الفصل الثالث: الحبوب
يصف هذا الفصل تطورات السوق والتوقعات على المدى المتوسط لأسواق الحبوب العالمية للفترة 2024 إلى 2033، وتشمل التوقعات الاستهلاك والإنتاج والتجارة والأسعار للقمح والأرز والذرة والحبوب الخشنة الأخرى. ويُختتم الفصل بمناقشة أبرز المخاطر وأوجه عدم اليقين التي قد تترتب عليها آثار في أسواق الحبوب العالمية خلال العقد المقبل.
أبرز التوقعات
تباطؤ نمو الطلب مع استدامة الإنتاج بفضل تزايد الغلال
يُتوقع خلال العقد المقبل أن يتباطأ نمو الطلب على الحبوب مقارنة بالسنوات العشر السابقة، ويعود ذلك أساساً إلى ضعف التوسع في الطلب على الأعلاف والوقود الحيوي والتطبيقات الصناعية الأخرى. وفضلاً عن ذلك، يقترب الاستهلاك الغذائي المباشر للفرد من معظم الحبوب في كثير من البلدان مرتفعة الدخل ومتوسطة الدخل من مستويات التشبع، مما يشكل قيداً على نمو الطلب الإجمالي. ويُعزى جزء كبير من ارتفاع الطلب على الغذاء إلى النمو السكاني، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى. ويُتوقع نمو استهلاك القمح والأرز في آسيا بفعل النمو السكاني، بينما يُتوقع في أفريقيا ارتفاع استهلاك الدخن والذرة الرفيعة والذرة البيضاء. وفضلاً عن ذلك، يُتوقع أن تؤدي الأهمية المتزايدة للأرز في النظم الغذائية الأفريقية إلى ارتفاعات مستمرة في استخدامه الغذائي للفرد في الإقليم.
وبينما تُعد الحبوب عموماً أقل قابلية للتلف من الأصناف الغذائية الأخرى، يمكن أن تظل بعض المنتجات الغذائية القائمة على الحبوب، مثل الخبز والمعجنات، شديدة القابلية للتلف. ونتيجة لذلك، ولأن الحبوب تمثل حصة كبيرة من الاستهلاك العالمي تبلغ نحو 45% من السعرات، فإن مساهمتها في إجمالي السعرات المفقودة والمهدرة تتجاوز 50%. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، تشير التوقعات إلى أن أحجام الفاقد والمهدر في قطاع الحبوب ستزيد بنحو 11% بحلول عام 2033 مقارنة بالمستويات الحالية، بما يعكس الزيادة المتوقعة في الاستخدام الغذائي.
وخلال العقد المقبل، سينبع نمو الإنتاج العالمي للحبوب من تزايد الإنتاجية، ولا سيما تحسن الغلال والاستخدام الأكثر كثافة للأراضي عبر الزراعة المتعددة، وبدرجة أقل من توسع الأراضي المزروعة. ويُعزى هذا الارتفاع المتوقع إلى إتاحة أوسع لأصناف البذور الجديدة والمحسنة واعتمادها، وإلى تطبيق استخدام أكثر دقة وكفاءة للمدخلات إلى جانب تحسين التقنيات الزراعية.
ويُتوقع أن يرتفع الإنتاج العالمي للحبوب من مستواه الحالي بنحو 350 مليون طن ليبلغ 3.2 مليار طن بحلول عام 2033، ويعود ذلك أساساً إلى الزيادات في إنتاج الذرة والقمح. ويُتوقع أن تسهم البلدان الآسيوية بنحو 40% من هذا النمو، على غرار الاتجاهات المرصودة خلال العقد الماضي، مع بقاء الصين والهند أبرز منتجي الأرز. ويُتوقع أن تسهم أفريقيا، التي تمثل الذرة والحبوب الخشنة الأخرى سلعها الرئيسية، بحصص أكبر في نمو الإنتاج العالمي للحبوب مقارنة بالعقد السابق. كما ستؤدي أمريكا اللاتينية والكاريبي دوراً مهماً، ولا سيما في إنتاج الذرة. غير أنه يُستبعد أن تحافظ أوقيانوسيا على مستويات الإنتاج القياسية المسجلة في فترة الأساس، بافتراض ظروف نمو متوسطة.
وفي عام 2023، جرى تداول 17% من إجمالي الإنتاج العالمي للحبوب دولياً، مع تفاوت بين أنواع الحبوب يتراوح بين 10% للأرز و24% للقمح. ويُتوقع أن يظل هذا التوزيع، وكذلك حصة الإنتاج المتداولة، مستقرين خلال العقد المقبل. ويُتوقع أن تحافظ آسيا على مكانتها بوصفها أكبر إقليم مصدر للأرز في العالم، بينما يُرتقب أن تستورد بلدان أمريكا اللاتينية والكاريبي القمح أساساً وتصدر الذرة. وفضلاً عن ذلك، يُتوقع أن تعتمد كثير من البلدان في أفريقيا وآسيا بصورة متزايدة على واردات الحبوب خلال العقد المقبل.
ويُتوقع أن تنمو التجارة العالمية في الحبوب بنسبة 16% بحلول عام 2033 لتبلغ ما مجموعه 551 مليون طن، يُتوقع أن يسهم القمح بنحو 35% من هذا النمو، والذرة بنحو 52%، والأرز بنحو 7%. ويُتوقع أن يحافظ الاتحاد الروسي على مكانته بوصفه أكبر مصدر للقمح، موفراً 26% من الصادرات العالمية في عام 2033 مقارنة بنسبة 20% في فترة الأساس. وستتجاوز الولايات المتحدة البرازيل لتصبح المصدر الأول للذرة، بينما سيظل الاتحاد الأوروبي المصدر الرئيسي للحبوب الخشنة الأخرى. وسيشمل كبار مصدري الأرز الهند وتايلند وفيتنام، مع أدوار متزايدة الأهمية لكمبوديا وباكستان وميانمار في تصدير الأرز. ويعكس نمو الصادرات المتوقع من هؤلاء الموردين الأخيرين رد فعل على تطبيق الهند قيوداً على صادرات الأرز في يوليو وأغسطس 2023. ويُفترض أن تظل هذه القيود سارية طوال فترة التوقعات، لكن يُفترض أن تخفف آثارها جزئياً الاستثناءات التي أقرتها الحكومة الهندية منذ فرضها لأسباب تتعلق بالأمن الغذائي. ويُتوقع أن يواصل الطلب الصيني على الأعلاف التأثير في أسواق الحبوب، إذ تفترض التوقعات ارتفاع واردات الذرة بنسبة 16% لتبلغ نحو 27 مليون طن بحلول عام 2033.
وكما توقعت الطبعات السابقة من التقرير، تراجعت أسعار القمح والحبوب الخشنة عن ذروتها الأخيرة، في حين بلغت أسعار الأرز الدولية أعلى مستوى لها في خمسة عشر عاماً في عام 2023. وبافتراض غلال متوسطة واستقرار جيوسياسي، قد يُستأنف المسار الطويل الأمد لانخفاض الأسعار بالقيمة الحقيقية ويستمر حتى عام 2033.
وكما اتضح في الماضي القريب، يمكن أن يكون لاضطرابات التجارة الناجمة عن عدم الاستقرار السياسي، ولمحاولات السيطرة على التضخم المحلي وتوافر الغذاء، أثر كبير في أسواق الحبوب المستقبلية. وقد أعربت بعض البلدان عن عزمها وضع استراتيجيات لإدارة الأسعار المحلية، مثل بناء المخزونات وقيود التصدير وحواجز الاستيراد وزيادة دعم المنتجين والمستهلكين، لكن تنفيذ هذه التدابير غالباً ما يكون غير واضح ويصعب الحفاظ عليه مالياً. وفضلاً عن ذلك، تزداد أهمية اضطرابات النقل والنقاط الحرجة كما يتضح من الأحداث الأخيرة. وفي المقابل، قد يواجه نمو الإنتاج قيوداً بسبب الآثار السلبية لتغير المناخ على الغلال، ومحدودية الوصول إلى التقنيات الجديدة في بعض الأقاليم، وعدم كفاية الاستثمارات. وقد يؤدي أيضاً تصاعد المخاوف البيئية وتطبيق سياسات بيئية جديدة إلى كبح نمو الغلال.
اتجاهات السوق الحالية
أسعار الحبوب دون ذروتها الأخيرة
خلال موسم 2023 و2024، تعرضت أسواق السلع الغذائية لضغط هبوطي عام وأظهرت تقلباً أقل، رغم مواجهة تحديات خارجية مثل اضطرابات الشحن. وعكس هذا الاتجاه في الغالب انخفاضات كبيرة على أساس سنوي في أسعار الحبوب، في حين ارتفعت أسعار الأرز.
وواصلت أسعار القمح والذرة اتجاهها الهبوطي من مستوياتها القريبة من القياسية والقياسية التي بلغتها في عام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، لتبلغ بحلول عام 2023 أدنى مستوياتها منذ عام 2021. وقد دعمت الإمدادات الوفيرة، ولا سيما في روسيا بالنسبة للقمح والبرازيل بالنسبة للذرة، والمنافسة القوية بين المصدرين، الاتجاهَ الهبوطي في أسعار القمح والذرة العالمية. كما أسهم تراجع عدم اليقين نتيجة استمرار الشحنات من أوكرانيا عبر طرق بديلة، إلى جانب انخفاض أسعار الطاقة والمدخلات، في تهدئة معنويات السوق عموماً.
وفي المقابل، كان عام 2023 أكثر اضطراباً بالنسبة لسوق الأرز العالمية، إذ قفزت أسعار الأرز الدولية إلى أعلى مستوى لها في خمسة عشر عاماً، مدفوعة في البداية بالمخاوف من الآثار السلبية لظاهرة النينيو على الإنتاج، وبتصعيد الهند لقيود التصدير في يوليو وأغسطس 2023. ومنذ ذلك الحين، حالت دون مزيد من الارتفاعات في الأسعار مؤشراتٌ على أن الأثر الفعلي للنينيو على الإنتاج العالمي للأرز سيكون أقل حدة مما كان متوقعاً، إلى جانب استثناءات كبيرة من قيود التصدير أقرتها الهند وزيادة شحنات المصدرين الآخرين. ومع ذلك، وبما يعكس استمرار عدم اليقين المحيط بالسياسات التجارية والظروف المناخية، ظلت أسعار الأرز الدولية في مارس 2024 مرتفعة وأعلى بنحو 14% من مستوياتها قبل عام.
توقعات السوق
الاستهلاك
البلدان الآسيوية ستقود نمو الطلب على الحبوب غذاءً وعلفاً
سيظل الاستخدام الغذائي مهيمناً على الطلب على الحبوب، يليه عن قرب الاستخدام العلفي. ففي عام 2033، سيستهلك البشر مباشرة 41% من جميع الحبوب، بينما ستُستخدم 36% منها أعلافاً للحيوانات، ويُتوقع أن يستأثر الوقود الحيوي والاستخدامات الأخرى بالنسبة المتبقية البالغة 23%. غير أن هذه الحصص تختلف بين أنواع الحبوب، فبينما يُستخدم القمح والأرز أساساً غذاءً، يهيمن الاستخدام العلفي على الذرة والحبوب الخشنة الأخرى.
ويتركز ما بين 48% و66% من الاستهلاك العالمي للحبوب في أكبر خمسة بلدان مستهلكة لكل سلعة، وهو تركز أقل من الإنتاج. ويُتوقع أن يرتفع الاستخدام العالمي للحبوب ارتفاعاً طفيفاً من 2.8 مليار طن في فترة الأساس إلى 3.2 مليار طن بحلول عام 2033، مدفوعاً أساساً بارتفاع الاستخدام الغذائي بمقدار 162 مليون طن، يليه الاستخدام العلفي بمقدار 127 مليون طن. وستستأثر البلدان الآسيوية بما يزيد قليلاً على نصف الزيادة المتوقعة في الطلب.
ويُتوقع أن تهيمن الذرة على الزيادة في الاستهلاك العالمي للحبوب علفاً خلال العقد المقبل، تليها الحبوب الخشنة الأخرى ثم القمح والأرز. ويُتوقع أن يرتفع استهلاك الحبوب غذاءً بمعدل أعلى من العقد السابق، إذ يُتوقع أن يزيد الاستهلاك الفردي في عدة بلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل.
ويُتوقع أن يكون استهلاك القمح أعلى بنسبة 11% في عام 2033 منه في فترة الأساس، وتستأثر أربعة بلدان هي الهند وباكستان ومصر والصين بأكثر من نصف هذه الزيادة. ويُتوقع أن يرتفع الاستخدام الغذائي العالمي للقمح بمقدار 64 مليون طن، لكنه سيظل مستقراً عند نحو 66% من إجمالي الاستهلاك، وسيكون النمو مماثلاً للعقد السابق رغم تباطؤ معدل الزيادة في عدد سكان العالم.
وعلى المستوى العالمي، تزيد الزيادة المتوقعة في الاستهلاك الغذائي للقمح على ثلاثة أضعاف الزيادة في الاستهلاك العلفي، ولا سيما في آسيا، وبخاصة في غرب آسيا وآسيا الوسطى حيث يمثل القمح ركيزة النظام الغذائي لشريحة كبيرة من السكان. وفضلاً عن ذلك، يتزايد الطلب على المنتجات المصنعة التي تتطلب قمحاً عالي الجودة غنياً بالبروتين، يُنتج في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، وبدرجة أقل في الاتحاد الأوروبي وروسيا. وستظل بلدان شمال أفريقيا وغرب آسيا، ولا سيما مصر وتركيا وجمهورية إيران الإسلامية، من كبار مستهلكي القمح بمستويات استهلاك فردي مرتفعة. ويُتوقع أن يتعافى الإنتاج العالمي للإيثانول القائم على القمح، ولا سيما في الهند، بما يعوض الانخفاض في البلدان الأخرى.
ويُستهلك الأرز أساساً غذاءً، وهو غذاء أساسي رئيسي في آسيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي، وبصورة متزايدة في أفريقيا. ويُتوقع أن يرتفع إجمالي استهلاك الأرز عالمياً بنسبة 0.9% سنوياً، بالوتيرة ذاتها للعقد الماضي، مع استئثار البلدان الآسيوية بنحو 66% من الزيادة المتوقعة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى النمو السكاني لا إلى نمو الاستهلاك الفردي. ومن بين الأقاليم المختلفة، يُتوقع أن تشهد أوقيانوسيا وأفريقيا زيادات في المتناول الغذائي الفردي من الأرز. فعلى سبيل المثال، يُتوقع أن يرتفع الاستهلاك الفردي للأرز في أفريقيا من 25.1 كيلوغراماً سنوياً في فترة الأساس إلى 28.5 كيلوغراماً في عام 2033، وفي آسيا من 72.2 إلى 75 كيلوغراماً. وعلى المستوى العالمي، يُتوقع أن يرتفع متوسط الاستخدام الغذائي الفردي للأرز بمقدار 1.7 كيلوغرام ليبلغ نحو 52 كيلوغراماً سنوياً.
ويُتوقع أن يرتفع الاستهلاك العالمي للذرة بنسبة 1.2% سنوياً، وهي وتيرة أبطأ بكثير مقارنة بنسبة 2.1% سنوياً في العقد السابق. وتدفع هذه الزيادة أساساً الدخول المرتفعة التي تترجم إلى طلب أعلى على الأعلاف، الذي يستأثر بالحصة الأكبر من إجمالي الاستخدام، محافظاً على نسبة 56% من فترة الأساس حتى عام 2033. وستستأثر البلدان الآسيوية بنحو 56% من الزيادة في الاستهلاك العلفي، نصفها تقريباً في الصين، بسبب قطاعات الثروة الحيوانية سريعة التوسع فيها. ويُتوقع أن يرتفع الطلب العلفي عالمياً بمقدار 99 مليون طن ليبلغ 777 مليون طن، ولا سيما في الصين والولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين والمكسيك والهند وفيتنام وإندونيسيا ومصر. وسيرتفع الاستهلاك في جنوب شرق آسيا بسبب صناعة الدواجن سريعة النمو فيها.
ويُتوقع أن يرتفع استخدام الذرة غذاءً أساساً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث النمو السكاني قوي، وستظل الذرة البيضاء غذاءً أساسياً مهماً يستأثر بنحو ربع إجمالي المتناول من السعرات. ويُتوقع أن يبلغ نمو استهلاك الذرة غذاءً في البلدان الأفريقية نحو 2.5% سنوياً في المتوسط. وعلى المستوى العالمي، يُتوقع أن يرتفع استخدام الذرة لإنتاج الوقود الحيوي بمعدل أبطأ بكثير من العقدين الماضيين، إذ تقيد سياسات الوقود الحيوي أسواق الإيثانول الوطنية لدى كبار المنتجين، وتستأثر البرازيل والولايات المتحدة معاً بأكثر من 80% من الزيادة.
ويُتوقع أن يرتفع الاستخدام العالمي للحبوب الخشنة الأخرى بنحو 29 مليون طن، أي بنسبة 0.8% سنوياً، خلال السنوات العشر المقبلة، مقارنة بنسبة 0.1% سنوياً في العقد السابق. وسيكون ذلك مدفوعاً بزيادة الاستخدام في البلدان الأفريقية والآسيوية، بينما يُتوقع أن يظل الاستهلاك مستقراً في البلدان مرتفعة الدخل. ويُتوقع أن ترتفع الحصة الغذائية من إجمالي الاستهلاك من نحو 26% في فترة الأساس إلى 28% بحلول عام 2033. وتعتمد بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ولا سيما إثيوبيا، اعتماداً كبيراً على الدخن مصدراً للغذاء بفضل مقاومته للجفاف وملاءمته للظروف المناخية المتنوعة في الإقليم.
وتستأثر الحبوب بأكثر من 50% من السعرات المفقودة والمهدرة عالمياً. وتحدث معظم خسائر ما بعد الحصاد للحبوب أثناء النقل والتجهيز، وتُقدر حالياً بنحو 5% من الإنتاج العالمي. ويحدث مهدر إضافي أثناء التوزيع في مرحلة البيع بالتجزئة، يقلص توافر الغذاء العالمي بنسبة 5% أخرى، بينما يستأثر المهدر المنزلي بنحو 14%. وإذا ظلت هذه النسب دون تغيير خلال العقد المقبل، يُتوقع أن تزيد أحجام الفاقد والمهدر في قطاع الحبوب مع الاستهلاك العالمي بنسبة 11% بحلول عام 2033 مقارنة بالمستويات الحالية. ويستدعي ذلك مزيداً من الجهود للتصدي للفاقد والمهدر في قطاع الحبوب، قد تتضمن مزيجاً من الابتكارات التقنية وتطوير البنية التحتية والتدخلات السياساتية وتثقيف المستهلكين وتغيير السلوكيات على امتداد سلسلة الإمداد. وقد نُفذت في بعض الأقاليم مبادرات مثل تحسين مرافق التخزين وشبكات النقل وتوحيد الملصقات وبرامج التبرع للتخفيف من هذه المشكلات. وفضلاً عن ذلك، يُعد رفع الوعي بالآثار البيئية والاجتماعية لإهدار الطعام أمراً حاسماً لتعزيز نظام غذائي أكثر استدامة.
الإنتاج
التقنيات وممارسات الزراعة المحسنة تدعم نمو الغلة والإنتاج
يُتوقع أن تنمو المساحة المحصودة عالمياً من الحبوب بمقدار 19.2 مليون هكتار، أي بنسبة 3%، بحلول عام 2033. وستتوسع أساساً في أمريكا اللاتينية والكاريبي بنحو 5.5 مليون هكتار، ولا سيما في الأرجنتين والبرازيل، ويعكس أكثر من نصف هذه الزيادة زيادات في ممارسات الزراعة المزدوجة. وعالمياً، يُتوقع أن تزيد مساحات القمح والذرة والأرز بنسبة 2% و6% و2% على التوالي، بينما يُتوقع أن تظل مساحات الحبوب الخشنة الأخرى دون تغيير. وسيعوض تراجعَ المساحات المحصودة من الأرز في الصين واليابان والبرازيل مكاسبُ في بعض البلدان الآسيوية والأفريقية. ومقارنة بالعقد السابق، سيكون توافر الأراضي في المستقبل محدوداً، إذ تفرض حكومات كثيرة قيوداً على تحويل الغابات أو المراعي إلى أراضٍ صالحة للزراعة، كما يستهلك التحضر المستمر الأراضي. ولذلك يُتوقع أن يكون ارتفاع الإنتاج العالمي مدفوعاً إلى حد كبير بالتكثيف. ويُتوقع أن يدعم هذا النمو في الغلال، الناتج عن تحسين التقنيات والممارسات الزراعية، ولا سيما في البلدان متوسطة الدخل، الإنتاجَ المستقبلي للحبوب. وعالمياً، يُتوقع أن تنمو الغلال بنحو 8% للقمح و9% للذرة و10% للأرز والحبوب الخشنة الأخرى.
ومع ذلك، يُتوقع أن تستمر التفاوتات الإقليمية في غلال الحبوب، دون تقارب مرتقب بين الأقاليم مرتفعة الغلة ومنخفضتها. وتسهم عوامل عدة في هذه التباينات، فالظروف الطبيعية تختلف اختلافاً كبيراً مما يؤدي إلى تفاوت الإمكانات الإقليمية للغلة، وتُظهر أصناف المحاصيل المختلفة أداءً متفاوتاً في الغلة، كما أن الغلال المثلى لا تتطابق بالضرورة مع الغلال القصوى، ولا سيما حين لا تكون عوامل أخرى مثل الأراضي المتاحة مقيِّدة. ورغم هذه الفروق، تملك بلدان في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا إمكانات كبيرة غير مستغلة لمزيد من زيادات الغلة.
ويُتوقع أن يزيد الإنتاج العالمي للقمح بمقدار 83 مليون طن ليبلغ 872 مليون طن بحلول عام 2033، منها 44 مليون طن في آسيا، بمعدل نمو أعلى من العقد الماضي. ويُتوقع أن توفر الهند، ثالث أكبر منتج للقمح في العالم، الحصة الأكبر من القمح الإضافي، مستأثرة بأكثر من 30% من الزيادة في الإنتاج العالمي، مدفوعة بتحسينات الغلة وتوسع المساحات استجابة للسياسات الوطنية الرامية إلى تحسين الاكتفاء الذاتي. وستحدث أيضاً زيادات كبيرة في الإنتاج في روسيا وكندا والأرجنتين والولايات المتحدة وتركيا وباكستان. ويُتوقع أن يصبح الاتحاد الأوروبي أكبر منتج للقمح بحلول عام 2033، متجاوزاً الصين حيث يتكيف إنتاج القمح مع تراجع الطلب الناجم عن النمو السكاني السلبي.
ويُتوقع أن يزيد الإنتاج العالمي للأرز بمقدار 60 مليون طن ليبلغ 587 مليون طن بحلول عام 2033، ويُتوقع أن تقود تحسينات الغلة هذا النمو. ويُتوقع أن يكون التوسع في الإنتاج قوياً في البلدان الآسيوية التي تستأثر بالجزء الأكبر من الإنتاج العالمي للأرز. ويُتوقع تسجيل أعلى نمو في الهند التي ستصبح أكبر منتج للأرز في العالم بحلول عام 2033، يليها إقليم أقل البلدان نمواً في آسيا وفيتنام والفلبين وتايلند. وستظل الهند منتجاً رئيسياً لأرز الإنديكا والبسمتي.
وكما هو الحال لدى معظم كبار منتجي الأرز الآخرين، يُتوقع أن تعتمد مكاسب الإنتاج المتوقعة على تحسينات الغلة، مع توقع استمرار الجهود في الصين لإخراج الأراضي الأقل إنتاجية من الزراعة. ويُتوقع أن يواصل الإنتاج في البلدان مرتفعة الدخل، مثل كوريا واليابان، اتجاهه الهبوطي. وسيظل الإنتاج في الاتحاد الأوروبي قريباً من مستويات فترة الأساس، بينما سيتوسع في الولايات المتحدة وأستراليا بنحو 0.5% و2.2% سنوياً على التوالي.
ويُتوقع أن يزيد الإنتاج العالمي للذرة بمقدار 187 مليون طن ليبلغ 1.40 مليار طن بحلول عام 2033، مع أكبر الزيادات في الولايات المتحدة والصين، تليهما البرازيل والأرجنتين والهند. وستكون زيادة الإنتاج في البرازيل مدفوعة إلى حد كبير بارتفاع الذرة المزروعة محصولاً ثانياً بعد حصاد فول الصويا. ويُتوقع أن يكون نمو الإنتاج في الولايات المتحدة دون المتوسط العالمي البالغ 1.2% سنوياً، عند 0.6% سنوياً خلال السنوات العشر المقبلة. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يُتوقع أن يزيد إجمالي إنتاج الذرة بمقدار 28 مليون طن، ستستأثر الذرة البيضاء بالحصة الأكبر منها.
ويُتوقع أن يبلغ الإنتاج العالمي للحبوب الخشنة الأخرى، وهي الذرة الرفيعة والشعير والدخن والجاودار والشوفان، 329 مليون طن بحلول عام 2033، بزيادة 30 مليون طن عن فترة الأساس. وستسهم البلدان الأفريقية بأكثر من 50% من هذه الزيادة، وستكون إثيوبيا والهند وروسيا والبرازيل وتركيا الأكثر إسهاماً في نمو الإنتاج العالمي. وسيواصل الإنتاج في الاتحاد الأوروبي اتجاهه التنازلي بسبب تراجع الطلب على المواد الأولية للوقود الحيوي.
التجارة
تجارة الحبوب ستظل نشطة مع تغير حصص البلدان
تمثل تجارة الحبوب حالياً نحو 17% من الاستهلاك العالمي، ويُتوقع أن ترتفع ببطء حتى عام 2033. وتقليدياً، تزود الأمريكتان وأوروبا آسيا وأفريقيا بالحبوب، حيث يرتفع الطلب المتنامي على الغذاء والعلف من السكان المتزايدين وقطاعات الثروة الحيوانية المتوسعة بوتيرة أسرع من الإنتاج المحلي. ويُتوقع أن يستمر هذا الاتجاه النشط خلال العقد المقبل، مع زيادة صادرات الحبوب بنسبة 16% من فترة الأساس حتى عام 2033. ويُتوقع أن تكون لأوقيانوسيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي من بين أعلى حصص صادرات الحبوب من الإنتاج الوطني، بنسبة 64% و37% على التوالي بحلول عام 2033. ومن بين جميع الأقاليم، تُعد أفريقيا الإقليم الذي تسهم فيه واردات الحبوب بأكبر قدر في الاستهلاك المحلي، إذ ستأتي نحو 32% من الاستخدام المحلي للحبوب في أفريقيا بحلول عام 2033 من بلدان غير أفريقية.
ويُتوقع أن تنمو صادرات القمح بمقدار 26 مليون طن لتبلغ 220 مليون طن بحلول عام 2033، مع توقع حفاظ روسيا على مكانتها بوصفها المصدر الرئيسي، مستأثرة بنحو 26% من الصادرات العالمية بحلول عام 2033.
والاتحاد الأوروبي ثاني أكبر مصدر للقمح، وسيواصل استئثاره بنحو 16% من التجارة العالمية في عام 2033، مع توقع تجاوز صادراته الأحجام القياسية لعام 2019. ويُتوقع أن تستعيد كندا حصتها في سوق التصدير بعد حصاد سيئ جداً في عام 2021 لتبلغ 13% من صادرات القمح العالمية بحلول عام 2033. ويُتوقع أن تحتفظ الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والاتحاد الأوروبي بأسواق القمح عالي الجودة الغني بالبروتين، ولا سيما في آسيا. وبينما تؤدي روسيا دوراً في هذه الأسواق، يُتوقع أن تظل أكثر تنافسية في أسواق القمح الطري، مثل شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وغرب آسيا وآسيا الوسطى. ومن المتوقع أن يزيد إقليما شمال أفريقيا والشرق الأدنى حصتهما من واردات القمح في إجمالي التجارة زيادة طفيفة من 25.7% حالياً إلى 26.4% خلال العقد المقبل.
وخلال العقد الماضي، نمت تجارة الأرز بنسبة 2.2% سنوياً، ويُتوقع أن يرتفع ذلك إلى نحو 2.3% سنوياً، مع ارتفاع أحجام الصادرات الإجمالية بمقدار 12 مليون طن لتبلغ 66 مليون طن بحلول عام 2033. وفي حالة الهند، أكبر مصدر للأرز في العالم، تفترض التوقعات عدم حدوث تغيير في سياساتها لتصدير الأرز خلال فترة التوقعات، ولا سيما بقاء الحظر على الصادرات الهندية من الأرز المكسور والأرز الأبيض غير البسمتي سارياً. ويُتوقع أن يُبقي ذلك إجمالي صادرات الهند من الأرز دون ذروة 22 مليون طن المسجلة في عام 2022. وفي الوقت ذاته، سمحت الحكومة الهندية منذ فرض قيود التصدير هذه باستثناءات من حظر تصدير الأرز لأسباب تتعلق بالأمن الغذائي، وتفترض التوقعات استمرار هذه الاستثناءات خلال فترة التوقعات، بما يحافظ على حجم كبير من إجمالي صادرات الهند من الأرز حتى عام 2033. ومع آفاق استمرار الطلب على هذه النوعيات، يُتوقع أن تعزز المشاركة الهندية الأكثر محدودية في التجارة الدولية للأرز المكسور والأرز الأبيض غير البسمتي شحناتِ المصدرين التنافسيين الآخرين لهذه النوعيات، ومنهم باكستان وميانمار. وفي حالة فيتنام، قد تساعدها التغيرات الجارية في التركيبة الصنفية للإنتاج وزيادة التركيز على زراعة سلالات أعلى جودة وغير الإنديكا على توسيع حصتها السوقية في أقاليم خارج آسيا. وفي الوقت ذاته، يُتوقع أن تظل تايلند ثاني أكبر مصدر للأرز، لكنها ستواصل مواجهة منافسة قوية على الأسواق.
ويُتوقع أن تسجل أقل البلدان نمواً في آسيا، ولا سيما كمبوديا وميانمار، توسعاً قوياً في الصادرات، إذ يُتوقع أن ترتفع شحناتها من الأرز مجتمعة بنسبة 146% من 4.3 مليون طن في فترة الأساس إلى 10.5 مليون طن بحلول عام 2033، وسط توقعات بأن تتيح الإمدادات الكبيرة القابلة للتصدير لهذه البلدان الاستحواذ على حصة أكبر من الأسواق الآسيوية والأفريقية. وتاريخياً، استأثر أرز الإنديكا بالجزء الأكبر من الأرز المتداول دولياً، غير أنه يُتوقع أن يستمر نمو الطلب على الأصناف الأخرى خلال العقد المقبل.
ويُتوقع أن تنخفض واردات الصين، أكبر مستورد للأرز خلال فترة الأساس، من 5 ملايين طن في فترة الأساس إلى نحو 4 ملايين طن في عام 2033، وهو أدنى بكثير من الذروة المسجلة في عام 2015. ويُتوقع أن ترتفع الواردات ارتفاعاً كبيراً في البلدان الأفريقية، حيث يواصل نمو الطلب تجاوز نمو الإنتاج. ففي نيجيريا على وجه الخصوص، ثالث أكبر مستورد للأرز، ترتفع الواردات بمقدار 2.3 مليون طن لتبلغ 4.0 ملايين طن بحلول عام 2033. ويُتوقع أن ترتفع حصة أفريقيا من الواردات العالمية من 32% إلى 41%.
ويُتوقع أن تنمو صادرات الذرة بمقدار 35 مليون طن لتبلغ 218 مليون طن بحلول عام 2033. وستستأثر حصة أكبر خمسة مصدرين، وهم الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين وأوكرانيا وروسيا، بنحو 89% من إجمالي التجارة بحلول نهاية فترة التوقعات. ويُتوقع أن تستعيد الولايات المتحدة مكانة المصدر الأول للذرة، لكن حصتها من الصادرات ستظل دون متوسط العقد الماضي. أما البرازيل، التي كانت المصدر الأول للذرة في عامي 2021 و2022 مستفيدة من انخفاض الصادرات الأمريكية، فستكون ثاني أكبر مصدر، غير أنه يُتوقع أن تكون صادرات البلدين متقاربة جداً في عام 2033 عند 63 و61 مليون طن على التوالي. ويُتوقع أن يظل إقليم أقل البلدان نمواً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مكتفياً ذاتياً تقريباً من الذرة، مع استمرار الذرة البيضاء في أداء دور رئيسي للأمن الغذائي بوصفها ركيزة النظم الغذائية المحلية. وستظل جنوب أفريقيا مورداً إقليمياً، لكن توسعها سيكون محدوداً لأنها تنتج أصنافاً معدلة وراثياً تواجه قيوداً على الاستيراد في البلدان المجاورة.
وحجم التجارة الدولية في الحبوب الخشنة الأخرى، التي يهيمن عليها الشعير والذرة الرفيعة، أصغر بكثير من الذرة أو القمح. ويُتوقع أن تزيد الصادرات العالمية بمقدار 3.7 مليون طن لتبلغ 49 مليون طن في عام 2033. ويُتوقع أن تستأثر أكبر خمسة بلدان مصدرة، وهي الاتحاد الأوروبي وأستراليا وروسيا وكندا والأرجنتين، بنحو 80% من التجارة العالمية بحلول عام 2033، أي أعلى بأربع نقاط مئوية من حصتها في فترة الأساس، مدفوعة أساساً بزيادات الصادرات في روسيا والاتحاد الأوروبي. ويستوعب أكبر خمسة مستوردين، وهم الصين والمملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلامية وتركيا والولايات المتحدة، نحو 67% من التجارة العالمية، مع توقع استئثار الصين بنحو 39% بحلول عام 2033.
الأسعار
توقع انخفاض أسعار الحبوب بالقيمة الحقيقية خلال العقد المقبل
يُتوقع أن تواصل أسعار القمح الاسمية انخفاضها من مستواها في عام 2023 قبل أن تعود إلى اتجاهها على المدى المتوسط، ثم يُتوقع أن يرتفع السعر إلى 287 دولاراً للطن بحلول عام 2033. وبالمثل، يُتوقع أن تعود أسعار الذرة والحبوب الخشنة الأخرى إلى مسارها على المدى المتوسط، إذ يُتوقع أن يبلغ السعر العالمي للذرة 218 دولاراً للطن، وأن يبلغ سعر الحبوب الخشنة الأخرى، مقيساً بسعر شعير العلف تسليم ظهر السفينة في ميناء روان، 249 دولاراً للطن.
كما يُتوقع أن ينخفض سعر التصدير المرجعي للأرز المطحون، وهو مؤشر الفاو لجميع أسعار الأرز معايراً على الأرز الهندي المكسور بنسبة 5%، إذ تؤدي الاستثناءات من قيود التصدير التي تسمح بها الهند، إلى جانب زيادة شحنات المصدرين الآخرين ذوي الأسعار التنافسية، إلى استقرار الإمدادات القابلة للتصدير مقارنة بعام 2023. وعلى المدى المتوسط، يُتوقع أن ينمو الطلب من بلدان الشرق الأقصى وأفريقيا والشرق الأوسط، لكن يُتوقع أن ترتفع إمدادات الأرز من المصدرين بالتوازي، مما لا يولد إلا زيادة طفيفة في الأسعار الاسمية إلى 467 دولاراً للطن بحلول عام 2033.
وعلى المدى المتوسط، يُتوقع أن تنخفض أسعار القمح والذرة والحبوب الخشنة الأخرى والأرز حتى عام 2033 عند تعديلها وفقاً للتضخم، أي بالقيمة الحقيقية.
المخاطر وأوجه عدم اليقين
بيئة أسواق وسياسات أكثر تقلباً بكثير في العقد المقبل؟
تأثرت أسواق الحبوب، أكثر من معظم السلع الأخرى، تأثراً ملحوظاً بآثار الحرب الروسية على أوكرانيا، نظراً لدورهما الرئيسي في الأسواق الدولية، ولا سيما للقمح والذرة، وكذلك للأسمدة والوقود الأحفوري. وبينما خفت حدة التوتر في أسواق الحبوب، ويبدو أن توقعات تراجع صادرات الحبوب الأوكرانية قد انعكست في الأسعار الحالية، فقد يتغير ذلك في المستقبل.
وتبرز اضطرابات النقل، كما في الأحداث الأخيرة في قناتي بنما والسويس، الأهمية المتزايدة للنقاط الحرجة. ويمكن لمثل هذه الأحداث، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل، أن تشكل حواجز إضافية أمام التجارة في المستقبل.
وثمة عوامل أخرى عديدة قد تؤثر في سوق الحبوب ولا تنعكس في التوقعات الحالية. فبينما تفضي الافتراضات العادية بشأن الطقس إلى آفاق إنتاج إيجابية في الأقاليم الرئيسية المنتجة للحبوب، قد تسبب الظواهر المناخية المتطرفة التي يفاقمها تغير المناخ تقلباً أكبر في غلال الحبوب، فتؤثر في الإمدادات والأسعار العالمية. وثمة مخاطر متزايدة في بعض الأقاليم من أن يقيد شح المياه الإنتاج، كما قد تؤدي زيادة اللوائح المتعلقة بتغير المناخ أو التدابير الصحية إلى رفع التكاليف.
وستكون بيئة السياسات حاسمة، إذ سيؤدي تعزيز الأمن الغذائي والتركيز على زيادة الاستدامة في الإصلاحات المرتقبة، مثل استراتيجية "من المزرعة إلى المائدة" في الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن السياسات المحابية للوقود الحيوي، إلى اشتداد المنافسة على الطلب على الحبوب. كما أن السياسات المحلية للصين، التي يتزايد تأثيرها في الطلب على الاستيراد وفي الإنتاج المحلي، حاسمة للتطورات المستقبلية في أسواق الحبوب. وقد تثير القيود التجارية ردود فعل في الأسواق وتغيرات في التدفقات التجارية مماثلة لتلك التي أثارتها تدابير تصدير الحبوب والأرز في الماضي، وقد تكون لها آثار كبيرة في توافر الأغذية الأساسية والقدرة على تحمل تكلفتها، ولا سيما في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وتمثل لوائح التصدير في الأرجنتين مصدراً رئيسياً لعدم اليقين في السنوات المقبلة، فبينما يفترض التقرير بقاء ضرائب تصدير القمح والذرة عند مستوياتها الحالية البالغة 12%، تجري نقاشات حول رفعها إلى 15% وحول إلغائها في نهاية المطاف، ومن الواضح أن هذه التغييرات ستؤثر في آفاق التصدير الأرجنتينية.
ولعدة سنوات، تجاوزت واردات الصين من الحبوب باستمرار الحصص التعريفية الرسمية. ويتوقع التقرير أن يواصل العجز الصافي في الأعلاف في البلاد النمو على المدى المتوسط، مما يجعل الصين تحافظ على حصص كبيرة من تجارة الحبوب، والتوقعات في التقرير شديدة الحساسية لهذا الافتراض.
وسيزيد الاعتماد المتزايد على واردات الحبوب لدى عدة بلدان، ولا سيما في إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا كما يتوقع التقرير، من تعرضها لاضطرابات التجارة المستمرة التي لا يمكن امتصاصها بالمخزونات المحلية. ولذلك يُعد نظام تجاري فعال وموثوق مفتاحاً للأمن الغذائي في هذه الأقاليم.
وتشكل آفات المحاصيل والأمراض الحيوانية تهديدات مستمرة قد تعطل الأسواق، ولا سيما في الأقاليم ذات الموارد المحدودة لإدارة آثارها، وفي الأقاليم التي تتزايد فيها القيود على وقاية النباتات. وقد أثرت تفشيات الجراد ودودة الحشد الخريفية الأخيرة تأثيراً شديداً في الأمن الغذائي في دول آسيوية وأفريقية مختلفة. وبالمثل، أدى تفشي حمى الخنازير الأفريقية في جنوب شرق آسيا إلى انخفاض الطلب على الأعلاف، مما يوضح التداعيات الاقتصادية الكبيرة لمثل هذه الأمراض.
