر بتقديم الإعانات لمن يعيشون في الفقر حالياً أمر أساسي، غير أن الاعتماد على الإعانات الموجهة للفقراء وحدها لا يكفي لمواجهة تحديات اليوم والغد، لأن هذه الإعانات لا يمكنها في أحسن الأحوال أن توفر الحماية إلا لمن هم فقراء أصلاً، وهي أقل قدرة بكثير على منع الفقر. ولذلك، وإلى جانب انتشال الناس من الفقر، يتعين على الحماية الاجتماعية أن تتحول لتؤدي دوراً أهم في حماية الناس من الوقوع في الفقر ابتداءً، وهو أمر محوري للحد من الهشاشة وتعزيز القدرة على الصمود. ويتطلب ذلك مزيداً من الاهتمام بعناصر نظم الحماية الاجتماعية القادرة على منع الفقر لا التخفيف منه فحسب، بما يضمن حماية الجميع في ضرورات الحياة، حتى لا تصبح المشكلات الصحية أو فقدان الوظيفة أو سبل العيش أو الإعاقة أو الشيخوخة أو إنجاب الأطفال مخاطر فقر، مع مراعاة أن المخاطر المناخية كثيراً ما تضخم هذه المخاطر. ويتعين على نظم الحماية الاجتماعية أن توفر آليات متينة تقدم حماية وافية طوال حياة الناس، بطريقة مكرسة في الحقوق وممولة تمويلاً مستداماً ومنصفاً من خلال آليات جماعية، ولا سيما الضرائب التصاعدية واشتراكات التأمين الاجتماعي، لإتاحة تقاسم المخاطر وإعادة التوزيع اللازمين. وهذا محوري لتمكين الناس من الانخراط في عمل لائق ومنتج، ولضمان التنسيق الجيد بين سياسات الحماية الاجتماعية وسياسات سوق العمل والعمالة والرعاية والضرائب.

ضمان أرضية متينة للحماية الاجتماعية بوصفها أساساً للنظم الوطنية للحماية الاجتماعية

إن ضمان أرضية للحماية الاجتماعية محددة وطنياً تكفل مستوى أساسياً على الأقل من الضمان الاجتماعي، يشمل الحصول على الرعاية الصحية وأمن الدخل، أمر لا غنى عنه وينبغي أن يحظى بالأولوية القصوى، ولا سيما في سياق أزمات متعددة يزيدها تغير المناخ اشتعالاً. وينبغي إيلاء اهتمام خاص لتوسيع التغطية لتشمل فئات السكان التي لم تكن مشمولة من قبل، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وعدم إغفال أحد، بمن فيهم سكان الأرياف والشعوب الأصلية والقبلية والمهاجرون والسكان النازحون.

الوصول تدريجياً إلى مستويات أعلى من الحماية لضمان حماية وافية

لتمكين الانتقال العادل، سيتعين على البلدان تعزيز نظم الحماية الاجتماعية لديها لتوفير حماية شاملة ووافية عبر مختلف فروع الحماية الاجتماعية. وللتصدي للآثار الصحية للأزمة المناخية، تؤدي الحماية الصحية الاجتماعية وإعانات المرض والحماية من إصابات العمل دوراً مهماً بالقدر ذاته.

وتستخدم بلدان كثيرة مزيجاً من نظم التأمين الاجتماعي الشاملة والنظم الممولة من الضرائب لإعمال الحماية الاجتماعية الشاملة، من خلال ضمان مستويات وافية من التغطية، وإتاحة تقاسم واسع للمخاطر والتضامن والمساواة بين الجنسين وقابلية النقل والتمويل المستدام والمنصف لنظام الحماية الاجتماعية. ونظم التأمين الاجتماعي التي توفر تغطية واسعة ووافية أساسية، إذ تضمن أن يعمل نظام الحماية الاجتماعية بأكمله بكفاءة. وفي حالات كثيرة، تجمع نظم التأمين الاجتماعي بين التمويل من الاشتراكات والضرائب العامة لمن تكون قدرتهم على الاشتراك محدودة. وفي الوقت ذاته، يتعين أن تكون سياسات الحماية الاجتماعية جزءاً من إطار سياساتي أوسع يكفل تنظيماً حسن التصميم للعمل وآليات لحماية العمالة ومؤسسات فعالة لسوق العمل وغير ذلك من التدابير الرامية إلى حماية حقوق العمال وضمان المنافسة العادلة بين المؤسسات.

تمكين العمال من اجتياز مستقبل العمل على نحو أفضل

لكي ينجح الانتقال العادل، يتعين على نظم الحماية الاجتماعية أن تمكّن العمال وأصحاب العمل من اجتياز عالم العمل المتغير على نحو أفضل. فالعمال في جميع أشكال العمالة والقطاعات والمهن، بمن فيهم العاملون لحسابهم الخاص، يحتاجون إلى حماية وافية، وهو أمر أساسي للعمال والمؤسسات على حد سواء. والاهتمام بتحقيق المساواة بين الجنسين وإدماج الفئات المستضعفة من العمال، كالعاملين في الزراعة والعمل المنزلي والمنصات الرقمية والعاملين لحسابهم الخاص والعمال المهاجرين واللاجئين، أمر أساسي للانتقال العادل.

وتوسيع الحماية الاجتماعية شرط مسبق أيضاً لتيسير الانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم، وهو ما يمكن أن يحدث أثراً هائلاً في القضاء على الفقر والحد من عدم المساواة، ويسهم كذلك في رفع الإنتاجية وتنظيم العمالة والاقتصاد. فالحماية الاجتماعية تتيح أسواق عمل حسنة الأداء ومرنة بالقدر الكافي تولد عمالة منتجة ولائقة دون نقل المخاطر المالية على نحو غير مبرر إلى العمال وأصحاب العمل الأفراد. والواقع أن الضمان الاجتماعي ليس عائقاً أمام المرونة، بل هو شرط مسبق لها.

ولا ينبغي أن ننسى أن نظم الحماية الاجتماعية تسهم أيضاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استحداث فرص العمل، بما في ذلك استحداث ملايين الوظائف اللائقة في قطاعي الصحة والرعاية.

تسخير الفوائد الاقتصادية للحماية الاجتماعية الشاملة

تدعم الحماية الاجتماعية الاستثمار في القدرات البشرية، بما فيها الصحة والتعليم وتنمية المهارات، وتساعد العمال العاطلين على إعادة تأهيل مهاراتهم وإيجاد عمل جديد، وتمكّن كبار السن من التقاعد بكرامة. وبذلك لا غنى عن الحماية الاجتماعية لدعم العمال والمؤسسات في اجتياز التحولات الهيكلية اللازمة. كما تعمل بوصفها "أداة استقرار تلقائية" للاستهلاك الكلي والتماسك الاجتماعي أثناء الأزمات.

وإلى جانب السياسات الأخرى، تعد الحماية الاجتماعية محورية للعمالة اللائقة والمنتجة والانتقال العادل، ولا سيما حين تكون جزءاً من حزمة سياساتية متكاملة. ومن الجهود الرئيسية لتكثيف المقاربات المتكاملة والأفضل تنسيقاً في توسيع الحماية الاجتماعية في مواجهة الأزمة المناخية العمل من خلال الشراكات القائمة. فالشراكات يمكن أن تدعم جهود بناء نظم حماية اجتماعية شاملة، وتضمن الاعتراف بإمكاناتها في الإسهام في العمل المناخي وتعظيمها. وتؤدي الشراكة العالمية من أجل أرضيات الحماية الاجتماعية الشاملة، من خلال فريقها العامل المخصص للحماية الاجتماعية وتغير المناخ، دوراً رئيسياً في هذا الصدد. ومن الشراكات المهمة الأخرى مبادرة الأمم المتحدة بشأن أرضية الحماية الاجتماعية، ومجلس التعاون المشترك بين الوكالات في مجال الحماية الاجتماعية، والشراكة الدولية للتغطية الصحية الشاملة 2030، وشبكة التوفير من أجل الصحة. وتعزز الشراكات التعاون وتطور تحالفات استراتيجية بين وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، مما يساعد على مواءمة الرؤى المؤسسية والعمل على المستوى القطري.

ومن هذه الجهود أيضاً المسرّع العالمي للأمم المتحدة للوظائف والحماية الاجتماعية من أجل انتقالات عادلة، الذي يدعم البلدان في استحداث وظائف لائقة وتوسيع الحيز المالي وتوسيع الحماية الاجتماعية وضمان الانتقال العادل، مسخراً الفرص التي تتيحها التحولات الاقتصادية والديمغرافية والإيكولوجية الجارية لتحويلها إلى آفاق أفضل للمستبعدين اليوم من الوظائف اللائقة والحماية الاجتماعية. ويضم المسرّع العالمي حكومات ووكالات للأمم المتحدة وشركاء اجتماعيين ومؤسسات مالية دولية ومصارف تنمية عامة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، ممن هم مقتنعون بأن العدالة الاجتماعية تتطلب تنمية مستدامة. وقد انضم حتى الآن 15 بلداً رائداً إلى المسرّع العالمي، الذي يدعم من خلال برامج الأمم المتحدة وتحديد مصادر التمويل خططها لتوسيع الحماية الاجتماعية واستحداث العمل اللائق وتيسير الانتقال العادل.

5.2.2 جعل نظم الحماية الاجتماعية مستجيبة للاعتبارات الجنسانية

تجعل الطبيعة الملحة للعمل المناخي من الضروري أن تكون النظم الوطنية للحماية الاجتماعية مستجيبة للاعتبارات الجنسانية. فالأزمة المناخية تكثف بعض محركات عدم المساواة بين الجنسين، كأن تسبب مخاطر صحية أكبر وتزيد الوقت الذي يتعين على النساء تخصيصه لجلب المياه والوقود ورعاية أفراد الأسرة المرضى. ويحد ذلك بدوره من الوقت المتاح للتدريب على المهارات والبحث عن عمل لائق والانخراط فيه في اقتصاد سريع التغير.

ويمكن لسياسات الحماية الاجتماعية أن تسهم في معالجة أوجه عدم المساواة بين الجنسين وتعزيز نتائج أكثر إنصافاً وشمولاً وتحويلاً إذا صُممت ونُفذت ومُولت بطريقة مستجيبة للاعتبارات الجنسانية. ويتوقف تحقيق هذه الإمكانات على إيجاد أوجه تآزر قوية بين الحماية الاجتماعية وحماية العمل، وبين التحويلات الاجتماعية والخدمات الأساسية، وبين الحماية الاجتماعية والسياسات الأخرى، ولا سيما سياسات الصحة والتعليم والرعاية والعمالة والانتقال إلى الاقتصاد المنظم والسياسات المالية.

وسيتطلب سد الفجوات بين الجنسين في إطار الانتقال العادل عملاً سياساتياً مركزاً على أولويات رئيسية.

تعزيز آليات الحماية الصحية الاجتماعية لتسريع التغطية الصحية الشاملة

لما كانت النساء والفتيات أكثر تأثراً بارتفاع درجات الحرارة والكوارث المرتبطة بالمناخ وما يترتب عليها من آثار، فإن الآثار الصحية المباشرة لتغير المناخ يرجح أن تكون أشد إنهاكاً إذا لم يتمكنّ من الحصول على الرعاية الصحية دون مشقة. والواقع أن الحواجز المالية من أهم العوائق التي تبعد النساء عن خدمات الرعاية الصحية. وتوفر النظم المفروضة من السلطات العامة، المتسقة مع معايير الضمان الاجتماعي الدولية، ذات حزم الإعانات الشاملة التي تغطي النطاق الكامل لاحتياجات المرأة الصحية، والتي تكون إما غير قائمة على الاشتراكات أو تقدم دعماً للاشتراكات لمن تكون قدرتهم على الاشتراك ضئيلة أو منعدمة، المسار الأكثر فعالية نحو التغطية الصحية الشاملة، إذ توفر الحماية المالية اللازمة الشاملة لجميع النساء.

تعزيز نظم الحماية الاجتماعية لتحقيق نتائج أفضل للنساء

يعني ضمان أن تحقق نظم التأمين الاجتماعي نتائج للنساء سد فجوات الحماية وتغطية العاملين في جميع أشكال العمالة تغطية وافية، بما فيها العمل بدوام جزئي أو مؤقت والعمل لحساب الذات، وإدراج آليات فعالة للاعتراف بالإجازات المرتبطة بالرعاية والتعويض عنها، وضمانات الحد الأدنى للإعانات، وغيرها من آليات تقاسم المخاطر التي لا تتوافر عادة في آليات الحسابات الفردية.

ويتطلب ضمان أن تكون نظم المساعدة الاجتماعية قائمة على الحقوق ومستجيبة للاعتبارات الجنسانية تكريسها في القانون الوطني، بما في ذلك تحديد معايير الأهلية ومستويات الإعانات وآليات الربط بالمؤشرات تحديداً واضحاً، والتحول حيثما أمكن من الاستحقاقات القائمة على الأسرة إلى الاستحقاقات الفردية، استناداً إلى مبادئ الشفافية والمساءلة وعدم التمييز. ويشمل ذلك أيضاً إعادة النظر في الاشتراطات السلوكية، لتجنب تعزيز القوالب النمطية الجنسانية ومفاقمة تكاليف "المعاملات" التي تتحملها النساء وعملهن غير المأجور، وضمان ألا يفضي عدم الامتثال إلى تدابير عقابية تستبعد النساء والفتيات المهمشات أو اللواتي يعشن أوضاعاً هشة. كما يوفر تكريس النظم في القانون الوطني قدراً أكبر من الاستقرار المالي للنظام وتخطيطاً مالياً أفضل، بما يضمن أن يكون للمؤهلين للإعانات حق الحصول عليها عند الحاجة دون أن ينتهي بهم المطاف على قوائم الانتظار، وهو أمر مهم بوجه خاص للنساء.

تعزيز الروابط بين نظم الحماية الاجتماعية المستجيبة للاعتبارات الجنسانية والمجالات الأخرى

يمكن لإصلاحات نظم الحماية الاجتماعية أن تسهم في معالجة أوجه عدم المساواة بين الجنسين في أسواق العمل، بل في تعويضها إلى حد ما، من خلال ضمان الحصول الشامل على حماية اجتماعية وافية وشاملة. غير أن تدابير أخرى، كمعالجة الفصل المهني والفجوات في الأجور بين الجنسين، أساسية أيضاً. ويتطلب تعزيز حق المرأة في العمل وحقوقها في العمل، سواء في الاقتصاد الدائري كجامعي النفايات، أو في اقتصاد الرعاية كالعاملين في رعاية الأطفال والرعاية الطويلة الأجل، أو في الاقتصاد الرقمي سواء في الموقع أو عبر الإنترنت، حزمة من السياسات المترابطة. ويجب أن تكفل هذه السياسات السلامة والصحة المهنيتين، والحماية الاجتماعية الوافية بهدف تنظيم عمالتهن، والأجور العادلة، وسياسات التوفيق بين العمل والحياة.

وثمة حاجة ماسة إلى اتساق السياسات؛ فالحماية الاجتماعية المستجيبة للاعتبارات الجنسانية يمكن بلا شك أن تسهم إسهاماً كبيراً في أجندة المساواة بين الجنسين، لكنها تكون أكثر فعالية حين تقترن بمجموعة متكاملة ومتسقة من التدابير السياساتية الرامية إلى معالجة المحركات المتعددة والمترابطة لعدم المساواة بين الجنسين ومكافحتها.

5.2.3 تيسير الحصول على الرعاية وغيرها من الخدمات

يتطلب الانتقال العادل أيضاً تعزيز الروابط بين سياسات الحماية الاجتماعية والحصول على الرعاية وغيرها من الخدمات، فضلاً عن السياسات الأخرى التي تسهم في رفاه الناس وتيسر التوازن بين العمل والحياة. وينبغي استكمال إعانات الحماية الاجتماعية بتوفير خدمات اجتماعية وغيرها من الإعانات العينية المتاحة والميسورة التكلفة والمقبولة والجيدة. ففي عام 2015، كان 2.1 مليار شخص في العالم بحاجة إلى رعاية، ويُتوقع أن يبلغ هذا العدد 2.3 مليار بحلول عام 2030.

استكمال إعانات الأطفال والأسر بالحصول على خدمات جيدة لرعاية الأطفال

لتحسين نماء الأطفال ورفاههم ومساعدتهم على بلوغ كامل إمكاناتهم ودعم سبل عيش الأسر واحتياجاتها من الرعاية، يتحتم أن تعمل الإعانات النقدية للحماية الاجتماعية والحصول الفعلي على خدمات الرعاية بطريقة يعزز بعضها بعضاً. فتبعاً لتصميمها وطريقة تقديمها، يمكن لخدمات الرعاية الصحية والرعاية الطويلة الأجل ورعاية الأطفال أن تساعد على تعظيم آثار الإعانات النقدية واستدامتها، والتغلب على أوجه عدم المساواة بين الجنسين، وتعزيز الإدماج الاجتماعي للأطفال من الأسر المهمشة. ويمكن لخدمات رعاية الأطفال الجيدة أن تعزز أهداف نماء الطفل وتدعم الوالدين في الجمع بين العمل والمسؤوليات الأسرية. وعملياً، لا تزال خدمات التعليم والرعاية الشاملة في مرحلة الطفولة المبكرة المتوائمة مع احتياجات الأسر العاملة نادرة، ولا سيما للأطفال الأصغر سناً، وخصوصاً في البلدان النامية. غير أن الاستثمار في خدمات رعاية الأطفال يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة للأسر والأفراد والمجتمعات، بتعزيز قدرات الأطفال ودعم خيارات المرأة في سوق العمل واستحداث وظائف لائقة في قطاع الرعاية.

ضمان الحصول على خدمات جيدة للرعاية الطويلة الأجل

وبالمثل، ينبغي أن يُستكمل أمن الدخل في الشيخوخة عبر المعاش التقاعدي بالحصول على خدمات ملائمة للرعاية الصحية والرعاية الطويلة الأجل دون ضائقة مالية. ومع تزايد العبء العالمي للأمراض غير المعدية، لا ينبغي إيلاء الأولوية للوقاية منذ سن مبكرة ومعالجة محددات الأمراض المزمنة والطويلة الأمد فحسب، بل يتعين أيضاً تحسين تنسيق الخدمات الصحية مع خدمات الرعاية الاجتماعية التي تستجيب لاحتياجات كبار السن وتطلعاتهم إلى عيش حياة كريمة. ومع أن طرق تمويل خدمات الرعاية الطويلة الأجل وتقديمها تتباين تبايناً كبيراً بين البلدان، فإن الاتساق بين نظم الرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية والحماية الاجتماعية أمر حاسم لضمان الجودة، ولا سيما في نماذج الرعاية ذات الطابع التعددي. وعملياً، لا يتحقق هذا التواصل دائماً، وكثيراً ما يكون التنسيق ضعيفاً. وفي غياب التنسيق الفعال، يرجح أن تكون نماذج الرعاية الطويلة الأجل التي تعتمد حصراً أو أساساً على الأسر والمتطوعين غير منصفة وغير مستدامة معاً، نظراً إلى التغيرات في البنى الأسرية وأنماط العمالة. وتوفر خدمات الرعاية الطويلة الأجل الميسورة التكلفة والجيدة بديلاً عن الرعاية غير المأجورة التي يقدمها أفراد الأسرة، ومعظمهم من النساء، الذين يشكلون العمود الفقري الخفي لنظم الرعاية الطويلة الأجل. ويتعين على نظم الحماية الاجتماعية أن تتحمل مسؤولية أكبر حتى يتمكن المحتاجون إلى الرعاية الطويلة الأجل من الحصول عليها دون مشقة.

ضمان العمل اللائق للعاملين في مجال الرعاية

مع أن اقتصاد الرعاية مولد رئيسي للعمالة، إذ تبلغ القوى العاملة العالمية في مجال الرعاية 381 مليون عامل، أي 11.5% من إجمالي العمالة العالمية، فإن كثيراً من العاملين في مجال الرعاية يفتقرون إلى الحصول على حماية اجتماعية وافية. وفي ضوء إمكانات اقتصاد الرعاية بوصفه مصدراً لعمالة لائقة إضافية في إطار الانتقال العادل، لا بد من إيلاء مزيد من الاهتمام لضمان تغطية وافية بالضمان الاجتماعي. ويتطلب ذلك التغلب على العوائق القانونية والمالية والإدارية التي تحول دون تغطيتهم، بمن فيهم الفئات المستضعفة بوجه خاص، كالعمال المنزليين والعمال المهاجرين والعاملين الصحيين المجتمعيين أو العاملين في الرعاية المجتمعية.

الاعتراف بالرعاية غير المأجورة وإعادة توزيعها: دور الحماية الاجتماعية

تؤدي الأسر دوراً رئيسياً في تلبية الاحتياجات البدنية والعاطفية للأطفال والبالغين. وتقدم النساء أكثر من ثلاثة أرباع جميع أعمال الرعاية غير المأجورة، أي 76.2%، مما يقيد قدرتهن على الانخراط في العمل المأجور. ورغم الإسهام الأساسي لهذا العمل في القدرات البشرية والرفاه وفي إنتاج القوى العاملة وإعادة إنتاجها، يظل العمل غير المأجور مجالاً "خفياً" إلى حد كبير لا يُحتسب ضمن الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، فلولا العمل غير المأجور لمقدمي الرعاية، لتوقفت معظم المجتمعات عن العمل، ولما استطاع العمال البقاء أو أداء أنشطتهم المأجورة. ويمكن للإعانات النقدية وخدمات الحماية الاجتماعية أن توفر متنفساً لمقدمي الرعاية الأسرية غير المأجورين وتمكنهم من تحقيق توازن أفضل بين العمل والمسؤوليات الأسرية. ويشمل ذلك الدور المهم الذي تؤديه أرصدة الرعاية في نظم التأمين الاجتماعي، من خلال الاعتراف بالفترات التي تُقضى في رعاية الأطفال أو غيرهم من أفراد الأسرة ومكافأتها، لضمان حد أدنى للمعاشات وفقاً لمعايير الضمان الاجتماعي الدولية.

5.2.4 قلب الموازين: هل يمكن للأزمة المناخية أن تجعل الصحة والرفاه محور اقتصاداتنا؟

تتحدد صحة الإنسان ورفاهه إلى حد كبير بالظروف التي يعيش فيها الناس ويعملون وينمون ويتقدمون في السن. فالفقر والإقصاء الاجتماعي وعدم المساواة، التي يُتوقع أن تتزايد مع الأزمة المناخية، تؤثر سلباً في الصحة، بما فيها الصحة النفسية، لأنها تؤثر في التغذية والتعليم والسكن وسلوكيات طلب الرعاية الصحية وغيرها من المحددات الاجتماعية للصحة. وتتجذر هذه المحددات في التوزيع غير المتكافئ للسلطة والموارد، الذي يولد تدرجاً اجتماعياً في الصحة على المستويات المحلية والوطنية والدولية، مما يفضي إلى أوجه إجحاف في النتائج الصحية داخل البلدان وفيما بينها.

معالجة أوجه عدم المساواة في الصحة والرفاه

يرجح أن يعزز تغير المناخ، وكذلك سياسات التخفيف والتكيف، أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية القائمة المسؤولة عن الإجحاف في الصحة والرفاه عالمياً ومحلياً. وقد أوصى المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية الدول الأعضاء بـ"تنفيذ إجراءات مشتركة من أجل الإنصاف الصحي في التصدي لتغير المناخ والتحولات المجتمعية الكبرى" في إطار العمل المشترك بين القطاعات لمعالجة المحددات الاجتماعية للإنصاف الصحي. وتؤدي سياسات الحماية الاجتماعية، بتصديها المباشر للفقر وعدم المساواة والحصول على الخدمات الأساسية، دوراً حاسماً في تعزيز الرفاه والقدرة على الصمود، فتسهم في تحول أوسع نحو اقتصاد يعزز رفاه الإنسان ويظل ضمن الحدود الكوكبية.

ومع أن الأدلة مجزأة، فقد بينت دراسات كثيرة الأثر الصحي للحماية الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، كان للإعانات الأسرية في أمريكا اللاتينية أثر إيجابي في سلوكيات طلب الرعاية الصحية وفي النتائج الصحية على حد سواء، ويؤثر التأمين ضد البطالة إيجاباً في الصحة، بما فيها الصحة النفسية. وحددت دراسات أخرى كثيرة الحماية الاجتماعية بوصفها شرطاً أساسياً للحفاظ على حياة صحية. فعلى سبيل المثال، يُعزى 35% من الإجحاف في الصحة المبلغ عنها ذاتياً بين الأكثر ثراءً والأقل ثراءً في الإقليم الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية إلى "اختلافات منهجية في خطر انعدام أمن الدخل والتعرض له وفي انعدام الحماية الاجتماعية أو عدم كفايتها". ويعد شمول المخاطر المغطاة وكفاية مستويات الإعانات معيارين رئيسيين للأثر الصحي المتوقع للنظم الوطنية للحماية الاجتماعية، مما يؤكد أهمية الإعانات الشاملة والوافية. وسيكون تعزيز التكامل بين سياسات الحماية الاجتماعية الشاملة والتغطية الصحية الشاملة أمراً أساسياً في هذا المسعى.

الاستثمار في اقتصاد الرفاه

تفاقم الأزمة المناخية أوجه عدم المساواة القائمة، ولا بد من عمل عاجل لقلب الموازين. ويلزم تحول في السياسات الاجتماعية والاقتصادية لتوجيه الاستثمارات نحو ما هو مفيد للصحة والرفاه والبيئة. وثمة منافع مشتركة كثيرة بين السياسات الصحية والمناخية. فالتنقل النشط، كالمشي وركوب الدراجات، ونظم النقل العام النظيفة تفيد النتائج البيئية والصحية معاً، وكذلك اعتماد نظام غذائي متوازن يفضل المكونات النباتية. ويتطلب جني هذه المنافع المشتركة الاستثمار في سياسات اجتماعية لإعادة التوزيع تمكّن الأفراد والأسر والمجتمعات من إجراء التغييرات اللازمة، مع مراعاة أن تكاليف التقاعس على النظم الصحية ستكون أكبر بكثير. ولذلك يلزم تحول كبير، كما تدعو إليه حركة اقتصادات الرفاه، يضمن ألا يُنظر إلى تمويل نظم الصحة والحماية الاجتماعية بوصفه أولوية منافسة، بل بوصفه استثماراً مكملاً في رفاه الإنسان يمكن أن يدعم أيضاً صحة الكوكب.

تسريع التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة

يعد تحقيق التغطية الصحية الشاملة شرطاً مسبقاً رئيسياً للعمل المناخي والانتقال العادل، ويتطلب عملاً ملموساً. وتسهم منظمة العمل الدولية بفاعلية في الشراكة الدولية للتغطية الصحية الشاملة 2030 وشبكة التوفير من أجل الصحة وغيرهما من التحالفات الاستراتيجية للنهوض بالنقاش السياساتي ودعم العمل على المستوى القطري.

5.3 تعزيز نظم الحماية الاجتماعية: السياسات والأطر القانونية والقدرات المؤسسية

5.3.1 تعزيز السياسات والاستراتيجيات والأطر القانونية الوطنية للحماية الاجتماعية لجعلها ملائمة للغرض

للتكيف مع تقلبات مناخية أكبر، يلزم إيلاء مزيد من الاهتمام لتعزيز السياسات والاستراتيجيات الوطنية للحماية الاجتماعية وضمان نهج قائم على الحقوق. وهذا أمر أساسي لتمكين الناس والمؤسسات من جني المكاسب الاجتماعية والاقتصادية للانتقال العادل، وتعزيز الاستثمار في القدرات البشرية، وتمكين الناس من اغتنام الفرص الاقتصادية.

صياغة السياسات والاستراتيجيات الوطنية للحماية الاجتماعية وتنفيذها ورصدها

تعد السياسات والاستراتيجيات الوطنية للحماية الاجتماعية أدوات تخطيط مهمة يمكن أن تساعد الحكومات على تحديد غايات ومعالم للوصول تدريجياً إلى التغطية الشاملة. وتضمن صياغة هذه السياسات والاستراتيجيات من خلال عملية تشاركية قوامها حوار اجتماعي فعال وشامل أن تكون السياسات شاملة وشفافة وتوافقية ومتوازنة، ومن ثم قادرة على تحقيق قدر أكبر من القبول والملكية. كما ستيسر هذه الآليات تنفيذ السياسات، فتعزز بذلك التنسيق بين أجهزة الحكومة وغيرها من الجهات الفاعلة المعنية، بما يضمن تلبية السياسات لاحتياجات السكان. ولا بد بصورة عاجلة أن يصبح الحوار الاجتماعي القاعدة لا الاستثناء عند صياغة السياسات وتنفيذها.

تعزيز الأطر القانونية لنظم الحماية الاجتماعية

يعد تعزيز الأساس القانوني لنظم الحماية الاجتماعية أمراً أساسياً للانتقال العادل. ويشمل ذلك توسيع التغطية القانونية لتشمل غير المحميين بعد، ومعالجة التمييز وضمان المساواة في المعاملة والمساواة بين الجنسين، وصون كفاية الإعانات والخدمات، وتوسيع نطاق الإعانات لتحقيق الحماية الشاملة تدريجياً، وضمان ملاءمة آليات الحوكمة والتمويل والتنسيق والتقديم للغرض.

ويعد سد الثغرات المتبقية في التشريعات الوطنية أمراً أساسياً لضمان أن ينص القانون على شروط التأهيل والاستحقاقات من الإعانات، بما يكفل القابلية للتنبؤ بالحقوق والإعانات ويضمن الشفافية والمساءلة. وسيسهم ذلك في قاعدة تمويل أكثر موثوقية ويزيد ثقة الجمهور في النظام.

وفي إطار جهد أوسع لتعزيز تشريعات الضمان الاجتماعي، تتمثل إحدى الأولويات المهمة في تطبيق نهج قائم على الحقوق على نظم المساعدة الاجتماعية، التي لا يزال كثير منها يفتقر إلى أساس قانوني متين بما يكفي، وسيستفيد من إدماجه الكامل في النظم الوطنية للحماية الاجتماعية. فالنظم الموجهة للفقراء نادراً ما تكون مكرسة في القانون، وكثيراً ما تتعرض للانتقاد بسبب أخطاء الإقصاء الكبيرة وغموض آليات الأهلية. ومع إمكانية الاحتجاج بضرورة نظم أكثر شمولاً تغطي فئات واسعة من السكان، فإن للنظم الموجهة للفقراء دوراً ضمن نظم الحماية الاجتماعية الشاملة بوصفها ضماناً أخيراً للأفراد ذوي الاحتياجات الإضافية التي لا يمكن تلبيتها عبر آليات أخرى، وفي حالات كثيرة أيضاً بسبب القيود المالية. غير أن المساعدة الاجتماعية ليست "صدقة"، ومن الممكن تصميم نظم موجهة للفقراء تتسق مع نهج قائم على الحقوق. فقواعد الأهلية والإعانات الشفافة وآليات المساءلة مهمة. وعملياً، يمكن أن يشمل ذلك التسجيل عند الطلب وتيسير الحصول على الإعانات للمستحقين، وتدابير لمنع وصم المستفيدين، وتعزيز إدارة المالية العامة، بما في ذلك بدعم دولي، لضمان توافر الموارد لتلبية احتياجات الناس. وبذلك يمكن لبرامج المساعدة الاجتماعية أن تغير الحياة نحو الأفضل، وتحترم كرامة أصحاب الحقوق، وتعزز الثقة في السلطات العامة.

تسخير معايير الضمان الاجتماعي الدولية لتعزيز النظم الوطنية

يوفر الإطار المعياري الدولي، ولا سيما صكوك حقوق الإنسان ومعايير الضمان الاجتماعي الدولية، إرشاداً أساسياً لتعزيز نظم الحماية الاجتماعية وتكييفها بما يضمن انتقالاً عادلاً وعملاً مناخياً شاملاً. ويتطلب ذلك أيضاً تحسين مستوى الإعانات والخدمات وجودتها، وتحديد حقوق واضحة وما يقابلها من التزامات على الدولة والأفراد على حد سواء، وضمان هياكل تمويل مستدامة ومنصفة.

وتوفر معايير الضمان الاجتماعي الدولية إرشاداً رئيسياً لدعم البلدان في تعزيز نظمها للحماية الاجتماعية، غير أنها كثيراً ما تكون غير معروفة ومطبقة بالقدر الكافي. ولمواجهة هذا التحدي، تجري منظمة العمل الدولية حالياً حملة عالمية للتصديق على الاتفاقية رقم 102، تدعم البلدان في التصديق على معايير الضمان الاجتماعي الدولية وتنفيذها. ويشمل ذلك التوعية وبناء قدرات أصحاب المصلحة الوطنيين لتصميم سياسات وطنية سليمة للحماية الاجتماعية ونظم حماية اجتماعية قائمة على الحقوق وتنفيذها، فضلاً عن إجراء تقييمات مقارنة بين تشريعات الضمان الاجتماعي الوطنية وممارساته والمعايير الدولية. وقد حدد مجلس إدارة منظمة العمل الدولية هدفاً يتمثل في تحقيق ما لا يقل عن 70 تصديقاً على الاتفاقية رقم 102 بحلول عام 2026. ومنذ عام 2021، صدقت سبعة بلدان على الاتفاقية، ليبلغ إجمالي عدد التصديقات 66 تصديقاً حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.

الاتساق مع السياسات الاجتماعية والاقتصادية وسياسات العمالة

لكي تكون التحولات الهيكلية المرتبطة بالسياسات المناخية منصفة ومنظمة، ينبغي أن تُنسَّق الحماية الاجتماعية تنسيقاً جيداً مع السياسات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، بما فيها سياسات العمالة والسياسات القطاعية وسياسات المهارات والصحة. كما سيعظم الاتساق السياساتي الأكبر أوجه التآزر والأثر. وتشمل الحلول المتكاملة مثلاً تنظيم ترتيبات العمالة والمؤسسات غير المنظمة، وتعزيز الاستثمار العام في اقتصاد الرعاية، وتعزيز العمل اللائق من خلال حلول متكاملة. ويمكن تحقيق الأمر الأخير بتوفير أمن الدخل للعمال العاطلين عن العمل عبر نظم الاحتفاظ بالعمالة أو التشغيل العام أو دعم البطالة، وتوفير فرص التدريب التي تمكّنهم من إعادة تأهيل مهاراتهم أو تعزيز مهاراتهم القائمة التي سيتطلبها الانتقال العادل.

5.3.2 تعزيز القدرات المؤسسية من أجل تقديم أفضل وجاهزية أكبر

يناقش هذا القسم ضرورة تعزيز القدرات المؤسسية من أجل تقديم أفضل وجاهزية أكبر، داعياً إلى نهج شامل ومنهجي.

تعزيز القدرات المؤسسية والجاهزية

تتطلب الجاهزية للصدمات المناخية ولسياسات الانتقال العادل وجود نظم حماية اجتماعية شاملة مسبقاً. ويعني ذلك صياغة الاستراتيجيات والسياسات الوطنية للحماية الاجتماعية وتنفيذها من خلال الحوار الاجتماعي الآن لا لاحقاً، وهو ما يساعد على تجنب الاستجابات المرتجلة في خضم حالة الطوارئ وفوضاها. فالنظم يمكن أن تسهم في منع آثار الأزمات واحتوائها وتخفيفها، وتعزيز التعافي السريع، وبناء قدرة الناس على التعامل مع الصدمات والمخاطر اليومية على حد سواء. وفي سياق الأزمات الإنسانية، يتطلب ذلك العمل عبر الترابط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام، واستخدام نظم الصحة والحماية الاجتماعية القائمة قدر الإمكان وتعزيزها بصورة منهجية. وتمنح الشراكات الراسخة وأطر التعاون بين الوكالات قطاع الحماية الاجتماعية أسبقية في هذا المجال.

تعزيز نظم تقديم الحماية الاجتماعية

إلى جانب توافر بيئة تمكينية عامة قوامها سيادة القانون والسلام والأمن وبنية تحتية رقمية ومادية عامة عاملة، يتعين على نظم الحماية الاجتماعية أن تكفل قدرة سليمة على التقديم في كل خطوة من خطوات سلسلة التقديم، بما يتيح للناس استحقاقات واضحة وحصولاً فعلياً على إعانات وخدمات وافية. ويتطلب ذلك ما يلي:

قنوات تواصل متاحة وشاملة تضمن أن يفهم جميع أفراد المجتمع استحقاقاتهم والتزاماتهم والإجراءات الإدارية الواجب اتباعها وكيفية تلقي الإعانات والحصول على الخدمات. ويمكن لمنظمات العمال وأصحاب العمل، وكذلك منظمات المجتمع المدني، أن تؤدي دوراً مهماً في هذا الصدد.

آليات لتحديد الهوية والتحقق منها يمكنها التثبت من هوية الأشخاص عند التسجيل في أحد النظم أو تلقي إعانة أو خدمات. ففي بعض البلدان، يكون نظام الهوية الوطنية شاملاً ويمكن استخدامه لهذا الغرض. وفي بلدان أخرى، تُمنح أحياناً أرقام ضمان اجتماعي فريدة عند الولادة. وفي غياب معرف فريد، تقبل النظم في بعض البلدان ما يصل إلى 30 نوعاً مختلفاً من الوثائق للتسجيل في إعانة ما، كشهادات الميلاد وبطاقات الناخبين وفواتير المرافق أو السجلات الضريبية.

واجهات إلكترونية أو مادية أو كلتاهما متاحة وشاملة. فينبغي للمكاتب أو الوحدات المتنقلة أن تضمن قدرة الأفراد على التسجيل والتحقق من أهليتهم. وبالمثل، يتعين أن تكون نقاط تحصيل الاشتراكات والدفع أو تقديم الخدمات، الرقمية منها أو المادية، سهلة الوصول للمستفيدين. وحيث تغيب الخيارات الرقمية أو يتعذر الوصول إليها، يكون الدعم الشخصي مهماً لضمان ألا يُستبعد أحد لمجرد محدودية قدرته التكنولوجية، كما في المناطق النائية. وحين تتعطل النظم الرقمية أو تقع صدمة، يتعين الحفاظ على استمرارية النظم بما يتيح الاستيعاب السريع لأعداد كبيرة من المستفيدين الإضافيين.

تعزيز القدرة المؤسسية على جميع المستويات الإدارية. ويتطلب ذلك عمليات للرصد المنتظم والتقييم الدوري، وضمان حصول المستخدمين على آليات للشكاوى والتظلم تكون محايدة وشفافة وفعالة وبسيطة وسريعة وزهيدة التكلفة. ولا يتأتى ذلك إلا بموظفين مدربين تدريباً جيداً يتمتعون بظروف عمل لائقة، بما في ذلك حماية العمل والحماية الاجتماعية الوافيتان.

5.4 ضمان تمويل مستدام ومنصف للحماية الاجتماعية

لا يمكن للحماية الاجتماعية أن تحقق نتائج للعمل المناخي والانتقال العادل إلا إذا مُوّلت تمويلاً مستداماً ومنصفاً من الموارد المحلية، واستُكملت عند الضرورة بدعم مالي دولي.

تمكين نظم حماية اجتماعية ممولة تمويلاً مستداماً ومنصفاً

يتطلب ضمان نظم حماية اجتماعية قوية قادرة على دعم الانتقال العادل الاستثمار اللازم. غير أن بلداناً كثيرة تجد صعوبة في الاضطلاع بهذه المهمة في ظل محدودية الحيز المالي الناجمة عن ارتفاع مستويات العمل غير المنظم والدين السيادي، الذي يولد تكاليف خدمة دين غير مستدامة. ونتيجة لذلك، تجد بلدان عديدة الآن أن مدفوعات الفوائد لديها تتجاوز ما تنفقه على الحماية الاجتماعية. كما أن ارتفاع مدفوعات الفوائد في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي بين عامي 2012 و2021 قلص الإنفاق على الخدمات العامة الرئيسية وأسهم في تراجع الاستثمار العام. ولتجنب مزيد من تراكم الديون، بدأت 134 حكومة في خفض الإنفاق العام عام 2021، وهو اتجاه يُتوقع أن يستمر حتى عام 2025 على الأقل. وقد انطوى جانب كبير من هذا التشديد للميزانيات على استهداف الإنفاق على الحماية الاجتماعية وترشيده بوصفه أحد تدابير التقشف الرئيسية المستخدمة لخفض الإنفاق الحكومي الإجمالي.

غير أن تقليص الإنفاق على الحماية الاجتماعية سيؤثر على نحو غير متناسب في أفقر الأسر، فيوسع الهوة الاقتصادية ويفاقم أوجه عدم المساواة المتقاطعة. وسيجعل ذلك البلدان بدوره أكثر عرضة لآثار تغير المناخ، فيقوض تحقيق أهداف التخفيف والتكيف والانتقال العادل. ومن ثم فإن خفض الاستثمار في الحماية الاجتماعية سيعرض للخطر تحقيق عدة غايات من الهدف الأول المتعلق بالفقر، والهدف الثالث المتعلق بالصحة، والهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي من أهداف التنمية المستدامة. ويعد صون الإنفاق الاجتماعي على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية أمراً حاسماً لتحقيق هذه الأهداف. وتعكس مبادئ الشراكة العالمية من أجل الحماية الاجتماعية الشاملة 2030 لتمويل الحماية الاجتماعية الشاملة توافقاً واسعاً على مبادئ رئيسية تردد صدى المبادئ المضمنة في معايير الضمان الاجتماعي الدولية.

وتطال تدابير التقشف المستويات الحالية من الإنفاق على الحماية الاجتماعية، وهي مستويات غير كافية لضمان الأرضيات الوطنية للحماية الاجتماعية، ناهيك عن توفير مستويات أعلى تدريجياً من الحماية لأكبر عدد ممكن من الناس. وبالنسبة إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل خصوصاً، يبلغ الاستثمار الإضافي اللازم لتحقيق الغايتين 1.3 و3.8 من أهداف التنمية المستدامة 3.3% من ناتجها المحلي الإجمالي.

سد فجوات التمويل وتأمين حيز مالي كاف على المستوى الوطني

تتوافر للبلدان خيارات مختلفة لإيجاد حيز مالي للحماية الاجتماعية وتوسيعه. غير أن المصادر الرئيسية للتمويل يجب أن تكون مصادر محلية منتظمة، كالضرائب التصاعدية واشتراكات الضمان الاجتماعي، نظراً إلى أن نظم الحماية الاجتماعية تنطوي على التزامات منتظمة طويلة الأمد يجب أن تكون مستدامة لحماية الناس بفعالية في حالة مخاطر دورة الحياة والمخاطر المناخية.

البيان المشترك للشراكة العالمية من أجل الحماية الاجتماعية الشاملة 2030: مبادئ تمويل الحماية الاجتماعية الشاملة

اتفقت الشراكة العالمية من أجل الحماية الاجتماعية الشاملة للجميع على المبادئ الرئيسية التالية لتوجيه التمويل الدولي والوطني للحماية الاجتماعية. أولاً، ينبغي أن يتبع تمويل الحماية الاجتماعية نهجاً قائماً على الحقوق وأن تسترشد بمعايير الضمان الاجتماعي الدولية؛ فالدول ملزمة بموجب معاهدات حقوق الإنسان الدولية واتفاقيات الضمان الاجتماعي الدولية بالإعمال التدريجي للحق الشامل في الضمان الاجتماعي، بما في ذلك تخصيص أقصى الموارد المتاحة لضمان حق جميع الأفراد في الضمان الاجتماعي. ثانياً، الدولة هي الجهة الفاعلة الرئيسية في تمويل الحماية الاجتماعية وتنفيذها، مع ست أولويات رئيسية لحشد الموارد المحلية، هي: إيلاء أولوية أكبر للإنفاق الاجتماعي في الميزانيات الحكومية؛ وتعزيز تصاعدية النظام الضريبي وفعاليته لزيادة الإيرادات الضريبية وضمان الإنصاف في جهود التمويل؛ وزيادة الإيرادات من اشتراكات التأمين الاجتماعي بتوسيع تغطية نظمه؛ وتحسين كفاءة التمويل العام للحماية الاجتماعية وشفافيته على جميع المستويات والأجهزة الحكومية ذات الصلة ولدى الشركاء؛ وضمان التوفير الملائم للتمويل المستجيب للصدمات؛ والانخراط في حوار اجتماعي شامل لتحديد إصلاحات نظام الحماية الاجتماعية وتمويله. ثالثاً، ينبغي للموارد الدولية أن تدعم توسيع نظم الحماية الاجتماعية في البلدان ذات الحيز المالي المحدود؛ فنظراً إلى أن سد فجوات تمويل الحماية الاجتماعية من الموارد المحلية لن يكون ممكناً على المدى القصير في بلدان كثيرة، يلزم زيادة الدعم الدولي، مع التركيز على زيادة الدعم المالي الدولي للحماية الاجتماعية وتحسين تنسيقه، وتخفيف أعباء الديون وإعادة هيكلتها، وإصلاح النظام الضريبي الدولي لزيادة الإيرادات، وتنسيق المشورة السياساتية الدولية.

ومن الحاسم أن تنظم البلدان المؤسسات والعمالة والمعاملات الاقتصادية، وأن تعزز المؤسسات اللازمة لتحصيل الضرائب والاشتراكات الاجتماعية، وأن تتصدى للتهرب الضريبي والتهرب من الاشتراكات الاجتماعية. ومع أن دور الاشتراكات الاجتماعية محل جدل أحياناً، فإن الأدلة تبين أن خفض معدلات الاشتراك لم يفض إلى مكاسب كبيرة في العمالة أو في التنظيم، بل زاد فجوات تمويل الحماية الاجتماعية سوءاً.

ومن الاستراتيجيات الأكثر جدوى لزيادة الحيز المالي لنظم الحماية الاجتماعية وأرضياتها إعادة ترتيب أولويات الميزانية، ورفع كفاءة الإنفاق، ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة، والسياسات الاقتصادية الكلية الداعمة لاستحداث الوظائف اللائقة، ومصادر التمويل المبتكرة كالضرائب على الكربون. ونظراً إلى أوجه عدم المساواة الهائلة في الدخل والثروة، يمكن للبلدان أيضاً تطبيق ضرائب أكثر تصاعدية، عبر الضرائب على الثروة أو الميراث، أو الضرائب على الأرباح المفرطة أو الاستثنائية. وفي السياق الراهن للضائقة الإنمائية المرتبطة بخدمة الديون، إذا أمكن إعادة التفاوض على جزء من الدين الحكومي بأسعار فائدة أدنى، فقد يحرر ذلك حصة كبيرة من الموارد المالية لتخصيصها للاستثمار في الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية.

سد فجوات التمويل من خلال الدعم الدولي

مع وجوب أن يظل حشد الموارد المحلية حجر الزاوية في النظم الوطنية للحماية الاجتماعية، فإن فجوة التمويل المقدرة في البلدان المنخفضة الدخل، البالغة 52.3% من ناتجها المحلي الإجمالي، تجعل الدعم الدولي ضرورياً على الإطلاق، لكي تتمكن البلدان من تلبية احتياجاتها التمويلية العاجلة وبناء نظمها للحماية الاجتماعية بمرور الوقت. غير أن المساعدة الإنمائية الرسمية تظل غير قابلة للتنبؤ ودون الهدف المتفق عليه دولياً البالغ 0.7% من الدخل القومي الإجمالي للبلدان المرتفعة الدخل، إذ بلغ متوسط المعدل 0.37% في عام 2022. ووفقاً للبيانات التي جمعتها لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لم يبلغ هذا الهدف سوى خمسة بلدان. ورغم بعض الزيادة في حصة المساعدة الإنمائية الرسمية المخصصة للعمالة والحماية الاجتماعية نتيجة لجائحة كوفيد 19، لا تزال مخصصات هذه المساعدة للحماية الاجتماعية منخفضة جداً. وفضلاً عن ذلك، لم يكن التمويل المناخي المصروف حتى الآن إضافياً إلى المساعدة الإنمائية الرسمية، مما يعني أنه يقتطع منها، ومن ثم يقلص ما يمكن أن تحققه التزاماتها في مجالات أخرى.

ولإطلاق فرص تمويل الحماية الاجتماعية، ولا سيما للبلدان المنخفضة الدخل، طلبت الهيئات المكونة لمنظمة العمل الدولية عام 2021 من المكتب استكشاف خيارات لحشد التمويل الدولي للحماية الاجتماعية، بما في ذلك في صورة صندوق عالمي للحماية الاجتماعية. وتشير بحوث كلفت بها المنظمة بشأن التجارب المتنوعة للصناديق العالمية في مجالات الصحة والزراعة والمناخ إلى أن صندوقاً عالمياً مفترضاً للحماية الاجتماعية يمكن أن يولي الأولوية للبلدان المنخفضة الدخل لبناء أرضياتها الوطنية للحماية الاجتماعية تدريجياً، بما يكمل جهود حشد الموارد المحلية ويدعمها. غير أن إنشاء صناديق رأسية جديدة ينطوي أيضاً على مخاطر، منها خطر نقص مواردها وإحداث تجزؤ في مجال تمويل الحماية الاجتماعية. كما أن ضمان التنسيق الفعال مع جهود التمويل المناخي الجارية أمر محوري. ومع أن مصادر التمويل الخاصة يمكن أن تتيح أموالاً جديدة كبيرة، فإن الأمر يتطلب حرصاً شديداً على ترسيخ الاعتبارات الأخلاقية والشواغل المتعلقة بالمصالح الخاصة والعناية الواجبة في هياكل الحوكمة وعملياتها ترسيخاً سليماً لتجنب ذلك. كما أن المشاركة الكاملة لممثلين متنوعين من بلدان الجنوب العالمي، من حكومات بمختلف وزاراتها وشركاء اجتماعيين ومجموعات المجتمع المدني كالمستخدمين والمستفيدين، في المداولات على المستوى العالمي أمر حاسم لشرعية هذه الصناديق.

ويمكن للاتفاق الذي أُبرم مؤخراً بشأن حد أدنى عالمي موحد لضريبة الشركات المتعددة الجنسيات قدره 15%، رغم بعض الثغرات، أن يساعد على الاحتفاظ بالموارد المحلية في البلدان التي تعمل فيها الشركات. فالعالم "يفيض" برأس المال، مع ارتفاع أسواق الأسهم وطفرة في الثروات الخاصة، إذ بلغت ثروة أغنى عشرة أشخاص في العالم حتى الأول من يناير 2024 نحو 1.47 تريليون دولار أمريكي. والتحدي هو الاستفادة من هذا المصدر المحتمل للتمويل. وثمة تأييد متزايد، بما في ذلك من وزارات المالية في بلدان كبرى، لفرض ضريبة ثروة دنيا قدرها 2% على أصحاب المليارات، وإن كانت التفاصيل لا تزال بحاجة إلى صياغة.

تسخير التمويل المناخي للحماية الاجتماعية على المستويين الوطني والدولي

تؤدي الحماية الاجتماعية وظيفة تمكينية مهمة للتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره والاستجابة للخسائر والأضرار، وفي تيسير الانتقال العادل نحو اقتصادات أكثر اخضراراً. ولكي تؤدي هذا الدور، يتعين تمويل نظم الحماية الاجتماعية تمويلاً مستداماً ومنصفاً. وقد يكون تسخير التمويل المناخي أساسياً لاستكمال مصادر التمويل الأخرى للحماية الاجتماعية دعماً للانتقال العادل.

وفي البلدان الأشد تضرراً من تغير المناخ، ينبغي أن تساعد الاستفادة من التمويل المناخي الدولي، بما في ذلك ترتيبات تمويل الخسائر والأضرار، على تعزيز نظم الحماية الاجتماعية وتكييفها لضمان أن تكون الشعوب والمجتمعات والاقتصادات مهيأة على نحو أفضل لمواجهة مخاطر الأزمة المناخية. غير أن ذلك يتطلب اعترافاً أكبر بدور الحماية الاجتماعية في العمل المناخي من جانب مؤسسات التمويل المناخي ومقدمي طلبات هذا التمويل، بما فيهم الحكومات الوطنية. وتتمثل الخطوة الملموسة الأولى للمضي في هذا الاتجاه في إدراج التزامات واضحة بشأن دور الحماية الاجتماعية في العمل المناخي في سياق المساهمات المحددة وطنياً للبلدان وخطط التكيف الوطنية، فضلاً عن تعهدات صافي الانبعاثات الصفري والسندات الخضراء السيادية. وفي الوقت ذاته، يتعين توسيع إجمالي تدفقات التمويل المناخي الدولي المتاحة توسيعاً كبيراً، ولا سيما تلك المتاحة لتمويل احتياجات التكيف.

وعلى المستوى الوطني، يمكن لإلغاء الدعم الصريح للوقود الأحفوري واستحداث تدابير تسعير الكربون أو توسيعها، أي إلغاء الدعم الضمني للوقود الأحفوري، أن يحرر إيرادات مالية إضافية أو يولدها. ومن خلال إعادة توزيع جزء من هذه الوفورات أو الإيرادات عبر نظام الحماية الاجتماعية، يمكن للحكومات تعويض الناس عن الزيادات المصاحبة في الأسعار، فتساعد بذلك على جعل السياسات المناخية منصفة وقابلة للتطبيق. ويشكل ذلك أيضاً فرصة مهمة لسد بعض فجوات تمويل الحماية الاجتماعية، ولا سيما في البلدان المتوسطة الدخل التي تنفق أكثر بكثير على الدعم الصريح للوقود الأحفوري وتتمتع بإمكانات إيرادات أعلى من تسعير الكربون مقارنة بالبلدان المنخفضة الدخل.

وفي الوقت ذاته، يتطلب تعظيم خفض الانبعاثات وزيادة الإيرادات الحكومية من خلال تسعير الكربون تعاوناً دولياً، كاستحداث حد أدنى دولي لسعر الكربون. وتقترح أفكار ناشئة توجيه الإيرادات المحصلة عبر هذه الترتيبات التمويلية الدولية نحو تمويل احتياجات التكيف في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ولو وُجهت هذه التحويلات العابرة للبلدان نحو الحماية الاجتماعية، لعززت تقاسماً أكثر عدلاً للأعباء، وساعدت على معالجة خسائر الدخل والصحة الناجمة عن تغير المناخ من خلال إيرادات تتولد من تسعير الانبعاثات حيث تحدث.

5.5 تعزيز الحماية الاجتماعية الشاملة للنهوض بالعدالة الاجتماعية وتحقيق عقد اجتماعي متجدد

بيّن هذا التقرير الدور الرئيسي للحماية الاجتماعية الشاملة في تمكين الناس من مواجهة المخاطر المناخية ومخاطر دورة الحياة المتشابكة في الغالب، فضلاً عن أوجه عدم اليقين المرتبطة بالتحولات الطويلة الأمد. ولما كانت هذه النظم تكيفية ومستجيبة للصدمات، فإنها أساسية لمنع الفقر والتخفيف منه، والحد من أوجه الهشاشة وعدم المساواة، وزيادة الإدماج الاجتماعي والقدرة على الصمود.

والحماية الاجتماعية الشاملة محورية لتجديد العقد الاجتماعي، الذي يعد أساسياً لتعزيز الرفاه والتماسك الاجتماعي والسعي إلى العدالة الاجتماعية. فالحماية الاجتماعية القوية تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويمكنها أن تضمن حماية جميع أفراد المجتمع حماية جيدة. غير أن العقود الأخيرة شهدت تآكلاً سريعاً في العقد الاجتماعي. فقد أوجدت عناصر متعددة "حالة من التصدع" وهزت ثقة الناس في الدولة، منها: الأزمات الاقتصادية والصحية والبيئية والإنسانية المتقاربة والممتدة؛ وضغوط الهجرة والنزوح والتمييز والاستغلال؛ والتقشف وخصخصة الخدمات العامة؛ واستيلاء النخب على السلطة؛ وتركز الثروة؛ والاستقطاب السياسي. ويبرهن ارتفاع مستويات عدم المساواة والفقر والجوع على الصعيد العالمي كذلك على الحاجة إلى عقد اجتماعي متجدد.

ويمكن للعقد الاجتماعي المتجدد أن يكسب التأييد الشعبي للسياسات المناخية التي تشتد الحاجة إليها، بما فيها تدابير التخفيف، كسياسات ضريبة الكربون أو خفض دعم الوقود، التي قد تفاقم، في غياب التعويض الملائم، انعدام الأمن الاقتصادي لدى شرائح واسعة من السكان، بمن فيهم أشد الناس فقراً لا على سبيل الحصر.

ولقد أصبح من الحاسم الآن تعزيز نظم الحماية الاجتماعية والعمل بفاعلية في الوقت ذاته على إعادة بناء عقد اجتماعي يراعي الحدود البيئية والأثر البشري. ومن ثم تسهم نظم الحماية الاجتماعية القائمة على الحقوق في تعزيز الحكم الرشيد والشفافية والمساءلة، استناداً إلى مبادئ المشاركة والحوار الاجتماعي والديمقراطية، لاستعادة الثقة وإحساس مشترك بالغاية والعدالة.

المصدر

دراسة ذات صلة