القائمة الرئيسية

التقرير العالمي للحماية الاجتماعية 2024 إلى 2026: الحماية الاجتماعية الشاملة من أجل العمل المناخي والانتقال العادل (5/3)

التقرير العالمي للحماية الاجتماعية 2024 إلى 2026: الحماية الاجتماعية الشاملة من أجل العمل المناخي والانتقال العادل (5/3)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الثالث ضرورة **تعزيز نظم الحماية الاجتماعية وتكييفها لمواجهة مخاطر دورة الحياة وتغير المناخ**، مع التأكيد على أن التقدم العالمي في التغطية، الذي بلغ 52.4% من السكان، لا يزال بطيئاً، إذ يفتقر نحو 3.8 مليارات شخص إلى أي حماية اجتماعية، وتزداد الفجوات في البلدان منخفضة الدخل والبلدان الأكثر تعرضاً لتغير المناخ. ويبرز الفصل استمرار فجوات التغطية بين العمال، والنساء، والمهاجرين، والعاملين في الاقتصاد غير المنظم، والفئات المستضعفة، مما يستدعي توسيع التأمين الاجتماعي والمساعدة الاجتماعية وضمان كفاية الإعانات والخدمات. كما يوضح أن تمويل الحماية الاجتماعية لا يزال غير متكافئ، وأن البلدان منخفضة الدخل تواجه فجوات مالية ضخمة تتطلب دعماً دولياً، مع إمكانية تعبئة موارد إضافية من إصلاح دعم الوقود الأحفوري، وتسعير الكربون، والتمويل المناخي الدولي. ويؤكد الفصل أن بناء حماية اجتماعية شاملة وقادرة على الصمود يتطلب **تكييف السياسات والحوكمة والتصميم والعمليات وآليات تقديم الإعانات**، وإدماج المخاطر المناخية في استراتيجيات الحماية الاجتماعية، وتطوير نظم معلومات ورقمنة فعالة، ووضع آليات استجابة تلقائية وسريعة للأزمات والكوارث. وبوجه عام، يخلص الفصل إلى أن سد فجوات التغطية والتمويل والكفاية، وتعزيز القدرات المؤسسية والتشغيلية، وتحقيق قدر أكبر من التنسيق بين سياسات الحماية الاجتماعية والمناخ، تمثل أسساً ضرورية لضمان انتقال عادل وقدرة أكبر على الصمود أمام آثار تغير المناخ.

الفصل الثالث: إرساء الأسس الصحيحة: سد فجوات الحماية وتعزيز النظم

الرسائل الرئيسية

لكي تحقق نظم الحماية الاجتماعية إمكاناتها في الاستجابة لتغير المناخ ومعالجة مخاطر دورة الحياة، لا بد من تعزيزها وتكييفها. وتلزم جهود إضافية لضمان التغطية الشاملة والحماية المتكاملة والوافية. وتتطلب الحماية الاجتماعية التكيفية إجراءات لتعزيز قدرة نظم الحماية الاجتماعية على الصمود والاستجابة أثناء الأزمات، بما فيها الأزمات الناجمة عن تغير المناخ.

فلأول مرة، أصبح أكثر من نصف سكان العالم، أي 52.4%، مشمولين بإعانة نقدية واحدة على الأقل من إعانات الحماية الاجتماعية وفق مؤشر أهداف التنمية المستدامة 1.3.1، بعد أن كانت النسبة 42.8% في عام 2015. ومع أن ذلك يمثل تقدماً مهماً، فإن 3.8 مليارات شخص، وهو رقم مثير للقلق، لا يزالون محرومين تماماً من الحماية. ولو استمر التقدم بهذا المعدل على الصعيد العالمي، لاستغرق الأمر 49 عاماً أخرى، أي حتى عام 2073، حتى يُشمل الجميع بإعانة واحدة على الأقل من إعانات الحماية الاجتماعية.

ويسير العالم حالياً في مسارين متباينين ومتباعدين جداً في مجال الحماية الاجتماعية: فالبلدان المرتفعة الدخل تقترب من التمتع بتغطية شاملة بنسبة 85.9%، والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا بنسبة 71.2% والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا بنسبة 32.4% تحقق خطوات واسعة في سد فجوات الحماية. وفي المقابل، لم تكد معدلات التغطية في البلدان المنخفضة الدخل، البالغة 9.7%، تتحرك منذ عام 2015.

والبلدان الواقعة في الخط الأمامي للأزمة المناخية والأكثر عرضة لمخاطرها غير مهيأة على نحو مؤسف. ففي البلدان الخمسين الأشد تأثراً بتغير المناخ، لا يتمتع بالتغطية الفعلية سوى 25% من السكان، مما يترك 2.1 مليار شخص يواجهون آثاراً متصاعدة على سبل عيشهم ودخولهم وصحتهم دون أي حماية اجتماعية. وفي البلدان العشرين الأشد تأثراً، تقل نسبة المشمولين عن 10% من السكان، مما يترك 364 مليون شخص بلا حماية على الإطلاق.

ولا تزال الفجوات بين الجنسين في التغطية القانونية والفعلية على الصعيد العالمي كبيرة. ولا بد أن تصبح نظم الحماية الاجتماعية أكثر استجابة للاعتبارات الجنسانية، وأن تعالج أوجه عدم المساواة في أسواق العمل والعمالة والمجتمع عموماً.

وتكتسي زيادة كفاية الحماية الاجتماعية أهمية قصوى لتحقيق إمكاناتها في منع الفقر والحد منه ومعالجة أوجه عدم المساواة وتمكين الناس من حياة كريمة. ويعد ضمان إعانات وافية طوال دورة الحياة أمراً محورياً لضمان الحماية الاجتماعية الشاملة والسعي نحو مستويات أعلى من الإعانات. وستزيد الأزمة المناخية من الاحتياجات البشرية، وستتطلب زيادة مقابلة في نطاق الإعانات ومستواها لمعالجة المخاطر الجديدة والمتحولة.

وتنفق البلدان في المتوسط 19.3% من ناتجها المحلي الإجمالي على الحماية الاجتماعية بما فيها الصحة، غير أن هذا الرقم يخفي تفاوتات هائلة. إذ تنفق البلدان المرتفعة الدخل في المتوسط 24.9%، والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا 11.8%، والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا 5.8% فقط، والبلدان المنخفضة الدخل 2.0% فحسب من ناتجها المحلي الإجمالي.

ولا تزال فجوات التمويل في مجال الحماية الاجتماعية كبيرة. فلضمان مستوى أساسي على الأقل من الضمان الاجتماعي من خلال أرضية للحماية الاجتماعية، ستحتاج البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا إلى استثمار 6.9% إضافية من ناتجها المحلي الإجمالي، والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا إلى 1.4%. أما البلدان المنخفضة الدخل فستحتاج إلى استثمار 308.5 مليارات دولار أمريكي إضافية سنوياً، أي ما يعادل 52.3% من ناتجها المحلي الإجمالي، بسبب فجوات التغطية الكبيرة لديها وانخفاض ناتجها المحلي الإجمالي، وهو أمر لن يكون ممكناً على المدى القصير دون دعم دولي.

وثمة خيارات متاحة لسد فجوات التمويل مع التصدي في الوقت ذاته لأوجه عدم المساواة المناخية داخل البلدان وفيما بينها. ومن ذلك فرض الضرائب على من يستهلكون وينتجون قدراً أكبر من انبعاثات الكربون، بما في ذلك عبر إلغاء الدعم، وإعادة توزيع الإيرادات من خلال الحماية الاجتماعية. وينبغي استخدام التمويل المناخي الدولي، بما فيه تمويل الخسائر والأضرار، لتعزيز قدرة البلدان الأشد تأثراً على الصمود، بما في ذلك عبر الحماية الاجتماعية.

ويجب تكييف نظم الحماية الاجتماعية لمواجهة التحديات التي تفرضها الأزمة المناخية. وتتطلب الحماية الاجتماعية التكيفية زيادة الاتساق والتنسيق بين الحماية الاجتماعية والسياسات المناخية، واعتماد استراتيجيات لتقدير التكاليف والتمويل تراعي المخاطر المناخية، ومرونة في تصميم النظم، واستثمارات لتعزيز قدرة العمليات وآليات تقديم الإعانات على الصمود والاستجابة.

3.1 أين نقف في بناء نظم الحماية الاجتماعية؟

في مواجهة الأزمة المناخية، لا غنى عن إرساء حماية شاملة ودائمة في صورة نظم حماية اجتماعية شاملة وتكيفية، استعداداً للآثار المتصاعدة التي ستخلفها. أما البديل، أي التدافع لتجميع استجابات متأخرة وتكميلية ودون المستوى الأمثل لا تصل إلى الجميع، فليس ببساطة سبيلاً رشيداً ومسؤولاً للمضي قدماً. وفي المحصلة، يسير التقدم نحو الحماية الاجتماعية للجميع ببطء شديد لا يكفي لحماية الناس من المخاطر المعتادة لدورة الحياة ومن التحديات الوشيكة، سواء كان مبعثها الأزمة المناخية أو عوامل أخرى.

وقد أحرزت بلدان كثيرة تقدماً كبيراً في تعزيز نظم الحماية الاجتماعية لديها. فقد أظهرت الاستجابة السياساتية الضخمة خلال جائحة كوفيد 19 قوة الحماية الاجتماعية في احتواء الأزمات والاستجابة للاحتياجات البشرية، إذ نفذت الغالبية العظمى من البلدان تدابير للحماية الاجتماعية. غير أن كثيراً من هذه التدابير كان مؤقتاً فحسب، وكان عدم جعلها دائمة فرصة ضائعة لتعزيز النظم، ولا سيما في ضوء الأدلة الدامغة على أن البلدان التي كانت لديها نظم شاملة قائمة استطاعت الاستجابة بسرعة وفعالية أكبر لصدمة مشتركة واسعة النطاق.

ولكي تعالج نظم الحماية الاجتماعية مخاطر دورة الحياة والمخاطر المرتبطة بالمناخ على نحو فعال، يتعين عليها إرساء الأسس الصحيحة، أي ضمان ما يلي: أن يتمتع الجميع بالحماية وأن يتمكنوا من الحصول على الإعانات عند الحاجة؛ وأن تكون هذه الحماية شاملة ووافية؛ وأن تُموَّل النظم تمويلاً مستداماً ومنصفاً؛ وأن تُرسى القدرات المؤسسية والتشغيلية الأساسية وتُكيَّف لمعالجة آثار المناخ والانتقال.

3.2 اتجاهات التغطية: إيجابية لكنها بطيئة جداً

3.2.1 لمحة عامة عالمية وإقليمية عن تغطية الحماية الاجتماعية (مؤشر أهداف التنمية المستدامة 1.3.1)

تجاوز العالم معلماً مهماً: فلأول مرة، أصبح أكثر من نصف سكان العالم، أي 52.4%، مشمولين بإعانة واحدة على الأقل من إعانات الحماية الاجتماعية، بزيادة قدرها 9.6 نقاط مئوية منذ عام 2015. ومع ذلك، تبقى النسبة المتبقية البالغة 47.6%، أي ما يصل إلى 3.8 مليارات شخص، دون حماية ودون الحصول على أي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية.

ومما يثير القلق بوجه خاص أن 25% فقط من السكان مشمولون في البلدان الخمسين الأشد تأثراً بتغير المناخ، مما يترك 2.1 مليار شخص بلا حماية. وفي البلدان العشرين الأشد تأثراً، يُشمل أقل من شخص واحد من كل عشرة أشخاص، أي 8.7%، مما يترك 364 مليون شخص يتدبرون أمورهم بأنفسهم. ويبعث ذلك على قلق بالغ، ويبين أن جزءاً كبيراً من العالم غير مهيأ، وأن الفئات الأشد هشاشة في الخط الأمامي للأزمة المناخية محرومة من الحماية على نحو مؤسف.

ويسير العالم في مسار متباعد. فالبلدان المرتفعة الدخل تواصل سد فجوات الحماية محققة تقدماً ثابتاً وكبيراً، إذ ارتفعت التغطية خلال الفترة من 2015 إلى 2023 من 81.0% إلى 85.9%. وحققت البلدان المتوسطة الدخل من الشريحتين الدنيا والعليا تحسناً ملحوظاً في معدلات التغطية، إذ ارتفعت من 20.9% إلى 32.4% ومن 56.5% إلى 71.2% على التوالي. أما في البلدان المنخفضة الدخل، فلم تكد التغطية تتحرك، إذ لا يتمتع بالحماية سوى 9.7% من السكان، وهو أمر يبعث على قلق بالغ. وفي مواجهة التداعيات الواسعة لتغير المناخ ومخاطر دورة الحياة، ينبغي أن يحظى توسيع التغطية بالأولوية القصوى، وهو ما سيتطلب دعماً دولياً، بما في ذلك هيكل مالي عالمي أكثر تمكيناً يمكنه دعم الجهود الوطنية في توسيع الحيز المالي.

ومع أن التقدم المحرز منذ عام 2015 واعد، فإنه لا يزال بطيئاً جداً. فبالمعدل الحالي، سيستغرق الأمر 49 عاماً أخرى، أي حتى عام 2073، حتى يُشمل الجميع بإعانة واحدة على الأقل من إعانات الحماية الاجتماعية، ووقتاً أطول من ذلك لبلوغ حماية وافية وشاملة. وتسريع التقدم أمر أساسي للأجيال الحالية والمقبلة، وتبرهن تجارب البلدان التي حققت تقدماً سريعاً في فترة وجيزة، كفنلندا في مطلع القرن العشرين، والصين وعُمان وجنوب أفريقيا وزامبيا في الآونة الأخيرة، على أن ذلك ممكن. غير أنه يتطلب استثماراً كبيراً وعزيمة وإرادة سياسية من واضعي السياسات الوطنيين والجهات الفاعلة الدولية على حد سواء.

وتُظهر اتجاهات التغطية العالمية والإقليمية بين عامي 2015 و2023، بما فيها مؤشر أهداف التنمية المستدامة 1.3.1، بعض التقدم الذي لا يزال غير كاف، مما يترك المليارات دون حماية أو بحماية غير كافية. فعلى الصعيد العالمي، يحصل 28.2% من الأطفال على إعانة أسرية أو إعانة للأطفال، بزيادة قدرها 6.1 نقاط مئوية منذ عام 2015. وتحصل 36.4% من النساء اللواتي لديهن مواليد جدد في جميع أنحاء العالم على إعانة أمومة نقدية، بزيادة قدرها 6.8 نقاط مئوية. ويحصل 38.9% من الأشخاص ذوي الإعاقة الشديدة على إعانة إعاقة، بزيادة قدرها 6.1 نقاط مئوية. ويتمتع 37.4% من الأشخاص بالحماية من إصابات العمل والأمراض المهنية، بزيادة قدرها 4.6 نقاط مئوية. ويحصل 16.7% من العاطلين عن العمل على إعانات بطالة نقدية عند فقدان الوظيفة، بزيادة قدرها 1.3 نقطة مئوية. ويحصل 79.6% من الأشخاص الذين تجاوزوا سن التقاعد على معاش تقاعدي، بزيادة قدرها 5.5 نقاط مئوية. ويُشمل 37.3% من الأشخاص المستضعفين بالمساعدة الاجتماعية، بزيادة قدرها 10.6 نقاط مئوية. ويتمتع 60.1% من سكان العالم بالحماية الصحية الاجتماعية، وهي نسبة متوقفة عن التحسن منذ عام 2015.

وقد شهدت معدلات التغطية الفعلية زيادة متفاوتة بين الأقاليم خلال الفترة من 2015 إلى 2023. فقد حققت أفريقيا تقدماً متواضعاً فحسب، إذ ارتفعت معدلات التغطية من 15.2% إلى 19.1% من السكان. ونظراً إلى أن البلدان الأفريقية تواجه هشاشة شديدة إزاء الأزمة المناخية، فإن مما يثير القلق أن أكثر من 80% من سكانها يتعين عليهم تدبر أمورهم بأنفسهم دون أي حماية اجتماعية، وهو ما لا يبشر بالخير فيما يتعلق بجاهزية أفريقيا لمواجهة الأزمة المناخية. وكانت لدى إقليم أوروبا وآسيا الوسطى أصلاً نظم حماية اجتماعية شاملة وناضجة نسبياً، وقد ارتفعت التغطية فيه من 82.1% إلى 85.2%، ومع ذلك لا تزال هناك فجوات مهمة يتعين سدها تدل على وجود شريحة كبيرة من المستضعفين غير المشمولين بالقدر الكافي. وحققت الأمريكتان زيادة أكبر في التغطية الفعلية من 59.6% إلى 68.2%، وهو ما يعكس جهوداً طويلة الأمد لتوسيع التغطية لتشمل فئات من السكان لم تكن مشمولة من قبل. أما الزيادة الهزيلة في التغطية في الدول العربية من 28.1% إلى 30.0% من السكان فتبعث على القلق، ولا سيما أنها معرضة لبعض أشد عواقب الأزمة المناخية وتواجه نزاعات ونزوحاً ممتدين. وحقق إقليم آسيا والمحيط الهادئ أكبر زيادة في التغطية، من 38.7% إلى 53.6%، ولا بد من تسريع هذه الوتيرة لزيادة قدرة الإقليم على التصدي لتحديات تغير المناخ والعمل غير المنظم وشيخوخة السكان.

وعلى الصعيد العالمي، يُشمل 35.0% من السكان بآليات الحماية الاجتماعية القائمة على الاشتراكات، و17.3% بالآليات غير القائمة على الاشتراكات الممولة في معظمها من الضرائب، مع تفاوت بين الأقاليم ومستويات دخل البلدان. ومع أن الآليات القائمة على الاشتراكات، وهي التأمين الاجتماعي أساساً، تغطي أكثر من نصف السكان في البلدان المرتفعة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا، فإنها تؤدي أيضاً دوراً مهماً في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا.

3.2.2 فجوات التغطية للعمال: تفكيك ظاهرة "الوسط المفقود"

من أسباب استمرار فجوات التغطية أن كثيراً من العمال وأسرهم لا تشملهم الآليات القائمة على الاشتراكات، ولا سيما التأمين الاجتماعي، ولا الآليات غير القائمة على الاشتراكات الممولة عادة من الضرائب، فيسقطون في الفراغ بين هذين النوعين من الآليات، ولذلك كثيراً ما يشار إليهم بـ"الوسط المفقود"، مما يتركهم عرضة للهشاشة.

وتقل احتمالات شمول بعض فئات العمال بالتأمين الاجتماعي مقارنة بغيرهم، كالعاملين بعقود مؤقتة، ولا سيما أصحاب العقود القصيرة جداً أو العمالة العرضية، والعاملين بدوام جزئي، ولا سيما من يعملون ساعات قليلة جداً وغير منتظمة، والعاملين عبر المنصات الرقمية، والعاملين لحسابهم الخاص، وذلك تبعاً للسياسات والأطر القانونية الوطنية وتنفيذها. ونتيجة لذلك، يجد كثير من هؤلاء العمال أنفسهم في عمالة غير منظمة، مما يزيد من هشاشتهم. فالتغطية بالتأمين الاجتماعي أو بغيره من الآليات القائمة على الاشتراكات والممولة بمشاركة صاحب العمل تعد معياراً محدداً للعمالة المنظمة لمختلف فئات العمال، بمن فيهم المستخدمون والمتعاقدون التابعون والعاملون المساهمون في الأعمال الأسرية. وبالمثل، يعد التسجيل في أحد نظم الضمان الاجتماعي من معايير تحديد ما إذا كانت الوحدة الاقتصادية منظمة. ولهذا السبب، يعد توسيع تغطية الضمان الاجتماعي لتشمل العمال خطوة مهمة نحو تنظيم العمالة.

ويوفر توسيع تغطية التأمين الاجتماعي لتشمل هؤلاء العمال عادة مستوى أعلى من الحماية مقارنة بالإعانات غير القائمة على الاشتراكات. فنظم التأمين الاجتماعي، القائمة على مبدأي تقاسم المخاطر والتضامن، تُموَّل جماعياً من اشتراكات العمال وأصحاب العمل أو أحدهما بما يتناسب مع القدرة على الاشتراك. وحيث لا تكفي هذه الاشتراكات، كثيراً ما تدعم الحكومات التغطية أو تيسرها بطرق أخرى، بما في ذلك لمن يعجزون مؤقتاً عن الاشتراك بسبب البطالة أو مسؤوليات الرعاية أو المرض. ويسهم التأمين الاجتماعي مباشرة في تنظيم العمالة، أما الإعانات الممولة من الضرائب فصلتها بذلك أقل مباشرة، لكنها تسهم مع ذلك في تيسير الانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم.

ويبين تحليل حديث لبيانات مسوح القوى العاملة تفاوتاً كبيراً في تغطية الضمان الاجتماعي بين البلدان، مما يشير إلى أن سياسات التوسيع تُحدث فرقاً. فمع أن المستخدمين يكونون عموماً أكثر اشتراكاً في الضمان الاجتماعي من العاملين لحسابهم الخاص، فقد شملت عدة بلدان، منها البرازيل وإستونيا والسويد وتركيا وأوروغواي، العاملين لحسابهم الخاص من خلال آليات مكيفة، وحققت مستويات تغطية كبيرة. وفي حين يكون المستخدمون العاملون بعقود دائمة في معظم البلدان أكثر اشتراكاً في الضمان الاجتماعي من المستخدمين بعقود مؤقتة، فإن الفارق ضئيل في بلدان أخرى كهولندا وكرواتيا والسلفادور. وبالمثل، تقترب تغطية الضمان الاجتماعي للعاملين بدوام جزئي في أرمينيا وبلغاريا وأوروغواي وفييت نام من تغطية العاملين بدوام كامل.

ومن العوامل الرئيسية الأخرى المؤثرة في تغطية التأمين الاجتماعي حجم المنشأة. ففي جميع البلدان تقريباً، تكون تغطية الضمان الاجتماعي للمستخدمين في المنشآت الأصغر أدنى منها في المنشآت الأكبر. ويمثل انخفاض التغطية تحدياً خاصاً في المنشآت التي يعمل بها أقل من خمسة عمال، وكثيراً ما يرجع ذلك إلى استبعادها من الأطر القانونية أو إلى ضعف الامتثال. ومع ذلك، حققت بعض البلدان مستويات تغطية عالية للعاملين في هذه المنشآت، منها البوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية وبيرو وجمهورية مولدوفا.

ومع ذلك، لا يزال يتعين بذل المزيد لتحقيق الحماية الاجتماعية الشاملة. فلا يمكن للانتقال العادل أن ينجح إلا إذا تمكن العمال المتأثرون بتغير المناخ وبالسياسات المناخية من الحصول على إعانات وافية، بمن فيهم العاملون في القطاعات الجديدة والناشئة. وفي البلدان الشديدة التأثر بتغير المناخ، ولا سيما في أفريقيا والمنطقة العربية وأجزاء من آسيا والمحيط الهادئ، تظل الغالبية العظمى من العمال مستبعدين قانوناً أو فعلياً من تغطية التأمين الاجتماعي التي من شأنها أن توفر لهم الدعم في حالة الصدمات المناخية أو لاغتنام الفرص الجديدة التي يتيحها الاقتصاد الأخضر.

وفضلاً عن ذلك، يرجح أن يُستبعد هؤلاء العمال من الآليات الممولة من الضرائب أو غيرها من الآليات غير القائمة على الاشتراكات، التي كثيراً ما تقتصر على من هم خارج سوق العمل. وتظهر علاقة واضحة بين شدة تأثر البلد بتغير المناخ وتدني نسبة العمال المشتركين في الضمان الاجتماعي.

ولما كانت كثير من الوظائف المستحدثة قد تقع في قطاعات ومهن اتسمت تقليدياً بمستويات عالية من عدم التغطية والعمل غير المنظم، فسيكون من الأساسي أن يتمتع العمال في جميع أشكال العمالة، بمن فيهم العاملون لحسابهم الخاص، بالعمل اللائق، بما في ذلك الحماية الاجتماعية الوافية التي تضمن أمن الدخل والحصول على الرعاية الصحية الأساسية معاً.

ويعد ضمان الحصول على الضمان الاجتماعي أمراً أساسياً لكي يتمتع العمال والمؤسسات بقدرة كافية على الصمود في مواجهة آثار تغير المناخ، ولدعم الانتقال العادل إلى اقتصادات مستدامة بيئياً، وكذلك لتنظيم العمالة.

وسيتعين على استراتيجيات التوسيع أن تعالج في آن واحد العوائق القانونية والمالية والإدارية والمعلوماتية، مع الاستثمار في التوعية بأهمية الحماية الاجتماعية وتحسين الحوكمة وآليات التقديم وجودة الإعانات والخدمات. ويعد ضمان استراتيجيات حسنة التصميم تراعي الأوضاع الخاصة للعمال، مع تجنب التجزؤ والإقصاء، شرطاً أساسياً لنجاح توسيع التغطية لتشمل من لم يُشملوا بعد بالقدر الكافي، ومنهم العاملون في المنشآت الصغيرة والمتناهية الصغر والعاملون لحسابهم الخاص ورواد الأعمال والعاملون عبر المنصات الرقمية، مع إيلاء اهتمام خاص للمساواة بين الجنسين وإدماج اللاجئين.

صندوق استدامة++ في الأردن

أُنشئ صندوق استدامة++ بجهد مشترك بين المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ومنظمة العمل الدولية، وصُمم بما يتسق مع معايير العمل الدولية في إطار استراتيجية وطنية لتوسيع تغطية النظام الوطني للضمان الاجتماعي لتشمل الفئات المستضعفة. ويهدف المشروع إلى الوصول إلى أكثر من 32 ألف أردني وغير أردني، مع تركيز خاص على اللاجئين السوريين والنساء، من خلال تقديم دعم للاشتراكات ومكافآت للتغطية لتيسير التحاقهم الطويل الأمد بنظام التأمين الاجتماعي. ويعالج الصندوق قيود القدرة على تحمل التكاليف التي يواجهها العاملون في الاقتصاد غير المنظم ذوو القدرة المحدودة على الاشتراك، إذ يدعم العاملين بأجر في المنشآت المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والعاملين لحسابهم الخاص في التسجيل لدى المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، عبر دعم اشتراكاتهم لمدة 12 شهراً وتقديم حوافز أخرى للتغطية.

ونظراً إلى شدة تأثر القطاع الزراعي بتغير المناخ، فإن تسريع الجهود الرامية إلى ضمان الحصول الفعلي للعمال الزراعيين على الحماية الاجتماعية أمر بالغ الأهمية. فإلى جانب معالجة مخاطر دورة الحياة التي يواجهونها، تزيد الحماية الاجتماعية أيضاً قدرتهم على الصمود في وجه المخاطر الاقتصادية، ولا سيما حين تُستكمل بتدابير تيسر الانتقال إلى أنماط أكثر استدامة من الإنتاج الزراعي وإلى سبل عيش قادرة على الصمود في وجه تغير المناخ وإلى أنشطة غير زراعية، وتدعم من يعتمدون على الموارد الطبيعية في تكييف سبل عيشهم أو تنويع مصادر دخلهم.

وبالمثل، ولما كانت كثير من الوظائف المستحدثة في الاقتصاد الدائري غير منظمة حالياً، فإن الأمر يتطلب جهوداً إضافية لتوسيع الضمان الاجتماعي ليشمل العاملين في هذا القطاع، بمن فيهم جامعو النفايات.

3.2.3 حماية المهاجرين

لما كان كثير من المهاجرين يتأثرون تأثراً حاداً ومباشراً بالأزمة المناخية، فإن تعزيز الحماية الاجتماعية لهم أمر ملح بوجه خاص. ويعد تعزيز نظم الحماية الاجتماعية في بلدان المنشأ وبلدان المقصد على حد سواء، وضمان حصول المهاجرين عليها حصولاً شاملاً وفعالاً، أمراً محورياً لضمان حماية الناس من المخاطر المالية التي قد يواجهونها طوال حياتهم، بما فيها المخاطر الناجمة عن الهجرة بسبب المناخ.

وقد لا يتمكن العمال المهاجرون من الحصول على نظم الحماية الاجتماعية أو قد يحصلون عليها على نحو محدود بسبب جنسيتهم أو وضع هجرتهم أو مدة إقامتهم أو عملهم أو نوعهما أو القطاع الذي يعملون فيه. ويساعد ضمان المساواة في المعاملة مع المواطنين، وتوسيع التغطية لتشمل العمال في القطاعات والمهن التي ترتفع فيها نسبة العمال المهاجرين، كالزراعة والعمل المنزلي، على ضمان حصولهم الفعلي على الحماية الاجتماعية. وفضلاً عن ذلك، ولما كان العمال المهاجرون كثيراً ما يُمثَّلون تمثيلاً مفرطاً في القطاعات الكثيفة الكربون، فإن ضمان المساواة في المعاملة بين المواطنين وغير المواطنين في تدابير الانتقال أمر أساسي أيضاً.

وقد كرست بعض البلدان الحق في الضمان الاجتماعي للجميع في دساتيرها، كبنغلاديش وكولومبيا، في حين أدرجت بلدان أخرى غير المواطنين في قوانين الضمان الاجتماعي لديها، ككوستاريكا والأردن وبولندا والسودان. ومع ذلك، ورغم التقدم الجدير بالثناء، لا يستفيد غير المواطنين في كثير من البلدان من حماية اجتماعية شاملة، إما لأنهم مستبعدون من برامج المساعدة الاجتماعية أو من فروع معينة كالرعاية الطبية والتأمين ضد البطالة والإعانات الأسرية، وإما لاستبعاد فئات معينة منهم، ولا سيما العمال المهاجرون في العمل المنزلي والزراعة، وإما لأن إدماجهم القانوني لا يترجم إلى حصول فعلي.

ومن التطورات اللافتة ما شهدته بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث لا تزال الأحكام القانونية الخاصة بعمال القطاع الخاص ضعيفة نسبياً للمواطنين والمهاجرين على حد سواء، علماً بأن المهاجرين يشكلون غالبية القوى العاملة. ولدى معظم هذه البلدان تشريعات تشمل العمال المهاجرين، لكن بالنسبة إلى مخاطر معينة كالمرض والأمومة وإصابات العمل، تُوفَّر هذه الحماية عبر آليات مسؤولية صاحب العمل. وفضلاً عن ذلك، كان المهاجرون تاريخياً يحصلون على خدمات النظم الصحية العامة، لكن حدث مؤخراً تحول نحو إحالتهم إلى التأمين الخاص الإلزامي للرعاية غير الطارئة. ومع ذلك، تجري في عُمان إصلاحات مشجعة لتطبيق نظام للتأمين الاجتماعي يغطي المرض والأمومة وإصابات العمل، بما في ذلك للمهاجرين.

ويكتسي تيسير المناقشات الثنائية بشأن قابلية نقل استحقاقات الحماية الاجتماعية في حالات التنقل عبر الحدود، بما فيها تلك الناجمة عن الانتقال إلى اقتصادات مستدامة بيئياً وعن آثار تغير المناخ، أهمية خاصة للانتقال العادل. وقد شهد عدد اتفاقات الضمان الاجتماعي زيادة هائلة في جميع أنحاء العالم، كما يتطور وضع الاتفاقات والأطر السياساتية الإقليمية في إطار عمليات التكامل الإقليمي، كرابطة أمم جنوب شرق آسيا وجماعة شرق أفريقيا والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي. ومع ذلك، لا تمتلك على المستوى الوطني سوى 20% من البلدان التي تضم أكبر عدد من المهاجرين في العالم أحكاماً قانونية بشأن المساواة في المعاملة بين المواطنين وغير المواطنين.

3.2.4 تغطية المساعدة الاجتماعية للفئات المستضعفة

بالنسبة إلى من لا يشملهم التأمين الاجتماعي، تجدر الإشارة إلى أن المساعدة الاجتماعية أو غيرها من الإعانات النقدية غير القائمة على الاشتراكات تؤدي، في غياب هذا التأمين، دوراً أساسياً في ضمان مستوى أساسي على الأقل من الضمان الاجتماعي. وعلى الصعيد العالمي، ارتفعت التغطية من 26.7% إلى 37.3% من الأشخاص المستضعفين منذ عام 2015، علماً بأن هذا المؤشر يتعلق بالمساعدة الاجتماعية وإن كان يشمل أيضاً الإعانات الممولة من الضرائب غير المشروطة باختبار الموارد.

ويمكن تفسير هذه الزيادة بطرق مختلفة. فالقراءة الإيجابية ترى أنها تمثل تحسناً في الإعانات المقدمة للأشخاص المستضعفين، ربما يرجع جزئياً إلى الاستجابة السياساتية المؤقتة لجائحة كوفيد 19. غير أن تفسيراً أكثر حذراً يرى أن ارتفاع التغطية السكانية ينبع من تزايد الاحتياجات بسبب تفاقم الفقر والهشاشة وعجز العمل اللائق، لا من تحسن حقيقي في جودة الحماية الاجتماعية.

وفي كلتا الحالتين، يلزم بذل مزيد من الجهود لضمان أرضية متينة للحماية الاجتماعية في إطار نظم حماية اجتماعية شاملة لا تغفل أحداً. وإلى جانب الإعانات النقدية، يمكن للإعانات العينية أن تؤدي أيضاً دوراً تكميلياً مهماً في الحد من الهشاشة، ولا سيما إذا نُسقت تنسيقاً جيداً مع الإعانات النقدية. ومن الأمثلة على ذلك نظام التوزيع العام الموجه في الهند، وهو من أكبر نظم المساعدة الاجتماعية الملزمة قانوناً في العالم، إذ يوفر الأمن الغذائي العيني لنحو 800 مليون شخص. ويعمل النظام برقمنة شاملة من البداية إلى النهاية وتدابير للشفافية تضمن كفاءة إيصال الحبوب الغذائية، وتتيح قابليته للنقل على المستوى الوطني للمستفيدين القادمين من ولايات اتحادية أخرى الحصول على حصصهم. ويوفر النظام 35 كيلوغراماً من الحبوب الغذائية شهرياً لأشد الأسر هشاشة، في حين يحصل المستفيدون المؤهلون الآخرون على 5 كيلوغرامات شهرياً. ومن عام 2013 إلى عام 2022، وفّر النظام الأرز والقمح والدخن بأسعار مدعومة، ومنذ عام 2023 أصبحت هذه المنتجات مجانية حتى عام 2028. ويعادل الاستحقاق في إطار هذا النظام نحو نصف متوسط استهلاك الفرد الشهري من الحبوب في الهند. وخلال جائحة كوفيد 19، ضاعفت الحكومة تقريباً الاستحقاقات الشهرية من الحبوب الغذائية لمستفيديها البالغ عددهم 800 مليون، بتقديم 5 كيلوغرامات إضافية من الحبوب لكل مستفيد مجاناً لمدة 28 شهراً حتى ديسمبر 2022. وتبين الدراسات أن النظام يحمي الناس من الارتفاعات الحادة في أسعار الغذاء، وأنه بعد بعض الإصلاحات وتحسين التغطية أصبح يحد من الفقر وانعدام الأمن الغذائي. كما حال النظام إلى حد كبير دون تفاقم مستويات الفقر المدقع في الهند بين عامي 2020 و2021، وعزز توزيعه للأرز المدعم بالمغذيات وإدراجه للدخن قدرته على مكافحة نقص التغذية ونقص المغذيات الدقيقة.

وفضلاً عن ذلك، يلزم بذل جهود أكبر لتيسير الانتقال من المساعدة الاجتماعية إلى عمالة لائقة مشمولة بالتأمين الاجتماعي، توفر مستويات أعلى من الحماية وتخفف الضغط على نظم المساعدة الاجتماعية الممولة من الضرائب بوصفها آلية حماية يُلجأ إليها في نهاية المطاف.

3.2.5 الفجوات بين الجنسين: التقدم نحو نظم حماية اجتماعية مستجيبة للاعتبارات الجنسانية

لا تزال تغطية الحماية الاجتماعية تكشف عن أوجه كبيرة من عدم المساواة بين الجنسين، إذ تتخلف التغطية الفعلية للنساء بإعانة نقدية واحدة على الأقل من إعانات الحماية الاجتماعية عن تغطية الرجال بفارق 4.5 نقاط مئوية، أي 50.1% مقابل 54.6%، ولا سيما في البلدان المتوسطة الدخل. غير أنه يصعب الحصول على صورة كاملة للفجوات بين الجنسين في ظل النقص المستمر في البيانات، إذ لا يصدر بيانات كاملة مصنفة حسب الجنس عن إعانات الأطفال وإعانات الإعاقة وإعانات إصابات العمل ومعاشات الشيخوخة سوى 20 بلداً.

ومن الواضح أن الطريق لا يزال طويلاً لسد الفجوات بين الجنسين في الحماية الاجتماعية. وفي الوقت ذاته، تنطوي سياسات الحماية الاجتماعية على إمكانات كبيرة لتعزيز المساواة بين الجنسين والمساعدة على إعمال حقوق المرأة. ومع ذلك، لم تعالج سياسات الحماية الاجتماعية في الممارسة العملية دائماً المخاطر والتحديات الخاصة بالنوع الاجتماعي المتعلقة بالمساواة بين الجنسين، وهي: أوجه عدم المساواة القائمة على النوع الاجتماعي في العمالة، والتقسيم غير المتكافئ لأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، والمخاطر الخاصة بالنوع الاجتماعي طوال دورة الحياة. وهذه العوامل الثلاثة مترابطة، وتحدد طريقة انخراط المرأة في العمل المأجور وغير المأجور، مما يترتب عليه آثار متلاحقة مهمة على تغطيتها بالحماية الاجتماعية.

ومن الأمثلة على ذلك التغطية بمعاشات الشيخوخة، التي تتوافر عنها أشمل البيانات المصنفة حسب الجنس لعدد كبير من البلدان. وتبين البيانات أن النساء المسنات في معظم الأقاليم والأقاليم الفرعية أقل احتمالاً من الرجال لتلقي معاش تقاعدي قائم على الاشتراكات، لكنهن في حالات كثيرة أكثر احتمالاً لتلقي معاش غير قائم على الاشتراكات ممول من الضرائب.

وبالمثل، تميل النساء في سن العمل إلى أن يكن أقل احتمالاً من الرجال للاشتراك في نظام للمعاشات التقاعدية في جميع الأقاليم إذا قيس ذلك كنسبة من السكان في سن العمل، بسبب انخفاض مشاركتهن في العمالة. أما إذا قيس كنسبة من القوى العاملة، فإن الصورة تكون أقل وضوحاً بكثير. ففي بعض أنحاء العالم، كأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وآسيا الوسطى والغربية، والبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل عموماً، تكون النساء في القوى العاملة أقل احتمالاً للاشتراك من الرجال، ولا سيما حين يعملن في قطاعات ومهن ترتبط بمستويات عالية من الهشاشة كالزراعة أو العمل المنزلي. وفي أماكن أخرى، تكون النساء في القوى العاملة على قدم المساواة تقريباً مع الرجال، كما في شرق آسيا، بل أكثر احتمالاً للاشتراك منهم، كما في شمال أفريقيا والدول العربية وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، وفي البلدان المرتفعة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة العليا عموماً، حيث تعمل النساء غالباً في القطاع العام والوظائف المكتبية والصناعة التحويلية، كقطاع الملابس، والصحة والتعليم.

وتستدعي هذه الأنماط تحليلاً أدق لتغطية النساء بالضمان الاجتماعي يتناول على نحو أعمق كيفية انعكاس أنماط العمالة القائمة على النوع الاجتماعي في نظم الحماية الاجتماعية أو تخفيفها أو تفاقمها فيها. ويقدم تحليل البيانات من منظور مسار الحياة مزيداً من الرؤى حول أثر أنماط العمالة على تغطية الضمان الاجتماعي حسب العمر. فقد خلص تحليل حديث لتغطية الضمان الاجتماعي حسب العمر في البرازيل والهند وجنوب أفريقيا إلى أن الفوارق بين الجنسين بالنسبة إلى العاملين، بمن فيهم العاملون لحسابهم الخاص، أصغر مما كان متوقعاً إجمالاً، لكنها تكشف عن أنماط لافتة على مدار الحياة. ففي الهند وجنوب أفريقيا، تكون معدلات تغطية الشابات أعلى من معدلات الرجال حتى سن معينة، ثم تنخفض دون معدلات الرجال بعد سن الثلاثين تقريباً في الهند وسن الأربعين تقريباً في جنوب أفريقيا. وقد يعكس انخفاض التغطية لدى النساء في سن الذروة، في الهند على الأقل، أثر البنية الأسرية والأمومة على أنماط عملهن، إذ تتحول النساء إلى ترتيبات عمل أكثر "مرونة" لأسباب تتعلق بالرعاية، وهو ما ينطوي أيضاً على عقوبة من حيث تغطية الضمان الاجتماعي. وفي المقابل، تسجل البرازيل معدلات تغطية أعلى ومستقرة نسبياً للنساء والرجال في سن الذروة، وتكون النساء أكثر احتمالاً للاشتراك من الرجال في جميع الفئات العمرية تقريباً.

وتبرهن هذه الأدلة المقارنة على أهمية إجراء تحليل شامل ودقيق لأوجه عدم المساواة بين الجنسين في العمالة والحصول على التأمين الاجتماعي. كما تبرز أهمية الإصلاحات السياساتية المستجيبة للاعتبارات الجنسانية لتوسيع تغطية التأمين الاجتماعي لتشمل غير المشمولين بعد، ولا سيما العاملين في أشكال العمالة الهشة.

ويعد سد فجوات التغطية للنساء أمراً ملحاً لتهيئة نظم الحماية الاجتماعية للانتقال العادل، إذ كثيراً ما تؤثر الأزمات البيئية في النساء أكثر من الرجال. وإلى جانب سياسات سوق العمل والعمالة والصحة والرعاية، تؤدي سياسات الحماية الاجتماعية المستجيبة للاعتبارات الجنسانية دوراً حاسماً في تحقيق المساواة بين الجنسين في الاستجابة للأزمة المناخية. والحماية الاجتماعية المستجيبة للاعتبارات الجنسانية تتجاوز مجرد الإقرار بالديناميات الجنسانية والاستجابة للمخاطر الخاصة بالنوع الاجتماعي، فهي تسعى إلى تغيير القيود الهيكلية والأعراف الاجتماعية التمييزية التي تحرك أوجه عدم المساواة بين الجنسين. ولذلك يجب أن يراعي تصميم سياسات الحماية الاجتماعية وتنفيذها العوائق الهيكلية التي تواجهها النساء والفتيات، كالفصل المهني والفجوات في الأجور بين الجنسين والتقاسم غير المتكافئ لمسؤوليات الرعاية، وأن تُفهم هذه العوائق جنباً إلى جنب مع المخاطر وأوجه الهشاشة الخاصة بالنوع الاجتماعي، سواء على مدار دورة الحياة أو في حالات الصدمات المناخية والكوارث، بغية تحقيق نتائج إيجابية في مجال المساواة بين الجنسين.

ومع أن الإعانات الممولة من الضرائب تؤدي دوراً محورياً في ضمان مستوى أساسي على الأقل من الضمان الاجتماعي للجميع في إطار أرضية الحماية الاجتماعية، فإن تغطية التأمين الاجتماعي أساسية أيضاً، لأنها توفر إمكانات أكبر بكثير لتقاسم المخاطر على نطاق واسع وإعادة التوزيع واتخاذ تدابير لتعويض أوجه عدم المساواة بين الجنسين في سوق العمل مقارنة بالآليات الأخرى القائمة على الاشتراكات.

3.3 الحماية الاجتماعية الشاملة والوافية

مع أن تقدماً كبيراً قد أُحرز خلال القرن الماضي نحو تحقيق تغطية شاملة بالحماية الاجتماعية، فإنه كان بطيئاً. ولا تزال هناك فجوات كبيرة في التغطية والكفاية، ولا سيما في أفريقيا وآسيا، ويرجع ذلك أساساً إلى سببين. أولهما أنه مع أن معظم البلدان لديها نظم مكرسة قانوناً في معظم مجالات السياسة التسعة المنصوص عليها في الاتفاقية رقم 102، فإن هذه النظم لا تغطي في حالات كثيرة سوى أقلية من السكان. وثانيهما أن مجالين سياساتيين لا يزالان متأخرين من حيث التغطية القانونية، وهما نظم الحماية الاجتماعية للأطفال والحماية من البطالة. وليس ذلك مستغرباً، إذ تميل البلدان إلى بناء نظمها بصورة متعاقبة، فتعالج المجالات المختلفة بترتيب متفاوت حسب ظروفها وأولوياتها الوطنية. فتاريخياً، دأبت البلدان على البدء بمجال إصابات العمل، ثم استحداث معاشات الشيخوخة وإعانات العجز والورثة، تليها الحماية في حالات المرض والصحة والأمومة، بينما تأتي إعانات الأطفال والأسر وإعانات البطالة عادة في المرتبة الأخيرة. ومع ذلك، يمثل هذان المجالان مصدرين رئيسيين لانعدام الأمن، وسيكون من المفيد إيلاؤهما مزيداً من الاهتمام.

ووفقاً لتقديرات منظمة العمل الدولية، لا يتجاوز نصيب السكان في سن العمل المشمولين قانوناً بنظم ضمان اجتماعي شاملة 33.8%، وهو مؤشر يُحسب استناداً إلى سبعة من الفروع التسعة، وهي إعانات الأمومة والمرض والبطالة والعجز وإصابات العمل والورثة والشيخوخة. ومن ثم فإن الغالبية العظمى من السكان في سن العمل، أي 66.2% أو ما يقرب من 3.9 مليارات شخص، غير محميين على الإطلاق أو محميون جزئياً فحسب. والفجوة بين الجنسين كبيرة أيضاً، إذ تبلغ نسبة المشمولات من النساء في سن العمل 28.2% مقابل 39.3% من نظرائهن من الرجال. ومما يبعث على القلق البالغ أنه لا يوجد بلد واحد من البلدان المنخفضة الدخل يتمتع بتغطية شاملة بالحماية الاجتماعية، إذ لا تتجاوز النسبة فيها 0.7%. وحتى البلدان المرتفعة الدخل، التي تبلغ النسبة فيها 63.1%، لا يزال أمامها شوط كبير لبلوغ معلم تحقيق التغطية القانونية الشاملة لجميع بلدان هذه المجموعة. وعلى صعيد الأقاليم، تتراوح النسبة بين 6.7% في أفريقيا و56.3% في أوروبا وآسيا الوسطى.

ولا تكون التغطية ذات معنى وأثر حقيقيين إلا إذا اقترنت بمستويات وافية من الإعانات قادرة على منع الفقر بفعالية والحد من الهشاشة والحفاظ على مستويات المعيشة، وتخضع للمراجعة المنتظمة وللتكييف مع التغيرات في تكاليف المعيشة، وفقاً لمعايير الضمان الاجتماعي الدولية.

وينبغي لأرضية الحماية الاجتماعية أن تكفل مستوى أساسياً من أمن الدخل والحصول على الرعاية الصحية يحول دون المشقة ويتيح حياة كريمة، يُحدَّد على أساس عملية شفافة وتشاركية. وفيما يتعلق بأمن الدخل الأساسي، تشير التوصية رقم 202 في فقرتها الثامنة إلى عتبات دخل دنيا محددة وطنياً، كخطوط الفقر الوطنية أو عتبات الدخل المعتمدة للمساعدة الاجتماعية. وفيما يتعلق بالرعاية الصحية، تنص التوصية على ألا يواجه المحتاجون إلى الرعاية الأساسية ضائقة مالية وخطراً متزايداً للفقر عند الحصول عليها. ونظراً إلى الطابع المتعدد الأبعاد للفقر، من الأساسي النظر في توفير إعانات نقدية وافية وقابلة للتنبؤ جنباً إلى جنب مع توفير خدمات عالية الجودة، تشمل التعليم والإسكان والرعاية الصحية والرعاية الطويلة الأجل والمياه والتغذية.

ولكي تعمل نظم الحماية الاجتماعية على النحو الأمثل، يتعين عليها أيضاً أن توفر مستويات أعلى من الحماية لأكبر عدد ممكن من الناس وفي أسرع وقت ممكن، وفقاً لمعايير الضمان الاجتماعي الدولية. غير أن مستويات الإعانات في كثير من نظم الضمان الاجتماعي لا تزال في الممارسة العملية دون معايير الكفاية الدنيا، كما تبين البحوث الحديثة لمنظمة العمل الدولية بشأن المعاشات التقاعدية. ولذلك من الملح ضمان كفاية الإعانات القائمة على الاشتراكات وغير القائمة عليها الممولة من الضرائب على حد سواء، ولا سيما أن نحو 17.3% من سكان العالم يعتمدون حصراً على الإعانات غير القائمة على الاشتراكات، التي كثيراً ما لا توفر لهم سوى دعم ضئيل يعتمدون عليه.

3.4 الإنفاق على الحماية الاجتماعية وتمويلها

3.4.1 مستوى الإنفاق على الحماية الاجتماعية وهيكله

يعتمد ضمان الحماية الاجتماعية الشاملة اعتماداً كبيراً على تأمين الاستثمار اللازم والمحافظة عليه. ويتناول هذا القسم أنماط الإنفاق على الحماية الاجتماعية، ويقدم تقديرات للموارد اللازمة لسد فجوات التمويل القائمة.

ففي عام 2023، خصصت البلدان في المتوسط 12.9% من ناتجها المحلي الإجمالي للحماية الاجتماعية باستثناء الرعاية الصحية، إلى جانب 6.5% للرعاية الصحية، ليبلغ إجمالي الإنفاق على الحماية الاجتماعية 19.3% من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن هناك تفاوتات كبيرة بين مجموعات الدخل الوطنية. فقد خصصت البلدان المرتفعة الدخل نحو ربع ناتجها المحلي الإجمالي للحماية الاجتماعية، منه 16.2% لأمن الدخل و8.7% للرعاية الصحية. وكلما انتقلنا نزولاً على سلم الدخل، تراجعت حصة الناتج المحلي الإجمالي المخصصة للحماية الاجتماعية تراجعاً ملحوظاً، لتبلغ في البلدان المنخفضة الدخل 0.8% فقط لضمانات الدخل و1.2% للرعاية الصحية. وثمة أيضاً تفاوتات ملحوظة بين الأقاليم؛ فبلدان شمال أوروبا وجنوبها وغربها تخصص أكثر من ربع ناتجها المحلي الإجمالي للحماية الاجتماعية، في حين لا تخصص بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا سوى 4.0% و5.1% على التوالي.

ويكشف تحليل هيكل الإنفاق على الحماية الاجتماعية عبر مختلف الإعانات عن أنماط متمايزة. فعلى الصعيد العالمي، يُخصَّص الجزء الأكبر من إجمالي الإنفاق على الحماية الاجتماعية لمعاشات الشيخوخة بنسبة 38.7% وللرعاية الصحية بنسبة 33.0%، ويتوزع الباقي بين إعانات السكان في سن العمل بنسبة 24.6% وإعانات الأطفال بنسبة 3.8%. غير أن تفاوتات كبيرة تظهر بين مستويات دخل البلدان.

فالبلدان المنخفضة الدخل تخصص الجزء الأكبر من إنفاقها للرعاية الصحية، في حين تكون الحصة المخصصة لمعاشات الشيخوخة أصغر نسبياً بحكم تركيبتها الديمغرافية. وعلى النقيض من ذلك تماماً، تخصص البلدان المتوسطة الدخل من الشريحتين الدنيا والعليا نحو نصف إنفاقها على الحماية الاجتماعية لمعاشات الشيخوخة، أي 47.1% و47.6% على التوالي، وحصة صغيرة نسبياً للأطفال. وبالمثل، تستأثر إعانات الشيخوخة في البلدان المرتفعة الدخل بالحصة الأكبر من الإنفاق على الحماية الاجتماعية بنسبة 36.2%، تليها الرعاية الصحية بنسبة 34.8%. وعلى صعيد الأقاليم، يخصص جنوب آسيا أكثر من نصف إنفاقه على الحماية الاجتماعية لإعانات الشيخوخة، في حين توجه أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أعلى نسبة من إنفاقها نحو الرعاية الصحية بنسبة 49.5%.

3.4.2 سد فجوة تمويل أرضية الحماية الاجتماعية

من الواضح أن المستويات الحالية للإنفاق غير كافية لسد فجوات التغطية والكفاية. وفي البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ثمة حاجة ملحة إلى ضمان حصول جميع المقيمين والأطفال على أرضية للحماية الاجتماعية على الأقل.

ومما يبعث على التفاؤل أن بعض البلدان النامية قد نجحت بالفعل في تحقيق تغطية شاملة بالحماية الاجتماعية فيما يتعلق ببعض الضمانات. غير أن منظمة العمل الدولية قدّرت، استناداً إلى بيانات 133 بلداً منخفض ومتوسط الدخل، أن فجوة التمويل اللازمة لضمان أرضية للحماية الاجتماعية للجميع، بما في ذلك الحصول على مستوى أساسي على الأقل من أمن الدخل وفق الغاية 1.3 من أهداف التنمية المستدامة، والحصول على الرعاية الصحية الأساسية وفق الغاية 3.8، لا تزال قائمة في معظم البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وتعادل فجوة التمويل في هذه البلدان 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، منها 2% من الناتج المحلي الإجمالي مطلوبة للرعاية الصحية الأساسية، و1.3% للإعانات النقدية الخمس الرئيسية للحماية الاجتماعية. ومن هذه النسبة الأخيرة، يلزم 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي لإعانات الأطفال، و0.3% لمعاشات الشيخوخة، و0.2% لإعانات الإعاقة، و0.2% لإعانات البطالة، و0.05% لإعانات الأمومة.

وبالأرقام المطلقة، يتعين على البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مجتمعة، لسد هذه الفجوة، حشد 1.4 تريليون دولار أمريكي إضافية سنوياً. ويلزم معظم هذه الأموال، أي 60.1%، للرعاية الصحية الأساسية، يليها 17.8% لإعانات الأطفال، و8.3% لمعاشات الشيخوخة، و7.1% لإعانات الإعاقة، و5.2% لإعانات البطالة، و1.5% لإعانات الأمومة.

ويخفي المنظور العالمي تفاوتات كبيرة بين مجموعات الدخل الوطنية. فالبلدان المنخفضة الدخل تواجه أكبر فجوة تمويل، تبلغ 308.5 مليارات دولار أمريكي، أي 52.3% من ناتجها المحلي الإجمالي. وعلى صعيد الأقاليم، تواجه أفريقيا أكبر فجوة تمويل يتعين سدها لتحقيق أرضية للحماية الاجتماعية، إذ تبلغ 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي للإقليم سنوياً. وفي المقابل، تسجل أوروبا وآسيا الوسطى أدنى فجوة تمويل كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بين الأقاليم ومجموعات الدخل، إذ تبلغ 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، منها 1.2% للرعاية الصحية الأساسية و0.6% للإعانات النقدية الخمس للحماية الاجتماعية.

3.4.3 ضمان تمويل منصف ومستدام للحماية الاجتماعية من أجل الانتقال العادل

خيارات التوسيع المنصف للحيز المالي

ثمة خيارات مختلفة لزيادة الحيز المالي المتاح للحماية الاجتماعية. وعند تصميم استراتيجيات تمويل الحماية الاجتماعية، يمكن للحكومات أن تعالج أوجه عدم المساواة المناخية المتزايدة داخل البلدان وفيما بينها، لدعم من هم أقل مسؤولية عن تغير المناخ وأقل استعداداً للتكيف معه.

الحد من أوجه عدم المساواة داخل البلدان: سد فجوات تمويل أرضية الحماية الاجتماعية من إيرادات الدعم الصريح والضمني للوقود الأحفوري

يتطلب الحد من الأثر غير المتكافئ لتغير المناخ على السكان داخل البلد الواحد تعزيز الضرائب التصاعدية والسياسات الاجتماعية، بما في ذلك فرض الضرائب على من يستهلكون وينتجون قدراً أكبر من ثاني أكسيد الكربون. ومن الخيارات المتاحة الإلغاء التدريجي لدعم الوقود الأحفوري، أي الدعم الصريح، أو رفع أسعار السلع والخدمات الكثيفة الكربون من خلال ضريبة الكربون أو نظام تداول الانبعاثات، أي معالجة الدعم الضمني. وعلى المدى القصير، يلزم أن تكون نظم الحماية الاجتماعية قائمة بالفعل للتخفيف من الآثار السلبية لإلغاء دعم الوقود الأحفوري على الأسر. وعلى المدى الطويل، يمكن لإعادة استثمار الوفورات أو الإيرادات الناتجة عن هذه الإصلاحات في الحماية الاجتماعية أن تزيد تغطية الإعانات وكفايتها، وأن تكسب الدعم الشعبي للإصلاحات، بل أن تخفض الفقر وعدم المساواة إلى ما دون مستويات ما قبل الإصلاح.

ويمكن أن يسهم إلغاء الدعم الصريح والضمني للوقود في سد فجوة تمويل أرضية الحماية الاجتماعية. ففي البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، يمثل الدعم الصريح والضمني للوقود 1.2% و9.7% من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي، مقارنة بفجوة تمويل إجمالية للحماية الاجتماعية تبلغ 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

غير أن ثمة تفاوتات كبيرة بين البلدان والأقاليم. فإمكانية سد فجوات التمويل باستخدام الحيز المالي الذي تتيحه إصلاحات دعم الوقود الأحفوري تكون عموماً أكبر في البلدان المتوسطة الدخل ومحدودة في البلدان المنخفضة الدخل. إذ تميل البلدان المتوسطة الدخل إلى إنفاق المزيد على الدعم الصريح للوقود، كما أنها تنتج وتستهلك قدراً أكبر من السلع والخدمات الكثيفة الكربون، أي أن انبعاثاتها الكربونية أعلى، مما يرفع الإيرادات المحتملة من إلغاء الدعم الضمني عبر الضرائب أو نظم تداول الانبعاثات. وفي المقابل، يكون الإنفاق على الدعم الصريح والانبعاثات الكربونية منخفضين عموماً في البلدان المنخفضة الدخل، ولذلك لا يمثل الدعم الصريح والضمني للوقود فيها سوى 1.0% و2.6% من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي. ويؤكد ذلك مجدداً الاستنتاج القائل إن البلدان المنخفضة الدخل لا تستطيع سد فجوات تمويل أرضية الحماية الاجتماعية لديها من الموارد المحلية وحدها، وإنها ستحتاج إلى مساعدة دولية.

توسيع الحيز المالي من خلال المسرّع العالمي للوظائف والحماية الاجتماعية من أجل انتقالات عادلة

يسعى المسرّع العالمي، الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة عام 2021، إلى التصدي لتحديات متعددة، منها تغير المناخ، تمحو مكاسب التنمية، وإلى تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك من خلال استحداث وظائف لائقة وتوسيع الحماية الاجتماعية. ويتألف المسرّع العالمي من ثلاث ركائز مترابطة هي السياسات المتكاملة والتمويل وتعزيز التنسيق المتعدد الأطراف. وتربط ركيزة التمويل بين السياسات المتكاملة واستراتيجيات التمويل، وتشمل: ضمان أن تنتهج وزارات الاقتصاد والمالية سياسات اقتصادية كلية تعزز الاستثمار الاجتماعي؛ ودعوة مصارف التنمية العامة والقطاع الخاص إلى الإسهام من خلال قروض السياسات أو زيادة الأثر الاجتماعي للاستثمارات الحالية؛ وضمان أن تحمي المؤسسات المالية الدولية الإنفاق الاجتماعي العام وتوسعه. كما يدعم المسرّع العالمي البلدان التي تعاني قيوداً مالية بحشد مزيد من التمويل الدولي، كالمساعدة الإنمائية الرسمية والصناديق المناخية، لاستحداث وظائف لائقة وتوسيع الحماية الاجتماعية.

ويمكن للبلدان المتوسطة الدخل أن تنظر في إعادة توجيه الدعم الصريح للوقود أو استخدام تسعير الكربون لسد فجوات التمويل لديها. ومن خيارات إعادة استثمار هذه الموارد توسيع التغطية أو زيادة كفاية الإعانات أو رفع مستوى شمول الحماية الاجتماعية.

غير أن خيارات إعادة الاستثمار لن تحمي الأسر جميعها تلقائياً من أي آثار سلبية ناجمة عن إلغاء دعم الوقود الأحفوري أو ضرائب الكربون. فالخيار الأنسب يتوقف على معايير النظام القائم والأثر المقدر للإصلاحات على الأسعار والأسر.

الحد من أوجه عدم المساواة بين البلدان: تسخير التمويل المناخي الدولي للحماية الاجتماعية

تقتضي أوجه عدم المساواة المناخية بين البلدان مسؤوليات متباينة في التخفيف، وأن تقدم البلدان الأكبر إسهاماً صافياً في الاحترار العالمي المساعدة المالية للبلدان ذات القدرة المحدودة على التكيف. وهذا المبدأ مكرس في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، التي تعرّف التمويل المناخي بأنه التمويل الرامي إلى دعم إجراءات التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه.

ويتزايد الاعتراف بالحماية الاجتماعية في مفاوضات المناخ وفي الأدبيات بوصفها إسهاماً رئيسياً في التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه والاستجابة للخسائر والأضرار. ومن ثم ينبغي للتمويل المناخي الدولي أن يسهم في بناء نظم الحماية الاجتماعية، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل المعرضة للمخاطر المناخية والتي يصعب فيها سد فجوات التمويل من الموارد المحلية. وتتنوع مصادر التمويل المناخي، إذ تشمل المصارف الإنمائية الإقليمية والمتعددة الأطراف، والصناديق المناخية، والشراكات التمويلية الدولية والإقليمية، والترتيبات التمويلية لمعالجة الخسائر والأضرار.

غير أنه لم يُوجَّه حتى الآن إلى الحماية الاجتماعية سوى قدر محدود جداً من التمويل المناخي الدولي. ويلزم إحراز مزيد من التقدم في تعميم أهداف تغير المناخ في سياسات الحماية الاجتماعية والعكس. فعلى سبيل المثال، من المهم إدراج الحماية الاجتماعية والصحة في المساهمات المحددة وطنياً وخطط التكيف الوطنية، وهو شرط مسبق لتوجيه التمويل المناخي المتعدد الأطراف إلى الحماية الاجتماعية. ومع ذلك، لا يزال هذا الإدماج محدوداً؛ إذ لا تسند سوى 20 من أصل 196 مساهمة محددة وطنياً دوراً للحماية الاجتماعية في العمل المناخي، بل إن عدداً أقل منها يذكر إجراءات ملموسة لتعزيز النظم. ولا بد للمؤسسات الممولة أن تعترف بدور الحماية الاجتماعية في العمل المناخي وأن تشير إليه صراحة في أطرها الاستثمارية. ومن جهة أخرى، يتعين على الحكومات الوطنية ومقدمي طلبات التمويل من الصناديق المناخية أن يدركوا إمكانات الحماية الاجتماعية وأن يصروا على تخصيص الأموال لتعزيز نظمها.

استشراف الاحتياجات المستقبلية والجاهزية المالية من أجل تمويل مستدام

يجب أن تتكيف استراتيجيات تمويل الحماية الاجتماعية مع الآثار المتوسطة والطويلة الأجل لتغير المناخ على الاحتياجات والإيرادات والاشتراكات والتكاليف. وفضلاً عن ذلك، يكتسي التمويل المرتب مسبقاً أهمية قصوى إذا أريد لنظم الحماية الاجتماعية أن توفر أمن الدخل والرعاية الصحية أثناء الظواهر المتطرفة. وتشير التقديرات إلى أن ما يتراوح بين 2% و3% فقط من تمويل الأزمات مرتب مسبقاً، مما يدل على أن معظم الاستجابات ظرفية ويرجح أنها غير كافية.

وينبغي لنظم الضمان الاجتماعي أن تراعي المخاطر المناخية في تقييماتها الاكتوارية واحتياطياتها حفاظاً على استدامتها المالية. وتتوافر توقعات متزايدة الدقة والشمول بشأن تغير المناخ على المدى الطويل، يمكن أن تأخذ التقييمات الاكتوارية آثارها في الحسبان لضمان قدرة الصناديق على الصمود. ويتطلب ذلك نمذجة الاحتياجات والتكاليف والاشتراكات واستشرافها. وبالنسبة إلى نظم الحماية الصحية الاجتماعية، يمكن الجمع بين الخبرات الاكتوارية والوبائية وخبرات النمذجة المناخية لتعزيز القدرة المالية لهذه النظم على الصمود، نظراً إلى أنها قد تواجه طلباً متزايداً مرتبطاً بتفاقم الصدمات المرتبطة بالمناخ.

ويمكن أن يتيح الإدماج الأكبر لأدوات تمويل مخاطر الكوارث في تمويل الحماية الاجتماعية استجابة أكثر فعالية واستدامة للكوارث. وقد تشمل هذه الأدوات ميزانيات الطوارئ وصناديق الاحتياطي والائتمانات أو القروض الطارئة. كما يمكن للحكومات الوطنية الاستفادة من آليات التأمين السيادي الإقليمية، كمؤسسة القدرة الأفريقية على مواجهة المخاطر، وتوجيه مدفوعاتها عبر نظام الحماية الاجتماعية. وعادة ما يكون تمويل مخاطر الكوارث مدمجاً في الترتيبات القانونية والسياساتية والمؤسسية للبلد، ولا بد من تطوير روابط أفضل مع نظم الحماية الاجتماعية، بما في ذلك عبر خطط الطوارئ لتقديم الدعم أثناء الكوارث المرتبطة بالمناخ. والأهم من ذلك ألا تحل هذه المصادر الإضافية محل مصادر التمويل الأخرى اللازمة لضمان تمويل مستدام ومنصف للحماية الاجتماعية.

3.5 تكييف القدرات المؤسسية والتشغيلية وتعزيزها

لكي تتمكن الحماية الاجتماعية من أداء دورها في دعم العمل المناخي الشامل والانتقال العادل، لا بد من تعزيز نظمها وتكييفها، ولا سيما في البلدان ذات المؤسسات الناشئة في مجال الحماية الاجتماعية.

وتتطلب الحماية الاجتماعية الشاملة والتكيفية إجراءين جوهريين: تعزيز القدرات والعمليات المؤسسية والتشغيلية لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية؛ وتكييف النظام مع المطالب الجديدة والمتزايدة الناجمة عن الآثار المباشرة لتغير المناخ وللانتقال. ومن شأن تحقيق هذا الهدف المزدوج أن يضمن الجاهزية المؤسسية، فيقلل بذلك الاعتماد الحصري على تدابير انفعالية متأخرة وغير كفؤة مالياً وعلى حلول مؤقتة غير كافية.

3.5.1 السياسات والحوكمة: زيادة الاتساق والتنسيق بين الحماية الاجتماعية والسياسات المناخية

تكفل سياسات الحماية الاجتماعية واستراتيجياتها، المسترشدة بالحوار الاجتماعي، التعزيز التدريجي لنظم الحماية الاجتماعية. وينبغي أن توجه أيضاً إصلاحات الأطر القانونية لضمان اتساق الحقوق والالتزامات مع المعايير الدولية. ويشمل تعزيز آليات الحوكمة التنسيق الفعال مع القطاعات الأخرى، وضمان استراتيجيات تمويل مستدامة ومنصفة، والرصد المنتظم، وتقييم التنفيذ والعمليات والأثر بما يمكن أن يوجه عمليات إصلاح السياسات.

ويمكن للإجراءات التالية أن تساعد على تهيئة نظم الحماية الاجتماعية وتكييفها لتيسير العمل المناخي الشامل والانتقال العادل على نحو أفضل: إدراج المخاطر المناخية إلى جانب مخاطر دورة الحياة في السياسات والاستراتيجيات الوطنية للحماية الاجتماعية استناداً إلى تقييم للآثار الاجتماعية والاقتصادية للسياسات المناخية والأزمة المناخية، على أن تستند التعديلات إلى حوار شامل مع الشركاء الاجتماعيين وغيرهم من ممثلي الأشخاص المعنيين، بمن فيهم مجتمعات الشعوب الأصلية؛ وتحديد دور الحماية الاجتماعية في المساهمات المحددة وطنياً وخطط التكيف الوطنية واستراتيجيات إدارة مخاطر الكوارث وخطط الانتقال العادل؛ وضمان أن تتيح الأطر القانونية إجراء تعديلات مؤقتة على معايير الأهلية ومستويات الإعانات ومدتها عند وقوع الأزمات؛ وإشراك وزارات العمل والشؤون الاجتماعية والتنمية والحماية الاجتماعية في تخطيط الانتقال العادل وتعزيز التنسيق مع وزارات البيئة والطاقة والمالية والاقتصاد والتخطيط والزراعة؛ وتحديد أدوار ومسؤوليات واضحة وإجراءات تشغيل موحدة للجهات الفاعلة في مجالات الحماية الاجتماعية وإدارة مخاطر الكوارث والعمل الإنساني في سياقات الاستجابة للكوارث؛ وإدراج آثار تغير المناخ والسياسات المناخية في تقدير تكاليف النظم وضمان توافر التمويل المرتب مسبقاً؛ وإضافة مؤشرات أداء لبناء القدرة على الصمود والاستجابة للمخاطر المناخية والسياسات المناخية في أطر رصد الحماية الاجتماعية وتقييمها.

ومن الأمثلة على ذلك مأسسة استجابات الحماية الاجتماعية للصدمات المناخية في أذربيجان. فقد نفذ النظام الوطني للحماية الاجتماعية في أذربيجان استجابات طارئة للكوارث الطبيعية المحلية الصغيرة النطاق لعدة سنوات. وتتضمن الاستراتيجية الوطنية الاجتماعية والاقتصادية الخمسية الحالية أنشطة تهدف إلى الاستعاضة عن هذه التدابير الظرفية باستجابات مؤسسية للحماية الاجتماعية تقدم دعماً موثوقاً وفعالاً للمتضررين من المخاطر المرتبطة بالمناخ. ويشمل ذلك وضع أحكام قانونية ومبادئ توجيهية وآليات فنية لتحديد معايير الأهلية الملائمة، وترتيبات تمويل مرنة وفي الوقت المناسب، والدفع السريع، وأدوار ومسؤوليات واضحة للمؤسسات في تنفيذ الاستجابة وتنسيقها عبر نظام الحماية الاجتماعية.

3.5.2 تصميم النظم: معايير أهلية ومستويات إعانات قابلة للتكيف في مواجهة الاحتياجات المتغيرة

عند تصميم النظم، ينبغي أن تُحدَّد معايير الأهلية ومستويات الإعانات ومدتها وتواترها وفقاً للمعايير الدولية وبطريقة توسع التغطية والكفاية تدريجياً.

وفضلاً عن ذلك، يمكن أن تساعد التكييفات في معايير الأهلية ومستويات الإعانات على معالجة الاحتياجات المتغيرة في ظل المخاطر المناخية ومخاطر الانتقال على المدى القصير والمتوسط والطويل، ومنها: المحفزات التلقائية، أي استحداث آليات محددة مسبقاً يمكنها تعديل معايير الأهلية ومستويات الإعانات ومدتها بسرعة عبر الاحتياطيات القائمة أو التمويل الضريبي الإضافي عند وقوع الصدمات، كما في الولايات المتحدة، بما يضمن استجابة سريعة و"تلقائية"؛ والتدابير الظرفية، فحين لا تكون الآليات المدمجة كافية أو قائمة، يمكن للتدابير الظرفية أن تكيّف معايير الأهلية وترفع مستويات الإعانات لضمان توسع أفقي ورأسي إضافي للنظام أثناء الأزمات كالفيضانات أو الأعاصير، وللتخفيف من آثار السياسات المناخية؛ والكفاية الطويلة الأمد للإعانات، إذ ينبغي ربط جميع الإعانات بمؤشرات تضخم ملائمة وتعديلها وفقاً للاحتياجات المتطورة، كالضغوط التصاعدية على أسعار الغذاء بسبب الآثار المناخية الممتدة؛ وإعانات الصحة والمرض المراعية للمناخ، التي ينبغي أن تضمن على الأقل استمرارية الخدمات الطبية الأساسية وأن تشمل الرعاية الطارئة والإصابات وإعادة التأهيل وإدارة الأمراض المزمنة، وهي مجالات لا تزال تفتقر إلى التمويل الكافي في كثير من البلدان.

وينبغي أيضاً ربط إعانات الحماية الاجتماعية بالخدمات التكميلية. وفي سياق تغير المناخ والانتقال، تكتسي الروابط مع سياسات سوق العمل النشطة الخضراء وتنمية المهارات والدعم الزراعي أو التأمين المراعيين للمناخ أهمية خاصة.

3.5.3 العمليات وتقديم الإعانات: تمكين القدرة على الصمود والاستجابة

يمكن للمؤسسات المكلفة بإدارة إعانات الحماية الاجتماعية وتقديمها أن تنفذ الاستراتيجيات التالية لتمكين استمرارية الخدمات وتعزيز قدرتها على الاستجابة السريعة للاحتياجات الناشئة: إجراء تقييمات للمخاطر ونمذجة للسيناريوهات لتقييم أثر مختلف المخاطر المناخية على الإعانات وتقديم الخدمات، ولا سيما للوصول إلى الفئات المستضعفة؛ ووضع خطط طوارئ وإجراءات تشغيل موحدة لتقديم الخدمات أثناء حالات الطوارئ، بما في ذلك في مواقع جديدة، والتسجيل السريع، وطرق الدفع البديلة، والقدرة على مواجهة الطلب المتزايد؛ ورقمنة إدارة الإعانات، بما في ذلك حلول تحديد الاحتياجات والتواصل والتسجيل والالتحاق والدفع، وقد يلزم مزيج من خيارات التقديم اليدوية والرقمية يشمل الفئات ذات المهارات الرقمية المحدودة أو التي يصعب عليها الوصول إلى التكنولوجيا؛ وتكييف خطط التواصل وآليات معالجة الشكاوى حين يستجيب نظام الحماية الاجتماعية لحالات الطوارئ المرتبطة بالمناخ أو يؤدي دوراً في حزم الانتقال، كإلغاء دعم الوقود الأحفوري أو إغلاق المنشآت الصناعية، حفاظاً على المساءلة والشفافية والمقبولية.

ومن الأمثلة الدالة على ذلك الاستجابة لإعصار كاترينا. فحين ضرب الإعصار ولاية لويزيانا في الولايات المتحدة عام 2005، تفاقمت أوجه الهشاشة القائمة المرتبطة بعدم المساواة الطبقية والعرقية. ومع ذلك، استجابت إدارة الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة بسرعة ودعمت 1.6 مليون مستفيد متضرر من خلال إنشاء مكاتب مؤقتة في مراكز الإجلاء تقدم الخدمة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وتخصيص خطوط هاتفية خاصة وموظفين إضافيين لتسريع مطالبات إعانات الوفاة والورثة والعجز، وتمديد ساعات عمل المكاتب الرئيسية للإدارة، والصرف الفوري للإعانات وصرف إعانات تكميلية، وتعديل طرق الدفع للنازحين. فالتطورات التكنولوجية مهمة، لكنها قد لا تكون متاحة دائماً أثناء الظواهر المتطرفة، ولذلك قد يظل لدعم الموارد البشرية وطرق الدفع البسيطة تكنولوجياً دور في الاستجابة.

ويعد الاستثمار في نظم المعلومات أمراً أساسياً أيضاً لإدارة نظام الحماية الاجتماعية بكفاءة وفعالية. ويشمل ذلك تطوير سجلات وطنية موحدة، وضمان التشغيل البيني لنظم معلومات الحماية الاجتماعية مع خدمات الإدارة العامة الأخرى، بما فيها سجلات الأحوال المدنية والإحصاءات الحيوية. ويجب إيلاء الأولوية لخصوصية البيانات وأمنها ومراعاة مخاطر الإقصاء.

وتمكّن نظم المعلومات العالية الجودة والشاملة الحماية الاجتماعية من أداء دورها في العمل المناخي والانتقال العادل، لأنها تتيح الوصول إلى جميع المتضررين من حالات الطوارئ المناخية أو من سياسات الانتقال. ويمكن لإجراءات إضافية، كربط نظم معلومات الحماية الاجتماعية بنظم الإنذار المبكر ونظم المعلومات الجغرافية ونماذج التنبؤ الآني التي تستخدم بيانات عالية التواتر، أن تطلق استجابات أكثر فعالية للصدمات. كما يمكن لاتفاقات تبادل البيانات المرتبة مسبقاً مع الجهات المسؤولة عن إدارة مخاطر الكوارث وقواعد البيانات الإنسانية أن تعزز الاستجابات المنسقة على نحو أكبر.

دراسة ذات صلة