الفصل الأول: الأسواق الزراعية والغذائية: الاتجاهات والآفاق
يعرض هذا الفصل أبرز النتائج المتعلقة باستهلاك السلع الزراعية والسمكية الرئيسية وإنتاجها وتجارتها وأسعارها، التي يغطيها التقرير للفترة من 2024 إلى 2033. ويلخص الفصل سيناريو مرجعياً معقولاً للسنوات العشر المقبلة، يقوم على افتراضات تتعلق بالأوضاع الاقتصادية الكلية واتجاهات الإنتاجية والظروف المناخية وتفضيلات المستهلكين وإعدادات السياسات الزراعية والتجارية. ويُتوقع أن ينمو الطلب الزراعي العالمي بوتيرة أبطأ خلال العقد المقبل بسبب التباطؤ المرتقب في النمو السكاني ونمو دخل الفرد. وتتضمن هذه الطبعة العشرون مراجعة لتطور الأسواق الزراعية على مدى العشرين عاماً الماضية، مع إبراز الأهمية المتزايدة للاقتصادات الناشئة. وبينما يُتوقع أن يتراجع تأثير الصين في الاستهلاك الغذائي والزراعي العالمي خلال العقد المقبل، يُرتقب أن تكتسب الهند وجنوب شرق آسيا أهمية أكبر. ومن المتوقع أن تنخفض كثافة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية الناتجة عن الزراعة، لأن نمو الإنتاج المتوقع سيعتمد على تحسين الإنتاجية لا على التوسع في الأراضي المزروعة وقطعان الماشية، وإن كانت الانبعاثات المباشرة ستظل في ارتفاع. ويعرض الفصل كذلك سيناريو يركز على أثر خفض الفاقد والمهدر من الأغذية في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والأمن الغذائي والتغذية. ويؤكد التقرير استمرار أهمية الأسواق الدولية للسلع الزراعية التي تعمل بكفاءة بالنسبة للأمن الغذائي العالمي وسبل العيش الريفية. ومن المتوقع أن تُبقي التطورات المرتقبة في العرض والطلب العالميين الأسعار المرجعية الدولية الحقيقية على مسار تنازلي طفيف خلال السنوات العشر المقبلة، غير أن أي انحرافات محتملة عن الافتراضات البيئية والاجتماعية والجيوسياسية والاقتصادية الأساسية قد تغيّر توقعات خط الأساس.
يعدّ تقرير التوقعات الزراعية جهداً تعاونياً بين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. ويقدّم تقرير هذا العام سيناريو مرجعياً متسقاً لتطور أسواق السلع الزراعية والأسماك على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية للفترة من 2024 إلى 2033.
وتقوم توقعات خط الأساس على مدخلات منظمة من الخبراء، وتتأثر بأوضاع السوق الراهنة، وبالافتراضات المتعلقة بالتطورات الاقتصادية الكلية والديموغرافية والسياساتية. ويضمن نموذج "أغلينك كوزيمو"، الذي يربط بين القطاعات والبلدان المشمولة في التقرير، تحقيق الاتساق والتوازن العالمي في جميع الأسواق.
ويسلّط التقرير الضوء على أهمية الفاقد والمهدر من الأغذية بالنسبة للأمن الغذائي واستخدام الموارد واستدامة النظم الغذائية. كما يقدّم تحليلاً لسيناريو يستكشف الآثار المحتملة على العرض والطلب العالميين لخفض المهدر من الأغذية بنسبة 50% على مستوى البيع بالتجزئة والمستهلك من الآن وحتى عام 2030، تماشياً مع الغاية 12.3 من أهداف التنمية المستدامة، إلى جانب خفض الفاقد من الأغذية إلى النصف على مستوى الإنتاج وعبر سلاسل الإمداد خلال الفترة ذاتها.
عشرون عاماً من التعاون وعشرون عاماً من تطور الأسواق الزراعية الغذائية
تتيح هذه الطبعة المشتركة العشرون فرصة للتأمل في تطور الأسواق الزراعية العالمية خلال العقدين الماضيين. فبينما نما استهلاك السلع الزراعية وإنتاجها بصورة مطردة بوجه عام، شهدت الصورة العالمية الإجمالية تحولات بنيوية وسلوكية وسياساتية جديرة بالملاحظة. فقد ارتفعت الواردات والصادرات عالمياً بنسبة 105% من الفترة المرجعية 2001 إلى 2003 حتى فترة الأساس 2021 إلى 2023، في حين ارتفع الاستهلاك والإنتاج بنسبة 58% خلال الإطار الزمني ذاته.
ومن أبرز هذه التحولات تنامي مكانة الاقتصادات الناشئة بوصفها مستهلكة ومنتجة في آن معاً، مدفوعة بالنمو السكاني السريع وارتفاع الدخل المتاح والتقدم التقني، مما أفضى إلى ترتيب جديد في الأسواق الدولية. ويشكّل هذا الترتيب الجديد ومسار التطور نحوه الخلفية التي تستند إليها توقعات التقرير حتى عام 2033، إذ ستستمر كثير من التحولات ذاتها في تشكيل الأسواق الزراعية على المدى المتوسط.
تنامي مكانة الصين والهند في اتجاهات الاستهلاك
شهدت بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أشد الانخفاضات في حصصها من الاستهلاك العالمي للألبان والزيوت النباتية واللحوم، وكانت الصين والهند وبقية آسيا الأكثر إسهاماً في هذه التحولات. فقد تراجعت حصة بلدان المنظمة من الاستهلاك العالمي للألبان من 36% إلى 26%، وكانت الهند المسؤولة الرئيسية عن هذا التحول بعد أن زادت حصتها السوقية بمقدار 11 نقطة مئوية. وفي الزيوت النباتية، انتقلت الحصص السوقية إلى حد كبير نحو الصين التي زادت حصتها بمقدار 8 نقاط مئوية. أما في اللحوم، فقد سجلت جميع الأقاليم باستثناء مجموعة بلدان المنظمة زيادات معتدلة في حصصها السوقية، وكانت أكبر زيادة من نصيب إقليم بقية آسيا بنحو 3 نقاط مئوية.
وفي الاستهلاك غير الغذائي، انخفضت حصة بلدان المنظمة من الاستخدام العلفي للحبوب والأعلاف البروتينية انخفاضاً حاداً خلال العشرين عاماً الماضية، بمقدار 17 و20 نقطة مئوية على التوالي. وفي الحالتين، كانت الصين الأكثر إسهاماً في هذا التحول، إذ رفعت حصتها من استهلاك الحبوب والأعلاف البروتينية بمقدار 9 و11 نقطة مئوية على التوالي.
تراجع حصص بلدان المنظمة من الإنتاج مقارنة بالأقاليم الأخرى ولا سيما الهند
تراجعت حصة بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من الإنتاج العالمي للحبوب والبذور الزيتية والحليب واللحوم والسكر بنحو 7 نقاط مئوية في المتوسط خلال العشرين عاماً الماضية. وحدث أبرز تغيير في أسواق الحليب العالمية، إذ هبطت حصة بلدان المنظمة من 51% إلى 41%، وكانت الهند مسؤولة عن هذا التحول بكامله تقريباً بعد أن رفعت حصتها من 14% إلى 23%. ومن اللافت أن حصة الصين في أسواق إنتاج البذور الزيتية انخفضت بمقدار يقارب انخفاض حصص بلدان المنظمة، إذ تراجعت بمقدار 4 و5 نقاط مئوية على التوالي، فيما ملأت أوروبا الشرقية وإقليم الأمريكتين الآخرين هذه الفجوة.
تحولات كبيرة في المشهد التجاري
تراجعت حصة بلدان المنظمة من الواردات العالمية للسلع الخمس قيد الدراسة في جميع الحالات، ولا سيما في البذور الزيتية ومنتجاتها بانخفاض قدره 21 نقطة مئوية، واللحوم بانخفاض قدره 16 نقطة مئوية، والألبان بانخفاض قدره 13 نقطة مئوية. وملأت الصين هذه الفجوة بزيادات ملحوظة في حصصها في الأسواق الثلاث. وسجلت الصين أكبر الزيادات في حصص الواردات بين جميع الأقاليم في السلع الخمس كافة، تلتها بقية آسيا.
وبينما تراجعت حصص بلدان المنظمة تراجعاً طفيفاً في أسواق استيراد السكر، حدث الانخفاض الأبرز في أوروبا الشرقية التي هوت حصتها من 20% إلى 5% فقط. وملأت الصين وبقية آسيا وأفريقيا هذه الفجوة مجتمعة، مسجلة أبرز الزيادات في حصص استيراد السكر. كما شهدت أوروبا الشرقية تراجعاً ملحوظاً في حصتها من واردات اللحوم من 15% إلى 6%.
وتراجعت حصة بلدان المنظمة من الصادرات العالمية للسلع الخمس تراجعاً حاداً، باستثناء البذور الزيتية ومنتجاتها التي انخفضت انخفاضاً معتدلاً من 30% إلى 27%. أما حصص الصين من الصادرات فقد انخفضت أو بقيت على حالها في جميع السلع الخمس. وفي الحبوب، سجلت أوروبا الشرقية وإقليم الأمريكتين الآخرين أكبر الزيادات في الحصص، بمقدار 13 و12 نقطة مئوية على التوالي. أما الهند، التي شهدت تغيرات متواضعة في جميع السلع الأخرى في أسواق الاستيراد والتصدير، فقد تقاسمت مع إقليم الأمريكتين الآخرين المسؤولية عن تحولات سوق السكر، بزيادتين قدرهما 9 و7 نقاط مئوية على التوالي.
المستجدات الأخيرة في الأسواق الزراعية
واصلت إمدادات السلع الزراعية الدولية ارتفاعها في عام 2023 وتوافقت مع الطلب، مما أدى إلى تراجع الأسعار المرجعية الدولية التي باتت الآن قريبة من متوسط السنوات العشر الأخيرة أو دونه بقليل. ويُستثنى من ذلك السكر الذي ظلت أسعاره أعلى بكثير، لأن الطلب العالمي المتزايد تجاوز الإنتاج المستقر في عام 2023.
ففي اللحوم، تراجعت الأسعار العالمية في عام 2023 بسبب استمرار الإنتاج في الأقاليم الرئيسية وانخفاض الطلب من كبار المستوردين. وعلى الرغم من التحديات مثل الأمراض الحيوانية وارتفاع التكاليف والقيود التنظيمية والظروف المناخية غير المواتية، شهد إنتاج اللحوم نمواً طفيفاً قادته آسيا وأمريكا الجنوبية وأوقيانوسيا، في حين تراجع إنتاج أوروبا.
وفي البذور الزيتية، انخفضت الأسعار الدولية للبذور الزيتية ومنتجاتها من مستوياتها القياسية خلال عامي 2022 و2023، واستقرت منذ أواخر عام 2023، مما يعكس أساساً توقعات بوفرة الإمدادات العالمية من فول الصويا وبذور اللفت وبذور عباد الشمس. وشهدت أسعار الزيوت النباتية تطوراً مماثلاً، إذ تزامن إنتاج زيت النخيل دون مستواه المحتمل مع طلب عالمي فاتر.
وفي السكر، يُتوقع أن يرتفع الإنتاج في موسم 2023 مع إنتاج وفير في البرازيل، المورد العالمي الرئيسي، يعوّض بأكثر من الكفاية تراجعه في الهند وتايلند. ويُرتقب أن يظل سعر السكر الخام الدولي مرتفعاً في ظل طلب قوي.
وفي الحبوب، أدت الإمدادات الوفيرة من الولايات المتحدة والأرجنتين، إلى جانب المنافسة بين المصدرين، إلى خفض الأسعار العالمية للقمح والذرة. كما أسهمت طرق الشحن الأوكرانية البديلة وانخفاض تكاليف المدخلات في تهدئة معنويات السوق. وفي المقابل، واجهت سوق الأرز اضطرابات بسبب المخاوف من ظاهرة النينيو وما تلاها من نقص في الإمدادات، لكنها استقرت بحلول أواخر عام 2023، إذ جاءت الآثار الفعلية على الإنتاج أخف مما كان متوقعاً.
وفي الألبان، هبطت الأسعار في عام 2023 هبوطاً كبيراً من مستوياتها المرتفعة في عام 2022 لجميع منتجات الألبان، مدفوعة أساساً بانخفاض تكاليف المدخلات وتراجع الاستهلاك العالمي. وغالباً ما تُظهر الأسعار المحلية تطوراً مختلفاً بعض الشيء، لأن حصة صغيرة فقط من الحليب تُتداول دولياً. وزاد إنتاج الحليب العالمي في عام 2023 بوتيرة أبطأ من السنوات السابقة، وتراجعت التجارة العالمية في منتجات الألبان، ويعود ذلك أساساً إلى انخفاض الطلب على الاستيراد من الصين.
وفي الأسماك، ظل الإنتاج العالمي مستقراً بوجه عام في عام 2023، إذ قابل ارتفاعَ إنتاج تربية الأحياء المائية تراجعٌ في إنتاج المصايد الطبيعية، ولا سيما في بيرو. وتراجعت الأسعار الدولية للأسماك في عام 2023 مقارنة بالمستويات المرتفعة المسجلة في عامي 2021 و2022، ويعود ذلك أساساً إلى انخفاض أسعار منتجات تربية الأحياء المائية.
وفي القطن، لم يرتفع الاستهلاك العالمي في عام 2023 إلا ارتفاعاً طفيفاً نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي. وتراجعت الأسعار الدولية منذ بداية الموسم في أغسطس 2023 تحت ضغط المخاوف من ضعف الطلب العالمي. وانخفض الإنتاج العالمي من القطن انخفاضاً طفيفاً، مما يعكس أساساً تراجع الإنتاج في البلدين المنتجين الرئيسيين، الصين والهند.
وفي الوقود الحيوي، شهد الإنتاج العالمي في عام 2023 نمواً مطرداً للعام الثالث على التوالي استجابة لطلب مستدام، متعافياً من المستويات المتدنية لعام 2020. وكان هذا النمو مدفوعاً بالسياسات الداعمة وانخفاض أسعار النفط الذي عزز الطلب على وقود النقل، إلى جانب انخفاض أسعار المواد الأولية.
التغيرات الاقتصادية الكلية والسياساتية المتوقعة المؤثرة في الأسواق الزراعية
يدمج السيناريو المرجعي الذي تُبنى عليه توقعات الفترة من 2024 إلى 2033 خبرات المنظمتين في مجالات السلع والسياسات والبلدان، إلى جانب مدخلات البلدان الأعضاء المتعاونة والهيئات الدولية المعنية بالسلع. ويُتوقع أن تؤثر التغيرات التالية في تطور الأسواق الزراعية خلال السنوات العشر المقبلة.
تباطؤ وتيرة النمو السكاني العالمي
يُتوقع أن يزيد عدد سكان العالم بأكثر من 700 مليون نسمة ليبلغ 8.7 مليار نسمة بحلول عام 2033، أي بمعدل نمو متوسط قدره 0.8% سنوياً، وهو ما يشير إلى تباطؤ مقارنة بمعدل 1.0% سنوياً المسجل في العقد الماضي. ويُرتقب أن تشهد أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أسرع نمو سكاني بمعدل 2.4% سنوياً، في حين يُتوقع أن يتراجع عدد سكان الصين تدريجياً. ومن المتوقع أن ترسّخ الهند مكانتها بوصفها البلد الأكثر سكاناً في العالم بعد أن تجاوزت الصين في عام 2023، بمعدل نمو متوسط قدره 0.8% سنوياً خلال العقد المقبل. ويُرجح أن يؤدي التباطؤ العام في النمو السكاني العالمي إلى نمو أبطأ في الطلب العالمي على الغذاء مقارنة بالسنوات العشر السابقة.
تعافٍ اقتصادي عالمي بطيء
يُتوقع أن يكون التعافي الاقتصادي العالمي من اضطرابات جائحة كوفيد 19 والحرب التي يشنها الاتحاد الروسي على أوكرانيا بطيئاً، وأن يكون أبطأ في الاقتصادات المتقدمة منه في الأسواق النامية. وعلى المستوى العالمي، يُتوقع أن يستقر نمو الناتج المحلي الإجمالي عند متوسط قدره 3.0% سنوياً خلال العقد المقبل، بعد أن تراجع من 3.5% تقديرياً في عام 2022 إلى 3.0% في عام 2023. ومن المتوقع أن تواصل الاقتصادات الآسيوية الناشئة والنامية تسجيل أسرع نمو بمعدل 4.5% سنوياً، تليها أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بمعدل 4.3%. وفي المقابل، يُتوقع أن يظل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات المتقدمة دون 2.0% سنوياً. وسيعزز هذا التعافي المتباين دور البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بوصفها المحركات الأساسية لنمو الطلب الزراعي العالمي.
ويُتوقع أن ينمو دخل الفرد العالمي، مقيساً بالدولار الأمريكي الثابت لعام 2010، بنسبة 1.4% في عام 2024، متراجعاً عن معدلي 2.2% و1.6% المسجلين في عامي 2022 و2023 على التوالي. ويُستخدم هذا المؤشر للتعبير عن الدخل المتاح للأسر، وهو من المحددات الرئيسية للطلب على السلع الزراعية. ويُرتقب خلال العقد المقبل أن يبلغ متوسط معدل النمو السنوي عالمياً 1.6%. ومن المتوقع تسجيل نمو قوي في دخل الفرد في آسيا، ولا سيما في الهند بنسبة 5.4% سنوياً، وفيتنام بنسبة 5.1%، والفلبين بنسبة 4.2%، وإندونيسيا بنسبة 4.0%. ويُتوقع أن يضعف نمو دخل الفرد في الصين إلى 3.7% سنوياً مقارنة بنسبة 5.4% في العقد السابق. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا اللاتينية والكاريبي، يُتوقع أن ينمو متوسط دخل الفرد بنسبة 0.9% و1.6% سنوياً على التوالي، وهو تحسن ملموس مقارنة بالتراجع المسجل في العقد الماضي. غير أن ارتفاع عدد السكان في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى سيواصل الحد من مكاسب الدخل الحقيقي للفرد، رغم النمو القوي نسبياً للناتج المحلي الإجمالي الكلي.
تحسن القدرة على تحمل تكاليف الطاقة والأسمدة مع ضعف الطلب على الوقود الأحفوري
يستخدم التقرير مؤشراً مركباً لتكاليف الإنتاج الزراعي يشمل البذور والطاقة ومجموعة من المدخلات الأخرى القابلة للتداول وغير القابلة للتداول. وإضافة إلى ذلك، تُحتسب تكاليف الأسمدة صراحة في معادلات الغلة وتوزيع الأراضي في نموذج "أغلينك كوزيمو". وتُمثَّل تكاليف الطاقة بسعر النفط الخام الدولي معبراً عنه بالعملة المحلية، في حين ترتبط أسعار الأسمدة بأسعار المحاصيل والنفط الخام.
ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة، يُرجح أن يكون الطلب العالمي على النفط والفحم والغاز قد بلغ ذروته في عام 2023 مع صعود تقنيات الطاقة النظيفة، مما قد يضغط على أسعار الطاقة الدولية. كما تراجعت أسعار الأسمدة العالمية عن ذروتها في عام 2022 بفضل انخفاض أسعار الطاقة وتحسن النفاذ إلى الأسواق. ولذلك تستند التوقعات في هذا التقرير إلى افتراض بقاء أسعار النفط ثابتة بالقيمة الحقيقية.
بقاء السياسات القائمة دون تغيير
تؤدي السياسات دوراً مهماً في الأسواق الزراعية وأسواق الوقود الحيوي ومصايد الأسماك، وعادة ما تؤدي إصلاحات السياسات إلى تغييرات في بنى الأسواق. ويفترض التقرير استمرار السياسات الحالية وعدم سنّ سياسات جديدة، ولا يأخذ في الحسبان إلا اتفاقيات التجارة الحرة التي جرى التصديق عليها حتى نهاية ديسمبر 2023. ويوفر هذا التحديد معياراً مرجعياً مفيداً يتيح تقييم التغييرات المستقبلية في السياسات وتحليلها.
أوجه عدم يقين عديدة يُرجح أن تؤثر في التوقعات
تخضع توقعات أسواق السلع الزراعية في هذا التقرير لأوجه عدم يقين بيئية واجتماعية وجيوسياسية واقتصادية قد تدفع المتغيرات الاقتصادية الكلية إلى الانحراف عن الافتراضات المذكورة آنفاً. ومن أبرز مصادر عدم اليقين احتمال وقوع ظواهر مناخية غير اعتيادية خلال السنوات العشر المقبلة تدفع الغلال خارج الاتجاهات المفترضة، المتأثرة بآثار تغير المناخ وتدابير التكيف المصاحبة معاً. وقد سجلت الأرض في عام 2023 أعلى درجات حرارة لسطح اليابسة والبحر. ويواصل تغير المناخ مفاقمة حدة درجات الحرارة العالمية واحتمالات وقوع ظواهر متطرفة أخرى كالجفاف والأعاصير والفيضانات، مما يؤثر في الإنتاج الزراعي العالمي وأنماط التجارة. وقد يؤدي أيضاً اعتماد البلدان سياسات بيئية أكثر صرامة لمعالجة البصمة البيئية للقطاع وتعزيز الاستدامة إلى الحد من آفاق الإنتاج المتوقعة خلال العقد المقبل.
وعلى صعيد الطلب، قد تؤدي التغيرات غير المتوقعة في تفضيلات المستهلكين وسلوكهم إلى تعديل التوقعات، إذ يفترض التقرير استمرار التطورات الحالية في تفضيلات المستهلكين خلال العقد المقبل. وقد تؤثر المخاوف المتزايدة بشأن البيئة والصحة ورفاه الحيوان في سلوك المستهلكين بما يتجاوز الاتجاهات المفترضة، فتزيد شعبية الأغذية التي يُنظر إليها نظرة إيجابية من منظور صحي أو بيئي، مثل الدواجن والأسماك والفواكه والخضروات والمكسرات والبذور، إضافة إلى بدائل الألبان واللحوم. وفي المقابل، قد تبتعد تفضيلات المستهلكين بصورة متزايدة عن السلع ذات البصمة البيئية الكبيرة أو الآثار الصحية الضارة المحتملة، مثل السكر وزيت النخيل ولحم البقر، ولا سيما بين المستهلكين في الاقتصادات ذات الدخل المتوسط الأعلى والدخل المرتفع.
وعلى صعيد التجارة، قد تفرض الاضطرابات الحالية والمحتملة في الممرات البحرية الرئيسية، ولا سيما قناة السويس وقناة بنما والبحر الأسود، تحديات معقدة أمام الحركة السلسة للسلع الزراعية عبر الحدود. ويمكن أن تترتب على الاضطرابات في هذه النقاط الحرجة، سواء أكانت ناجمة عن التوترات الجيوسياسية أم تغير المناخ أم الظواهر الطبيعية أم العقبات اللوجستية، عواقب وخيمة على سلاسل الإمداد العالمية، فتؤدي إلى تأخيرات وارتفاع في تكاليف الشحن، ومن ثم تؤثر في تكلفة السلع الزراعية وتوافرها. فعلى سبيل المثال، ورغم أنه قد يكون من السابق لأوانه إجراء تقييم كامل لآثار أزمة الشرق الأوسط الحالية على الأسواق الزراعية، فإن إطالة أمد تحويل مسار ناقلات النفط بعيداً عن قناة السويس قد يؤدي إلى قفزات في أسعار الطاقة وتكاليف النقل، على غرار التحديات التي واجهها العالم خلال مرحلة التعافي من جائحة كوفيد 19.
وأخيراً، تظل تفشيات الأمراض الحيوانية والنباتية مصدراً كبيراً لعدم اليقين بالنسبة للقطاع الزراعي العالمي في المستقبل. فالعواقب الاقتصادية والاجتماعية لتفشي الأمراض على المنتجين والمستهلكين جسيمة، وغالباً ما تتطلب عدة سنوات لمعالجتها. ويؤكد ذلك أهمية الجهود التعاونية في مجال الأمن البيولوجي لضمان السيطرة على تفشي الأمراض، ولا سيما في ضوء ما تشكله من مخاطر على الصادرات والواردات.
الاستهلاك: التطور المتوقع للفترة من 2024 إلى 2033
الاقتصادات منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل محرك نمو استهلاك السلع الزراعية
يقوم الطلب على السلع الزراعية على مجموعة من العوامل تشمل الدخل الحقيقي المتاح وعدد السكان والأسعار المتوقعة وتفضيلات المستهلكين والسياسات، وهي العوامل التي تحدد كمية الإنتاج الزراعي المستهلكة غذاءً وعلفاً ووقوداً، ومواد خاماً للتطبيقات الصناعية الأخرى. ويُتوقع خلال العقد المقبل أن ينمو إجمالي الاستهلاك بنسبة 1.1% سنوياً ليبلغ 20.6 مليون تيرا سعرة حرارية في عام 2033. ويُتوقع أن يحدث نحو 94% من الاستهلاك الإضافي في البلدان متوسطة الدخل ومنخفضة الدخل، بسبب أنماطها الاقتصادية والديموغرافية والتفضيلية الخاصة. ومن المتوقع أن يستأثر جنوب آسيا وجنوب شرقها بنحو 40% من الاستهلاك العالمي الإضافي، يُعزى نصفه إلى الهند. ويشكّل السكان المتزايدون والأكثر رخاءً الطلبَ على السلع الزراعية في هذه الأقاليم التي تشهد تطوراً في أنماط التغذية.
ومن التحولات اللافتة في هذا التقرير تراجع الدور الذي تؤديه الصين وتعاظم دور الهند وبلدان جنوب شرق آسيا. فبعد أن أسهمت الصين بنحو 28% من نمو الاستهلاك العالمي في العقد السابق، يُتوقع أن تنخفض حصتها من الطلب الإضافي خلال العقد المقبل إلى 12%، ولا يُعزى ذلك إلى تناقص السكان وتباطؤ نمو الدخل فحسب، بل أيضاً إلى استقرار أنماط التغذية. ويتناقض ذلك مع التحول الغذائي السريع الذي شهدته البلاد في العقد السابق مع ما حققته من نمو اقتصادي كبير. ويُتوقع أن تستأثر الهند وبلدان جنوب شرق آسيا بنحو 31% من نمو الاستهلاك العالمي بحلول عام 2033، مدفوعة بتزايد سكان الحضر وارتفاع مستويات الرخاء. ومن بين الأقاليم التي يغلب عليها الدخل المنخفض، يُتوقع أن تسهم أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بحصة كبيرة من الاستهلاك العالمي الإضافي تبلغ 18%، ويعود ذلك أساساً إلى الطلب على الغذاء الناجم عن النمو السكاني. كما يُتوقع أن يسهم إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي، وهو منتج مهم للحوم والوقود الحيوي، بحصة كبيرة من الطلب الإضافي، معظمها في صورة مواد خام للاستخدامات غير الغذائية.
وعلى المستوى العالمي، يظل الاستخدام الغذائي المنفذ الرئيسي، إذ يمثل حالياً 42% من إجمالي الاستهلاك. ويستحوذ الاستخدام العلفي على الثلث، وقد توسع بقوة خلال العقود الماضية بفعل تنويع النظم الغذائية نحو المصادر الحيوانية مع ارتفاع الدخل، وما تبعه من توسع في الإنتاج الحيواني وتكثيفه. أما استخدام الوقود الحيوي، المدفوع إلى حد كبير بالسياسات، فيمثل 7% أخرى من إجمالي الاستهلاك، فيما تُفقد النسبة المتبقية البالغة 17% على امتداد سلسلة الإمداد أو تُستخدم مادةً أولية لتطبيقات صناعية أخرى.
وخلال فترة التوقعات، يُتوقع أن يستأثر الاستخدام الغذائي بنحو 46% من الطلب العالمي الإضافي على السلع الزراعية، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى تزايد السكان في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب شرق آسيا والهند، حيث تتسارع وتيرة التحضر أيضاً. وسيمثل الاستخدام العلفي قرابة ثلث الاستهلاك الإضافي بفضل التطور المرتقب لقطاع الثروة الحيوانية. وبينما يُتوقع أن ينمو الاستخدام الغذائي للمحاصيل بوتيرة أسرع من الاستخدام العلفي على المستوى العالمي، فإن هذا التجميع يخفي فروقاً واضحة بين البلدان. ففي الاقتصادات متوسطة الدخل والأعلى دخلاً، يُتوقع أن ينمو الاستخدام العلفي للسلع المحصولية أسرع من استخدامها الغذائي، إذ يُرتقب أن يغذي الطلب المتزايد على البروتين الحيواني طلباً أكبر على الأعلاف لدعم الإنتاج. ويبرز هذا الاتجاه بوضوح في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، حيث سينشأ أكثر من نصف الطلب العلفي الإضافي. وفي المقابل، يُتوقع أن يتجاوز نمو الاستخدام الغذائي في البلدان منخفضة الدخل نمو الاستخدام العلفي، إذ يدفع تزايد السكان إلى ارتفاع الطلب على الأغذية الأساسية. وعلى المستوى العالمي، يُتوقع أيضاً أن ينمو استخدام الوقود الحيوي، لترتفع حصته من إجمالي الاستخدام بمقدار 0.5% بحلول عام 2033.
ارتفاع المتناول من السعرات الحرارية وبطء التنوع الغذائي
يُتوقع أن يرتفع المتناول اليومي للفرد من السعرات الحرارية، أي الاستهلاك بعد خصم المهدر المنزلي، في الاقتصادات النامية والناشئة، وأن تضيف البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى أكبر قدر من السعرات تليها البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى. وعلى وجه الخصوص، يُتوقع أن تسهم مكاسب دخل الفرد في الهند وأجزاء أخرى من آسيا الناشئة في نمو المتناول من جميع السلع الغذائية. وفي البلدان منخفضة الدخل، ورغم معدلات النمو المرتفعة نسبياً للناتج المحلي الإجمالي، فإن تزايد السكان سيعني مكاسب متواضعة فقط بالنسبة للفرد، ومن ثم زيادات معتدلة فقط في المتناول الغذائي مقارنة بالبلدان متوسطة الدخل. أما المستهلكون في الاقتصادات مرتفعة الدخل فلن يزيدوا متناولهم من السعرات إلا زيادة هامشية لأن أنماطهم الغذائية قد استقرت.
ويُتوقع أن يرتفع متناول الفرد من السلع الأساسية، وهي المصدر الرئيسي للسعرات الحرارية، بنسبة 5.3% عالمياً، مع تركز النمو في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بعد أن استقر المتناول في البلدان مرتفعة الدخل. وبينما يُتوقع تحول في بنية النظم الغذائية من الأغذية الأساسية نحو الأصناف الأعلى قيمة، يظل هذا التحول بطيئاً لأن السلال الغذائية حول العالم لا تتطور إلا تدريجياً، مقيدة بالدخل والتفضيلات الثقافية. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن ترتفع حصة الطاقة الغذائية المستمدة من المنتجات الحيوانية الغنية بالمغذيات والفواكه والخضروات في البلدان متوسطة الدخل بما يزيد قليلاً على 1%. وتبدو الأنماط الغذائية أكثر جموداً في البلدان منخفضة الدخل، حيث تظل حصة الطاقة الغذائية من المصادر الحيوانية دون تغيير، وتستمر الأغذية الأساسية في توفير الجزء الأكبر من السعرات بنسبة 71%. ويكشف هذا الانتقال البطيء نحو الأغذية الحيوانية والأغذية المغذية الأخرى في الاقتصادات منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل عن التحديات التي تواجه تحقيق هدف التنمية المستدامة المتمثل في تحسين تغذية سكان العالم بحلول عام 2030. ومع ذلك، وعلى الرغم من التغير المحدود في النظم الغذائية، يتوقع التقرير استهلاكاً إضافياً للأصناف الغذائية عالية القيمة في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل على حد سواء، تماشياً مع النمو الاقتصادي.
وعلى المستوى العالمي، يُتوقع أن يرتفع متناول الفرد من الدهون والمحليات بمقدار 7.2 سعرة حرارية يومياً و6.6 سعرة حرارية يومياً على التوالي. ويُرتقب نمو قوي في المتناول من الدهون في الهند وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، ومن السكر في جنوب شرق آسيا، مدفوعاً بارتفاع دخل الفرد. أما في الاقتصادات مرتفعة الدخل، فيُتوقع أن يواصل متناول الفرد من الدهون والمحليات انخفاضه خلال العقد المقبل بسبب تنامي المخاوف الصحية والتدابير السياساتية التي تثبط الإفراط في استهلاكها. ويقابل هذه التخفيضات ارتفاعٌ في استهلاك الدواجن والأسماك والفواكه والخضروات التي يُنظر إليها على أنها أفضل من الناحية الصحية.
ويجمع تقرير الفاو عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم إحصاءات عن انتشار نقص التغذية حول العالم، ويعرّف الجوع بأنه نسبة السكان الذين يقل متناولهم الغذائي اليومي عن الحد الأدنى من احتياجات الطاقة الغذائية. ووفقاً لهذا التقرير، واجه نحو 735 مليون شخص، أي 9.2% من سكان العالم، الجوع في عام 2022. غير أن متوسط المتناول اليومي للفرد من السعرات الحرارية في فترة الأساس يتجاوز الحد الأدنى لاحتياجات الطاقة الغذائية لعام 2022 في جميع مجموعات البلدان. ويعني ذلك أنه رغم توافر ما يكفي من الغذاء لتلبية احتياجات الطاقة اللازمة، فإن التوزيع غير المتكافئ للسعرات داخل البلدان وفيما بينها هو السبب الرئيسي لانتشار الجوع. ويبرز ذلك أهمية السياسات الاجتماعية والاقتصادية، مثل شبكات الأمان الاجتماعي الفعالة وبرامج توزيع الأغذية، في التصدي لنقص التغذية.
توقع ارتفاع استهلاك البروتين عالمياً من مصادر متنوعة
استجابة لتزايد الرخاء بين المستهلكين في الاقتصادات الناشئة، يُتوقع أن يرتفع المتناول العالمي للفرد من البروتين إلى 79.8 غراماً يومياً بحلول عام 2033، مقارنة بنحو 76.6 غراماً في فترة الأساس. وبينما يُتوقع أن تسد البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى فجوة الاستهلاك مع البلدان مرتفعة الدخل بحلول نهاية العقد، ستظل الفجوة في البلدان الأفقر بحيث يتراوح متناولها بين 50% و70% من متناول البلدان مرتفعة الدخل، وهو تحسن طفيف مقارنة بفترة الأساس.
وستستمر أيضاً الفروق في تركيبة مصادر البروتين، إذ يُتوقع أن تستهلك بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأدنى وشمال أفريقيا البروتين من مصادر نباتية في الغالب، نظراً لانخفاض متوسط دخل الأسر فيها انخفاضاً كبيراً. وفي جنوب آسيا، تظل منتجات الألبان الطازجة مصدراً حيوياً للبروتين، إذ يُتوقع أن يضيف كل من الهند وباكستان أكثر من غرامين من بروتين الألبان إلى متوسط المتناول اليومي للفرد، لترتفع حصة الألبان من إجمالي المتناول البروتيني إلى 17.6% و28.3% على التوالي.
وفي البلدان مرتفعة الدخل في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا الوسطى، استقرت أنماط التغذية وباتت المصادر الحيوانية توفر الجزء الأكبر من احتياجاتها البروتينية. لكن رغم الاستقرار العام للأنماط الغذائية في هذه الأقاليم، يُتوقع أن تدفع المخاوف البيئية والصحية المتزايدة تفضيلات المستهلكين بعيداً عن اللحوم الحمراء والمصنعة، ولا سيما لحم البقر، نحو بدائل أقل دهوناً يُدّعى أنها أكثر ملاءمة للبيئة، مثل الدواجن والأسماك والبروتين النباتي. ويبدو اتجاه الإحلال بين أنواع اللحوم واضحاً بالفعل في كثير من البلدان الصناعية، حيث حدثت زيادة ملحوظة في الاستهلاك الفردي للدواجن على حساب لحم البقر. كما يُتوقع أن يؤدي تنامي الوعي الصحي في الاقتصادات الصناعية إلى زيادة الطلب على أصناف أخرى عالية القيمة مثل الفواكه والخضروات والمكسرات والبذور.
استمرار تراجع حصة الغذاء من إجمالي إنفاق الأسر مع بقائها مرتفعة في أفقر البلدان
يُتوقع أن تواصل حصة الدخل المتاح للأسر المخصصة للإنفاق على الغذاء تراجعها في جميع الأقاليم. ورغم أن أكبر انخفاض مرتقب سيكون في البلدان منخفضة الدخل، فإن حصة الإنفاق على الغذاء فيها ستظل مرتفعة، مما يشير إلى هشاشة أكبر إزاء صدمات أسعار السلع الغذائية في أكثر البلدان معاناة من انعدام الأمن الغذائي. كما أن ارتفاع حصة الغذاء من إجمالي الإنفاق يؤثر سلباً في الأداء الاقتصادي الكلي للبلدان منخفضة الدخل. فبالنسبة للبلدان المستوردة الصافية للسلع الزراعية، كتلك الواقعة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، تؤثر الأسعار الدولية المرتفعة والمتقلبة في فواتير استيراد الأغذية، فتفاقم مشكلات ميزان المدفوعات وتزيد الضغوط التضخمية.
نمو الاستخدام العلفي بفعل توسع القطعان وتكثيف نظم الإنتاج الحيواني وتربية الأحياء المائية
يُتوقع خلال فترة التوقعات أن تتوسع أعداد الحيوانات عالمياً بنسبة 10%، في حين يرتفع الإنتاج على أساس البروتين بنسبة 14%، مما يشير إلى مزيد من التكثيف في نظم الإنتاج الحيواني وتربية الأحياء المائية. ومن المتوقع أن يؤدي توسع القطعان واستمرار تكثيف نظم الإنتاج، المدفوعان بالطلب على البروتين الحيواني الناجم عن ارتفاع الدخل وتزايد السكان، إلى زيادة الطلب العالمي على الأعلاف بمكافئ البروتين بنسبة 13%، وهو ما يدل على تحسينات شاملة في الوراثة الحيوانية وتقنيات الأعلاف وإدارة القطعان. وستأتي الزيادة الأكبر المتوقعة في استهلاك الأعلاف من البلدان متوسطة الدخل، حيث تتزايد حصة الإنتاج من المزارع التجارية كثيفة الاستخدام للأعلاف وتتزايد أعداد الحيوانات. وفي هذه البلدان، يماثل نمو استهلاك الأعلاف نمو الإنتاج الحيواني أو يتجاوزه، حتى دون احتساب حصة الإنتاج المعتمدة على الأعلاف غير المركزة مثل المراعي والدريس والقش والفضلات، التي لا تدخل في الطلب العلفي المتوقع. ويُرتقب تكثيف استخدام الأعلاف بشكل خاص في جنوب شرق آسيا، حيث سيرفع توسع إنتاج الخنازير والدواجن الطلب على الأعلاف البروتينية والحبوب، ومعظمها مستورد.
لكن رغم الزيادة المتوقعة في استهلاك الأعلاف حتى عام 2033، يُرتقب أن تتباطأ وتيرة النمو تباطؤاً كبيراً مقارنة بالعقد السابق. فمن بين الاقتصادات ذات الدخل المتوسط الأعلى، يُتوقع أن يتباطأ نمو الطلب على الأعلاف في الصين على وجه الخصوص تباطؤاً ملحوظاً، بسبب تحسن كفاءة الأعلاف والجهود الرامية إلى خفض حصص الأعلاف البروتينية في علائق الماشية، إلى جانب التعافي الاقتصادي البطيء وتناقص السكان الذين يستهلكون نظاماً غذائياً مستقراً نسبياً. وفي الاقتصادات مرتفعة الدخل، ستؤدي زيادة كفاءة الإنتاج إلى تقليص القطعان، ومن ثم لا يُتوقع إلا نمو بطيء في استخدام الأعلاف البروتينية وحبوب العلف.
الاقتصادات الناشئة في طليعة التوسع في استخدام السلع الزراعية الأولية مواد أولية لإنتاج الوقود الحيوي
الوقود الحيوي وقود سائل للنقل مشتق من الكتلة الحيوية، ويُستخدم في الغالب مخلوطاً بالوقود الأحفوري بهدف خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتعزيز أمن الطاقة. ويُنشئ إنتاج الوقود الحيوي طلباً إضافياً على السلع الزراعية. وتشكّل الذرة ومنتجات السكر الجزء الأكبر من المواد الأولية للإيثانول، بينما يعتمد إنتاج الديزل الحيوي أساساً على الزيوت النباتية وزيوت الطهي المستعملة. وعلى المستوى العالمي، يأتي 6.9% من إجمالي الطاقة المستهلكة سنوياً من الوقود الحيوي، ويُتوقع أن ترتفع هذه الحصة إلى 7.3% بحلول نهاية العقد.
ويُتوقع أن ينمو استخدام الوقود الحيوي عالمياً مدفوعاً بالطلب على وقود النقل والسياسات العامة. وخلال العقد المقبل، ستستأثر الاقتصادات الناشئة بحصة كبيرة من الإنتاج الجديد للوقود الحيوي، ولا سيما البرازيل وإندونيسيا والهند، حيث يتزايد الطلب على وقود النقل وتُنفذ سياسات داعمة لاستهلاك الوقود الحيوي وإنتاجه. ويُتوقع أن يسهم الإيثانول المستخرج من قصب السكر إسهاماً كبيراً في هذه الزيادة في تلك البلدان.
أما في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث يرتفع استهلاك الوقود الحيوي، فسيكون الاستخدام الجديد للوقود الحيوي في النقل البري مقيداً بعوامل مثل تزايد اعتماد المركبات الكهربائية، وتحسين كفاءة المركبات، والسياسات التي تشجع المواد الأولية المستدامة التي لا تنافس محاصيل الغذاء والعلف منافسة مباشرة.
الإنتاج: التطور المتوقع للفترة من 2024 إلى 2033
استمرار اعتماد نمو الإنتاج أساساً على مكاسب الغلة في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل
يُتوقع خلال السنوات العشر المقبلة أن تزيد قيمة الإنتاج الزراعي العالمي بنسبة 1.1% سنوياً مقيسة بالأسعار الثابتة. ويُرتقب أن يقود الإنتاج الحيواني هذا النمو بمعدل 1.3% سنوياً، مدفوعاً بالزيادة المتوقعة في عائدات مبيعات الإنتاج. كما يُتوقع أن يرتفع إنتاج الأسماك بنسبة 1.1% سنوياً، في حين يُرتقب أن ينمو إنتاج المحاصيل بمعدل سنوي قدره 1.0%.
ومن المتوقع أن تظل البلدان متوسطة الدخل ومنخفضة الدخل المواقع الرئيسية للتوسع الزراعي العالمي، إذ ستسهم بنحو 80% من الإنتاج الزراعي العالمي بحلول نهاية فترة التوقعات. ويُتوقع أن تتراجع حصة الصين من إنتاج المحاصيل والإنتاج الحيواني، مع زيادة حصتها من إنتاج مصايد الأسماك. وفي المقابل، يُتوقع أن تزيد الهند حصتها من الإنتاج الحيواني وإنتاج المحاصيل على حد سواء.
ويُرتقب أن تحقق أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأدنى وشمال أفريقيا نمواً كبيراً في الإنتاج، وإن كان ذلك من قاعدة منخفضة. ورغم أن المحاصيل تهيمن حالياً على الإنتاج الزراعي في هذين الإقليمين، يُتوقع نمو أسرع في قطاعات الإنتاج الحيواني الأعلى قيمة. وعلى وجه التحديد، ستستأثر الألبان بجزء كبير من توسع الإنتاج الحيواني في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بينما يُتوقع أن تكون الدواجن المحرك الرئيسي للنمو في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا.
وفي الأقاليم الأخرى، يُتوقع أن يكون نمو الإنتاج أكثر اعتدالاً، إذ ستنمو أوروبا وآسيا الوسطى بأبطأ وتيرة. كما يُرتقب نمو محدود في أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية والكاريبي، مع تجاوز نمو إنتاج المحاصيل نمو الإنتاج الحيواني. وسيأتي النمو أساساً من مكاسب الإنتاجية، إذ يُتوقع أن يستمر التراجع الطويل الأمد في استخدام الأراضي الزراعية، غير أن التشريعات الأكثر صرامة المتعلقة بالاستدامة البيئية ورفاه الحيوان ستضغط على تحسينات الغلة.
وبافتراض استمرار الانتقال نحو نظم إنتاج أكثر كثافة، ولا سيما في البلدان متوسطة الدخل ومنخفضة الدخل، تشير التوقعات إلى أن 80% من نمو إنتاج المحاصيل عالمياً سيأتي من تحسن الغلال. وبالمثل، يُتوقع أن ينتج جزء كبير من نمو الإنتاج الحيواني والسمكي عن تحسن الإنتاجية، وإن كان توسع القطعان سيسهم أيضاً في نمو الإنتاج الحيواني. غير أنه يُتوقع ألا يضاهي معدل نمو الإنتاج المستويات التي شهدها العقد السابق، ويُعزى هذا التباطؤ إلى تراجع حوافز النمو مع ضعف نمو الطلب ومحدودية التقدم في تحسين كفاءة الإنتاج.
وفي إقليم آسيا والمحيط الهادئ الذي يعاني من قيود الموارد، يتوقع التقرير أن يكون نمو الإنتاج مدفوعاً في الغالب بمكاسب إنتاجية الأراضي. أما التوسع في إنتاج المحاصيل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى فسيستند إلى توسع المساحات وزيادة إنتاجية الأراضي معاً، وتأتي معظم هذه الزيادة من توافر أصناف محاصيل محسنة وإدارة أفضل للمزارع. وفي أمريكا اللاتينية والكاريبي، سيتعزز النمو القوي لإنتاج المحاصيل، الناجم عن التوسع والتكثيف معاً، بمكاسب في الغلة ناتجة عن الزيادات السريعة المتوقعة في استخدام الأسمدة. ويُتوقع أن تستمد الاقتصادات المتقدمة نموها أساساً من مكاسب الإنتاجية نظراً للتراجع الطويل الأمد في استخدام الأراضي الزراعية، غير أن التشريعات الأكثر صرامة المتعلقة بالاستدامة البيئية ورفاه الحيوان قد تحد من تحسينات الغلة إذا ما شُددت لاحقاً.
تحسينات الغلة تدعم نمو الإنتاج مع وجود مجال للتكثيف المستدام
على الرغم من نمو متوسط الغلال عالمياً والزيادات الملحوظة في الأقاليم منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، يُتوقع أن تستمر تفاوتات كبيرة في مستويات الغلة بين الأقاليم مرتفعة الغلة ومنخفضتها في مختلف السلع. وتُظهر سلع مثل الذرة والجذور والدرنات أوسع تباين في الغلال، بسبب ارتفاع إمكانات الغلة لهذه السلع. ولا يتوقع التقرير أي تغيرات كبيرة في توزيع الغلال خلال العقد المقبل.
ومع مراعاة أن تغير تركيبة السلع قد يؤثر في تطور الغلة، يُتوقع أن تسجل الجذور والدرنات أكبر الزيادات المطلقة والنسبية في متوسط الغلال العالمية، مدفوعة أساساً بإقليم جنوب آسيا وجنوب شرقها. أما توزيع غلال فول الصويا فهو مرتفع نسبياً بالفعل في مختلف الأقاليم، مما يدل على أن الجزء الأكبر من الإنتاج يأتي من منتجين متقدمين. وفي المقابل، تُظهر البذور الزيتية الأخرى تبايناً أضيق وأبطأ زيادة في متوسط الغلة، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى التحديات المرتبطة بتقادم مزارع نخيل الزيت في إندونيسيا. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يُتوقع تحقيق زيادات كبيرة بالنسب المئوية في الحبوب والجذور والدرنات، وإن كان ذلك من قاعدة منخفضة جداً. وبينما يُتوقع أن تضيق فجوات الغلة العالمية لبعض الحبوب مثل القمح بنسبة 7% والذرة بنسبة 1% والأرز بنسبة 2%، يُرتقب أن يتسع التباين في الحبوب الخشنة الأخرى بنسبة 7%، وفول الصويا بنسبة 2%، والبذور الزيتية الأخرى بنسبة 7%، والبقول بنسبة 6%، والجذور والدرنات بنسبة 7%.
ويمكن أن يساعد تحليل استخدام الأسمدة لكل هكتار من المحاصيل المزروعة، مقارنة بالإنتاج لكل هكتار، في تفسير التباين الملحوظ في الغلال بين الأقاليم. لكن من المهم الإشارة إلى أن عوامل أخرى غير الأسمدة، تشمل ممارسات إدارة المزارع والظروف المناخية والموارد الطبيعية، تؤثر أيضاً في تطور الغلة. ففي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث الغلال مرتفعة بالفعل، قد تكون التطورات المستقبلية في ممارسات الإنتاج محدودة مقارنة ببلدان أخرى، وإن كان يُتوقع أن تتجاوز التغيرات في الغلال التغيرات في استخدام الأسمدة. أما أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ورغم انطلاقها من قاعدة منخفضة، فيُرتقب أن تشهد زيادات كبيرة في استخدام الأسمدة النيتروجينية والغلال على حد سواء.
وسيتطلب تلبية الطلب المستقبلي على الغذاء دون زيادة مساحة الأراضي المستخدمة للزراعة، ومن ثم تجنب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناجمة عن إزالة الأراضي، زيادة الغلال في الأراضي الزراعية المزروعة حالياً من خلال التكثيف المستدام للنظم الزراعية.
التكثيف المستدام للزراعة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى
أصبحت أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الإقليم الأكثر معاناة من انعدام الأمن الغذائي في العالم، وتزداد اعتماداً على الأغذية المستوردة لإطعام سكانها المتزايدين. وقد اتضحت المخاطر التي ينطوي عليها ذلك منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا حين ارتفعت أسعار الأسمدة والأغذية ارتفاعاً حاداً. واتفقت قمة الغذاء الأفريقية لعام 2023 في السنغال على أن القارة قادرة على إطعام نفسها وينبغي لها ذلك. ويعاني الإقليم من انعدام الأمن الغذائي بسبب محدودية التنمية الزراعية، إلى جانب انخفاض الإمكانات الطبيعية لإنتاج المحاصيل عموماً، وهو ما يفاقمه تغير المناخ بصورة متزايدة. ولا يتجاوز متوسط غلة المحاصيل 1250 كيلوغراماً للهكتار من مكافئ الحبوب، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 4100 كيلوغرام للهكتار. غير أن الغلال المحتملة في الإقليم أعلى بمرتين إلى ست مرات، تبعاً للإقليم الفرعي والمحاصيل المعنية.
التكثيف المستدام: هل هو الطريق إلى الأمام؟
ثمة حاجة إلى سياسات زراعية تهيئ بيئة مواتية تشجع المزارعين على الاستثمار في أراضيهم القائمة بدلاً من إزالة الغابات والمراعي. ويمكن أن تحقق زيادات الغلة المحتملة من التكثيف المستدام فوائد متعددة، منها تعزيز الأمن الغذائي والسيادة الغذائية، والتنمية الاقتصادية، وعكس استنزاف التربة، وتخفيف الضغط على الأراضي والطبيعة والمناخ. كما يمكن أن يكون دعم البلدان الأفريقية في تكثيف زراعي يحفز التنمية الاجتماعية والاقتصادية وسيلة فعالة من حيث التكلفة للحد من الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، من خلال معالجة اثنين من أسبابها الجذرية هما الفقر والنزاعات. ولتكثيف الزراعة بطريقة مستدامة، لا بد من استيفاء عدة شروط أساسية.
رفع حجم إنتاج الغذاء والعلف وجودته
لما كان إنتاج المحاصيل في أفريقيا مقيداً بفقر التربة أكثر بكثير من انخفاض الأمطار، فإن زيادة استخدام الأسمدة تمثل خطوة أولى أكثر فعالية وأقل تكلفة في التكثيف الزراعي مقارنة بالري. ويجب أن تُستخدم الأسمدة ضمن إدارة متكاملة لخصوبة التربة، مقترنة بمحسنات التربة مثل المادة العضوية والجير لتحسين صحة التربة والحفاظ عليها، والبذور المحسنة، ومنتجات وقاية المحاصيل. ورغم أن الإقليم يسجل معدل استخدام للسماد الطبيعي أعلى من الأسمدة الاصطناعية، فإن جودة السماد الطبيعي منخفضة عموماً بسبب رداءة علائق الحيوانات وعدم كفاءة جمعه ومناولته وتخزينه. أما الأسمدة الاصطناعية، فلا يتجاوز متوسط ما يُستخدم منها في الإقليم 20 كيلوغراماً للهكتار، وهو أدنى بكثير من المتوسط العالمي البالغ 140 كيلوغراماً للهكتار. وفي البلدان التي يقل فيها الاستخدام عن 20 كيلوغراماً للهكتار، يبلغ الإنتاج السنوي للفرد 250 كيلوغراماً من مكافئ الحبوب، وهو بالكاد يكفي لتغطية احتياجات الطاقة، بينما يبلغ في البلدان التي يتجاوز فيها الاستخدام هذا المستوى 400 كيلوغرام للفرد. ولا تقتصر أسباب قلة استخدام الأسمدة على ارتفاع الأسعار ومحدودية خبرة المزارعين، بل تشمل أيضاً نقص البذور المحسنة ومنتجات وقاية المحاصيل وانخفاض أسعار المحاصيل عند باب المزرعة. وإلى جانب خدمات الإرشاد الجيدة، تلزم أسواق مدخلات ومخرجات تعمل بكفاءة وشفافية لزيادة توافر الأسمدة والقدرة على تحمل تكلفتها واستخدامها. وفي خُمس البلدان، تسير هذه التطورات على قدم وساق ويمكن أن تكون نماذج يُحتذى بها.
تعزيز الإنتاج الحيواني
تُعد مساحات واسعة من الإقليم، ولا سيما حواف الصحارى والمرتفعات حيث تحد الأمطار ودرجات الحرارة من غلال المحاصيل، مثالية لإنتاج المجترات. ففي منطقة الساحل، كان نظام الرعي التقليدي ينتج ما يصل إلى ثمانية أضعاف البروتين لكل كيلومتر مربع مقارنة بنظام المراعي المسيجة في ظروف مماثلة في الولايات المتحدة وأستراليا. غير أن الرعي الترحالي للمجترات يفقد مزيداً من أراضي الرعي لصالح المزارعين مع توسع المساحات المحصولية بفعل النمو السكاني. وفضلاً عن ذلك، يحتفظ المزارعون بشكل متزايد بالماشية رأس مال ومصدراً للسماد والجر الحيواني، بدلاً من تعظيم إنتاج البروتين الحيواني. ويسير تحسين إنتاج الغذاء جنباً إلى جنب مع زيادة توافر الأعلاف وجودتها. ولما كانت المدخلات الخارجية اللازمة تحقق عادة نسب تكلفة إلى منفعة أفضل في الزراعة المحصولية منها في تربية الحيوان، فإن إحدى فرص زيادة إنتاجية الماشية تكمن في نظم الزراعة المختلطة، حيث يرفع استخدام الأسمدة جودة الأعلاف المنتجة في المزرعة. ثم إن هناك فرصة لتربية الماشية في مناطق الرعي النموذجية مثل الساحل، حيث يمكن تحسين علائق الحيوانات المتدهورة بسبب فقدان حرية التنقل الرعوي باستخدام الأعلاف المركزة المنتجة في المناطق الزراعية المجاورة. وبهذه الطريقة يمكن تحويل التنافس الحالي على الأراضي، وهو سبب جذري للصدامات بين الرعاة والمزارعين، إلى تعاون.
الاستثمار في البنية التحتية من أجل النمو
ظلت شبكات الطرق والسكك الحديدية والبنية التحتية للتخزين متخلفة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لفترة طويلة بسبب انخفاض الكثافة السكانية ونقص الاستثمار العام والخاص، مما حد من التنمية الزراعية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية الأوسع. ولذلك يتمثل أحد الخيارات السياساتية الرئيسية في تحسين النقل والبنية التحتية، والاستثمار في مرافق التخزين مثل التبريد للحد من الفاقد المرتفع في الغالب، وتطوير أسواق المدخلات والمخرجات بما فيها سلاسل القيمة. فذلك يمنح المزارعين حافزاً قوياً لزيادة إنتاجهم، إذ إن السوق هو في نهاية المطاف أفضل حافز لرفع الإنتاجية.
تحقيق تكافؤ الفرص
نظراً لانخفاض القدرة التنافسية للزراعة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ينبغي السماح للبلدان بفرض تدابير حدودية مؤقتة، كالتعريفات أو الحصص، على الأغذية الأساسية مع دعمها في عملية التكثيف. وتظل هذه السياسات ضرورية إلى أن تنضج الصناعة الزراعية الغذائية الناشئة إلى حد كبير في الإقليم وتصبح قادرة على المنافسة في السوق العالمية. ومن شأن ذلك أيضاً تحقيق تكافؤ الفرص في الزراعة العالمية، في ضوء الدعم الذي لا يزال يتلقاه المزارعون في أمريكا الشمالية وأوروبا وكثير من البلدان الآسيوية.
تغيرات طفيفة فقط متوقعة في الأراضي المستخدمة للزراعة
تستخدم الزراعة 38% من مساحة اليابسة العالمية، ثلثها مزروع بالمحاصيل والباقي مراعٍ للماشية. وتاريخياً، شكّل تحويل الأراضي من النظم البيئية الطبيعية إلى الزراعة المصدر الرئيسي للانبعاثات غير المباشرة لغازات الاحتباس الحراري من القطاع الزراعي. ورغم أن قياس أثر تحويل الأراضي على الانبعاثات غير المباشرة غير مشمول في التقرير، فإن إسقاط التغيرات في استخدام الأراضي من منظوري الغلة والموارد يظل مهماً لفهم التطورات المستقبلية في الأسواق الزراعية. وخلال العقد المقبل، لا يُتوقع أن تزيد المساحة الإجمالية للأراضي المستخدمة للزراعة، إذ ستقابل أي زيادات في الأراضي المحصولية انخفاضاتٌ في المراعي. ويُتوقع أن يسهم توسع الأراضي المحصولية بنحو 15% من النمو المتوقع في إنتاج المحاصيل.
ويُتوقع أن يحدث توسع الأراضي المحصولية في الغالب في آسيا والمحيط الهادئ بمقدار 15 مليون هكتار، وأمريكا اللاتينية بمقدار 7 ملايين هكتار، وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بمقدار 18 مليون هكتار. وفي آسيا والمحيط الهادئ، يُرجح أن تُحوَّل المراعي إلى أراضٍ محصولية، بينما ستُستخدم في أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أراضٍ غير زراعية في المقام الأول. أما في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، فسيظل توسع الأراضي المحصولية مقيداً بالظروف الطبيعية، إذ تحول قلة الأمطار دون الزراعة البعلية، كما أن تكلفة الري باهظة في معظم المناطق. وفي المقابل، يُتوقع أن تتقلص الأراضي المحصولية في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية بسبب التشريعات الصارمة المتعلقة بالاستدامة البيئية التي تحكم أي زيادة في إنتاج المحاصيل أو فقدان للموائل الطبيعية.
ويُتوقع أن تتقلص المراعي إجمالاً بمقدار 8 ملايين هكتار في آسيا والمحيط الهادئ باستثناء الصين والهند، مع الانتقال المتوقع من إنتاج الماشية القائم على المراعي إلى نظم أكثر كثافة لتربية الخنازير والدواجن. كما يُتوقع أن يتجه إنتاج المجترات نحو نظم أكثر اعتماداً على الأعلاف تتطلب مساحات أقل من المراعي. وفي المقابل، يُرتقب أن تزيد المراعي زيادة طفيفة في أمريكا الشمالية بسبب التوسع المتوقع في قطيع الأبقار.
الثروة الحيوانية ولا سيما الألبان ستشهد أكبر توسع بينما يتباطأ نمو إنتاج الأسماك
يُتوقع أن تتراجع حصة الإنتاج الحيواني من الإنتاج الزراعي في البلدان مرتفعة الدخل، وأن ترتفع في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. وسيأتي الارتفاع المتوقع في إنتاج اللحوم العالمي أساساً من البلدان متوسطة الدخل ومنخفضة الدخل في جميع قطاعات الثروة الحيوانية. ويُتوقع أن يستأثر إنتاج الدواجن بأكثر من نصف الزيادة الإجمالية في البروتين الحيواني المنتج. وستسهم دورات الإنتاج الأقصر والكفاءة الأعلى في تحويل الأعلاف في خفض أسعار لحوم الدواجن مقارنة بلحم البقر. وستحدث أكبر زيادة في حجم الإنتاج في إقليم آسيا والمحيط الهادئ، مدعومة أساساً بتكثيف ممارسات التغذية والتقدم في تقنيات التربية.
ويُتوقع أن تظل الألبان أسرع قطاعات الثروة الحيوانية نمواً، مع تصدر الهند وباكستان نمو إنتاج الحليب بالقيمة المطلقة. وستتباين عوامل النمو حسب الإقليم، إذ ستركز البلدان مرتفعة الدخل على تكثيف الإنتاج من خلال تحسين الغلة، بينما ستزيد البلدان متوسطة الدخل ومنخفضة الدخل، ولا سيما الهند وباكستان، أعداد الحيوانات الحلوبة أيضاً.
وفي السنوات الأخيرة، توزع الإنتاج العالمي للأسماك بالتساوي بين المصايد الطبيعية وتربية الأحياء المائية. ويُتوقع أن يقوم النمو المستقبلي على توسع مستمر وإن كان أبطأ في تربية الأحياء المائية، في حين سيظل إنتاج المصايد الطبيعية ثابتاً نسبياً. ويُعزى هذا التباطؤ في نمو إنتاج تربية الأحياء المائية إلى تشديد اللوائح البيئية في الصين. وبينما يُتوقع أن تكون الآثار السلبية لظاهرة النينيو على المصايد الطبيعية مؤقتة، ستواصل تكاليف الوقود المتزايدة تقييد النمو في هذا القطاع. وفي الوقت ذاته، تدفع السياسات المشجعة للمصايد المستدامة نحو تحول في القطاع قد ينطوي على نمو أبطأ خلال حدوثه.
تراجع كثافة انبعاثات الزراعة العالمية رغم ارتفاع الانبعاثات في البلدان منخفضة الدخل والدخل المتوسط الأدنى
يمثل قطاع الزراعة والحراجة واستخدامات الأراضي الأخرى نحو خُمس، أي 22%، من الانبعاثات العالمية لغازات الاحتباس الحراري الناجمة عن النشاط البشري. وينبع نصف ذلك من الانبعاثات المباشرة لغازي الميثان وأكسيد النيتروز في المزارع، والنصف الآخر من الانبعاثات غير المباشرة لثاني أكسيد الكربون الناتجة عن استخدام الأراضي وتغيير استخدامها والحراجة بسبب التوسع الزراعي. ولا يرصد التقرير إلا المكون المباشر المرتبط بالإنتاج في المزارع.
ويقدّر التقرير انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الزراعية وفق تعريف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، مستخدماً السلاسل الزمنية التاريخية من قاعدة بيانات الفاو الإحصائية الخاصة بانبعاثات النظم الزراعية الغذائية، ومتبعاً نهج المستوى الأول للهيئة، وهو منهج أساسي يعتمد على عوامل الانبعاث المباشرة مثل حجم القطيع ومعدل استخدام الأسمدة الاصطناعية لكل هكتار أو انبعاثات زراعة الأرز لكل هكتار. وتفترض التوقعات عدم تغير السياسات الحالية واستمرار الاتجاهات الراهنة في التقدم التقني. ومن شأن مناهج المستويات الأعلى، التي تأخذ في الحسبان ممارسات الإدارة مثلاً، أن توفر قدراً أكبر من اليقين في التقديرات، لكنها تتجاوز نطاق التقرير.
ومع مراعاة هذا التحفظ، يُتوقع أن يؤدي النمو المرتقب في الإنتاج الزراعي إلى زيادة بنسبة 5% في الانبعاثات المباشرة لغازات الاحتباس الحراري خلال العقد المقبل. وسيستأثر إنتاج المجترات والماشية الأخرى بنحو 62% من هذه الزيادة. كما يشكّل استخدام الأسمدة الاصطناعية مصدراً للانبعاثات المباشرة، ولا سيما من خلال انبعاث أكسيد النيتروز أثناء عملية التسميد، ويُتوقع أن تسهم الأسمدة الاصطناعية بنحو 34% من الانبعاثات المباشرة الإضافية خلال السنوات العشر المقبلة. ولا يحتسب التقرير الانبعاثات المرتبطة بإنتاج الأسمدة، ولو فعل لارتفعت البصمة البيئية المسجلة لها في خط الأساس بنحو 70%.
وتُعد زراعة الأرز مصدراً آخر للانبعاثات المباشرة في الزراعة، لأن حقول الأرز المروية تطلق كميات كبيرة من الميثان. غير أن الزيادة المتوقعة في إنتاج الأرز ستكون إلى حد كبير نتيجة لتحسن الغلال مع ثبات مساحات الحقول، مما يحد من زيادة الانبعاثات.
ويُتوقع أن يحدث معظم الارتفاع في الانبعاثات في الأقاليم متوسطة الدخل ومنخفضة الدخل، ويعود ذلك أساساً إلى النمو الأعلى في إنتاج المجترات. ورغم الجهود الكبيرة المبذولة في هذه الأقاليم لتعزيز استدامة نظم الإنتاج، فإنها تميل في المتوسط إلى أن تكون أكثر كثافة في الانبعاثات مقارنة بالبلدان مرتفعة الدخل. وبحلول عام 2033، ستسجل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أعلى نمو سنوي في الانبعاثات المباشرة بنسبة 0.9%، وإن كان ذلك من قاعدة منخفضة، إذ لا يمثل هذا الإقليم سوى 16% من الانبعاثات المباشرة العالمية من الزراعة. وفي المقابل، تُعد أوروبا وآسيا الوسطى الإقليم الوحيد الذي يُتوقع أن تنخفض فيه الانبعاثات بسبب تراجع حصة إنتاج المجترات. ومع ذلك، ستظل الانبعاثات للفرد في البلدان منخفضة الدخل دون مستواها في البلدان مرتفعة الدخل.
وعلى المستوى العالمي، يُتوقع أن تنخفض الكثافة الكربونية للإنتاج الزراعي خلال العقد المقبل، إذ يُرتقب أن تنمو الانبعاثات المباشرة بوتيرة أبطأ من الإنتاج الزراعي. غير أن ذلك يخفي تباينات جغرافية مهمة. فمن المتوقع أن تشهد أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أكبر انخفاض في كثافة الانبعاثات، لأن خفض الانبعاثات أسهل عموماً في نظم الإنتاج الأكثر كثافة في الانبعاثات في الأصل منه في الأقاليم التي بذلت فيها جهود كبيرة بالفعل لخفض الانبعاثات.
آثار تغير المناخ ستفرض تحديات وفرصاً إضافية على الإنتاج الزراعي
يتشكل الإنتاج الزراعي في آن واحد بفعل آثار تغير المناخ والتدابير المتخذة للتكيف معها. ورغم أن الجانبين مدرجان في توقعات الإنتاج في التقرير، فإن الترابط القوي بينهما يجعل من غير العملي فصل آثار كل منهما على المدى المتوسط.
الإنتاج الزراعي في ظل آثار تغير المناخ والتكيف معه
يُدرج أثر تغير المناخ ضمنياً في توقعات الإنتاج في التقرير. فالغلال تتأثر بعوامل كثيرة متفاعلة ومترابطة، تشمل الطقس وصنف المحصول وتقنية الإنتاج والآفات والأمراض، مما يؤدي إلى تباينات واسعة في الغلال المرصودة. وتتزايد آثار تغير المناخ على الغلال بمرور الوقت، من خلال زيادة تقلب درجات الحرارة والأمطار، واختلال خدمات النظم البيئية، وتزايد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة وشدتها، بما فيها موجات الجفاف والفيضانات وموجات الحر والعواصف. وبينما قد تستفيد بعض الأقاليم من مواسم نمو أطول، يمكن أن يجعل تغير المناخ كثيراً من مناطق الزراعة الحالية غير ملائمة للإنتاج.
ويتخذ الفاعلون من القطاع الخاص إجراءات للاستعداد لآثار تغير المناخ ومواجهتها والتكيف معها، وهو ما يُعرف بالتكيف الذاتي. وتشمل الاستجابات المعتادة للمزارعين الابتكار في إدارة العمليات داخل المزرعة، مثل تغيير مواعيد الزراعة وتعديل تركيبة المحاصيل وتنويع الأنشطة الزراعية وتطبيق المكافحة المتكاملة للآفات وغيرها من ممارسات الزراعة الذكية مناخياً وتقنياتها. غير أن هناك في الواقع قيوداً عديدة على قدرة المزارعين على اعتماد هذه الممارسات، منها نقص الموارد والحوافز، وتشتد هذه القيود حين يكون المزارعون فقراء وضعفاء. ويمكن للحكومات تشجيع التكيف الذاتي وممارسات الزراعة الذكية مناخياً بالاستفادة من سياسات الحماية الاجتماعية، مثل التحويلات الاجتماعية وبرامج الأشغال العامة. فبإمكان تحويلات الحماية الاجتماعية تخفيف قيود الميزانية وتغيير تفضيلات المستفيدين إزاء المخاطر، بما يزيد احتمال تطبيقهم لممارسات الزراعة الذكية مناخياً، كما يمكن لبرامج الأشغال العامة أن تحسن القدرات التكيفية للمستفيدين المباشرين ومجتمعاتهم، وإن كانت هذه الآثار تتوقف على عوامل متعددة شديدة الارتباط بالسياق.
ولما كان نموذج "أغلينك كوزيمو" مرتبطاً بالتطورات التاريخية، فإن نقطة انطلاقه هي العالم كما هو الآن، حيث باتت آثار تغير المناخ على الغلال المحتملة ظاهرة للعيان، غير أن التكيف الذاتي قلّص جزءاً مهماً من آثارها السلبية. وتؤثر جميع هذه العوامل في توقعات الإنتاج، ولا سيما الغلال، وتؤخذ في الحسبان في توقعات السنوات العشر المقبلة استناداً إلى النمذجة وتقدير الخبراء.
ولأن الأحداث بطيئة الحدوث، وهي التي تتطور تدريجياً من تغيرات تراكمية على مدى فترة طويلة أو من تزايد وتيرة حدث متكرر أو شدته، كالتصحر وارتفاع مستوى سطح البحر والأمراض الوبائية، يخففها التكيف الذاتي، ولأن الظواهر المتطرفة يُرجح أن يكون أثرها أكبر على المدى الطويل، فإن أفق التوقعات الممتد عشر سنوات لا يُفضي إلا إلى تباينات صغيرة في الغلال ناجمة عن تغير المناخ. وفضلاً عن ذلك، ونظراً للترابط الوثيق بين آثار تغير المناخ والتكيف الذاتي، لا يمكن في التقرير الحالي فصل التأثيرات الفردية لهذين العاملين.
الفاقد والمهدر من الأغذية: أثر خفضهما بنسبة 50%
خفض الفاقد والمهدر من الأغذية يسهم في تعزيز استدامة النظم الغذائية
من المعترف به على نطاق واسع حجم الفاقد والمهدر الكبير من الأغذية عبر سلاسل القيمة الغذائية العالمية. فوفقاً لتقرير الفاو الرائد بشأن الفاقد والمهدر من الأغذية، المستند إلى بيانات عام 2007، يُفقد أو يُهدر نحو ثلث الأجزاء الصالحة للأكل من الأغذية المنتجة للاستهلاك البشري على مستوى العالم. ولا يقتصر ذلك على إجهاد البيئة الطبيعية، بل يقلل أيضاً من توافر الغذاء. ولذلك يُعد التصدي للفاقد والمهدر من الأغذية أمراً حاسماً لتعزيز الاستدامة البيئية للنظم الغذائية العالمية وتحسين الأمن الغذائي والتغذية. ورغم غياب إطار موحد، يُعرَّف الفاقد من الأغذية عموماً بأنه كل ما يُفقد داخل سلسلة القيمة الغذائية من مرحلة ما بعد الحصاد أو الذبح أو الصيد وحتى مرحلة البيع بالتجزئة، في حين يشير المهدر إلى ما يُهدر في البيع بالتجزئة والاستهلاك النهائي.
وفي إطار خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030، يرسي الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة التزاماً عالمياً بضمان أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة. وتدعو الغاية 12.3 إلى خفض نصيب الفرد من المهدر الغذائي العالمي على مستوى البيع بالتجزئة والمستهلك إلى النصف بحلول عام 2030، إلى جانب الحد من الفاقد الغذائي على امتداد سلاسل الإنتاج والإمداد، بما في ذلك خسائر ما بعد الحصاد، خلال الفترة ذاتها. غير أن جهود الحكومات للتصدي لهذا التحدي تعرقلها قلة البيانات الموثوقة عن حجم الفاقد والمهدر وتوزيعهما داخل سلاسل القيمة، وتباينهما بين البلدان، والسلع الأكثر تأثراً.
ولأغراض رصد الغاية 12.3، أُجريت تقديرات للفاقد والمهدر من الأغذية. إذ تقدّر الفاو أن نحو 13% من الأغذية المنتجة عالمياً يُفقد بعد الحصاد وقبل وصوله إلى أسواق التجزئة، في حين يجد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن 19% من إجمالي إنتاج الغذاء العالمي يُهدر في المنازل وقطاع الخدمات الغذائية والبيع بالتجزئة. وفي إطار الجهود المستمرة لتطوير قدرته على تتبع الآثار التي تتجاوز نتائج الأسواق، وقياس أثر تطورات الأسواق في النظم الغذائية، طوّر التقرير تقديرات محسنة للمتناول الغذائي. ويقدّر المتناول الغذائي من خلال دمج أساليب تحليلية تستبعد أولاً الفاقد من الأغذية المتاحة بعد الحصاد، ثم تستبعد المهدر من الاستهلاك الغذائي.
وتخلص توقعات التقرير إلى أن الغاية 12.3 لن تتحقق دون تحول في النظم الزراعية الغذائية العالمية. فبحلول عام 2033، وبافتراض ثبات حصص الفاقد والمهدر، يتوقع التقرير أن يُفقد ما يقارب 700 مليون طن من الأغذية بين الحصاد أو الذبح أو الصيد والبيع بالتجزئة، بينما يُهدر 1140 مليون طن أخرى على مستوى البيع بالتجزئة والأسر. ويمثل ذلك فاقداً ومهدراً إضافيين بنحو 230 مليون طن مقارنة بفترة الأساس.
وفي فترة الأساس، تستأثر الفواكه والخضروات بأكثر من نصف الأغذية المفقودة والمهدرة، نظراً لطبيعتها شديدة القابلية للتلف وقصر صلاحيتها. وتسهم الحبوب، بوصفها السلعة الأكثر إنتاجاً واستهلاكاً، بحصة كبيرة تبلغ 23% من الإجمالي. وتمثل اللحوم ومنتجات الألبان حصة منخفضة من حيث الوزن، ويمكن تفسير ذلك بأن الأسر تميل إلى إهدار كميات أقل من المنتجات عالية القيمة، غير أنها تهيمن حين يُقاس الفاقد والمهدر بالقيمة النقدية، إذ تستأثر بثلثه.
ومن منظور الأمن الغذائي والتغذية، يمكن تحويل حصص الفاقد والمهدر إلى سعرات حرارية أو بروتين لبيان كمية الطاقة أو المغذيات في السلع المختلفة. فبعض السلع الغذائية غني بالبروتين كالمنتجات الحيوانية، وبعضها غني بالسعرات كالأغذية الأساسية والدهون والسكر، بينما يوفر بعضها الآخر الفيتامينات والمعادن الأساسية كالفواكه والخضروات. ويُقدّر أنه بحلول عام 2033 سيُفقد ويُهدر 2.8 مليون تيرا سعرة حرارية بين خروجها من المزرعة ووصولها إلى البيع بالتجزئة والأسر. ولتوضيح ذلك، يعادل هذا الرقم أكثر من ضعف إجمالي السعرات المستهلكة حالياً في البلدان منخفضة الدخل في سنة واحدة. وتستأثر الحبوب والبقول والجذور والدرنات، وهي المصدر الرئيسي للسعرات لدى معظم أفقر سكان العالم، بنحو ثلثي السعرات المفقودة والمهدرة، وتسهم الحبوب وحدها بنحو 53%.
ولذلك يمثل خفض الفاقد والمهدر من الأغذية فرصة محتملة لمعالجة التوزيع غير المتكافئ القائم للسعرات داخل البلدان وفيما بينها. فبالحد من الخسائر على امتداد سلسلة الإمداد الغذائي، يمكن الحفاظ على مزيد من الغذاء وتوزيعه بإنصاف، بما يضمن وصول نسبة أكبر من السعرات المتاحة إلى من يحتاجون إليها، وهو ما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بتحسين الأمن الغذائي والتغذية لسكان العالم بحلول عام 2030.
وتقف عوامل عدة وراء حدوث الفاقد والمهدر عبر فئات الدخل المختلفة. ففي الطرف الأدنى من سلم الدخل، يؤدي محدودية الوصول إلى التقنيات والبنية التحتية، مثل التخزين المبرد والنقل الفعال، إلى أوجه قصور في سلاسل الإمداد وإلى المهدر المنزلي. ومع ارتفاع رخاء المستهلكين، يجري تجاوز هذه العوائق التقنية تدريجياً، ويصبح الفاقد والمهدر محكومين في الغالب بالعوامل البيئية الطبيعية ومعايير التسويق وتدابير سلامة الأغذية، مثل التعامل مع تواريخ انتهاء الصلاحية، وسلوك المستهلكين، الذي يعكس في الاقتصادات مرتفعة الدخل تفاعلاً بين الإفراط في الاستهلاك وإهدار الطعام.
تحليل السيناريو يبين آثار خفض الفاقد والمهدر من الأغذية إلى النصف على النظم الغذائية
تماشياً مع التزامات التنمية المستدامة المقررة في عام 2015، تدعو مبادرات حكومية دولية عدة إلى وضع استراتيجيات وطنية وتنفيذها لتحقيق الغاية 12.3. ويحدد عدد متزايد من البلدان أهدافاً وطنية لخفض الفاقد والمهدر من الأغذية، وينفذ سياسات ترمي إلى تحقيقها. ويشير تقرير مرتقب لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يجرد سياسات الفاقد والمهدر من الأغذية إلى أن جميع بلدان المنظمة تقريباً وضعت استراتيجيات وطنية، وأنها جميعاً نفذت سياسات لدعم هذه الاستراتيجيات.
ويستكشف التقرير، في تحليل لسيناريو، الآثار المحتملة على العرض والطلب العالميين إذا نجحت هذه الاستراتيجيات في خفض الفاقد والمهدر إلى النصف بحلول عام 2030. وبينما تضع الغاية 12.3 هدفاً واضحاً يتمثل في خفض المهدر من الأغذية بنسبة 50% بحلول عام 2030، فإنها لا تقدم سوى توصيات بشأن خفض الفاقد دون تحديد أهداف كمية. ويطبق هذا السيناريو التقديري هدف الخفض بنسبة 50% بصورة موحدة على كل من الفاقد والمهدر بين فترة الأساس وعام 2030. ويُعد هذا الهدف حداً أعلى شديد الطموح يتطلب تغييرات جوهرية من جانب المستهلكين والمنتجين معاً. ويقوم السيناريو على افتراضين.
الافتراض الأول: انتقال أثر خفض المهدر إلى الطلب على الغذاء
عند النظر في كيفية استجابة المستهلكين لخفض المهدر الغذائي، من المهم إدراك أن بعض الأسر قد تختار زيادة متناولها من السعرات بدلاً من خفض طلبها الإجمالي على الغذاء، ولذلك يؤدي توزيع تفضيلات المستهلكين دوراً مهماً. ويراعي الافتراض الأول في هذا السيناريو انخفاض نسبة تراجع الطلب على الغذاء في البلدان الأفقر، استناداً إلى معدل انتشار نقص التغذية، الذي يقدّر نسبة السكان الذين لا يلبي متناولهم الغذائي المعتاد احتياجات الطاقة اللازمة لحياة صحية ونشطة. ففي البلدان التي يقل فيها هذا المعدل عن العتبة الحرجة البالغة 2.5%، وهي المستوى اللازم لتحقيق القضاء على الجوع، يفترض السيناريو أن معظم الخفض في الأغذية المهدرة سيترجم مباشرة إلى انخفاض في الطلب على الغذاء. أما في البلدان ذات المعدلات الأعلى، فسيكون هذا الانتقال جزئياً فقط.
الافتراض الثاني: انتقال التكاليف إلى أسعار المنتجين والمستهلكين
عند النظر في التكاليف الاقتصادية المرتبطة بخفض الفاقد والمهدر، من الضروري الإقرار بأن الفاقد والمهدر، رغم آثارهما السلبية على النظم الغذائية عموماً، ينشآن عن قرارات تحسين فردية لا تأخذ في الحسبان آثارهما الخارجية السلبية. ففي إطار الإنتاج والاستهلاك الحالي، لا تُنسب للأغذية التي ينتهي بها المطاف مفقودة أو مهدرة قيمة تُذكر أو لا قيمة لها البتة. وقليلة هي السياسات القادرة على خفض الفاقد والمهدر دون تكبد تكاليف على امتداد سلسلة القيمة، وأقل منها القادرة على تحقيق خفض بنسبة 50%. ولذلك يلزم افتراض ثانٍ لاحتساب تكلفة تنفيذ تدابير تدفع نحو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف دون الأنماط المرصودة للإنتاج والاستهلاك. وتؤثر تكاليف الخفض هذه حتماً في المستهلكين والمنتجين على حد سواء. وفي ظل غياب معلومات شاملة عن بنية التكاليف، يلزم اعتماد تبسيطات وافتراضات قابلة للتطبيق لتيسير التحليل. ففي هذا السيناريو التقديري، يُفترض أن ترتفع أسعار المستهلكين بالنسبة المئوية ذاتها لانخفاض الطلب على الغذاء المحدد في الافتراض الأول، في حين تُعدّل أسعار المنتجين بنصف مقدار خفض الفاقد.
واستناداً إلى هذين الافتراضين، يتوقع السيناريو أن تنخفض الانبعاثات المباشرة العالمية لغازات الاحتباس الحراري من الزراعة بنسبة 4%، موزعة بصورة متوازنة نسبياً بين البلدان بصرف النظر عن مستويات دخلها. كما سيؤدي ذلك إلى زيادة متوسط المتناول الفردي من السعرات في البلدان منخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى.
ويُعد خفض الفاقد والمهدر من الأغذية أيضاً رافعة مهمة للحد من نقص التغذية عالمياً. فوفقاً للفاو، سيواجه نحو 600 مليون شخص الجوع في عام 2030. ويمكن لتدابير خفض الفاقد والمهدر أن تزيد المتناول الغذائي زيادة كبيرة في أنحاء العالم مع توافر مزيد من الغذاء وانخفاض الأسعار، بما يضمن وصولاً أكبر إلى الغذاء للسكان منخفضي الدخل. ويبين تحليل السيناريو أن خفض الفاقد والمهدر إلى النصف قد يؤدي إلى زيادة المتناول الغذائي في البلدان منخفضة الدخل بنسبة 10%، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى بنسبة 6%، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى بنسبة 4%، مما قد يقلص عدد من يواجهون الجوع في العالم عام 2030 بمقدار 153 مليون شخص، أي بنسبة 26%. ويوازي هذا الانخفاض المحتمل في نقص التغذية عالمياً التحسنات اللافتة التي تحققت خلال العقد الممتد من 2004 إلى 2014، حين أدى النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي وسياسات الحماية الاجتماعية الموجهة في آسيا وأمريكا اللاتينية إلى خفض عدد من يعانون من نقص التغذية عالمياً بنسبة 30%.
وبينما يبرز السيناريو منافع محتملة للمستهلكين والبيئة، فإنه يطرح أيضاً تحديات أمام المنتجين، إذ إن تراجع الإنتاج وانخفاض أسعار المنتجين سيؤثران تأثيراً كبيراً في سبل عيشهم. ومن المهم أيضاً ملاحظة أن الأثر على المستهلكين والمنتجين حساس للافتراضات الأساسية.
وسيتطلب تنفيذ تدابير الحد من الفاقد والمهدر تكاليف كبيرة وتجاوز عدد من العقبات. فسلوك المستهلكين يؤدي دوراً مهماً، إذ تسهم عوامل مثل قلة الوعي بآثار إهدار الطعام، والإفراط في الشراء، والتخلص من أغذية لا تزال آمنة للأكل بسبب تواريخ الاستهلاك المفضل، في زيادة الإهدار. كما تعرقل أوجه القصور في سلاسل الإمداد، بما فيها تشتتها وعدم كفاية البنية التحتية والتحديات اللوجستية وغياب الدائرية في ممارسات الأعمال، جهود الحد من الفاقد والمهدر. وتشكّل القيود التنظيمية والسياساتية، مثل العوائق التنظيمية والسياسات غير المتسقة أو المجزأة وغياب القياس والإبلاغ الموحدين، عقبات إضافية أمام المبادرات الفعالة. يضاف إلى ذلك أن الفجوات في التقنيات والابتكار، ومحدودية اعتماد الحلول ولا سيما بين صغار المنتجين والشركات، وقصور التثقيف والتعاون بين أصحاب المصلحة، ستعيق التقدم في معالجة هذه المسألة. ويتطلب تجاوز هذه العقبات استراتيجيات شاملة تجمع بين الإصلاح التنظيمي وتطوير البنية التحتية واعتماد التقنيات والتثقيف والتعاون، من أجل تحقيق تخفيضات ملموسة في الفاقد والمهدر من الأغذية.
التجارة: التطور المتوقع للفترة من 2024 إلى 2033
تباطؤ نمو التجارة الزراعية واستقرار نمو الصادرات
يُتوقع خلال العقد المقبل أن تتوسع التجارة في السلع الزراعية التي يغطيها التقرير بنسبة 1% سنوياً. فعلى الرغم من الاضطرابات التي سببتها جائحة كوفيد 19 للتجارة العالمية، أبدت تجارة السلع الزراعية قدرة على الصمود أكبر من قطاعات الاقتصاد الأخرى. ويُتوقع أن تستمر هذه المرونة، مع استمرار النمو المرتقب لمعظم السلع الزراعية التي يغطيها التقرير. وفي المقابل، استقرت حصة المنتجات الزراعية المصدرة في السنوات الأخيرة، بعد ارتفاع كبير في العقد الأول من الألفية الثالثة يُعزى إلى تنفيذ اتفاق منظمة التجارة العالمية بشأن الزراعة وانضمام الصين إلى النظام التجاري القائم على القواعد في ديسمبر 2001. ويتوقع التقرير الحفاظ على هذه الحصة المستقرة من المنتجات الزراعية المصدرة.
كما يشير التقرير إلى تضاؤل أثر جهود تحرير التجارة السابقة، إذ تباطأ التقدم في خفض التعريفات متعددة الأطراف ومعالجة دعم المنتجين المشوه للتجارة في السنوات الأخيرة. وقد أصبحت السوق العالمية للأغذية والمنتجات الزراعية أكثر قدرة على الصمود، لكن كثيراً من البلدان لا يزال عرضة لأثر الصدمات التجارية مثل اختناقات سلاسل الإمداد.
ورغم هذا الاستقرار، تظل التجارة عنصراً حاسماً لتزويد المستهلكين في أنحاء العالم بأغذية كافية وآمنة ومغذية، مع توليد الدخل لأصحاب المصلحة في الصناعات الزراعية والغذائية من خلال التوزيع الكفء للمنتجات الزراعية عالمياً من أقاليم الفائض إلى أقاليم العجز. وقد ارتفعت نسبة الإنتاج المتداول من السلع التي يغطيها التقرير بصورة مطردة بمرور الوقت، من متوسط قدره 15% في عام 2000 إلى 23% في فترة الأساس 2021 إلى 2023، بما يعكس نمو قطاع التجارة بوتيرة أسرع من الإنتاج الزراعي.
غير أن ثمة تباينات كبيرة في أهمية التجارة بين السلع. فبالنسبة لكثير من السلع الزراعية، يُستخدم معظم الإنتاج محلياً، بينما يمكن أن تمثل التجارة في عدد قليل من السلع ما بين ثلث الإنتاج العالمي وأكثر من نصفه. وينطبق ذلك على السكر والقطن والزيوت النباتية وفول الصويا والحليب المجفف، وهي سلع إما مطلوبة لمزيد من التجهيز وإما منتجة في أسواق شديدة التركز.
وخلال العقد المقبل، لن تتغير حصة الإنتاج المصدرة تغيراً كبيراً بالنسبة لمعظم السلع التي يغطيها التقرير، لكن بعضها سيشهد تحولات في أنماط التجارة. إذ يُتوقع أن تنخفض نسبة الصادرات من الزيوت النباتية والأسماك والديزل الحيوي، بما يعكس تزايد الاستخدام المحلي.
توسع الشحنات بين الأقاليم المصدرة والمستوردة
يُتوقع أن يستمر خلال العقد المقبل التمايز المتزايد بين الأقاليم المصدرة الصافية والمستوردة الصافية للسلع الزراعية. فمن المتوقع أن تزيد الأقاليم المصدرة الصافية، مثل أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية، أحجام فوائضها إلى جانب إنتاجها، في حين يُتوقع أن تشهد الأقاليم ذات النمو السكاني الكبير، مثل الشرق الأدنى وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، نمواً في وارداتها الصافية يتناسب مع نمو استهلاكها.
وقد شهد إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي، ولا سيما البرازيل، نمواً كبيراً في الصادرات، وتشير التوقعات إلى ترسيخ مكانته بوصفه الإقليم المصدر الأول في العالم. ويُتوقع أن تحافظ أمريكا الشمالية على مكانتها ثاني أكبر مصدر، وإن كان نمو الاستهلاك المحلي قد يحد قليلاً من نمو صادراتها الصافية. وقد تحولت أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى إلى مصدرين صافيين في عام 2014، مستفيدتين من مكاسب الإنتاجية الناجمة عن الاستثمارات الأجنبية والمحلية وإعادة هيكلة القطاع الزراعي في الإقليم. غير أنه يُتوقع أن تبطئ الحرب الروسية على أوكرانيا مؤقتاً الفوائض التجارية للإقليم بسبب الاضطرابات في الإنتاج الزراعي والصادرات، ولا سيما أثرها في القطاع الزراعي الأوكراني. ورغم ذلك، يفترض التقرير العودة إلى اتجاهات ما قبل الحرب على المدى المتوسط.
وشهدت أنماط الاستيراد العالمية تحولات كبيرة بسبب الطلب المتصاعد على المنتجات الزراعية، ولا سيما في الأقاليم التي تشهد طفرات سكانية. فقد شهدت آسيا، التي تضم نحو 60% من سكان العالم، زيادة في الطلب على الاستيراد تجاوزت أربعة أضعاف خلال العقود الثلاثة الماضية، مدفوعة إلى حد كبير بالتنمية السريعة في الصين. غير أنه مع التراجع المتوقع في النمو السكاني الصيني، يُرتقب أن يستقر وضع الصين بوصفها مستورداً صافياً خلال العقد المقبل.
وفي الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، يُتوقع أن تتوسع الواردات بينما تظل الصادرات ثابتة، مدفوعة بالنمو السكاني ومحدودية نمو الإنتاج المحلي بسبب قيود الموارد، مما يسهم في زيادة الواردات الصافية بنسبة 32% بحلول عام 2033. ويُتوقع أن تزيد الواردات الصافية من السلع الغذائية الأساسية، ولا سيما الحبوب، إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بنسبة 77% بحلول عام 2033. وقد غدت الأسواق العالمية للأغذية والمنتجات الزراعية أكثر قدرة على الصمود في دعم احتياجات الأمن الغذائي لسكان هذا الإقليم سريعي النمو.
التجارة تؤدي دوراً حاسماً في تعزيز القدرة على الصمود
تؤدي التجارة الزراعية الدولية دوراً حاسماً في تعزيز قدرة النظم الغذائية العالمية والإقليمية والوطنية على الصمود. فمن خلال تمكين التبادل الكفء للمنتجات من الأقاليم ذات القدرات الإنتاجية المثلى إلى مناطق الحاجة لأغراض التجهيز أو الاستهلاك، تمثل التجارة آلية حيوية لتنويع مصادر الغذاء والتخفيف من أثر الصدمات المحلية، مثل فشل المحاصيل أو الظواهر المناخية المتطرفة.
فالظواهر المناخية المتطرفة، كموجات الحر والجفاف والفيضانات والعواصف، تخلّف آثاراً مدمرة على الزراعة، ويجعلها تغير المناخ أكثر تواتراً وشدة. ولما كانت الزراعة تعتمد اعتماداً كبيراً على الأحوال الجوية، فإن المناخ المتغير يتسبب بالفعل في آثار سلبية مثل ارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام الأمطار وتزايد إصابات الآفات. ولا تقتصر هذه الظواهر المتطرفة على الإضرار المباشر بالمحاصيل، بل تعطل أيضاً الممارسات الزراعية وتفرض ضغوطاً على تحسين الإنتاجية. وتؤدي التجارة دوراً حاسماً في التخفيف من هذه المخاطر، إذ تتيح للمزارعين الوصول إلى الموارد من أقاليم أخرى لم تتأثر بالظواهر المتطرفة، بما يضمن إمدادات غذائية أكثر استقراراً رغم التحديات التي يفرضها تغير المناخ. وبالمثل، يستفيد المستهلكون من استقرار الإمدادات الغذائية والأسعار حين يُسمح للتجارة بتعويض النقص المحلي في الإمدادات.
دور التجارة في التخفيف من أثر الظواهر المناخية المتطرفة
يمكن للظواهر المناخية المتطرفة أن تعطل الأسواق الزراعية بتقليص العرض واضطراب سلاسل الإمداد وزيادة تكاليف المدخلات وتدني جودة المنتجات، غير أن التجارة الزراعية يمكن أن تساعد في معالجة ما يترتب على ذلك من مخاوف بشأن الأمن الغذائي. وباستخدام نموذج التوازن الجزئي "أغلينك كوزيمو"، يسلط تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضوء على العلاقات المعقدة بين التجارة والأمن الغذائي في بيئة تخلق فيها الظواهر المناخية المتطرفة حالة من عدم اليقين.
ولتقييم قدرة التجارة على التخفيف من أثر الظواهر المتطرفة على الزراعة، طبّق الباحثون الإطار العشوائي للنموذج على تصورين تجاريين. يتمثل الأول في سيناريو "التجارة المقيدة" الذي تُرفع فيه الحماية الحدودية، فتتضاعف التعريفات وتُخفض الحصص التعريفية ومعلمات الاستيراد إلى النصف. ويتمثل الثاني في سيناريو "التجارة المتكاملة" الذي تُخفض فيه الحماية الحدودية، فتُخفض التعريفات إلى النصف وتُضاعف الحصص التعريفية ومعلمات الاستيراد. ويُقارن كلا التصورين بخط الأساس لتقرير التوقعات الزراعية للفترة 2022 إلى 2031، حيث تُبقى التدابير السياساتية عادة عند مستواها الحالي ما لم تنص التشريعات على تغيير خلال العقد المقبل.
ويشير التحليل إلى أن التكامل التجاري يجعل البلدان أقل عرضة لصدمات الغلة السلبية، من خلال تثبيت توافر الغذاء والحد من مخاطر الارتفاعات الحادة في أسعار الأغذية. ففي معظم البلدان، يكون تراجع توافر الغذاء أقل حدة في سيناريو التجارة المتكاملة منه في سيناريو التجارة المقيدة. وبينما قد يزيد خطر انخفاض توافر الغذاء لبعض السلع في بعض البلدان في سيناريو التجارة المتكاملة، يتبين أن الأثر الإجمالي للتكامل التجاري على توافر الغذاء إيجابي. ففي نيجيريا مثلاً، يبلغ معامل التباين الهبوطي لتوافر الغذاء 0.63% في سيناريو التجارة المتكاملة و0.76% في سيناريو التجارة المقيدة.
كما يبين التحليل أن خطر ارتفاع أسعار الأغذية المحلية يتراجع مع زيادة التكامل التجاري، مما يشير إلى أن الانفتاح التجاري يمكن أن يساعد في تثبيت الإنفاق على الغذاء. فقد يسهم مزيد من الانفتاح التجاري في امتصاص آثار صدمات الغلة على المستهلكين، بزيادة المرونة في الشراء من السوق الدولية لتعويض النقص في الإمدادات المحلية. وفي معظم الحالات، تتراجع هشاشة الأسعار إزاء التقلبات الحادة في الغلة المحلية مع ارتفاع مستوى التكامل التجاري. غير أنه في بعض الحالات، ولا سيما حين يمثل الإنتاج المحلي حصة صغيرة من إجمالي الاستهلاك، قد يزيد تحرير التجارة من انتقال الأسعار من السوق الدولية، مما قد يؤدي إلى تقلب أكبر في الأسعار المحلية.
وعلى الرغم من الدور الحاسم للتجارة في تعزيز قدرة النظم الغذائية على الصمود، لا تزال الأسواق الزراعية العالمية مشوهة بفعل اللوائح التجارية. وتشير النتائج إلى أن الأمن الغذائي سيتعزز بخفض هذه الحمايات الحدودية.
الأسعار: التطور المتوقع للفترة من 2024 إلى 2033
الأسعار ستستأنف اتجاهها الطويل الأمد بعد ذروة عام 2022
يستخدم التقرير الأسعار في الموانئ الدولية الرئيسية أسعاراً مرجعية لتحقيق التوازن في أسواق السلع الزراعية العالمية. وفي السنوات الأولى من العقد المقبل، تعكس الأسعار المتوقعة الآثار المتبقية لأحداث فترة الأساس، مثل جائحة كوفيد 19 والحرب الروسية على أوكرانيا والظروف المناخية في الأقاليم المنتجة الرئيسية. وقد أدت اضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بهذه الأحداث إلى زيادات حادة في تكاليف الطاقة والأسمدة، مما تسبب في ارتفاع كبير في الأسعار الحقيقية لكثير من السلع الزراعية وبقائها مرتفعة خلال الفترة 2020 إلى 2022. ومنذ ذلك الحين تراجعت الأسعار عن ذروتها، ويُتوقع أن تنخفض بسرعة أكبر على المدى القريب مع انحسار آثار الأحداث التي كانت وراء ارتفاعها. وعلى المدى المتوسط، يُتوقع أن تستأنف الأسعار الحقيقية مسارها التنازلي الطويل الأمد، اتساقاً مع افتراضات اتجاه الإنتاجية والطقس التي تخفض التكلفة الحدية للإنتاج في معظم السلع الزراعية.
وبينما يُتوقع أن تضغط الأسعار الدولية الحقيقية المنخفضة على دخول المزارعين، فإنها ستعود بالنفع على المستهلكين. غير أنه لما كانت الأسعار المرجعية المستخدمة في التقرير تعكس الأسواق العالمية، فإن آثارها الفعلية على قرارات المنتجين والمستهلكين تتفاوت تبعاً لتكاليف النقل الخاصة بهم وتحركات العملات المحلية والسياسات التجارية، كما أن درجة تكامل الأسواق المحلية مع النظام التجاري العالمي يمكن أن تحدد ما إذا كانت إشارات الأسعار الدولية تنتقل إلى الأسواق المحلية وبأي قدر.
المحاكاة العشوائية تبين التباين المحتمل في توقعات الأسعار
تنتج توقعات الأسعار في هذا التقرير عن التفاعل بين عوامل العرض والطلب الأساسية في ظل اتجاهات الطقس والغلة المتوقعة، إلى جانب افتراضات اقتصادية كلية وسياساتية محددة. ويستند التقرير إلى أفضل المعلومات المتاحة، لكن ثمة قدراً لا مفر منه من عدم اليقين يكتنف التوقعات والافتراضات التي تقوم عليها، ومن أمثلته تغير المناخ والسياسات البيئية والتوترات الجيوسياسية التي قد تؤثر في آفاق الإنتاج والتجارة وتسبب تقلبات في الأسواق.
ويفضي افتراض الاتجاهات المستقرة في هذا التقرير إلى مسار سلس لمعظم المتغيرات المتوقعة، غير أن الانحرافات عن الاتجاهات المفترضة ستسبب تقلبات في الأسعار. ولتقييم أثر هذه الانحرافات، أُجري تحليل عشوائي جزئي على توقعات خط الأساس، يحاكي التقلب المستقبلي المحتمل للمحددات الرئيسية للأسعار باستخدام التقلب المرصود في الماضي. ويشمل التحليل التقلب في المحركات الاقتصادية الكلية العالمية وفي غلال محاصيل بعينها، بينما لا يأخذ في الاعتبار التقلب المرتبط بالأمراض الحيوانية أو تغيرات السياسات. وتشير النتائج المجمعة لعمليات المحاكاة المتعددة إلى حساسية مسارات الأسعار في خط الأساس، إذ يُرجح بنسبة 75% أن تبقى الأسعار في أي سنة بعينها ضمن نطاق محدد، ويُتوقع بنسبة 90% أن تبقى ضمن نطاق أوسع. أما وقوع حدث متطرف يدفع السعر إلى خارج هذين النطاقين كلياً فاحتماله 40% مرة واحدة على الأقل خلال فترة التوقعات. ومن الأمثلة على هذا الحدث ما وقع خلال عامي 2021 و2022 من قفزة في أسعار الزيوت النباتية، عُزيت إلى انخفاض الإنتاج في ماليزيا بنسبة 5% مقارنة بالسنوات السابقة بسبب الظروف المناخية غير المواتية ونقص العمالة. ويزود هذا التحليل صانعي السياسات وأصحاب المصلحة الآخرين بفهم للتعرض المالي المحتمل لارتفاع تكاليف الاستيراد، أو لارتفاع مدفوعات دعم المزارع في حال انخفاض الأسعار.
