الفصل الثاني: من الأزمة المناخية إلى الانتقال العادل: دور الحماية الاجتماعية
الرسائل الرئيسية
تؤدي الحماية الاجتماعية دوراً محورياً في الانتقال العادل نحو اقتصادات ومجتمعات مستدامة بيئياً، وتمثل عاملاً تمكينياً للتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره على حد سواء.
فالحماية الاجتماعية عامل تمكيني أساسي للتكيف مع تغير المناخ، إذ تعزز قدرة الناس على مواجهة الصدمات المرتبطة بالمناخ مسبقاً عبر توفير حد أدنى من الدخل وإتاحة الرعاية الصحية. وتسهم في تعزيز القدرات التكيفية، بما فيها قدرات الأجيال المقبلة، من خلال الارتقاء بالتنمية البشرية والاستثمارات المنتجة. ويمكن للإعانات النقدية أن تدعم مباشرة تنويع سبل العيش واستراتيجيات التكيف، ولا سيما حين تقترن بتدابير تكميلية.
غير أن إمكانات الحماية الاجتماعية في مجال التكيف لم تتحقق بعد، إذ تكون التغطية في أدنى مستوياتها في البلدان الأشد تأثراً بتغير المناخ. ومن خلال بناء نظم حماية اجتماعية شاملة وقائمة على الحقوق، تستطيع البلدان معالجة الأسباب الجذرية للهشاشة، ومنها الفقر وعدم المساواة والإقصاء الاجتماعي، فتسهم بذلك في نهاية المطاف في تحقيق تكيف تحويلي.
والحماية الاجتماعية كذلك أداة سياساتية قوية لإدارة الأزمات، إذ توفر أمن الدخل والحصول على الرعاية الصحية لمعالجة الخسائر والأضرار. بيد أن كثيراً من الاستجابات للكوارث التي تستعين بالحماية الاجتماعية تُنشأ على نحو ظرفي. ولذلك يلزم بذل جهود أكبر لتعزيز القدرات المؤسسية والمالية والتشغيلية بما يضمن استجابات للصدمات أكثر فعالية وشمولاً وقابلية للتنبؤ. ونظم الحماية الاجتماعية ذات التغطية الواسعة أقدر على الاستجابة للصدمات المرتبطة بالمناخ من تلك التي تعتمد على "شبكات أمان" مؤقتة ومحدودة الاستهداف.
والحماية الاجتماعية عنصر أساسي في تعويض الأسر والعمال والمؤسسات عن الآثار السلبية المحتملة لسياسات التخفيف وغيرها من السياسات البيئية والتخفيف من حدتها. وحين تقترن بسياسات سوق العمل النشطة، يمكنها أن تساعد الناس على الانتقال إلى وظائف أكثر اخضراراً وممارسات اقتصادية أكثر استدامة. ويمكن أيضاً توسيع إعانات الحماية الاجتماعية لتعويض الناس عن ارتفاع الأسعار الناجم عن ضرائب الكربون أو إصلاح دعم الوقود الأحفوري. ولهذا أهمية من منظور الإنصاف، وأهمية عملية كذلك، إذ إن الحماية الاجتماعية المدعومة بحوار اجتماعي قوي، بضمانها عدم إغفال أحد، تساعد على حشد الدعم الشعبي اللازم للسياسات المناخية.
ويمكن للحماية الاجتماعية أيضاً أن تدعم جهود التخفيف مباشرة من خلال تخضير صناديق المعاشات التقاعدية العامة، أي سحب استثماراتها من الوقود الأحفوري، ومن خلال تقديم دعم للدخل يحفز على صون مصارف الكربون الحيوية واستعادتها، كالغابات وأشجار المانغروف والتربة.
2.1 الحماية الاجتماعية من أجل استجابة للتكيف وللخسائر والأضرار محورها الإنسان
2.1.1 الحد من الهشاشة من خلال الحماية الاجتماعية
تعد الهشاشة أحد المحركات الرئيسية للمخاطر المناخية، بمعنى أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية هي التي تحدد مدى شدة تأثر الناس بالمخاطر المناخية، كالظواهر المتطرفة أو البطيئة الحدوث. وتنشأ الهشاشة إزاء المخاطر المناخية عن أمرين: قابلية التأثر السلبي، والافتقار إلى القدرة على المواجهة والتكيف. فعلى سبيل المثال، يكون كبار السن أكثر حساسية جسدياً للحرارة الشديدة، ويكون الأطفال أكثر حساسية لنقص الغذاء والتغذية، ولا سيما وهم أجنة في الأرحام. وتتأثر القدرة على المواجهة والتكيف بمحدودية الموارد ورأس المال الاجتماعي والمالي والمعرفة والمعلومات، وهي جميعاً تميل إلى أن تكون أدنى لدى الفقراء والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة والعاملين في الاقتصاد غير المنظم والمهاجرين والشعوب الأصلية.
وتركز إجراءات التكيف بصورة متزايدة على الحد من الهشاشة وتعزيز قدرة الأفراد والمجتمعات على الصمود. ويعرَّف الصمود بأنه القدرة على مواجهة حدث أو اتجاه أو اضطراب خطير مع الحفاظ لا على الوظيفة الأساسية للنظم الاجتماعية والاقتصادية والإيكولوجية وهويتها وبنيتها فحسب، بل على القدرة على التكيف والتعلم والتحول أيضاً. ولبناء القدرة على الصمود، لا بد من تعزيز القدرات على المواجهة أو الاستيعاب، والقدرات التكيفية، والقدرات التحويلية معاً، إذ لا يكفي التركيز على قدرات المواجهة وحدها. غير أن كثيراً من الإجراءات لا تزال تدريجية، في حين يتطلب الأمر تغييرات تحويلية على مستوى النظام بأكمله لمعالجة الأسباب الجذرية للهشاشة، المرتبطة دوماً بالفقر وإقصاء الفئات المستضعفة وأوجه عدم المساواة الهيكلية.
ويُعترف بالحماية الاجتماعية بوصفها عنصراً أساسياً للحد من الهشاشة إزاء المخاطر المناخية واستراتيجية جوهرية للتكيف. فقد أرسى اتفاق باريس لعام 2015 هدفاً عالمياً بشأن التكيف يرمي إلى "تعزيز القدرة على التكيف وتقوية القدرة على الصمود والحد من التأثر بتغير المناخ". وفي مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين، اعتمدت البلدان سبع غايات مواضيعية للتكيف، منها: توفير حماية اجتماعية تكيفية للجميع للحد من أثر تغير المناخ في القضاء على الفقر وفي سبل العيش، وهو ما يتطلب وجود نظام قائم للحماية الاجتماعية على النحو الذي يقيسه مؤشر أهداف التنمية المستدامة 1.3.1 بشأن التغطية الفعلية بالحماية الاجتماعية؛ وتوفير خدمات صحية قادرة على الصمود في وجه تغير المناخ للحد من الاعتلال والوفيات المرتبطة بالمناخ، وهو هدف يتطلب تحقيق التغطية الصحية الشاملة وفق مؤشري أهداف التنمية المستدامة 3.8.1 و3.8.2، مدعوماً بتوسيع الحماية الصحية الاجتماعية، ولا سيما في البلدان المعرضة لتغير المناخ. وستتمثل الخطوة التالية في تحديد مؤشرات لقياس التقدم نحو أهداف التكيف العالمية وتقدير احتياجات تمويل التكيف.
ومن خلال توفير أمن الدخل والحصول على الرعاية الصحية طوال دورة الحياة، يمكن للحماية الاجتماعية أن تساعد على كسر "فخ الفقر والبيئة"، الذي يفضي لولا ذلك إلى حلقة مفرغة تزيد فيها الآثار المناخية المتصاعدة من حدة الهشاشة. فالفقر يعني محدودية فرص المواجهة والتكيف، وتدني الإنتاجية والناتج، وسوء التغذية، وقلة الأصول والأمان، وتدني مستويات رأس المال البشري، وخسائر في الماشية والمحاصيل، ومحدودية مصادر الدخل. أما الحماية الاجتماعية فتوفر الأمن الغذائي وأمن الدخل والرعاية الصحية دون مشقة، وتزيد الإنتاجية والناتج والمدخرات، وتقلل الحاجة إلى بيع الأصول، وتعوض عن خسائر الماشية والمحاصيل، وتنوّع مصادر الدخل، وتبني القدرات البشرية، فتعزز بذلك القدرة على المواجهة والتكيف والتحول. وتسهم الحماية الاجتماعية في بناء قدرات الأفراد والمجتمعات على المواجهة والتكيف. وفضلاً عن ذلك، يمكن للنهج القائم على الحقوق، الذي يحق بموجبه لجميع أفراد المجتمع الحصول على مستوى أدنى من الضمان الاجتماعي على الأقل، أن يسهم في التغييرات التحويلية التي تتطلبها جهود التكيف. ومع ذلك، تكون تغطية الحماية الاجتماعية في أدنى مستوياتها في البلدان الأشد تأثراً بتغير المناخ، مما يجعل توسيعها أمراً ملحاً بوجه خاص.
2.1.2 الاستعداد والاستجابة والتعافي: التصدي للصدمات المرتبطة بالمناخ من خلال الحماية الاجتماعية
ثمة مجموعة واسعة من الأدلة تبين أن نظم الحماية الاجتماعية قادرة على تعزيز قدرة الأفراد والمجتمعات على الاستعداد للصدمات ومواجهتها والتعافي منها.
درهم وقاية: زيادة قدرات المواجهة مسبقاً
تسهم الإعانات المنتظمة والقابلة للتنبؤ، كإعانات الأطفال ومعاشات الشيخوخة وإعانات الإعاقة والمساعدة الاجتماعية، في زيادة الأمن الغذائي والاستهلاك والادخار. وأثناء الصدمات، تؤدي هذه الإعانات دور الحد الأدنى للدخل، فتساعد على الحفاظ على مستوى معيشي أساسي وتحول دون اللجوء إلى استراتيجيات مواجهة سلبية، كتقليص استهلاك الغذاء أو بيع الأصول المنتجة أو عمل الأطفال أو زواج الأطفال. وتتعامل الحماية الاجتماعية مع الصدمات الفردية التي تصيب أشخاصاً بعينهم، ومع الصدمات المشتركة التي تصيب أعداداً كبيرة في آن واحد. وقد أظهرت جائحة كوفيد 19 أن النظم المصممة لفترات الاستقرار تشكل أدوات استقرار تلقائية أساسية أثناء الأزمات. فعلى سبيل المثال، حال المعاش التقاعدي شبه الشامل غير القائم على الاشتراكات في دولة بوليفيا المتعددة القوميات دون انعدام الأمن الغذائي وتراجع استهلاك الغذاء لدى كبار السن وأفراد الأسر المتعددة الأجيال، ولا سيما الأسر المنخفضة الدخل. ويوضح ذلك أيضاً كيف تعمل الحماية الاجتماعية بوصفها محدداً اجتماعياً رئيسياً للصحة والرفاه في سياق يُتوقع فيه أن يزيد تغير المناخ من انعدام الإنصاف الصحي.
ويمكن لنظم الحماية الاجتماعية أن تعزز قدرة الناس على مواجهة الظواهر الجوية المتطرفة. ففي زامبيا، تعوض إعانة الأطفال جزئياً الأثر السلبي لقلة الأمطار على السعرات الحرارية المستهلكة، ولا سيما لدى أفقر الأسر. وفي غانا، خففت الإعانات النقدية المنتظمة من أثر تعرض الأجنة لدرجات حرارة مرتفعة للغاية على أوزان المواليد، من خلال تحسين تغذية الحوامل وأمنهن الغذائي. كما ساعدت المساعدة الاجتماعية القائمة على حماية الدخل والاستهلاك أثناء الفيضانات والزلازل في إندونيسيا وأثناء الجفاف في النيجر.
وتزيد الحماية الصحية الاجتماعية من قدرة الأسر على المواجهة، إذ تيسر الحصول على الرعاية الصحية دون مشقة وتقلل الحاجة إلى الإنفاق الصحي المباشر من الجيب. ولهذا أهمية خاصة بالنظر إلى أثر الأزمة المناخية في انتشار الأمراض وانتقالها، مما قد يشكل خطراً كبيراً على الأمن الصحي. وتشير التقديرات إلى أن الآثار الصحية المرتبطة بالمناخ هي أهم محركات الزيادة في الفقر الناجمة عن المناخ في كل من أمريكا اللاتينية ومنطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ.
ولا يمكن المبالغة في أهمية الحد من الهشاشة إزاء الصدمات المناخية مسبقاً، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات المستضعفة. فالظواهر المتطرفة المتزايدة التواتر والتغيرات البطيئة الحدوث المتفاقمة تهدد سبل عيش الناس وصحتهم ورفاههم. ولا تقتصر هذه الظواهر على أزمات حادة يمكن معالجتها بتدابير طارئة مؤقتة، بل تتطلب استجابات منهجية. ولما كانت بعض الظواهر المتطرفة أشد مما تستطيع الإعانات القائمة تخفيفه، فإن نظم الحماية الاجتماعية بحاجة إلى قدر كاف من المرونة والقابلية للتكيف لتتوسع وتضمن أمن الدخل والحصول على الرعاية الصحية في أوقات الكوارث.
تسخير نظم الحماية الاجتماعية للاستجابة للصدمات المرتبطة بالمناخ، بما فيها الخسائر والأضرار
حين تُرسى مسبقاً القدرات الملائمة على صعيد التصميم والمؤسسات والتشغيل، يمكن لنظم الحماية الاجتماعية أن تقدم دعماً إضافياً قابلاً للتنبؤ للمتضررين من الصدمات المرتبطة بالمناخ، وذلك بضمان ما يلي: الكفاية في ظل تزايد الاحتياجات، من خلال تعديل قيم الإعانات أو حزمها أو تواترها أو مدتها مؤقتاً، وهو ما يعرف بالتوسيع الرأسي؛ وتغطية جميع المتضررين، من خلال تعديل قواعد الأهلية في النظم القائمة أو استحداث نظم طوارئ جديدة أو تفعيلها، وهو ما يعرف بالتوسيع الأفقي؛ والشمول والخدمات التكميلية لتلبية الاحتياجات المتعددة الأبعاد للأفراد والدعم الذي تحتاجه المؤسسات.
ويمكن للحماية الاجتماعية أن تساعد على معالجة الخسائر الاقتصادية المتعلقة بالدخل والخسائر غير الاقتصادية، ومنها الخسائر المتصلة بالصحة. فالخسائر غير الاقتصادية قد تترتب عليها عواقب اقتصادية وقد تكون لها حلول اقتصادية؛ إذ تفضي الخسائر الصحية مثلاً إلى ضائقة مالية وديون وفقدان للدخل يمكن احتواؤها من خلال الحماية الصحية الاجتماعية. كما أن شمولية إعانات الحماية الاجتماعية وقابليتها للنقل تضمنان مستوى معيشياً لائقاً أثناء النزوح الناجم عن المناخ. وفي الخطاب المتعلق بالخسائر والأضرار، ثمة ميل إلى اختزال دور الحماية الاجتماعية في مجرد قناة لإيصال دعم الطوارئ بعد وقوع الصدمات. ويغفل هذا التفسير أن الحماية الاجتماعية تزيد قدرات المواجهة والتكيف مسبقاً، فتقلص آثار الخسائر والأضرار أو تدرؤها، وأن الاستجابات المستدامة للخسائر والأضرار يجب أن تتجاوز التدابير الانفعالية وأن تسهم في بناء القدرة الطويلة الأمد للفئات المستضعفة على الصمود. ومن ثم ينبغي للترتيبات الفنية والتمويلية للاستجابة للخسائر والأضرار، بما فيها صندوق الخسائر والأضرار المتفق عليه في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين، أن تعزز عند الضرورة قدرات نظم الحماية الاجتماعية لجعلها أكثر شمولاً وقابلية للتكيف.
ويمكن أن يحقق تسخير نظم الحماية الاجتماعية للاستجابة للصدمات المرتبطة بالمناخ، بما في ذلك في سياق الخسائر والأضرار، طائفة من المزايا المحتملة مقارنة بالاستجابات الإنسانية والاستجابات للكوارث غير المتكاملة، منها: استجابات أسرع وأكثر كفاءة؛ واستجابات أكثر استدامة وقابلية للتنبؤ، ولا سيما حيث تتقلب الأعباء الإنسانية المزمنة والتمويل الإنساني؛ والإسهام في الاستثمار في النظم الوطنية وبناء أرضيات الحماية الاجتماعية؛ وإتاحة الفرص لإدماج البرامج في الأطر القانونية الوطنية وتعزيز الحماية الاجتماعية القائمة على الحقوق حتى في حالات الطوارئ.
ويتوقف مدى قدرة نظام الحماية الاجتماعية على استكمال الدعم الإنساني ودعم إدارة مخاطر الكوارث، بل على تقليل الحاجة إليه في الحالة المثلى، على مدى جاهزيته لتقديم استجابة شاملة وسريعة. وأياً كانت الجهة التي تقدم دعم الطوارئ، فمن المهم تنسيق الحماية الاجتماعية ومواءمتها مع الاستجابات الإنسانية واستجابات إدارة مخاطر الكوارث. فهذا يحول دون إنشاء نظم موازية غير كفؤة ويفضي في نهاية المطاف إلى نتائج أفضل.
ويمكن لنظم الحماية الاجتماعية أن تساعد على الاستجابة للصدمات الناجمة عن المناخ من خلال تكييف نظم متعددة وتوسيعها. ولذلك فإن التفكير في النظام بأكمله بوصفه نظاماً تكيفياً، لا في برنامج رئيسي واحد فحسب، أمر محوري.
الحماية الاجتماعية المستجيبة للصدمات والحماية الاجتماعية التكيفية
تزايد الاهتمام بدور الحماية الاجتماعية في معالجة آثار تغير المناخ وغيره من الأزمات، فبرزت مقاربات مختلفة. فالحماية الاجتماعية المستجيبة للصدمات تسعى إلى تعزيز جاهزية نظم الحماية الاجتماعية للاستجابة على نحو أفضل للصدمات التي تصيب شرائح واسعة من السكان، سواء من منظور استمرارية الخدمات أو من خلال التوسيع السريع للدعم المقدم إلى المتضررين. أما الحماية الاجتماعية التكيفية فقد صُممت في الأصل لتحقيق التكامل بين الحماية الاجتماعية وإدارة مخاطر الكوارث والتكيف مع تغير المناخ، بغية حماية الناس على نحو أفضل من الظواهر المتطرفة وبناء قدرات تكيفية وتحويلية على المدى الطويل. غير أن الأمثلة الحديثة على الحماية الاجتماعية التكيفية تركز بدرجة أكبر على حماية الناس من الظواهر المتطرفة لا على بناء القدرات التحويلية. وتُعد الحماية الاجتماعية المستجيبة للصدمات أحياناً مكوناً فرعياً من الحماية الاجتماعية التكيفية، وإن كان المصطلحان يُستخدمان في كثير من الأحيان بالتبادل.
وقد أفضت هذه المقاربات إلى ابتكارات مهمة لتحسين القدرات المؤسسية والمالية والتشغيلية لنظم الحماية الاجتماعية من أجل جاهزية واستجابة أفضل. بيد أن تكاثر المفاهيم المتطورة، التي كثيراً ما تعرّفها الوكالات والبلدان تعريفات مختلفة، أثار أحياناً لبساً بشأن تعريفها ودورها مقارنة بمفاهيم الحماية الاجتماعية الأكثر رسوخاً. ويرى البعض أن الحماية الاجتماعية "مستجيبة للصدمات" بطبيعتها، لأن النظم الجيدة تتوسع تلقائياً حين تزداد الحاجة. ومع أن هذه الحجة صحيحة من الناحية المفاهيمية، فإنها تغفل واقع كثير من البلدان، ولا سيما الأشد تأثراً بالأزمة المناخية، حيث لم تتطور نظم الحماية الاجتماعية بالقدر الكافي لتكون مستجيبة أو تكيفية.
ومع تزايد استخدام مختلف القطاعات، بما فيها العاملة في مجال العمل المناخي، لمصطلحي "الحماية الاجتماعية المستجيبة للصدمات" و"الحماية الاجتماعية التكيفية"، يمكن أن تفيد التوضيحات التالية. أولاً، ينبغي تعزيز نظم الحماية الاجتماعية بدلاً من إنشاء هياكل موازية؛ فالحماية الاجتماعية التكيفية ليست آلية أو تدخلاً أو مبادرة بعينها منفصلة عن النظم التي تعالج المخاطر المعتادة لدورة الحياة أو مضافة إليها، بل ينبغي تكييف النظم الوطنية للحماية الاجتماعية لتقديم الدعم في سياق الانتقالات والأزمات المرتبطة بالمناخ. ثانياً، الاستجابة للكوارث وظيفة مساعدة للحماية الاجتماعية لا وظيفة أساسية؛ فالدور الرئيسي للحماية الاجتماعية يكمن في الحد من الهشاشة مسبقاً من خلال النظم القائمة على الاشتراكات وغير القائمة عليها، والنظم الأكثر شمولاً تتيح حيزاً سياساتياً أوسع للحد من عدم المساواة، وهو أمر حاسم لتحقيق أهداف التنمية والأهداف المناخية في آن واحد. ثالثاً، تتمتع نظم الحماية الاجتماعية ذات التغطية الواسعة بإمكانات تكيفية أكبر؛ إذ يسهل كثيراً الوصول السريع إلى المشمولين أصلاً في سياق الاستجابات الطارئة، أما النظام الذي لا يغطي سوى نسبة ضئيلة من السكان عبر "شبكات أمان" متفرقة، فلا يكفي لتعزيز القدرة على الصمود في وجه تغير المناخ الذي سيطال تدريجياً شرائح أوسع بكثير من السكان، حتى لو كان تكيفياً. رابعاً، ينبغي أن تكون نظم الحماية الاجتماعية قائمة على الحقوق، وأن يكون الدعم قابلاً للتنبؤ ومكرساً في التشريعات الوطنية ومضموناً من الدولة. فالاستجابات الطارئة الإنسانية وغيرها من الاستجابات التي يقودها المانحون عرضة لتقلبات التمويل، ومع أنها كثيراً ما تنقذ الأرواح، فإنها ليست قابلة للتنبؤ ولا مضمونة. وتكمن القيمة المضافة لمقاربات الحماية الاجتماعية المستجيبة للصدمات أو التكيفية في ربط الاستجابات الطارئة بالنظم الوطنية، بما يضمن دعماً أكثر قابلية للتنبؤ وقائماً على الحقوق. ولذلك ينبغي إيلاء الأولوية للعمل على الأطر القانونية وتأمين تمويل موثوق.
من الاستجابات الظرفية إلى الاستجابات المؤسسية للصدمات المرتبطة بالمناخ
تختار بعض البلدان بصورة متزايدة توسيع نظم الحماية الاجتماعية القائمة مؤقتاً لتقديم دعم إضافي للمتضررين من الظواهر المتطرفة. ففي فيجي، زادت الحكومة مبالغ نظم المساعدة الاجتماعية والمعاشات الاجتماعية القائمة حين ضرب الإعصار وينستون البلاد عام 2016. وفي الفلبين، رُفعت إعانات الأطفال المقدمة في إطار برنامج بانتاويد باميليانغ بيليبينو استجابة لعدة كوارث.
وحيث تكون تغطية الحماية الاجتماعية مرتفعة أصلاً وتتوافر القدرة الإدارية، يمكن الوصول إلى جزء كبير من السكان المتضررين عبر أحكام مدمجة مسبقاً تتيح التوسيع الطارئ، أو صرف المدفوعات مقدماً، أو تقديم دعم مالي استثنائي، أو زيادة مبالغ الإعانات للمستفيدين الحاليين من مختلف نظم دورة الحياة.
ومن أمثلة ذلك استجابة البرازيل الشاملة على مستوى النظام للفيضانات عام 2024. ففي شهري أبريل ومايو من ذلك العام، تسببت أمطار غزيرة في فيضانات شديدة في ولاية ريو غراندي دو سول البرازيلية، طالت نحو مليوني شخص. وقد نفذت الحكومة التدابير التالية لضمان أمن الدخل ودعم التعافي: تقديم مواعيد صرف الإعانات، إذ قُدّمت الدفعات المقبلة لعدة إعانات بمقدار شهر، ومنها إعانات الأسر المنخفضة الدخل في إطار برنامج بولسا فاميليا، وجميع المعاشات التقاعدية القائمة على الاشتراكات والممولة من الضرائب، أي النظام العام وإعانة الدفع المستمر، كما قُدّم موعد صرف المكافأة السنوية التي تقدمها الحكومة للعمال ذوي الأجور المنخفضة في البلديات المتضررة؛ والتوسيع التلقائي للتغطية، إذ أصبحت أكثر من 21 ألف أسرة إضافية مؤهلة للمساعدة الاجتماعية بسبب فقدان الدخل الناجم عن الفيضانات وسُجلت في برنامج بولسا فاميليا؛ والتكييفات التشغيلية، إذ وُضعت بروتوكولات تتيح الحصول على المدفوعات رغم فقدان بطاقات الإعانات ووثائق الهوية، وخدمت شاحنات دفع متنقلة المواقع التي غمرت المياه مصارفها، ومُدد الموعد النهائي لتحديث بيانات السجل؛ والدعم المالي الإضافي الاستثنائي، المتمثل في دفعة إعادة إعمار لمرة واحدة قدرها 5100 ريال برازيلي، أي نحو ألف دولار أمريكي، لنحو 240 ألف أسرة تقع مساكنها في المناطق المتضررة؛ وتفعيل قواعد إعانات الطوارئ القائمة وتعزيز الحماية من البطالة، إذ أُذن بسحب ما يصل إلى 6220 ريالاً برازيلياً، أي نحو 1200 دولار أمريكي، من حسابات مكافأة نهاية الخدمة الإلزامية، ومُددت مدة إعانات البطالة بدفعتين إضافيتين للعاطلين عن العمل خلال فترة الطوارئ؛ وتدابير الصحة العامة، إذ خُصص ما مجموعه 1.2 مليون لقاح للتعامل مع الأمراض المرتبطة بالفيضانات كالتهاب الكبد وداء الكلب والحصبة؛ وإجراءات سياساتية تكميلية، إذ عُلقت مؤقتاً الأقساط الشهرية لقروض الإسكان الاجتماعي في إطار برنامج "بيتي، حياتي"، ونُفذت بعض الإعفاءات من ضريبة الدخل.
غير أنه حين توجد شريحة كبيرة من السكان غير مشمولة قانونياً وإدارياً، يصعب الوصول إلى جميع المتضررين من كارثة مناخية. وقد وسعت بعض البلدان مؤقتاً نطاق الإعانات النقدية لتشمل غير المشمولين بعد وقوع الكارثة، لكن تنفيذ هذا التوسيع بطريقة شاملة وفي الوقت المناسب وقابلة للتنبؤ يكون عموماً أصعب. وحين تُستخدم النظم الموجهة للفقراء على وجه الخصوص للاستجابة للصدمات المرتبطة بالمناخ، يرتفع خطر نقل أخطاء الإقصاء القائمة إلى الاستجابات الطارئة. وقد يكون الدخل الأساسي الطارئ خياراً آخر للوصول إلى جميع المتضررين من حدث متطرف.
الدخل الأساسي الطارئ: "إعانة استقرار وإعادة إعمار" لمواجهة الظواهر المتطرفة؟
يعرَّف الدخل الأساسي الطارئ بأنه دفعة نقدية منتظمة تُصرف بصورة فردية لجميع المقيمين أو للأشخاص الذين يعيشون في منطقة متضررة طوال مدة الأزمة. وفي إطار الاستجابة لجائحة كوفيد 19، استخدم بلد واحد هو توفالو دخلاً أساسياً طارئاً، ونشرت 11 بلداً وإقليماً دخلاً أساسياً طارئاً شبه شامل، وهي غيانا وهونغ كونغ (الصين) وإسرائيل واليابان وجيرسي التابعة للمملكة المتحدة وجمهورية كوريا وصربيا وسنغافورة وتايوان (الصين) وتيمور ليشتي والولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، صرفت توفالو عدة دفعات شهرية شاملة قدرها 30 دولاراً أمريكياً لكل مقيم، وصرفت الولايات المتحدة الأمريكية ثلاث دفعات شبه شاملة خلال عام واحد بلغت 3200 دولار أمريكي لكل بالغ و2500 دولار أمريكي لكل طفل، استفاد منها 80% من سكانها. ويتسم الدخل الأساسي الطارئ بدرجة عالية من الشفافية وسهولة الإدارة ومحدودية خطر أخطاء الإقصاء وسرعة النشر، إذا كان سمة قائمة في النظم، لدعم الناس في إعادة بناء حياتهم وسبل عيشهم وإطلاق التعافي على المستوى الكلي. ويمكن أن يكون أثناء الأزمات تعبيراً قوياً عن عقد اجتماعي مدعوم بالموارد.
ومما يبعث على التفاؤل أن البلدان تستخدم نظم الحماية الاجتماعية بصورة متزايدة للاستجابة للصدمات الناجمة عن المناخ. ومع ذلك، لا تزال استجابات كثيرة تُنشأ على نحو ظرفي، لأن النظم والبرامج ليست مهيأة بالقدر الكافي. ومستقبلاً، سيكون من الحاسم مواصلة تعزيز القدرات المؤسسية والتشغيلية لضمان قدر أكبر من القابلية للتنبؤ واستجابات مؤسسية للصدمات. ويعني ذلك أن تُحدد مسبقاً معايير الأهلية وقيمة التحويلات ومدتها ومحفزات الصرف والتمويل، وأن تُرسَّخ هذه المعايير في القوانين والسياسات وإجراءات التشغيل الموحدة. ومن المهم إشراك الشركاء الاجتماعيين في هذه العملية لضمان القبول الجماعي واستجابات أكثر شمولاً.
وتتجه بعض البلدان بالفعل نحو تقديم دعم أكثر قابلية للتنبؤ في مجال الحماية الاجتماعية في سياق الظواهر المتطرفة. وبذلك تُصمَّم نظم وطنية لمعالجة الحرمان المزمن أو البطالة أو العمالة الناقصة الموسمية، مع آليات لزيادة الدعم أثناء الظواهر المتطرفة. ومن ذلك برنامج شبكة الأمان من الجوع في كينيا، الذي يقدم منذ عام 2009 دعماً منتظماً للدخل للأسر التي تعاني انعدام الأمن الغذائي المزمن في المقاطعات الشمالية. ويستند البرنامج إلى إجراءات وصناديق للطوارئ تتيح له تقديم دعم مؤقت لأسر إضافية خلال فترات الجفاف والفيضانات. وتُحدَّد الأسر المستضعفة وتُسجَّل مسبقاً، وتحدد المبادئ التوجيهية التشغيلية متى وكيف تحصل هذه الأسر على دعم طارئ مؤقت عند وقوع صدمة. وتُطلَق الاستجابات استناداً إلى مؤشر لحالة الغطاء النباتي، مما يتيح للنظام تقديم المساعدة في غضون عشرة أيام من إعلان حالة الطوارئ، وهو توقيت أسرع من المعونة الإنسانية التي كثيراً ما تمضي من ثلاثة إلى تسعة أشهر قبل وصولها إلى المستفيدين. ويُنسَّق البرنامج مع برنامج كينيا لتأمين الماشية، وهو تأمين على الماشية قائم على المؤشرات تدعمه الحكومة، ويتقاسم البرنامجان البيانات ذاتها لتحفيز الصرف، فيكمل أحدهما الآخر ضمن استراتيجية أوسع للحماية الاجتماعية.
وترتبط هذه النظم بصورة متزايدة بمحفزات محددة مسبقاً، كمؤشرات الجفاف أو توقعات درجات الحرارة القصوى. ففي المملكة المتحدة، تُصرف مدفوعات الطقس البارد للأسر المستضعفة حين يتوقع مكتب الأرصاد الجوية برداً شديداً. ويمكن لضمانات العمالة، كقانون ضمان العمالة الريفية الوطني في الهند، أن توفر أيضاً أمناً موسمياً للدخل، في حين يمكن لبرامج أخرى، كبرنامج سبل العيش المتكاملة والعمالة الطارئة في الفلبين، أن توفر عمالة طارئة للعمال المتضررين من الأزمات والكوارث.
وأخيراً، ينبغي دائماً استغلال مرحلة التعافي من الأزمة بوصفها فرصة لسد فجوات التغطية، من خلال تقييم إمكانية إلحاق المشمولين مؤقتاً بالنظم القائمة على أساس أكثر ديمومة. ومن الأمثلة على ذلك أن استجابة موزمبيق لجائحة كوفيد 19 شملت تفعيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر لما بعد الطوارئ، الذي قدم دعماً مؤقتاً للدخل لأكثر من مليون شخص كانوا يفتقرون حينها إلى الحماية الاجتماعية. وكان كثير ممن تلقوا هذا الدعم مؤهلين أيضاً لنظم فئوية قائمة، كتلك المخصصة للأطفال وكبار السن، لكنهم لم يكونوا يحصلون عليها بسبب القيود المالية، إذ ظل كثير منهم على قوائم الانتظار سنوات أو لم يُسجَّلوا قط. وبدعم مشترك من منظمة العمل الدولية وصندوق النقد الدولي، زادت الحكومة عام 2023 مخصصات الموارد المحلية للركيزة غير القائمة على الاشتراكات في نظام الحماية الاجتماعية، فارتفعت التغطية من 600 ألف إلى مليون شخص، وانتقل كثيرون من الدعم الطارئ المؤقت إلى إعانات أكثر انتظاماً وقابلية للتنبؤ. ويتيح ذلك تعافياً أكثر فعالية من الأزمة، ويساعد على الحد من الهشاشة إزاء الأزمات المقبلة، بما فيها الكوارث المرتبطة بالمناخ، كالجفاف والأعاصير التي تضرب موزمبيق بانتظام. ومن شأن ذلك أن يحد بصورة مستدامة من الهشاشة إزاء الصدمات المرتبطة بالمناخ في المستقبل.
إدماج المخاطر المناخية في النظم القائمة على الاشتراكات
تؤثر المخاطر المناخية في صحة العمال ورفاههم، ويمكن مراعاتها في نظم التأمين الاجتماعي. ففي الجزائر مثلاً، يقدم الصندوق الوطني للعطل المدفوعة الأجر والبطالة الناجمة عن سوء الأحوال الجوية لقطاعات البناء والأشغال العمومية والري تعويضاً عن الأجر لعمال قطاع البناء عن ساعات العمل الضائعة خلال الأحوال الجوية السيئة أو الشديدة، بما فيها الحرارة الشديدة، ويُموَّل ذلك من اشتراكات التأمين الاجتماعي التي يدفعها العمال وأصحاب العمل. ولدى لكسمبورغ وسويسرا أيضاً نظم لإعانات سوء الأحوال الجوية تكمل الحماية المعتادة من البطالة، ويمولها أصحاب العمل حصراً. وفي الولايات المتحدة، يقدم برنامج المساعدة في حالات البطالة الناجمة عن الكوارث، الذي تديره سلطات الكوارث، مساعدات عبر صناديق البطالة في الولايات للأشخاص غير المؤهلين لتعويضات التأمين ضد البطالة، بمن فيهم العاملون لحسابهم الخاص الذين فقدوا دخلهم بسبب كارثة معلنة.
وفضلاً عن ذلك، يمكن تعديل تصميم النظم القائمة على الاشتراكات مؤقتاً لتقديم خدمات أفضل في سياق الصدمات المرتبطة بالمناخ. وقد تشمل هذه التعديلات تأجيل الاشتراكات أو تخفيضها، أو تجميد معدلاتها، أو دعمها لضمان استمرار سداد اشتراكات الضمان الاجتماعي وإتاحة متنفس مالي لأصحاب العمل والعاملين. كما يمكن أن يوفر صرف المعاشات التقاعدية مقدماً إغاثة مهمة على المدى القصير. وقد كانت الفلبين من أوائل البلدان التي اعتمدت مثل هذه التعديلات بحكم تعرضها لصدمات مناخية متكررة. فعند وقوع الكوارث، تنشر مؤسسات التأمين الاجتماعي وغيرها من الإدارات الحكومية في الفلبين تدابير إضافية لدعم السكان المتضررين، منها: صرف المعاشات التقاعدية مقدماً لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر لدعم أمن دخل أصحاب معاشات التقاعد والعجز والورثة؛ وتسريع إجراءات معالجة مطالبات نفقات الجنازة؛ وتوسيع أهلية الحصول على منح المعاش المقدمة لتشمل الأزواج الباقين على قيد الحياة الذين يطالبون بنفقات الجنازة؛ وزيادة مبالغ صرف مطالبات التأمين الصحي؛ وتقديم قروض الكوارث أو الطوارئ بأسعار ميسرة، كتخفيض أسعار قروض إصلاح المساكن؛ وتعليق سداد أقساط القروض. غير أنه يلزم توخي الحذر إزاء السحوبات الاستثنائية لمرة واحدة من صناديق المعاشات التقاعدية، كما حدث في فيجي وجامايكا بعد العواصف، إذ قد تعرّض هذه التدابير كفاية دخل التقاعد في المستقبل للخطر إذا لم تُعوَّض، كما تنطوي على مخاطر تتعلق بالإنصاف إذا غطى التمويل الضريبي أي عجز ينشأ.
تقديم الدعم للمؤسسات وحماية الوظائف أثناء الصدمات الناجمة عن المناخ
تؤدي الظواهر المتطرفة المتزايدة التواتر والشدة إلى تعطل الأعمال، بل إلى الإغلاق المؤقت لأماكن العمل. وقد يضطر ذلك المؤسسات إلى تسريح العمال أو حتى الإغلاق التام، مما يرتب تكاليف على الأفراد والاقتصاد. ويمكن للحماية الاجتماعية أن تساعد على دعم استمرارية الأعمال وأن تكمل الدعم الأوسع المقدم لمؤسسات مختارة.
ولكي تستأنف المؤسسات نشاطها وتتعافى بسرعة، لا بد من تخفيف الضغوط المالية عنها مؤقتاً لتجنب الاستغناء عن العمال والحفاظ على علاقة العمل. ومن الخيارات المتاحة تخفيض اشتراكات التأمين الاجتماعي أو تجميدها مؤقتاً، شريطة سدادها لاحقاً عند استئناف النشاط. ويمكن أيضاً الحفاظ على علاقات العمل من خلال نظم الاحتفاظ المؤقت بالعمال أو الإجازات غير المدفوعة المدعومة، أو العمل لوقت مختصر، أو نظم البطالة المؤقتة. وقد استُخدمت هذه الآليات على نطاق واسع خلال جائحة كوفيد 19، لكنها أكثر ارتباطاً بسياقات البلدان المرتفعة والمتوسطة الدخل، نظراً إلى تكاليفها الكبيرة واحتياجها في بعض البلدان إلى تمويل ضريبي إضافي ضخم. كما أن اعتبارات الإنصاف مهمة، ولا سيما في السياقات التي تتضرر فيها شرائح واسعة من السكان لا العمال والمؤسسات فحسب. ومن الأهمية بمكان تحقيق التوازن بين دعم استمرارية المؤسسات والدعم المجتمعي الأوسع، ويتوقف القرار على حجم آثار الحدث المتطرف.
توفير الحماية في سياق النزوح القسري الناجم عن المناخ
في عام 2022، بلغ عدد النازحين قسراً نحو 108.4 ملايين شخص، وهو أكبر تصاعد منذ أن بدأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تسجيل البيانات. ويفاقم تغير المناخ اتجاهات النزوح إلى جانب محركات أخرى كالاضطهاد والنزاعات والعنف. وقد نزح أكثر من نصف النازحين داخلياً بسبب أحداث مفاجئة كالأعاصير. وفي الوقت ذاته، أدت الظواهر المناخية البطيئة الحدوث، كارتفاع مستوى سطح البحر والجفاف، إلى تدهور النظم الإيكولوجية، مما أضر بالمجتمعات الزراعية وأفضى إلى الهجرة والنزوح. ويعطل كلا النوعين من الأحداث سبل العيش، ويشرد الناس، ويؤجج التوترات بين المجتمعات المحلية على الموارد المتناقصة. ويؤكد تكاثر الأزمات، بما فيها الأزمات الممتدة، الحاجة الملحة إلى توسيع نطاق نظم الحماية الاجتماعية ليشمل النازحين قسراً، من مهاجرين ولاجئين وملتمسي لجوء ونازحين داخلياً. ويشمل النازحون قسراً من نزحوا لأسباب متعددة، منها الأسباب المرتبطة بالمناخ، غير أنه لا يوجد تعريف قانوني دولي لمفهوم "اللاجئ المناخي" ولا توافق بشأنه، ومن ثم لا يتمتع هؤلاء بالحماية بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951 حتى لو تفاقمت المخاطر التي يواجهونها بفعل أحداث مرتبطة بالمناخ، وإن كانت الصكوك الإقليمية والقوانين الوطنية قد تمد الحماية الممنوحة للاجئين لتشمل الفارين من الكوارث أو غيرها من الأحداث المرتبطة بالمناخ.
وتعترف الصكوك الدولية، ومنها اتفاقية اللاجئين لعام 1951 التي تمنح اللاجئين المعاملة ذاتها التي يحظى بها المواطنون، بحق اللاجئين الإنساني في الضمان الاجتماعي، وتوفر معايير الضمان الاجتماعي إرشادات لتجسيد المساواة في معاملتهم داخل النظم الوطنية. ومع ذلك، يواجه النازحون قسراً صعوبات فريدة في الحصول على الحماية الاجتماعية، منها: الإقصاء من الأطر القانونية أو في الممارسة العملية؛ والعوائق الجغرافية، إذ يعيش كثير من اللاجئين وملتمسي اللجوء في مناطق نائية أو مخيمات؛ وقلة الوعي بحقوقهم وكيفية الاستفادة منها؛ والمتطلبات الإدارية المعقدة، كالحواجز اللغوية وانعدام وثائق الهوية. وفضلاً عن ذلك، يُمثَّلون تمثيلاً مفرطاً في العمالة الهشة بسبب التمييز في سوق العمل، مما يؤثر في تغطيتهم بالتأمين الاجتماعي. وفي كثير من البلدان المضيفة، لا تزال نظم الحماية الاجتماعية ناشئة أو غير متطورة، مما يحد من حصول النازحين قسراً عليها فعلياً. ويحول إدماج النازحين قسراً في النظم الوطنية دون إنشاء نظم موازية وتقويض التماسك الاجتماعي مع المجتمعات المضيفة.
ومع امتداد فترات النزوح بفعل الأزمة المناخية، يصبح الانتقال من العمليات القائمة أساساً على الاستجابة إلى مقاربات تعزيز النظم الوطنية أمراً محورياً. ومع الإقرار بأهمية تقديم المساعدة المباشرة لتلبية الاحتياجات العاجلة للسكان النازحين، كالتحويلات النقدية والحصول الطارئ على الرعاية الصحية، فإن النظم الوطنية الشاملة تتيح فرصة لرأب الصدع بين الجهات الفاعلة في مجالي التنمية والعمل الإنساني. فقد تعهد عدد من البلدان بإدماج اللاجئين في نظم الحماية الصحية الاجتماعية على قدم المساواة مع المواطنين، بما يضمن حصولاً أوسع على الخدمات الصحية ويحسن الحالة الصحية للاجئين والمجتمعات المضيفة على حد سواء. ودعماً لهذه الالتزامات، تتعاون منظمة العمل الدولية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين منذ أكثر من عقد في توسيع الحماية الصحية الاجتماعية لتشمل اللاجئين، وقد دُعم هذا الإدماج في 12 بلداً في المنطقة الأفريقية. وفي الآونة الأخيرة، ضافرت الوكالتان جهودهما وجمعتا خبراتهما لدعم الانتقال من المساعدة القائمة على المخيمات وتعزيز نظم الحماية الصحية الاجتماعية في آن واحد، وتجري مناقشات في هذا الشأن في مصر وإثيوبيا وكينيا. كما فتحت هذه الشراكة الباب تدريجياً لمناقشة الإدماج في السياق الأوسع لتوسيع الحماية الاجتماعية ليشمل إعانات إضافية.
2.1.3 دعم التكيف والتحول الشاملين من خلال الحماية الاجتماعية
زيادة القدرات التكيفية وتيسير تكيف سبل العيش
تسهم إعانات الحماية الاجتماعية أيضاً في تعزيز القدرات التكيفية. ومع أن القدرة على المواجهة والقدرة على التكيف مترابطتان ترابطاً جوهرياً، فإن القدرة على المواجهة كثيراً ما ترتبط بالآثار الفورية للصدمة، في حين تشير القدرة التكيفية إلى أفق زمني أطول وتفترض حدوث قدر من التعلم أو التكيف بل التحول أيضاً.
وتعزز الحماية الاجتماعية "القدرة التكيفية العامة" من خلال آثارها الإيجابية الموثقة توثيقاً جيداً في النتائج الأساسية للتنمية البشرية. فإعانات الأطفال المصممة تصميماً جيداً، ولا سيما حين تقترن بخدمات اجتماعية تكميلية، يمكن أن تحدث آثاراً إيجابية في تعليم الأطفال وحالتهم الصحية وتغذيتهم، فتزيد بذلك القدرات التكيفية للأجيال المقبلة. وحماية الأمومة، بما تشمله من رعاية صحية وإعانات نقدية، مهمة بالقدر نفسه لدعم صحة الأمهات والمواليد وتغذيتهم. كما يمكن لمعاشات الشيخوخة وإعانات الإعاقة والمساعدة الاجتماعية أن تسهم في التنمية البشرية وتدعم المحددات الاجتماعية للإنصاف الصحي. وتبين البحوث أن ارتفاع القدرة العامة يقابله ارتفاع في مستويات القدرة التكيفية الخاصة بالمناخ.
ويمكن للإعانات النقدية أن تسهم في الاستثمارات المنتجة واستراتيجيات تنويع سبل العيش، فتقلل أحياناً من الاعتماد على سبل العيش الحساسة للمناخ. وتبين الأدلة أن الحماية الاجتماعية غير القائمة على الاشتراكات يمكن أن تدعم نمواً زراعياً قادراً على الصمود وشاملاً. فقد ثبت أن إعانات الشيخوخة في بنغلاديش وإعانات الأطفال في زامبيا أفضت إلى زيادة مشتريات الأصول الزراعية كالأدوات والبذور، وساعدت المستفيدين في الوقت ذاته على الاستثمار في مشاريع غير زراعية.
غير أن دعم الدخل أو تعويضه وحده كثيراً ما يكون غير كاف لتحقيق انتقال كامل وفعال إلى سبل عيش وممارسات إنتاج أكثر قدرة على الصمود في وجه تغير المناخ. بل إن استثمارات المستفيدين، في غياب التوجيه الملائم، قد تفضي إلى سوء التكيف، فتحبسهم في سبل عيش حساسة للمناخ وتزيد هشاشتهم بالتالي.
وتحقق نظم الحماية الاجتماعية أفضل إسهام في التكيف الفعال الطويل الأمد حين ترتبط بخدمات وتدابير تكميلية مصممة خصيصاً لمعالجة المخاطر المناخية. وقد تشمل هذه التدابير برامج لتعزيز سبل العيش المراعية للمناخ وتنويعها، كخدمات الإرشاد الزراعي للمزارعين المستضعفين، والتحويلات العينية كالبذور المقاومة للجفاف والأدوات، والتأمين على المحاصيل أو الماشية أو غيره من أنواع التأمين الزراعي المتخصص، أو التعليم والتدريب على الصيد أو الزراعة المستدامين. ويسهم توفير أمن الدخل للناس أثناء مشاركتهم في برامج سوق العمل الخاصة بالتكيف في دعم سلوك المخاطرة المنتجة والتخطيط للمستقبل.
وتهيئ الحماية الاجتماعية ظروفاً تمكينية مهمة، لكنها وحدها لا تكفي للتكيف مع تغير المناخ. فإجراءات التكيف التي تنطوي على تحسين المؤسسات أو البنية التحتية المادية أو حالة البيئة الطبيعية ضرورية لمزيد من الحد من الهشاشة والتعرض للمخاطر. ويكمن وعد الحماية الاجتماعية في ضمان أن يستفيد الجميع، بمن فيهم الأشد هشاشة، من تدابير التكيف مع تغير المناخ.
التكيف التحويلي من خلال التغطية الشاملة والحماية الاجتماعية القائمة على الحقوق
تذهب الأدبيات المتعلقة بالتكيف مع تغير المناخ بصورة متزايدة إلى أن التحولات على مستوى النظام بأكمله ضرورية لمعالجة الأسباب الجذرية للهشاشة. وفضلاً عن ذلك، فإن جهود التكيف التي تتخذ شكل مشاريع محددة المدة يقودها المانحون لا تيسر سوى تعديلات "تدريجية" إزاء مخاطر الأزمة المناخية. غير أن "التكيف التحويلي" نادراً ما أُخذ في الحسبان في سياسات التكيف وخططه حتى الآن.
ويمكن للحماية القائمة على الحقوق، التي توفر إعانات وافية وشاملة، أن تساعد على معالجة بعض أوجه عدم المساواة الهيكلية التي تمثل المحرك الرئيسي للهشاشة، بما فيها أوجه عدم المساواة القائمة على النوع الاجتماعي. فثمة حاجة إلى حماية اجتماعية مستجيبة للاعتبارات الجنسانية لتوجيه الاستجابات للآثار المناخية المتباينة بحسب النوع الاجتماعي. إذ لا توجد فحسب أوجه كبيرة من عدم المساواة بين الجنسين في التغطية الفعلية، بل إن النساء والفتيات يتأثرن بالمخاطر المناخية على نحو غير متناسب عبر قنوات متعددة: اعتمادهن على سبل عيش قائمة على الموارد الطبيعية والزراعة، والعبء القائم لأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، وتدني الدخل ومحدودية الأصول، وارتفاع احتمال تضررهن من الكوارث والصدمات البيئية، وهو ما يتجلى في انخفاض متوسط العمر المتوقع والمضاعفات الصحية والعنف القائم على النوع الاجتماعي. ويعد الحصول على حماية شاملة نقطة انطلاق مهمة، لكن يلزم إجراء تكييفات محددة لزيادة استجابة الحماية الاجتماعية للاعتبارات الجنسانية، ومنها: زيادات في الإعانات تراعي النوع الاجتماعي، وصرف مدفوعات المساعدة الاجتماعية بصورة فردية لا على مستوى الأسرة، وتقليص تكاليف المعاملات عند التسجيل في النظم، وإتاحة المجال لسياسات اقتصادية واجتماعية متكاملة.
غير أن هذه الإمكانات لم تتحقق بعد في كثير من البلدان، لأن ما يُقدَّم من حماية اجتماعية لا يكفي لتحقيق نتائج التكيف التحويلي المنشودة، بسبب انخفاض التغطية وعدم كفاية مستويات الإعانات وقصور التمويل وضعف الحوكمة والإخفاق في معالجة الأعراف الجنسانية غير المتكافئة وغيرها من علاقات القوة.
ولذلك يتحتم على البلدان الأدنى دخلاً أن تتحول تدريجياً عن الاعتماد المفرط على النظم الموجهة توجيهاً ضيقاً نحو الأسر الفقيرة أو الفقيرة فقراً مدقعاً، والتي تسمى عادة شبكات الأمان الاجتماعي، إذ لا تؤدي هذه النظم في أحسن الأحوال إلا دوراً تدريجياً لا تحويلياً في الحد من الهشاشة إزاء تغير المناخ، وذلك للأسباب التالية:
فأخطاء الإقصاء المرتفعة في النظم الموجهة للفقراء موثقة توثيقاً جيداً، بما في ذلك في بلدان تقع في مناطق شديدة التأثر بالمناخ كمنطقة الساحل، حيث تبين أن أساليب استهداف الفقراء "لا تؤدي أداءً أفضل من التوزيع العشوائي للإعانات".
والفقر ليس العامل الوحيد المحرك للهشاشة المناخية، إذ إن عدم المساواة والتهميش يحركان الفقر النقدي والمتعدد الأبعاد والهشاشة الكامنة. والواقع أن عدد الأشخاص المعرضين لتغير المناخ، الذي يتراوح بين 3.3 و3.6 مليارات شخص تقريباً، يفوق بكثير عدد من يعيشون في فقر مزمن، مما يثير مزيداً من التساؤلات حول جدوى استهداف الفقراء في الحد من الهشاشة المناخية.
ويزيد تغير المناخ من الطابع الدينامي للفقر، مما يعني أن الوظيفة الوقائية للحماية الاجتماعية تكتسب أهمية أكبر؛ فتقديم الدعم للحد من الهشاشة القائمة يحول دون تفاقمها بفعل تغير المناخ ويمنع الناس من الوقوع في الفقر. ويتعارض ذلك مع الاقتصار على تقديم الدعم بأثر رجعي بمحاولة استهداف من هم فقراء أصلاً. كما أن الصدمات المتكررة المرتبطة بالمناخ ستزيد صعوبة الحفاظ على دقة البيانات المستخدمة في النظم الموجهة للفقراء، إذ قد يتنقل الناس بين الفقر وعدمه بوتيرة أكبر.
وقد يفضي استهداف الفقراء إلى انخفاض تغطية الحماية الاجتماعية في المناطق الحضرية، مما قد يترك المتضررين من النزوح الناجم عن المناخ بلا حماية. فمعدلات الفقر المزمن تكون عادة أعلى في المناطق الريفية، لكن مع ضغط تغير المناخ على سبل العيش الريفية، يُتوقع أن تزداد الهجرة من الريف إلى الحضر. والمستوطنات الحضرية غير الرسمية معرضة بوجه خاص لمخاطر الكوارث، وتواجه طائفة من أوجه الهشاشة المرتبطة بالمناخ، في حين تعاني من انخفاض التغطية.
وليس معنى ذلك أن النظم الموجهة للفقراء لا دور لها في نظم الحماية الاجتماعية الشاملة، بل يمكن تحسينها، وينبغي أن تشكل استراتيجية تكميلية لا رئيسية لتسخير إمكانات الحماية الاجتماعية في الحد من الهشاشة المناخية وبناء القدرة على الصمود.
وبدلاً من ذلك، ينبغي للبلدان أن تبني تدريجياً نظم حماية اجتماعية شاملة وتكيفية قائمة على الحقوق، تتحقق عادة من خلال مزيج من النظم القائمة على الاشتراكات والنظم الممولة من الضرائب التي توفر حماية أساسية ووافية للجميع بصورة منهجية.
إدماج مجتمعات الشعوب الأصلية في نظم الحماية الاجتماعية
تمثل مجتمعات الشعوب الأصلية 6% من سكان العالم، لكنها تمثل 19% ممن يعيشون في الفقر على الصعيد العالمي. وهي الأشد تأثراً بسبب روابطها الحيوية بموارد الأرض والمياه، ولا سيما من يعيشون منهم في الدول الجزرية الصغيرة النامية. وتمتلك الشعوب الأصلية المعارف التقليدية في استخدام الموارد البيئية والتكيف مع المخاطر المناخية والتخفيف منها. غير أن الاحتلال التعسفي للأراضي واستغلال الموارد الطبيعية، اللذين يزيدان من أثر تغير المناخ، يهددان بقاء هذه المجتمعات. ويمكن للحماية الاجتماعية أن تؤدي دوراً في معالجة أشكال الظلم الهيكلي والتهجير. ولا بد من مراعاة الملاءمة الثقافية للسياسات التي توضع بالتشاور مع الشعوب المعنية، واحترام حقوقها الجماعية في سبل عيشها وأراضيها. فعلى سبيل المثال، يعفي المعاش التقاعدي غير القائم على الاشتراكات في باراغواي أبناء الشعوب الأصلية من إثبات وضعهم من حيث الفقر، اعترافاً بأوجه الهشاشة المتعددة والخاصة التي يواجهونها، بما في ذلك في سياق تغير المناخ.
بناء القدرة على الصمود في وجه تهديدات الأمن الصحي التي تفاقمها الأزمة المناخية
تؤثر التغيرات في أنماط درجات الحرارة والتساقط الناجمة عن تغير المناخ في الحياة الحيوانية بطرق شتى. فالبعوض والقراد والخفافيش مثلاً قد تحمل مسببات الأمراض وتنقلها إلى البشر، مما يجعل الملاريا وحمى الضنك وحمى الوادي المتصدع وداء لايم وغيرها من الأمراض المعدية تنتشر بسهولة أكبر وتبلغ مناطق جغرافية جديدة. ويُتوقع أيضاً أن تؤثر عواقب تغير المناخ، كتهجير البشر، ونقص المياه وصعوبة الحصول عليها، وصعوبة الحصول على الغذاء المغذي في بعض المناطق، وتركز السكان في المناطق الغنية بالموارد، في مسارات الانتقال الحالية لطائفة واسعة من مسببات الأمراض التي تمس صحة الإنسان. ومن ثم فإن تغير المناخ يزيد تهديدات الأمن الصحي، ولذلك لا بد من تعزيز الوقاية والتأهب والاستجابة وإعادة التفكير فيها للتغلب على التحديات الجديدة.
وينبغي أن تشمل استراتيجيات الوقاية والتأهب والاستجابة الحماية الاجتماعية، وأن تدعم بناء نظم صحية ونظم حماية اجتماعية مستدامة. فعلى سبيل المثال، استجابت نظم الحماية الاجتماعية التي حققت تغطية سكانية عالية قبل أزمة كوفيد 19 للجائحة وغيرها من الأوبئة بفعالية أكبر من تلك ذات التغطية المحدودة. كما أن الفئات السكانية الأشد تضرراً كانت ممثلة تمثيلاً مفرطاً في فجوات تغطية الحماية الاجتماعية، وهي عادة العمال في الاقتصاد غير المنظم والنساء والسكان النازحون وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والمصابون بأمراض مزمنة والمهاجرون والعاملون في الخدمات الأساسية. ويبرهن ذلك على الحاجة الملحة إلى جعل الحماية شاملة. كما أن الاستجابات الفورية مالت إلى توفير تغطية ضئيلة لغير المواطنين.
ويبين استعراض عالمي للأدلة المتعلقة بالاستجابة لجائحة كوفيد 19 أن نظم الحماية الاجتماعية أدت دوراً إيجابياً في التخفيف من الآثار الاجتماعية والاقتصادية لتدابير الصحة العامة والتدابير الاجتماعية، ولا سيما حين قُدمت مستويات وافية من الإعانات. وبالمثل، أبرزت الجائحة الحاجة إلى نظم شاملة تقدم إعانات حماية اجتماعية يمكن أن تسهم إسهاماً كبيراً في الوقاية والتأهب والاستجابة، كإعانات المرض. ومن المؤسف أن هذه الإعانات تشهد حالياً فجوات كبيرة في التغطية، وهي فجوات برزت خلال جوائح إنفلونزا الخنازير والسارس وكوفيد 19. والواقع أن إعانات المرض النقدية محورية لضمان الامتثال لتدابير الصحة العامة والتباعد الاجتماعي، ولضمان أمن الدخل أثناء الحجر الصحي ووقف انتقال الأمراض.
ومع إدراج صك قانوني دولي جديد بشأن الجوائح على جدول أعمال الأمم المتحدة، من المهم التأكيد على أن بناء مجتمعات قادرة على الصمود ومهيأة لمواجهة تهديدات الأمن الصحي يتطلب نظماً شاملة للصحة والحماية الاجتماعية منسقة تنسيقاً وثيقاً. فهذه النظم مترابطة ومتساندة، وهي عوامل تمكين جوهرية للوقاية والتأهب والاستجابة الفعالة. وينبغي أن يكون التمويل العالمي الموضوع تحت تصرف البلدان لتعزيز الوقاية والتأهب والاستجابة حافزاً في هذا الصدد، وأن يتجنب مزالق الترابط بين العمل الإنساني والتنمية، الذي لا يفضي بالضرورة إلى تعزيز النظم على المدى الطويل. فهذا هو السبيل الوحيد لضمان حماية اجتماعية قائمة على الحقوق وقابلة للتنبؤ تسهم في قدرة الأفراد والمجتمعات على الصمود في وجه تهديدات الأمن الصحي.
2.2 الحماية الاجتماعية بوصفها عاملاً تمكينياً للتخفيف من تغير المناخ وحماية البيئة
لا غنى عن سياسات طموحة للتخفيف من تغير المناخ وللسياسات البيئية من أجل خفض الانبعاثات نحو صافي الصفر وحماية الكوكب وتنوعه البيولوجي وموارده الطبيعية. ويمكن أن يحقق الانتقال إلى مجتمعات واقتصادات أكثر استدامة بيئياً نتائج اقتصادية واجتماعية إيجابية. بل إن التحول المشترك نحو الاقتصادات المنخفضة الكربون والدائرية والزراعة المستدامة قد يستحدث ملايين الوظائف اللائقة الجديدة في جميع أنحاء العالم. غير أن المكاسب المرتقبة ليست تلقائية، وما لم تُتخذ التدابير السياساتية اللازمة، فقد تؤدي بعض سياسات التخفيف وغيرها من السياسات البيئية إلى اضطرابات مؤقتة في الدخول والوظائف وسبل العيش.
وتؤدي الحماية الاجتماعية وظيفة تمكينية أساسية في هذا الانتقال، فهي لا تضمن عدم إغفال أحد فحسب، بل تساعد الناس بفاعلية على جني ثماره. فأولاً، يمكنها أن تقي الناس من الآثار السلبية المحتملة للسياسات المناخية على رفاههم، كتسعير الكربون أو إصلاح الدعم. وثانياً، تساعد الحماية الاجتماعية، ولا سيما حين تتكامل مع سياسات سوق العمل النشطة وتنمية المهارات والتعلم مدى الحياة، العمال المتأثرين بالانتقال على التحول إلى فرص عمل أكثر اخضراراً. وثالثاً، يمكن للحماية الاجتماعية أن تسهم مباشرة في تحقيق أهداف التخفيف من خلال تخضير عملياتها ذاتها، بما في ذلك استثمارات صناديق المعاشات التقاعدية، ومن خلال تحفيز الصون والممارسات المستدامة.
وبوصفها جزءاً من أطر سياساتية شاملة ومتكاملة للانتقال العادل، يمكن للحماية الاجتماعية أن تضمن السعي إلى تحقيق الأهداف البيئية والاقتصادية والاجتماعية في آن واحد. وحين تقترن تدابير الحماية الاجتماعية بحوار اجتماعي فعال وتواصل مع الشركاء الاجتماعيين والجمهور، يمكن أن تكون أداة حاسمة لكسب القبول الشعبي والسياسي لتنفيذ سياسات التخفيف وحماية البيئة اللازمة للتصدي للأزمة المناخية والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي.
2.2.1 التخفيف من الآثار التوزيعية وتقديم التعويض عن تسعير الكربون، بما في ذلك إصلاحات دعم الوقود الأحفوري
سيلزم اعتماد طائفة من سياسات التخفيف من تغير المناخ لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات، منها اللوائح الوطنية والدعم الأخضر وتسعير الكربون. ومع أن هذه السياسات ضرورية من منظور بيئي، فإنها قد تحمل، إذا لم تُعالَج آثارها، تبعات مالية سلبية، ولا سيما على الأسر المنخفضة الدخل.
ويركز هذا القسم على الدور التمكيني للحماية الاجتماعية في خيارين سياساتيين مترابطين لكنهما متمايزان في مجال التخفيف: إصلاح دعم الوقود الأحفوري الصريح، وهو نوع من دعم الطاقة؛ وتدابير التسعير المباشر للكربون، كضرائب الكربون أو نظم تداول الانبعاثات، التي يشار إليها أحياناً بالدعم الضمني للوقود الأحفوري، لأن غيابها يعني دعم استخدام الوقود الأحفوري.
وقد صُمم كلا الإصلاحين السياساتيين لرفع أسعار السلع والخدمات الكثيفة الكربون، فيولدان بذلك إشارات سعرية تحفز على الاستخدام الكفؤ للطاقة وتوجيه الاستثمار نحو تكنولوجيات الطاقة الأنظف. كما يتيح كلا الخيارين إيرادات أو وفورات مالية إضافية يمكن إعادة توزيع جزء منها على الأسر عبر نظام الحماية الاجتماعية للتخفيف من أثر ارتفاع الأسعار. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، يمكن أن تفضي هذه الإصلاحات إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 43% عن مستويات خط الأساس بحلول عام 2030، وتوليد إيرادات تعادل 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومنع 1.6 مليون حالة وفاة سنوياً ناجمة عن تلوث الهواء. ويشكل الدعم الصريح نحو 18% من إجمالي الإنفاق على دعم الوقود الأحفوري، في حين يشكل الدعم الضمني، أي غياب تدابير تسعير الكربون، 72% منه.
الدعم الصريح للوقود الأحفوري
في عام 2021، دعا ميثاق غلاسكو للمناخ البلدان إلى "التخلص التدريجي من دعم الوقود الأحفوري غير الكفؤ"، الذي تجاوز تريليون دولار أمريكي من دعم الوقود الأحفوري المقدم للمستهلكين في عام 2022.
ويتسم دعم الوقود الأحفوري عموماً بطابع تنازلي، أي أنه يعود بفائدة أكبر على الأسر الأغنى التي تميل إلى إنفاق المزيد على السلع والخدمات المرتبطة بالطاقة. وفي الوقت ذاته، قد يخلّف إلغاء هذا الدعم دون تعويض آثاراً سلبية شديدة على الأسر المنخفضة والمتوسطة الدخل، بسبب الأثر المتسلسل لارتفاع أسعار الطاقة على أسعار الغذاء والأسمدة. وتشير التقديرات إلى أن إلغاء دعم الوقود الأحفوري دون تعويض من شأنه أن يرفع معدلات الفقر رفعاً كبيراً في إكوادور ونيجيريا وبيرو وتونس.
وبين عامي 2015 و2020، بذل أكثر من 53 بلداً جهوداً لإصلاح الضرائب على الوقود الأحفوري ودعمه، وقد اقترن كثير منها بتوسيع نظام الحماية الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، ألغى المغرب تدريجياً معظم دعم الوقود بين عامي 2011 و2015، واستثمر جزءاً من الوفورات في توسيع تغطية إعانة نقدية للأطفال من 80 ألف أسرة إلى 466 ألف أسرة، وتوسيع نظام التأمين الصحي الاجتماعي من 5.1 ملايين إلى 8.4 ملايين شخص.
وقد أظهرت تجارب بلدان منها مصر والأردن أن التعويض حين يُوجَّه إلى عدد قليل من الأسر الفقيرة فقراً مدقعاً فحسب، قد لا يمنع خسائر الرفاه بفعالية. أما المقاربات التي تراعي أيضاً الآثار على من هم على حافة الفقر وعلى الطبقة الوسطى، فيُتوقع أن تكون أكثر فعالية في منع الارتفاعات الحادة في الفقر وضمان دعم شعبي أوسع للإصلاحات.
ويجب أن تراعي الاستجابة الأنسب أوضاع الفقر والهشاشة القائمة، وأنماط استهلاك الطاقة، والفجوات القائمة في نظام الحماية الاجتماعية. فحيث تكون التغطية مرتفعة أصلاً، قد يكون رفع كفاية الإعانات القائمة الخيار الأكثر فعالية، بينما قد يكون توسيع التغطية أو حتى توسيع الشمول باستحداث نظم جديدة بديلاً في سياقات أخرى. وقد قدّر باحثون أن نصف الوفورات الناتجة عن إلغاء دعم الوقود الأحفوري والغذاء في تونس قد يتيح استحداث إعانة شاملة للأطفال تكون أكفأ وأكثر فعالية بكثير من الدعم في منع الفقر والحد منه، وإن كان إلغاء دعم الغذاء يثير تساؤلات جدية.
والواقع أن الإلغاء التدريجي لدعم الوقود الأحفوري يمثل فرصة لسد فجوات الحماية وخفض مستويات الفقر إلى ما دون مستويات خط الأساس. إذ يمكن لهذه الإصلاحات أن توفر حيزاً مالياً إضافياً لتوسيع تغطية أرضيات الحماية الاجتماعية وكفايتها، فتسهم بذلك في الحد من الهشاشة إزاء المخاطر المناخية وتعزز قدرات الناس على المواجهة والتكيف. غير أنه قبل إلغاء دعم الوقود الأحفوري، لا بد من التقييم الدقيق لقدرة نظم الحماية الاجتماعية القائمة على مواجهة الآثار السلبية لهذه الإصلاحات على أشد الأسر هشاشة.
ويعد التعويض من خلال نظم الحماية الاجتماعية عاملاً حاسماً في نجاح إصلاحات الدعم. فقد أفضت محاولات كثيرة لإصلاح دعم الوقود الأحفوري إلى اضطرابات اجتماعية. ففي إكوادور، اضطرت الحكومة إلى إعادة الدعم بعد احتجاجات واسعة النطاق اندلعت جزئياً لأن مدفوعات الرعاية الاجتماعية التعويضية الموعودة لم تُصرف في موعدها. ومن شأن حملات التواصل الفعالة، وتقديم التعويض مسبقاً، والانخراط في الحوار الاجتماعي، أن تزيد من مقبولية الإصلاحات وشفافيتها.
نظم التسعير المباشر للكربون
لا يزال العالم في بداية مسيرته في تسعير الكربون، ولم تطبق حتى الآن ضريبة الكربون أو نظام تداول الانبعاثات سوى البلدان الصناعية في الغالب، وبأسعار منخفضة نسبياً في معظمها. وفي أغلب الحالات، تُعوَّض الأسر والشركات بتخفيض ضرائب أخرى، منها ضرائب الدخل. ولم يُعِد سوى عدد قليل من البلدان تدوير إيرادات أدوات تسعير الكربون عبر نظام الحماية الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، تعيد سويسرا توزيع ثلثي إيرادات ضريبة الكربون لتمويل خصومات على أقساط التأمين الصحي الإلزامي.
وفي البلدان التي ترتفع فيها مستويات العمل غير المنظم وتضعف فيها نظم ضريبة الدخل، قد يكون توسيع النظم غير القائمة على الاشتراكات خياراً أنسب لتعويض الناس عن ارتفاع الأسعار الناجم عن نظم التسعير المباشر للكربون. غير أنه نظراً إلى أن هذه النظم لم تُطبَّق بعد خارج الاقتصادات الصناعية وعدد قليل من الاقتصادات الناشئة، فلا توجد تجربة في هذا الشأن حتى الآن. ومع ذلك، فإن كثيراً من الدروس المستفادة بشأن دور الحماية الاجتماعية في إصلاحات دعم الوقود الأحفوري تنطبق أيضاً على نظم التسعير المباشر للكربون. فالتعويض عن خسائر الرفاه عبر نظام الحماية الاجتماعية يمكن أن يكون وسيلة فعالة لمنع الارتفاعات الحادة في الفقر وكسب القبول لدى السكان. واستجابات الحماية الاجتماعية التي تستهدف الأشد فقراً فحسب قد لا تكفي للتخفيف من خسائر الرفاه؛ إذ تبين نمذجة أثر ضريبة الكربون في البرازيل أنه في ظل أخطاء الاستهداف الحالية، سيتكبد نحو 20% من الخُمس الأفقر و50% من الخُمس الذي يليه خسارة صافية إذا كان التعويض موجهاً للفقراء. كما أن إعادة توجيه إيرادات نظم تسعير الكربون إلى نظام الحماية الاجتماعية تمثل فرصة مهمة لتحقيق العدالة المناخية، تقوم على فرض الضرائب على المتسببين في الانبعاثات بغية توسيع الحماية الاجتماعية لدعم تكيف الأشد هشاشة.
2.2.2 تيسير الانتقال العادل للعمال والمؤسسات
التحولات الهيكلية في سياق الانتقال العادل
تستدعي الأزمة المناخية إعادة النظر في مسارات التحول الهيكلي بما يكبح انبعاثات غازات الدفيئة ويحافظ على الموارد الطبيعية ويقلل التقلبات المناخية التي تتعرض لها المجتمعات والاقتصادات. فتاريخياً، تزامنت التحولات الهيكلية نحو القطاعات الاقتصادية الأعلى إنتاجية وقيمة مضافة مع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي والاستهلاك وانبعاثات غازات الدفيئة. أما اليوم، فإن الحكومات مدعوة إلى تخطيط وإرساء أطر اقتصادية كلية داعمة للعمالة وسياسات متكاملة للعمالة والحماية الاجتماعية والصناعة تدعم التحول الهيكلي من أجل العمل المناخي. وتواجه كثير من أقل البلدان نمواً معضلات بسبب اعتمادها على أنشطة اقتصادية قائمة على الموارد الطبيعية. ويتطلب تحقيق اقتصادات مستدامة بيئياً في هذه البلدان سياسات تجارية دولية وسلاسل قيمة عالمية عادلة، وتعاوناً في نقل التكنولوجيا، ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة، ولا سيما في قطاع المعادن. وفي خضم انتقال عاجل إلى الإنتاج المستدام، تواجه بعض البلدان المتوسطة الدخل خطر الوقوع في "فخ الدخل المتوسط" المرتبط بعدم كفاية مستويات الإنتاجية ومحدودية فرص التحول الهيكلي في سوق عالمية شديدة التنافس. ويقوم هذا التحول على أبعاد ثلاثة: بعد بيئي يشمل خفض انبعاثات غازات الدفيئة وصون الموارد الطبيعية وحماية النظم الإيكولوجية؛ وبعد اقتصادي يشمل الانتقال إلى الطاقة المستدامة وإلى الإنتاج والاستهلاك المستدامين وتعزيز الاقتصاد الدائري والحلول القائمة على الطبيعة؛ وبعد اجتماعي يشمل الحد من الهشاشة إزاء الصدمات المناخية والفقر من خلال الحماية الاجتماعية الشاملة، وضمان النمو الشامل والتوزيع المنصف لمكاسبه على المجتمع، والانتقال إلى عمل أخضر ومنظم ولائق مشمول بالحماية الاجتماعية.
وفي عام 2019، أشارت تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن الانتقال إلى الطاقة المستدامة وتطوير الاقتصاد الدائري قد يلغيان 78 مليون وظيفة ويستحدثان 103 ملايين وظيفة على الصعيد العالمي. وتشير بيانات أحدث للمنظمة إلى اتجاهات مماثلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي. وتوحي هذه النتائج بآثار صافية إيجابية إجمالاً على العمالة، لكنها تخفي ما قد يحدثه الانتقال من اضطرابات في سوق العمل. فأوجه عدم التطابق بين الطلب على العمل والمعروض منه، سواء من حيث التوقيت أو المكان أو القطاع أو المهارات، قد تولد بطالة احتكاكية وهيكلية وخسارة في الأصول وسبل العيش، مما يفاقم الفقر وعدم المساواة والتوتر الاجتماعي.
ويجب أن تكون السياسات الاقتصادية والبيئية متسقة على جميع المستويات، جنباً إلى جنب مع الحماية الاجتماعية وسياسات سوق العمل النشطة. فذلك يضمن أن تعزز القطاعات الخضراء الناشئة العمالة المنظمة والمنتجة واللائقة، ويحد من الفقر وعدم المساواة، ولا سيما في البلدان النامية.
وتعد خدمات التوظيف وبرامج التعلم مدى الحياة وبرامج التشغيل العام وحوافز ريادة الأعمال ودعم الوظائف أو الأجور أمثلة على تدابير التفعيل التي تكمل إعانات البطالة وغيرها من تدخلات الحماية الاجتماعية لدعم الانتقال إلى اقتصادات مستدامة على نحو فعال. ويعزز هذا التكامل تغييرات هيكلية عادلة وشاملة ومنصفة اجتماعياً في أنماط الإنتاج والاستهلاك، ويضمن في الوقت ذاته القبول الشعبي للسياسات البيئية. وتخفف تدابير الحماية الاجتماعية، ولا سيما حين تكملها برامج التفعيل، من فقدان الوظائف والدخل المرتبط بالتخلص التدريجي من الصناعات الملوثة، فتحقق بذلك استقرار الاستهلاك وتقلص الآثار المتسلسلة لتدابير حماية البيئة على المجتمعات المحلية والأعمال المحلية. ومن خلال ضمان أمن الدخل وإنتاجية الأعمال واستمراريتها، تمكّن تدابير الحماية الاجتماعية العمال والمؤسسات من اجتياز التحولات الهيكلية بسلاسة، إذ تدير مخاطر تكييف نماذج الإنتاج وتولي وظائف جديدة، فتحول دون اللجوء إلى استراتيجيات مواجهة سلبية كإنهاء خدمة العاملين أو قبول وظائف متدنية الجودة أو عمل الأطفال.
الاستثمار في القدرات البشرية وتيسير الانتقال إلى وظائف لائقة في اقتصادات مستدامة بيئياً
رغم تحقيق مكاسب صافية في الوظائف على المدى المتوسط، ستؤثر سياسات التخفيف وحماية البيئة سلباً في العمالة والدخول بسبب تغير المهارات المطلوبة. وستمس هذه السياسات بوجه خاص العمال الأقل مهارة والعاملين في الاقتصاد غير المنظم، الذين يفتقرون إلى رأس المال البشري والمادي وإلى الحماية الاجتماعية التي قد تيسر انتقالهم إلى وظائف جديدة. وتحظى القطاعات التي يهيمن عليها الرجال، كالنقل والطاقة والزراعة والبناء، باهتمام أكبر في نقاشات الانتقال العادل مقارنة بالقطاعات التي تهيمن عليها النساء كالمنسوجات والملابس، رغم أن هذه الأخيرة تسهم بما يتراوح بين 6% و8% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة. ولذلك فإن إيلاء الأولوية لتكافؤ فرص الحصول على التوظيف وبرامج المهارات والحماية الاجتماعية، وتطوير قطاع الرعاية، أمر حاسم لضمان مشاركة المرأة في الوظائف الخضراء.
ويمكن لربط الحماية الاجتماعية بسياسات سوق العمل النشطة أن يخفف من الآثار السلبية للسياسات المناخية على العمالة، وأن يتيح في الوقت ذاته الانتقال إلى اقتصادات مستدامة بيئياً. فعلى سبيل المثال، ثبتت فعالية ربط التأمين ضد البطالة ببرامج التوظيف وإعادة التأهيل في دعم انتقال قطاع الطاقة. ففي عام 2018، وفي إطار قرار التخلص التدريجي من تعدين الفحم، اتفقت حكومة إسبانيا والنقابات العمالية على التقاعد المبكر لعمال المناجم الذين تجاوزت أعمارهم 48 عاماً ومن سددوا اشتراكات الضمان الاجتماعي لمدة 25 عاماً، وعلى إعادة توظيف عمال المناجم محلياً في أعمال الاستصلاح البيئي وإعادة تأهيلهم للصناعة الخضراء أثناء حصولهم على إعانات البطالة. وفي الفلبين، يتعاون نظام الضمان الاجتماعي وهيئة التعليم التقني وتنمية المهارات في تنظيم برامج للتوجيه المهني، بما في ذلك في مجال الاقتصاد الدائري، وفي تعزيز تسجيل العمال الملتحقين ببرامج الهيئة في التأمين الاجتماعي. وفي نيكاراغوا، وللتعامل مع جفاف شديد عام 2011 ومع تراجع أسعار البن العالمية في آن واحد، قدم برنامج شبكة الحماية الاجتماعية إعانات نقدية لتأمين دخل صغار منتجي البن وخدمات إرشادية لتنويع أنشطتهم الزراعية.
ومن ثم يتطلب الانتقال العادل توسيع الحماية الاجتماعية، بما في ذلك عبر النظم الممولة من الضرائب، وتعزيز سياسات سوق العمل النشطة لضمان الشمول والانتقال إلى الاقتصاد المنظم، ولا سيما للعاملين في العمالة غير المنظمة والوافدين الجدد إلى سوق العمل.
ويتطلب تحديث الصناعات وتخضيرها، كإدارة النفايات، تدخلاً حكومياً يشمل الحماية الاجتماعية، من أجل تنظيم عمل 20 مليون جامع نفايات في العالم وتوفير وظائف لائقة لهم. وهؤلاء العمال هم في الغالب من النساء والأطفال وكبار السن والمهاجرين، ويعملون بأجور زهيدة ويتعرضون بدرجة عالية لمنتجات خطرة.
وتتيح الوظائف الخضراء الناشئة، المرتبطة غالباً بالتكنولوجيات الجديدة، فرصاً للشباب للانتقال من الدراسة إلى العمل اللائق. وحين يُزوَّد الشباب بالمهارات الخضراء اللازمة ويُدعمون بالحماية الاجتماعية أثناء بحثهم عن عمل وبدء مسارهم المهني، يمكنهم أن يكونوا محفزين لمستقبل مستدام بيئياً. وفضلاً عن ذلك، يمكن لإعانات الأطفال الممتدة إلى الشباب الذين تجاوزوا 18 عاماً أن توفر لهم أمن الدخل أثناء التعليم أو التدريب، وأن تساعد على بناء قدراتهم.
ويتيح ضمان الاتساق بين سياسات العمالة والحماية الاجتماعية وهجرة اليد العاملة للعمال المهاجرين اغتنام فرص جديدة قادرة على الصمود في وجه تغير المناخ، والإسهام بفاعلية في التحول البيئي، في سياق نقص متزايد في اليد العاملة، بما في ذلك في القطاعات القائمة على الموارد الطبيعية.
وتتطلب حماية البيئة تعديل الإنتاج في الزراعة والحراجة ومصائد الأسماك. فعلى سبيل المثال، تستدعي القيود على الصيد توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل الصيادين، من خلال تخفيف معايير الأهلية لإعانات البطالة كما في الصين، أو توسيع الحماية الاجتماعية العينية خلال فترات حظر الصيد كما في بنغلاديش، أو توفير عمالة عامة مؤقتة كما في المكسيك وجنوب أفريقيا، أو الجمع بين الإعانات غير القائمة على الاشتراكات وتدابير تنمية المهارات ليتمكنوا من بدء مشاريع صغيرة كإنتاج الفواكه والخضروات، كما في ساموا وجنوب أفريقيا. وتساعد تدابير الحماية الاجتماعية، إلى جانب برامج التشغيل العام أو ريادة الأعمال، مستكملة بالتأمين الزراعي والتأمين على الماشية، المزارعين على مواجهة أثر السياسات المناخية على دخولهم وتنويع سبل عيشهم وأنشطتهم الاقتصادية. ويعزز ذلك المخاطرة المنتجة في القرارات المتعلقة بتغيير الإنتاج الزراعي.
دعم المؤسسات الصغيرة وسبل العيش
قد تُحدث سياسات التخفيف وحماية البيئة اضطراباً في الاقتصادات والمؤسسات المحلية، ولا سيما المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، التي تمثل أكثر من 90% من مجموع المنشآت وتعد من أكبر مصادر خلق فرص العمل في البلدان النامية. ويمثل تكييف نماذج الإنتاج للامتثال للوائح البيئية مخاطر وتكاليف كبيرة لهذه المؤسسات، خاصة في ظل محدودية التكنولوجيا والبحث والتطوير في تلك البلدان. وتوفر نظم الحماية الاجتماعية، التي تجمّع المخاطر من خلال التمويل الجماعي، آلية فعالة من حيث التكلفة لدعم المؤسسات في اجتياز الانتقال الأخضر. فعلى سبيل المثال، يمكن لإتاحة نظام مبسط للحماية الاجتماعية والضرائب للمؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة أن يدعم انتقالها إلى الاقتصاد المنظم، ويحسن حصولها على التمويل اللازم للاستثمار في التكنولوجيا، ويعزز قدرتها الاقتصادية على الصمود أمام التحولات. وقد شملت الجهود الثلاثية في عدة بلدان، منها كمبوديا وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية ونيبال وسان تومي وبرينسيبي وزامبيا، توسيع الضمان الاجتماعي ليشمل العاملين في الاقتصاد غير المنظم، في إطار استراتيجيات أوسع لتعزيز انتقال هذه المؤسسات إلى أنشطة مستدامة بيئياً.
ومن خلال التمويل الجماعي للمخاطر والارتباط بإطار سياساتي أوسع، تمكّن الحماية الاجتماعية المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة من تعزيز سلوك المخاطرة المنتجة والقدرة التنافسية. ويعد هذا النهج محورياً لتحسين قدرة العمال على الصمود وضمان استمرارية الأعمال والنمو المستدام في مواجهة التحديات المرتبطة بجهود الانتقال العادل.
دور الحوار الاجتماعي
لا غنى عن الهيكل الثلاثي والحوار الاجتماعي في تصميم نظم الحماية الاجتماعية وتنفيذها بما يعالج تحديات تغير المناخ والآثار السلبية لجهود التخفيف. فالمفاوضة الجماعية، التي ييسرها الحوار الاجتماعي الثنائي والثلاثي، تساعد على صياغة اتفاقات وطنية لإدارة آثار إزالة الكربون. وقد أدى الشركاء الاجتماعيون، بالتشاور مع أصحاب المصلحة المعنيين، دوراً حاسماً في الانتقال بعيداً عن الفحم. ففي ألمانيا، تفاوضت لجنة الفحم، التي أنشأتها الحكومة عام 2018 مع ممثلي الصناعة والنقابات العمالية لتيسير التخلص التدريجي من الفحم بحلول عام 2038، على اتفاق يحمي العمال من خلال إعادة التدريب والتقاعد المبكر عبر صندوق خاص للتكيف. وقد فُصّلت حقوق العمال وتعويضاتهم في عقد بين الدولة ومشغلي محطات الفحم، ثم كُرّس التقاعد المبكر لاحقاً في القانون.
والحوار الاجتماعي أساسي للانتقال العادل. ففي جنوب أفريقيا، يؤكد إطار المجلس الوطني الثلاثي للتنمية الاقتصادية والعمل ضرورة إجراء إصلاح شامل للضمان الاجتماعي من أجل انتقال عادل لأكبر مرفق عام للكهرباء مملوك للدولة. وفي كولومبيا، يسّرت الرابطة الوطنية لرجال الأعمال مناقشات حول انتقال قطاعي الطاقة والتعدين بين قادة الصناعة، ووضعت النقابات العمالية استراتيجيات لضمان الحصول العادل على الطاقة، والتزمت الحكومة بتعهد الوظائف الخضراء لدعم العمال وأصحاب العمل في مجال النمو الأخضر والانتقال العادل، من خلال حوار اجتماعي يشمل الشعوب الأصلية.
2.2.3 الإسهام المباشر في التخفيف من تغير المناخ وحماية البيئة
يتطلب التخفيف من الأزمة المناخية في نهاية المطاف تغييرات كبرى في أنماط الإنتاج واستخدام الطاقة والاستهلاك. ومع أن عبء التغيير يقع على عاتق مجالات سياساتية أخرى، فثمة سبل تمكّن الحماية الاجتماعية من الإسهام في جهود التخفيف، ولا سيما فيما يتعلق باستثمارات صناديق المعاشات التقاعدية والتدخلات الرامية إلى حماية النظم الإيكولوجية واستعادتها. بل إن جميع العمليات المؤسسية للحماية الاجتماعية قابلة لمزيد من التخضير. فعلى سبيل المثال، يمكن للمؤسسات التي تدير نظم الرعاية الصحية والاجتماعية أن تستخدم قوتها الشرائية في المشتريات لدعم تخضير تلك الخدمات.
تسريع الانتقال الأخضر من خلال تخضير صناديق المعاشات التقاعدية
قد يبدو الأمر مخالفاً للحدس، لكن الحقيقة المزعجة هي أن أجزاء من الحماية الاجتماعية أسهمت ولا تزال تسهم إسهاماً كبيراً في الاحترار العالمي. فصناديق المعاشات التقاعدية، الخاصة والعامة، ذات الاستثمارات الضخمة في صناعة الوقود الأحفوري تسهم في انبعاثات غازات الدفيئة. ومع أن عوائد هذه الاستثمارات موّلت أمن الدخل في الشيخوخة زمناً طويلاً، فإنها تركت أبناء المستفيدين وأحفادهم أمام مستقبل محفوف بالمخاطر يرثون فيه كوكباً منهكاً بشدة.
ولم يحظ تخضير صناديق المعاشات التقاعدية إلا باهتمام ضئيل للغاية، رغم ما ينطوي عليه من إمكانات كبيرة للتأثير في الطريقة التي يشكل بها رأس المال العالمي مصير كوكبنا. ولا يمكن تجاهل حجم أصول المعاشات التقاعدية، إذ تبلغ 53 تريليون دولار أمريكي في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وحدها، وهو ما يمثل شريحة كبيرة من سوق رأس المال العالمية التي قُدّرت بنحو 231 تريليون دولار أمريكي في نهاية عام 2022 من الأوراق المالية ذات الدخل الثابت والأسهم. وبلغت المعاشات التقاعدية العامة وحدها نحو 22 تريليون دولار أمريكي في عام 2021، أي ما يقارب 10% من رأس المال العالمي. وتعد أصول المعاشات التقاعدية من أكبر الكتل المنفردة لرأس المال في العالم، ويمكنها أن تدعم "ضرورة الحد من هيمنة القطاع المالي" على نطاق أوسع، وأن تقلص جدوى الوقود الأحفوري. فطريقة استثمار هذه الصناديق يمكن أن تعيد تشكيل الترتيبات الاجتماعية والاقتصادية وربما تحولها نحو قدر أكبر من الاستدامة، عبر نقل الاستثمارات من صناعة الوقود الأحفوري إلى القطاع الأخضر الناشئ وقطاع الطاقة المتجددة، فتسهم بذلك في التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري وفي تسريع تنفيذ التخفيف من تغير المناخ.
واليوم، تتجه صناديق المعاشات التقاعدية العامة نحو التخضير وتطبيق الممارسات البيئية والاجتماعية وممارسات الحوكمة، كما يتضح من النشاط الاستثماري لصناديق المعاشات التقاعدية العامة الوطنية في كندا والدانمرك. فقد سحبت المؤسستان استثماراتهما من الشركات المسهمة في الانبعاثات، واستثمرتا في محافظ صناديق خضراء. وثمة أمثلة على المستوى دون الوطني أيضاً، إذ تسحب صناديق المعاشات التقاعدية لمدينة نيويورك استثماراتها من الوقود الأحفوري بثبات منذ عام 2015، وتستثمر بصورة متزايدة في الحلول المناخية، كالطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة ومنع التلوث والمباني المنخفضة الكربون. وفي عام 2021، التزمت هذه الصناديق بتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2040، ووضعت ضمانات تقيها مخاطر الغسل الأخضر.
ولا شك أن بذل مزيد من الجهد في سحب الاستثمارات وتخضير صناديق المعاشات التقاعدية العامة أمر تأخر كثيراً. ويمكن أن تكون المصلحة الذاتية، أي تحقيق عائد موثوق على الاستثمار، والإيثار، أي الحفاظ على كوكب صالح للحياة للأجيال المقبلة، دافعين مزدوجين لمنظمات العمال وأصحاب العمل ومنظمات المجتمع المدني للتعبئة من أجل ضمان أن تدعم هذه الصناديق جهود التخفيف وأن تكفل أمن دخل في الشيخوخة خالياً من الوقود الأحفوري. وفضلاً عن ذلك، ونظراً إلى أن هذه الصناديق تتركز أساساً في البلدان الأغنى، فإن الاعتراف بشكل أكبر، من منظور الإنصاف بين الشمال والجنوب، بالكيفية التي يضر بها استثمار هذه الصناديق مليارات البشر، الذين كثيراً ما يقفون في الخط الأمامي للأزمة المناخية ويفتقرون إلى الحماية الاجتماعية، ينبغي أن يكون شاغلاً إنسانياً أساسياً.
دعم صون مصارف الكربون والموارد الطبيعية واستعادتها من خلال الحماية الاجتماعية
يمكن تصميم نظم الدفع مقابل خدمات النظم الإيكولوجية، ونظم التحويلات النقدية المشروطة، وبرامج التشغيل العام، بحيث تحقق في آن واحد أهداف الحماية الاجتماعية، أي توفير أمن الدخل، والأهداف البيئية. فعلى سبيل المثال، يربط مشروع الفقر وإعادة التحريج والطاقة وتغير المناخ في باراغواي التحويل النقدي المشروط الأساسي في إطار برنامج تيكوبورا بمدفوعات إضافية إذا حقق المستفيدون نتائج إيجابية في إنتاج الحراجة الزراعية. ويُتوقع ألا يزيد ذلك الإنتاجية الزراعية والدخول فحسب، بل أن يحمي الغابات أيضاً، وهي مصارف مهمة للكربون.
ويمكن لهذه المبادرات أن تستفيد أيضاً من المعارف التقليدية لمجتمعات الشعوب الأصلية في استخدام البيئة وحمايتها. ففي البرازيل، يحفز تحويل نقدي مشروط مالكي الموارد الطبيعية ومستخدميها، كالغابات أو المياه، على صونها أو استخدامها على نحو مستدام. فبين عامي 2011 و2016، قدم برنامج بولسا فيردي إعانات إضافية لـ31621 مشاركاً في برنامج بولسا فاميليا في منطقة الأمازون، مشروطة بعدم مشاركتهم في أنشطة ضارة بالبيئة كقطع الأشجار غير المشروع. وتشير التحليلات إلى أن إزالة الغابات كانت أقل بنسبة 22% بفضل البرنامج مقارنة بمناطق أخرى، وأنه حقق فوائد كبيرة في خفض الكربون، مسهماً في حماية الأمازون الذي يعد مصرفاً رئيسياً للكربون على الصعيد العالمي. وقد أعيد العمل بالبرنامج عام 2023 مع تركيز متجدد على الجمع بين هدفي الحد من الفقر والاستخدام المستدام للموارد.
وفضلاً عن ذلك، تركز برامج التشغيل العام بصورة متزايدة على إنشاء الأصول البيئية وحمايتها، كبرنامج شبكة الأمان الإنتاجية في إثيوبيا، الذي ثبت أنه يسهم في احتجاز الكربون من خلال بناء الكربون العضوي في التربة وزيادة الكتلة الحيوية. ولا بد من إيلاء اهتمام خاص عند تصميم برامج التشغيل العام وتنفيذها لضمان العمل اللائق والاستجابة للاعتبارات الجنسانية واحترام حقوق الإنسان وحقوق العمل.
وفي بعض السياقات، يمكن للحماية الاجتماعية، حتى من دون أهداف بيئية صريحة، أن تفضي إلى نتائج أكثر اخضراراً. فدعم الدخل يمكن أن يقلل الحاجة إلى ممارسات غير مستدامة كإزالة الغابات، ويمكّن الناس من استهلاك سلع مصدرها السوق بدلاً من الاستغلال المباشر للموارد الطبيعية. فعلى سبيل المثال، تبين أن برنامج المساعدة الاجتماعية كلوارغا هارابان في إندونيسيا قلل فقدان الغطاء الحرجي بنسبة تتراوح بين 16% و30%.
ومع أن الاشتراطات في الحماية الاجتماعية لا تخلو من إشكاليات، فإن هذه النظم يمكن أن تحدث أثراً إيجابياً في معدلات التشجير والحد من الأنشطة الضارة بيئياً. غير أنها تحتاج إلى التوسع على نطاق واسع، كما فعل بعضها بالفعل، لتحقيق أثر إيجابي واسع الانتشار ومستدام. وفي الوقت ذاته، لا بد من الحرص على معالجة أوجه عدم المساواة الهيكلية التي تمثل المحركات الرئيسية للضرر البيئي، كأنماط الاستهلاك وأساليب الحياة المترفة والصناعات الملوثة. ويعني ذلك المعالجة المباشرة لأوجه عدم المساواة الهيكلية التي تشكل السبب الجذري للأزمة، وعدم إلقاء عبء صون البيئة على كاهل المجتمعات الأقل إسهاماً فيها والتي تعاني هي نفسها من الهشاشة أصلاً.
