القائمة الرئيسية

التقرير العالمي للحماية الاجتماعية 2024 إلى 2026: الحماية الاجتماعية الشاملة من أجل العمل المناخي والانتقال العادل (5/4)

التقرير العالمي للحماية الاجتماعية 2024 إلى 2026: الحماية الاجتماعية الشاملة من أجل العمل المناخي والانتقال العادل (5/4)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الرابع تعزيز الحماية الاجتماعية للجميع طوال مسار الحياة، مؤكداً أن الحماية الاجتماعية الشاملة والوافية تمثل أساساً لمواجهة الفقر والهشاشة ودعم القدرة على الصمود أمام تغير المناخ وتحقيق الانتقال العادل. ويستعرض الفصل الحماية الاجتماعية للأطفال والأسر، والأشخاص في سن العمل، وكبار السن، والحماية الصحية الاجتماعية، موضحاً استمرار فجوات كبيرة في التغطية والكفاية، ولا سيما لدى الأطفال؛ إذ لا تشمل الإعانات النقدية سوى 23.9% منهم، بينما يواجه نحو 1.9 مليار طفل مخاطر مناخية عالية. ويؤكد أهمية توسيع إعانات الأطفال والتغذية المدرسية والخدمات الصحية والرعاية، وجعل الحماية أكثر استجابة للاعتبارات الجنسانية وأكثر قدرة على الاستجابة للصدمات المناخية. كما يبرز حاجة الأشخاص في سن العمل إلى حماية من مخاطر المرض والأمومة والبطالة والإعاقة وإصابات العمل، خصوصاً مع انتشار العمالة غير المنظمة، وضرورة تنسيق الحماية الاجتماعية مع سياسات العمل والأجور والتوظيف وتنمية المهارات. أما كبار السن، فرغم وصول تغطية معاشات الشيخوخة إلى 79.6% عالمياً، فلا يزال ملايين الأشخاص محرومين من معاشات كافية، مع تعرض النساء والعاملين في الوظائف الهشة والمهاجرين لمخاطر أكبر. ويؤكد الفصل كذلك أن تحقيق التغطية الصحية الشاملة يتطلب إزالة العوائق المالية والجغرافية والمؤسسية أمام الرعاية الصحية. وبوجه عام، يدعو الفصل إلى توسيع التغطية لتشمل الجميع، وضمان كفاية الإعانات، وربط الحماية الاجتماعية بالخدمات الأساسية والعمل اللائق، وتعزيز قدرتها على الاستجابة للأزمات المناخية، وتوفير تمويل مستدام ومنصف بما يضمن الحماية طوال مسار الحياة ويعزز العدالة الاجتماعية والقدرة على مواجهة التحولات المستقبلية.

الفصل الرابع: تعزيز الحماية الاجتماعية للجميع طوال مسار الحياة

لكي تؤدي نظم الحماية الاجتماعية دورها الرئيسي في العمل المناخي والانتقال العادل، يتعين عليها أن توفر حماية وافية للجميع طوال حياتهم. ويتناول هذا الفصل، المنظم وفقاً لضمانات الحماية الاجتماعية الأربعة المنصوص عليها في التوصية رقم 202، أمن الدخل للأطفال والأسر، وللأشخاص في سن العمل، ولكبار السن، ويركز قسمه الأخير على الحماية الصحية الاجتماعية.

4.1 الحماية الاجتماعية للأطفال والأسر

الرسائل الرئيسية

حان الوقت لرفع سقف الطموح. فقد تحقق تقدم في توسيع الحماية الاجتماعية، لكن الحصول على حماية اجتماعية شاملة ومتكاملة لا يزال بعيد المنال بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الأطفال، إذ لا يتجاوز نصيب الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و18 عاماً المشمولين بإعانات نقدية للأطفال على الصعيد العالمي 23.9%. ويعني ذلك أن 1.8 مليار طفل في هذه الفئة العمرية محرومون منها.

ونظراً إلى ما هو معترف به على نطاق واسع من قدرة الحماية الاجتماعية على الحد من الفقر، النقدي منه والمتعدد الأبعاد لدى الأطفال، فإن هذه الفجوة في الحماية تثير قلقاً عميقاً، لا سيما أن الأطفال يشكلون أكثر من نصف من يعيشون في فقر مدقع في العالم. فاليوم، لا يزال 333 مليون طفل يعيشون تحت خط الفقر المدقع، و1.4 مليار طفل يعيشون تحت خط الفقر الدولي الأعلى، ونحو مليار طفل يعيشون في فقر متعدد الأبعاد. ويواجه نحو 1.9 مليار طفل، أي 80% من الأطفال، مخاطر مناخية عالية.

والآثار الإيجابية للحماية الاجتماعية على الأطفال لا تقبل الجدل. إذ تبين أدلة واسعة أن الحماية الاجتماعية المراعية للأطفال تحد من الفقر وتسهم في الوقت ذاته في أمن دخل الأسر، وتحمي من عمل الأطفال، وتكتسي أهمية أوسع لصحة الأطفال ونمائهم في الطفولة المبكرة وتعليمهم وأمنهم الغذائي. وفي غياب الحماية الاجتماعية، يقل احتمال توافر هذه الشروط الأساسية للرفاه خلال الطفولة، مما يخلق أوضاعاً دائمة يصعب تداركها في مراحل لاحقة من الحياة.

ويتحمل الأطفال، ولا سيما الفقراء منهم، العبء الأكبر للأزمة المناخية. فهذه الأزمة المتفاقمة ترقى إلى "عنف هيكلي ضد الأطفال"، وتقوّض رفاههم وآفاقهم المستقبلية. كما تؤكد أهمية جعل نظم الحماية الاجتماعية أكثر شمولاً وقدرة على الصمود، حتى تواصل تحقيق أهدافها الأساسية وتلبي الاحتياجات الإضافية التي يولدها تغير المناخ. والاستثمار في الحماية الاجتماعية لجميع الأطفال أمر حاسم للتضامن والإنصاف بين الأجيال، وهو استثمار أساسي لصون حقوق الأجيال المقبلة. كما سيدعم بناء قدرات الأطفال وتنمية المهارات اللازمة التي سيتطلبها الانتقال الأخضر.

ولسد فجوات الحماية وتحقيق آثار إيجابية لجميع الأطفال، لا بد من زيادة الإنفاق، ولا سيما في السنوات الأولى من العمر. ويبين تحليل الإنفاق حسب العمر أن جميع الأطفال، والأسر التي يعيشون فيها، لا يحظون بالخدمة الكافية من حيث الحماية الاجتماعية، وخاصة في مرحلة الطفولة المبكرة. ففي المتوسط، يُنفق 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي على إعانات الأطفال على الصعيد العالمي، مع تفاوتات إقليمية كبيرة، إذ تتراوح النسبة بين 0.2% في البلدان المنخفضة الدخل و1.0% في البلدان المرتفعة الدخل.

4.1.1 دور الحماية الاجتماعية في معالجة الفقر المستمر وأوجه الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية لدى الأطفال، التي تفاقمها الأزمات المتراكمة، ومنها أزمة المناخ

الحماية الاجتماعية استثمار يسهم في تمتع الأطفال بحقوقهم وحصولهم على الدعم الذي يحتاجون إليه. وحين تغيب الحماية الاجتماعية، يتعرض الأطفال لخطر أكبر من انتهاكات متعددة لحقوقهم، ولآثار طويلة الأمد لعمل الأطفال والأمراض والانقطاع عن التعليم وسوء التغذية والفقر.

وتنطوي الأزمة المناخية المتفاقمة على خطر فقر مرتفع للغاية بالنسبة إلى الأطفال، وقد وُصفت بأنها "شكل من أشكال العنف الهيكلي ضد الأطفال". فوفاة واحدة من كل أربع وفيات بين الأطفال دون سن الخامسة في العالم تنجم عن أضرار بيئية يمكن تجنبها وعن حالة الطوارئ المناخية. والأطفال معرضون بوجه خاص بسبب انتشار أمراض أشد فتكاً، وضعف قدرتهم على تنظيم حرارة أجسامهم خلال موجات الحر، وسوء التغذية الناجم عن تفاقم انعدام الأمن الغذائي.

ومن منظور الإنصاف بين الأجيال والعدالة الاجتماعية، ينبغي أن يكون إعداد الأطفال لمواجهة احترار لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية وحده دافعاً كافياً لواضعي السياسات لبناء نظم الحماية الاجتماعية وغيرها من الخدمات الرئيسية لجميع الأطفال. وتبين أدلة من بحث عالمي أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن 46 طرفاً فقط على الصعيد العالمي أدرجت التزامات بحماية اجتماعية مراعية للأطفال في وثائقها الرئيسية للسياسات المناخية. وفي نهاية المطاف، يجب على الحكومات أن ترفع مستوى التزاماتها بأهداف التنمية المستدامة للقضاء على الفقر المدقع لدى الأطفال وزيادة تغطيتهم بالحماية الاجتماعية.

أثر جائحة كوفيد 19 على فقر الأطفال

شهد العقد الماضي انخفاضاً كبيراً في العدد المطلق للأطفال الذين يعيشون في فقر مدقع. غير أن التقديرات تشير إلى أن الحد من الفقر توقف خلال الفترة من 2019 إلى 2022، وأن ثلاث سنوات من التقدم قد ضاعت، ويرجع ذلك أساساً إلى جائحة كوفيد 19. ولولا الدور المحوري للحماية الاجتماعية في احتواء آثارها المفقرة، لارتفع الفقر أكثر من ذلك.

وليست جائحة كوفيد 19 سوى واحدة من الأزمات المتراكمة التي عاشها الأطفال وأسرهم في السنوات الأخيرة، مما يشير إلى أن شواغل عالمية أخرى، كالأزمة المناخية، يرجح أن تعيق التقدم اللازم لصالح الأطفال.

فبين عامي 2013 و2022، انخفضت معدلات الفقر المدقع لدى الأطفال من 20.7% إلى 15.9%، وهو ما يعني فعلياً انخفاض عدد الأطفال الذين يعيشون في فقر مدقع بمقدار 49.2 مليون طفل. غير أن اللافت أن المعدل كان قد بلغ 15.9% بالفعل في العام السابق لجائحة كوفيد 19، مما يشير إلى "ثلاث سنوات من التقدم الضائع" للأطفال الذين يعيشون في ظروف الفقر المدقع. وتشير التقديرات إلى أنه لولا هذا الوقت الضائع، لأفلت 30 مليون طفل آخرون من الفقر المدقع في العالم.

وتبين أحدث أرقام البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة أن 333 مليون طفل لا يزالون يعيشون في أسر يقل دخل الفرد فيها عن 2.15 دولار أمريكي يومياً، وهو خط الفقر المدقع. وعند خطوط الفقر الدولية الأعلى، يعيش ما لا يقل عن 820 مليون طفل على أقل من 3.65 دولارات أمريكية يومياً، وهو خط الفقر في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، و1.4 مليار طفل على أقل من 6.85 دولارات أمريكية يومياً، وهو خط الفقر في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا، أي ثلاثة من كل خمسة أطفال في العالم. وفضلاً عن ذلك، يعاني نحو مليار طفل من الفقر المتعدد الأبعاد، محرومين من حقوقهم الأساسية في الصحة والتغذية والمياه والصرف الصحي والتعليم والمأوى.

وتخفي الأرقام العالمية الخطر المتزايد الذي يواجهه كثير من الأطفال فيما يتعلق بالفقر المدقع. فلا توجد فوارق كبيرة بحسب أقاليم العالم ومستويات الدخل الوطني وتجارب النزاع والهشاشة فحسب، بل تؤدي الخصائص الشخصية والأسرية دوراً أيضاً، كحال الأطفال ذوي الإعاقة أو الذين لديهم أفراد في الأسرة من ذوي الإعاقة، أو الفتيات والنساء مقارنة بالفتيان والرجال. فالأسر التي ترعى شخصاً من ذوي الإعاقة تعاني من خسارة في الدخل المكتسب، إذ تتراجع إمكانات الكسب كلما زاد وقت الرعاية، ومن ارتفاع تكاليف المعيشة بسبب النفقات الإضافية المرتبطة بتلك الرعاية. وتُمثَّل النساء والفتيات تمثيلاً مفرطاً بين أشد الناس فقراً في العالم، ويتأثرن على نحو غير متناسب بأوجه حرمان متعددة ومتقاطعة بسبب الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي والأعراف والتوقعات الجنسانية المقيدة. ومع ذلك، كثيراً ما تخفق الحماية الاجتماعية في إدماج المخاطر والاحتياجات والفرص القائمة على النوع الاجتماعي ومعالجتها. وثمة فئات أخرى كثيرة من الأطفال أكثر عرضة لخطر الفقر، كالأطفال المهاجرين أو النازحين قسراً، وأطفال الشعوب الأصلية، والأطفال الذين يعيشون في مناطق نائية، ولا بد أن يسترشد تصميم سياسات الحماية الاجتماعية للأطفال بذلك.

مخاطر فقر الأطفال وحالة الطوارئ المناخية

تمثل حالة الطوارئ المناخية تهديداً كبيراً للتقدم المحرز في الحد من مخاطر فقر الأطفال في جميع أنحاء العالم. وتتخذ مخاطر فقر الأطفال المباشرة وغير المباشرة أشكالاً مختلفة، من الأحداث المفاجئة كالفيضانات الخاطفة، إلى التغيرات البطيئة الحدوث كالتصحر، إلى التدهور البيئي.

وفقر الأطفال محرك للهشاشة ونتيجة للمخاطر المناخية الإجمالية في آن واحد. فأولاً، يكون الأطفال الفقراء أكثر تعرضاً للمخاطر المناخية؛ إذ يُتوقع أن يتعرض ستة من كل عشرة أطفال يعيشون أصلاً في فقر متعدد الأبعاد لخطر مناخي واحد على الأقل سنوياً، ويعيش ثلاثة من كل عشرة أطفال في مقاطعات ذات مخاطر مناخية عالية جداً وتركز مرتفع للأطفال الفقراء فقراً متعدد الأبعاد.

وثانياً، فإن تدني جودة المساكن، وسوء مرافق المياه والصرف الصحي، وانعدام الأمن الغذائي القائم، والمشكلات الصحية، وعدم كفاية الحصول على المعلومات، كلها تجعل الأطفال الفقراء أكثر عرضة للضرر حين تقع صدمة مناخية. كما أن الأسر الفقيرة التي لديها أطفال تملك قدرات أقل على المواجهة للاستجابة للآثار السلبية أو التكيف مع المناخ المتغير بسبب قلة مواردها المالية. وهي تعاني أيضاً من محدودية الحماية الاجتماعية، إذ يقل حصول الأطفال الذين يعيشون في بيئات أعلى خطراً على الحماية الاجتماعية. وحتى في السياقات المرتفعة الدخل، يتعرض الأطفال في الأسر الأفقر وغيرها من الفئات الفرعية المحرومة لأكبر قدر من المخاطر والأضرار البيئية.

وتتفاقم المخاطر المناخية على نحو غير متناسب لدى المعرضين لأوجه عدم مساواة متقاطعة تتعلق بالعرق والنوع الاجتماعي والطائفة الطبقية والطبقة الاجتماعية. وتؤثر أوجه عدم المساواة المتقاطعة هذه في مدى التعرض للصدمات المرتبطة بالمناخ، وفي الاستراتيجيات المستخدمة لمواجهة آثارها.

وأخيراً، يمكن للظواهر الجوية المتطرفة والآثار البطيئة الحدوث وغيرها من الصدمات المرتبطة بالمناخ أن تفاقم فقر الأطفال. فقد تؤثر مباشرة في الأسر ومستويات معيشة الأطفال ومخاطر فقرهم بتدمير المنازل والمزارع والمجتمعات المحلية، مما يؤثر بدوره في الإنتاجية ويزيد خطر الإصابة بالأمراض، بما في ذلك تدهور الصحة النفسية. وبصورة غير مباشرة، يخلّف تعطل تقديم الخدمات العامة، كالصحة والتغذية ومياه الشرب والصرف الصحي والنظافة الصحية والتعليم، وكلها تؤثر تأثيراً كبيراً في حصول الأطفال على الرعاية، وكذلك تدمير الموارد الطبيعية، آثاراً متلاحقة على فقر الأطفال ونمائهم.

ولما كان الفقراء أكثر تعرضاً للمخاطر الطبيعية المرتبطة بالصدمات المناخية وأقل امتلاكاً للموارد اللازمة للاستجابة الفعالة، فلا بد من معالجة المخاطر المرتبطة بالصدمات والضغوط المناخية. ويعني ذلك حماية الاستهلاك، وتعزيز بناء الأصول والإنتاجية، وإتاحة الفرص للأسر لتنويع أنشطتها بعيداً عن تلك التي كانت تعتمد عليها في كسب رزقها، من خلال تدخلات تكيف سريعة وقصيرة الأمد وشاملة وذكية مناخياً وموجهة.

واستناداً إلى الأدلة ومخاوف التغطية المذكورة آنفاً، ثمة حاجة ماسة إلى الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية لدعم الأطفال المعرضين للمخاطر المرتبطة بالمناخ والأسر التي تعيش حالات طوارئ مناخية. ويتطلب تعزيز قدرة الأسر على الصمود واستراتيجياتها للمواجهة في الاستجابة للصدمات المناخية الاستثمار في نظم حماية اجتماعية متينة وتعزيز قدرتها على الاستجابة للصدمات، إذ يمكن توسيع هذه النظم قبل وقوع الصدمة المناخية أو في أعقابها.

إعمال حق الأطفال في الحماية الاجتماعية أمر لا غنى عنه لمكافحة فقر الأطفال وتعزيز رفاههم

تعد سياسات الحماية الاجتماعية أدوات قوية للتخفيف من فقر الأطفال وأسرهم. فهي تحمي الأسر المعرضة لخطر الوقوع في الفقر، وتساعد جميع الأطفال على الوصول إلى الخدمات الرئيسية كالصحة والتعليم، وتحميهم من مخاطر كبرى أخرى كعمل الأطفال. وتبين الأدلة الحديثة التي جمعتها منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة أن نظم الحماية الاجتماعية المتكاملة أدوات قوية لمكافحة عمل الأطفال. وتؤكد الأزمة المناخية أن تعزيز الحماية الاجتماعية شرط مسبق للقضاء على آفة عمل الأطفال. فاليوم، ينخرط 160 مليون طفل في عمل الأطفال، أي ما يقارب طفلاً واحداً من كل عشرة أطفال في العالم. وستكون الأزمة المناخية عاملاً إضافياً مضاعفاً لخطر عمل الأطفال، أساساً عبر زيادة الفقر، لكن قنوات أخرى ستزيد أيضاً من مخاطره، منها التغيرات في الإنتاجية الزراعية، والصدمات الجوية المتطرفة المرتبطة بالمناخ، والهجرة والنزاعات الناجمة عن المناخ، والمشكلات الصحية، وتدمير البنية التحتية للخدمات الأساسية أو تدهورها. ويجعل احتمال ازدياد عمل الأطفال الحماية الاجتماعية أكثر ضرورة بوصفها وسيلة لاحتواء هذا الخطر. ومع ذلك، يفتقر معظم الأطفال المنخرطين في العمل إلى الحماية الاجتماعية.

ويعد التغلب على هذه التحديات أمراً أساسياً لإعمال حقوق جميع الأطفال وتحقيق كامل إمكاناتهم. فحق الأطفال في الحماية الاجتماعية مؤكد في المادتين 26 و27 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، التي تنص على أن "تعترف الدول الأطراف لكل طفل بالحق في الانتفاع من الضمان الاجتماعي، بما في ذلك التأمين الاجتماعي، وتتخذ التدابير اللازمة لتحقيق الإعمال الكامل لهذا الحق وفقاً لقانونها الوطني". ويتضمن الإطار القانوني للأمم المتحدة عدة أحكام تفصّل مختلف حقوق الأطفال التي تشكل جزءاً من حقهم في الحماية الاجتماعية، منها: الحق الإنساني في الضمان الاجتماعي مع مراعاة موارد الطفل وظروفه وظروف الأشخاص المسؤولين عن إعالته، والحق في مستوى معيشي ملائم لصحة الطفل ورفاهه، والحق في رعاية ومساعدة خاصتين، وهي حقوق يكرسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق الطفل. كما يلزم العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدول بمنح الأسرة أكبر قدر ممكن من الحماية والمساعدة، ولا سيما فيما يتعلق برعاية الأطفال المعالين وتعليمهم.

واستكمالاً لصكوك حقوق الإنسان، تشكل معايير الضمان الاجتماعي الدولية أيضاً جزءاً من الإطار المعياري للأمم المتحدة، بما تتضمنه من إرشادات محددة بشأن التغطية والكفاية والمبادئ السياساتية الرئيسية التي تقع في صميم النهج القائم على الحقوق. فاتفاقية منظمة العمل الدولية الشاملة بشأن الضمان الاجتماعي (المعايير الدنيا)، 1952 (رقم 102)، تحدد معايير دنيا لتقديم الإعانات الأسرية أو إعانات الأطفال في صورة إعانة نقدية دورية، أو إعانات عينية تشمل الغذاء أو الكساء أو السكن، أو مزيج منهما. وتؤكد توصية منظمة العمل الدولية بشأن أرضيات الحماية الاجتماعية، 2012 (رقم 202)، شمولية الحماية، إذ تنص على أن يحصل جميع الأطفال على مستوى أساسي على الأقل من الضمان الاجتماعي، يشمل الحصول على الرعاية الصحية وأمن الدخل، بما يتيح لهم الحصول على التغذية والتعليم والرعاية وأي سلع وخدمات ضرورية أخرى للعيش بكرامة. وينبغي أن تنطبق ضمانات الضمان الاجتماعي الأساسية في أرضية الحماية الاجتماعية المحددة وطنياً، كحد أدنى، على جميع المقيمين والأطفال، على النحو المحدد في القوانين واللوائح الوطنية ورهناً بالالتزامات الدولية القائمة. وتمثل التوصية رقم 202 نهجاً قائماً على الحقوق يركز تركيزاً قوياً على النتائج، وتتيح طائفة واسعة من الأدوات السياساتية لتحقيق أمن الدخل للأطفال، ومنها إعانات الأطفال والأسر، وهي محور هذا التقرير، في إطار حافظة أوسع من التدخلات. وفضلاً عن ذلك، يقدم هذا الإطار رؤى قيمة لتطبيق نهج دورة الحياة في الحماية الاجتماعية على نحو كلي وشامل ووافٍ لمعالجة جميع حقوق الطفل.

ويتطلب ضمان حقوق الأطفال في الحماية الاجتماعية وفي مستوى معيشي ملائم وفي الصحة والتعليم والرعاية، وتحقيق خطة عام 2030، إطاراً سياساتياً مواتياً يولي الأولوية لاحتياجات الأطفال ومتطلباتهم ومشاركتهم في العملية.

4.1.2 أهمية ضمان نظم حماية اجتماعية مراعية للأطفال

الاستحقاق في نظم الإعانات النقدية للأطفال والأسر

تشكل نظم الإعانات النقدية للأطفال والأسر عنصراً مهماً في النظم الوطنية للحماية الاجتماعية المراعية للأطفال، وتؤدي دوراً أساسياً في ضمان أمن دخل الأسر. ويقدم هذا القسم لمحة عامة عن التغطية القانونية لهذه النظم في جميع أنحاء العالم.

فحتى عام 2024، يوفر أكثر من ثلثي البلدان والأقاليم التي تتوافر عنها بيانات، أي 145 من أصل 213، إعانات قانونية للأطفال أو الأسر، وإن كانت برامج غير قانونية قد توجد في بلدان أخرى. وتُظهر إصلاحات حديثة لإعانات الأطفال مزيداً من التقدم. فقد استحدثت البرازيل عام 2023 مكملاً جديداً في برنامج بولسا فاميليا للأطفال دون سن السادسة، يُصرف بموجبه مبلغ إضافي قدره 150 ريالاً برازيلياً شهرياً لـ8.9 ملايين طفل. وأعادت ليبيا عام 2021 تفعيل إعانتها الشاملة للأطفال دون سن الثامنة عشرة التي كانت معلقة منذ عام 2013، إذ تُصرف إعانة شهرية قدرها 100 دينار ليبي لجميع الأطفال الليبيين. واستحدث الجبل الأسود في نهاية عام 2022 إعانة شاملة جديدة للأطفال دون سن الثامنة عشرة بمبلغ ثابت قدره 30 يورو شهرياً لكل طفل. واستحدثت عُمان عام 2023 إعانة شاملة للأطفال دون سن الثامنة عشرة في إطار إصلاح كبير لنظامها للضمان الاجتماعي، بمبلغ ثابت قدره 10 ريالات عمانية شهرياً لكل طفل. ووسعت جمهورية كوريا إعانتها شبه الشاملة للأطفال، التي استُحدثت عام 2018 للأطفال حتى سن السادسة، لتشمل الأطفال حتى سن السابعة عام 2019 ثم حتى سن الثامنة عام 2022، بمبلغ شهري يقارب 100 ألف وون لكل طفل.

ومن بين البلدان والأقاليم التي لديها إعانات دورية قانونية للأطفال أو الأسر، يشير أحدث تحليل للتغطية القانونية إلى وجود النظم التالية في العالم: 58 نظاماً لإعانات الأطفال الشاملة أو شبه الشاملة الممولة من الضرائب؛ و29 نظاماً قائماً على الاشتراكات فقط؛ و11 نظاماً يجمع بين الاشتراكات والإعانات الممولة من الضرائب والمشروطة باختبار الموارد، وهي غير شاملة؛ و47 نظاماً ممولاً من الضرائب ومشروطاً باختبار الموارد فقط.

وعادة ما تكون النظم المكرسة في التشريعات الوطنية أكثر استقراراً من حيث التمويل والأطر المؤسسية، وتمنح الأفراد والأسر المؤهلين استحقاقات قانونية، فتضمن الحماية بوصفها حقاً. وتشمل النظم الأخرى برامج واسعة النطاق غير قانونية وغير قائمة على الاشتراكات تعمل في أماكن أخرى. وثمة برامج أخرى تقدم دعماً نقدياً أو عينياً للأطفال المحتاجين، كثيراً ما تقتصر على مناطق أو مقاطعات معينة وتصمم عموماً بهدف الحد من الفقر. ويوجد بعضها الآخر استجابة لأزمات إنسانية أو ظروف غير اعتيادية أخرى، وتقدمها الحكومة أو تدعمها وكالات الأمم المتحدة أو شركاء التنمية أو المنظمات غير الحكومية أو الجمعيات الخيرية.

أهمية التغذية المدرسية

توفر برامج التغذية المدرسية وجبات للأطفال والمراهقين في سن الدراسة، بما في ذلك حصص تُؤخذ إلى المنزل، وهي برامج بالغة الأهمية لرفاه الأطفال. ويحصل حالياً 418 مليون طفل في العالم على وجبات مدرسية يومية مجانية أو مدعومة. ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي، شهد العالم زيادة في برامج التغذية المدرسية التي تقودها الحكومات، مما يدل على تنامي الالتزام الحكومي في مختلف المستويات الاقتصادية بين عامي 2020 و2022، إذ ارتفعت نسبة البلدان التي لديها سياسات للتغذية المدرسية من 79% إلى 87%. كما أوجد هذا التوسع نحو 4 ملايين وظيفة مباشرة في 85 بلداً. وتعمل برامج التغذية المدرسية أيضاً بوصفها برامج متكاملة شاملة، إذ يدمج أكثر من 80% من البلدان فيها أنشطة تكميلية في مجالي الصحة والتغذية، مما يعزز دورها المحوري في تحقيق رفاه تلاميذ المدارس.

ويمكن لبرامج التغذية المدرسية أن تسهم في ضمان نماء الأطفال، بما في ذلك تغذيتهم وصحتهم وتعليمهم، وأن تعزز التنمية الاجتماعية والاقتصادية الطويلة الأمد. فمن خلال توفير إمداد منتظم بالمغذيات الأساسية للأطفال، تعزز هذه البرامج القدرات البشرية وتحقق وفورات تعادل 10% من دخل الأسر المحرومة اقتصادياً، بل أكثر من ذلك في حالة الحصص المنزلية. كما تساعد على التصدي لأزمة الغذاء العالمية وتعزيز نظم غذائية ذكية مناخياً ومستدامة. فالاستثمار السنوي المقدر بنحو 48 مليار دولار أمريكي في هذه البرامج يوفر سوقاً كبيرة لمنتجي الغذاء، مما يتيح تحويل النظم الغذائية وزيادة استدامة الأنماط الغذائية. وتعد برامج التغذية المدرسية القائمة على الإنتاج المحلي جزءاً لا يتجزأ من هذا التحول، إذ يمكنها دعم صغار المزارعين، ولا سيما النساء الريفيات والمنتجين من الشعوب الأصلية، بشراء مزيد من الأغذية المحلية، مما يزيد التنوع البيولوجي الزراعي المحلي ويعزز الأمن الغذائي المحلي.

ويمكن لبرامج الوجبات المدرسية أن تساعد على تحويل النظم الغذائية من خلال سياسات مراعية للكوكب، تحقق فوائد كبيرة لصحة الأطفال وللمجتمع عموماً. ففي أرمينيا، رُكّبت نظم للطاقة الشمسية في خمس مدارس ومزارع، وبيع فائض الكهرباء المولدة إلى الشبكة، وأعيد استثمار العائدات في برنامج التغذية المدرسية وغيره من الخدمات الاجتماعية. وقد حقق ذلك استقرار العرض والطلب على المنتجات الزراعية، وقلل الفاقد من الأغذية وفواتير الكهرباء وانبعاثات الكربون. ومع التقدم المحرز في توسيع التغذية المدرسية، لا تزال التحديات قائمة، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل، إذ لا يزال 73 مليون طفل يذهبون إلى المدرسة جائعين. ومع أن هذه البلدان زادت تمويلها المحلي للوجبات المدرسية من 30% إلى 45% بين عامي 2020 و2022، فإن الدعم الدولي تراجع. ويتطلب التصدي لهذا التحدي جهداً منسقاً من الجهات الفاعلة في مجال التنمية. ويفترض سد فجوة التمويل في البلدان المنخفضة الدخل استكشاف نماذج تمويل مبتكرة، كمبادلة الديون بالوجبات المدرسية، والدعم من شركاء التنمية والمؤسسات المالية الدولية. وفي نهاية المطاف، ومع مواصلة البلدان تحسين استراتيجياتها للحماية الاجتماعية، سيكون الاعتراف بالروابط المتأصلة مع التغذية المدرسية أمراً أساسياً لضمان رفاه الأطفال.

الجمع بين الإعانات النقدية والحصول على الخدمات والمعلومات الرئيسية

يحقق الحصول على الإعانات النقدية وخدمات رعاية الأطفال آثاراً متعددة الأوجه على الحراك الاجتماعي ودخل الأسرة والنتائج التعليمية، ويحد من أوجه الحرمان. وتشير البحوث الحديثة إلى آثار دائمة، ولا سيما للاستثمار في رعاية الطفولة المبكرة وتعليمها، تتمثل في نمو مستدام لدخل الأسرة بفضل زيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة، وتحسن مسارات الحياة. ورغم الأثر الإيجابي للإعانات النقدية، فإن حدود الاقتصار على النقد واضحة، مما يؤكد الحاجة إلى تدخلات تكميلية للتغلب على العقبات غير المالية والهيكلية. فبرامج "النقد المعزز"، التي تجمع بين الإعانات النقدية وتدخلات أخرى، تعالج تحديات متعددة الأوجه وتعظم الإمكانات التحويلية. ويكتسي ضمان الحصول الشامل على الخدمات الصحية وغيرها دون مشقة أهمية حاسمة أيضاً لتعظيم آثار الإعانات النقدية واستدامتها، وهو مكون أساسي في نظم الحماية الاجتماعية المراعية للأطفال. ويعد دور الأخصائيين الاجتماعيين في تعزيز رفاه الأطفال محورياً لربطهم بالخدمات الاجتماعية الحيوية ومواجهة الأعراف الضارة التي تنتهك حقوقهم.

التصدي لعدم المساواة منذ البداية بالنسبة إلى الفتيات والشابات

يركز جعل الحماية الاجتماعية للأطفال أكثر استجابة للاعتبارات الجنسانية على كيفية قيام الحماية الاجتماعية بمعالجة المخاطر الخاصة بالنوع الاجتماعي، كانقطاع الفتيات المبكر عن الدراسة والعنف القائم على النوع الاجتماعي وزواج الأطفال والعمل الجبري وأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر والتمييز ضد الفتيات والشابات، وعلى دعم الحقوق الجنسية والإنجابية للمراهقين. كما يتمحور حول كيفية تأثير وجود الأطفال في الأسر واحتياجاتهم من الرعاية في رفاه المراهقات ونمائهن، وفي مشاركة النساء البالغات والأمهات في القوى العاملة واستقلاليتهن، بمن فيهن النساء اللواتي يعانين أوجه هشاشة متعددة ومتقاطعة، كالنساء ذوات الإعاقة أو المنتميات إلى أقليات عرقية أو إلى المناطق الريفية.

ونظم الحماية الاجتماعية آلية أساسية لإعمال حقوق الأطفال، ويمكن أن تكون أداة سياساتية قوية لتمكين الفتيات والشابات، ولا سيما من خلال المقاربات التحويلية في مجال النوع الاجتماعي. ويمكن أن تكتسي وظيفة إعمال الحقوق والتمكين هذه أهمية خاصة للفتيات اللواتي يعانين منذ البداية من أوجه عدم المساواة بين الجنسين بجميع أشكالها.

غير أن الحماية الاجتماعية للأطفال لا تزال متدنية وغير كافية على نحو مؤسف، ولا يزال يتعين بذل الكثير لتعزيز استجابتها للاعتبارات الجنسانية. فيجب أن تعمل الحماية الاجتماعية لصالح الفتيات والنساء وأن تعالج أوجه عدم المساواة الهيكلية بين الجنسين. ويعني ذلك إرساء الأسس الصحيحة بسد فجوات الحماية والشمول والكفاية، لكنه يتطلب أيضاً زيادات في الإعانات قائمة على النوع الاجتماعي بوصفها إجراءً إيجابياً، ودعم تنمية قدرات الشابات من خلال إعانات الأطفال الممتدة عمرياً وفرص التعليم والتدريب الجيدة، والحصول على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية.

وإعانات الأطفال ليست "تمكينية" تلقائياً للأمهات والنساء. فالتحويلات النقدية المشروطة مثلاً قد تنطوي على تكاليف معاملات مرتفعة على النساء، كما أن بعض نظم الإعانات الأسرية القائمة على الاشتراكات تنطوي على إقصاء قانوني مباشر ومعاملة متمايزة وغير متكافئة للرجال والنساء. ولذلك يجب أن يدعم تصميم إعانات الأطفال انخراط المرأة في العمالة المنظمة. ويفترض ذلك توافر خدمات اجتماعية وخدمات رعاية ميسرة وبتكلفة معقولة وجيدة، يمكن أن تكون مجالاً لاستحداث وظائف لائقة. ويمكن لأصحاب العمل أن يساعدوا باعتماد سياسات صديقة للأسرة، كمرونة أوقات العمل وفترات الرضاعة الطبيعية والعمل عن بُعد، لمساعدة الوالدين العاملين على تقاسم مسؤوليات العمل والرعاية. كما أن إنفاذ الامتثال لمدفوعات نفقة الأطفال من شأنه أن يساعد الآباء والأمهات الوحيدين، ومعظمهم من النساء.

تعزيز تكيف الحماية الاجتماعية للأطفال واستجابتها للصدمات المناخية

يعد إرساء أسس الحماية الاجتماعية الصحيحة والحد من الهشاشة مسبقاً أمراً محورياً لمواجهة الأزمة المناخية. ويفترض ذلك وجود نظام شامل للحماية الاجتماعية يقدم إعانات وافية لشريحة كبيرة من السكان في إطار مجموعة متكاملة من السياسات الاجتماعية وسياسات العمل المناخي. ويقتضي التكيف مع الأزمة المناخية تصميماً للإعانات وقدرة مؤسسية تتيحان التوسيع السريع وزيادة مبالغ الإعانات وصرفها مقدماً والوصول إلى الأطفال في المناطق النائية.

ويمكن إجراء مزيد من التكييف لزيادة القدرة على الاستجابة للصدمات من خلال التعديلات واتباع نهج على مستوى النظام بأكمله. فعلى سبيل المثال، حين تقترن هذه التكييفات بمقاربات إدارة مخاطر الكوارث، قد يعني ذلك أن تطلق سلطات الأرصاد الجوية مدفوعات إضافية أو أعلى حين تُتجاوز عتبات معينة، كالبرد أو الحر الشديدين أو الفيضانات. ومن ذلك أن مكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة في البوسنة والهرسك دعم نموذجاً للحماية الاجتماعية المستجيبة للصدمات على المستوى دون الوطني يقدم دعماً نقدياً إضافياً للأطفال المتضررين من الفيضانات.

ولما كانت المخاطر المناخية تطال الأسرة بأكملها، فإن أي حماية مصممة لتعزيز قدرة الأسرة على الصمود ينبغي أن تراعي عوامل كحجم الأسرة والمخاطر المحددة كعمل الأطفال أو زواج الأطفال. كما ينبغي أن تلبي احتياجات الاستهلاك، وتعزز بناء الأصول من خلال الدعم العيني كالمحاصيل المقاومة للجفاف، وترفع الإنتاجية بزيادة حصول الوالدين على العمل اللائق والدخل الأعلى، وتزيد فرص تنويع مصادر الدخل والعمل. ويتطلب الأمر الأخير أن تساعد الحماية الاجتماعية على تيسير انتقال مقدمي الرعاية من القطاعات المتأثرة بسياسات التخفيف من المناخ، كالانتقال من الأنشطة الملوثة إلى الخضراء، إلى دعم البطالة، أو من قطاعات الزراعة العالية المخاطر المناخية إلى قطاعات زراعية أقل تأثراً. ويعزز تنويع مصادر الدخل هذا أمن الدخل والقدرة على الصمود.

ويمكن لإلغاء دعم الوقود الأحفوري أن يوسع الحيز المالي لإعانات الأطفال، ويسهم في الوقت ذاته في سياسات أوسع للتخفيف من تغير المناخ. فدعم الوقود الأحفوري يتعارض مع الحد من الاحترار العالمي، وكثيراً ما يكون تنازلياً. وقد تزايد الاهتمام باستكشاف كيفية إسهام إصلاح دعم الوقود في تحرير حيز مالي للحماية الاجتماعية. وثمة أيضاً أدلة واعدة على أن إصلاح الدعم من شأنه أن يقلل فقر الأطفال. فعلى سبيل المثال، تبين من عمليات محاكاة لتحويل دعم الطاقة في تونس أن إعانة شاملة للأطفال ستكون أكثر تصاعدية وأكفأ في الحد من الفقر. وفضلاً عن ذلك، خفضت جمهورية إيران الإسلامية دعم الوقود عام 2010 وحولته إلى دخل أساسي شبه شامل، يعمل اليوم فعلياً بوصفه إعانة للأطفال مشروطة باختبار الثراء، وتبلغ تغطيته 86.8%.

وفضلاً عن ذلك، تدرك بعض البلدان الحاجة إلى تعويض تكلفة سياسات التخفيف من انبعاثات غازات الدفيئة كتسعير الكربون. فعلى سبيل المثال، تُصرف في كندا دفعة تكميلية متواضعة معفاة من الضرائب تسمى استرداد الكربون المناخي للأسر التي لديها أطفال عبر إعانة الأطفال الكندية، تبلغ نحو 41 إلى 75 دولاراً أمريكياً كل ثلاثة أشهر لطفل واحد، مع زيادات عن كل طفل إضافي.

وتبين التجارب الحديثة أيضاً كيف يمكن لنظم إعانات الأطفال الوطنية أن تعمل بوصفها آليات قوية للاستجابة للصدمات، وأن تُوسَّع لحماية الأطفال النازحين بسبب الأزمات. فالاستجابة الدولية للحرب في أوكرانيا تبين أن النظم المتطورة تكون مستجيبة للصدمات بطبيعتها؛ إذ استوعبت نظم بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ملايين الأطفال الأوكرانيين النازحين، ومنحتهم إمكانية الحصول على إعانات الأطفال الوطنية. ومن الأمثلة الواعدة الأخرى أن الحكومة البرازيلية منحت الأسر الفنزويلية المستضعفة والنازحة إمكانية الحصول على برامجها الرئيسية للتحويلات النقدية. غير أن عدداً كبيراً جداً من الأطفال لا يزالون غير مشمولين وغير محميين على نحو كاف من المخاطر المعتادة لمسار حياة الطفل أو من الأزمات المختلفة.

دفعة كبرى نحو إعانات الأطفال الشاملة

مع الزيادة البطيئة في تغطية الحماية الاجتماعية للأطفال، تنامى الزخم الداعم لإعانات الأطفال الشاملة بوصفها سياسة تأسيسية لتعظيم تغطية الحماية الاجتماعية لجميع الأطفال. وتبين الأدلة الحديثة أيضاً كيف يمكن لإعانات الأطفال الشاملة أن تحد بفعالية من فقر الدخل المطلق والنسبي لدى الأطفال، وأن تعمل في الوقت ذاته أساساً لنظام حماية اجتماعية مراع للأطفال يطلق القدرات البشرية من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية والنمو الشامل.

وقد أجريت محاكاة لآثار إعانات الأطفال الشاملة على فقر الأطفال في 33 بلداً وإقليماً، حُسبت تقديراتها استناداً إلى تصميم السياسة، أي تقديم تحويل نقدي بمبلغ ثابت لجميع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و18 عاماً، وإلى مبلغ إعانة يعادل متوسط الدفعة الشهرية لكل طفل في البلدان التسعة والعشرين التي تقدم حالياً إعانات شاملة للأطفال، وهو 6% من متوسط الأجر. ويقاس الفقر النسبي في دخل الأطفال بنسبة الأطفال الذين يعيشون في أسر يقل دخلها عن 60% من الدخل الوسيط للأسر.

وتبين النتائج أن إعانة الأطفال الشاملة يمكن أن تحد من الفقر في كل بلد بقدر أكبر بكثير مما تحققه جهود سياسات الأطفال القائمة. ويتفاوت حجم الأثر، إذ تكون الانخفاضات في الفقر أكبر في البلدان التي ترتفع فيها مخاطر فقر الأطفال مسبقاً، وأصغر في البلدان التي تقارب معدلاتها 10% أو تقل عنها. والبلدان التي لديها إعانات شاملة للأطفال قائمة بالفعل، كبلدان الشمال الأوروبي، تسجل معدلات فقر أدنى إجمالاً، ومع ذلك فإن زيادة الكفاية ستحسن الآثار المضادة للفقر عموماً.

وفي المتوسط في هذه البلدان، يمكن لإعانات الأطفال الشاملة أن تخفض الفقر بمقدار 5 نقاط مئوية، أي ما يعادل انخفاضاً بنسبة 39% في عدد الأطفال الذين يعانون الفقر. وفي السنوات الأخيرة، اعتمدت عدة بلدان إعانات شاملة للأطفال، وتدرس بلدان كثيرة أخرى هذا الخيار. وتشير الأدلة إلى أن إعانات الأطفال الشاملة وسيلة بسيطة وفعالة للتصدي للتحدي المزدوج المتمثل في تعظيم تغطية الحماية الاجتماعية للأطفال ومعالجة التحدي المستمر لمخاطر فقر الدخل لدى الأطفال.

4.1.3 حالة التغطية الفعلية للأطفال

تشير البيانات الحالية عن التغطية الفعلية إلى أن 23.9% فقط من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و18 عاماً مشمولون. ويعني ذلك أن الغالبية العظمى من الأطفال، أي 1.8 مليار طفل دون سن الثامنة عشرة، غير مشمولين. ولا يحصل على إعانات نقدية للأطفال أو الأسر سوى أقل من طفل واحد من كل عشرة أطفال، أي 7.6%، في البلدان المنخفضة الدخل، مما يترك الملايين عرضة للانقطاع عن التعليم وسوء التغذية والفقر وعدم المساواة، ويعرضهم لآثار طويلة الأمد. ومع أن عدد الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و18 عاماً في العالم يبلغ نحو 2.4 مليار طفل، فإن بيانات التغطية الفعلية للأطفال دون الثامنة عشرة لا تتوافر إلا لعام 2023 بسبب قيود البيانات.

ولا تتوافر بيانات الاتجاهات المتعلقة بالتغطية الفعلية الواردة أدناه حالياً إلا للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و15 عاماً، ويبلغ عددهم ملياري طفل، منهم 1.4 مليار طفل لا يتمتعون بأي تغطية فعلية بالحماية الاجتماعية. وتبين هذه البيانات أنه منذ اعتماد أهداف التنمية المستدامة عام 2015، شهدت تغطية إعانات الأطفال زيادة عالمية متواضعة، من 22.1% في عام 2015 إلى 28.2% في عام 2023.

ولا تزال هناك تفاوتات إقليمية كبيرة، إذ تتباين معدلات التغطية الفعلية تبايناً كبيراً بين الأقاليم، وكذلك التحسن في التغطية منذ عام 2015. ففي الدول العربية، ارتفعت المعدلات من 12.3% إلى 14.2%. وفي أوروبا وآسيا الوسطى، ارتفعت التغطية ارتفاعاً طفيفاً من 74.4% إلى 76.6%. وشهدت الأمريكتان تحسناً أوضح، إذ ارتفعت المعدلات من 49.6% إلى 54.9%. وفي أفريقيا، ارتفعت التغطية من 9.2% إلى 15.4%. وشهد إقليم آسيا والمحيط الهادئ أكبر زيادة، من 14.3% إلى 22.4%. غير أن هذا التقدم ينبغي ألا يحجب حقيقة أن أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ لا تزالان تضمان أعداداً مطلقة هائلة من الأطفال غير المشمولين، تبلغ 492.8 مليون طفل و764.8 مليون طفل على التوالي.

وفي البلدان المنخفضة الدخل، ارتفعت المعدلات من 4.5% في عام 2015 إلى 8.7% في عام 2023. ومع حدوث تقدم، فإنه بطيء جداً ولا يزال غير كاف على نحو مؤسف. إذ لا تزال البلدان المنخفضة الدخل تعاني من أزمات إنسانية ممتدة وتقف في الخط الأمامي للانهيار المناخي، مما يحبس الأطفال في حلقة دائمة من الفقر. وخلال الفترة ذاتها، حققت البلدان المتوسطة الدخل من الشريحتين الدنيا والعليا تقدماً أكبر بكثير، إذ ارتفعت التغطية من 15.0% إلى 23.5% ومن 21.8% إلى 27.8% على التوالي. وتواصل البلدان المرتفعة الدخل الاقتراب من تحقيق التغطية الشاملة، إذ ارتفعت المعدلات من 76.8% إلى 80.5%، لكنها لا تزال تترك طفلاً واحداً من كل خمسة أطفال دون تغطية.

والأطفال الأقل تغطية هم الأكثر عرضة للمخاطر المناخية. إذ يبين التحليل أن معدلات تغطية الأطفال في البلدان الشديدة التأثر بتغير المناخ أدنى بمقدار الثلث من معدلاتها في البلدان غير المصنفة بوصفها عالية المخاطر. وجميع البلدان المنخفضة الدخل، باستثناء بلد واحد، تجمع بين ارتفاع المخاطر المناخية وانخفاض تغطية الحماية الاجتماعية، وتقع غالبية البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا أيضاً في الفئة ذاتها. ويبرز هذا النمط قلقاً مزدوجاً إزاء فقر الأطفال وعدم المساواة داخل البلدان وفيما بينها، إذ تكون الحماية الاجتماعية أقل توافراً في أنحاء العالم التي تشتد فيها الحاجة إليها.

4.1.4 كفاية الحماية الاجتماعية للأطفال

ينبغي أن تكون الإعانات كافية لتحقيق الأهداف المعلنة للنظم، كالإسهام في تكاليف تربية الأطفال وأهداف التغذية. وينبغي أيضاً أن تكون كافية لتحقيق أهداف معايير الضمان الاجتماعي الدولية، التي تشدد على أهمية الكفاية، ومبادئها الرئيسية التي ينبغي أن توجه تصميم كل إعانة من إعانات الحماية الاجتماعية وتنفيذها، بما في ذلك الربط المنتظم بالأسعار. وحتى حين تستوفي البلدان هذا الحد الأدنى المحدد، ينبغي لها، حيثما يسمح الحيز المالي، أن تنظر في مستويات أعلى من الإنفاق على الأطفال، فالاتفاقية رقم 102 تحدد حداً أدنى لا سقفاً. وقد شددت لجنة خبراء منظمة العمل الدولية المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات مؤخراً على أهمية معايير مرجعية أكثر ملاءمة، إذ لا تزال مستويات الإعانات منخفضة جداً في كثير من البلدان، وهو ما قد يعني الحاجة إلى معيار دولي أعلى للضمان الاجتماعي في فرع الإعانات الأسرية وإعانات الأطفال.

وتتطلب الكفاية أيضاً أن تضمن البلدان تحديد الإعانات عند المستوى الملائم لمختلف الظروف الأسرية، مع مراعاة العمر وحجم الأسرة وبنيتها ومكان إقامتها، وأن تُحدَّث بانتظام لمواكبة التغيرات في تكاليف المعيشة. وقد تستحق الزيادات القائمة على الإعاقة أو النوع الاجتماعي أو الانتماء العرقي أو غيرها من المؤشرات الدالة على الهشاشة الشديدة النظر في سياقات التمييز أو الحرمان المنهجي.

ولا تقتصر الكفاية على القيمة التي تُحدَّد بها إعانات الأطفال والأسر، بل تشمل أيضاً كفاية الإعانات الأخرى التي يمكن أن تؤثر إيجاباً في رفاه الأطفال. فحيثما توجد مجموعة شاملة من الحماية الوافية على مدار دورة الحياة لفئات أخرى، كالأشخاص في سن العمل وأصحاب المعاشات في الأسر التي لديها أطفال، فإن ذلك يحمي أيضاً رفاه الأطفال. فالإعانات النقدية للأطفال والأسر، ولا سيما الإعانات الشاملة أو شبه الشاملة بما فيها الإعانات الشاملة للأطفال ذوي الإعاقة، تتصدى للفقر والهشاشة عموماً، كما تسهم الإعانات الثماني الأخرى لدورة الحياة، وهي الحماية من البطالة وحماية الأمومة ومعاشات الشيخوخة والحماية من الإعاقة والحماية الصحية الاجتماعية وإعانات المرض والتعويض عن إصابات العمل وإعانات الورثة ولا سيما إعانات الأيتام، في معالجة الصدمات الفردية والجماعية التي تجعل الأسر عرضة للفقر، كالإصابة والمرض وصعوبة الوصول إلى المدارس وارتفاع تكاليف التعليم وفقدان الوظيفة والإعاقة الطويلة الأمد وانعدام أمن الدخل المرتبط بالشيخوخة.

4.1.5 سد الفجوة المالية في الحماية الاجتماعية للأطفال

يتطلب ضمان حماية اجتماعية وافية تخصيص موارد كافية للأطفال والأسر. غير أن متوسط الإنفاق على الحماية الاجتماعية للأطفال، باستثناء الإنفاق الصحي، لا يتجاوز حالياً 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي على الصعيد العالمي، مع تفاوت كبير بين البلدان. فبينما تنفق بلدان أوروبا وآسيا الوسطى أكثر من 1% من الناتج المحلي الإجمالي، تظل نسب الإنفاق دون هذه العتبة بكثير في أنحاء أخرى من العالم. وتُظهر التقديرات الإقليمية لأفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ والأمريكتين مستويات إنفاق تبلغ 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي أو أقل. ويتخلف متوسط مستوى الإنفاق البالغ 0.2% و0.4% فقط من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا على التوالي عن الإنفاق البالغ 1.0% من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان المرتفعة الدخل.

ويتطلب العمل المناخي الرامي إلى ضمان العدالة الاجتماعية للأطفال إنفاقاً أكثر إنصافاً بين الأجيال وسد فجوة التمويل. فما يُنفق حالياً على الحماية الاجتماعية قليل جداً، وما يُخصص من هذا الإنفاق للأطفال قليل جداً أيضاً، ولا سيما في السنوات الأولى من العمر. فعلى الصعيد العالمي، لا يُنفق على الأطفال سوى 3.8% من إجمالي الإنفاق على الحماية الاجتماعية، مقابل 33.0% على الرعاية الصحية و38.7% على المعاشات التقاعدية و24.6% على إعانات السكان في سن العمل. ومع أن الأطفال يتمتعون بحماية غير مباشرة من خلال الإعانات التي يتلقاها البالغون في أسرهم، فإن توزيع الإنفاق هذا لا يزال غير متناسب إلى حد كبير ولا يركز بالقدر الكافي على الأطفال.

ويكمن التحدي الأكبر لسد فجوات التغطية بالحماية للأطفال في سد فجوة تمويل الحماية الاجتماعية. فلضمان مستوى أساسي على الأقل من الضمان الاجتماعي لجميع الأطفال، ستحتاج البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا إلى استثمار 88.8 مليار دولار أمريكي إضافية سنوياً، والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا إلى 98.1 مليار دولار أمريكي إضافية، أي ما يعادل 1% و0.3% من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي. وستحتاج البلدان المنخفضة الدخل إلى استثمار 59.6 مليار دولار أمريكي إضافية، أي ما يعادل 10.1% من ناتجها المحلي الإجمالي.

وثمة أيضاً فرصة لسد فجوة التمويل واستكشاف كيفية تسخير التمويل المناخي للحماية الاجتماعية. فنظراً إلى أن الأطفال يتحملون العبء الأكبر للأزمات المناخية رغم أنهم الأقل إسهاماً فيها، واعترافاً بالدور الذي يمكن أن تؤديه الحماية الاجتماعية في العمل المناخي، يمكن النظر في التمويل المناخي للمساعدة على سد فجوة التمويل والإسهام في سد فجوات التغطية. ومع إمكانية النظر في مصادر متعددة للتمويل المناخي، كالتمويل المناخي العام الدولي والاستثمار الخاص الدولي وأسواق الكربون الوطنية والدولية والتمويل المحلي، فإن التمويل المناخي الدولي ينبغي ألا يقتطع من التمويل المتاح لتلبية الاحتياجات الإنمائية والإنسانية. ويشير التحليل إلى أن أكثر من نصف التمويل المناخي الذي حشدته البلدان المتقدمة منذ عام 2018 لم يكن إضافياً إلى المساعدة الإنمائية القائمة.

4.1.6 الأولويات والتوصيات

للاستجابة لاحتياجات الأطفال المعتادة على مدار مسار حياتهم، وللأزمة المناخية، وللانتقال العادل نحو اقتصادات ومجتمعات مستدامة بيئياً، ستكون الحماية الاجتماعية أكثر أهمية من أي وقت مضى. ويتطلب ذلك ما يلي:

تسريع التقدم نحو التغطية الشاملة وشمول جميع الأطفال تدريجياً. فبإمكان جميع البلدان تقريباً تحسين ما تقدمه من إعانات للأطفال، وثمة طرق مختلفة لتحقيق التغطية الشاملة. إذ يمكن للبلدان أن تعمل على إعمال إعانة الأطفال تدريجياً، فتستحدث إعانة محددة بفئة عمرية، كالأطفال من الولادة حتى سن الثانية، ثم تبني تدريجياً نحو إعانة أكثر شمولاً، والأمثل أن تكون إعانة شاملة كاملة للأطفال من الولادة حتى سن الثامنة عشرة وما بعدها. ويوفر متتبع إعانات الأطفال الذي أطلق مؤخراً منصة إلكترونية لرصد حصول الأطفال على الإعانات والدعوة إلى سد فجوات الحماية.

ضمان مستويات وافية من الإعانات. فلكي تكون التغطية تحويلية، يجب أن تقدم إعانات بقيم مرتفعة بما يكفي لإحداث تغيير ملموس في حياة الأطفال ورفاههم. ومن الحكمة تقديم زيادات في المراحل الحرجة من مسار الحياة، كالسنتين الأوليين من العمر.

توفير مجموعة شاملة من الإعانات. فمع أن أدوات الحماية الاجتماعية الموجهة للأسر التي لديها أطفال حاسمة لضمان رفاههم، فإن الأدلة تشير أيضاً إلى الدور الواضح لأدوات الحماية الاجتماعية الأخرى على مدار دورة الحياة. فالقوة المشتركة للحماية على مدار دورة الحياة تفضي إلى حد أقوى من محركات تراجع الرفاه من خلال نهج على مستوى النظام بأكمله.

بناء نظم حماية اجتماعية قائمة على الحقوق ومستجيبة للاعتبارات الجنسانية وشاملة. فضمان رفاه الأطفال ومعالجة الظروف التي تؤثر فيهم سلباً يتطلبان نظماً وبرامج متينة للحماية الاجتماعية، يجب أن تكون مكرسة في القانون وقائمة على الحقوق وشاملة في جميع أبعادها، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر النوع الاجتماعي والإعاقة ووضع الهجرة والعرق والانتماء العرقي، وأن تكون منسقة تنسيقاً جيداً مع الخدمات الاجتماعية وسياسات الرعاية والسياسات الصديقة للأسرة وفرص العمل اللائق للوالدين ومقدمي الرعاية.

ضمان ربط نظم الحماية الاجتماعية بخدمات الرعاية والدعم الأوسع وبسياسات العمل اللائق. فالحماية الاجتماعية الوافية على مدار دورة الحياة، إلى جانب رعاية الأطفال وتعليمهم والعمل اللائق للوالدين وغيرهم من مقدمي الرعاية، أمر حاسم لرفاه الأطفال. ويعني ذلك أيضاً توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل العاملين في الاقتصاد غير المنظم وحماية العمال في جميع أشكال العمالة.

تعزيز القدرة على الاستجابة للصدمات، وهو أمر حاسم لحماية الأطفال في عالم يمزقه الانهيار المناخي وغيره من الأزمات. فوجود نظم شاملة يمكّن البلدان من الاستجابة بسرعة، ومن مواءمة الاستجابة الإنسانية عند الضرورة مع خطة تعزيز النظم الوطنية، ومن معالجة التحديات المعتادة لدورة الحياة. ومن ثم يلزم أيضاً بذل جهد كبير لضمان جاهزية نظم الحماية الاجتماعية وبرامجها قبل وقوع الأزمات، مع توجيه استجابة سريعة وفعالة للصدمات لتجنب الآثار السلبية على رفاه الأطفال أو التخفيف منها.

ضمان تمويل مستدام ومنصف لنظم الحماية الاجتماعية. فحشد استثمارات إضافية للحماية الاجتماعية أمر محوري، وقد يكون الاستفادة من تمويل الخسائر والأضرار خياراً متاحاً. فمن شأن ذلك أن يعوض الأطفال عن التهديد المناخي الذي يواجهونه وعن الإفراط في استخدام الوقود الأحفوري من جانب الأجيال السابقة، وأن يمكّنهم من الاستثمار في بناء القدرات التي يتطلبها اقتصاد أكثر اخضراراً. وسيمثل الاستثمار الآن عملاً من أعمال التضامن بين الأجيال والعدالة الاجتماعية التصالحية والتوزيعية، وسيحمي حقوق الأطفال في الأجيال القادمة.

4.2 الحماية الاجتماعية للنساء والرجال في سن العمل

الرسائل الرئيسية

يتطلب الانتقال العادل نحو اقتصادات ومجتمعات مستدامة بيئياً حماية اجتماعية وافية للأشخاص في سن العمل للحد من هشاشتهم، ودعمهم في مواجهة الصدمات والأحداث البطيئة الحدوث، وفي إنجاز انتقالاتهم في سوق العمل.

غير أن الأشخاص في سن العمل لا يزالون يواجهون في كثير من البلدان فجوات كبيرة في التغطية فيما يتعلق بمخاطر دورة الحياة، كالمرض والأمومة والإعاقة وإصابات العمل والبطالة ووفاة المعيل. ويزيد انعدام أمن الدخل من هشاشة الناس ويستنزف قدراتهم على التكيف مع الظروف المتغيرة، بما فيها المخاطر المناخية.

وتغطية الحماية الاجتماعية عنصر أساسي من عناصر العمل اللائق، ولا غنى عنها للأشخاص العاجزين عن العمل مؤقتاً أو بصورة دائمة. فهي تحمي قدراتهم وتعززها، وتمنع الفقر، وتمكّنهم من اجتياز التغيير، وتسهم في تعاف شامل من الأزمات.

وعلى الصعيد العالمي، يُخصَّص 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العام على الحماية الاجتماعية غير الصحية للأشخاص في سن العمل. وبينما تخصص البلدان المرتفعة الدخل 6.3% من ناتجها المحلي الإجمالي لأمن دخل الأشخاص في سن العمل، لا تستطيع البلدان المنخفضة الدخل تخصيص سوى 0.4%، مما يفضي إلى فجوات كبيرة في الحماية الاجتماعية لعمالها. والتفاوت الإقليمي في الإنفاق على الحماية الاجتماعية كبير، إذ يتراوح بين 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية و7.1% في الأمريكتين.

ولا تزال بلدان كثيرة تفتقر إلى نظم إعانات للضمان الاجتماعي ممولة جماعياً تكفل أمن الدخل في حالات الأمومة والمرض والبطالة وإصابات العمل. وحيث تكون الآليات الوحيدة المتاحة قائمة على مسؤولية صاحب العمل أو على ترتيبات خاصة، كثيراً ما تكون النتائج دون المستوى الأمثل من حيث التغطية والإنصاف والاستدامة. ويمكن لاستحداث آليات ممولة جماعياً من خلال التأمين الاجتماعي أو الضرائب العامة أو كليهما أن يوفر تغطية أوسع وإعانات أكثر موثوقية.

ويكتسي التنسيق الفعال بين سياسات الحماية الاجتماعية وسياسات العمالة وسوق العمل والأجور والضرائب أهمية حاسمة لضمان تعاف شامل وغني بفرص العمل من الأزمات.

4.2.1 مقدمة: جعل أمن الدخل واقعاً

تتطلب التحولات الجارية في الاقتصادات والمجتمعات، سواء كانت مرتبطة بالأزمة المناخية أو بالابتكارات التكنولوجية أو بالتغير الديمغرافي، حماية اجتماعية وافية خلال سن العمل. فالحماية الاجتماعية الوافية أداة رئيسية للحد من الهشاشة وتعزيز القدرة على الصمود، بما يمكّن الأفراد والمجتمعات والاقتصادات من التكيف مع التغيير.

ومع أن العمل المدر للدخل هو المصدر الرئيسي لدخل الأشخاص في سن العمل، فإن للحماية الاجتماعية دوراً تمكينياً مهماً. فهي تمكّن الناس من الانخراط في عمالة لائقة ومنتجة، وتحمي قدراتهم وتعززها، وتيسر تحقيق توازن صحي بين العمل والمسؤوليات الأسرية، وتكفل حياة كريمة. ووفقاً لأحدث التقديرات النموذجية لمنظمة العمل الدولية، فإن 60.5% من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر نشطون اقتصادياً ويكسبون رزقهم من أنشطة مدرة للدخل، بواقع 72.9% من الرجال و48.2% من النساء. ومع ذلك، يجد كثيرون أنفسهم في ترتيبات عمل هشة وغير آمنة، بما في ذلك في الاقتصاد غير المنظم، مع محدودية الأمن الوظيفي وأمن الدخل وسوء ظروف العمل. فعلى الصعيد العالمي، يعمل أكثر من ملياري شخص في العمالة غير المنظمة، أي 57.8% من القوى العاملة، بواقع 55.2% من النساء و59.6% من الرجال. ويعد المستخدمون في عمالة غير منظمة إذا كان صاحب العمل لا يسدد عنهم اشتراكات الضمان الاجتماعي، أو كانت هذه المعلومات غير متاحة، أو كانوا لا يتمتعون بإجازة سنوية أو مرضية مدفوعة الأجر. وفضلاً عن ذلك، يعيش 241 مليون شخص في فقر عمالي مدقع، أي أنهم يعيشون في فقر مدقع رغم أنهم يعملون. وتؤدي شريحة كبيرة أخرى من سكان العالم، معظمهم من النساء، أعمال الرعاية والأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر، كثيراً ما تكون إضافة إلى العمل المأجور. ويحتاج جميع هؤلاء الأشخاص في سن العمل إلى الحماية الاجتماعية، سواء كانوا في عمل مأجور أم لا، وسواء كانوا مستخدمين أو عاملين لحسابهم الخاص، أو يبحثون عن عمل، أو عاجزين عن العمل مؤقتاً أو بصورة دائمة، أو ملتحقين بالتعليم.

ومن خلال التعويض الجزئي أو الكلي عن الدخل المفقود وتقديم دعم الدخل للمتضررين، أثبتت نظم الحماية الاجتماعية أنها محورية في حماية القدرات البشرية وتعزيزها، وتحقيق استقرار الدخل على مدار حياة الناس، وتثبيت الطلب الكلي. ويشمل ذلك أمن الدخل في حالات الأمومة والمرض وإصابات العمل والإعاقة والبطالة ووفاة المعيل، ويساعد الناس على إيجاد عمل لائق ومنتج والحفاظ عليه. كما تيسر الحماية الاجتماعية الحصول الفعلي على الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات. وفضلاً عن ذلك، تسهم في حياة أكثر صحة من خلال تعزيز المحددات الاجتماعية للصحة، وفي العمل اللائق في اقتصاد الرعاية.

ومع أن بعض البلدان استوعبت دروس جائحة كوفيد 19 وغيرها من الأزمات واستثمرت في تعزيز نظم الحماية الاجتماعية لديها، فإن الكثير لا يزال يتعين القيام به لضمان أن يتمتع الأشخاص في سن العمل بالحماية الكاملة التي يحتاجون إليها من أجل الانخراط في عمالة لائقة ومنتجة، والاستفادة من أمن الدخل أيضاً في الأوقات التي يعجزون فيها عن العمل مؤقتاً أو بصورة دائمة، والتوفيق بين مسؤولياتهم في العمل والأسرة.

وترتبط فجوات التغطية الكبيرة بنقص كبير في الاستثمار في الحماية الاجتماعية للأشخاص في سن العمل، بما في ذلك إعانات الأمومة والبطالة وإصابات العمل والإعاقة والورثة والمساعدة الاجتماعية العامة، باستثناء الرعاية الصحية. فعلى الصعيد العالمي، تخصص البلدان في المتوسط 4.8% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الاجتماعي غير الصحي على الأشخاص في سن العمل، يتراوح بين 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان المرتفعة الدخل و0.4% فقط في البلدان المنخفضة الدخل. والتفاوتات الإقليمية كبيرة أيضاً، إذ تتراوح بين 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية و1.5% في أفريقيا و2.4% في آسيا والمحيط الهادئ، و5.5% في أوروبا وآسيا الوسطى و7.1% في الأمريكتين. وتبين المقارنة بحصة السكان في سن العمل من إجمالي السكان أن العوامل الديمغرافية لا تفسر سوى جزء من التفاوت الإقليمي ومن التخلف النسبي لبرامج الحماية الاجتماعية للأشخاص في سن العمل.

ومع أن الحماية الاجتماعية تؤدي دوراً أساسياً في ضمان أمن الدخل، فمن الواضح أن أمن الدخل لا يمكن تحقيقه بنظم الحماية الاجتماعية وحدها. فلتعزيز العمل اللائق، يجب أن تُنسَّق سياسات الحماية الاجتماعية تنسيقاً جيداً مع السياسات في المجالات الأخرى، ولا سيما سياسات سوق العمل والعمالة، بما فيها سياسات سوق العمل النشطة، وحماية العمالة، والسلامة والصحة المهنيتين، والأجور بما فيها الحد الأدنى للأجور، والمفاوضة الجماعية. وستستفيد سياسات الحماية الاجتماعية أيضاً من مواءمتها مع السياسات التي تدعم تنظيم المنشآت والعمالة، والسياسات التي تدعم العمال ذوي المسؤوليات الأسرية ومسؤوليات الرعاية، والسياسات الرامية إلى تعزيز المساواة بين الجنسين في العمالة. وتبرز التوصية رقم 202 الروابط بين الحماية الاجتماعية ومجالات السياسة الأخرى، وتؤكد مسؤولية كل بلد عن تنفيذ المزيج الأكثر فعالية وكفاءة من الإعانات والنظم في سياقه الوطني، باختياره من بين طائفة تشمل نظم الإعانات الشاملة ونظم التأمين الاجتماعي ونظم المساعدة الاجتماعية ونظم ضريبة الدخل السلبية ونظم التشغيل العام ونظم دعم العمالة. ولا غنى عن هذا النهج المتكامل لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وضمان العمل اللائق والعدالة الاجتماعية للجميع.

وينقسم ما تبقى من هذا القسم إلى خمسة أقسام فرعية تتناول على التوالي مجالات الضمان الاجتماعي الأكثر صلة بالأشخاص في سن العمل، وهي: حماية الأمومة وإعانات إجازة الأبوة والإجازة الوالدية؛ وإعانات المرض؛ والحماية من إصابات العمل؛ وإعانات الإعاقة؛ والحماية من البطالة.

ويتناول كل قسم من هذه الأقسام الفرعية النظم القائمة على الاشتراكات وغير القائمة عليها، التي تكفل معاً تغطية شاملة بإعانات وافية استناداً إلى آليات تمويل مستدامة ومنصفة. ومع أن التركيز ينصب أساساً على الإعانات النقدية، فإن المناقشة ستراعي أيضاً أن الإعانات العينية، ولا سيما الرعاية الصحية والرعاية وغيرها من الخدمات الاجتماعية، كخدمات التوظيف وبرامج تنمية المهارات ومرافق رعاية الأطفال وخدمات الرعاية الطويلة الأجل، تؤدي دوراً كبيراً في ضمان أمن الدخل للأشخاص في سن العمل، ولا سيما للنساء. وتسهم هذه النظم مجتمعة في بناء النظم الوطنية للحماية الاجتماعية، بما فيها الأرضيات.

4.2.2 حماية الأمومة وإعانات إجازة الأبوة والإجازة الوالدية

الرسائل الرئيسية

للتعرض لمخاطر تغير المناخ، كالحرارة الشديدة والظواهر الجوية وتلوث الهواء، عواقب على اعتلال الأمهات والمواليد ووفياتهم، بما في ذلك سكري الحمل واضطرابات ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل والولادة المبكرة وانخفاض الوزن عند الولادة وولادة جنين ميت، فضلاً عن التعرض للأمراض المنقولة بالنواقل. ولهذه الآثار انعكاسات على حماية الأمومة، إذ تزيد الطلب على نظم الرعاية الصحية ورعاية الأمومة. ومع ذلك، لا تزال أوجه عدم المساواة في الحصول على خدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال قائمة، مع فوارق كبيرة داخل البلدان وفيما بينها بحسب الدخل والمستوى التعليمي ومكان الإقامة.

وتعد إعانات الأمومة وتوفير رعاية الأمومة أمرين حاسمين لضمان ألا تُجبر النساء في المراحل الأخيرة من الحمل وبعد الولادة على مواصلة العمل، وألا يعرّضن أنفسهن وأطفالهن لمخاطر صحية جسيمة. وتدعم هذه الإعانات أمن الدخل مباشرة، فتعالج بذلك بعض المحددات الاجتماعية الرئيسية لاعتلال صحة الأمهات والأطفال ونماء الطفولة المبكرة.

ولم تحصل على إعانة أمومة نقدية في عام 2023 سوى أكثر بقليل من ثلث النساء اللواتي لديهن مواليد جدد في العالم، أي 36.4%، بزيادة طفيفة مقارنة بنسبة 29.6% في عام 2015. وتتفاوت التغطية تفاوتاً كبيراً بين الأقاليم ومستويات الدخل، إذ تقترب تغطية النساء اللواتي ينجبن من الشمول في معظم أوروبا، مقارنة بنسبة لا تتجاوز 2.6% في البلدان المنخفضة الدخل و5.9% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وبالمثل، لا تتوافر رعاية الأمومة المجانية للجميع.

وتشمل حماية الأمومة أمن الدخل من خلال الإعانات النقدية، وسياسات الإجازات، والحصول الفعلي على خدمات رعاية صحية مجانية وجيدة للأمهات والمواليد. وفضلاً عن ذلك، تعد تدخلات العمالة وسوق العمل، كحماية العمالة وعدم التمييز، وحلول رعاية الأطفال بعد العودة إلى العمل، والتدابير الملائمة للسلامة والصحة المهنيتين، ومرافق الرضاعة الطبيعية في مكان العمل، مهمة لتوفير حماية وافية للحوامل والأمهات الجدد.

ويعد التوفير الملائم لإجازة أبوة مدفوعة الأجر مكملاً مهماً لسياسات حماية الأمومة، ويسهم في تقاسم أكثر إنصافاً للمسؤوليات الأسرية وغيرها من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر. ففي عام 2021، كان 115 بلداً من أصل 185 بلداً شملها مسح منظمة العمل الدولية يمنح الحق في إجازة أبوة مدفوعة الأجر، بمتوسط مدة يبلغ تسعة أيام.

أهمية تعزيز حماية الأمومة في ظل مناخ متغير

تعد حماية الأمومة أمراً حاسماً لمنع الفقر والهشاشة والتخفيف منهما، وتعزيز صحة الأمهات والمواليد وتغذيتهم ورفاههم عموماً، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتكريس حياة كريمة للجميع منذ البداية. وتشمل أحكاماً كدعم الدخل والحصول على رعاية صحة الأمهات وإجازة الأمومة مدفوعة الأجر ووقت الرضاعة الطبيعية والضمانات ضد التمييز في العمالة والإجازة الوالدية والحق في العودة إلى العمل وخيارات رعاية الأطفال عند العودة إلى العمل. ومع أن هذه في معظمها تدابير لحماية العمل، فإن هذا القسم يركز على تدابير حماية الأمومة المتعلقة بالحماية الاجتماعية، أي إعانات الأمومة النقدية ورعاية الأمومة المجانية. ونظم الحماية الاجتماعية أساسية للحد من الآثار السلبية للأزمة المناخية على الحوامل والنساء في سن الإنجاب وأطفالهن.

وبوصفها عنصراً أساسياً في حماية الأمومة والحماية الصحية الاجتماعية، توفر رعاية صحة الأمهات الجيدة ودون مشقة حصولاً فعلياً على رعاية صحية وخدمات ملائمة، بما فيها خدمات الصحة الإنجابية، أثناء الحمل والولادة وما بعدهما، وترفع الحواجز المالية لضمان صحة الأمهات والأطفال على حد سواء. وكما هو الحال في الحماية الصحية الاجتماعية عموماً، فإن انعدام التغطية يعرض صحة النساء والأطفال للخطر، ويعرض الأسر لخطر فقر متزايد إلى حد كبير، وقد يكون حافزاً على العزوف عن الرعاية.

ويؤثر تغير المناخ في الحوامل بصورة مباشرة وغير مباشرة، على المدى الطويل والقصير، وقد ينجم عن أحداث مفاجئة أو بطيئة الحدوث. فالتهديد الذي تمثله الأزمة المناخية لسبل العيش، ولا سيما لدى الفئات المستضعفة، يؤثر في المحددات الاجتماعية للصحة ويزيد المخاطر الصحية التي تواجهها الحوامل والمرتبطة بانعدام أمن الدخل وسوء التغذية والمياه والنظافة الصحية والصرف الصحي والحصول على الخدمات الصحية. وتؤثر الهجرة القسرية والنزوح الناجمان عن فقدان سبل العيش أو الصدمات والكوارث البيئية سلباً في صحة جميع أفراد المجتمعات المتضررة، لكنهما قد يشكلان أشد الخطر على حياة الحوامل والأمهات الجدد والمواليد الذين هم في حاجة ماسة إلى التغذية الملائمة والحصول على الرعاية الصحية والراحة الكافية. وتبين مجموعة كبيرة من الدراسات أن التعرض لمخاطر تغير المناخ، كالحرارة الشديدة والظواهر الجوية المعاكسة وتلوث الهواء، تترتب عليه عواقب على اعتلال الأمهات والمواليد ووفياتهم، بما في ذلك سكري الحمل واضطرابات ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل والولادة المبكرة وانخفاض الوزن عند الولادة وولادة جنين ميت، فضلاً عن التعرض للأمراض المنقولة بالنواقل. كما يمكن للتعرض المباشر وغير المباشر للمخاطر المناخية أن يؤثر في الصحة النفسية، فيزيد خطر الإجهاد والقلق والاكتئاب، وهي عوامل خطر معروفة لنتائج سلبية في الفترة المحيطة بالولادة. والنساء العاملات في الاقتصاد غير المنظم معرضات بوجه خاص لمخاطر انعدام أمن الدخل واعتلال الصحة بسبب التمييز، وظروف العمل غير الآمنة وغير المستقرة، وانعدام حماية العمالة، والدخول المنخفضة والمتقلبة في الغالب، ومحدودية حرية تكوين الجمعيات، وانعدام التمثيل في عمليات المفاوضة الجماعية، وعدم الحصول على التأمين الاجتماعي.

وفي ضوء هذه المخاطر المتزايدة، يكتسي توفير حماية وافية للأمومة أهمية قصوى. ومع ذلك، تشير الأدلة إلى فجوات كبيرة في تغطية الإعانات والخدمات التي ينبغي أن تحصل عليها الحوامل ومواليدهن وفي كفايتها وشمولها وتمويلها.

نهج شامل لحماية الأمومة

وفقاً لمعايير العمل الدولية، لا تشمل حماية الأمومة أمن الدخل والحصول على رعاية صحة الأمهات المجانية فحسب، بل تشمل أيضاً الحق في التوقف عن أنشطة العمل والراحة والتعافي في الفترة المحيطة بالولادة. وتكفل حماية حق المرأة في العمل وحقوقها في العمل أثناء الأمومة وبعدها، من خلال تدابير تمنع المخاطر، وتحمي الحوامل من ظروف العمل وبيئاته غير الصحية وغير الآمنة، وتصون وظائفهن، وتحميهن من التمييز والفصل، وتتيح لهن العودة إلى وظائفهن بعد إجازة الأمومة بشروط تراعي ظروفهن الخاصة، بما فيها الحاجة إلى الرضاعة الطبيعية.

فحق المرأة في حماية الأمومة مكرس في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، الذي ينص على الحق في الضمان الاجتماعي وفي رعاية ومساعدة خاصتين للأمومة والطفولة. ويقر العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 حق الأمهات في حماية خاصة خلال فترة معقولة قبل الولادة وبعدها، تشمل الرعاية الصحية قبل الولادة وبعدها والإجازة المدفوعة الأجر أو الإجازة المصحوبة بإعانات ضمان اجتماعي ملائمة. وتوصي اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 باتخاذ تدابير خاصة لضمان حماية الأمومة، التي تُعلن حقاً أساسياً يتخلل جميع مجالات الاتفاقية.

ومنذ اعتماد منظمة العمل الدولية اتفاقية حماية الأمومة، 1919 (رقم 3)، في العام نفسه الذي تأسست فيه، اعتُمد عدد من الصكوك الأكثر تقدماً تماشياً مع الزيادة المطردة في مشاركة المرأة في سوق العمل في معظم بلدان العالم. ويحدد الجزء الثامن من اتفاقية الضمان الاجتماعي (المعايير الدنيا)، 1952 (رقم 102)، معايير دنيا للتغطية السكانية لنظم حماية الأمومة، بما فيها الإعانات النقدية أثناء إجازة الأمومة لمعالجة التوقف المؤقت عن الكسب. كما تحدد الاتفاقية الرعاية الطبية التي يجب تقديمها مجاناً في جميع مراحل الأمومة للحفاظ على صحة المرأة وقدرتها على العمل أو استعادتهما أو تحسينهما، وتنص على وجوب إتاحة رعاية صحة الأمهات المجانية للنساء ولزوجات الرجال المشمولين بنظم حماية الأمومة.

وتقدم اتفاقية حماية الأمومة، 2000 (رقم 183)، والتوصية المرافقة لها (رقم 191)، إرشادات تفصيلية لوضع السياسات الوطنية والعمل الوطني الرامي إلى ضمان ما يلي: منح النساء إجازة أمومة لا تقل عن 14 أسبوعاً تُدفع بمعدل لا يقل عن ثلثي الكسب السابق وفق الاتفاقية رقم 183، أو حتى 18 أسبوعاً بنسبة 100% وفق التوصية رقم 191؛ وتمتعهن بحماية العمالة أثناء الحمل وإجازة الأمومة والحق في العودة إلى المنصب نفسه أو منصب معادل؛ وتمتعهن بالحق في فترة أو أكثر للرضاعة يومياً أو بتخفيض يومي لساعات العمل لإرضاع أطفالهن؛ وعدم مطالبتهن بأداء عمل قررت السلطة المختصة أنه يضر بصحتهن أو بصحة أطفالهن.

ولحماية حقوق المرأة في سوق العمل وضمان ألا تكون الأمومة مصدراً للتمييز من جانب أصحاب العمل، تشترط معايير منظمة العمل الدولية بشأن حماية الأمومة تحديداً أن تُقدَّم الإعانات النقدية من خلال نظم قائمة على التضامن وتجميع المخاطر، كالتأمين الاجتماعي الإلزامي أو الأموال العامة، مع التقييد الصارم للمسؤولية المحتملة لأصحاب العمل عن التكلفة المباشرة للإعانات.

وتدعو التوصية رقم 202 إلى إتاحة الرعاية الصحية الأساسية، بما فيها رعاية الأمومة، وأمن الدخل الأساسي للأشخاص في سن العمل العاجزين عن كسب دخل كاف بسبب عوامل منها الأمومة. وينبغي أن تكون الإعانات النقدية كافية لتتيح للمرأة حياة كريمة خالية من الفقر. وينبغي أن تستوفي خدمات رعاية صحة الأمهات معايير التوافر وإمكانية الوصول والمقبولية والجودة، وأن تكون مجانية ولا تسبب مشقة أو تزيد خطر الفقر لمن يحتاجون إلى الرعاية الصحية. وينبغي منح إعانات الأمومة لجميع المقيمين في البلد. وتعزيزاً لهدف تحقيق الحماية الشاملة، تدعو توصية الانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم، 2015 (رقم 204)، إلى توسيع حماية الأمومة لتشمل جميع العاملين في الاقتصاد غير المنظم.

ومن منظور تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة بين النساء والرجال، تراعي حماية الأمومة الظروف والاحتياجات الخاصة للمرأة، بما يمكّنها من التمتع بحقوقها الاقتصادية أثناء تربية أسرتها. فعلى سبيل المثال، تبدأ حماية الأمومة حتى قبل الحمل، بقدرة المرأة على أن تقرر بحرية عدد الأطفال الذين ترغب في إنجابهم والفترات الفاصلة بينهم، من خلال الحصول على حقوق وخدمات جنسية وإنجابية بتكلفة معقولة وجودة جيدة. وفي غياب هذه الخدمات، تتحمل النساء العواقب الاجتماعية والاقتصادية والصحية للحمل غير المرغوب فيه أو الإجهاض غير المأمون، وهي عواقب شديدة بوجه خاص في حالة الأمهات المراهقات.

ويمكن لحماية الأمومة أيضاً أن تتصدى لـ"عقوبة الأمومة"، أي أوجه الحرمان التي تواجهها أمهات الأطفال الصغار مقارنة بالآباء أو بالنساء اللواتي ليس لديهن أطفال. فالأمهات أقل احتمالاً للعمل، ويتقاضين أجوراً أدنى، وأقل احتمالاً للعمل في مناصب إدارية أو قيادية مقارنة بالنساء اللواتي ليس لديهن أطفال والآباء والرجال الذين ليس لديهم أطفال.

الحصول على رعاية الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال

يعد الحصول الفعلي على خدمات الرعاية الصحية الملائمة قبل الولادة وبعدها دون مشقة للحوامل والأمهات اللواتي لديهن مواليد جدد مكوناً أساسياً لحماية الأمومة والحماية الصحية الاجتماعية على حد سواء. ويساعد جعل هذه الخدمات مجانية على رفع الحواجز المالية أمام الحصول على الرعاية الصحية، التي قد تكون شديدة بوجه خاص بالنسبة إلى النساء. ولذلك أهمية لتحسين صحة الأمهات والأطفال، وخفض وفيات الأمهات والأطفال، وبلوغ التغطية الصحية الشاملة، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وفقاً للغايات 3.1 و3.2 و3.8 و5.6 من أهداف التنمية المستدامة.

ويزداد ذلك أهمية لأن كثيراً من النساء يعانين من مضاعفات الحمل أو الولادة. فمع أن النسبة العالمية لوفيات الأمهات انخفضت بنسبة 34% بين عامي 2000 و2020، فقد توفيت 287 ألف امرأة في العالم لأسباب تتعلق بالأمومة في عام 2020، أي 223 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، وهو ما يعادل نحو 800 وفاة يومياً، أي وفاة واحدة كل دقيقتين تقريباً. ووقعت 95% من جميع وفيات الأمهات في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا.

وإلى جانب الحصول على خدمات صحية ملائمة ومجانية، تحدد عوامل اجتماعية واقتصادية كثيرة النتائج الصحية للحوامل. وتزداد هذه الظروف تأثراً بتغير المناخ، إذ يُتوقع أن يرتفع اعتلال الأمهات والمواليد ووفياتهم مع ازدياد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة. وسيزيد الأثر الصحي للأزمة المناخية على الحوامل من الطلب على النظام الصحي. ولذلك من المهم تدريب العاملين الصحيين على التوعية بالمخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ التي تواجهها الحوامل. وينبغي إدماج احتياجات الحوامل في تخطيط السياسات الصحية المراعية للمناخ لضمان الحصول الملائم على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال الأساسية. وسيتطلب ذلك أيضاً تمويلاً إضافياً لتلبية الاحتياجات غير الملباة حالياً والزيادات المستقبلية في الطلب. غير أن تحليل الاتجاهات في المؤشرات الفرعية للغاية 3.8.1 من أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال، التي تشمل تنظيم الأسرة والرعاية السابقة للولادة والتحصين ضد الخناق والكزاز والسعال الديكي وطلب الرعاية لعدوى الجهاز التنفسي الحادة، يبين تقدماً بطيئاً جداً في توافر هذه الخدمات خلال العقدين الماضيين، أي في الفترة من 2000 إلى 2021. فمتوسط التغيرات السنوية ظل دون 1% منذ عام 2000، ولم تُلاحظ أي تغيرات منذ عام 2015. وفضلاً عن ذلك، لا تزال أوجه عدم المساواة الكبيرة بين البلدان قائمة، إذ يتمتع سكان البلدان المرتفعة الدخل بحصول أفضل بكثير على الخدمات، بينما تتخلف البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا.

وبالمثل، لا تزال أوجه عدم المساواة داخل البلدان قائمة بحسب الوضع الاقتصادي والتعليم ومكان الإقامة في الحضر أو الريف. ويبين تحليل مجموعة فرعية تضم ما بين 78 و89 بلداً تتوافر عنها بيانات مصنفة وجود تدرج اجتماعي لافت في الحصول على خدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والأطفال، مع فارق يقارب 15 نقطة مئوية بين الخمس الأعلى، الذي يبلغ متوسط التغطية فيه 73%، والخمس الأدنى الذي تبلغ فيه 58%، وفارق إجمالي يتراوح بين 3 و4 نقاط مئوية بين كل خمس والذي يليه. وثمة أيضاً أوجه عدم مساواة بين سكان الحضر بنسبة 70% وسكان الريف بنسبة 63%، وبين من لم يتلقوا تعليماً بنسبة 56% ومن تلقوا تعليماً ثانوياً أو أعلى بنسبة 71%. وتسود أنماط عدم المساواة أيضاً عند النظر إلى التمييز المتقاطع. فعلى سبيل المثال، تبين أن النساء ذوات الإعاقة يُستبعدن بانتظام من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، ويواجهن خطراً إضافياً يتمثل في التعقيم القسري.

ولذلك يلزم بذل جهود خاصة لضمان الحصول الفعلي للحوامل من ذوات الإعاقة على هذه الخدمات، إذ يواجهن عوائق إضافية في تلبية احتياجاتهن من رعاية الصحة الجنسية والإنجابية، منها التصورات والقوالب النمطية المجتمعية الخاطئة حول حياتهن الجنسية، وعدم إمكانية الوصول إلى الخدمات أو المعلومات أو كليهما، والخوف من الإساءة.

تنوع النظم التي تقدم إعانات الأمومة

على الصعيد العالمي، لدى 157 من أصل 217 بلداً وإقليماً إعانات أمومة نقدية دورية مكرسة في التشريعات الوطنية، منها 142 لديها تأمين اجتماعي و11 لديها نظم ممولة من الضرائب ومرتبطة بالعمالة. ويعتمد 119 منها على التأمين الاجتماعي آلية وحيدة، و7 تجمع بينه وبين إعانات مشروطة باختبار الموارد، و16 تجمع بين التأمين الاجتماعي ومسؤولية صاحب العمل. ولدى أربعة بلدان وأقاليم إعانات أمومة شاملة ممولة من الضرائب، أحدها مقترن بمسؤولية صاحب العمل. ولا يزال ما مجموعه 49 بلداً يعتمد على آليات مسؤولية صاحب العمل وحدها، وهي آليات تطرح تحديات من حيث الحصول على الحماية وكفايتها.

وتوصي اتفاقية حماية الأمومة، 2000 (رقم 183)، بأن تستحدث البلدان إعانات أمومة ممولة جماعياً، عبر التأمين الاجتماعي أو الضرائب، بدلاً من الاعتماد على أحكام مسؤولية صاحب العمل. فذلك يحسن المساواة في معاملة الرجال والنساء في سوق العمل، لأنه ينقل عبء تحمل تكاليف إعانات الأمومة من صاحب العمل الفرد إلى المجموع، فيقلل التمييز ضد النساء في سن الإنجاب في التوظيف والعمل، ويقلل خطر عدم دفع صاحب العمل للتعويض المستحق. ويمكن لهذه الإصلاحات أيضاً أن تيسر تغطية النساء ذوات القدرة المحدودة على الاشتراك ومسارات العمل المتقطعة، بمن فيهن العاملات بدوام جزئي أو مؤقت، والعاملات لحسابهن الخاص.

تغطية إعانات الأمومة

على الصعيد العالمي، لا تحصل على إعانة نقدية تعوضها عن تراجع قدرتها على كسب الدخل في الفترة المحيطة بالولادة سوى أكثر بقليل من امرأة حامل واحدة من كل ثلاث. وقد ارتفعت التغطية السكانية الفعلية لإعانات الأمومة ارتفاعاً متواضعاً بين عامي 2015 و2023، من 29.6% إلى 36.4%، مع فوارق إقليمية هائلة. وقد شهدت جميع الأقاليم تقدماً، لكن الزيادات كانت أوضح بكثير في آسيا والمحيط الهادئ، إذ تجاوزت 13 نقطة مئوية، من 25.8% إلى 38.4%، وأقل في أفريقيا، من 4.3% إلى 6.7%، وفي أوروبا وآسيا الوسطى، من 77.4% إلى 79.4%. وكان التقدم أبطأ بكثير في البلدان المنخفضة الدخل، من 1.5% إلى 2.6%، وأسرع في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، من 25.9% إلى 36%. ويبين انخفاض التغطية الإجمالية وبطء التقدم في البلدان المنخفضة الدخل مدى تخلفها وانفصالها عن الاتجاهات العالمية.

وقد حقق 39 بلداً تغطية شبه شاملة، إذ تحصل أكثر من 80% من الحوامل فيها على إعانات أمومة نقدية، ومعظمها بلدان مرتفعة الدخل يقع أغلبها في أوروبا. في حين لا تزال التغطية دون 10% في 63 بلداً، يقع 39 منها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتبرز منغوليا بوصفها البلد الوحيد من البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا الذي يتمتع بتغطية شاملة. وبينما تُشمل 69.0% من النساء اللواتي ينجبن في البلدان المرتفعة الدخل، لا تتجاوز النسبة 2.6% في البلدان المنخفضة الدخل. وترتبط فجوات التغطية إلى حد كبير بانتشار العمالة غير المنظمة وانعدام الآليات الملائمة لتغطية النساء خارج العمالة المنظمة.

وتبلغ التغطية القانونية 46.6% عند احتساب التأمين الاجتماعي الإلزامي بنسبة 26.7% والإعانات الممولة من الضرائب بنسبة 19.9% معاً، مع مراعاة احتمال وجود بعض الازدواج في العد. ويشير الفارق البالغ 10 نقاط مئوية بين التغطية القانونية والفعلية إلى وجود فجوة في الإنفاذ وعوائق أمام الحصول على الإعانات. والتفاوتات حسب الأقاليم ومستويات الدخل كبيرة، إذ تبلغ التغطية القانونية نحو 10% في أفريقيا والدول العربية والبلدان المنخفضة الدخل، وتسجل أوروبا وآسيا الوسطى أعلى معدلات التغطية. ويبرز جنوب آسيا بوصفه الإقليم الفرعي الذي يسجل أعلى تغطية قانونية بإعانات الأمومة الممولة من الضرائب، ويُعزى ذلك إلى أن لدى كل من الهند وبنغلاديش إعانات أمومة شاملة ممولة من الضرائب توفر مستوى أساسياً على الأقل من أمن الدخل. غير أن أرقام التغطية الفعلية الأدنى بكثير في جنوب آسيا تشير على ما يبدو إلى أن هذا الاستحقاق لم يُعمَل بالكامل بعد.

وفي 16 بلداً، يمكن للحوامل والنساء اللواتي ينجبن الاستفادة من برامج تحويلات نقدية ممولة من المال العام. غير أن كثيراً من هذه البرامج غير مكرس في القانون، ويميل إلى تغطية نسبة ضئيلة من السكان، وكثيراً ما تكون مبالغ إعاناتها متواضعة جداً لا تتيح للنساء الانسحاب مؤقتاً من العمل المأجور أو غير المأجور. ونتيجة لذلك، تواصل النساء العمل حتى مرحلة متأخرة جداً من الحمل أو يعدن إلى العمل في وقت مبكر جداً بعد الولادة، مع ما قد يترتب على ذلك من آثار سلبية على صحتهن وصحة أطفالهن. وأخيراً، تقترن برامج التحويلات النقدية هذه في كثير من البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا بشروط سلوكية تميل إلى تعزيز التقسيم التقليدي للعمل المأجور وأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر بين النساء والرجال. فقد يكون تلقي الإعانات مشروطاً مثلاً بالحصول على الرعاية قبل الولادة وبعدها، أو الولادة على يد عاملين مهرة، أو الفحوص الصحية للطفل وتطعيمه، وقد تُفرض عقوبات إذا لم تُستوف الشروط. وما لم تكن هذه الخدمات ميسورة التكلفة ومتاحة جغرافياً وعالية الجودة ومقبولة ثقافياً للنساء، فإن الاشتراط سيفضي إلى حرمان النساء من الإعانة النقدية ومن الخدمات الصحية اللازمة معاً.

كفاية إعانات الأمومة من حيث المدة والمبلغ لضمان أمن الدخل

وفقاً للمعايير الدولية، ينبغي للحكومات أن توفر أمن الدخل للنساء الحوامل، على الأقل بحيث "تستطيع المرأة أن تعيل نفسها وطفلها في ظروف صحية ملائمة وبمستوى معيشي مناسب" وفق الاتفاقية رقم 183. وتُحدَّد المستويات الدنيا الملائمة للإعانات وطنياً، و"يمكن أن تقابل القيمة النقدية لمجموعة من السلع والخدمات الضرورية أو خطوط الفقر الوطنية أو عتبات الدخل المعتمدة للمساعدة الاجتماعية أو غيرها من العتبات المماثلة التي يحددها القانون أو الممارسة الوطنية، ويمكن أن تراعي الفوارق الإقليمية" وفق التوصية رقم 202. أما بالنسبة إلى المعايير ذات المستوى الأعلى، فالهدف ليس منع الفقر فحسب، بل أيضاً القدرة على الحفاظ على مستوى معيشي معين رغم فقدان الدخل في الفترة المحيطة بالولادة. ولذلك تحدد معايير العمل الدولية أيضاً مستويات دنيا للإعانات بوصفها نسبة من الكسب السابق، تبلغ 45% على الأقل في الاتفاقية رقم 102 وثلثين في الاتفاقية رقم 183.

ومن أصل 210 نظم قانونية لإعانات الأمومة النقدية في 173 بلداً، يصرف 190 نظاماً الإعانات بوصفها نسبة من الكسب السابق؛ منها 124 نظاماً تعوض الكسب كاملاً، و41 نظاماً تعوض 66% على الأقل كما تقتضي الاتفاقية رقم 183، و21 نظاماً تعوض 45% على الأقل كما تقتضي الاتفاقية رقم 102.

وتشترط المعايير الدولية أيضاً حداً أدنى لمدة إجازة الأمومة مدفوعة الأجر، بما يحمي النساء من الاضطرار إلى العمل حتى مرحلة متأخرة جداً من الحمل أو العودة إلى العمل بسرعة كبيرة قبل التعافي التام. وتحدد الاتفاقية رقم 102 الحد الأدنى للمدة بـ12 أسبوعاً، والاتفاقية رقم 183 بـ14 أسبوعاً. ويستوفي ما مجموعه 121 نظاماً من أصل 210 المعيار الأعلى البالغ 14 أسبوعاً أو أكثر، ويمنح 51 نظاماً الإعانة لمدة لا تقل عن 12 أسبوعاً وتقل عن 14 أسبوعاً، بينما يقدم 38 نظاماً إعانات لمدة تقل عن الأسابيع الاثني عشر الموصى بها.

إجازة الأبوة

يعد التوفير الملائم لإجازة أبوة مدفوعة الأجر مكملاً مهماً لسياسات حماية الأمومة، ويسهم في تقاسم أكثر إنصافاً للمسؤوليات الأسرية وغيرها من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر. ففي عام 2021، كان 115 بلداً من أصل 185 بلداً شملها مسح منظمة العمل الدولية يمنح الحق في إجازة الأبوة، بمتوسط مدة يبلغ تسعة أيام. وقد استحدث 33 بلداً إجازة الأبوة بين عامي 2011 و2022، مما يدل على تزايد الاعتراف بدور الرجل في تقديم الرعاية. غير أن ما يقارب ثلثي الآباء المحتملين، أي الرجال في سن الإنجاب بين 15 و49 عاماً، وعددهم 1.26 مليار رجل، يعيشون في بلدان لا تمنح استحقاقات لإجازة الأبوة، فيفوتهم فرصة فريدة لتوطيد الرابطة مع مواليدهم.

وإجازة الأبوة مدفوعة الأجر في غالبية البلدان التي تمنح هذا الاستحقاق، أي في 102 من أصل 115 بلداً. غير أن الإعانة النقدية تُمنح في 61 من هذه البلدان عبر مسؤولية صاحب العمل. ونظراً إلى الأثر الرادع المحتمل لنظم مسؤولية صاحب العمل، أصلحت بعض البلدان مصدر تمويل الإعانات النقدية لإجازة الأبوة، متخلية عن المسؤولية الكاملة لصاحب العمل لصالح نظم قائمة على المسؤولية الجماعية. فبين عامي 2011 و2023، انتقلت لكسمبورغ وهولندا وعُمان وسيشيل وأوروغواي إلى نظام تُموَّل فيه هذه الإعانات جماعياً. وخلال الفترة ذاتها، انتقلت ميانمار وجنوب أفريقيا من المسؤولية الكاملة لصاحب العمل إلى نظام يتقاضى فيه الآباء في إجازة الأبوة أجرهم كاملاً من الحماية الاجتماعية. وعلى الصعيد العالمي، تعتمد 32 بلداً على الحماية الاجتماعية في تمويل هذه الإعانة، و61 على مسؤولية صاحب العمل، و9 على نظم مختلطة، بينما تكون الإجازة غير مدفوعة في 13 بلداً، ولا توجد إجازة أبوة قانونية في 70 بلداً.

ولا يفرض سوى 30 بلداً من أصل 115 بلداً لديها إجازة أبوة إعانات نقدية لإجازة الأبوة للعاملين لحسابهم الخاص، ولا يتجاوز عدد البلدان التي لديها أحكام لإجازة الأبوة تنطبق على الآباء بالتبني 42 بلداً. كما أن توفير إجازة الأبوة للأزواج من الجنس نفسه متفرق، إذ لا يمنحها سوى 20 بلداً، تقع غالبيتها في أوروبا وآسيا الوسطى، باستثناء أستراليا والمكسيك ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا.

ورغم استحداث عدد من البلدان مؤخراً أحكاماً لإجازة الأبوة ورغم الفوائد المرتبطة بها، لا تزال معدلات الاستفادة منها منخفضة. ومن الأسباب المحتملة لذلك القوالب النمطية التي تصور الرجل "معيلاً" وتتجاهل دوره أباً ومقدماً للرعاية. ولهذا السبب، استحدثت شيلي وجمهورية إيران الإسلامية وإيطاليا ولكسمبورغ وسورينام إجازة أبوة إلزامية، في حين اكتفت بلدان أخرى، كفرنسا والبرتغال وإسبانيا، بإلزام الآباء بأخذ جزء من استحقاقات الإجازة الوالدية القائمة.

الإجازة الوالدية

إلى جانب إجازتي الأمومة والأبوة وإعاناتهما، وتماشياً مع اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العمال ذوي المسؤوليات الأسرية، 1981 (رقم 156) والتوصية المرافقة لها (رقم 165)، استحدثت بعض البلدان إجازة والدية يمكن لأي من الوالدين أخذها بعد إجازة الأمومة أو الأبوة مدفوعة الأجر. ففي عام 2021، كان 68 بلداً من أصل 185 بلداً يمنح حقاً قانونياً في الإجازة الوالدية، 48 منها في أوروبا وآسيا الوسطى. والإجازة غير مدفوعة الأجر في 21 من هذه البلدان؛ ويدفع 11 بلداً نسبة من الكسب السابق، جميعها باستثناء بلد واحد بمعدل تعويض يتجاوز 45%؛ ويدفع 7 بلدان مبلغاً ثابتاً. وتتراوح المدة بين 18 أسبوعاً وسنتين. ونظراً إلى استمرار انخفاض معدلات استفادة الآباء منها، يخصص 15 بلداً فترات محددة من الإجازة للآباء لتيسير تقاسم أكثر إنصافاً لمسؤوليات الرعاية. كما تنفذ بعض البلدان وأصحاب العمل تدابير تكميلية لإضفاء المرونة على وقت العمل واستيعاب مسؤوليات رعاية الأطفال، ولا سيما في السنوات الأولى. ويمكن أن يكون الوقت المرن والعمل عن بُعد تدبيرين مهمين لتمكين النساء من الجمع بين العمل والمسؤوليات الأسرية دون التعرض لعقوبة في معاشاتهن التقاعدية لاحقاً. وفي المقابل، تبين أن فترات الإجازة الوالدية الطويلة للأمهات تخلّف آثاراً سلبية على عمالة النساء وفرصهن المهنية.

وفضلاً عن ذلك، يُعترف أيضاً بتحدي الجمع بين مسؤوليات رعاية الأطفال الصغار ومسؤوليات كسب الرزق بوصفه حالة طارئة، تُغطى أساساً من خلال الإعانات الأسرية أو إعانات الأطفال، والتوفير العام لرعاية ميسورة التكلفة ومتاحة وجيدة ومقبولة للأطفال في سن ما قبل المدرسة، وترتيبات الرضاعة الطبيعية، وإعانات المرض في حالة مرض الأطفال، والسياسات الضريبية المصممة لتعزيز المساواة بين الجنسين في المنزل والعمل.

حماية الأمومة في عصر الأزمة المناخية وغيرها من الأزمات

يعكس انعدام الحصول على حماية وافية للأمومة إلى حد كبير استمرار أوجه عدم المساواة بين الجنسين والتمييز الذي تعانيه النساء يومياً في جميع أنحاء العالم. فعلى سبيل المثال، خلص تقرير حديث للبنك الدولي إلى أن النساء يتمتعن بثلثي الحقوق القانونية المتاحة للرجال، وأن 37 بلداً تمنح نصف مليار امرأة أقل من نصف الحقوق القانونية للرجال. وتسهم الأعراف المتحيزة حول الأدوار الجنسانية، وما يرتبط بها من تمييز هيكلي، وما ينجم عنها من فرص غير متكافئة في التعليم والمشاركة في سوق العمل والفرص المهنية وملكية الأصول والإدماج المالي والرقمي وإسماع الصوت والحصول على الخدمات الأساسية وسلطة صنع القرار والتمثيل السياسي، كلها في جعل النساء عموماً أقل قدرة على الصمود. ومن ثم يكنّ أكثر عرضة للمخاطر المناخية وأكثر تأثراً بها وأقل قدرة على التعافي. وتصيب أوجه الحرمان الهيكلية هذه الحوامل بشدة أكبر في ضوء احتياجاتهن الأكبر وهشاشتهن. وقد لفتت جهات فاعلة مختلفة الانتباه إلى الحاجة إلى بناء نظم حماية اجتماعية تحمي الحوامل أيضاً في ضوء أوجه الهشاشة المتزايدة الناجمة عن الأزمة المناخية. وإلى جانب ضمان أرضيات للحماية الاجتماعية تكفل الحصول على رعاية الأمومة المجانية، وأمن الدخل لجميع الحوامل، ومستويات أعلى من الحماية لأكبر عدد ممكن من النساء في أقرب وقت ممكن، أطلقت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة وصندوق الأمم المتحدة للسكان دعوة إلى العمل لحماية الحوامل والمواليد والأطفال على نحو أفضل من آثار تغير المناخ. ونظم الحماية الاجتماعية التي توفر أمن الدخل لضمان قدرة النساء على التوقف عن العمل قبل الولادة وبعدها، والتي تيسر الحصول على رعاية إنجابية ورعاية أمومة ميسورة التكلفة، بما في ذلك في أوقات الأزمات، محورية لهذا المسعى. ففي البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا خصوصاً، يخذل المجتمع الدولي النساء في وعده بعدم إغفال أحد، إذ تقع فيها 95% من وفيات الأمهات.

4.2.3 إعانات المرض

الرسائل الرئيسية

تعد إعانات المرض النقدية أداة حاسمة لكسر الحلقة المفرغة لاعتلال الصحة والفقر. ومع ذلك، فهي مكفولة قانوناً لأقل من ثلثي القوى العاملة في العالم، أي ما يمثل أكثر بقليل من ثلث السكان في سن العمل، وتتركز في الغالب في البلدان المرتفعة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة العليا. ويبقى أكثر من أربعة من كل عشرة عمال دون حماية قانونية. وحتى حين تتوافر التغطية، تظل الكفاية مشكلة، إذ قد تولد مستويات الإعانات ومدتها ومعايير الأهلية، كفترات الانتظار، فجوات في الحماية.

ويوفر ما يقارب ربع بلدان العالم الإجازة المرضية مدفوعة الأجر حصراً عبر مسؤولية صاحب العمل لا عبر إعانات مرض ممولة جماعياً. وتميل هذه الترتيبات إلى استبعاد بعض فئات العمال، وتولد تمييزاً ضد العمال المصابين بأمراض مزمنة، ولا تلائم أزمات الصحة العامة، وكلها أمور يؤثر فيها تغير المناخ.

وإعانات المرض أساسية للتخفيف من بعض الآثار المباشرة لتغير المناخ على الصحة وإنتاجية العمل. ويُتوقع أن تكون الاحتياجات المرتبطة بذلك أشد حدة في البلدان والأقاليم التي تكون فيها تغطية إعانات المرض في أدنى مستوياتها. ولتعظيم أثرها في الصحة والرفاه، قد تحتاج إعانات المرض إلى تكييف قابليتها للنقل ومعايير الأهلية وطرق الصرف مع الظروف الوطنية المتغيرة، التي قد تشمل ظواهر مناخية معاكسة وحالات طوارئ صحية أشد وأكثر تواتراً.

وإعانات المرض عنصر محوري في الوقاية من الجوائح والتأهب لها والاستجابة لها، لأنها تدعم تدابير الصحة العامة والتدابير الاجتماعية. وقد كشفت أزمة كوفيد 19 عن أوجه العجز في العمل اللائق لدى أشد العمال هشاشة، بمن فيهم العاملون في الخطوط الأمامية والعمال المهاجرون. واستجابة لذلك، تحولت بعض البلدان عن آليات مسؤولية صاحب العمل أو هي بصدد ذلك، ولا بد من مواصلة هذا الجهد وتوسيعه.

وثمة حاجة ملحة إلى مزيد من البيانات وإلى بيانات أفضل، إذ يحول نقص البيانات عن التغطية الفعلية بإعانات المرض دون رصدها في إطار أهداف التنمية المستدامة.

الحجة الداعية إلى إعانات مرض شاملة في ظل مناخ متغير

لدعم الاستجابة للأزمة المناخية، لا بد من توسيع إعانات المرض لتشمل جميع المحتاجين إليها. وتهدف إعانات المرض إلى ضمان أمن الدخل أثناء المرض أو الحجر الصحي أو مرض قريب معال، فهي بذلك أداة للحماية الاجتماعية ذات هدف صحي عام. إذ تتيح للأفراد البقاء في المنزل حتى التعافي التام، فيحمون بذلك صحتهم، وفي حالة الأمراض المعدية صحة الآخرين. وتسهم إعانات المرض في إعمال الحقين الإنسانيين في الصحة والضمان الاجتماعي، وهو أمر أكثر أهمية من أي وقت مضى في مواجهة الأحداث الصحية المعاكسة للأفراد والمجتمع على حد سواء.

وتتضمن معايير منظمة العمل الدولية مبادئ رئيسية لتصميم هذه الإعانات. إذ تقدم توصية تأمين الدخل، 1944 (رقم 67)، واتفاقية الضمان الاجتماعي (المعايير الدنيا)، 1952 (رقم 102)، واتفاقية الرعاية الطبية وإعانات المرض، 1969 (رقم 130)، والتوصية المرافقة لها (رقم 134)، إرشادات أساسية بشأن إعانات المرض، وتعكس توافقاً دولياً على المبادئ التالية: من حيث النطاق، تُقدَّم إعانات المرض لمنع فقدان الدخل بسبب المرض، وينبغي منحها عند طلب الرعاية الوقائية أو العلاجية، وأثناء العزل في الحجر الصحي، وحتى التعافي؛ ومن حيث رعاية المعالين، ينبغي اتخاذ ترتيبات ملائمة لمساعدة الأشخاص النشطين اقتصادياً الذين يتعين عليهم رعاية معال مريض؛ ومن حيث التغطية الشاملة عبر التدابير العامة، ينبغي تنظيم إعانات المرض على النحو الأكثر كفاءة لضمان حصول الجميع عليها؛ ومن حيث التضامن في التمويل، ينبغي أن تُتحمل تكلفة إعانات المرض وإدارتها جماعياً عبر اشتراكات التأمين الاجتماعي أو الضرائب أو كليهما، بطريقة تتجنب إلحاق المشقة بذوي الموارد المحدودة وتضمن قدرتهم على إعالة أسرهم في ظروف صحية لائقة؛ ومن حيث فترات الانتظار، ينبغي ألا تتجاوز ثلاثة أيام إن وجدت؛ ومن حيث مستوى الإعانة، تُدفع إعانات المرض دورياً بما لا يقل عن 45% أو 60% من الكسب السابق، وفقاً للاتفاقيتين رقم 102 ورقم 130 على التوالي.

ويؤثر تغير المناخ في صحة الفئات السكانية على نحو غير متكافئ، إذ تكون آثاره أشد على الأشخاص ذوي الإعاقة أو المصابين بأمراض طويلة الأمد ومزمنة. فارتفاع درجات الحرارة مثلاً يؤثر في التحكم بداء السكري وغيره من الأمراض المزمنة. وتؤثر التغيرات في النظام المناخي في إدارة الأمراض غير المعدية وشدتها ونتائجها المحتملة. ويتحمل الأشخاص ذوو الإعاقة أو المصابون بأمراض طويلة ومزمنة أصلاً تكاليف معيشة إضافية مرتبطة بحالتهم وبعدم تكييف بيئات معيشتهم وعملهم. ويتعلق بعض هذه التكاليف بوقت العمل الضائع في طلب الرعاية وتكاليف النقل وغيرها، وقد تزداد ليس بفعل الآثار المباشرة لتغير المناخ فحسب، بل أيضاً بفعل بعض سياسات التكيف والتخفيف الرامية إلى مواجهته. وفي هذا السياق، سيكون ضمان تمتع جميع الناس بأمن الدخل حين يحتاجون هم أو أقاربهم المعالون إلى طلب الرعاية أو الخضوع للحجر الصحي أو التعافي من المرض أو التدخل الطبي أمراً حاسماً.

ويزيد تغير المناخ التعرض للإجهاد الحراري والأمراض المعدية والظواهر الجوية المتطرفة وضغوط التلوث البيئي وغيرها من الضغوط على الصحة النفسية. كما يعيد تشكيل فرص كسب العيش في أماكن كثيرة، فيزيد التعرض لنقص التغذية وسوء التغذية ويؤثر في القدرات المالية للأسر على مواجهة ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية. وسيتعين على إعانات المرض أن تتكيف مع هذه التغيرات ومع الزيادة الإجمالية في عبء المرض التي تؤثر مباشرة في السكان العاملين وإنتاجيتهم وقدرتهم على العمل. ففي غياب إعانات المرض، يرتفع خطر الإفقار ويزيد من حدة الحلقة المفرغة لتغير المناخ والفقر.

التغطية القانونية والفعلية

التغطية القانونية

تقدر منظمة العمل الدولية أن 56.1% من القوى العاملة في العالم، أي ما يمثل 34.4% من السكان في سن العمل، يحق لهم قانوناً الحصول على إعانات المرض، القائمة على الاشتراكات وغير القائمة عليها. ويترك ذلك أكثر من أربعة من كل عشرة عمال دون تغطية قانونية. وثمة فوارق إقليمية واسعة، إذ ترتفع مستويات التغطية القانونية في أوروبا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، وتنخفض في الدول العربية وأفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ.

وكثيراً ما تُستبعد قانوناً فئات معينة من العمال من إعانات المرض، كالعاملين بدوام جزئي أو مؤقت والعاملين لحسابهم الخاص والباحثين عن عمل. وفي سياق تغير المناخ، يلزم بذل جهود إضافية لتوسيع الحماية لتشمل جميع العاملين في الاقتصاد الريفي، الذين يرجح أن تتأثر مهنهم وصحتهم تأثراً بالغاً بالمناخ المتغير، كارتفاع التعرض للإجهاد الحراري في عدد من البلدان وما يرتبط به من مخاطر سرطان الجلد ومشكلات القلب والأوعية الدموية.

ولا ينبغي الخلط بين إعانات المرض والإجازة المرضية مدفوعة الأجر بوصفها مسؤولية تقع على صاحب العمل. فما مجموعه 65 بلداً يعتمد حصراً على آلية مسؤولية صاحب العمل للتعويض عن فقدان الدخل أثناء المرض، و8.6% من القوى العاملة في العالم يحق لهم قانوناً الحصول على إجازة مرضية مدفوعة الأجر يقدمها صاحب العمل مباشرة، وهو ما يسمى "مسؤولية صاحب العمل". ومع أن الحماية القانونية يمكن أن تتحقق عبر مسؤولية صاحب العمل، فإن إعانات المرض توفر وسيلة أكثر متانة لتوفير أمن الدخل في حالات اعتلال الصحة أو الحجر الصحي أو مرض أحد الأقارب. بل إن الاعتماد على مسؤولية صاحب العمل قد تكون له آثار سلبية. فالتغطية تقتصر بحكم التعريف على العمل المأجور، إذ إن العاملين لحسابهم الخاص هم أصحاب عمل أنفسهم، وكثيراً ما تستبعد أيضاً فئات محددة من المستخدمين، كالعمال العرضيين والعمال الذين يتقاضون أجوراً بالساعة. كما يكون التضامن في التمويل محدوداً، إذ تُترك المنشآت الفردية لتتحمل تكاليف مرض العمال. وقد يضغط ذلك على العمال لعدم أخذ إجازة مرضية، ويفضي إلى التمييز في التوظيف ضد الأفراد الذين لديهم حالات طبية معلنة. وقد تعاني المنشآت الصغيرة من التبعات المالية، فيتولد لديها حافز لتشغيل العمال في أشكال من العمالة لا تخضع للإجازة المرضية القانونية مدفوعة الأجر.

ومنذ جائحة كوفيد 19، التي سلطت الضوء بقوة على فجوات تغطية إعانات المرض وحدود مسؤولية صاحب العمل، اتخذت بعض البلدان إجراءات لإدماج إعانات المرض في نظمها الوطنية للحماية الاجتماعية، فزادت بذلك من شمولها.

الإجازة المرضية وإعانات المرض: تعريفات

تعالج الإجازة المرضية الحاجة إلى أخذ إجازة حين يكون الشخص مريضاً، وينبغي تعريفها في قانون العمل. والإجازة المرضية استحقاق منفصل عن الأنواع الأخرى من الإجازات، يعترف به كل من توصية الإجازات مدفوعة الأجر، 1954 (رقم 98)، واتفاقية الإجازات مدفوعة الأجر (مراجعة)، 1970 (رقم 132). وينبغي أن تنعكس استحقاقات الإجازة المرضية في العقود، وأن تراعي المساواة في المعاملة للعمالة المؤقتة وغيرها من أشكال العمالة الهشة. ويحدد كل بلد الحالات التي يتوقف فيها الكسب أثناء الإجازة المرضية للعاملين بأجر، ويجوز للبلدان أيضاً أن تحدد فترة، إن وجدت، يقع خلالها على أصحاب العمل التزام قانوني بتغطية أجور العمال، وهو ما يعرف بمسؤولية صاحب العمل. أما إعانات المرض فتكفل توفير دخل ملائم حين يكون الشخص مريضاً وعاجزاً عن كسب الدخل. ولتعظيم أثر نظم إعانات المرض، تقدم معايير منظمة العمل الدولية إرشادات بشأن سمات تصميمها وهيكل تمويلها. وينبغي أن تُموَّل إعانات المرض جماعياً على أساس تجميع واسع للمخاطر والتضامن، وألا يتحملها صاحب العمل أو العامل وحده. وعلى الصعيد العالمي، يعتمد 108 بلدان على التأمين الاجتماعي وحده في الحماية في حالة المرض، و8 بلدان على التأمين الاجتماعي مقترناً بمسؤولية صاحب العمل، و7 بلدان على إعانات ممولة من الضرائب وحدها أو مقترنة بمسؤولية صاحب العمل، و65 بلداً على مسؤولية صاحب العمل وحدها، بينما لا توجد إعانة نقدية دورية قانونية في 15 بلداً.

استحداث إعانات المرض في عُمان

في يوليو 2023، أصدرت عُمان المرسوم السلطاني رقم 52/2023 بإصدار قانون الحماية الاجتماعية الجديد، الذي يوحد نظام الحماية الاجتماعية في البلاد في إطار قانوني متسق، ويستحدث إعانات جديدة منها إعانات المرض النقدية. وحتى ذلك الحين، كانت الإجازة المرضية مدفوعة الأجر مسؤولية تقع على صاحب العمل، ولم تكن تُطبق بصورة موحدة في مختلف القطاعات وفئات العمال، وكانت تولد خطر التمييز ضد العمال الذين يعانون من حالات صحية سابقة. ويستحدث القانون الجديد إعانة مرض لجميع العمال، بمن فيهم المهاجرون على قدم المساواة مع المواطنين، في جميع قطاعات النشاط، باستثناء ملحوظ هو العمل المنزلي الذي يُمثَّل فيه المهاجرون تمثيلاً مفرطاً. وفضلاً عن ذلك، يرفع القانون الحد الأقصى لمدة إعانة المرض إلى 26 أسبوعاً، تماشياً مع الأحكام الدنيا لمنظمة العمل الدولية بموجب الاتفاقية رقم 102. وقد شكّل استحداث إعانة المرض فرصة لتوسيع الأحكام لدعم مسؤوليات رعاية أفراد الأسرة المرضى لمدة تصل إلى 30 يوماً في السنة. ويمكن أن يكون هذا الإصلاح مصدر إلهام لبقية بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي لا يزال معظمها يعتمد على مسؤولية صاحب العمل مع ضعف الامتثال تجاه العمال المهاجرين، الذين يشكلون غالبية القوى العاملة. ففي مسح حديث للعمال النيباليين العائدين من بلدان مجلس التعاون، أفاد 76% من المستجيبين بأنهم لم يتمكنوا من أخذ إجازة مرضية في كل مرة مرضوا فيها، وأفاد 17% بأنهم لم يتقاضوا أجراً قط حين مرضوا. ومن ثم فإن الانتقال إلى آلية للحماية الاجتماعية لإعانات المرض بدلاً من مسؤولية صاحب العمل أمر حاسم لتعزيز الحصول الفعلي لأشد العمال هشاشة.

التغطية الفعلية

حتى لو كان العمال مشمولين قانوناً بإعانات المرض، فإنهم لا يُشملون فعلياً إلا حين ينتسبون إلى نظام ما، ويكونون على دراية باستحقاقاتهم، ويفهمون إجراءات الحصول عليها، ويتلقون إعاناتهم فعلياً عند الحاجة. وقد تحول عدة عوائق دون التغطية الفعلية، منها العوائق الإدارية أو الجغرافية، وعدم الامتثال لإجراءات التسجيل، أو قلة الوعي. ورغم أهمية أمن الدخل أثناء المرض للصحة العامة، فإن الافتقار إلى جمع بيانات شامل ومنهجي عن مختلف جوانب التغطية الفعلية أدى إلى استبعاده حالياً من جهود رصد أهداف التنمية المستدامة، إذ لا يندرج تحت الغاية 1.3 المتعلقة بالحماية الاجتماعية ولا تحت الغاية 3.8 المتعلقة بالتغطية الصحية الشاملة.

كفاية الإعانات

تتوقف كفاية الإعانات على مستوى دعم الدخل ومدته ووجود فترة انتظار. وحين تُحسب مستويات الإعانات بوصفها نسبة من الكسب السابق، يكون وجود مستوى أدنى مضمون للإعانة أمراً أساسياً للعمال ذوي الدخل المنخفض. ومن أصل 172 بلداً تتوافر عنها معلومات، لدى 51 بلداً أحكام تنص على أقل من 60% من الكسب السابق.

ومدة الإعانة مهمة أيضاً، إذ يحتاج المصابون بأمراض طويلة الأمد حاجة ماسة إلى الدخل، وقد يفقدون وظائفهم إذا لم تتوافر أحكام لإعانات المرض أو كانت غير كافية. وبالمثل، يلزم انتقال سلس إلى إعانات العجز المؤقت أو الدائم، إذ تعاني هذه الإعانات أيضاً من فجوات تغطية كبيرة. وفي هذا الصدد، قررت بعض البلدان استحداث إعانات خاصة للأمراض الطويلة، بل إدماج الأمراض المزمنة في معايير الأهلية لنظم إعانات الإعاقة. وعلى الصعيد العالمي، يقدم 75 بلداً إعانات لمدة قصوى تقل عن الحد الأدنى البالغ 26 أسبوعاً المنصوص عليه في الاتفاقية رقم 102.

ولا تمتثل للحد الأدنى لمستوى إعانة المرض ومدتها المنصوص عليهما في الاتفاقية رقم 102 سوى أقلية من البلدان تتركز في مجموعتي البلدان المرتفعة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة العليا. فمن أصل 172 بلداً تتوافر عنها معلومات، لا يكفل سوى 71 بلداً مستوى إعانة لا يقل عن 60% من الكسب السابق لمدة لا تقل عن 26 أسبوعاً. وفي الدول العربية وآسيا والمحيط الهادئ، تقل نسبة البلدان التي تقدم معلومات وتبلغ مستويات إعاناتها 60% على الأقل من الكسب السابق ومدتها 26 أسبوعاً على الأقل عن الخمس، بينما تبلغ النسبة نحو الثلث في أفريقيا.

وفي بعض البلدان، تخضع إعانات المرض لفترة انتظار، مما قد يعيق أثرها في الصحة العامة من حيث الوقاية من الأمراض أو مضاعفاتها. وإجمالاً، لدى 61 بلداً فترات انتظار، ولدى 28 بلداً فترات انتظار تتجاوز ثلاثة أيام.

وينبغي منح إعانات المرض أيضاً حين يتلقى العامل رعاية وقائية ويتعين عليه العزل لأغراض الحجر الصحي، وفقاً لمعايير منظمة العمل الدولية. ويمكن تحقيق أثر أكبر لهذه الإعانات في الصحة العامة والصحة والرفاه من خلال أحكام للعزل الذاتي أو رعاية المعالين.

إعانات المرض المراعية للمناخ

ثمة ثلاثة عوامل مهمة ينبغي مراعاتها في تصميم إعانات المرض وتنفيذها لضمان إسهامها في التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره. أولها أن قدرة العمال على العمل في بعض القطاعات تتأثر وستتأثر بصورة متزايدة بالأحوال الجوية، مما يستلزم إعادة النظر في نطاق الحالة الطارئة التي تغطيها إعانات المرض وفي تنسيقها مع الحماية من البطالة وإعانات إصابات العمل والأمراض المهنية. وثانيها أن العبء العالمي للأمراض المزمنة والطويلة الأمد وغير المعدية يتزايد عالمياً، ومع الأزمة المناخية يرجح أن تزداد الحاجة إلى إعانات المرض في المناطق الجغرافية المعرضة بوجه خاص للآثار المناخية السلبية، وهي تميل أيضاً إلى أن تكون المناطق التي تنعدم فيها إعانات المرض أو تكون محدودة جداً، بينما قد تركد هذه الإعانات أو تتقلص في أماكن أخرى. وثالثها أن تزايد تهديدات الأمن الصحي بسبب الأزمة المناخية يؤثر في الأمراض المعدية والسارية، ومن ثم يستدعي تصميماً مكيفاً لإعانات المرض يعظم إسهامها في الوقاية من الأوبئة والجوائح والتأهب لها والاستجابة لها.

تصميم إعانات المرض وتنفيذها

نطاق الحالة الطارئة والأهلية وصرف الإعانات

قد يلزم تكييف الأهلية وصرف الإعانات مع المناخ المتغير بالنسبة إلى عدد من المهن، ولا سيما بالنسبة إلى من لن يتمكنوا من العمل حين تتجاوز درجة الحرارة عتبة معينة، وهو ما سيؤثر بأشد الدرجات في الاقتصاد الريفي والمهن التي تُزاول في الهواء الطلق كالبناء.

وتؤثر التغيرات في القدرة على العمل بسبب التعرض للأحوال الجوية المتطرفة، مقيسة بساعات العمل الضائعة، على نحو غير متناسب في البلدان التي تحتل مراتب متدنية في مؤشر التنمية البشرية، والتي تنخفض فيها معدلات التغطية بالرعاية الصحية وإعانات المرض وتكون نظمها ناشئة. ويرتبط معظم الخسائر المقيسة بالتعرض للحرارة. ففي عام 2022، ضاع ما يقدر بنحو 490 مليار ساعة عمل محتملة، وتركزت أكبر الخسائر في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فعلى سبيل المثال، بلغت هذه الخسائر في عام 2020 ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي في بنغلاديش والهند وباكستان. وتُظهر سبل العيش الشديدة الحساسية للمناخ، كالزراعة، فجوات بارزة بوجه خاص في تغطية الحماية الاجتماعية. ففي غياب إعانات البطالة أو المرض، تتحول ساعات العمل الضائعة هذه إلى خسائر في الدخل، مع ما يرجح أن يترتب على ذلك من آثار متلاحقة على المحددات الاجتماعية للصحة. وبدلاً من ذلك، سيعمل العمال مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر الإضرار بصحتهم، وربما التعرض لحوادث مهنية إضافية. وقد يفضي ذلك إلى عواقب مفقرة في البلدان التي لا تُكفل فيها الحماية الصحية الاجتماعية وخدمات الصحة المهنية ونظم التعويض، مما يؤثر في قدرة العمال على العمل وكسب الدخل.

قابلية نقل الإعانات في سياق الهجرة والنزوح الناجمين عن المناخ

يدفع تآكل الموارد الطبيعية في بعض المناطق، والظواهر الجوية المتطرفة، والعواقب الاجتماعية والاقتصادية للأزمة المناخية، بما فيها النزاعات على الموارد، إلى نزوح السكان وهجرتهم، ويعيق في الوقت ذاته فرص العودة أمام من نزحوا بالفعل. وفي هذا السياق، يجب أن تكون استحقاقات الحماية الصحية الاجتماعية، سواء لخدمات الرعاية الصحية أو لدعم الدخل، قابلة للنقل وشاملة.

إجراءات تحديد الهوية والأهلية أثناء الظواهر الجوية المتطرفة

يلزم قدر من المرونة والسرعة في إجراءات تحديد الهوية والأهلية لمواصلة الوصول إلى الناس أثناء حالات الطوارئ، ولا سيما الظواهر الجوية المتطرفة كالفيضانات أو الأعاصير. والواقع أن معايير الأهلية في كثير من البلدان التي لم تشمل سكانها بعد بإعانات المرض شمولاً كاملاً قد تكون محددة تحديداً ضيقاً، وقد يلزم تخفيفها في الحالات التي تكون فيها الهشاشة عامة. وفي مثل هذه الظروف خصوصاً، تكون آليات معالجة الشكاوى والرصد المتسق والمنتظم محورية لتقييم النظم المعدلة.

إعانات المرض والعبء العالمي للأمراض المزمنة والطويلة الأمد وغير المعدية في ظل مناخ متغير

تزيد التكاليف غير الطبية، بما فيها فقدان الدخل، من خطر الفقر وتقلل التزام المرضى وأسرهم بتدابير الصحة العامة والعلاج. وتُصنَّف التكاليف التي يتحملها المرضى بسبب حالتهم الطبية عادة إلى تكاليف طبية مباشرة تنشأ داخل النظام الصحي، كتكلفة الأدوية أو أجور العاملين الصحيين؛ وتكاليف غير طبية مباشرة مرتبطة بالرعاية يتحملها المرضى خارج النظام الصحي، كتكلفة التنقل من المرافق الصحية وإليها أو زيادة الإنفاق على الغذاء بسبب تغيير النظام الغذائي المرتبط بالعلاج؛ وتكاليف غير مباشرة تتعلق بتكلفة الفرصة البديلة لطلب الرعاية أو المرض، ولا سيما فقدان الدخل بسبب ضياع وقت العمل. وتزداد مخاطر الإفقار حين لا تكون إعانات الرعاية الصحية مكفولة ويتعين تحمل تكلفة الخدمات الصحية من الجيب. والأثر المفقر للأمراض الطويلة أو المزمنة، التي يتأثر عبؤها تأثراً كبيراً بالمناخ المتغير، موثق توثيقاً جيداً. فعلى سبيل المثال، تبين المسوح الوطنية لتكاليف مرضى السل أن المرضى يواجهون تكاليف غير طبية مباشرة كبيرة، معظمها للنقل والتغذية، وفقداناً للدخل قد يمثل غالبية التكاليف ذات الصلة، مما يولد حوافز للعزوف عن الرعاية.

وقد بيّن تحليل البيانات أن مستويات الإنفاق على الحماية الاجتماعية ترتبط ارتباطاً عكسياً بانتشار السل. وفضلاً عن ذلك، ترتبط كفاية مستويات الإعانات ارتباطاً قوياً بالأثر الصحي. وتتجلى الحلقة المفرغة للفقر واعتلال الصحة والتدرج الاجتماعي في الصحة بوضوح خاص في حالة السل، إذ يصيب هذا المرض بأشد الدرجات البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وداخل البلدان الفئات السكانية في أدنى سلم الدخل. وتبين أدلة ناشئة أيضاً أن السل مرض حساس للمناخ، مع وجود ارتباط إيجابي بين تغير المناخ وعوامل الخطر الخمسة للمرض، وهي الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية وداء السكري ونقص التغذية والاكتظاظ والفقر. وتظهر أدلة مماثلة على الحاجة إلى الحماية الاجتماعية وأثرها بالنسبة إلى طائفة من الأمراض الطويلة الأمد أو المزمنة، كفيروس نقص المناعة البشرية والسكري وارتفاع ضغط الدم، وبالنسبة إلى المصابين بأمراض مصاحبة، مما يبين الحاجة إلى استجابة منهجية. وتوصي إرشادات مشتركة جديدة صادرة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية بشأن الحماية الاجتماعية للمتأثرين بالسل بالتحول التدريجي عن برامج الحماية الاجتماعية الموجهة لأمراض بعينها، وتأمين نظم حماية اجتماعية شاملة تتضمن إعانات المرض وتقوم على الحقوق، وهي سمة ضرورية لتجنب الوصم.

إعانات المرض والوقاية من الأوبئة والجوائح والتأهب لها والاستجابة لها

تؤدي إعانات المرض دوراً حاسماً في دعم تدابير الصحة العامة والتدابير الاجتماعية أثناء أزمات الأمن الصحي. فقد سلطت جائحة كوفيد 19، وقبلها أزمات صحية عامة كالسارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، الضوء على فجوات تغطية إعانات المرض، وبينت كيف أجبر غيابها الناس على العمل وهم مرضى أو خاضعون للحجر الصحي، مما زاد خطر العدوى. ومع الزيادة المتوقعة في تهديدات الأمن الصحي في السياق المناخي الجديد، تمثل إعانات المرض أداة سياساتية محورية لتحفيز السلوكيات الوقائية والتخفيف من العواقب الاجتماعية والاقتصادية.

وينبغي اتخاذ التدابير التالية استناداً إلى الدروس المستفادة من الأوبئة السابقة:

ضمان وجود إعانات المرض في إطار نظم حماية اجتماعية شاملة وإتاحتها للجميع. وقد يعني ذلك ضرورة توسيع إعانات المرض بسرعة في حالة الطوارئ الصحية في البلدان التي لم يتحقق فيها الحصول الشامل بعد. ففي كولومبيا مثلاً، أصبح المستفيدون من نظام التأمين الصحي الاجتماعي غير القائم على الاشتراكات، الذين لم يكونوا مشمولين بإعانات المرض النقدية قبل جائحة كوفيد 19، مؤهلين لتلقي إعانات بمبلغ مقطوع يعادل سبعة أيام من الحد الأدنى للأجور في حالة الإصابة بكوفيد 19.

ضمان اعتبار الحجر الصحي بصورة منهجية جزءاً من الحالة الطارئة، وفقاً للتوصية رقم 134. فخلال جائحة كوفيد 19 مثلاً، وُسّعت إعانات المرض النقدية في اليابان لتشمل الخاضعين للحجر الصحي أو المشخصين بكوفيد 19، مع الإعفاء في الوقت ذاته من شرط الحصول على شهادات طبية.

إدراج المرونة والسرعة في إجراءات تحديد الهوية والأهلية. ففي السلفادور مثلاً، وسع معهد الضمان الاجتماعي صرف الإعانات خلال جائحة كوفيد 19 ليشمل أي عامل يحتاج إلى الحجر الصحي، دون فترة انتظار وبصرف النظر عن إصابته بالمرض.

ولضمان استمرارية عمليات قطاعي الصحة والرعاية أثناء حالات الطوارئ الصحية، من المهم أيضاً ضمان توافر إعانات المرض وكفايتها للعاملين في مجالي الصحة والرعاية. فقد كشفت جائحة كوفيد 19 وحالات الطوارئ الصحية السابقة عن فجوات الحماية لدى كثير من العاملين في الخطوط الأمامية وفي المهن الأساسية. وفي المستقبل، ومع توجه العالم نحو إطار قانوني دولي معزز بشأن الجوائح وتهديدات الأمن الصحي، لا يمكن إغفال الحاجة الماسة إلى الحماية الاجتماعية عموماً وإلى إعانات المرض خصوصاً.

4.2.4 الحماية من إصابات العمل

الرسائل الرئيسية

في سياق تغير المناخ، يصبح تسريع توسيع الحماية من إصابات العمل والأمراض المهنية أكثر ضرورة، وهو ما يسهم في تحقيق الغاية 1.3 من أهداف التنمية المستدامة. ورغم بعض التقدم، لا يشمل التأمين ضد إصابات العمل سوى 37.4% من العمال في العالم. وفي البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، تكون التغطية أدنى بكثير بسبب هياكل سوق العمل وضعف إنفاذ النظم حيثما وجدت.

ولا يزال توسيع الحماية من إصابات العمل لتشمل العاملين في الاقتصاد غير المنظم يحظى بأهمية كبيرة في إطار إعمال الحق الأساسي في بيئة عمل آمنة وصحية لجميع العمال. وهذا أمر ملح بوجه خاص بالنسبة إلى المعرضين لمخاطر تغير المناخ، بما فيها تزايد الإجهاد الحراري والظواهر الجوية المتطرفة. ويمكن للسلامة والصحة في العمل أن تستفيد من أوجه التآزر السياساتي مع إعانات إصابات العمل لجميع العمال.

وتشكل تكلفة إعانات إصابات العمل والسلامة والصحة في العمل، بما في ذلك الوقاية من الإصابات والأمراض وإعادة تأهيل العمال المصابين، جزءاً من التكلفة الإجمالية للإنتاج، وتسهم في منع العمال المصابين وأسر العمال المصابين والمتوفين من الوقوع في الفقر.

ولا يُبلَّغ عن الأمراض المهنية بالقدر الكافي باستمرار، ولا يُعوَّض عنها بالقدر الكافي. ونظراً إلى أثر تغير المناخ، سيتعين على البلدان التي لديها قائمة واضحة بالأمراض المشمولة أن تراجع بانتظام نطاق الأمراض التي تحمي منها نظم التأمين ضد إصابات العمل لديها. ذلك أن الاحترار العالمي وتدمير التنوع البيولوجي يتيحان انتشار أمراض قائمة إلى أماكن جديدة، ومن المرجح جداً أن يفضيا إلى ظهور أمراض جديدة. ومن شأن وجود نطاق شامل من الأمراض المشمولة بالتأمين ضد إصابات العمل أن يخفف الضغط ونقل التكاليف إلى فروع أخرى كالرعاية الصحية وإعانات الإعاقة.

وتتخذ إعانات إصابات العمل الملائمة شكل مدفوعات دورية مع تعديلات وفق تكاليف المعيشة بالنسبة إلى الإعانات الطويلة الأمد، كما في حالات العجز الدائم وإعانات الورثة. ومع ذلك، ورغم أن مزيداً من البلدان يعتمد نظم تأمين ضد إصابات العمل وينفذها وفقاً لمعايير الضمان الاجتماعي الدولية، لا يزال 16 بلداً يعتمد على التعويض المباشر من أصحاب العمل، و22 بلداً لا يقدم سوى إعانات بمبالغ مقطوعة، و18 بلداً يفتقر إلى أي نوع من نظم التأمين ضد إصابات العمل للعمال المصابين والعاجزين. ومن شأن الانتقال إلى نظم تأمين ضد إصابات العمل ممولة جماعياً أن يحسن التغطية الفعلية، ولا سيما في المهن الخطرة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وأن يرفع مستويات الحماية.

حماية العمال في حالة الإصابات والأمراض المرتبطة بالعمل

رغم التقدم الكبير في مجال السلامة والصحة المهنيتين، يلقى 2.9 مليون عامل حتفهم كل عام نتيجة حوادث مهنية أو أمراض مرتبطة بالعمل. وإلى جانب هذه الوفيات التي يمكن تجنبها، يقع كثير من العمال ضحايا لإصابات عمل غير مميتة، إذ تفضي 395 مليون إصابة عمل غير مميتة سنوياً إلى التغيب عن العمل لأكثر من أربعة أيام. ويسهم تغير المناخ بالفعل في تدهور الأوضاع الصحية، وعلى وجه التحديد في زيادة إصابات العمل بسبب الإجهاد الحراري وعوامل أخرى. ونظراً إلى خطر مزيد من ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة، يرجح أن تشتد هذه الآثار السلبية مستقبلاً، مع تكاليف بشرية كبيرة من حيث الأمراض والوفيات والإعاقات التي يمكن تجنبها. ويتعين على البلدان التي لم تفعل ذلك بعد أن تبدأ في سن قوانين ولوائح لحماية العمال من تزايد الإصابات واعتلال الصحة بسبب حالات الطوارئ المناخية، كاستحداث مناوبات عمل للعاملين في الهواء الطلق لتجنب الحرارة المفرطة.

وتجعل هذه التطورات نظم إصابات العمل الفعالة أكثر أهمية. فنظم إصابات العمل الراسخة تقدم إعانات نقدية وعينية، تشمل الرعاية الطبية والتعويض المالي وإعادة التأهيل البدني والمهني للمتضررين من الإصابات والأمراض المرتبطة بالعمل، بصرف النظر عما إذا كانت الحوادث أو اعتلال الصحة مرتبطة بالمناخ. وبذلك تعالج هذه النظم أحد التحديات الرئيسية في أماكن العمل الحديثة، وتعمل بوصفها أداة استقرار تلقائية لصحة العمال ورفاههم. ويتحمل أصحاب العمل مسؤولية ضمان السلامة والصحة المهنيتين لعمالهم، وتقديم تعويض عادل ومنصف وفعال للعمال المصابين ولأسر العمال المتوفين. وتشكل نظم إصابات العمل الممولة جماعياً والمنظمة من خلال التأمين الاجتماعي آلية مهمة لتجميع المخاطر مكرسة في التشريعات الوطنية، توفر قدراً أكبر من الموثوقية وقابلية التنبؤ للعمال وأصحاب العمل على حد سواء.

غير أنه حيث لا توجد نظم إصابات عمل ممولة جماعياً عبر التأمين الاجتماعي، يكون الأمل الوحيد للعمال المصابين أو ورثتهم في الإنصاف هو التعويض المباشر الذي يدفعه صاحب العمل أو الذي يُحصل عليه عبر دعوى قضائية ضده أمام المحاكم. والدعاوى القضائية عادة ما تكون طويلة ومكلفة ومرهقة للضحايا، ولذلك نادراً ما تُرفع، وكثيراً ما لا يُدفع التعويض.

وحين تقع المسؤولية المالية عن التعويض على عاتق أصحاب العمل الأفراد، كثيراً ما يلجؤون إلى التأمين الخاص. غير أن نتائج هذه النظم كثيراً ما تكون دون المستوى الأمثل. فمعالجة مطالبة التأمين تتطلب الحصول على المعلومات ذات الصلة، وتستلزم خضوع المصاب لتقييمات طبية صارمة، مما يسبب تأخيرات كبيرة في الحصول على الرعاية الصحية وغيرها من الإعانات. وفضلاً عن ذلك، قد يتردد صاحب العمل في تقديم المطالبة خشية التبعات القانونية الأخرى وتكلفة التعويض. وعلاوة على ذلك، ولأن صاحب العمل قد لا يستمر في نشاطه، وقد يتردد المؤمِّن الخاص في تقديم إعانات لفترة طويلة، فإن الإعانات تُصرف عادة إما بمبلغ مقطوع أو بمدفوعات دورية لفترة قصيرة، دون التعديل اللازم وفقاً لتكاليف المعيشة. واعترافاً بهذه العيوب، استعاضت بلدان كثيرة عن نظم مسؤولية صاحب العمل بالتأمين الاجتماعي.

ويعتمد التأمين الاجتماعي في معالجة الإصابات والأمراض المرتبطة بالعمل على المبادئ التالية: مبدأ "عدم اشتراط الخطأ"، أي أن يتأهل العامل المصاب أو ورثة العامل المتوفى للإعانات دون الحاجة إلى إثبات "خطأ" من جانب صاحب العمل؛ والتقاسم الجماعي للمسؤولية بين أصحاب العمل، بحيث يمولون النظام جماعياً بما يتيح تجميع المخاطر فيما بينهم؛

والإدارة المحايدة للنظام، بحيث يُرسى الحق في الإعانة خارج العلاقة التعاقدية بين العامل وصاحب العمل.

وتتألف إعانات إصابات العمل في معظم البلدان من الرعاية الطبية والرعاية المرتبطة بها للعمال المصابين، ومن إعانات نقدية دورية مرتبطة بالكسب للعمال العاجزين أو لمعالي العمال المتوفين، بما فيها منح نفقات الجنازة. كما تتضمن كثير من النظم الوطنية لإصابات العمل مجموعة من الأهداف الأوسع، كإعادة تأهيل العمال المصابين أو المرضى وإعادة توظيفهم، وتعزيز السلامة والصحة في العمل والحفاظ عليهما. ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا في إطار متكامل يشمل تدابير شاملة للسلامة والصحة المهنيتين، وتدابير قوية للتفتيش والإنفاذ، وإعانات نقدية وصحية وافية تصحبها خدمات ملائمة لإعادة التأهيل البدني والمهني.

ويوفر نظام التصنيف، الذي تُحسب بموجبه مستويات الاشتراك بما يعكس الأداء السابق لأصحاب العمل فيما يتعلق بإصابات العمل، حافزاً لأصحاب العمل لمنع إصابات مكان العمل وتيسير عودة العمال المصابين إلى العمل. ولكي يعمل هذا النظام بفعالية، ينبغي وجود آلية تفتيش قوية لتجنب خطر إخفاء أصحاب العمل للحوادث، ولهذا السبب تُعتمد نظم التصنيف أساساً في البلدان المرتفعة الدخل.

ونظم إصابات العمل المستدامة مالياً والكفؤة إدارياً خطوة نحو منع وقوع العمال المصابين وأسر العمال المصابين والمتوفين في الفقر، فتسهم بذلك في تحقيق الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالقضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان.

المعايير الدولية ذات الصلة بالحماية من إصابات العمل

الحق في الحماية من إصابات العمل مكرس في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966. ووفقاً للجزء السادس من اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 102، يجب تغطية أي حالة ذات أثر سلبي على الصحة تُعزى إلى حادث عمل أو مرض مهني، وما ينجم عنها من عجز عن العمل والكسب. وبناء على ذلك، يجب أن تشمل الحماية رعاية طبية ورعاية مرتبطة بها مجانية، وإعانة نقدية للشخص المصاب أو لمعاليه. وتضع اتفاقية إعانات إصابات العمل، 1964 (رقم 121)، والتوصية المرافقة لها رقم 121، معايير أعلى، وتعترف بأهمية النهج المتكامل في تحسين ظروف العمل والحد من أثر إصابات العمل وتيسير إعادة إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل والمجتمع. أما النهج الذي تتبعه التوصية رقم 202 فمختلف، إذ يعكس تركيزها على منع الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي أو التخفيف منها من خلال ضمانات أمن الدخل والحصول على الرعاية الصحية الأساسية على الأقل لجميع المحتاجين، بصرف النظر عن منشأ الإعاقة أو اعتلال الصحة الذي يولد الحاجة إلى أمن الدخل والرعاية. ويمكن ضمان أمن الدخل الأساسي والحصول على الرعاية الصحية الأساسية من خلال مقاربات متنوعة تجمع بين النظم القائمة على الاشتراكات وغير القائمة عليها وأنواع مختلفة من الإعانات. ومما يتصل اتصالاً خاصاً بالحماية من إصابات العمل دعوة التوصية كذلك إلى الجمع بين التدابير الوقائية والتعزيزية والنشطة من جهة والإعانات والخدمات الاجتماعية من جهة أخرى، وإلى تنسيق سياسات الحماية الاجتماعية مع السياسات التي تعزز، من بين أمور أخرى، العمل الآمن في إطار العمل اللائق.

أنواع نظم الحماية من إصابات العمل والتغطية القانونية

تعتمد غالبية البلدان نهج التأمين الاجتماعي، وإن كانت بعض البلدان تحتفظ بعناصر من نهج مسؤولية صاحب العمل بحيث يعوّض أصحاب العمل مباشرة العمال غير المشمولين بنظم التأمين الاجتماعي. وعلى الصعيد العالمي، يعتمد 128 بلداً على التأمين الاجتماعي وحده، و16 بلداً على مسؤولية صاحب العمل وحدها، بينما لا توجد إعانة نقدية قانونية في 18 بلداً، ولا تُقدَّم سوى إعانات بمبالغ مقطوعة في 22 بلداً. ولا تتوافر معلومات عن الإعانات الطبية والإعانات المرتبطة بها، ويلزم بذل جهود إضافية لجمع بيانات قابلة للمقارنة على جميع المستويات.

ويكون التركيز على التأمين الاجتماعي، مقارنة بمسؤولية صاحب العمل، أعلى في الأمريكتين وأوروبا وآسيا الوسطى والدول العربية، وأدنى في أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ. ففي آسيا والمحيط الهادئ، لا يزال نظام مسؤولية صاحب العمل قائماً في بلدان مثل بنغلاديش وبروني دار السلام وفيجي وسري لانكا. وتُظهر مستويات التغطية القانونية فجوات كبيرة، ولا سيما في أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ. والتغطية القانونية للنساء أدنى منها للرجال في بعض أنحاء العالم، ولا سيما في أفريقيا حيث تبرز الفجوة بين الجنسين بشكل خاص. ويستكشف عدد من البلدان سبل توسيع التغطية لتشمل العاملين لحسابهم الخاص، وإن كان إنشاء بدائل خاصة لهذه الفئات يطرح تحديات.

وفي أفريقيا، لا تزال أحكام مسؤولية صاحب العمل قائمة في بلدان كثيرة، منها بوتسوانا وإسواتيني وغامبيا وغانا وكينيا وليسوتو وملاوي والمغرب وسيراليون وأوغندا. غير أن بعض هذه البلدان، ككينيا وملاوي، تبذل جهوداً لاستحداث آلية تأمين اجتماعي لتقديم إعانات إصابات العمل. وفي أفريقيا، يمثل خيار أصحاب العمل بين التعويض المباشر للمستخدمين أو شراء تأمين خاص نسبة كبيرة من إجمالي التغطية القانونية. ومن العواقب غير المرغوب فيها لهذا الشكل من التغطية شيوع المدفوعات بمبالغ مقطوعة بدلاً من المدفوعات الدورية الملائمة، والخطر الأخلاقي، وعدم رغبة أصحاب العمل في التعويض أو عجزهم عنه، وعدم رغبة شركات التأمين الخاصة في التعويض، وإخفاق المؤمِّنين الخاصين في تغطية القطاعات العالية المخاطر. وللحد من هذه العواقب، ينبغي النظر في التغطية الإلزامية لغالبية العمال والتغطية الطوعية لفئات محدودة من العمال عبر آليات التأمين الاجتماعي.

التغطية الفعلية

رغم الجهود المبذولة لتوسيع التغطية، لا يزال عدد العمال المسجلين فعلياً في نظم إصابات العمل في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أقل بكثير من عدد العمال المشمولين بموجب القانون. ولا يشمل رصد التغطية الفعلية على المستوى العالمي حتى الآن سوى الإعانات النقدية، إذ لا تتوافر معلومات عن الإعانات الطبية والإعانات المرتبطة بها، ويلزم بذل جهود إضافية لجمع بيانات قابلة للمقارنة على المستويين الوطني والعالمي. وينبع انخفاض التغطية الفعلية في بعض أنحاء العالم من انتشار العمل غير المنظم على نطاق واسع، وضعف قدرة آليات تفتيش العمل والضمان الاجتماعي على الإنفاذ، وانخفاض قدرة أصحاب العمل على الاشتراك، وقلة فهم التأمين الاجتماعي، وعدم التوافق بين الإعانات والاحتياجات، وتعقد الإجراءات الإدارية.

وتبين أرقام التغطية الفعلية أن 37.4% من العمال على الصعيد العالمي تلقوا إعانات في حالة إصابات العمل في عام 2023. غير أن هناك تفاوتات إقليمية كبيرة؛ فبينما يتلقى الإعانات 79.3% من العمال في أوروبا وآسيا الوسطى و60.8% في الأمريكتين، لا تتجاوز النسبة 28.5% في آسيا والمحيط الهادئ و25.7% في الدول العربية و16.5% في أفريقيا. وتقل معدلات التغطية الفعلية عن 20% في بلدان كثيرة، معظمها في أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ. ومع أن الاتجاه يسير نحو زيادة تدريجية في معدل التغطية الفعلية على الصعيد العالمي وفي جميع الأقاليم، فإنها تظل متواضعة، إذ بلغت الزيادة العالمية 4.6 نقاط مئوية بين عامي 2015 و2023.

ورغم انخفاض التغطية الفعلية في آسيا والمحيط الهادئ والدول العربية وأفريقيا، فإن نظماً جديدة للتأمين ضد إصابات العمل تُستحدث تدريجياً. فعلى سبيل المثال، استحدثت جمهورية تنزانيا المتحدة عام 2015 نظاماً للتأمين ضد إصابات العمل غطى نحو 6% من القوى العاملة. وأُطلق نظام التأمين ضد إصابات العمل في كمبوديا لأول مرة في نوفمبر 2008 لتغطية المستخدمين في شركات القطاع الخاص التي تشغّل ثمانية عمال أو أكثر، وقد نمت التغطية من 327 منشأة في البداية عام 2008 إلى 21430 منشأة و3.12 ملايين عامل، 57.6% منهم من النساء، في عام 2024.

كفاية الإعانات

تُصرف الإعانات النقدية لنظم التأمين ضد إصابات العمل عادة في شكل مدفوعات دورية، مع تعديلات وفق تكاليف المعيشة بالنسبة إلى الإعانات الطويلة الأمد كإعانات العجز الدائم والورثة. وتختلف معدلات التعويض، المعرفة بأنها الإعانات كنسبة مئوية من الكسب قبل الإصابة، اختلافاً كبيراً بين البلدان. وتفوق معدلات التعويض في بلدان كثيرة نظيراتها في إعانات العجز والورثة غير المرتبطة بالعمل، وتتجاوز المستوى المنصوص عليه في اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 102 ورقم 121.

ويتطلب تفسير معدلات التعويض المنصوص عليها في التشريعات الوطنية عناية دقيقة. فبعض الجوانب الفنية للنظم، التي قد لا يُعبَّر عنها صراحة في التشريعات، قد تفضي إلى تآكل كبير في الإعانات. ومن أمثلة ذلك السقف المفروض على الأجور للحد من الكسب الخاضع للتأمين، أي الكسب الذي تُحتسب على أساسه الاشتراكات والإعانات. فالسقف الذي لا يُعدَّل إلا نادراً، فيصبح بالتالي منخفضاً جداً، يفضي إلى إعانات واشتراكات منخفضة، كما هو الحال في صندوق تعويض العمال في زامبيا، وإن كانت تُبذل جهود لرفعه. وفي كثير من البلدان النامية، لا يُعدَّل سقف الأجور بصورة منهجية تماشياً مع ارتفاع متوسط الأجور، ويتطلب توافقاً كبيراً، لأن رفع السقف يفضي إلى زيادة فورية في اشتراكات أصحاب العمل. ومن الأمثلة الأخرى استبعاد بعض المزايا التي يتلقاها العامل ضمن أجره من إجمالي الكسب الخاضع للتأمين، مما يفضي أيضاً إلى انخفاض الإعانات والاشتراكات.

التطورات الأخيرة: توسيع التأمين ضد إصابات العمل

لما كانت نظم مسؤولية صاحب العمل تتضمن أحكاماً دنيا بشأن الإعانات والخدمات، ولا توفر إلا حماية محدودة ولا سيما للعاملين في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وهم أيضاً الأكثر عرضة للإصابات نظراً إلى محدودية الموارد التي تخصصها كثير من المنشآت للوقاية وارتفاع معدل دوران الموظفين الذي يثني أصحاب العمل عن الاستثمار في تدريب عمالهم على منع الحوادث والإصابات، فإن عدداً من البلدان النامية حريص على إنشاء نظام للتأمين ضد إصابات العمل أو استحدث نظاماً كهذا مؤخراً. فعلى سبيل المثال، أُنشئ صندوق تعويض العمال في جمهورية تنزانيا المتحدة في الأول من يوليو 2015.

ومع أن لبلدان شرق آسيا وجنوب شرقها، ومنها اليابان وماليزيا والفلبين وجمهورية كوريا وتايلند، تاريخاً طويلاً في تطبيق هذه النظم، فإنها توسع تدريجياً التغطية في حالات إصابات العمل. فعلى سبيل المثال، استحدثت ماليزيا عام 2017 نظام الضمان الاجتماعي للعاملين لحسابهم الخاص، الذي غطى في البداية العاملين لحسابهم الخاص في قطاع نقل الركاب فقط، ثم وُسّع عام 2020 ليشمل 19 قطاعاً آخر. ولتيسير مشاركة العاملين لحسابهم الخاص، تقدم الحكومة الماليزية دعماً للاشتراكات لبعض فئات العمال يُموَّل من الإيرادات الضريبية العامة.

وفي بلدان أخرى كثيرة، تُبذل جهود لتوسيع الحماية لتشمل العاملين عبر المنصات الرقمية في إطار نظم التأمين الاجتماعي من خلال مقاربات مختلفة. وتستخدم البلدان مزيجاً من المقاربات لضمان تغطية وافية لهؤلاء العمال بحماية العمل والحماية الاجتماعية، يشمل: تصنيف العاملين عبر المنصات بوصفهم عمالاً تابعين حين يكونون كذلك فعلاً، بحيث تنطبق عليهم مستويات الحماية الاجتماعية الخاصة بهذه الفئة؛ وتوفير مستوى أدنى من الضمان الاجتماعي بصرف النظر عن الوضع المهني للعمال، يُموَّل أساساً من الضرائب العامة؛ وتوسيع الاشتراكات والحماية من حالات طارئة معينة، ولا سيما الحوادث الصناعية، لتشمل هؤلاء العمال؛ واستحداث مسؤولية على المنصات لدفع الاشتراكات الاجتماعية لجميع العمال، سواء كانوا تابعين أو عاملين لحسابهم الخاص. ولا تزال هذه المسائل في بلدان كثيرة قيد النظر لدى الحكومات والبرلمانات والمحاكم.

وفي جمهورية كوريا، وُسّعت التغطية تدريجياً منذ عام 2008 لتشمل فئات مختلفة من العمال الذين لا يقوم عملهم على عقود عمل بل على عقود تعهيد، ويتحمل هؤلاء العمال وصاحب العمل اشتراك التأمين ضد إصابات العمل مناصفة.

وقد بدأت الصين مؤخراً أيضاً تجربة لتغطية العاملين في شركات منصات محددة في عدة مقاطعات. فإدراكاً لتحديات السلامة والصحة المهنيتين التي يواجهها العاملون عبر المنصات الرقمية، أطلقت الصين عام 2022 نظاماً تجريبياً عاماً لتوفير الحماية من إصابات العمل للعاملين في سبع شركات منصات بارزة في سبع مقاطعات. وحقق النظام التجريبي تقدماً كبيراً، إذ غطى 6.68 ملايين شخص بحلول سبتمبر 2023. ويهدف النظام إلى حماية العاملين عبر المنصات في خدمات التنقل وتوصيل الطعام والتوصيل الفوري ونقل البضائع داخل المدينة. وتسهم شركات المنصات بمبلغ ثابت عن كل طلب في حساب منفصل ضمن صندوق التأمين ضد إصابات العمل، بينما لا يسدد العمال أي اشتراكات. ويوفر النظام للعمال مجموعة من الإعانات، تشمل العلاج الطبي وإعانات العجز والوفاة في حالة إصابات العمل. غير أن هناك بعض التحديات؛ فلما كان الخطر الإجمالي للفئة المؤمَّن عليها أعلى منه لدى العمال الآخرين، فإن الاشتراكات الثابتة قد لا تعكس تماماً مستويات الخطر المتفاوتة المرتبطة بمختلف أنواع العمل عبر المنصات، مما يثير مخاوف بشأن الاستدامة المالية الطويلة الأمد للنظام التجريبي.

ويشكل العمال المهاجرون فئة معرضة بوجه خاص للتمييز، وكثيراً ما يجدون أنفسهم في أعمال متدنية المهارة ومؤقتة وموسمية وعرضية، وفي الغالب في عمالة غير منظمة. وكثيراً ما يُستبعدون من تغطية الضمان الاجتماعي بسبب التشريعات المقيدة وضعف الإنفاذ، رغم أن نوع العمل الذي يزاولونه عادة ينطوي على خطر أعلى للحوادث. وحين يُدرج العمال المهاجرون في تغطية الضمان الاجتماعي، كثيراً ما يتلقون إعانات أدنى من إعانات العمال المواطنين. وفي ماليزيا، أدرج إصلاح أُجري عام 2019 العمال المهاجرين في النظام الوطني للتأمين ضد إصابات العمل بالشروط ذاتها المطبقة على المواطنين، منهياً بذلك ممارسة تغطيتهم بصورة منفصلة في إطار نظام تأمين خاص كان يوفر إعانات أدنى بكثير.

وتعد هذه الإصلاحات محورية لتعزيز الحماية والحد من الهشاشة والعمل غير المنظم. ومن شأن مزيد من الجهود لضمان حماية الفئات المستضعفة من إصابات العمل أن يساعد على تحقيق الغاية 1.3 من أهداف التنمية المستدامة. وفي سياق التغير المناخي السريع، ينبغي بذل مزيد من الجهد للحد من الإصابات والأمراض المرتبطة بالعمل. ويمكن لنظم إصابات العمل أن تسهم في تحسين السلامة والصحة في العمل من خلال تخصيص جزء من اشتراكاتها لهذا الغرض، وتنسيق تسجيل البيانات المتعلقة بالإصابات والأمراض المرتبطة بالعمل والإبلاغ عنها.

ونظراً إلى الوظيفة المهمة لنظام التأمين ضد إصابات العمل بوصفه أداة استقرار تلقائية لصحة العمال ورفاههم، فمن الأساسي تسريع توسيع تغطية الضمان الاجتماعي، بما فيها الحماية من إصابات العمل، في مواجهة المخاطر المتزايدة للإصابات واعتلال الصحة بسبب تغير المناخ. فالعمال المستضعفون وأسرهم أكثر عرضة لمخاطر متزايدة من الإصابات واعتلال الصحة، كالعاملين في الزراعة ومواقع البناء المعرضين لأشعة الشمس والأشعة فوق البنفسجية لساعات طويلة في مناطق جغرافية أكثر عرضة للمخاطر كآسيا وأفريقيا. ولذلك فإن توسيع التغطية الفعلية لتشملهم أمر أساسي.

4.2.5 إعانات الإعاقة وغيرها من التدابير الرامية إلى تعزيز الإدماج الكامل والفعال للأشخاص ذوي الإعاقة

الرسائل الرئيسية

مع ازدياد هشاشة الأشخاص ذوي الإعاقة بفعل تغير المناخ، يصبح ضمان توفير نظم الحماية الاجتماعية خدمات وإعانات وافية تكفل إدماجهم الكامل والفعال أكثر صعوبة.

فنظم الحماية الاجتماعية القوية للأشخاص ذوي الإعاقة تكفل الحصول على إعانات وخدمات وافية، وتوفر أمن الدخل وتغطية التكاليف الإضافية المرتبطة بالإعاقة طوال دورة الحياة بصرف النظر عن الوضع الوظيفي، وتتضمن آليات تشاركية وشاملة لصياغة السياسات وتنفيذها، وتضمن الحصول على الرعاية الصحية وإعادة التأهيل والأجهزة المساعدة اللازمة.

ورغم بعض التقدم، لا تزال تغطية إعانات الإعاقة منخفضة. فعلى الصعيد العالمي، لا يحصل على إعانة الإعاقة سوى 38.9% من الأشخاص ذوي الإعاقة الشديدة، مع تفاوتات كبيرة بين البلدان والأقاليم، تتراوح بين 8.1% في أفريقيا و30.7% في آسيا و74.2% في الأمريكتين و91.5% في أوروبا وآسيا الوسطى.

وفضلاً عن ذلك، لا تكفي إعانات الحماية الاجتماعية وخدماتها المتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة لتلبية تنوع احتياجاتهم. وعلى وجه الخصوص، تواجه معظم المجتمعات، إلى جانب ضمان أمن الدخل، صعوبة في تطوير خدمات رعاية ودعم جيدة ومتاحة وميسورة التكلفة تحترم حقوق متلقيها ومقدميها وكرامتهم واحتياجاتهم.

ويقدر أن معدل الوفيات العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة أثناء الكوارث يفوق أربعة أضعاف معدله لدى بقية السكان. فالكوارث تعطل الحصول على الخدمات الصحية وخدمات الدعم، كما أن تدابير الاستجابة للطوارئ، بما فيها إعانات الحماية الاجتماعية، كثيراً ما لا تُكيَّف بالقدر الكافي لمراعاة صعوباتهم في التنقل والتواصل والسمع والبصر.

ومن الأهمية بمكان الإصغاء إلى الأصوات المتنوعة للأشخاص ذوي الإعاقة، وضمان المشاركة الفعلية لمنظماتهم في تصميم نظم حماية اجتماعية شاملة، والتصدي للتحديات الناشئة الإضافية، وجعل تدابير الانتقال العادل شاملة للأشخاص ذوي الإعاقة.

نظم الحماية الاجتماعية لضمان الوظائف الأساسية الأربع للأشخاص ذوي الإعاقة

تؤدي إعانات الحماية الاجتماعية وخدماتها دوراً حاسماً في تيسير انتقال أخضر أكثر عدلاً للأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز تمكينهم ومشاركتهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية عموماً. ولتحقيق ذلك، يتعين على نظم الحماية الاجتماعية أن تضمن حصول الأشخاص ذوي الإعاقة على النظم العامة والنظم الخاصة بالإعاقة على حد سواء، بما يؤدي الوظائف الأساسية التالية: أمن الدخل ومستويات معيشة ملائمة؛ والحصول الفعلي على الرعاية الصحية والحماية المالية بتغطية تكاليف الرعاية الصحية، بما في ذلك التدخل المبكر وإعادة التأهيل والأجهزة المساعدة؛ وتغطية التكاليف المرتبطة بالإعاقة، بما فيها الحصول على خدمات الدعم؛ وتيسير الحصول على برامج نماء الطفولة المبكرة والتعليم والتمكين الاقتصادي.

وكثيراً ما يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة التهميش، ويعانون من مستويات أعلى من الفقر ومحدودية الفرص الاقتصادية ومحدودية المشاركة في المجتمع، إلى جانب فرص تعليمية أقل. كما يتحملون تكاليف إضافية مرتبطة بإعاقاتهم، كتكاليف الرعاية والدعم وزيادة الخدمات الصحية والتنقل وغيرها من الأنشطة اليومية. وفضلاً عن ذلك، كثيراً ما يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة التمييز والإقصاء. وتواجه النساء والفتيات ذوات الإعاقة تحديات إضافية مقارنة بالنساء والرجال غير ذوي الإعاقة وبالرجال والفتيان ذوي الإعاقة.

وتزيد التغيرات المجتمعية الأخيرة، بما فيها تلك الناجمة عن تغير المناخ، من حدة التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة. فالجفاف والحرارة الشديدة وتقلب الأمطار والانهيارات الأرضية ونقص المياه وتلوث الهواء قد تؤثر تأثيراً بالغاً في حياتهم وصحتهم وقدرتهم على الحصول على الخدمات الصحية وخدمات الدعم اللازمة. وترتبط موجات الحر الشديد بارتفاع زيارات أقسام الطوارئ ودخول المستشفيات والوفيات لدى الأشخاص ذوي الإعاقات النفسية والقلبية التنفسية وغيرها. وفضلاً عن ذلك، تضاعف الإعاقات النفسية الاجتماعية القائمة خطر الوفاة خلال موجات الحر ثلاث مرات.

وعلاوة على ذلك، تجعل الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تغير المناخ حصول الأشخاص ذوي الإعاقة على عمل أكثر صعوبة، وتجعلهم أكثر عرضة للتسريح. ولا يزال الأشخاص ذوو الإعاقة ممثلين تمثيلاً ناقصاً في الصناعات النظيفة الناشئة، في حين تأثرت وظائفهم القائمة بالفعل بتغير المناخ. ففي جزر المحيط الهادئ مثلاً، لم يعد كثير من الأشخاص ذوي الإعاقة الذين كانوا يعملون في صناعة صيد الأسماك قادرين على الاستمرار بسبب صعوبة التكيف مع الظروف المناخية الجديدة.

كما يمكن للظروف الجوية المتطرفة أن تؤثر في تنقل الأشخاص ذوي الإعاقة، وتزيد خطر الحوادث، وتسهم في فقدان إمكانية الوصول، كتدمير منحدرات الكراسي المتحركة أو المصاعد أو إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية قد يستغرق إصلاحها سنوات أو عقوداً، أو إلحاق أضرار بالغة بأجهزتهم المساعدة. وقد تبين أيضاً أن الظواهر الجوية المتطرفة تزيد من حدوث الإعاقة وانتشارها.

ورغم هذه التحديات، لا تزال مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في صنع السياسات محدودة، وينبغي توليد مزيد من البيانات والأدلة بشأن هذه القضايا المتقاطعة. وتمثيلهم في سياسات تغير المناخ تحديداً ضئيل للغاية. ونتيجة لذلك، لا يشير إلى الأشخاص ذوي الإعاقة في مساهماتها المحددة وطنياً سوى 39 طرفاً من أصل 195 طرفاً في اتفاق باريس، ولا يتضمن تدابير ملموسة لإدماج ذوي الإعاقة في مساهماته المحددة وطنياً سوى 15 طرفاً.

وفي ضوء هذه التحديات المتفاقمة، أصبح إعمال الحق الإنساني في الضمان الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة أكثر أهمية.

الإطار المعياري الدولي للحق في الضمان الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة

طوّر الإطار المعياري الدولي تدريجياً حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الضمان الاجتماعي، والتزامات الدول بكفالة هذا الحق بطرق تعزز مشاركتهم الاجتماعية والاقتصادية على قدم المساواة مع الآخرين. وتؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2006 الدور الحاسم للحماية الاجتماعية في دعم المشاركة والإدماج الكاملين والفعالين للأشخاص ذوي الإعاقة طوال دورة الحياة. وتحدد الاتفاقية التزامات الدول الأطراف بما يلي: ضمان تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة بمستويات معيشية ملائمة على قدم المساواة مع الآخرين، وحصولهم المتكافئ على جميع نظم الحماية الاجتماعية وبرامجها، بما فيها المعاشات التقاعدية والإسكان العام والرعاية الصحية وإعادة التأهيل والتدريب المهني وبرامج العودة إلى العمل، دون أي تمييز؛ وضمان حصولهم على المساعدة لتغطية النفقات المرتبطة بالإعاقة، وعلى الخدمات والأجهزة المرتبطة بالإعاقة الميسورة التكلفة والجيدة التي يحتاجونها للعيش باستقلالية والاندماج في المجتمع؛ ودعم الأطفال ذوي الإعاقة ووالديهم، ومنع إيداعهم في المؤسسات، وضمان أن يعيش الأطفال في جميع الأحوال في بيئات شبيهة بالبيئة الأسرية؛ ومعالجة أوجه الحرمان الخاصة التي تواجهها النساء والفتيات ذوات الإعاقة؛ والتشاور الفعلي مع الأشخاص ذوي الإعاقة وإشراكهم، عبر المنظمات الممثلة لهم، في تصميم سياسات الحماية الاجتماعية وبرامجها وتنفيذها ورصدها.

وتكمل معايير الضمان الاجتماعي الدولية هذا الإطار. إذ يحدد الجزء التاسع من اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 102 معايير دنيا لتوفير أمن الدخل فيما يتعلق بالإعاقة. وفضلاً عن ذلك، تضع اتفاقية إعانات العجز والشيخوخة والورثة، 1967 (رقم 128)، معايير أعلى لنظم إعانات الإعاقة، تشمل توفير خدمات إعادة التأهيل لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من استئناف عملهم أو مزاولة نشاط آخر يلائم قدراتهم. وتوسع التوصية المرافقة لها رقم 131 تعريف الحالات الطارئة التي ينبغي أن تغطيها النظم الوطنية بإدراج العجز الجزئي، الذي ينبغي أن يرتب إعانة مخفضة. ويُستكمل ذلك باتفاقية إعانات إصابات العمل، 1964 (رقم 121)، التي تنص على تقديم إعانات إضافية للأشخاص الذين يحتاجون إلى دعم دائم من شخص آخر. ومع أن الرعاية الطبية، بما فيها إعادة التأهيل الطبي، تُعالج في أحكام منفصلة في الجزء الثاني من الاتفاقية رقم 102، فإن اتفاقية الرعاية الطبية وإعانات المرض، 1969 (رقم 130)، توسع نطاق الرعاية الطبية وإعادة التأهيل اللازمتين، بما في ذلك الحصول على الأجهزة المساعدة، التي ينبغي أن "تُقدَّم بهدف الحفاظ على صحة الشخص وقدرته على العمل وتلبية احتياجاته الشخصية أو استعادتها أو تحسينها". وتطرح توصية منظمة العمل الدولية رقم 202 نهجاً متكاملاً وشاملاً للحماية الاجتماعية، يتمتع بموجبه الأشخاص ذوو الإعاقة بضمانات أمن الدخل الأساسي والحصول على الرعاية الصحية الأساسية ذاتها التي يتمتع بها سائر أفراد المجتمع من خلال الأرضيات الوطنية للحماية الاجتماعية. وفضلاً عن ذلك، تقتضي التوصية تصميم نظم الحماية الاجتماعية وفقاً لمبادئ عدم التمييز والمساواة بين الجنسين والاستجابة للاحتياجات الخاصة، واحترام حقوق المشمولين بضمانات الضمان الاجتماعي وكرامتهم.

أنواع نظم إعانات الإعاقة

تستخدم البلدان طائفة متنوعة من النظم والتدابير لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة، منها الإعانات النقدية والعينية القائمة على الاشتراكات، وهي التأمين الاجتماعي أساساً، وغير القائمة على الاشتراكات، الممولة عادة من الضرائب، والإعانات المالية والإعفاءات الضريبية. وتشمل الإعانات العينية أو الامتيازات الحصول المجاني أو المدعوم على الرعاية الصحية والنقل العام والسكن والمرافق وخدمات الرعاية والدعم. ومن شأن الجمع بين نظم مختلفة أن ييسر تغطية جميع الأشخاص ذوي الإعاقة، بصرف النظر عن وضعهم الوظيفي أو سجل اشتراكاتهم أو وضعهم من حيث الفقر أو غير ذلك من الخصائص.

وعلى الصعيد العالمي، يوفر 176 بلداً وإقليماً إعانات إعاقة نقدية قانونية، منها 153 لديها نظام للتأمين الاجتماعي. ومن بين هذه الأخيرة، لدى 84 بلداً نظام للتأمين الاجتماعي فقط، في حين يجمع 69 بلداً بين التأمين الاجتماعي ونظام شامل غير قائم على الاشتراكات في 7 بلدان، أو إعانة ممولة من الضرائب مشروطة باختبار الموارد في 52 بلداً، أو كليهما في 5 بلدان، أو نوع آخر من النظم القائمة على الاشتراكات في 5 بلدان. ولدى اثني عشر بلداً نظم ممولة من الضرائب فقط، إما شاملة في 4 بلدان أو مشروطة باختبار الموارد في 6 بلدان أو كلاهما في بلدين. ولا يقدم ستة عشر بلداً أي إعانة نقدية دورية، يقدم 11 منها إعانات بمبالغ مقطوعة.

التغطية الفعلية والقانونية بالإعانات النقدية للأشخاص ذوي الإعاقة

ازدادت التغطية السكانية بإعانات الإعاقة، كما هو الحال في الحالات الطارئة الأخرى، تدريجياً منذ عام 2015، مع تسارع النمو خلال جائحة كوفيد 19 في الفترة من 2021 إلى 2022، غير أن كثيراً منها كان مجرد تدابير مؤقتة. وعلى الصعيد العالمي، ارتفعت التغطية الفعلية للأشخاص ذوي الإعاقة الشديدة بمقدار 6 نقاط مئوية، من 32.8% إلى 38.9%. وتبرز آسيا بوصفها الإقليم الذي شهد أكبر زيادة، ولا سيما شرق آسيا وجنوبها، حيث ارتفعت التغطية بنحو 13 نقطة مئوية لتبلغ 44.7% و19.2% على التوالي. وإجمالاً، لا تزال أوجه عدم المساواة كبيرة بين الأقاليم ومستويات الدخل، إذ لا يحصل على إعانة سوى 3.3% و19% من الأشخاص ذوي الإعاقة الشديدة في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا على التوالي، مقارنة بنسبة 50% و85.6% في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا والمرتفعة الدخل على التوالي. وتماشياً مع توزيع الدخل، تحقق أوروبا وأمريكا الشمالية وأجزاء من أمريكا اللاتينية وآسيا معدلات تغطية مرتفعة، في حين تقل معدلات التغطية عن 20% في أجزاء أخرى من أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا ومعظم أفريقيا.

أما فيما يتعلق بنسبة السكان في سن العمل الذين يحق لهم قانوناً الحصول على إعانة حماية اجتماعية إذا كانت لديهم إعاقة أو أصيبوا بها، فإن النظم غير القائمة على الاشتراكات أكثر شيوعاً في أوروبا وآسيا الوسطى وفي البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا، إذ توفر تغطية قانونية لنسبة 67.0% و71.8% من السكان في سن العمل على التوالي، وتقل هذه النسبة قليلاً عن 90% في أوروبا الشرقية. وبالمثل، تبلغ معدلات التغطية القانونية بالتأمين الاجتماعي الإلزامي أو النظم المهنية في البلدان المرتفعة الدخل وأوروبا وآسيا الوسطى 57.6% و55.7% على التوالي، وفي البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا 56.6%، مقارنة بمعدلات تغطية قانونية لا تتجاوز 17.6% في البلدان المنخفضة الدخل. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، تبلغ التغطية القانونية 11% للنظم غير القائمة على الاشتراكات، وأقل بقليل من 24.1% للنظم الإلزامية القائمة على الاشتراكات، تستكملها تغطية قانونية بنسبة 19.5% للنظم الطوعية. وتبرز موزمبيق بوصفها البلد الوحيد من البلدان المنخفضة الدخل الذي لديه نظام لإعانات الإعاقة غير قائم على الاشتراكات. ولدى بنغلاديش ودولة بوليفيا المتعددة القوميات وإسواتيني وهايتي والهند وكينيا وكيريباتي وقيرغيزستان وليسوتو ومنغوليا وموزمبيق ونيبال وساموا وطاجيكستان وأوكرانيا نظم شاملة ممولة من الضرائب.

والتغطية القانونية بالنظم الطوعية هي الأدنى إجمالاً، وتبين التجربة أن الإقبال عليها يكون عادة منخفضاً جداً بسبب تنافس الأولويات على ميزانيات الأسر. وإجمالاً، تبين البيانات أن البلدان والأقاليم ذات التغطية الفعلية المنخفضة كثيراً ما تعاني أيضاً من فجوات في التغطية القانونية. وتحتاج البلدان إلى آليات فعالة للإنفاذ والتنفيذ تضمن قدرة الأفراد على إعمال استحقاقاتهم، وإلى إطار قانوني شامل لا يخلق عوائق أمام توسيع الحماية الاجتماعية.

كفاية الإعانات والإنفاق

ينبغي لنظم الحماية الاجتماعية أن تكفل الحصول الفعلي على الرعاية الصحية الأساسية على الأقل وعلى أمن الدخل الأساسي بما يتيح حياة صحية وكريمة، وفقاً للتوصية رقم 202 والاتفاقية رقم 102. وللأسف، تشير الأدلة إلى أن بلداناً كثيرة لا تقدم مستويات إعانات تفي بطموح أمن الدخل، بل إن عدداً أقل منها يغطي التكاليف الإضافية المرتبطة بالإعاقة. وتنص اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 102 على أن توفر النظم كحد أدنى معدل تعويض قدره 40% لمن اشتركوا مدة لا تقل عن 15 عاماً. وقد وجد تحليل حديث لمنظمة العمل الدولية شمل 343 نظاماً قانونياً لإعانات الإعاقة في العالم أن 62 نظاماً، أي 61%، من أصل 101 نظام قائم على الاشتراكات تصرف الإعانات على أساس الكسب السابق وسجل الاشتراكات، توفر معدل تعويض قدره 40% أو أكثر بعد 15 عاماً من الاشتراكات. وبلغت مستويات إعانات النظم التي تقدم مبالغ ثابتة في المتوسط 17.6% من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. ومن بين 54 بلداً تتوافر عنها بيانات الحد الأدنى للأجور، وفرت 19 نظاماً مستويات إعانات لا تقل عن 40% من الحد الأدنى للأجور في البلد. وفضلاً عن ذلك، دفعت 17 نظاماً من أصل 28 إعانات تتجاوز خط الفقر الوطني. وتتجلى فجوات الكفاية بوضوح خاص في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحتين الدنيا والعليا، وهي البلدان التي تكون فيها فجوات الإنفاق على إعانات الإعاقة أكبر أيضاً، إذ يبلغ مستوى الإنفاق العام فيها 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 1.95% في البلدان المرتفعة الدخل.

مسارات تصميم نظم حماية اجتماعية تعزز المشاركة والتمكين

تبعاً للوضع الراهن والنظم الموروثة والنظم والبرامج القائمة، ستعتمد البلدان مسارات مختلفة لتوسيع تغطية الحماية الاجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة. فعلى سبيل المثال، يمكن لنظم المساعدة الاجتماعية الموجهة للفقراء أن تدرج الإعاقة معياراً للأهلية وتحدد عتبات أهلية أعلى لهذه الأسر، وأن تزيد قيمة الإعانات للأشخاص ذوي الإعاقة. ويمكن النظر في إعانات إعاقة شاملة ودعم من شخص آخر إضافة إلى إعانات المساعدة الاجتماعية لتغطية التكاليف المرتبطة بالإعاقة. ولتعظيم الأثر، ينبغي أن يتحول التركيز من استهداف الأسر إلى دعم الأفراد. وقد أنشأت بعض البلدان مؤخراً نظماً للحماية الاجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة بتصميم شامل جداً، كلبنان وعُمان.

ففي أبريل 2023، أطلق لبنان بدلاً وطنياً للإعاقة يدعم المواطنين واللاجئين ذوي الإعاقة في مواجهة التكاليف الإضافية للإعاقة وييسر حصولهم على الخدمات الرئيسية. وتُقيَّم الأهلية استناداً إلى بطاقة الإعاقة الشخصية التي تصدرها وزارة الشؤون الاجتماعية عبر برنامج الحقوق والوصول ونظام المعلومات الخاص به، الذي يتضمن قاعدة بيانات لحاملي بطاقات الإعاقة الشخصية. ومع أن جميع الأشخاص ذوي الإعاقة سيكونون مؤهلين في نهاية المطاف لتلقي البدل الوطني للإعاقة، فإن الأولوية في المرحلة الأولى من التطبيق تُعطى للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً، أي المولودين بين عامي 1995 و2005، لدعمهم في انتقالهم إلى التعليم العالي أو الالتحاق بسوق العمل، من خلال بدل شهري قدره 40 دولاراً أمريكياً. وأنشأت عُمان عام 2023 نظاماً شاملاً لإعانات الإعاقة في إطار قانون الحماية الاجتماعية الجديد الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 52/2023. وتكفل هذه الإعانة الشاملة مستوى أدنى من الدخل قدره 130 ريالاً عمانياً، أي نحو 340 دولاراً أمريكياً، شهرياً لجميع الأشخاص ذوي الإعاقة، بمن فيهم الأطفال، وتُراجع هذه القيمة بانتظام عبر دراسات لكفاية الإعانات. ولا يؤخذ الوضع الوظيفي في الاعتبار عند تحديد الأهلية، مما يتيح للأشخاص ذوي الإعاقة دخول سوق العمل مع تغطية تكاليفهم المرتبطة بالإعاقة.

المشاركة الفعلية لمنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة ضرورية لانتقال أخضر عادل

يمكن لنظم الحماية الاجتماعية أن تقدم دعماً مهماً للأشخاص ذوي الإعاقة، بما في ذلك عبر معالجة الفجوات التي اتسعت بفعل الأزمات المناخية وغيرها من الأزمات البيئية. وفي جميع الجهود الرامية إلى بناء نظم حماية اجتماعية شاملة، من المهم إشراك طائفة متنوعة من الأصوات من مجتمع الأشخاص ذوي الإعاقة. فالمشاركة الفعلية لمنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة وقياداتها أمر حاسم لضمان فعالية تصميم النظم، والتخطيط للاستجابة للكوارث في حالات الطوارئ والإجلاء، والاستجابات الإنسانية الطارئة. وينبغي مراعاة أصواتهم في إصلاح نظم الحماية الاجتماعية لجعلها أكثر شمولاً لهم. ومع ذلك، لا تتوافر سوى أدبيات وبيانات قليلة عن أثر الانتقال العادل على الأشخاص ذوي الإعاقة. ومن شأن عكس أصواتهم وإنشاء نظم حماية اجتماعية أقوى أن يبني مجتمعات أكثر قدرة على الصمود. وينبغي للحكومات أن تدرج منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفها من أصحاب المصلحة لضمان تخطيط للتكيف الصحي شامل لذوي الإعاقة. كما يلزم تمثيل أفضل لفئة الأشخاص ذوي الإعاقة في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، سواء في النقاش حول التكيف مع المناخ أو التخفيف من آثاره.

التصميم الشامل للنظم

تؤثر طريقة تحديد معايير الأهلية تأثيراً مهماً في التغطية السكانية، ويشمل ذلك مثلاً مراعاة عدد سنوات الاشتراك المطلوبة والعمر وشدة الإعاقة، وأحياناً اختبارات الموارد. وفيما يتعلق بعدد سنوات الاشتراك، ينبغي أن تكون فترة الاشتراك الدنيا المطلوبة للأفراد في القوى العاملة ثلاث سنوات وفقاً للاتفاقية رقم 102. ومن أصل 293 نظاماً، لا يشترط 26 نظاماً أي فترة اشتراك دنيا ويغطي العمال منذ اليوم الأول، ويحدد نصف الأنظمة البالغ عددها 158 التي تحدد فترة اشتراك دنيا مدة ثلاث سنوات أو أقل. غير أن النصف الآخر يتجاوز هذه العتبة، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، والمتوسط المطلوب 4.15 سنوات.

ويمكن أن تكون شدة الإعاقة معياراً آخر للأهلية، إذ يشترط 105 نظم من أصل 343 نظاماً عجزاً كلياً أو دائماً بنسبة 100%، في حين تعترف نظم أخرى بالعجز الجزئي أيضاً وتحدد نسبة مئوية مطلوبة معينة، تبلغ في المتوسط 55.1% بوسيط قدره 61%.

ومن سمات التصميم المهمة ذات الصلة توافق الإعانات مع العمل. فكثير من النظم تشترط العجز عن العمل، مما يستبعد فعلياً الأشخاص ذوي الإعاقة في سن العمل من سوق العمل في كثير من الأحيان، أو يحول دون حصولهم على الإعانات عند التحاقهم بعمل. ومن أصل 164 نظاماً تشترط العجز عن العمل، ينص 111 نظاماً على العجز التام عن العمل، و153 نظاماً على درجة ما من العجز عن العمل. وإذا كانت الإعانات متوافقة مع العمل، فقد يتيح ذلك تغطية بعض التكاليف المرتبطة بالإعاقة. فعلى سبيل المثال، تحدد قيرغيزستان فئات مختلفة من الإعاقة تبعاً للقدرة على العمل، ترتبط بمستويات مختلفة من إعانات الإعاقة بصرف النظر عن الوضع الوظيفي. وفي البرازيل، لم تكن إعانة الإعاقة غير القائمة على الاشتراكات والمشروطة باختبار الموارد، المعروفة بإعانة الدفع المستمر، تشمل في البداية الأشخاص ذوي الإعاقة العاملين. ومنذ عام 2015، أنشأ نظام معونة الإدماج، المؤسس بموجب المادة 94 من القانون رقم 13.146، حافزاً نقدياً لإدماج المستفيدين من ذوي الإعاقة في سوق العمل. ومنذ عام 2021، يمكن لهؤلاء الأفراد الحصول على 50% من إعانة الدفع المستمر إذا كانوا يعملون بأجر، ولا تُحتسب هذه الإعانة ضمن دخل الأسرة، ومن ثم لا تؤخذ في الاعتبار في اختبار الموارد.

وفضلاً عن ذلك، كثيراً ما تكون نظم إعانات الإعاقة غير متوافقة مع إعانات الحماية الاجتماعية الأخرى، ولا سيما معاشات الشيخوخة. بل عادة ما تُحوَّل إعانات الإعاقة إلى معاشات شيخوخة عند بلوغ سن التقاعد. ورغم التكاليف الإضافية التي تترتب حين يصاب الناس بإعاقات وظيفية في الشيخوخة، فإن هذه التكاليف كثيراً ما لا تُغطى، وتُصرف معاشات الشيخوخة بالمستوى نفسه بصرف النظر عن الإعاقات في الشيخوخة. وقد استحدثت بعض البلدان، كألمانيا واليابان، نظماً خاصة للتأمين الاجتماعي للرعاية الطويلة الأجل، بينما تقدم بلدان أخرى إعانات أو خدمات إضافية لكبار السن ذوي الإعاقة، كمعاش الإعاقة التكميلي في أذربيجان الذي يحق للأشخاص ذوي الإعاقة تلقيه إضافة إلى معاش الشيخوخة.

ومن معايير الأهلية الأخرى العمر. فكما سبقت الإشارة، كثيراً ما يوجد حد أعلى للسن بالنسبة إلى الإعانات الخاصة بالإعاقة. كما تميل النظم إلى التركيز على السكان في سن العمل، ولا يغطي الأطفال ذوي الإعاقة سوى قليل من النظم، رغم التكاليف الإضافية التي تواجهها الأسر في دعم أطفالها ذوي الإعاقة.

وتوجه بلدان كثيرة إعانات الإعاقة إلى الأسر الفقيرة، مما قد يولد أخطاء إقصاء وفخاخ فقر. ويعد توفير الأجهزة المساعدة وإعادة التأهيل وخدمات الرعاية والدعم للأشخاص ذوي الإعاقة بصرف النظر عن دخلهم أو وضعهم من حيث الفقر أمراً أساسياً لتمكين إدماجهم.

وإلى جانب توفير خدمات ميسورة التكلفة، يجب أن تكون الخدمات الجيدة متاحة ومقبولة. واعترافاً بأن أفراد الأسرة، وكثيراً ما يكونون من النساء، يقدمون حصة كبيرة من الرعاية والدعم للأشخاص ذوي الإعاقة، وغالباً دون أجر، تتضمن بعض نظم إعانات الإعاقة مكملاً للرعاية المستمرة في 68 نظاماً من أصل 343، أو مكملاً للمعالين في 34 نظاماً من أصل 343، يعوض مقدمي الرعاية غير المأجورين عن تكاليف الفرصة البديلة لتقديم الرعاية دون أجر.

وإجمالاً، تعد البنية التحتية والخدمات العامة الجيدة والشاملة، كالمياه والنقل والكهرباء والمعلومات والتعليم والصحة، أساسية لتيسير الإدماج. فضمان بنية تحتية عامة أكثر شمولاً وتقليص العوائق في البيئة يقللان احتياجات الدعم وتكاليفه ويزيدان استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة.

آليات تقديم شاملة

يمكّن إنشاء نظام متين للحماية الاجتماعية الأشخاص ذوي الإعاقة من اجتياز التحولات المجتمعية وإدارة الأزمات. فعلى سبيل المثال، يمكن البناء على بدل الإعاقة وسجل الإعاقة لتقديم دعم إضافي أثناء الأزمات، إذ يمكن لسجل الإعاقة القائم أن يوفر معلومات مهمة عن الاحتياجات الخاصة للأشخاص ذوي الإعاقة لتنفيذ سياسات شاملة لإعادة الهيكلة الاقتصادية وعمليات الإغاثة الطارئة.

وينبغي ضمان إمكانية الوصول في جميع الأوقات على امتداد سلسلة تقديم إعانات الحماية الاجتماعية وخدماتها لتقديم إعانات الإعاقة بفعالية، بدءاً بنشر المعلومات والتسجيل وتحصيل الاشتراكات حسب الاقتضاء، وصولاً إلى الالتحاق وتقديم الإعانات وإجراءات الشكاوى. ففي مرحلة نشر المعلومات، ينبغي نقل المعلومات بطريقة مفهومة لجميع الأشخاص على اختلاف أنواع إعاقاتهم. ويعد تبسيط عملية التسجيل وتقليص الحاجة إلى التنقل أمرين حاسمين. ويمكن أن تكون طرق التسجيل أو الدفع الإلكترونية عند الطلب أيسر وصولاً إذا صُممت لتكون شاملة ودُعمت بالمساعدة الشخصية عند الحاجة. وعلى امتداد سلسلة التقديم، من المهم ضمان تدريب جميع الموظفين المعنيين بهذه الخطوات على مراعاة الاحتياجات الخاصة، إذ يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة أحياناً الوصم ويُعاملون معاملة تمييزية من الموظفين الذين يُفترض أن يخدموهم.

وقد يكون ضمان استمرارية العمل على امتداد سلسلة التقديم في أوقات الطوارئ أيضاً مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة. وتتجلى أهمية ذلك على نحو مأساوي في ارتفاع معدلات وفيات الأشخاص ذوي الإعاقة أثناء الكوارث ارتفاعاً كبيراً، إذ يقدر أنها تفوق أربعة أضعاف معدلها لدى بقية السكان.

4.2.6 الحماية من البطالة بوصفها نهجاً متكاملاً

الرسائل الرئيسية

على الصعيد العالمي، نفذ 93 بلداً وإقليماً نظماً للحماية من البطالة، أساساً عبر نظم التأمين الاجتماعي، وإن كان بعضها يعتمد على آليات ممولة من الضرائب.

واستجابة لأزمة الوظائف التي أطلقتها جائحة كوفيد 19، أجرت بلدان كثيرة حواراً اجتماعياً لتصميم نظمها للحماية من البطالة أو إصلاحها. ومنذ عام 2020، سنّت خمسة بلدان وأقاليم إضافية تشريعات لإنشاء مثل هذه النظم. غير أن التقدم في اعتماد نظم الحماية من البطالة وتحسينها تباطأ مع عودة معدلات البطالة إلى مستويات ما قبل الجائحة.

ولا تزال التغطية الفعلية لنظم الحماية من البطالة محدودة، إذ لا يتلقى الإعانات سوى 16.7% من العاطلين عن العمل في العالم، مع تفاوتات إقليمية كبيرة. وكثيراً ما يفتقر الشباب والعاملون لحسابهم الخاص والعاملون عبر المنصات الرقمية والعمال الزراعيون والمهاجرون إلى أي شكل من أشكال الحماية من البطالة حين يفقدون وظائفهم أو دخولهم.

وفضلاً عن ذلك، فإن كثيراً من النظم القائمة غير مهيأة للتصدي للتحديات المرتبطة بالمناخ. وثمة حاجة ملحة إلى توسيع الحماية من البطالة، بما في ذلك عبر الآليات الممولة من الضرائب، وضمان أن تعمل الإعانات بالاقتران مع سياسات سوق العمل النشطة. ومن شأن هذا التكامل أن يمكّن الحماية من البطالة من الاستجابة للصدمات المناخية الفورية ودعم التحولات في سوق العمل وسبل العيش في سياق الانتقال العادل.

الحاجة إلى حماية أكثر فعالية من البطالة من أجل الانتقال العادل

سيؤدي الانتقال إلى اقتصادات مستدامة بيئياً إلى إزاحة وظائف وسبل عيش وإلغائها، وسيوجد في الوقت ذاته فرصاً جديدة. ويتطلب تحقيق النتائج الاجتماعية والاقتصادية الإيجابية لهذا الانتقال تنسيقاً سياساتياً مقصوداً بين الحماية الاجتماعية وسياسات المهارات وسوق العمل النشطة، مع ضمان اتساق السياسات الاقتصادية والبيئية. وتعد نظم الحماية المتكاملة من البطالة التي تشمل جميع العمال محورية لضمان هذا الاتساق وانتقال سلس في سوق العمل في سياق العمل المناخي. فسياسات الحماية من البطالة ترمي إلى تعزيز العمالة الكاملة والمنتجة وتوفير أمن الدخل لمن يعجزون عن إيجاد عمل ملائم. والحماية من البطالة، المعترف بها حقاً من حقوق الإنسان وحقاً اجتماعياً واقتصادياً، مكرسة في صكوك دولية مختلفة، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966. ويجب على الحكومات، إلى جانب الشركاء الاجتماعيين، أن تضع سياسات وتدابير توسع الحماية من البطالة لتشمل الجميع، ليس عبر آليات التأمين الاجتماعي فحسب، بل أيضاً باستخدام النظم الممولة من الضرائب.

وتوسع اتفاقية النهوض بالعمالة والحماية من البطالة، 1988 (رقم 168)، والتوصية المرافقة لها رقم 176، نطاق الحماية ومستواها المنصوص عليهما في الاتفاقية رقم 102. فإلى جانب البطالة الكاملة، تغطي الاتفاقية رقم 168 العاملين بدوام جزئي الباحثين عن عمل بدوام كامل، وحالات البطالة الجزئية أو تعليق العمل، التي يمكن معالجتها عبر نظم الاحتفاظ بالوظائف ودعم الأجور. وفضلاً عن ذلك، تتناول الاتفاقية رقم 168 أسباب البطالة، التي كثيراً ما ترتبط بعوامل اقتصادية أو تكنولوجية أو هيكلية ترتبط في سياق اليوم بتغير المناخ. وفي هذا الصدد، تشدد الاتفاقية رقم 168 والتوصيتان رقم 202 ورقم 176 على التنسيق بين الحماية من البطالة والعمالة اللائقة وسياسات التفعيل في سوق العمل، ولا سيما عبر التدريب المهني ودعم ريادة الأعمال والتوظيف، مؤكدة بذلك ملاءمة العمل للباحثين عنه. ومن المهم أنها توصي باتخاذ تدابير خاصة لضمان حماية جميع العمال، بمن فيهم الوافدون الجدد إلى سوق العمل والشباب والمتدربون والعاملون لحسابهم الخاص والعاملون بدوام جزئي والعمال الموسميون والريفيون والعاطلون عن العمل لفترات طويلة والنساء. ويتطلب ذلك مزيجاً من التأمين الاجتماعي ونظم المساعدة في حالة البطالة والمساعدة الاجتماعية وبرامج التشغيل العام أو أحدها، متكاملة مع سياسات سوق العمل النشطة ومنسقة عبر خدمات توظيف عامة معززة. ويمكن لهذا النهج الشامل المبين في معايير الضمان الاجتماعي الدولية أن يوجه التحولات في سوق العمل الناجمة عن التغيرات المناخية والبيئية.

ورغم النشر السريع والفعال لإعانات البطالة الكلية أو الجزئية وغيرها من تدابير حماية الوظائف أو الدخل خلال جائحة كوفيد 19، فقد أوقف معظم هذه التدخلات وفقدت الأجندة زخمها بمجرد عودة معدلات البطالة إلى مستويات ما قبل الجائحة. ويرجح أن تُستحدث برامج الحماية من البطالة المستدامة والقانونية في سياقات خالية من الأزمات.

التغطية القانونية وأنواع نظم الحماية من البطالة

على الصعيد العالمي، يُشمل قانوناً 43.0% من القوى العاملة في حالة فقدان الوظيفة أو الدخل عبر نظم قائمة على الاشتراكات، أي التأمين الاجتماعي الإلزامي أو الطوعي، في حين يُشمل قانوناً 5.2% عبر نظم ممولة من الضرائب، كالمساعدة في حالة البطالة والمساعدة الاجتماعية وغيرهما، مكرسة في التشريعات الوطنية، علماً بأن التغطية الطوعية المنصوص عليها في التشريعات كثيراً ما لا تفضي إلى تغطية فعلية لأسباب متعددة.

وبينما تتمتع البلدان المرتفعة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة العليا بمستويات مرتفعة نسبياً من التغطية الإلزامية، تبلغ 80% و50.7% من القوى العاملة على التوالي، لا يُحمى سوى عامل واحد من كل أربعة عمال في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، ولا أحد في البلدان المنخفضة الدخل. ولا يزال التأمين الاجتماعي الآلية الغالبة للحماية من البطالة، غير أن فعالية تغطيته تعيقها انتشار العمالة غير المنظمة والعمل لحساب الذات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وفي البلدان المرتفعة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة العليا، تتمتع العاملات عادة بتغطية قانونية أعلى بقليل في حالة البطالة.

وتوجد نظم للحماية من البطالة، سواء عبر التأمين الاجتماعي أو الممولة من الضرائب، في 93 من أصل 194 بلداً أو إقليماً تتوافر عنها بيانات. ويشمل ذلك نظماً استُحدثت في أعقاب جائحة كوفيد 19 في غرينادا وإندونيسيا والعراق وجزر تركس وكايكوس والإمارات العربية المتحدة. وتُقدَّم الحماية من البطالة في الغالب عبر آليات التأمين الاجتماعي في 87 بلداً، وكثيراً ما تكون منسقة مع نظم ممولة من الضرائب في 38 بلداً، وبصورة أندر بوصفها آلية تأمين اجتماعي وحيدة في 16 بلداً. ولدى ست دول نظم لإعانات البطالة ممولة من الضرائب، هي نيوزيلندا والاتحاد الروسي، وكذلك أندورا وأستراليا وسيشيل وتونس مقترنة بإعانات نهاية الخدمة. وفي أمريكا اللاتينية، استكملت بلدان قليلة نظم التأمين الاجتماعي بصناديق لمكافأة نهاية الخدمة تمولها اشتراكات أصحاب العمل، هي البرازيل وكولومبيا وإكوادور وجمهورية فنزويلا البوليفارية. وتستخدم شيلي والأردن حسابات ادخار فردية للبطالة، وتُستكمل هذه الآلية في شيلي بمكون تضامني يموله أصحاب العمل والحكومة. غير أن حسابات الادخار الفردية لا تمتثل لمعايير الضمان الاجتماعي الدولية بسبب انخفاض مستويات الحماية فيها وغياب آليات التمويل الجماعي.

لماذا لا تعد حسابات الادخار الفردية إعانات بطالة للتأمين الاجتماعي

مع أن حسابات الادخار الفردية للبطالة تحقق الهدف البالغ الأهمية المتمثل في تأمين الدخل ومنع الفقر عند توقف الوظائف والدخول، فلا يمكن اعتبارها تأميناً اجتماعياً، لأنها لا تتسق مع بعض المبادئ المتفق عليها دولياً والمضمنة في اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 102 ورقم 168. ذلك أنها لا توفر تجميعاً للمخاطر عبر التمويل الجماعي وتحد من التضامن، ولا توفر حماية وافية وقابلة للتنبؤ، ولا سيما للعمال الذين يواجهون احتمالاً أعلى للبطالة وذوي الدخل الأدنى، وتُعد مدخرات شخصية يمكن في بعض التشريعات سحبها لمعالجة مخاطر أخرى في دورة الحياة كالإسكان والتعليم والصحة. وتكلفة هذه الحسابات أعلى لسببين: أولهما وجوب تحديد معدل الادخار أو الاشتراك عند مستوى مرتفع بالضرورة لبناء المدخرات الفردية، وثانيهما الحاجة إلى إيرادات ضريبية لدعم العاطلين عن العمل الذين لا يستطيعون تجميع مدخرات كافية، إن جمعوا شيئاً أصلاً. ويمكن أن تكون حسابات الادخار الفردية للبطالة مكملاً قيماً لنظم التأمين الاجتماعي أو نظم الحماية من البطالة الممولة من الضرائب، إذ تتيح الحصول على أموال لتلبية الاحتياجات العاجلة للأسرة أو لتطوير الأعمال، لكن لا ينبغي اعتبارها بديلاً عن تدابير الحماية الاجتماعية.

ومن بين 101 بلد وإقليم لا توجد فيها نظم للحماية من البطالة، يقدم 80 مكافآت نهاية الخدمة، أحياناً عبر صندوق إلزامي يموله أصحاب العمل، كما في كوستاريكا ودومينيكا وهندوراس وبنما وبيرو. ولا توفر مسؤوليات أصحاب العمل هذه سوى مستوى محدود من الحماية. وفي 55 من أصل 92 بلداً وإقليماً تطبق نظم التأمين ضد البطالة، أُبقي على مكافآت نهاية الخدمة آلية تكميلية.

التغطية الفعلية بالحماية من البطالة والتحديات في سياق سوق العمل الراهن

مع أن ما يقارب عاملاً واحداً من كل عاملين مشمول قانوناً، لا يتلقى الإعانات سوى 16.7% من العاطلين عن العمل، بواقع 56.1% في البلدان المرتفعة الدخل، و2.5% في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، و0.2% في البلدان المنخفضة الدخل. ومن ثم يبقى أكثر من 168 مليون عاطل عن العمل دون إعانات بطالة، منهم نحو 102 مليون رجل و66 مليون امرأة، مع تفاوتات إقليمية كبيرة. ويمكن أن تفسر سمات تصميم النظم، كشروط التأهيل المقيدة، والاستبعاد القانوني لأنواع معينة من العقود والقطاعات الاقتصادية، أو عتبات دخل الأسرة، فضلاً عن انتشار العمالة غير المنظمة على نطاق واسع، انخفاض التغطية الفعلية.

ويجب أن يراعي تفسير معدلات التغطية المنخفضة السياق الأوسع لسوق العمل. فمع أن معدل البطالة العالمي عاد إلى مستوى ما قبل الجائحة، إذ بلغ 5.1% في عام 2023، فإن معدل البطالة لا يعكس بدقة أوجه العجز في أسواق العمل في أقل البلدان نمواً وغيرها من البلدان النامية، حيث لا يستطيع العمال تحمل البطالة. وبدلاً من ذلك، يعد المقياس المركب لنقص استخدام اليد العاملة، الذي يشمل إلى جانب البطالة العمالة الناقصة المرتبطة بالوقت، البالغة 17.6% من القوى العاملة الموسعة، والقوى العاملة المحتملة، البالغة 10% من القوى العاملة الموسعة، مؤشراً تكميلياً. ومن المقاييس التكميلية الأخرى لمعدل البطالة فجوة الوظائف، التي تشير إلى عدد الأشخاص الراغبين في العمل، بصرف النظر عما إذا كانوا يبحثون عن عمل أو متاحين له. ففي عام 2023، كان 435 مليون شخص على الصعيد العالمي ضمن فجوة الوظائف، أي 11.0% من القوى العاملة الموسعة والراغبين في العمل غير الباحثين عنه، وهو أكثر من ضعف عدد العاطلين عن العمل. ويشوب تعافي العمالة بعد جائحة كوفيد 19 أيضاً استمرار أوجه العجز في العمل اللائق، الذي يتجلى في تراجع الأجور الحقيقية وانتشار العمالة غير المنظمة وتدهور ظروف العمل.

اهتمام خاص بالشباب

في عام 2023، بلغ معدل بطالة الشباب على الصعيد العالمي 13.3%، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2008. غير أن نسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب لا تزال مرتفعة، إذ بلغت 21.7% في عام 2023، أي 269 مليون شاب في العالم، ثلثاهم من النساء. وكثيراً ما يفتقر الشباب، بوصفهم وافدين جدداً إلى سوق العمل، إلى التغطية بنظم الحماية من البطالة، إذ يعملون في الغالب بعقود قصيرة الأجل أو عقود تلمذة مهنية. ولسد هذه الفجوة، تنفذ البلدان تدابير مبتكرة. ففي عام 2024، استحدثت الجزائر إعانة بطالة خاصة للشباب الباحثين عن عمل والوافدين الجدد ذوي الدخل المنخفض. واعتمدت الصين سياسة دعم لمرة واحدة لتحفيز المنشآت على توظيف خريجي الجامعات والعاطلين المسجلين، بما في ذلك خلال عامين من التخرج، شريطة التسجيل في التأمين الاجتماعي. وفضلاً عن ذلك، تقدم بعض البلدان إعفاءً جزئياً أو كلياً من اشتراكات التأمين ضد البطالة للوافدين الجدد شريطة تسجيلهم لدى خدمات التوظيف العامة، كالنمسا والبحرين وبلجيكا والدانمرك وعُمان ورومانيا وسلوفينيا، في حين يعترف بعضها الآخر بالتدريب المهني أو التلمذة المهنية فترات تأهيل للحماية من البطالة. وتتسق هذه الممارسة مع الاتفاقية رقم 168 ومع توصية التلمذة المهنية الجيدة، 2023 (رقم 208)، المعتمدة حديثاً، اللتين توصيان بتوسيع تغطية الحماية الاجتماعية لتشمل المتدربين.

ضمان تغطية الحماية من البطالة في جميع أشكال العمالة

ثبت أن إعانات البطالة تحد من الفقر وتحافظ على الاستهلاك وتؤثر إيجاباً في الصحة والرفاه خلال الانتقالات الوظيفية. فهي توفر دعماً للدخل يمكن أن يؤجل قرارات قبول وظيفة غير منظمة أو هشة. ويزيد التنسيق والتكامل مع سياسات سوق العمل النشطة من قابلية التوظيف والتوافق بين الوظائف والمهارات، ويشجعان العودة إلى عمل ملائم، مع آثار إيجابية على الأفراد والمنشآت والاقتصاد. ومع ذلك، كشفت أزمة كوفيد 19 هشاشة العمال الذين ليسوا فقراء ولا مسجلين في التأمين الاجتماعي، أي من يسمون "الوسط المفقود". فالعقود القصيرة الأجل والعقود بدوام جزئي مستبعدة قانوناً إلى حد كبير، وكثيراً ما تظل تغطية العاملين لحسابهم الخاص طوعية حتى حين توجد، كما في 13 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي وجمهورية كوريا. ومع أن الجمع بين الإعانات القائمة على الاشتراكات وغير القائمة عليها المرتبطة بسياسات سوق العمل النشطة شائع في البلدان المرتفعة والمتوسطة الدخل، فإن البلدان المنخفضة الدخل كثيراً ما تواجه صعوبة في تنفيذ مثل هذه السياسات العامة الشاملة بسبب عدم كفاية الاستثمار. ومع ذلك، يمكن لتكامل أمن الدخل والتفعيل في سوق العمل أن يسد فجوات الحماية بفعالية وييسر الانتقال إلى العمالة المنظمة، ولا سيما في سياق التحولات الهيكلية المستدامة بيئياً.

ويبرهن صندوق التأمين ضد البطالة وأحكام الإغاثة الاجتماعية من الضائقة في جنوب أفريقيا، اللذان وُسّعا خلال جائحة كوفيد 19، على فعالية المقاربات المركبة. وقد أفضت أزمة كوفيد 19 إلى ابتكارات رقمية، كنماذج التنبؤ الآني التي تستخدم بيانات الاستهلاك والعمالة والبيانات الاقتصادية لتحديد احتياجات الحماية الاجتماعية في الوقت الفعلي، بما في ذلك في بلدان نامية كالبرازيل وشيلي ومصر وغواتيمالا والمكسيك وباكستان والفلبين وجنوب أفريقيا وتوغو. كما دفعت بلداناً مثل شيلي وإيطاليا وإسبانيا إلى توسيع التأمين ضد البطالة ليشمل العمال المنزليين.

غير أن غير المواطنين في كثير من البلدان يفتقرون إلى الحماية من البطالة بسبب الاستبعاد القانوني وغياب التدابير الإدارية التي تضمن قابلية نقل الإعانات. ويواجه الأشخاص ذوو الإعاقة عوائق مستمرة أمام العمل، ويمكن لإعانات البطالة أن تؤمن دخلهم حتى إدماجهم أو إعادة إدماجهم في سوق العمل. ومع التطور السريع للعمل عبر المنصات، تستكشف عدة بلدان تدابير للحماية من البطالة لهؤلاء العمال، ككندا والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وينبغي أيضاً توسيع تغطية التأمين ضد البطالة لتشمل العمال الزراعيين بأجر. وفضلاً عن ذلك، يمكن لنهج متكامل، كبرنامج بينظير لدعم الدخل في باكستان وبرنامج ابدأ مشروعك الخاص في سري لانكا، أن يفيد العاملين لحسابهم الخاص والمزارعين الذين يزرعون للكفاف، ولا سيما النساء. وتوفر برامج الأشغال العامة أيضاً أمن الدخل ومهارات جديدة مع تركيز على المناطق الريفية. ويمكن تعزيز الأثر الطويل الأمد لهذه البرامج على العمل اللائق من خلال ربطها على نحو أكثر منهجية بخدمات التوظيف العامة وغيرها من سياسات سوق العمل.

وفي ضوء التحديات المعقدة في أسواق العمل، فإن الاعتماد على نظم التأمين ضد البطالة وحدها، المصممة عادة للعمالة المنظمة والمسجلة، لا يكفي لتوفير تغطية كافية. فالتدخلات الفعالة تتطلب مقاربات كلية وتكامل السياسات والتدابير الرامية إلى تحسين ظروف العمل والأجور وقابلية التوظيف والانتقال إلى الاقتصاد المنظم، ومعالجة العمالة الناقصة، الشائعة بين النساء والشباب، والإحباط في البحث عن عمل. وقد طُبقت هذه المقاربات الكلية في الأرجنتين والبحرين والبرازيل والصين والهند وماليزيا وموريشيوس. وقد بينت دراسات متعددة الفعالية الفورية والطويلة الأمد لتكامل الحماية الاجتماعية مع سياسات سوق العمل النشطة في البلدان المرتفعة الدخل. غير أن هذا التكامل ودور خدمات التوظيف العامة لا يزالان بحاجة إلى تعزيز وتمويل كاف في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فنظم الحماية المتكاملة من البطالة، أي الإعانات القائمة على الاشتراكات والممولة من الضرائب المرتبطة بسياسات سوق العمل النشطة، تهيئ بيئة مواتية للعمل اللائق وتحسن التوافق بين المهارات والوظائف، وهو ما يفيد بدوره جميع العمال والمنشآت، بما فيها الصغيرة والمتوسطة، ويؤثر إيجاباً في النتائج الاقتصادية. ويمكن لواضعي السياسات أن يستفيدوا استراتيجياً من هذا التكامل في سياق الانتقال المناخي والبيئي لنقل العمال إلى عمالة لائقة ومنظمة.

تكييف نظم الحماية من البطالة للاستجابة على نحو أفضل للتحديات المناخية وتحولات سوق العمل

ينطوي تحويل نماذج الإنتاج والاستهلاك نحو ممارسات أكثر استدامة بيئياً على الابتعاد عن الصناعات الكثيفة الاستخدام للموارد والملوثة، وتعزيز الاقتصاد الدائري. وقد تؤثر هذه التحولات في العمالة في قطاعات اقتصادية معينة، ولا سيما الطاقة والنقل والصلب والزراعة والبناء والتمويل والتأمين.

ولدى أكبر 25 منتجاً للفحم في العالم، التي يرجح أن تتأثر بشدة بانتقال قطاع الطاقة، نظام للتأمين ضد البطالة، إلى جانب نظام للشيخوخة يقدم إعانات التقاعد المبكر. غير أن أداء هذه النظم لا يزال بحاجة إلى تحسين؛ إذ لم يحقق سوى 7 من الأنظمة الخمسة والعشرين تغطية فعلية بالحماية من البطالة تتجاوز 50%. وقد أدركت إندونيسيا وجنوب أفريقيا وفييت نام بالفعل التقاطع الحاسم بين الأهداف المناخية والاجتماعية في شراكات الانتقال العادل للطاقة لديها.

ويقع ما يقارب ثلثي جميع وظائف الطاقة المتجددة في آسيا، إذ تستأثر الصين وحدها بنسبة 42% من المجموع العالمي. وفي هذا الإقليم، لا يُشمل قانوناً بنظام للحماية من البطالة سوى 38.6% من القوى العاملة. ويقلص انخفاض التغطية القانونية هذا الدور الذي يمكن أن تؤديه نظم الحماية من البطالة في تيسير الحصول على برامج إعادة التأهيل أو الانتقال الجغرافي، اللازمين لمعالجة عدم التوافق في المهارات والقطاعات والأماكن والتوقيت الناجم عن انتقال قطاع الطاقة.

وفضلاً عن ذلك، ومن أجل ما يتجاوز أمن الدخل وإعادة التوظيف، من الأهمية بمكان ضمان استمرار الحصول على الحماية الصحية الاجتماعية وإعانات الأمومة والأطفال خلال فترات البطالة وفق اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 168، وهو أمر مهم بوجه خاص للحد من الهشاشة إزاء تغير المناخ. ويستدعي التصدي للآثار المناخية الفورية والبطيئة الحدوث نظماً للحماية من البطالة موسعة ومبتكرة وأكثر قدرة على الصمود. ويناقش هذا القسم تكييفات ملموسة لنظم الحماية من البطالة للاستجابة على نحو أفضل للتحديات التي تفرضها ضرورة الانتقال العادل.

نظم التأمين ضد البطالة

أثبت التأمين ضد البطالة فعاليته في دعم العمال وأصحاب العمل المتضررين من الصدمات المرتبطة بالمناخ خلال فيضانات عام 2011 في تايلند، من خلال تمديد فترة الإعانات وتخفيض الاشتراكات. وأصلحت شيلي مؤخراً نظامها للبطالة لمواجهة الكوارث، بما فيها الكوارث الطبيعية. كما يعد التأمين ضد البطالة، المرتبط ببرامج التوظيف وإعادة التأهيل، عاملاً تمكينياً فعالاً لدعم سياسات التخفيف، كما في ألمانيا وإسبانيا. وتتضمن نظم التأمين ضد البطالة في كندا وألمانيا واليابان بدلاً مهنياً أو بدل تنقل لتشجيع الباحثين عن عمل على تولي وظائف جديدة في مناطق أخرى أو المشاركة في برامج إعادة التدريب. ومن التدابير الملموسة الأخرى إزالة العوائق القانونية، كاستبعاد المنشآت المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والعاملين لحسابهم الخاص والمتدربين والعاملين بدوام مؤقت أو جزئي، والمعايير القائمة على العمر، وشروط التأهيل المفرطة الصرامة، أو تقديم دعم حكومي للوافدين الجدد إلى سوق العمل والأشخاص ذوي الإعاقة والعمال ذوي فترات الاشتراك القصيرة والعاطلين عن العمل لفترات طويلة.

معاشات التقاعد المبكر

في سياقات الانتقال البيئي، توفر معاشات التقاعد المبكر أمن الدخل على أساس طوعي للعمال الأكبر سناً الذين يُستبعد أن يجدوا عملاً جديداً. ففي مفاوضات التخلص التدريجي من الفحم مثلاً، عرضت ألمانيا وإسبانيا معاش التقاعد المبكر على عمال المناجم الذين تجاوزت أعمارهم 58 عاماً و48 عاماً على التوالي. غير أن السنوات الأخيرة شهدت اتجاهاً نحو تقييد إمكانيات التقاعد المبكر سعياً إلى رفع سن التقاعد في سياق شيخوخة السكان. وفي هذه الحالات، تصبح سياسات سوق العمل النشطة المصممة لتلبية احتياجات العمال الأكبر سناً، إلى جانب تدابير دعم الدخل، أكثر أهمية لتيسير انتقال عادل يعزز التضامن بين الأجيال.

برامج الاحتفاظ بالعمالة

في أوقات الأزمات، يمكن لنظم الاحتفاظ بالوظائف ودعم الأجور أن تحمي دخول العمال بفعالية مع الحفاظ على علاقة العمل، فتخفض بذلك تكلفة إعادة توظيف المستخدمين. وقد نُفذت هذه البرامج، الممولة إما من اشتراكات العمال وأصحاب العمل أو من الضرائب العامة، على نطاق واسع خلال جائحة كوفيد 19. ومع أنها يمكن أن تدعم بفعالية الصناعات التي تواجه صدمات مناخية مؤقتة، فإنها لا تعالج البطالة الهيكلية البطيئة الحدوث، وسيظل أثرها محدوداً ما لم توسَّع لتشمل المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

نظم المساعدة الاجتماعية

ترمي نظم المساعدة الاجتماعية والمساعدة في حالة البطالة، الممولة عادة من الضرائب، إلى تأمين دخل أساسي ومنع الفقر والإقصاء الاجتماعي والاقتصادي للأفراد غير المشمولين بالتأمين ضد البطالة أو الذين استنفدوا استحقاقاتهم. ويمكنها أيضاً دعم العمال الريفيين في الانتقال نحو وظائف لائقة من خلال الجمع بين الدخل وإعادة التأهيل ودعم ريادة الأعمال، كبرنامج الاستجابة للأزمات في نيكاراغوا، الذي يساعد الأسر الريفية على الانتقال من زراعة الكفاف إلى العمل لحساب الذات في أنشطة غير زراعية استجابة لتزايد المخاطر المناخية. ومتى أُنشئت نظم المساعدة الاجتماعية، يمكنها أن توسع دعمها بسرعة للأفراد والأسر في حالة الصدمات المناخية، باستخدام آليات الإنذار المبكر والبيانات العالية التواتر للتنبؤ بالصدمات الاقتصادية التي تصيب الأسر. غير أن برامج البطالة الممولة من الضرائب كثيراً ما تقدم إعانات أدنى من نظم التأمين ضد البطالة، وتقتصر على أدنى الأسر دخلاً.

برامج التشغيل العام

توفر برامج التشغيل العام دعماً مالياً للأفراد والأسر أثناء مشاركتهم في جهود إعادة الإعمار بعد الصدمات المرتبطة بالمناخ، وبناء بنية تحتية قادرة على الصمود في وجه المناخ، وتعزيز الإنتاج الزراعي الأخضر. ففي أعقاب إعصار هايان عام 2013، أطلقت وزارة العمل والتوظيف في الفلبين برنامج سبل العيش المتكاملة والعمالة الطارئة الرامي إلى توفير عمالة بأجر قصيرة الأجل ودعم ريادة الأعمال، مع ربطها بالتسجيل في الضمان الاجتماعي.

وسيحول الانتقال البيئي حتماً أسواق العمل، مما يتطلب ابتكارات في الحماية من البطالة وسياسات سوق العمل النشطة. ويمكن للتأمين ضد البطالة، القائم بالفعل في 87 بلداً، أن يدعم العمال المتأثرين بالانتقال المناخي والبيئي. غير أن الاعتماد على التأمين الاجتماعي وحده لا يكفي لحماية العمال في جميع أشكال العمالة وضمان انتقال عادل. ولذلك، وبالتوازي مع جهود تحسين أداء التأمين ضد البطالة، يجب على الحكومات أن تنظر في استحداث نظم متكاملة للحماية من البطالة تجمع بين إعانات البطالة من التأمين الاجتماعي أو الآليات الممولة من الضرائب وسياسات سوق العمل النشطة. وتشمل الإجراءات الفورية: توسيع النطاق القانوني لإعانات البطالة وتخفيف شروط التأهيل لها؛ والاستثمار في سياسات سوق العمل النشطة وتعزيزها، بما فيها خدمات التوظيف العامة؛ والاستفادة من نماذج التنبؤ الآني للاستجابة السريعة للصدمات الاقتصادية؛ وإدخال الإنذار المبكر والمعلومات المناخية في حوكمة النظم؛ واستكشاف مقاربات مبتكرة للوصول إلى العمال في جميع أشكال العمالة.

4.3 الحماية الاجتماعية للنساء والرجال المسنين: المعاشات التقاعدية وغيرها من الإعانات غير الصحية

الرسائل الرئيسية

لا يزال ضمان حماية وافية في الشيخوخة يمثل تحدياً، ولا سيما للنساء، والعاملين في المهن المنخفضة الأجر، والعاملين في أشكال العمالة غير المستقرة، والعاملين عبر المنصات الرقمية، والمهاجرين. ومن المرجح أن يتفاقم هذا التحدي بفعل تغير المناخ، في صورة هجرة قسرية ومسارات مهنية مجزأة وضغوط اقتصادية عامة يسببها المناخ.

والمعاشات التقاعدية هي أكثر أشكال الحماية الاجتماعية انتشاراً على الصعيد العالمي. ففي جميع أنحاء العالم، يحصل 79.6% من الأشخاص الذين تجاوزوا سن التقاعد على شكل من أشكال معاش الشيخوخة. ومع ذلك، لا يحصل أكثر من 165 مليون شخص تجاوزوا سن التقاعد القانونية على معاش تقاعدي.

وفي كثير من البلدان، ولا سيما تلك التي ينتشر فيها العمل غير المنظم، كان توسيع المعاشات التقاعدية القائمة على الاشتراكات أمراً صعباً. ويوفر استحداث معاشات ممولة من الضرائب مصدر دخل مهماً لكبار السن، ولا سيما للفئات التي كانت مستبعدة سابقاً. ومع ذلك، فإن مستويات الإعانات في بعض البلدان غير كافية لضمان أرضية للحماية الاجتماعية لكبار السن.

وتُظهر اتجاهات توسيع نظم المعاشات التقاعدية وتكييفها تفاوتاً كبيراً بين الأقاليم وداخلها. ففي البلدان التي تتمتع بنظم حماية اجتماعية واسعة وراسخة ويشيخ سكانها، يكمن التحدي الرئيسي في الحفاظ على توازن دقيق بين الاستدامة المالية وكفاية المعاشات. أما البلدان الأخرى فلا تزال تواجه تحديات تتعلق بتوسيع نظم معاشاتها وتمويلها، كضعف التنمية الاقتصادية وتفشي العمل غير المنظم ومحدودية القدرة على الاشتراك والفقر وقيود الموارد المالية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتهدد الأزمة المناخية الاستدامة المالية لنظم المعاشات التقاعدية وكفايتها. ومن ثم يتعين على هذه النظم أن تتكيف لمواجهة المخاطر المرتبطة بالمناخ بما يضمن استدامتها على المدى الطويل ويحمي جودة حياة المستفيدين. كما يمكن لصناديق المعاشات التقاعدية أن تساعد في مكافحة الأزمة المناخية من خلال الاستثمار الاستراتيجي في الأصول المستدامة والمنخفضة الكربون. فمن خلال مواءمة استراتيجياتها الاستثمارية مع الاستدامة البيئية وتبني مبادئ الاستثمار المسؤول، يمكن لصناديق المعاشات أن تصبح من الجهات الرئيسية في جهود التخفيف العالمية، بما يضمن مستقبلاً مستداماً لجميع الأجيال.

4.3.1 ضمان أمن الدخل في الشيخوخة لإعمال حق كبار السن في الضمان الاجتماعي

يعد ضمان أمن الدخل للأفراد في الشيخوخة جانباً أساسياً من جوانب الحق الإنساني في الضمان الاجتماعي، وشرطاً مسبقاً للحد من الهشاشة وتعزيز القدرة على الصمود في سياق تغير المناخ. وتعد نظم المعاشات التقاعدية العامة أساسية في تقديم هذا الدعم، إذ تستخدم مزيجاً من الآليات لضمان الاستقرار المالي لكبار السن. ويتعزز هذا الدعم بتوفير خدمات اجتماعية متاحة كالرعاية الصحية والمساعدة المنزلية والرعاية الطويلة الأجل، وكلها جزء لا يتجزأ من تأمين حياة كريمة في الشيخوخة.

ودور أمن الدخل في التخفيف من الفقر والحد من هشاشة كبار السن دور حاسم، ويسهم مباشرة في تحقيق الغاية 1.3 من أهداف التنمية المستدامة، إلى جانب أهداف أخرى. ولضمان الشمول وعدم ترك أي مسن دون دعم، من الأساسي أن يطور واضعو السياسات والمشرعون أطراً واسعة القاعدة للحماية الاجتماعية ويحافظوا عليها، ملتزمين بمبدأ الشمولية. ووفقاً للتوصية رقم 202، يمكن لمزيج فعال من نظم المعاشات القائمة على الاشتراكات وغير القائمة عليها أن يوفر حماية شاملة للجميع.

المعايير الدولية بشأن معاشات الشيخوخة

حقوق كبار السن في الضمان الاجتماعي وفي مستوى معيشي ملائم منصوص عليها في الصكوك الرئيسية الدولية لحقوق الإنسان، أي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 بعبارات أعم. وتوفر معايير الضمان الاجتماعي الدولية إطاراً شاملاً من المبادئ الجوهرية والمعايير المرجعية لإنشاء نظم معاشات شيخوخة ملائمة وتطويرها والحفاظ عليها. وتوفر الاتفاقية رقم 102 والتوصية رقم 202، إلى جانب اتفاقية إعانات العجز والشيخوخة والورثة، 1967 (رقم 128)، والتوصية المرافقة لها رقم 131، إطاراً مرجعياً دولياً للمعاشات التقاعدية وغيرها من إعانات الضمان الاجتماعي لضمان أمن الدخل والحصول على الرعاية الصحية في الشيخوخة. وتنص هذه الصكوك على وجوب تقديم معاشات شيخوخة ملائمة بمستويات مضمونة عند استكمال فترة التأهيل، وتعديلها بانتظام للحفاظ على القوة الشرائية لأصحاب المعاشات حتى وفاة المستفيد. ويمكن تقديم المعاشات من خلال نظم قائمة على الاشتراكات أو نظم شاملة أو مشروطة باختبار الموارد أو باختبار المعاش غير قائمة على الاشتراكات، أو كليهما. وينبغي أن تكفل المعاشات القائمة على الاشتراكات الحفاظ على الدخل بضمان معدلات تعويض دنيا تعادل نسبة محددة من الكسب السابق، أو مستويات إعانات دنيا. وينبغي أن تكون المعاشات غير القائمة على الاشتراكات، بما فيها المشروطة باختبار الموارد، كافية على الأقل لإعالة المستفيد وأسرته في ظروف صحية لائقة وكريمة. وينبغي أن تكفل هذه الإعانات مجتمعة حياة كريمة في الشيخوخة بفضل نظم حماية اجتماعية شاملة، بما فيها الأرضيات التي توفر أيضاً مستويات أعلى من المعاشات. ونظراً إلى سرعة شيخوخة المجتمعات وما يرتبط بها من تحديات تمويلية، تؤكد التوصية رقم 202 أن الدولة هي الجهة المنوط بها المسؤولية الشاملة والرئيسية عن الحماية الاجتماعية، بما في ذلك ضمان الاستدامة المالية والضريبية والاقتصادية لنظم المعاشات التقاعدية مع المراعاة الواجبة للعدالة الاجتماعية والإنصاف.

4.3.2 أنواع نظم المعاشات التقاعدية

تتسم نظم المعاشات التقاعدية على الصعيد العالمي بقدر كبير من التنوع، وكثيراً ما تجمع بين النظم القائمة على الاشتراكات والنظم الممولة من الضرائب لضمان حماية شاملة ووافية ومتكاملة. ومع الاعتراف بأشكال مختلفة من الحماية، توفر معايير الضمان الاجتماعي الدولية مجموعة من المبادئ التي توجه البلدان وتضمن حماية وافية للسكان. وفي صميم هذا الإطار، أدت نظم المعاشات العامة دوراً محورياً في تأمين دخل ملائم لكبار السن، فأسهمت إسهاماً كبيراً في الحد من الفقر والتخفيف من عدم المساواة. وقد وسعت بلدان كثيرة نظم معاشاتها مع مرور الوقت من خلال توسيع التغطية لتشمل فئات لم تكن مشمولة حتى الآن، بمن فيهم العاملون لحسابهم الخاص؛ وإدماج مكونات تكفل مستويات دنيا للمعاشات؛ واستحداث تدابير إضافية في بعض الحالات لتوفير مستويات أعلى من الإعانات.

ومن بين 222 بلداً وإقليماً تتوافر عنها بيانات، يقدم 213 معاشات شيخوخة في صورة مدفوعات نقدية دورية عبر نظام واحد على الأقل. ومن بين هذه، يعتمد 178 على التأمين الاجتماعي العام بوصفه النمط الغالب للحماية، ويستخدم 119 مزيجاً من النظم القائمة على الاشتراكات وغير القائمة عليها، ويقتصر 86 على النظم القائمة على الاشتراكات، و8 على النظم الممولة من الضرائب فقط. وفضلاً عن ذلك، يقدم 30 بلداً وإقليماً إعانات شاملة لجميع من تجاوزوا سناً معينة، أو مقترنة بإعانات ممولة من الضرائب مشروطة باختبار الموارد، في حين يقدم 97 إعانات مشروطة باختبار الموارد فقط، سواء باختبار الدخل أو باختبار المعاش، لكبار السن غير المؤهلين لأي معاش آخر. ولا تزال أقلية صغيرة من أربعة بلدان وأقاليم تقدم مدفوعات بمبلغ مقطوع لمرة واحدة بدلاً من الإعانات الدورية، مستخدمة صناديق الادخار أو مبادرات مماثلة.

وفيما يتعلق بالنظم القائمة على الاشتراكات، تسود نظم المعاشات ذات الإعانات المحددة، القائمة على مبدأ التمويل الجماعي، في 84% من البلدان. ومن بين هذه، يُستكمل نحو ربعها إما بنظام إلزامي ذي اشتراكات محددة أو بنظام ذي اشتراكات محددة افتراضية. وفضلاً عن ذلك، يعتمد 13% من البلدان حصراً على نظم إلزامية ذات اشتراكات محددة قائمة على الحسابات الفردية، ولا يعتمد سوى 1% حصراً على نظم الاشتراكات المحددة الافتراضية، وهو مصطلح يصف حسابات شخصية فردية افتراضية أو صورية في إطار نظام عام قائم على التوزيع.

4.3.3 التغطية القانونية

يُشمل أكثر من نصف السكان في سن العمل في العالم، أي 51.4%، بنظم قانونية إلزامية وطوعية قائمة على الاشتراكات، ومن ثم يحتمل أن يتأهلوا لمعاش قائم على الاشتراكات عند بلوغ السن المحددة. غير أن 39.4% فقط من السكان في سن العمل مشمولون بنظام إلزامي، بينما يُشمل 12.0% إضافية بنظم طوعية كثيراً ما يظل الإقبال عليها دون التوقعات، ومن ثم لا يفضي إلى حصول فعلي على المعاشات. ويُعزى ذلك في الغالب إلى انخفاض القدرة على الاشتراك، وإلى الإحساس ببعد التقاعد، الذي يتعارض مع الاحتياجات المالية العاجلة للأسر.

وفي الوقت ذاته، يتمتع 44.0% من السكان في سن العمل في العالم بتغطية قانونية بموجب نظام شامل أو مشروط باختبار الموارد غير قائم على الاشتراكات وممول من الضرائب، مما يجعلهم مؤهلين محتملين لإعانة غير قائمة على الاشتراكات عند بلوغ سن التقاعد.

وفي نظم المعاشات الإلزامية القائمة على الاشتراكات، يكون معدل التغطية القانونية للنساء أدنى منه للرجال، إذ يبلغ 32.6% مقابل 46.3% من مجموع السكان في سن العمل على التوالي. وتعكس هذه الفجوة بين الجنسين انخفاض مشاركة المرأة في سوق العمل، وتمثيلها المفرط في سياقات كثيرة بين العاملين لحسابهم الخاص والعاملين المساهمين في الأعمال الأسرية، ولا سيما في الزراعة، والعمال المنزليين، أو غيرهم من فئات العمال المستبعدين من التغطية القانونية. ففي الدول العربية، تنخفض التغطية القانونية للنساء بموجب النظم الإلزامية القائمة على الاشتراكات انخفاضاً ملحوظاً إلى 12.1%، في حين تبلغ تغطية الرجال 49.0%. وتظهر أنماط مماثلة في شمال أفريقيا وجنوب آسيا. وفضلاً عن ذلك، ومع أن بعض هؤلاء النساء غير المشمولات قد يتأهلن في نهاية المطاف لمعاشات الورثة على الأقل، فإن هذه الإعانات لا توفر مستوى الأمان ذاته الذي توفره المعاشات المكتسبة مباشرة من اشتراكاتهن الخاصة.

4.3.4 التغطية الفعلية: رصد مؤشر أهداف التنمية المستدامة 1.3.1 لكبار السن

يمكن رصد التغطية الفعلية لنظم المعاشات التقاعدية باستخدام مؤشرين متكاملين: أحدهما يركز على السكان في سن العمل الذين يسددون اشتراكات في نظام للمعاشات، والآخر على كبار السن الذين يتلقون فعلياً إعانات المعاشات.

التغطية الفعلية للأشخاص في سن العمل (المشتركون)

على الصعيد العالمي، يشترك 58.5% من القوى العاملة في العالم فعلياً في نظام للمعاشات، ويمكنهم توقع الحصول على معاش قائم على الاشتراكات عند التقاعد. غير أن هناك فوارق إقليمية كبيرة، إذ لا تتجاوز معدلات التغطية 9.7% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مقابل أوروبا الشرقية وأمريكا الشمالية حيث تشترك الغالبية العظمى من العمال، بنسبة 91.0% و99.3% على التوالي.

ويلقي عدد الأشخاص في سن العمل الذين يشتركون فعلياً في نظام للمعاشات الضوء على التغطية المتوقعة بالمعاشات لهذه الفئة في المستقبل، ويمكن قياس هذا المؤشر بوصفه نسبة من القوى العاملة أو نسبة من السكان في سن العمل. ومع ذلك، لا يشترك في نظم المعاشات سوى ثلث السكان في سن العمل، أي 35.0%، وهو مصدر قلق كبير، ولا سيما بالنسبة إلى النساء. وفي البلدان المنخفضة الدخل خصوصاً، تبعث نسبة التغطية الضئيلة البالغة 7.3% من القوى العاملة و4.8% من السكان في سن العمل على القلق. ونتيجة لذلك، يبلغ عدد كبير من الأفراد سن التقاعد دون أي استحقاقات معاش في إطار النظم القائمة على الاشتراكات، بسبب ارتفاع مستويات العمل غير المنظم المرتبط بمحدودية القدرة على الاشتراك والامتثال، وضعف الحوكمة والقدرات المؤسسية. وفي الوقت ذاته، شهدت البلدان المتوسطة الدخل من الشريحتين العليا والدنيا زيادة كبيرة في التغطية بالمعاشات، بمعدلات تغطية تبلغ 72.9% و32.7% من القوى العاملة على التوالي. وقد يكون بعض هذا التقدم ثمرة مبادرات لتوسيع تغطية النظم القائمة على الاشتراكات لتشمل العاملين حالياً في العمالة غير المنظمة، ولا سيما من لديهم قدرة على الاشتراك. وبالقدر ذاته، تظل المعاشات الممولة من الضرائب مكملاً أساسياً لضمان مستوى أساسي من أمن الدخل في الشيخوخة للأفراد الذين لم يكونوا مشمولين سابقاً.

التغطية الفعلية لكبار السن (المستفيدون)

على الصعيد العالمي، يحصل 79.6% من الأفراد الذين تجاوزوا سن التقاعد على معاش، سواء عبر الوسائل القائمة على الاشتراكات أو غير القائمة عليها، مع تفاوتات إقليمية كبيرة. وقد ارتفعت التغطية بالمعاشات ارتفاعاً كبيراً في بعض أنحاء العالم منذ عام 2015، كجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، إذ بلغت 47.1% و48.4% من الأشخاص الذين تجاوزوا سن التقاعد على التوالي، وهو ما يمثل تقدماً كبيراً. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ارتفعت المعدلات أيضاً إلى 22.3%، وإن كان الأمر يتطلب مزيداً من الجهود لضمان تغطية شاملة بالمعاشات.

وعلى الصعيد العالمي، تحصل 49.2% من النساء و63.2% من الرجال على معاشات قائمة على الاشتراكات. أما بالنسبة إلى المعاشات الممولة من الضرائب، فتكون التغطية الفعلية لكبار السن الذين تجاوزوا السن القانونية أدنى بكثير، إذ تبلغ 34.2% للنساء و26.9% للرجال.

4.3.5 الإنفاق على الحماية الاجتماعية لكبار السن

يعد الإنفاق على المعاشات التقاعدية مؤشراً مفيداً على نضج نظم المعاشات، إذ يرتبط ارتباطاً قوياً بنسبة كبار السن من السكان. وعلى وجه التحديد، يتحدد حجم الإنفاق العام الوطني على المعاشات بعوامل متعددة، منها التركيبة الديمغرافية للبلد ومعدلات التغطية الفعلية وكفاية الإعانات والتباينات في المزيج السياساتي بين التوفير العام والخاص للمعاشات والخدمات الاجتماعية. وعلى الصعيد العالمي، يبلغ متوسط الإنفاق العام على المعاشات وغيرها من الإعانات غير الصحية لكبار السن 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي. غير أنه لا تزال هناك تفاوتات إقليمية كبيرة، إذ تتراوح مستويات الإنفاق بين 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا وآسيا الوسطى و1.7% في أفريقيا.

وتمر البلدان بمراحل متباينة من شيخوخة السكان، مع فوارق كبيرة مرتبطة بمستويات الدخل. فالبلدان النامية تتسم بتركيبة ديمغرافية أكثر شباباً ونظم معاشات ناشئة، وهو ما يشكل فرصة استراتيجية لإجراء التعديلات اللازمة استباقياً والتكيف مع التحديات المقبلة لتوسيع التغطية وتعزيز الاستدامة الاقتصادية الطويلة الأمد لأطر معاشاتها، وهو أمر أساسي للانتقال العادل في ضوء التحديات المرتبطة بالمناخ.

4.3.6 سد الفجوات بين الجنسين في الحصول على المعاشات

لا تزال الفجوات بين الجنسين في المعاشات تمثل تحدياً كبيراً، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى استمرار أوجه عدم المساواة بين الجنسين في سوق العمل وأوجه التفاوت المجتمعية الأوسع. فالنساء في بلدان كثيرة أقل احتمالاً للانخراط في عمل مأجور والاشتراك في نظام للمعاشات. وعلى الصعيد العالمي، بينما يشترك 40.9% من الرجال في سن العمل، لا تتجاوز النسبة 29.1% بين النساء. والتفاوتات بين الجنسين واضحة بوجه خاص في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، حيث لا تشترك في نظام للمعاشات سوى 2.9% و9.6% من النساء في سن العمل على التوالي.

ويزداد تقييد حصول المرأة على معاشات ملائمة بفعل الفجوات المستمرة في الأجور بين الجنسين، والمسارات المهنية المتقطعة في كثير من الأحيان، والمرتبطة غالباً بمسؤوليات الرعاية غير المتناسبة التي تتحملها المرأة وانعدام خدمات الرعاية الجيدة. وقد استحدثت بعض البلدان آليات في نظم المعاشات العامة للتخفيف من أوجه عدم المساواة هذه، كأرصدة الرعاية في المعاشات للنساء والرجال، أو ضمانات الحد الأدنى للمعاش. ولما كانت الإعانات في نظم المعاشات الخاصة مرتبطة ارتباطاً أكثر صرامة بسجلات الاشتراك، فإنها نادراً ما تتضمن تدابير تعويضية. بل إنها تعتمد أحياناً جداول اكتوارية خاصة بكل جنس، تكون مجحفة بحق النساء نظراً إلى انخفاض اشتراكاتهن وتقاعدهن المبكر وطول متوسط عمرهن المتوقع.

وتكتسي المعاشات الممولة من الضرائب أهمية حاسمة في تأمين مستوى أساسي على الأقل من أمن الدخل. فهي تضيق الفجوات بين الجنسين في التغطية، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، لكنها كثيراً ما لا تعالج فجوات كفاية الإعانات. ولذلك فإن مشاركة المرأة في النظم القائمة على الاشتراكات، ولا سيما نظم التأمين الاجتماعي، أمر أساسي لتحقيق المساواة بين الجنسين.

وعلى الصعيد العالمي، توفر المعاشات القائمة على الاشتراكات والممولة من الضرائب مستوى أساسياً على الأقل من أمن الدخل لنسبة 82.6% من الرجال المسنين و77.2% من النساء المسنات. وتكون الفجوات بين الجنسين كبيرة بوجه خاص في الأقاليم التي تنخفض فيها مشاركة المرأة في القوى العاملة وتغيب فيها المعاشات الممولة من الضرائب، كشمال أفريقيا والدول العربية. وفضلاً عن ذلك، تثير معدلات التغطية الإجمالية المنخفضة قلقاً خاصاً بالنسبة إلى النساء اللواتي يميلن إلى تشكيل غالبية كبار السن.

4.3.7 كفاية المعاشات لتوفير أمن دخل حقيقي لكبار السن

مع السعي إلى التغطية الشاملة، يظل ضمان كفاية المعاشات هدفاً محورياً. غير أن وضع طريقة قابلة للتطبيق عالمياً لتقييم كفاية المعاشات ينطوي على تحديات كبيرة. فكفاية المعاشات تشمل مؤشرات موضوعية، كمعدل التعويض أو قدرة المعاش على تلبية احتياجات المعيشة الأساسية، ومقاييس ذاتية، كتصورات المستفيدين لمدى قدرة معاشاتهم على الحفاظ على مستويات معيشتهم أو عكس إسهاماتهم في التقدم الاقتصادي والاجتماعي خلال سنوات عملهم.

ومن المؤشرات المحتملة للكفاية فعالية المعاشات وسيلة للحد من عدم المساواة في الدخل. فنظم المعاشات تسهم بالفعل في الحد من عدم المساواة، ولا سيما عبر النظم القائمة على الاشتراكات، وبدرجة أقل لكنها كبيرة مع ذلك عبر النظم غير القائمة على الاشتراكات. فعلى سبيل المثال، تخفض المعاشات القائمة على الاشتراكات معامل جيني بأكثر من 15% في 17 بلداً من أصل 35 بلداً، بل بنسبة لا تقل عن 30% في تشيكيا وبولندا وصربيا. غير أن المعاشات غير القائمة على الاشتراكات لا تحقق في 25 بلداً من أصل 35 بلداً سوى انخفاض في عدم المساواة في الدخل يقل عن 4%. ومع أن المعاشات المضمونة غير القائمة على الاشتراكات تظل جزءاً لا يمكن إنكاره وحاسماً من الأرضيات الوطنية للحماية الاجتماعية، فإن هذه البيانات تشير أيضاً إلى أن النظم القائمة على الاشتراكات قد تكون أكثر فعالية في التصدي لعدم المساواة في الدخل.

وفضلاً عن ذلك، تكشف بحوث منظمة العمل الدولية، المستندة إلى تحليل البيانات الإدارية عن مستوى الإعانات، بشأن 233 نظاماً للمعاشات القائمة على الاشتراكات في 137 بلداً، أن متوسط معاش الشيخوخة يعادل نحو 43% من متوسط الأجر في هذه البلدان. وفي المقابل، لا يتجاوز الحد الأدنى للمعاشات 32.7% من الحد الأدنى للأجور، وهي مستويات لا تكفي لتغطية تكاليف المعيشة.

أما بالنسبة إلى المعاشات الممولة من الضرائب، فالوضع مقلق بالقدر ذاته؛ إذ تبين من مراجعة 100 نظام في 79 بلداً أن متوسط الإعانات وحدها الأدنى لا يمثلان سوى 27.7% و20.4% من الحد الأدنى للأجور على التوالي. وفي 38 بلداً، يظل الحد الأدنى للمعاشات الممولة من الضرائب دون خط الفقر الوطني بكثير. ونتيجة لذلك، يظل كبار السن الذين يعتمدون على معاش ممول من الضرائب مصدراً لدخلهم فقراء. ويطال ذلك ما يقارب 31% من الأشخاص الذين تجاوزوا سن التقاعد، و34.2% من النساء المسنات، و26.9% من الرجال المسنين.

ومن المقاييس المحتملة الأخرى للكفاية معدل التعويض، الذي يصف نسبة المعاشات إلى الكسب قبل التقاعد. ويُتوقع أن تنخفض متوسطات معدلات التعويض في نظم المعاشات العامة المرتبطة بالكسب في كثير من البلدان الأوروبية بحلول عام 2070. وفي بعض الحالات، تكون الانخفاضات المتوقعة كبيرة، إذ يُتوقع أن تنخفض المعدلات كثيراً دون المعايير المرجعية الدنيا التي حددتها معايير الضمان الاجتماعي لمنظمة العمل الدولية، والبالغة ما لا يقل عن 40% إلى 45% من الكسب السابق، في الاتفاقيتين رقم 102 ورقم 128 على التوالي، بعد فترة اشتراك أو عمل مدتها 30 عاماً.

ويجب أن تحافظ المعاشات، بوصفها إعانات طويلة الأجل، على قوتها الشرائية وقيمتها الحقيقية على مدى فترة ممتدة. وتشترط معايير الضمان الاجتماعي الدولية الربط المنتظم لمستويات الإعانات بالمؤشرات. وتختلف ممارسات البلدان اختلافاً كبيراً، من الآليات الظرفية إلى الربط التلقائي، وتتباين هذه الممارسات بين مختلف نظم المعاشات. ومع أن أقل من نصف نظم المعاشات التي جرت مراجعتها، أي 48.2%، يستخدم أساليب الربط بالأسعار أو الأجور أو الأساليب المختلطة، فإن غالبية نظم المعاشات تلجأ إلى تعديلات ظرفية تتأثر في الغالب باعتبارات سياسية، مما يعرض القوة الشرائية للإعانات للخطر، ولا سيما في السياقات التضخمية. ويبعث غياب الربط المنتظم أو الاقتصار على تعديلات ظرفية على القلق. فمن دون تعديلات متسقة تتماشى مع الزيادات الحقيقية في الأجور أو مقاييس تكاليف المعيشة، ستتراجع مستويات معيشة كبار السن، مما يفضي إلى ارتفاع معدلات الفقر في الشيخوخة، ولا سيما بين النساء المسنات.

4.3.8 إصلاح نظم المعاشات التقاعدية في سياق مليء بالتحديات

انطلاقاً من القلق إزاء استدامة نظم المعاشات، أعلنت الحكومات في مختلف الأقاليم ما مجموعه 296 تدبيراً بين عامي 2013 و2023 ترمي إلى احتواء الإنفاق على المعاشات وتعزيز استدامتها الاقتصادية. وقد أرجأ نحو 136 تدبيراً سن التقاعد، وشملت على وجه التحديد رفع سن التقاعد العادية في 96 حالة، واستحداث عقوبات على التقاعد المبكر أو حوافز للتقاعد المتأخر أو تعديلها في 22 حالة، ومقترحات لإطالة فترة الأهلية أو فرض معايير أهلية أكثر صرامة في 18 حالة. وشملت تدابير أخرى تعديل صيغة الحساب أو طريقة الربط بالمؤشرات، وتخفيض مستوى الإعانات، وزيادة معدلات الاشتراك، وتقليص التغطية، وخصخصة النظم أو استحداث حسابات فردية.

وقد جاءت إصلاحات المعاشات الرامية إلى الاستدامة الطويلة الأمد مدفوعة بأزمات وتحديات قصيرة الأجل، لكنها جاءت أيضاً مدفوعة بعوامل جيلية أكثر جوهرية وبطئاً، كالتركيبة الديمغرافية وركود الأجور وعدم كفاية معدلات الاشتراك وانتشار أشكال العمالة الهشة وغير المحمية واتساع أوجه عدم المساواة وتراجع حصة العمل من الدخل. ونتيجة لذلك، أجرت بلدان كثيرة تعديلات لصون السلامة المالية لنظم معاشاتها، وإن كانت لها في الغالب تبعات على كفاية المعاشات. ويستهدف كثير من هذه التعديلات مستويات الإعانات أو معايير الأهلية، كزيادة العقوبات على التقاعد المبكر، أو رفع السن القانونية للأهلية للمعاش، أو ربط تعديلات سن التقاعد بمتوسط العمر المتوقع. فعلى سبيل المثال، رفعت فرنسا عام 2023 الحد الأدنى لسن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً بحلول عام 2032، وسرّعت زيادة فترة الاشتراك المطلوبة للحصول على معاش كامل. وأجرت المكسيك عام 2021 إصلاحات على نظام المعاشات الإلزامي القائم على الحسابات الفردية بزيادة اشتراكات أصحاب العمل وتعديل اشتراكات الحكومة وتقليص الحد الأدنى لفترة الاشتراك اللازمة لمعاش الشيخوخة ورفع الحد الأدنى المضمون للمعاش ووضع سقف للرسوم الإدارية، وتقدر الحكومة أن ذلك سيرفع كفاية المعاشات المستقبلية بنسبة 40% في المتوسط. ورفعت أوروغواي عام 2023 تدريجياً الحد الأدنى لسن التقاعد من 60 إلى 65 عاماً استناداً إلى سنة الميلاد والاشتراكات، مع استثناءات للمسارات المهنية الطويلة أو الوظائف الشاقة بدنياً. ورفعت اليابان عام 2023 سن التقاعد لموظفي الخدمة المدنية من 60 إلى 61 عاماً، مع خطة لرفعها تدريجياً إلى 65 عاماً بحلول السنة المالية 2031. وقررت سويسرا عام 2022 عبر استفتاء رفع سن تقاعد النساء تدريجياً لتعادل سن تقاعد الرجال بحلول عام 2028.

وينبغي أن تتسق الإصلاحات الهيكلية أو المعيارية مع المعايير المرجعية المنصوص عليها في معايير الضمان الاجتماعي الدولية لتحقيق الهدف المزدوج المتمثل في ضمان الاستدامة المالية والاقتصادية والضريبية مع إيلاء الأولوية في الوقت ذاته للإنصاف والعدالة الاجتماعية. ومن المبادئ المعيارية الأساسية ضمان ما يلي: إعانات وافية وقابلة للتنبؤ طوال حياة المستفيدين بوصفها استحقاقات قانونية؛ والإدارة المالية والتشغيلية الشفافة والخاضعة للمساءلة والسليمة لنظم المعاشات، ولا سيما بإشراك ممثلي العمال والأشخاص المحميين وأصحاب العمل في إدارة صناديق المعاشات؛ والتمويل الجماعي للمعاشات القائم على التضامن؛ والمراجعة المنتظمة لمستويات الإعانات لصون القوة الشرائية.

وقد استهدفت إصلاحات حديثة كثيرة الحفاظ على الاستقرار المالي من خلال تدابير تحدد متطلبات اشتراك دنيا أقل للعمال ذوي أنماط الاشتراك المتقطعة، وتمنح أرصدة اشتراك عن فترات البطالة، وتعزز قابلية نقل الإعانات بين مختلف سيناريوهات العمل. ولا تكفل هذه الإصلاحات اليوم نظم معاشات أكثر شمولاً وعدلاً فحسب، بل هي أيضاً حاسمة للاستعداد لمستقبل ستُخلّ فيه التحديات المرتبطة بتغير المناخ بأنماط العمالة التقليدية.

ومن الأمثلة على ذلك أن لبنان أنشأ في ديسمبر 2023 نظاماً جديداً للمعاشات الاجتماعية لعمال القطاع الخاص، يتسق مع معايير العمل الدولية والممارسات الدولية الجيدة، في خطوة حاسمة نحو ضمان مستوى معيشي لائق لكبار السن في لبنان. ويحل النظام الجديد محل تعويض نهاية الخدمة الحالي، وتُمنح بموجبه إعانات معاش شهرية مدى الحياة عند التقاعد أو العجز أو الوفاة للمؤمن عليه أو لأفراد أسرته الباقين على قيد الحياة. ويتضمن النظام ضمانين للحد الأدنى للمعاش لضمان مستويات معيشة لائقة لأصحاب المعاشات، أحدهما يتسق مع متطلبات اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 102. وتُربط المعاشات تلقائياً بتكاليف المعيشة لمواجهة التضخم، في حين يفقد تعويض نهاية الخدمة قيمته بسرعة خلال فترات التضخم المرتفع. ويدعم النظام الجديد أيضاً الانتقال إلى الاقتصاد المنظم؛ فأولاً، يمكن لأصحاب العمل والعاملين لحسابهم الخاص والعمال الزراعيين والعمال المنزليين الانضمام إلى نظام الضمان الاجتماعي لأول مرة، شريطة أن يشتركوا بالمستويات الدنيا المطلوبة؛ وثانياً، تأخذ صيغة المعاش في الحسبان الاشتراكات طوال المسار المهني بأكمله، مما يولد حافزاً قوياً ومباشراً للانتقال إلى الاقتصاد المنظم. وستتوقف كفاية المعاشات إلى حد حاسم على تطور الرواتب المصرح بها للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؛ فبينما تعدلت الرواتب الحقيقية تدريجياً لتتماشى مع مستويات الأسعار الجديدة، ظلت الرواتب المصرح بها للصندوق مرتبطة بالحد الأدنى للأجور. والنظام الجديد ممول جزئياً، وتُموَّل الإعانات جزئياً من الاشتراكات المستقبلية للمشتركين الحاليين والمقبلين، مما يوفر قدرة مالية أكبر على الصمود في وجه الصدمات الاقتصادية. فبعد فترات التضخم المرتفع، ستُعدَّل الأجور وفق ارتفاع تكاليف المعيشة، ومن ثم ستُعدَّل الاشتراكات المستقبلية في نظام المعاشات أيضاً. وفضلاً عن ذلك، ففي نظام معاشات ممول جماعياً، وتماشياً مع مبادئ منظمة العمل الدولية بشأن التمويل الجماعي والتضامن الاجتماعي، تُتحمل آثار الصدمات الديمغرافية أو الاقتصادية أو الاستثمارية جماعياً وتُوزَّع على فترة طويلة جداً تتراوح بين 75 و100 عام.

ويعد رفع سن التقاعد العادية تدبيراً شائعاً في جميع أنحاء العالم مع سعي البلدان إلى تحسين استدامة نظم معاشاتها. ومن أسباب تفضيل هذا التدبير أنه يمثل وسيلة بسيطة وفعالة نسبياً لتحسين الاستدامة المالية في نظام معاشات شيخوخة قائم على الاشتراكات، إذ يتمثل المحرك الرئيسي للتكلفة الأساسية في نظم المعاشات الممولة جزئياً في نسبة أصحاب المعاشات إلى المشتركين. وكما شوهد مؤخراً في فرنسا وغيرها، فإن رفع سن التقاعد مسألة حساسة دائماً تتطلب تحليلات وتواصلاً وحواراً اجتماعياً ملائمة.

وإلى جانب الاستدامة المالية، ثمة جوانب أخرى ينبغي مراعاتها، كزيادة متوسط العمر المتوقع مقارنة بمتوسط العمر الصحي المتوقع، ونسبة الحياة التي تُقضى في العمل مقارنة بتلك التي تُقضى في التقاعد، والمشاركة في القوى العاملة والتغطية بالمعاشات، وشروط الأهلية التفضيلية للوظائف الشاقة. فالمسألة ليست أبداً مجرد رفع آلي لسن التقاعد، بل ثمة جوانب كثيرة ينبغي مراعاتها، كما أبرز مؤتمر العمل الدولي.

وقد يفترض البعض أن انخفاض سن التقاعد يساعد على الحد من بطالة الشباب بإتاحة مزيد من فرص العمل للعمال الأصغر سناً. غير أن وجود هذه الصلة غير قاطع، لأن العمال الأصغر سناً لا يمتلكون بالضرورة مهارات مماثلة لمهارات العمال الأكبر سناً، ولا يمكنهم أن يحلوا تلقائياً محل المتقاعدين.

ولا يمكن إبقاء العمال الأكبر سناً في القوى العاملة بالاعتماد على الحوافز أو المثبطات التي توفرها أحكام المعاشات وحدها، بل يجب جعل العمل أكثر جاذبية للعمال الأكبر سناً بطرق شتى. ويتعين على أصحاب العمل الانضمام إلى هذا الجهد وتوفير ترتيبات عمل مرنة وفرص لتنمية المهارات وبرامج تدريبية، فضلاً عن تكييف أماكن العمل. ويمكن أن تسهم الحوافز الضريبية للشركات والأفراد أيضاً في تحقيق توازن أفضل. كما أن زيادة معدلات المشاركة في القوى العاملة ونسبة المشتركين، بمن فيهم النساء وغير المواطنين، تساعد على إعادة التوازن إلى نسبة أصحاب المعاشات إلى المشتركين.

ويمثل الاتجاه الجاري نحو رفع سن التقاعد استراتيجية حاسمة، وإن كانت مثيرة للجدل، لتعزيز استدامة نظم المعاشات في ظل التحولات الديمغرافية والواقع الاقتصادي. ومع أنه حل مباشر لزيادة التكاليف، فإن الأمر يتطلب نهجاً شاملاً يعالج الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والصحية الأوسع، أي منظوراً واسعاً يوازن بين الجدوى المالية والعدالة الاجتماعية والتفاوتات الصحية وديناميات سوق العمل.

4.3.9 الأزمة المناخية ودور نظم المعاشات التقاعدية

آثار الأزمة المناخية على نظم المعاشات التقاعدية

ستؤثر الأزمة المناخية المتفاقمة في كفاية نظم المعاشات واستدامتها بطرق عدة، بصرف النظر عما إذا كانت ممولة كلياً أو جزئياً، أو قائمة على التوزيع، أو قائمة على الاشتراكات أو ممولة من الضرائب. وفي الوقت ذاته، يمكن لنظم المعاشات أن تؤدي دوراً هائلاً في التخفيف من محركات الأزمة المناخية، ولا سيما من خلال طريقة استثمار الأموال.

وسيؤثر تغير المناخ في الديمغرافيا والاقتصاد والاستثمارات، فيؤثر في النظم القائمة على التوزيع والنظم الممولة كلياً بطرق مختلفة. فالنظم القائمة على التوزيع أكثر تأثراً بالعوامل الديمغرافية والاقتصادية، بينما النظم الممولة كلياً أكثر حساسية لنتائج الاستثمار.

فمن الناحية الديمغرافية، ستؤثر الأزمة المناخية سلباً في صحة السكان، إما مباشرة بسبب زيادة تواتر الظواهر المتطرفة وشدتها، أو عبر ارتفاع درجات الحرارة ومستويات سطح البحر وحموضة المحيطات وتلوث الهواء. كما يمكن أن يكون للآثار المناخية على تآكل السواحل وتوافر الغذاء وإمدادات المياه أثر اجتماعي واقتصادي على الصحة العامة للسكان وسلامتهم وجودة حياتهم، مع ما يترتب على ذلك من انعكاسات على معدلات المواليد والوفيات والهجرة. وستختلف هذه الآثار الصحية بحسب الإقليم ومستوى الدخل والجنس والعمر والأمراض المصاحبة.

ومن الناحية الاقتصادية، تُصنَّف المخاطر المرتبطة بالمناخ عموماً في فئتين: المخاطر المادية المرتبطة بتواتر الظواهر المناخية وشدتها، ومخاطر الانتقال المرتبطة بجهود التحول نحو اقتصاد أقل كربوناً. وسيكون لكلا مصدري المخاطر أثر في معدلات المشاركة في القوى العاملة ومعدلات العمالة ومستويات الإنتاجية ونمو الأجور الحقيقية والأسعار والاستهلاك. فعلى سبيل المثال، إذا لم تواكب الأجور ومستويات الإعانات التضخم، فقد تعاني نظم الضمان الاجتماعي من قوى عاملة أقل حافزاً على الاشتراك في نظم المعاشات العامة.

وكثيراً ما يُعبَّر عن الخسائر المحتملة في صورة انخفاض الناتج المحلي الإجمالي. والواقع أن نمذجة تغير المناخ ورد فعل المجتمع عليه أمر بالغ التعقيد، يتطلب افتراضات بشأن عوامل مجهولة متعددة في كل سيناريو، منها: مستويات الانبعاثات المستقبلية؛ ومدى سرعة ارتفاع حرارة المناخ عند مستويات الانبعاثات المختلفة؛ وما إذا كانت ستحدث نقاط تحول مناخية أو إيكولوجية؛ ومستوى الضرر مع ارتفاع حرارة المناخ، وفعالية جهود سياسات التخفيف؛ ومدى سرعة تفاعل المجتمعات مع التغيرات المادية؛ ووتيرة الانتقال ونطاقه في مختلف البلدان والاقتصادات والقطاعات؛ وكيفية إدراج استخدام الأراضي والتغير التكنولوجي والطبيعة.

واستجابة لذلك، بدأت بعض مؤسسات الضمان الاجتماعي تأخذ في الحسبان في تقييماتها الاكتوارية أثر الانخفاض المحتمل في الناتج المحلي الإجمالي على نظم معاشاتها. فعلى سبيل المثال، حلل تقرير اكتواري حديث لخطة المعاشات التقاعدية الكندية المخاطر السلبية من خلال ثلاثة سيناريوهات تتعلق بكيفية خفض الأزمة المناخية للناتج المحلي الإجمالي، وأثرها في الحد الأدنى لمعدل الاشتراك في الخطة، وهي سيناريوهات انتقال منظم، وانتقال غير منظم أو متأخر، وانتقال فاشل. ففي سيناريو الانتقال المنظم، يُقدَّر انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% في عام 2030 و10% في عامي 2050 و2100؛ وفي سيناريو الانتقال غير المنظم أو المتأخر، بنسبة 15% في عام 2050 و20% في عام 2100؛ وفي سيناريو الانتقال الفاشل، بنسبة 8% في عام 2050 و30% في عام 2100، مع انخفاض في متوسط العائد يتراوح بين 0.09% و0.31% بحسب السيناريو.

ولن يتوقف الأثر النهائي لتغير المناخ على الناتج المحلي الإجمالي للبلدان على الاستجابة الوطنية والعالمية للأزمة فحسب، بل على عوامل عدة يصعب التنبؤ بها ونمذجتها أيضاً. فعلى سبيل المثال: بأي قدر ستزداد حرارة الكوكب عند مستوى معين من انبعاثات غازات الدفيئة؟ وبأي سرعة سيحدث هذا الاحترار؟ وما أعلى درجة حرارة يمكن للمجتمع أن يواصل عندها العمل بصورة طبيعية؟ ومن خلال تقديم إجابات ووضع افتراضات معقولة بناء عليها، تشير بعض النماذج إلى أن البلدان قد تفقد ما بين 30% و80% من ناتجها المحلي الإجمالي إذا ارتفعت حرارة العالم بمقدار 3 درجات مئوية. وقد يسبب ارتفاع درجات الحرارة بمقدار يتراوح بين 4 و6 درجات مئوية أضراراً اقتصادية بالغة تتجاوز ما يمكننا التنبؤ به حالياً.

التخفيف من الأزمة المناخية

في نهاية عام 2021، بلغت القيمة السوقية لسوق رأس المال العالمية، أي الأوراق المالية ذات الدخل الثابت والأسهم، 251 تريليون دولار أمريكي، تحتفظ صناديق المعاشات العامة والخاصة بنسبة 24% منها، أي 60 تريليون دولار أمريكي. وفي بلدان كثيرة، تمثل أصول المعاشات أكثر من 100% من ناتجها المحلي الإجمالي، ككندا بنسبة 131% وهولندا بنسبة 165% وسويسرا بنسبة 133%.

وتتمتع صناديق المعاشات، بحكم أفقها الاستثماري الطويل الأمد، بموقع فريد يتيح لها الإسهام في التخفيف من الأزمة المناخية. فعلى سبيل المثال، يمكنها سحب استثماراتها من الأصول العالية الكربون وتوجيهها نحو الأصول المنخفضة الكربون. وبوصفها من كبار المساهمين، يمكنها أيضاً ممارسة حقوقها في التصويت للتأثير في سياسات الشركات بما يقلل البصمة الكربونية ويعزز نماذج الأعمال المستدامة. ويمكنها مطالبة شركات الأسهم الخاصة بالشفافية بشأن الآثار البيئية والمجتمعية للاستثمارات. كما يساعد تعزيز اللوائح التي تلزم نظم المعاشات بالإبلاغ عن مخاطر تغير المناخ جهود التخفيف، بما في ذلك مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول. وقد شرعت صناديق المعاشات بالفعل في وقف تمويل الوقود الأحفوري.

ووقعت معظم شركات إدارة الاستثمار الكبرى على مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول. وتبين بحوث إحدى شركات الاستثمار التي تدير أصولاً بقيمة 9 تريليونات دولار أمريكي أن الانتقال المنظم سيفضي إلى نمو اقتصادي أعلى مقارنة بغياب العمل المناخي كلياً، وسيهيئ أيضاً بيئة اقتصادية كلية أكثر ملاءمة إجمالاً للعوائد المالية للعملاء.

مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول

وضعت مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول، بدعوة من الأمين العام للأمم المتحدة، مجموعة دولية من المستثمرين المؤسسيين، وتعكس تزايد أهمية القضايا البيئية والاجتماعية وقضايا حوكمة الشركات في ممارسات الاستثمار. ويلتزم الموقعون بستة مبادئ استثمارية أساسية: إدراج القضايا البيئية والاجتماعية وقضايا حوكمة الشركات في عمليات تحليل الاستثمار وصنع القرار؛ وأن يكونوا مالكين نشطين يدرجون هذه القضايا في سياسات الملكية وممارساتها؛ والسعي إلى الإفصاح الملائم عن هذه القضايا من الكيانات التي يستثمرون فيها؛ وتعزيز قبول المبادئ وتنفيذها في قطاع الاستثمار؛ والعمل معاً لتعزيز فعاليتهم في تنفيذ المبادئ؛ والإبلاغ عن أنشطتهم وتقدمهم في تنفيذ المبادئ. وحتى عام 2024، بلغ عدد الموقعين على هذه المبادئ 5382 موقعاً، 76% منهم مديرو استثمار، و14% مالكو أصول، و10% مقدمو خدمات.

وفضلاً عن ذلك، فإن كثيراً من شركات إدارة الاستثمار أعضاء أيضاً في رابطات صناعية تتعلق بالاستدامة والانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، كفرقة العمل المعنية بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ، وفرقة العمل المعنية بالإفصاحات المالية المتعلقة بالطبيعة، ومبادرة مديري الأصول من أجل صافي انبعاثات صفري، وتحالف غلاسكو المالي من أجل صافي انبعاثات صفري، ومبادرة العمل المناخي 100+. وعلاوة على ذلك، فإن معظم صناديق المعاشات الكبرى، كالهيئة الوطنية للمعاشات في جمهورية كوريا، والصندوق الوطني لمعاشات موظفي الخدمة المدنية في هولندا، ونظام تقاعد موظفي القطاع العام في كاليفورنيا، ومجلس استثمار خطة المعاشات التقاعدية الكندية، موقعة أيضاً على مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول.

غير أن الواجبات الائتمانية وقيود الملاءة التي تواجهها صناديق المعاشات في بعض الولايات القضائية تخلق عوائق مالية وتنظيمية كبيرة تعيق قدرتها على تبني استراتيجيات الاستثمار البيئي والاجتماعي وحوكمة الشركات والاستثمار المسؤول اجتماعياً تبنياً كاملاً. فهذه القيود تحد من الإجراءات الاستثمارية المتعلقة بمدخرات المعاشات، التي تعمل في إطار من الحيطة والولاء لمصلحة المستفيدين من الصندوق، وهو ما قد يعيق للأسف ممارسات الاستثمار المستدام.

وفي المقابل، قد يجد الأمناء على صناديق المعاشات الذين يخفقون في مراعاة المخاطر والفرص المالية المرتبطة بالمناخ أو إدارتها أنفسهم مسؤولين شخصياً عن الخسائر الاقتصادية أو المتعلقة بالسمعة أو التنظيمية الناجمة عن هذا الإخفاق. وقد يقع عليهم أيضاً التزام بالإفصاح المستمر عن كيفية إدارتهم للمخاطر والفرص المالية المرتبطة بتغير المناخ.

وتماشياً مع توصيات فرقة العمل المعنية بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ، تنشر معظم نظم المعاشات الآن في تقاريرها السنوية أهدافها المتعلقة بخفض انبعاثات غازات الدفيئة، ومقاييس أدائها في بلوغ هذه الأهداف. فعلى سبيل المثال، ينشر مجلس استثمار خطة المعاشات التقاعدية الكندية منذ عام 2019 مقاييس للبصمة الكربونية لمحفظته الاستثمارية في تقريره السنوي. وعلى وجه التحديد، خفضت المحفظة الاستثمارية للمجلس في ملكية رأس المال الطويلة الأمد بصمتها الكربونية بين عامي 2019 و2023 من 64 طناً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل مليون دولار كندي إلى 46 طناً. ويبين ذلك كيف يمكن لصناديق المعاشات أن تسهم مباشرة في جهود التخفيف.

ويمكن لصناديق المعاشات أيضاً أن تسهم في جهود التخفيف من خلال استراتيجياتها الاستثمارية. ومن الخيارات المتاحة استخدام أدوات مالية تمول مشاريع خضراء وتوفر للمستثمرين مدفوعات دخل منتظمة أو ثابتة، كالسندات الخضراء. ويمكن لهذه الاستثمارات أن تساعد على توليد التمويل اللازم للتحول الهيكلي المطلوب ومعالجة المخاطر المناخية من خلال ربط المشاريع البيئية بأسواق رأس المال، فتوجه بذلك مزيداً من رأس المال نحو التنمية المستدامة.

الإنصاف بين الأجيال: من جزء من المشكلة إلى جزء من الحل

من الواضح أن ثمة أسباباً أخلاقية ومالية وجيهة لـ"تخضير" صناديق المعاشات لكي تسهم في جهود التخفيف وتساعد على تمويل الانتقال العادل. غير أنه سيكون من الضروري رصد الأثر الفعلي لجميع المبادرات المناخية التي تتخذها صناديق المعاشات للتأكد من أن هذه المبادرات الواعدة ليست مجرد غسل أخضر.

وتقع على صناديق المعاشات مسؤولية الإفصاح لأعضائها عن مدى امتثالها للمعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة، إذ قد لا يدرك كثير من العمال وأصحاب العمل كيف يمكن أن تؤثر اشتراكاتهم في المعاشات في الأزمة المناخية. والحوار الاجتماعي في حوكمة الصناديق أساسي لضمان ألا يأتي أمن الدخل في الشيخوخة على حساب كوكب قابل للحياة وصالح للعيش.

وفضلاً عن ذلك، يمكن تبرير تخضير صناديق المعاشات من منظور الإنصاف بين الأجيال. فلا ينبغي لممارسات الاستثمار الحالية أن تعرض صلاحية الكوكب للعيش للخطر بالنسبة إلى الأجيال المقبلة، التي ستُثقل، في غياب إجراءات التخفيف، بكوكب متدهور تدهوراً رهيباً لا يستطيع توفير مستويات المعيشة التي ننعم بها اليوم.

لقد حان الوقت لكي تتحول صناديق المعاشات من مسهم صاف في الأزمة المناخية إلى عامل صاف في التخفيف منها. ويمكنها أن تفعل ذلك بسحب استثماراتها من الوقود الأحفوري على نحو منظم والبحث عن خيارات استثمارية خضراء حقيقية، وهو أمر رشيد وأخلاقي في آن واحد.

4.4 الحماية الصحية الاجتماعية: نحو التغطية الصحية الشاملة

الرسائل الرئيسية

لم يصبح الحق في الحماية الصحية الاجتماعية بعد واقعاً شاملاً. فرغم التقدم الجدير بالثناء، لا تزال العوائق أمام الحصول على الرعاية الصحية قائمة في صورة نفقات صحية مباشرة تتحملها الأسر، وبعد المسافات، ومحدودية نطاق الخدمات الصحية وجودتها ومقبوليتها، وطول فترات الانتظار المرتبطة بنقص العاملين في مجالي الصحة والرعاية وسوء توزيعهم، وتكاليف الفرصة البديلة كضياع وقت العمل.

ويبين تحليل للأطر القانونية في 164 بلداً أن 83.6% من سكانها يحق لهم الحصول على خدمات الرعاية الصحية مجاناً أو بمدفوعات مشتركة محدودة. وكانت النسبة أقل من الثلثين في البلدان المنخفضة الدخل، وهو ما يوضح بجلاء تفاوت التغطية القانونية بين مجموعات الدخل. وفضلاً عن ذلك، تعتمد بعض الأقاليم على آليات طوعية أو على مسؤولية صاحب العمل أو كليهما، بدلاً من الآليات الإلزامية أو التلقائية الأكثر متانة في توفير حماية فعلية.

ويتمتع ما يقارب ثلثي سكان العالم بحماية فعلية من خلال أحد النظم. وقد توقفت التغطية عن التحسن منذ عام 2020، مما يكشف عن فجوات مهمة في التنفيذ. وينبغي أن تكون البيانات المحسنة عن الحماية القانونية والفعلية أولوية لرصد التقدم في التغطية والكفاية. ويشمل هذا التحسين الضروري الجمع المنهجي لبيانات مصنفة حسب الجنس والعمر ومكان الإقامة والإعاقة ووضع الهجرة ومستويات الدخل والظروف الاجتماعية والاقتصادية لتتبع التقدم في مجال الإنصاف.

ويتزايد الإنفاق المباشر من الجيب على الرعاية الصحية على الصعيد العالمي، وقد دفع 1.3 مليار شخص إلى الفقر في عام 2019. ويعد التمويل الجماعي والتجميع الواسع للمخاطر والاستحقاقات القائمة على الحقوق شروطاً أساسية لدعم الحصول الفعلي على الرعاية الصحية للجميع بطريقة قادرة على الاستجابة للصدمات. والمبادئ التي توفرها معايير منظمة العمل الدولية أكثر أهمية من أي وقت مضى على طريق التغطية الصحية الشاملة، ويعد التصديق على الاتفاقيتين رقم 102 ورقم 130 علامة رئيسية على الالتزام الطويل الأمد.

ويكتسي الاستثمار في توافر خدمات رعاية صحية جيدة أهمية حاسمة. ويتطلب ذلك تحسين ظروف العمل والتغطية بالحماية الاجتماعية والترتيبات التعاقدية لملايين العاملين في مجالي الصحة والرعاية. وقد دفعت جائحة كوفيد 19 مزيداً من العاملين إلى ترك القطاع، مما يعرض للخطر أي استراتيجية لتوسيع الحصول على رعاية صحية دون مشقة يقدمها موظفون مدربون تدريباً جيداً ومدعومون ومتحفزون.

وثمة حاجة ملحة إلى روابط أقوى وتنسيق أفضل بين الحصول على الرعاية الطبية وأمن الدخل لمعالجة المحددات الرئيسية للصحة. فالأزمة المناخية تؤثر مباشرة في صحة الناس، وتفاقم في الوقت ذاته أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية القائمة، التي تعد من المحددات القوية للإنصاف الصحي. ولا ينبغي أن تكون الصحة والرفاه امتيازاً للقلة، وتستدعي أوجه عدم المساواة التي تفجرها الأزمة المناخية استثمارات عاجلة.

4.4.1 الدور الحاسم للحماية الصحية الاجتماعية في الانتقال العادل

يؤثر تغير المناخ في صحة الإنسان وفي القدرات المالية للأسر على مواجهة زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية. ولذلك تلزم نظم حماية صحية اجتماعية متينة ومهيأة ومجهزة على النحو الملائم. وتشمل الحماية الصحية الاجتماعية سلسلة من التدابير العامة أو التدابير الخاصة المنظمة والمفروضة من السلطات العامة لتحقيق الحصول الفعلي على خدمات رعاية صحية ميسورة التكلفة وإعانات مرض وافية للجميع، وكلاهما يدعم هدف التغطية الصحية الشاملة. ويعترف الإعلان السياسي الثاني للاجتماع الرفيع المستوى بشأن التغطية الصحية الشاملة، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2023، بالأهمية الأساسية لـ"آليات الحماية الاجتماعية لضمان الحصول الشامل والمنصف على خدمات صحية جيدة دون ضائقة مالية لجميع الناس". وتعد غايتا أهداف التنمية المستدامة بشأن التغطية الصحية الشاملة 3.8 والحماية الاجتماعية الشاملة 1.3 تدبيرين ذوي أولوية متآزرين يرميان إلى تحقيق حياة صحية وكريمة للجميع. ويهدد انعدام الرعاية الصحية الجيدة الميسورة التكلفة بإحداث اعتلال الصحة والإفقار معاً، بما يمس أشد الفئات هشاشة. ومن ثم أُكد مبدأ شمولية التغطية في معايير الضمان الاجتماعي منذ وقت مبكر.

معايير منظمة العمل الدولية بشأن الحصول على الرعاية الصحية دون مشقة

من حيث الشمولية وتوسيع التغطية، أرست توصية الرعاية الطبية لعام 1944 (رقم 69) مبدأ الشمولية، إذ نصت على وجوب تأمين الحصول على خدمات الرعاية الصحية دون مشقة لجميع أفراد المجتمع "سواء كانوا يزاولون عملاً مدراً للكسب أم لا". وقد أعلنت صكوك حقوق الإنسان لاحقاً الحق في الصحة رسمياً، في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويُفهم الحقان الإنسانيان في الصحة والضمان الاجتماعي بوصفهما التزاماً بضمان الحصول الفعلي الشامل على حماية وافية، والحماية الصحية الاجتماعية متجذرة في هذا الإطار وتمثل الآلية المثلى لتجسيد هذين الحقين.

ومن حيث التغطية السكانية، ينبغي على سبيل الأولوية توسيع التغطية لتشمل جميع السكان عبر أربعة ضمانات أساسية، أحدها الرعاية الصحية الأساسية دون مشقة وفقاً لتوصية منظمة العمل الدولية بشأن أرضيات الحماية الاجتماعية، 2012 (رقم 202).

ومن حيث كفاية التغطية، ينبغي للبلدان أن تحسن تدريجياً شمول إعانات الرعاية الصحية ومستواها بما يكفل حماية أعلى. وتحدد معايير منظمة العمل الدولية مستوى أدنى للإعانات يجب أن يكفله القانون، ويشمل مستوى الإعانة بعدين: أولهما نطاق خدمات الرعاية الصحية المتاحة فعلياً، فبينما ينبغي أن تشمل أرضيات الحماية الاجتماعية على الأقل توفير "الرعاية الصحية الأساسية" على النحو المحدد وطنياً، بما في ذلك الرعاية المجانية قبل الولادة وبعدها لأشد الفئات هشاشة، ينبغي للبلدان أن تتجه تدريجياً نحو حماية أكبر للجميع على النحو الذي تعكسه الاتفاقيتان رقم 102 ورقم 130، اللتان تشترطان توفير نطاق شامل من الخدمات في القانون الوطني، ولكي تعد الخدمات الصحية ملائمة، تماشياً مع آليات رصد الامتثال لحقوق الإنسان، يجب أن تستوفي معايير التوافر وإمكانية الوصول والمقبولية والجودة؛ وثانيهما الحماية المالية من تكاليف هذه الخدمات، إذ تمنح صكوك منظمة العمل الدولية استحقاقات قانونية في الرعاية الصحية "دون مشقة"، وينبغي ألا تكون المدفوعات المباشرة من الجيب مصدراً رئيسياً لتمويل النظم الصحية، ويجب تصميم قواعد تقاسم التكاليف بما يتجنب المشقة، مع انعدام المدفوعات المشتركة أو محدوديتها ومجانية رعاية الأمومة.

ومن حيث الترتيبات التمويلية والمؤسسية، تعزز معايير منظمة العمل الدولية الآليات الممولة جماعياً، معترفة باللجوء إلى طائفة من الضرائب والاشتراكات التي يدفعها العمال وأصحاب العمل والحكومات. وبالمثل، تعترف المعايير بطائفة من الترتيبات المؤسسية، وهي الخدمات الصحية الوطنية التي تقدم من خلالها الخدمات العامة تدخلات صحية ميسورة التكلفة، والتأمين الصحي الوطني الذي تجمع من خلاله جهة عامة مستقلة الإيرادات من مصادر مختلفة لشراء الخدمات الصحية من مقدمي خدمات عامين فقط أو من مقدمين عامين وخاصين، أو أي مزيج من هذه الترتيبات المؤسسية.

وتولد الأزمة المناخية تغيرات تؤثر مباشرة وبصورة غير مباشرة في صحة الإنسان، منها الظواهر الجوية المتطرفة المعاكسة التي تؤثر في الوفيات والاعتلال، وتهيئة ظروف أنسب لانتشار الأمراض المعدية والأمراض المنقولة بالنواقل وبالمياه، وظهور أمراض جديدة وتهديدات للأمن الصحي كالجوائح، فضلاً عن تفاعلها مع الأمراض غير المعدية. وفضلاً عن ذلك، تشمل الآثار غير المباشرة تعطيل سبل العيش والنظم الغذائية والتنقل البشري، والتفاقم الإجمالي لأوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، التي تعمل بوصفها محددات للإنصاف الصحي.

ويتطلب التصدي للأزمة المناخية الحصول على الرعاية الصحية دون مشقة وأمن الدخل معاً، بوصفهما أداتين يعزز بعضهما بعضاً لمعالجة عدم المساواة وتعزيز قدر أكبر من الصحة والرفاه البشريين يحترم الكوكب. ويتيح النهوض بالحماية الصحية الاجتماعية بالتنسيق مع ضمانات الحماية الاجتماعية الأخرى على مدار دورة الحياة وجهود تعزيز النظم الصحية فرصة لمواصلة معالجة المحددات الاجتماعية للصحة. ويرسي هذا التنسيق أجندة مشتركة لحشد الحيز المالي للصحة والحماية الاجتماعية، والأهم من ذلك أنه يضمن عدم إغفال أحد.

ويُتوقع أن تكون تكلفة تجاهل هذه الاتجاهات أعلى بكثير من تكلفة التحرك الآن. ويتعين على المؤسسات المسؤولة عن الحماية الصحية الاجتماعية أن تتحرك الآن لمواصلة تلبية احتياجات السكان واستباق المخاطر المشتركة التي تؤثر في الإنفاق والعمليات، بما في ذلك من خلال: ضمان التغطية الصحية الشاملة بالتوسيع السريع لتغطية الحماية الصحية الاجتماعية لتشمل الجميع طوال دورة الحياة، مع التركيز على الفئات غير المشمولة الأشد تأثراً بتغير المناخ؛ ومراجعة تصميم إعانات الحماية الصحية الاجتماعية لضمان استجابتها لتغير عبء المرض الناجم عن تغير المناخ، وتعظيم العمل الصحي والمناخي؛ وتكييف إدارة النظم لتقليص انبعاثاتها من غازات الدفيئة إلى أدنى حد، وتنفيذ استراتيجيات شراء تحفز مقدمي خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية على خفض انبعاثات غازات الدفيئة والنفايات غير المتجددة، وتكييف نظم التسجيل وتقديم الإعانات لتلائم الأشخاص الذين يواجهون ظواهر مناخية معاكسة أو النزوح أو كليهما؛ وتأمين تمويل متين ومستدام يتكيف مع الظروف المتغيرة للحماية الصحية الاجتماعية وينسَّق على النحو الملائم مع سياسات الصحة والمناخ وإدارة مخاطر الكوارث وغيرها من إعانات الحماية الاجتماعية؛ وسد الفجوة البحثية بشأن الاستراتيجيات والممارسات التي أرستها مؤسسات الحماية الصحية الاجتماعية بنجاح لمواجهة هذه التحديات.

ويتطلب رصد التقدم في الحماية الصحية الاجتماعية مراعاة التغطية السكانية وكفاية الإعانات، أي نطاق الخدمات الصحية المشمولة ومدى الحماية المالية، قانوناً وممارسة. ويشجع إطار أهداف التنمية المستدامة على جمع بيانات إضافية ويوفر مؤشرات تقريبية لهذه الأبعاد المتعلقة بالتغطية الفعلية. ومع ذلك، تلزم بيانات محسنة، ولا سيما عن التغطية القانونية والوعي العام وجودة الرعاية، إذ لا تزال جميعها ترصد على نحو ضعيف أو غير منهجي. ويجعل تعقد هذه الأبعاد وترابطها وانعدام الجمع المنهجي للبيانات رصد الحماية الصحية الاجتماعية أمراً صعباً. وتُناقش أدناه المؤشرات المتاحة والفجوات المهمة في البيانات.

4.4.2 التغطية السكانية

التغطية القانونية

الحماية الصحية الاجتماعية متجذرة في إطار حقوق الإنسان، ويجب تكريس استحقاقاتها في التشريعات الوطنية. واستناداً إلى مراجعة قانونية في 164 بلداً، يحق قانوناً لنسبة 83.6% من سكان العالم الحصول على خدمات الرعاية الصحية دون مشقة. ومن ثم يعيش ما يقارب شخصاً واحداً من كل خمسة أشخاص في بلدان لا تعترف قانوناً بهذه الاستحقاقات. وتبلغ هذه النسبة الضعف في البلدان المنخفضة الدخل، ولا تشمل التغطية القانونية سوى ما يزيد قليلاً على نصف سكان جنوب آسيا. ومن اللافت أن عدة بلدان، ولا سيما في أفريقيا، وسعت نطاق التغطية القانونية خلال العقد الماضي. وقد جسدت بعض البلدان، كجزر القمر وكوت ديفوار والمغرب وسيراليون، التزامها بالتصديق مؤخراً على الاتفاقية رقم 102، بما في ذلك الجزء المتعلق بأحكام الرعاية الطبية.

وفي بعض أقاليم العالم، تعتمد البلدان على التوفير الطوعي لا الإلزامي لبعض الفئات السكانية. ويطال ذلك مثلاً ثلثي سكان أمريكا الشمالية ونصف سكان شرق آسيا. ففي الولايات المتحدة، تُترك القوى العاملة إلى حد كبير لتحصل على التأمين الصحي عبر التوفير الطوعي، رغم الإصلاحات. وتواجه البلدان التي لديها مثل هذه الضمانات في القانون، وكذلك البلدان التي لا تُنفَّذ فيها التغطية الإلزامية أو التلقائية تنفيذاً فعالاً، صعوبات في تحقيق التغطية السكانية الشاملة عملياً لأسباب عدة، منها انعدام آليات التمويل الملائمة وقلة الوعي. وقد يفضي ذلك إما إلى مطالبة الأشخاص المحميين باشتراكات لا تتناسب مع إمكاناتهم المالية، أو إلى خفض كفاية الإعانات من خلال حزم إعانات أقل شمولاً أو تغطية أدنى للتكاليف أو خدمات متدنية الجودة، أو كليهما، مما يجعلها فعلياً غير جذابة أو غير متاحة لأصحاب الحقوق. فالنظم الطوعية تفضي عادة إلى الانتقاء العكسي، ومن ثم إلى إنفاق صحي أعلى تتحمله نظم الحماية الصحية الاجتماعية.

وتفرض بعض البلدان على صاحب العمل التزاماً إما بدفع تكاليف الرعاية الصحية التي يتكبدها مستخدموه أو بالتعاقد على تأمين خاص طوعي نيابة عنهم. وفي الدول العربية، يتألف الجزء الكبير من السكان المشمولين قانوناً عبر هذه الآلية، أي ما يقارب شخصاً من كل خمسة أشخاص، أساساً من العمال المهاجرين. ويعمل هؤلاء العمال عادة في قطاعات ضعيفة الحماية من منظوري العمل والهجرة. وكما تبين في هذا الفصل، فإن مسؤولية صاحب العمل ليست بديلاً متيناً عن آليات الحماية الاجتماعية. فعندما يتعلق الأمر بالإنفاق على الرعاية الصحية، تؤدي هذه الآليات دوراً صغيراً على الصعيد العالمي ولا تتيح تجميعاً واسعاً للمخاطر. وفضلاً عن ذلك، قد تعزز أحكام مسؤولية صاحب العمل الترتيبات التعاقدية غير المتكافئة للعمال المهاجرين.

ويلزم بذل جهد أكبر لترجمة الالتزامات الدولية بحقوق الإنسان ومعايير الضمان الاجتماعي الدولية إلى تشريعات وطنية، ولا بد من المعالجة العاجلة لأوجه عدم المساواة بين مجموعات الدخل والأقاليم في هذا الصدد. وفي بعض سياقات الهشاشة الشديدة، مُنحت الحماية الدولية لفئات سكانية بموجب ولاية اتفاقية اللاجئين لعام 1951. ومن المرجح أن تولد الأزمة المناخية نزاعات على الموارد قد تكون ممتدة أحياناً. ومن ثم تشتد الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى أطر قانونية وطنية قوية متسقة مع الصكوك الدولية، إذ يمكنها أن تساعد على رأب الصدع بين العمل الإنساني والتنمية، لأنها تتضمن حلولاً مكيفة لدورة الهجرة بأكملها.

الحماية الفعلية والوعي بالاستحقاقات

لكي يتمكن الأفراد من الحصول فعلياً على الخدمات الصحية دون مشقة عند الحاجة، من المهم أن يُعد هذا الحصول حقاً وأن يُدمج في الإطار القانوني. ومن المهم بالقدر ذاته أن يكون الأفراد على دراية باستحقاقاتهم القانونية وبطرق الاستفادة منها. ويتمثل أحد المؤشرات التقريبية في نسبة السكان المحميين بنظام للحماية الصحية الاجتماعية، استناداً إلى مزيج من البيانات الإدارية وبيانات المسوح. وسعياً إلى الحماية الشاملة، أحرز عدد كبير من البلدان على اختلاف مستويات دخلها تقدماً جديراً بالثناء في توسيع النطاق الفعلي لآليات الحماية الصحية الاجتماعية خلال العقود الماضية، مما أسفر عن حماية 60% من سكان العالم بأحد النظم.

وقد توقف معدل التغطية العالمي عن التحسن، مع شبه انعدام للتقدم منذ عام 2020. وتتفاوت التغطية تفاوتاً كبيراً بحسب مستويات التنمية الاقتصادية، كاشفة عن أوجه عدم مساواة صارخة واتجاه متفاوت بين عامي 2020 و2023. بل إن التغطية في البلدان المنخفضة الدخل انخفضت قليلاً، ومن ثم يبقى أكثر من أربعة من كل خمسة أشخاص في البلدان المنخفضة الدخل دون حماية. وجاء التقدم الطفيف في البلدان المرتفعة الدخل مدفوعاً بتنفيذ التعديلات المعتمدة على قانون الرعاية الميسورة التكلفة في الولايات المتحدة والإقبال التدريجي عليها. ومع أن التغطية ارتفعت قليلاً في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، فقد حدثت انتكاسة في فئة البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا، مدفوعة بانخفاض التغطية في الصين، حيث لا تزال طوعية لبعض الفئات السكانية. ولا يزال جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى دون المتوسطات العالمية بكثير. وتشهد البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، وكذلك أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا، أكبر الفجوات بين التغطية القانونية والحماية الفعلية، مما يبين صعوبات إنفاذ الأطر القانونية وإعمال حقوق الناس عملياً.

ويجب أن يشمل أي مقياس أفضل للتغطية الفعلية أوجه عدم المساواة داخل البلدان بين مختلف الفئات السكانية. فالواقع أن فجوات التغطية تميل إلى عكس أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية. فعلى سبيل المثال، يبين تحليل البيانات المتاحة عن 58 بلداً أن نقص المال اللازم لدفع تكاليف الخدمات الصحية يُذكر سبباً للعزوف عن الرعاية بين النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عاماً على امتداد سلم دخل الأسر. ويتبع هذا النمط تدرجاً اجتماعياً واضحاً، إذ تذكر أكثر من 65% من النساء في الخمس الأدنى دخلاً هذا التفسير، بينما تذكره نحو 30% في الخمس الأغنى. كما ذكرت نحو نصف النساء الريفيات اللواتي شملهن المسح بعد المسافة عن المرفق الصحي سبباً، بينما ذكرت 40% منهن الاضطرار إلى استخدام وسائل النقل. ومن ثم فإن صون الحق في الحماية الصحية الاجتماعية أمر بالغ الأهمية في مساعي البلدان لمعالجة عدم المساواة بين الجنسين في المجال الصحي.

ما الذي يولد فجوات في التغطية السكانية؟

قد تكون فجوات التغطية السكانية متجذرة في الأحكام القانونية أو التنفيذ، وفي أغلب الأحيان في مزيج منهما، يفاقمه نقص الموارد المالية الكافية. وتتداخل هذه الفجوات إلى حد كبير مع أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية القائمة وتعززها. وينبغي أن ترمي سياسات الحماية الصحية الاجتماعية أساساً إلى معالجة هذه الفجوات وتحقيق تكافؤ الفرص فيما يتعلق بالحماية المالية عند الحصول على الرعاية الصحية.

قيود الأهلية

الوضع الوظيفي أو وضع الدخل

في بعض البلدان، ولا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا، لا تزال الأطر القانونية تستبعد بعض الفئات السكانية استناداً إلى الوضع الوظيفي أو وضع الدخل. وكثيراً ما توجد أحكام للمستخدمين في القطاع المنظم، أو أحياناً لموظفي الخدمة المدنية فقط، وللفقراء أو الأطفال دون عتبة عمرية معينة أو كليهما، لكن ليس لجميع السكان. ففي الهند مثلاً، تغطي عدة نظم عامة فئات مختلفة من السكان؛ إذ يُشمل موظفو الخدمة المدنية وموظفو السكك الحديدية والعسكريون والعاملون بأجر في القطاع الخاص إلزامياً بنظم مختلفة، ويُسجَّل السكان تحت خط الفقر في برنامج رئيس الوزراء للصحة، بينما يُترك بقية السكان دون خيارات عامة في ولايات كثيرة.

وحتى حين توجد أحكام قانونية، فإن البلدان التي تعتمد إلى حد كبير على أحكام قانونية طوعية، كالولايات المتحدة، تواجه أيضاً صعوبات أكبر في إحراز تقدم عملياً. ومن بين البلدان التي تعتمد على آليات طوعية في القانون أو في الممارسة، يقتصر معظمها في ذلك على فئات محددة، كثيراً ما يكون ذلك على أساس الوضع الوظيفي، وكثيراً ما يُستبعد بعض العاملين بدوام مؤقت أو جزئي والعاملين لحسابهم الخاص.

سداد الاشتراكات أو أقساط التأمين من جانب الفرد

تعزز معايير الضمان الاجتماعي الدولية الآليات الممولة جماعياً، ولا سيما الضرائب والاشتراكات الاجتماعية التي يدفعها العمال وأصحاب العمل والحكومات. وتشير البيانات على مستوى النظم إلى أن معظم البلدان تعتمد على تنوع من آليات التمويل، وأن الاشتراكات الاجتماعية والضرائب كلتيهما تؤديان دوراً قوياً في تمويل الحماية الصحية الاجتماعية.

ومع أنه من المستحسن الجمع بين مصادر تمويل متنوعة لضمان أقصى تخصيص للموارد العامة لتمكين السكان من الحصول على الخدمات الصحية دون مشقة، فمن الحاسم ألا تولد الترتيبات التمويلية عوائق أمام الأهلية. فمعايير الضمان الاجتماعي الدولية تعترف بمبدأ الشمولية، وتنص على وجوب تأمين الحصول على خدمات الرعاية الصحية دون مشقة للجميع "سواء كانوا يزاولون عملاً مدراً للكسب أم لا" وفق توصية منظمة العمل الدولية رقم 69. ويجب على البلدان الراغبة في استخدام اشتراكات الضمان الاجتماعي أو أقساط التأمين المنظمة أن تنشئ آليات غير قائمة على الاشتراكات تكفل تغطية إلزامية للجميع.

ومن المهم بالقدر ذاته أن تراعي البلدان الراغبة في تحصيل اشتراكات الضمان الاجتماعي أو أقساط التأمين المنظمة ضمن مزيج تمويلها الصحي الاجتماعي احتياجات العمال في أوضاع العمل المتنوعة، وأن تتجنب إلقاء عبء الاشتراكات على الأسر وحدها، وهو ما من شأنه أن يمس ذوي الدخل المنخفض على نحو غير متناسب. ويجب أن تستند مستويات الاشتراكات إلى القدرة الفعلية على الاشتراك، وأن تكون جزءاً من مزيج تمويلي أوسع يتجنب الضرائب التنازلية.

وضع الهجرة

كثيراً ما تكون الأهلية للحماية الصحية الاجتماعية مقيدة لغير المواطنين قانوناً أو ممارسة. ويثير ذلك قلقاً متزايداً على الصحة العامة، لأن التنقل البشري، طوعياً كان أو قسرياً، داخل البلدان أو عبرها، يجري على نطاق غير مسبوق، ويُتوقع أن يتزايد مع تغير المناخ. ولذلك يتحتم توسيع استحقاقات الحماية الصحية الاجتماعية لتشمل غير المواطنين على أساس المساواة في المعاملة. ومن الضروري أيضاً ضمان قابلية نقل استحقاقات الرعاية الصحية للمهاجرين، بمن فيهم اللاجئون، وتقديم خدمات مكيفة. وتبذل بعض البلدان جهوداً لإدماج اللاجئين في نظمها للحماية الصحية الاجتماعية رغم تحديات عديدة، وهو ما يميل إلى أن يكون أصعب على البلدان التي تشهد تدفقات كبيرة أو التي لديها نظم حماية صحية اجتماعية ضعيفة أو ناشئة ذات تغطية منخفضة وقدرات مؤسسية ضعيفة.

ضعف الوعي بالحقوق

يعد رفع الوعي العام بالحقوق والاستحقاقات، مقترناً بجهود تحسين الثقافة الصحية، أمراً أساسياً لتمكين الناس من المطالبة بخدمات الرعاية الصحية. فالاستحقاقات لا يمكنها أن تؤدي دوراً في تحسين الجودة والمساءلة والثقة في النظام إلا حين يفهمها الناس ويعرفون كيفية الاستفادة منها. ويمكن للمؤسسات المسؤولة عن الحماية الصحية الاجتماعية، بل ينبغي لها، أن تسهم في هذا الجهد. فعلى سبيل المثال، أجرت مؤسسة تأمين الدولة للموظفين، وهي من أكبر نظم التأمين الصحي العام في الهند، دراسة رصدت سلوك الأشخاص المحميين وأصحاب العمل المسجلين في طلب الرعاية الصحية ووعيهم ومواقفهم. وتبرز النتائج تباين تجارب المستفيدين وتصوراتهم في سياقات التنفيذ المتنوعة في أربع ولايات، وتبين أنه بينما يقدر المستفيدون حزمة الإعانات الواسعة، فإنهم سيستفيدون من وعي أقوى باستحقاقاتهم. ومن المجالات المهمة التي ينبغي التركيز عليها لزيادة الاستفادة الإجمالية من الخدمات توفير خدمات الرعاية الصحية الأولية. ويمكن للنظام أن يسهم بقدر أكبر في التغطية الصحية الشاملة بزيادة الاستفادة من خدمات الرعاية الصحية الخارجية والداخلية في مرافقه، ومن الخيارات المتاحة، كما تشير الدراسة، التتبع النشط لمستويات رضا المستفيدين وتحسينها. وينبغي أن تتزامن هذه الخطوات مع تدخلات لتحسين كفاية الإعانات ومساءلة النظم وما يرتبط بها من تصورات للعدالة والثقة في النظام.

وفضلاً عن ذلك، يقع على المؤسسات المسؤولة عن الحماية الصحية الاجتماعية واجب أساسي يتمثل في ضمان إمكانية الوصول والشمول من خلال تكييف المعلومات المتعلقة بالحقوق والاستحقاقات للفئات السكانية المستضعفة، كالأشخاص ذوي الإعاقة والأقليات العرقية والأميين. وينطوي هذا التكييف على استخدام قنوات اتصال وأشكال ولغات متنوعة للوصول إلى هذه المجتمعات بفعالية. ومن خلال ذلك، يمكن لهذه النظم أن تمكّن الأفراد داخل هذه الفئات من فهم استحقاقاتهم وممارستها على نحو أفضل، فتعزز بذلك الحصول المنصف على خدمات الرعاية الصحية. وفي نهاية المطاف، يعزز هذا النهج الاستباقي نظاماً للحماية الصحية الاجتماعية أكثر شمولاً وعدلاً للجميع.

ضعف الجاذبية بسبب تعقد الإجراءات الإدارية أو تصور تدني جودة خدمات الرعاية الصحية أو كليهما

قد تشكل المسافة الجغرافية والإجراءات الإدارية المعقدة والطويلة والاختلافات الثقافية والأمية الإدارية والمشكلات المتعلقة بوثائق الهوية عوائق مهمة. وتمس هذه العوائق على نحو غير متناسب سكان الأرياف والفئات السكانية المستضعفة، كالعاملين في عمالة هشة والمهاجرين.

وحين تكون الاستثمارات في توفير خدمات الرعاية الصحية المشمولة بآليات الحماية الصحية الاجتماعية، وهي عادة مقدمو الرعاية الصحية العامون وأحياناً الخاصون أيضاً، غير كافية وتؤثر في تصورات المستخدمين للجودة، يكون الحافز لدى الناس لاستخدام هذه الآليات منخفضاً. فانعدام إمكانية الوصول الجغرافي وانعدام الجودة المتصورة والخدمات غير المكيفة كلها عناصر في كفاية الإعانات تؤثر تأثيراً قوياً في جاذبية الحماية الصحية الاجتماعية واستخدامها. ولذلك لا يمكن وضع استراتيجيات للحد من الحواجز المالية أمام الحصول على الرعاية دون مراعاة الحاجة إلى تعزيز النظام الصحي أيضاً.

4.4.3 الكفاية

لا تُترجم الاستحقاقات القانونية، ولا التسجيل أو الرصد المنتظم للوعي بالاستحقاقات، تلقائياً إلى حصول فعلي على خدمات رعاية صحية متاحة ويمكن الوصول إليها ومقبولة وجيدة في أوقات الحاجة. فقد تبقى عوائق كثيرة تقوّض الكفاية: فقد يكون توافر خدمات الرعاية الصحية وإمكانية الوصول إليها ومقبوليتها وجودتها ضعيفة، بما لا يتيح الحصول الفعلي عملياً أو الحصول بمستوى يسمح بتحسين الحالة الصحية؛ وقد تكون حزم الإعانات محدودة، تغطي خدمات قليلة وتترك المرضى يتحملون نفقات مباشرة مرتفعة؛ وقد تُطلب مدفوعات مشتركة رسمية مرتفعة أو مدفوعات غير رسمية، مما يترك حصة مهمة من إجمالي تكاليف الرعاية على عاتق المرضى.

وثمة حاجة ملحة إلى طريقة منهجية لجمع البيانات لفهم مدى كفالة القانون للعناصر الأساسية للكفاية، أي حزم الإعانات والتكاليف المغطاة وشبكة مقدمي الخدمات. ومع ذلك، توفر البيانات المتاحة لمؤشري أهداف التنمية المستدامة 3.8.1 و3.8.2 بعض الرؤى بشأن التغطية الفعلية لهذه الجوانب. ويكتسي تحسين الرصد الوطني والعالمي لمؤشرات جودة الرعاية وتجربة المرضى أهمية مماثلة.

الاستحقاقات القانونية في خدمات رعاية صحية وافية وفي الحماية المالية

نظراً إلى أهمية نطاق الخدمات ومستوى الإعانات المقدمة لكي تكون الحماية الصحية الاجتماعية فعالة، ينبغي أن يكون ترسيخها في الإطار القانوني الوطني مسألة ذات أولوية لضمان حقوق الناس في الصحة والضمان الاجتماعي. وثمة حاجة ملحة إلى سد الفجوة الحالية في البيانات بشأن هذه الأبعاد، إذ لا يوجد جمع منهجي لبعض المعلومات إلا في البلدان الأوروبية، دون غيرها من البلدان والأقاليم.

وحين تنص الأطر القانونية على استحقاقات متمايزة من حيث حزم الإعانات أو تغطية التكاليف أو شبكة مخصصة من مقدمي الرعاية الصحية، فقد تعزز أوجه عدم المساواة وتخفق في الإسهام في التماسك الاجتماعي. وقد أحرزت بعض البلدان تقدماً في تحديد حزمة إعانات موحدة يحصل عليها جميع سكانها دون مدفوعات مشتركة أو بمدفوعات مشتركة منخفضة للجميع ضمن شبكة موحدة من مقدمي الخدمات. أما بلدان أخرى فلم تتغلب بعد على تجزؤ الاستحقاقات المضمن في أطرها القانونية. فعلى سبيل المثال، بينت مراجعة للأطر القانونية للحماية الصحية الاجتماعية في السلفادور وغواتيمالا وهندوراس أنه رغم وجود استحقاقات قانونية لجميع السكان، فإن طبيعة هذه الاستحقاقات من حيث نطاق الخدمات المشمولة أو شبكة مقدمي الخدمات التي يمكن الاستفادة منها أو كليهما تختلف بين الفئات السكانية. ولكي تعظم آليات الحماية الصحية الاجتماعية إسهامها في الإنصاف الصحي، يكون التصميم الدقيق للاستحقاقات القانونية أمراً حاسماً. فحين يحق للناس الحصول على الخدمات ذاتها في المرافق ذاتها، يُرسم مسار واضح نحو مزيد من الإنصاف. ويجب أن يتم ذلك بطريقة تحقق تكافؤ الفرص نحو مستويات أعلى من الحماية وتتجنب خفض الإعانات.

التغطية الفعلية بالخدمات

رغم اعتماد هدف مخصص من أهداف التنمية المستدامة للصحة والرفاه، وبعد أكثر من أربعة عقود على إعلان ألما آتا بشأن الرعاية الصحية الأولية، لا يحصل أكثر من نصف سكان العالم على الخدمات الصحية الأساسية حين يحتاجون إليها، مع تفاوتات كبيرة بين البلدان. ومع الحاجة إلى مزيد من البيانات لتحليل الوضع عبر نطاق أوسع من الخدمات، فإن الرصد الذي يوفره مؤشر أهداف التنمية المستدامة 3.8.1، الذي يحتسب 14 مؤشراً تتبعياً لتدخلات طبية محددة ضمن أربع مجموعات، تشمل تدخلات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال، والتدخلات المتعلقة بالأمراض المعدية وغير المعدية، والقدرة على تقديم الخدمات وإمكانية الوصول إليها، يبين بوضوح أن الحزمة الأساسية التي تكفلها معايير منظمة العمل الدولية غير متاحة لغالبية سكان العالم. فالاتفاقية رقم 102 تنص على رعاية ذات طابع وقائي وعلاجي، وتشترط أن تتضمن الإعانات الصحية على الأقل مجموعة أساسية من التدخلات، تشمل رعاية الطبيب العام بما فيها الزيارات المنزلية، والرعاية التخصصية في المستشفيات للمرضى الداخليين والخارجيين وما قد يتاح من رعاية تخصصية خارج المستشفيات، والإمدادات الدوائية الأساسية التي يصفها الأطباء أو غيرهم من الممارسين المؤهلين، والإقامة في المستشفى عند الضرورة، والرعاية قبل الولادة وبعدها للحمل والولادة وعواقبهما سواء على يد الأطباء أو القابلات المؤهلات، والإقامة في المستشفى عند الضرورة. وتذهب الاتفاقية رقم 130 أبعد من ذلك، فتشمل رعاية الأسنان وخدمات إعادة التأهيل.

وقد ارتفع مؤشر التغطية بالخدمات، الذي يقيسه مؤشر أهداف التنمية المستدامة 3.8.1، إذ أصبحت التدخلات الأساسية متاحة لنحو 10 نقاط مئوية إضافية من سكان العالم خلال العقود الماضية. غير أن هذا التقدم يرجع إلى حد كبير إلى تحسن الحصول على الخدمات المتعلقة بالأمراض المعدية، ولا سيما زيادة توافر العلاج المضاد للفيروسات القهقرية لفيروس نقص المناعة البشرية. ويميل الإنفاق الصحي المرتبط بذلك إلى الاعتماد على مصادر دولية في عدد من البلدان المنخفضة الدخل، مما يعني أن التقدم المحرز قد يكون مهدداً بتراجع ميزانيات المعونة الدولية. ومن شأن الجهود الرامية إلى إدماج البرامج الخاصة بأمراض بعينها في النظم والبرامج الصحية القائمة أن تضمن استدامة هذه المكاسب الصحية.

ويبين التحليل أن التقدم في المؤشرات الفرعية الأخرى كان أبطأ، بل ركد بعد عام 2015. والعجز المتبقي في التغطية بالخدمات موزع على نحو غير متكافئ بين المواقع الجغرافية ومستويات الدخل والفئات السكانية وأنواع التدخلات الصحية. فعلى سبيل المثال، يكون العجز حاداً بوجه خاص في التدخلات المتعلقة بالأمراض غير المعدية، في حين يتحول العبء العالمي للأمراض نحو هذه الحالات بسبب تغير أنماط الحياة وشيخوخة السكان، وهو ما تفاقمه آثار تغير المناخ. وبالمثل، كان التقدم في التدخلات التي تعد فعالة من حيث التكلفة بوجه خاص، كالصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال، بطيئاً وغير متكافئ بين البلدان وداخلها.

ويلزم توافر بيانات مصنفة حسب الجنس والعمر والموقع ووضع الهجرة والدخل لتحديد الفئات السكانية المتخلفة عن الركب على نحو أدق ووضع سياسات شاملة. ومع ذلك، يسلط التحليل الحديث الضوء بالفعل على أهمية التدرج الاجتماعي وطائفة المحددات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية للحصول على خدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال. ولا تزال هناك أوجه إجحاف مهمة في الحصول على الخدمات بين الأقاليم وبين أخماس الثروة. ويلزم بذل مزيد من الجهود لضمان الحصول على رعاية أمومة مجانية وجيدة وفقاً لمعايير منظمة العمل الدولية، وتوسيع إعانات الأمومة النقدية. فالحصول على الرعاية الصحية الجيدة وأمن الدخل معاً أمر أساسي لضمان حمل وولادة وفترة نفاس صحية، وهو ما يخفض وفيات الأمهات والرضع، ويضمن ألا يعرض الحمل والولادة حقوق المرأة للخطر، بما فيها حقها في العمل وحقوقها في العمل.

استراتيجيات خفض تكلفة رعاية الأمومة في آسيا

تعفي بعض البلدان خدمات الرعاية الصحية للأمهات أو الأطفال من المدفوعات المشتركة، كجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية وماليزيا وجمهورية كوريا وفييت نام. ففي ماليزيا، تُعفى غالبية خدمات صحة الأمهات من رسوم الاستخدام المطبقة على الخدمات الأخرى، ويُعزى نجاح ماليزيا في نتائج الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال جزئياً إلى هذه السياسة، وقد اعتمدت بروني دار السلام استراتيجية مماثلة بنجاح مماثل. وبالمثل، نجحت المبادرة الوطنية للأمومة الآمنة في الفلبين في ضمان توافر الخدمات وتغطية مؤسسة التأمين الصحي الفلبينية لخدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال، إذ تُسجَّل في إطار هذا البرنامج جميع النساء المقبلات على الولادة تلقائياً في المؤسسة من خلال التسجيل في نقطة تقديم الرعاية في المرفق الصحي. وقد وضعت بعض البلدان إعفاءات من المدفوعات المشتركة لفئات محددة، وكثيراً ما تكون السياسات التي تعفي من المدفوعات المشتركة لرعاية الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال أو تخفضها جزءاً من سياسات إعفاء أوسع. فاليابان تطبق معدل مدفوعات مشتركة أدنى قدره 20% لأطفال المدارس في نظام التأمين الصحي الوطني، بينما يعفي نظام التأمين الصحي الوطني في جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية الحوامل والأطفال دون سن الخامسة من المدفوعات المشتركة. وأنشأت بعض البلدان برامج إضافية للدعم النقدي؛ إذ صُممت نظم قسائم صحة الأمهات على المستوى دون الوطني في بنغلاديش وميانمار لضمان حصول الأمهات والأطفال ذوي الدخل المنخفض على أهم خدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال، مما حسن مؤشراتها وقلل الإنفاق الصحي المباشر، وإن كان قد زاد أيضاً زيادة كبيرة في الولادات القيصرية في بنغلاديش. وفي سنغافورة، بُذلت جهود عام 2019 لإدراج الولادات المعقدة ضمن حزمة إعانات نظام ميديشيلد لايف، وإن ظلت خاضعة لمدفوعات مشتركة، ولتعزيز قدرة الأسر على تغطية التكاليف الصحية وغيرها المرتبطة بالولادة، أنشأ مجلس صندوق الادخار المركزي دفعة نقدية للمواليد الجدد.

وإلى جانب الأدوية والأجهزة الطبية، يتمثل أحد المكونات المحورية لتوافر خدمات الرعاية الصحية في الاستثمار في البنية التحتية والمعدات، وفي استقطاب قوى عاملة صحية مؤهلة والاحتفاظ بها، وهو ما ينطبق على القطاعين الصحيين العام والخاص. فتقديم الخدمات الصحية قد يتم عبر جهات عامة أو خاصة، وكثيراً ما تكون النظم الصحية عملياً تعددية تجمع بين الاثنين. وفي بعض البلدان، يمكن لمشاركة القطاع الخاص أن تتيح استثمارات إضافية في البنية التحتية وتوسيع الخدمات. ومع ذلك، فإن الدور التنظيمي القوي لوزارات الصحة أساسي لضمان جودة الرعاية والحصول المنصف على الصحة بوصفها منفعة عامة للجميع. ومن المهم أيضاً أن تواءم وكالات الحماية الصحية الاجتماعية المكلفة بشراء الخدمات الصحية حوافزها مواءمة وثيقة مع الرؤية الوطنية لتقديم الخدمات. وحيث يقدم القطاع الخاص حصة كبيرة من الخدمات الصحية، بما فيها التدخلات الصحية الأساسية في حزمة الإعانات المضمونة، ينبغي بذل جهود لضمان الحماية المالية. والواقع أن الأدلة من بنغلاديش والهند ونيجيريا تشير إلى أن هيمنة القطاع الخاص على تقديم الخدمات دون آليات ملائمة للحماية الصحية الاجتماعية كثيراً ما تقترن بارتفاع الإنفاق المباشر من الجيب على الصحة. ولا تزال أوجه عدم مساواة مهمة قائمة بين البلدان والأقاليم، وبين المناطق الريفية والحضرية، فيما يتعلق بتوافر هذه الموارد المادية والبشرية.

ويتطلب ضمان توافر الرعاية وجودتها استحداث وظائف لائقة في القطاع الصحي، الذي كان يعاني عجزاً قدره عشرة ملايين عامل قبل جائحة كوفيد 19، ويُتوقع أن يزداد بحلول عام 2030. ويلزم عدد كبير من هذه الوظائف في التمريض والقبالة. فالممرضون والقابلات يؤدون دوراً رئيسياً في تحسين التغطية بالخدمات، وهم محوريون في إحراز التقدم في التغطية بخدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال، إلى جانب العاملين الصحيين المجتمعيين. وكثيراً ما يواجه هؤلاء العاملون أشد أوجه العجز في العمل اللائق، بما في ذلك ارتفاع مخاطر العنف والتحرش، كما تشير التوصية رقم 206. ويعد توظيف الممرضين والقابلات وتدريبهم والاحتفاظ بهم، بما في ذلك في المناطق الريفية، لبنة أساسية لتوافر الرعاية وإمكانية الوصول إليها ومقبوليتها وجودتها وفقاً لمعايير منظمة العمل الدولية. ويشكل الممرضون والقابلات ما يقارب نصف القوى العاملة الصحية في العالم، وغالبيتهم من النساء. والاستثمار في تحسين ظروف عملهم، تماشياً مع توصية الرعاية الطبية (رقم 69) واتفاقية الموظفين العاملين في التمريض، 1977 (رقم 149) والتوصية المرافقة لها (رقم 157)، أمر عاجل، ويتطلب اعتماد منظور جنساني يضمن أيضاً تقديم خدمات صحية غير وصمية ومتمحورة حول المرأة. وتدعم منظمة العمل الدولية، بالتعاون مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الصحة العالمية، من خلال برنامج العمل من أجل الصحة، تنفيذ توصيات اللجنة الرفيعة المستوى المعنية بالعمالة في مجال الصحة والنمو الاقتصادي التابعة للأمين العام للأمم المتحدة، وتساعد البلدان على توسيع استثماراتها في القوى العاملة الصحية.

وقد أبرزت جائحة كوفيد 19 الدور الأساسي لهؤلاء العاملين في مجال الرعاية في الخطوط الأمامية، والحاجة إلى تأمين العمل اللائق لهم، بما في ذلك الحماية الاجتماعية والسلامة والصحة المهنيتان. ومن المفارقة أن بعض العاملين في مجالي الصحة والرعاية لا يزالون يفتقرون هم أنفسهم إلى الحماية الاجتماعية، رغم أنهم يفون كل يوم بوعد التغطية الصحية الشاملة. وفي بعض القطاعات الفرعية، كخدمات الرعاية الطويلة الأجل، أبرزت جائحة كوفيد 19 قضايا الجاذبية والاحتفاظ بالعاملين في عدة بلدان يشيخ سكانها.

الحماية المالية

واجه مليار شخص في العالم إنفاقاً صحياً كارثياً في عام 2019، يُعرَّف بأنه إنفاق مباشر من الجيب يتجاوز 10% من إجمالي الاستهلاك أو الدخل السنوي للأسرة. وقد شكل ذلك خطراً كبيراً للوقوع في الفقر، ولا تزال هناك تفاوتات كبيرة بين الأقاليم ومجموعات الدخل. وعلى الصعيد العالمي، ارتفعت نسبة سكان العالم الذين واجهوا نفقات صحية كارثية تتجاوز 10% من دخل الأسرة أو استهلاكها بنحو 4 نقاط مئوية بين عامي 2000 و2022، مع زيادة واضحة بوجه خاص في البلدان المتوسطة الدخل. وفي الوقت ذاته، قد ينبع انخفاض الإنفاق الصحي الكارثي، وانخفاض الإنفاق المباشر من الجيب عموماً، من العزوف عن الرعاية بسبب عدم كفاية التغطية بالخدمات أو وجود عوائق إضافية أو كليهما، لا من تحسن الحماية المالية. ويعزز ذلك الحاجة إلى تحليل جميع أبعاد التغطية معاً.

ويسود عدم المساواة داخل البلدان أيضاً. فبيانات المسوح المتاحة تبين تفاوتات مهمة بحسب عمر رب الأسرة والتركيبة العمرية للأسرة عموماً. فالأسر التي يرأسها كبار السن والأسر المؤلفة من كبار السن فقط تسجل معدلاً أعلى بكثير من الإنفاق الصحي الكارثي. وتؤدي عوامل مختلفة دوراً في ذلك، منها ارتفاع الحاجة إلى رعاية حادة قد تكون عالية التكلفة في السنوات الأخيرة من الحياة، وانخفاض الدخل في الشيخوخة. ومن ثم من الحاسم توافر الحماية الصحية الاجتماعية ومعاش شيخوخة ملائم ورعاية طويلة الأجل دون مشقة، وإن كانت فجوات مهمة لا تزال قائمة في هذا الصدد.

وتتحمل الأسر على الصعيد العالمي حصة كبيرة من تكاليف الرعاية الصحية، بسبب مزيج من العوامل على المستوى القطري. فغياب الاستحقاقات الشاملة في الحماية الصحية الاجتماعية أو عدم فعالية تنفيذها أو كليهما يلقي تكاليف الرعاية الصحية على عاتق الأسر، فيولد حوافز لتأجيل الرعاية اللازمة أو العزوف عنها، ويؤثر مباشرة في النتائج الصحية، ويرتبط انخفاض الإنفاق العام على الصحة بارتفاع معدلات الإفقار بسبب النفقات المباشرة. كما أن محدودية حزم الإعانات، التي تغطي خدمات قليلة، تدفع الأفراد إلى دفع نفقات مباشرة مقابل أي خدمات أخرى يحتاجونها، وهو أمر يتزايد شيوعه في الاقتصادات الناشئة التي زادت فيها التغطية بالخدمات منذ عام 2000، بينما تتخلف سياسات الحماية الصحية الاجتماعية عن تحديث حزم إعاناتها. ويجب تكييف حزم الإعانات مع احتياجات السكان ومع التطورات في عبء المرض وفي توافر الخدمات، ومن ثم يجب تحديثها دورياً وفقاً لمعايير الضمان الاجتماعي الدولية. وفضلاً عن ذلك، تمثل محدودية مستويات الإعانات، مع بقاء رسوم الاستخدام الرسمية أو المدفوعات المشتركة أو كليهما، أو وجود مدفوعات غير رسمية مرتفعة، حصة كبيرة من التكلفة الإجمالية للرعاية التي يتحملها المرضى. ولذلك حتى الإنفاق الصحي غير الكارثي له أثر مفقر كبير. وتنص الاتفاقية رقم 102 على وجوب مراجعة مستويات الإعانات دورياً لتظل مستجيبة لاحتياجات السكان.

ومنذ عام 2000، ارتفعت باستمرار نسبة سكان العالم الذين يُدفعون إلى ما دون خط الفقر النسبي، إذ بلغ عددهم نحو 1.3 مليار شخص في عام 2019. غير أن هذه الآثار المفقرة لا تُستشعر بالتساوي بين المواقع الجغرافية وتركيبات الأسر. والواقع أن التحليل يبين أن معدل هذا المؤشر أعلى بثلاثة أضعاف في المناطق الريفية منه في المناطق الحضرية، وأنه يبلغ أعلى مستوياته في الأسر المتعددة الأجيال أو التي يغلب عليها الشباب. ويبرز هذا الواقع أهمية ضمان الحق في الحماية الصحية الاجتماعية للجميع بوصفه أولوية ملحة.

وتجدر الإشارة إلى أن الإنفاق المباشر من الجيب على الصحة لا يشمل تكاليف طلب الرعاية، كتكاليف النقل ووقت العمل الضائع، ولا الدخل المفقود بسبب العجز عن العمل خلال فترة النقاهة. ومن ثم فإن الأثر المفقر يرجح أن يكون أعلى بكثير عند احتساب هذه التكاليف، كما تبين مثلاً من مسوح تكاليف مرضى السل التي دعمتها منظمة الصحة العالمية. وقد أفضت هذه الأدلة إلى إدماج الحماية الاجتماعية في الاستراتيجية العالمية للقضاء على السل، وإلى وضع منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية إرشادات في هذا الشأن.

4.4.4 الفجوات المستمرة في التمويل العام للصحة

يعد التمويل غير الكافي محدداً رئيسياً للعجز المستمر في الحصول على الرعاية الصحية دون مشقة، إذ يزيد مخاطر الضائقة المالية وانعدام الحصول الفعلي على خدمات رعاية صحية وافية. وتندرج الضرائب والاشتراكات الاجتماعية كلتاهما ضمن الإنفاق الحكومي العام على الصحة، الذي مثّل 62.6% من الإنفاق الصحي الجاري على الصعيد العالمي في عام 2022، مع تفاوتات إقليمية كبيرة.

ويعد التمويل المحلي العام أكبر مصدر لتمويل الصحة على الصعيد العالمي. ويؤدي الإنفاق الصحي الخارجي دوراً أصغر بكثير، لكنه قد يكون كبيراً في أفريقيا والدول العربية. ويؤدي التضامن الدولي دوراً في تلبية الاحتياجات الصحية العاجلة لأشد الفئات هشاشة في كثير من السياقات الإنسانية. ومن ثم يمكن لزيادة المواءمة مع برامج الحماية الصحية الاجتماعية، ومع سياسات الصحة والحماية الاجتماعية عموماً، أن تدعم جهود رأب الصدع بين العمل الإنساني والتنمية، وأن تزيد أوجه التآزر الإيجابية بين الإنفاق الخارجي والمحلي على تعزيز نظم الصحة والحماية الاجتماعية.

الحصول على الرعاية الصحية دون مشقة في سياق الأزمات الممتدة: رأب الصدع بين العمل الإنساني والتنمية

مع وجود نزاعات متعددة جارية في جوارهما المباشر، يعد لبنان والأردن من البلدان التي تستضيف أعلى نسبة من اللاجئين مقارنة بعدد سكانها. ويطرح هذا الوضع تحديات مهمة أمام البنية التحتية الطبية القائمة وترتيبات الحماية الصحية الاجتماعية، وعلى نطاق أوسع أمام السياسات الاجتماعية الرامية إلى تأمين رفاه هؤلاء السكان على قدم المساواة مع المواطنين. وفي كلا البلدين، اتخذت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، استناداً إلى ولاية اتفاقية اللاجئين لعام 1951، تدابير لتجنب الإنفاق الصحي الكارثي بتغطية بعض تدخلات الرعاية الثانوية والثالثية، على الأقل لأشد الفئات هشاشة. ولا تُحتسب هذه التدابير ضمن تغطية الحماية الصحية الاجتماعية لأنها غير متجذرة مباشرة في القانون الوطني، وتُدار إلى حد كبير عبر آليات منفصلة عن تلك المطبقة على المواطنين. ومع ذلك، يمثل اللاجئون حصة مهمة من السكان، مما يجعل هذه الآليات الموازية مشترياً مهماً لخدمات الرعاية الصحية على المستوى الوطني. فعلى سبيل المثال، مثلت التغطية في إطار برنامج المساعدة الطبية للفلسطينيين نحو 15% من السكان في الأردن ونحو 20% في لبنان في عام 2021. ومع أن ذلك يسهم في إنقاذ الأرواح كل يوم، فإن الطابع الموازي والمؤقت لهذه التدابير، وكونها ممولة بالكامل من مصادر خارجية، يميلان إلى إعاقة إسهامها في التجميع الواسع للمخاطر وتحسين ممارسات الشراء لدى مقدمي الخدمات العامين في هذين البلدين. ومن شأن التحرك نحو مواءمة أكبر مع السياسات الوطنية للحماية الصحية الاجتماعية أن يسهم في رأب الصدع بين العمل الإنساني والتنمية، وتعزيز هذه السياسات نحو مستويات أعلى من الشمول ومستويات أقوى من الرعاية الأولية.

ومع وجود توافق على وجوب إيلاء الأولوية للتخصيص الكفء للموارد وتوجيهه نحو الرعاية الجيدة لتحقيق نتائج صحية إيجابية، فقد أشارت تقارير مختلفة إلى أن ضمان التغطية الصحية الشاملة بمستويات ملائمة من الحماية المالية يكون صعباً إذا قل الإنفاق الحكومي العام على الصحة عن 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وتقع أقاليم أفريقيا والدول العربية وآسيا والمحيط الهادئ دون هذا الهدف، وهو اتجاه أوضح ما يكون في جنوب آسيا وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ. وتشير التحليلات إلى أن البلدان تحتاج إلى تخصيص 1398 دولاراً أمريكياً للفرد بتعادل القوة الشرائية من الإنفاق الصحي المجمّع لبلوغ 80 نقطة في مؤشر التغطية بالخدمات.

ويرتبط ارتفاع الإنفاق العام على الصحة من المصادر المجمعة، كالضرائب المخصصة وغير المخصصة والاشتراكات الاجتماعية، ارتباطاً إيجابياً بانخفاض الإنفاق المباشر من الجيب على الصحة، في حين لم يُعثر على مثل هذا الارتباط بالنسبة إلى التمويل من التأمين الصحي الخاص الطوعي. ويشير ذلك إلى أن النظم المفروضة من السلطات العامة والمتسقة مع معايير منظمة العمل الدولية توفر المسار الأنسب نحو حماية مالية تشمل أشد الناس فقراً وهشاشة. وفضلاً عن ذلك، تسجل أمريكا الشمالية، مدفوعة إلى حد كبير بالولايات المتحدة، أدنى نسبة من السكان بين البلدان المرتفعة الدخل الذين يتمتعون باستحقاقات قانونية إلزامية في إعانات الرعاية الصحية وبحماية فعلية من خلال نظام للحماية الصحية الاجتماعية تقوده السلطات العامة، ومع ذلك فهي تسجل أيضاً أعلى إنفاق صحي جار كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي على الصعيد العالمي، مما يشير إلى أن النظم التي تقودها السلطات العامة والمستندة إلى إطار قانوني تمثل أيضاً حافزاً مهماً للتخصيص الكفء للموارد.

دراسة ذات صلة