الفصل الثاني: الموجزات الإقليمية
يصف هذا الفصل الاتجاهات الرئيسية والقضايا الناشئة التي تواجه القطاع الزراعي في أقاليم الفاو الستة، وهي: آسيا والمحيط الهادئ، الذي قُسم إلى آسيا المتقدمة والشرقية وجنوب آسيا وجنوب شرقها، وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، والشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وأوروبا وآسيا الوسطى، وأمريكا الشمالية، وأمريكا اللاتينية والكاريبي. ويسلط الفصل الضوء على الجوانب الإقليمية لتوقعات الإنتاج والاستهلاك والتجارة للفترة 2024 إلى 2033، ويقدم معلومات خلفية عن القضايا الإقليمية الرئيسية المتصلة بهذه التوقعات.
تبرز الموجزات الإقليمية الاتجاهات العامة في الأقاليم التي حددتها الفاو في تنفيذ خطة عملها العالمية. ونظراً للتنوع الإقليمي، لا تهدف الموجزات إلى المقارنة بين نتائج الأقاليم، بل إلى توضيح بعض أحدث التطورات الإقليمية، مع إبراز الاستجابات للتحديات العالمية والاتجاهات الناشئة، وربطها بالرسائل الرئيسية للتقرير. وتقارن التقييمات عموماً بين نقطة نهاية التوقعات في عام 2033 وفترة الأساس 2021 إلى 2023.
وقد واجهت النظم الزراعية الغذائية عالمياً اضطرابات متعددة في السنوات الأخيرة، منها جائحة كوفيد 19، وأثر الحرب الروسية على أوكرانيا، وتقلبات الإمدادات المرتبطة بالطقس في عدة أقاليم، وارتفاع أسعار الطاقة، وأزمة غلاء المعيشة، والتضخم المتصاعد. وقد أثر الارتفاع الحاد في أسعار الأغذية في تكلفة النظم الغذائية الصحية والقدرة على تحملها، وفي الأمن الغذائي في عدة أقاليم. ونظراً لاختلاف الموارد والبنى الاقتصادية ومستويات التنمية والدخل، لم يكن حجم هذه الآثار متماثلاً في جميع الأقاليم. ولا تقدم هذه الموجزات تقييماً كمياً لآثار تلك الاضطرابات، لكنها تأخذ في الحسبان أحدث التوقعات المتعلقة بالتطورات الاقتصادية الكلية مع خروج العالم منها. أما الاتجاهات والقضايا المعروضة فهي التي يُتوقع أن تقوم عليها التوقعات على المدى المتوسط، مع افتراض أن الآثار السلبية على إنتاج الغذاء والعلف والوقود واستهلاكها وتجارتها ستتراجع تدريجياً، وإدراك أن عدة أوجه من عدم اليقين لا تزال قائمة.
التوقعات الإقليمية: آسيا المتقدمة والشرقية
الخلفية
تراجع عدد سكان الصين وضعف نمو الدخل يبطئان نمو الطلب في الإقليم
يضم إقليم آسيا المتقدمة والشرقية، المكون من أستراليا والصين واليابان وكوريا ونيوزيلندا، طيفاً متنوعاً من البلدان يشمل ثاني وثالث أكبر اقتصادين في العالم، وهما جمهورية الصين الشعبية واليابان. ويتراوح دخل الفرد فيه بين 9298 دولاراً أمريكياً في الصين و64182 دولاراً في أستراليا. والإقليم هو ثاني أكثر الأقاليم سكاناً بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل، إذ يضم 21% من سكان العالم، ويقيم معظم سكانه البالغ عددهم 1.6 مليار نسمة في الصين. وهو الإقليم الوحيد الذي يُتوقع أن يتناقص عدد سكانه خلال العقد المقبل، ويعود ذلك أساساً إلى التراجع في الصين، وبدرجة أقل في اليابان. وقد كان التحضر سريعاً، إذ تشير التقديرات إلى أن 73% من السكان سيقيمون في المناطق الحضرية بحلول عام 2033، ارتفاعاً من 55% فقط في عام 2010. ويحدث هذا التحضر أساساً في الصين، إذ كان نحو 89% من سكان بقية الإقليم يقيمون بالفعل في المناطق الحضرية في عام 2023. وتشهد أنماط التغذية في الصين استقراراً، لكن استمرار التحضر قد يظل يدفع الطلب على مزيد من الأغذية المصنعة والمعبأة بشكل ملائم.
ووسط الاضطرابات العالمية المتعددة، أبدى نمو الدخل في الإقليم قدرة لافتة على الصمود. ففي المتوسط، حافظ الإقليم خلال الفترة من 2020 إلى 2023 على نمو بنسبة 3% في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، شمل انكماشاً بأقل من 0.5% في عام 2020. وبينما شهدت بعض البلدان مثل اليابان وأستراليا ونيوزيلندا تراجعات، حافظت الصين على نمو بنسبة 2.0%. وكان التعافي من القوة بحيث تجاوزت جميع البلدان باستثناء اليابان مستويات نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لما قبل عام 2020 بحلول عام 2021. وقد أبطأت التحديات العالمية اللاحقة، مثل الحرب الروسية على أوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة والتضخم المتصاعد وما رافقه من تشديد نقدي، الزخمَ، لكن النمو ظل إيجابياً، ويُتوقع أن يستمر في عام 2024 بنسبة 4.7% في الصين و3.3% في الإقليم ككل. وعلى المدى المتوسط، يُتوقع أن يرتفع دخل الفرد بمتوسط 2.8% سنوياً، وهو أبطأ بكثير مما كان عليه في الماضي. وقد تباطأ التضخم، لكن الاستثمار لا يزال فاتراً، ولا سيما في الصين، إذ تواصل كثير من اقتصادات ما بعد الجائحة توطين التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على المصادر الأجنبية. وتشمل المخاطر على النمو في المدى المتوسط التشرذم الجغرافي الاقتصادي ومزيداً من سياسات الحد من المخاطر في الاقتصادات الكبرى الأخرى، التي تتضمن إعادة توجيه الطلب على السلع نحو الإمدادات المحلية بدلاً من المستوردة، مما قد يبطئ النمو في الصين أكثر. ويشير هذا المزيج من ضعف النمو الاقتصادي وتناقص السكان إلى أن دور الصين في دفع الطلب العالمي على الغذاء قد يتراجع مقارنة بالماضي.
وقد رافق النمو الاقتصادي انخفاض حصة الغذاء من إجمالي إنفاق الأسر إلى 13%، وإن كانت تتراوح في الإقليم بين 17% في الصين و8% في أستراليا. وبينما أثرت الاضطرابات العالمية في الأمن الغذائي في الإقليم، خففت الحماية المحلية في عدة بلدان من حدة الصدمات إلى حد ما. وظل تضخم أسعار الأغذية للمستهلكين في الإقليم عند الطرف الأدنى من الطيف العالمي، ومع استمرار انخفاض أسعار السلع الزراعية تتحسن القدرة على تحمل التكاليف ومعها الأمن الغذائي.
وتراجعت حصة القيمة المضافة للزراعة الأولية والأسماك في إجمالي اقتصاد الإقليم إلى نحو 4%، ويُتوقع أن تنخفض أكثر إلى 3% بحلول عام 2033. وتعكس قاعدة الموارد الطبيعية الزراعية في الإقليم تنوع بلدانه، إذ تتناقض الوفرة في أستراليا ونيوزيلندا مع القيود الشديدة على الموارد في الصين وكوريا واليابان. ونتيجة لذلك، يضم الإقليم طيفاً من المصدرين والمستوردين المهمين للمنتجات الزراعية والغذائية. فالصين واليابان وكوريا من أكبر المستوردين الصافين للسلع الغذائية في العالم، وتكفي أنشطتها التجارية لممارسة تأثير كبير في الأسواق الزراعية العالمية وسلاسل القيمة الغذائية. وفي المقابل، تُعد نيوزيلندا وأستراليا من بين أكبر عشرة مصدرين صافين للسلع الغذائية في العالم، ولا سيما للمنتجات الحيوانية والألبان. وقد عزز تفاوت الموارد والتخصص تجارة بينية واسعة ومتنامية. وقد تتعزز هذه الفرص على المدى القصير بفعل التحديات التي تواجه صناعة الشحن العالمية، مثل النزاعات حول البحر الأسود والبحر الأحمر التي تؤثر في الشحن عبر قناة السويس، فضلاً عن قيود منسوب المياه في قناة بنما. وباستثناء أستراليا ونيوزيلندا، تؤدي السياسات الحكومية التدخلية دوراً محورياً في الأسواق المحلية. وبالنظر إلى حجم البلدان التي تُطبق فيها هذه السياسات ومساهمتها في التجارة العالمية، فإن تغييرها يمكن أن يمارس تأثيراً كبيراً في الأسواق العالمية.
ويواجه الإقليم تحديات متنوعة، منها شح المياه والتعرض لتغير المناخ. إذ تتكرر موجات الجفاف الشديدة بوتيرة متزايدة، ولا سيما في أستراليا، وهو وضع سيستمر ويشتد بفعل تغير المناخ. وفي الصين وكوريا واليابان، تدفع قيود الموارد الطبيعية إلى استخدام كثيف للمدخلات وما يترتب عليه من مخاوف تتعلق بالاستدامة. وفي قطاع الثروة الحيوانية، تمثل أمراض مثل حمى الخنازير الأفريقية وإنفلونزا الطيور أكبر التهديدات، وقد أبرزت آثارها الكبيرة في السنوات الأخيرة الحاجة إلى تدابير محسنة لمكافحة هذه المخاطر وتحسين قدرة النظم الغذائية على الصمود.
ورغم هذه التحديات، تواصل القيمة الزراعية المضافة لكل وحدة من الأراضي المستخدمة للأغراض الزراعية ارتفاعها، مع تحسن متوقع بنسبة 0.6% سنوياً خلال العقد المقبل. ونظراً للقيود على الموارد، سيكون استمرار الاستثمار في نمو الإنتاجية والتكيف مع المناخ وتيسير التحول الأخضر في الإقليم أمراً حاسماً لتحقيق هذا النمو على نحو مستدام.
الإنتاج
مكاسب الإنتاجية المستدامة عامل حاسم
يُعد الإقليم أكبر منتج عالمي للسلع الزراعية والسمكية، إذ أسهم بنحو 30% من قيمة الإنتاج العالمي في فترة الأساس 2021 إلى 2023. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يؤدي نمو صافي قيمة الإنتاج بنسبة 5.8% إلى تراجع طفيف في حصته من الإنتاج العالمي. وتؤدي الصين دوراً محورياً في إنتاج الإقليم من المحاصيل والمنتجات الحيوانية والسمكية، إذ استأثرت بنحو 90% من إجمالي القيمة في فترة الأساس، وهي أيضاً المحرك الوحيد للنمو خلال فترة التوقعات. وبينما يُتوقع أن تضيف الصين 6.8% إلى قيمة إنتاجها الزراعي والسمكي بحلول عام 2033، يُرتقب أن ينكمش الإنتاج في بقية الإقليم بنسبة 1%، ويعود ذلك أساساً إلى انخفاض الإنتاج في اليابان وكوريا الذي لا يعوضه بالكامل النمو في أستراليا ونيوزيلندا. وبصرف النظر عن تعافي قطاع الثروة الحيوانية بعد حمى الخنازير الأفريقية، تباطأ النمو في الإقليم ككل مع نضج الأسواق المحلية واشتداد المنافسة التجارية.
وتشكل المحاصيل نحو نصف إجمالي قيمة الإنتاج الزراعي والسمكي، وتُعزى 27% أخرى إلى المنتجات الحيوانية و22% إلى إنتاج الأسماك. ويُتوقع أن يكون النمو أسرع في قطاع الأسماك الذي يُرتقب أن يتوسع بنحو 13% لترتفع حصته من إجمالي قيمة الإنتاج إلى 24% بحلول عام 2033، على حساب المحاصيل التي لا يُتوقع أن ينمو إنتاجها إلا بنسبة 3.4%.
ويُستخدم أكثر من 80% من إجمالي الأراضي الزراعية مراعيَ، وتماشياً مع الاتجاهات التاريخية، يقوم الانخفاض البالغ نحو 7 ملايين هكتار، أي أقل من 1%، في إجمالي استخدام الأراضي الزراعية خلال العقد المقبل على تقلص المراعي، في حين قد تتوسع الأراضي المحصولية بنسبة 2%. وتشير توقعات استخدام الأراضي إلى أن مكاسب الإنتاجية ستكون محورية لإطلاق مزيد من النمو، لكن يُتوقع أن تتباطأ. فالقيمة المتولدة لكل هكتار من الأراضي المحصولية في آسيا المتقدمة والشرقية أعلى بكثير بالفعل من أي إقليم آخر. غير أن اجتماع شح المياه مع الاستخدام المفرط للأسمدة الاصطناعية أفضى إلى تزايد المخاوف البيئية والمتعلقة بسلامة الأغذية. وينتج عن ذلك مكاسب متواضعة فقط في استخدام الأسمدة لكل هكتار بحلول عام 2033، ومكاسب أبطأ في الغلة مقارنة بالماضي، رغم التقدم في أصناف البذور المحسنة وممارسات الإنتاج. ويُتوقع أن يحقق مزيج المحاصيل وكفاءة استخدام الأسمدة تحسناً بنسبة 2% في الطاقة المنتجة لكل وحدة من الأسمدة المستخدمة.
ويُخصص معظم المساحة المحصولية للحبوب، مما يؤدي إلى إسهامات ملحوظة في الإنتاج العالمي من الأرز والذرة والقمح. كما يسهم قطاع التجهيز القوي في الإقليم بحصة كبيرة من الإنتاج العالمي للأعلاف البروتينية والزيوت النباتية، لكنه يعتمد اعتماداً كبيراً على البذور الزيتية المستوردة. وتسهم الصين بكامل إنتاج الإقليم من الذرة تقريباً، وبأكثر من 90% من الأرز ونحو 80% من القمح. وخارج الصين، يأتي إنتاج القمح أساساً من أستراليا وإنتاج الأرز من اليابان. ونظراً لتوقع تراجع إنتاج الأرز في اليابان بنسبة 8% وإنتاج القمح في أستراليا بنسبة 4%، ستكون الذرة المحرك الرئيسي لنمو إنتاج الحبوب في الإقليم.
ويشكل الإنتاج الحيواني 27% من إجمالي قيمة الإنتاج الزراعي والسمكي، ويكفي نموه البالغ نحو 5% للحفاظ على هذه الحصة بحلول عام 2033. وينبع النمو من مزيج من التكثيف ومكاسب الإنتاجية، بما يعكس تقلص قاعدة المراعي في أستراليا والصين ونيوزيلندا واليابان. ويُتوقع أن يكون أكثر من نصف نمو إنتاج اللحوم في قطاع الخنازير، ويُعزى 20% و18% أخريان إلى الدواجن ولحم البقر على التوالي.
وتعكس اتجاهات الإنتاج الحيواني في الإقليم اتجاهات الصين التي تستأثر بأكثر من 80% من قيمة الإنتاج الحيواني. ويُعد قطاعا الخنازير والدواجن الأكبر، إذ يشكلان 60% و26% على التوالي من إنتاج الصين من اللحوم. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يتوسع إنتاج الصين من اللحوم بنسبة 7%، وقد يكون نحو ثلثي هذا التوسع من لحم الخنزير. فبعد الأثر المدمر لتفشي حمى الخنازير الأفريقية في عام 2018، أعادت الصين بناء قطيع الخنازير إلى حد كبير، وتجاوز مخزونها من الخنازير مستويات عام 2017 في عام 2022. وخلال إعادة البناء، أعيدت هيكلة القطاع أيضاً، إذ حلت محل كثير من صغار المنتجين وحدات إنتاج تجارية كبيرة تعطي الأولوية للأمن البيولوجي وتستخدم سلالات وراثية متميزة، مما حقق مكاسب إنتاجية كبيرة. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يقترب إنتاج الصين من لحم الخنزير من 60 مليون طن، بينما قد يتجاوز إنتاج الدواجن ولحم البقر 25 مليون طن و8 ملايين طن على التوالي.
ورغم حصتها الأصغر بكثير في إجمالي إنتاج اللحوم في الإقليم، فإن قاعدة موارد أستراليا أكثر ملاءمة للأبقار التي تمثل نحو نصف إجمالي إنتاجها من اللحوم. وتسهم أستراليا بدورها بنحو 20% من لحم البقر المنتج في الإقليم، ويعني نموها البالغ 15% بحلول عام 2033 أنها ستستأثر بنحو 27% من التوسع في إنتاج الإقليم من لحوم الأبقار.
ويسهم الإقليم بنحو 40% من الإنتاج العالمي للأسماك، يأتي أكثر من 90% منه من الصين. وبقيادة الصين، يُدفع نمو إنتاج الأسماك في الإقليم أساساً بتربية الأحياء المائية، التي يُتوقع أن تشكل 83% من إجمالي إنتاج الصين من الأسماك بحلول عام 2033. غير أنه يُتوقع أن يتباطأ النمو مع تزايد تركيز التنظيم على الاستدامة.
ويُتوقع أن ترتفع إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الزراعية في الإقليم بنسبة 2.3% بحلول عام 2033، ويأتي ذلك أساساً من المحاصيل التي قد ترتفع انبعاثاتها بنسبة 5.3%، مقارنة بانخفاض يقل عن 0.1% من الإنتاج الحيواني. ورغم هذه الزيادات، يُرتقب أن يستمر انخفاض الانبعاثات لكل وحدة من القيمة المنتجة في الزراعة ومصايد الأسماك، وإن بوتيرة أبطأ. ويتضمن تقرير هذا العام سيناريو يحاكي أثر خفض الفاقد من الأغذية على امتداد سلاسل الإمداد والمهدر منها على مستوى البيع بالتجزئة والمستهلك إلى النصف بحلول عام 2030. وبالنسبة لهذا الإقليم، يتوقع السيناريو أن تنخفض إجمالي الانبعاثات الزراعية بنسبة 5.3% مقارنة بخط الأساس مع تحسن المتناول من السعرات، مما يعني أن الانبعاثات الزراعية قد تنخفض بحلول عام 2030 بنسبة 3.9% عن متوسط مستواها في فترة الأساس.
الاستهلاك
استقرار التغذية في الصين يوجه تفضيلات الطلب الإقليمية
عزز إقليم شرق آسيا الأمن الغذائي تعزيزاً كبيراً، وكان أثر الاضطرابات الأخيرة فيه أصغر مقارنة بالأقاليم الأخرى. فبينما أثرت جائحة كوفيد 19 في سلوك المستهلكين وسلاسل الإمداد الزراعية، ساعد الأداء القوي للناتج المحلي الإجمالي في الصين وتدابير دعم الدخل في البلدان المتقدمة على تخفيف المخاوف الكبرى بشأن الأمن الغذائي. وقد ارتفع انعدام الأمن الغذائي المعتدل إلى الشديد ارتفاعاً طفيفاً في عام 2020، لكنه تعافى سريعاً واستقر منذ ذلك الحين دون مستويات ما قبل الجائحة بكثير رغم تباطؤ نمو الدخل. وبالمثل، ارتفع إجمالي توافر السعرات باستمرار، ويُتوقع أن يبلغ 3300 سعرة للفرد يومياً بحلول عام 2033، وهو ثالث أعلى مستوى بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل بعد أمريكا الشمالية وأوروبا فقط، مما يعكس مستويات دخل الفرد المرتفعة عموماً في معظم البلدان. غير أنه عند احتساب المهدر المنزلي المقدر، يُتوقع أن يكون إجمالي المتناول من السعرات أقل من 2850 سعرة للفرد يومياً. ويُقدر الفاقد والمهدر مجتمعين في الإقليم بأقل من المتوسط العالمي بنسبة 9%. ويكثر هذا المهدر في المنتجات النباتية، ولا سيما الحبوب التي تستأثر بأكثر من نصفه، والمنتجات سريعة التلف كالفواكه والخضروات الطازجة الواسعة الاستهلاك في الإقليم. وفي سيناريو التقرير الذي يُخفض فيه الفاقد والمهدر إلى النصف بحلول عام 2030 كما تتوخى أهداف التنمية المستدامة، يمكن زيادة المتناول من السعرات في الإقليم بنسبة 2.6% مقارنة بخط الأساس، وقد ينخفض عدد من يعانون من نقص التغذية بنسبة 14%، مع خفض الانبعاثات في الوقت ذاته. ويعني ذلك أن المتناول من السعرات قد يرتفع بحلول عام 2030 بنسبة 6.2% عن متوسط مستواه في فترة الأساس.
وبوصفه الإقليم الوحيد الذي يُتوقع أن يتناقص عدد سكانه بحلول عام 2033، يُظهر إقليم آسيا المتقدمة والشرقية أيضاً اتجاهات مميزة في التوزيع العمري قد تؤثر في آفاق الطلب. ففي اليابان وكوريا، نسب الإعالة العمرية مرتفعة بالفعل ومرشحة لمزيد من الارتفاع، ويُفترض عموماً أن شيخوخة السكان ستكبح معدلات نمو الاستهلاك الغذائي الإجمالي. وفي الصين، يقترن ارتفاع نسبة الإعالة العمرية بالتحضر السريع، الذي يُتوقع أن يدفع نمو استهلاك الأغذية الجاهزة والسكريات والدهون، وإن كان أبطأ بكثير من الماضي. ويُتوقع أن يكون استهلاك السكر الأسرع نمواً بين مختلف المجموعات الغذائية. أما نمو استهلاك الزيوت النباتية فأبطأ، لأن مستوياته المطلقة مرتفعة بالفعل، ويُتوقع أن يتجاوز 26 كيلوغراماً للفرد بحلول عام 2033، متجاوزاً المتوسط العالمي بنسبة 65%.
ونظراً لارتفاع الدخل ومستويات التنمية والنضج في معظم بلدان الإقليم عموماً، تبقى التحولات في تركيبة النظم الغذائية محدودة. وحتى في الصين، حيث كانت هذه التحولات سريعة في الماضي، يُتوقع أن يبطئ ضعف نمو الدخل وتيرة التغيير تباطؤاً كبيراً. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يرتفع استهلاك الفرد من المنتجات السكرية بنسبة 17%، بينما يُرتقب أن يتوسع استهلاك الأسماك والألبان واللحوم بنسبة 13% و12% و7% على التوالي. وفي المقابل، يُتوقع أن يقل نمو استهلاك الأغذية الأساسية عن 0.5%.
ومن المتوقع أيضاً أن يزيد توافر البروتين، مع أكبر مكسب في الصين حيث هو بالفعل أعلى من أي بلد آخر في الإقليم وأعلى من المتوسط العالمي بنحو 40%. ويُعزى نحو 42% من هذا المكسب البالغ 10 غرامات للفرد بحلول عام 2033 إلى المصادر النباتية، و31% إلى اللحوم و17% إلى الأسماك. كما تظهر مكاسب أصغر في كوريا وأستراليا، بينما يُتوقع تراجع في اليابان واستقرار نسبي في نيوزيلندا.
وبقيادة الصين، يستأثر الإقليم بأكثر من ربع الاستخدام العالمي لأعلاف الحيوانات. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يرتفع استخدام الأعلاف بنسبة 10%، بما يعكس مزيجاً من نمو إنتاج اللحوم ولا سيما في الصين، وزيادة كثافة عمليات التغذية مع تحديث نظم الإنتاج، وتحسن كفاءة استخدام الأعلاف في عمليات الخنازير والدواجن المكثفة. فنظم الإنتاج التجارية الكاملة واسعة النطاق، التي تزداد انتشاراً في الصين، تستخدم الأعلاف بكثافة أكبر من المنتجين الأصغر والأكثر تقليدية، لكن الجمع بين البيئة المضبوطة والوراثة المحسنة يحقق أيضاً معدلات تحويل علفي أفضل بكثير. ورغم هذه المكاسب، تظل آثار ارتفاع كثافة استخدام الأعلاف تجعل استخدامها يتجاوز نمو إنتاج اللحوم في الصين خلال فترة التوقعات، غير أنه يُتوقع أن تضيق هذه الفجوة تضيقاً كبيراً مقارنة بالعقد الماضي.
وتظل الذرة والأعلاف البروتينية المكونين الأساسيين في معظم العلائق المخلوطة مسبقاً، إذ تستأثران معاً بنحو 70% من إجمالي استخدام المواد الخام العلفية. ويُتوقع أن ينمو استخدامهما في أعلاف الحيوانات في الإقليم بنسبة 12% و14% على التوالي خلال العقد المقبل.
ويستأثر الإقليم بنحو 10% من الاستخدام العالمي للإيثانول، يُعزى 80% منه إلى الصين. ومع محدودية الحافز لزيادة إنتاج الإيثانول في ظل ارتفاع الطلب على الأعلاف وتراجع المخزونات، يُتوقع أن ترتفع نسبة الخلط في الصين إلى 2.5% بحلول عام 2033، من 1.6% فقط في فترة الأساس، رغم هدفها الطموح البالغ 10%. ويكفي ذلك لدعم نمو استخدام الإيثانول بنسبة 10% بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس، بما يحافظ على حصة الصين من الاستخدام العالمي عند 7.4%.
التجارة
مجموعة متنوعة من المستوردين والمصدرين الصافين
يُعد إقليم آسيا المتقدمة والشرقية ثاني أكبر إقليم مستورد صافٍ بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل، ويُتوقع أن يصبح الأكبر بحلول عام 2033. وبينما يستمر العجز في الاتساع، فإنه يتسع بوتيرة أبطأ بكثير من الماضي. ويعكس وضع العجز الصافي كبار المستوردين في شرق آسيا بقيادة الصين، ويخفي الصادرات الصافية لإقليم أوقيانوسيا. وتشمل المنتجات الرئيسية المستوردة إلى شرق آسيا فول الصويا والذرة والقمح والشعير والذرة الرفيعة واللحوم والزيوت النباتية. وفي المقابل، يُعد إقليم أوقيانوسيا مصدراً صافياً للقمح والشعير والكانولا ومنتجات الألبان واللحوم والسكر.
ويُتوقع أن ترتفع القيمة الصافية للواردات إلى الإقليم بنسبة 11% بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس. ويعود نحو 85% من الواردات الإضافية إلى الصين، وأهم المنتجات فيها الذرة وفول الصويا لاستخدامها في صناعة الأعلاف المتنامية. ومع استمرار توسع إنتاج اللحوم في الصين وتكثيفه، يُتوقع أن ترتفع واردات الذرة وفول الصويا بنسبة 1.4% و0.8% سنوياً على التوالي خلال فترة التوقعات. ويُرجح أن تأتي هذه الواردات أساساً من البرازيل والولايات المتحدة، مما يعني أن الصين ستستأثر بحلول عام 2033 بنحو 61% و13% من واردات فول الصويا والذرة العالمية على التوالي. وعلى المدى القصير على الأقل، قد تتأثر صادرات فول الصويا الأمريكية إلى الصين بتراجع حركة المرور عبر قناة بنما بسبب انخفاض منسوب المياه في ظل الجفاف المستمر. كما يؤدي توسع إنتاج اللحوم إلى ضعف الطلب على الاستيراد، إذ يُتوقع أن تنخفض واردات اللحوم بنسبة 17% خلال السنوات العشر حتى عام 2033. وتعكس هذه الاتجاهات قاعدة موارد الصين ومؤشرات سعيها إلى زيادة الاكتفاء الذاتي من منتجات اللحوم، فضلاً عن تعافيها بعد حمى الخنازير الأفريقية الذي سرّع تكثيف صناعة لحم الخنزير وأطلق استثمارات في إنتاج إضافي للدواجن. ونتيجة لذلك، يستأثر لحم الخنزير والدواجن بالحصة الأكبر من تراجع واردات اللحوم، في حين يُتوقع أن تواصل واردات لحم البقر الارتفاع بنسبة 1.3% سنوياً خلال العقد المقبل. ويُرجح أن تُلبى حصة كبيرة من هذا الطلب من خلال توسع الصادرات الأسترالية، فأستراليا تتمتع بموقع ملائم وهي بالفعل من أكبر خمسة موردين للحوم البقر إلى الصين.
ويُتوقع أن ترتفع الصادرات الصافية من الإقليم بنسبة 13% خلال فترة التوقعات، يُعزى ثلثاها إلى الصين ونحو الثلث إلى أستراليا ونيوزيلندا مجتمعتين. ويقود الأسماك نمو صادرات الصين، في حين يأتي نمو صادرات أستراليا ونيوزيلندا من اللحوم والسكر والبقول والألبان. وبينما يُعد إقليم أوقيانوسيا مصدراً عالمياً ملحوظاً لعدد من المنتجات الأخرى، يُتوقع أن ينكمش كثير منها خلال العقد المقبل. إذ يُتوقع أن تتراجع صادرات أستراليا من القمح بنسبة 9% بسبب انخفاض الإنتاج، لكنها ستحتفظ بحصة 10% من الصادرات العالمية، ولا ينبغي التقليل من أهميتها بوصفها مورداً في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا. وتستأثر نيوزيلندا بنحو 30% من الصادرات العالمية للحوم الأغنام و23% من الصادرات العالمية للألبان رغم صغر مساحتها. ومع تزايد القيود على المراعي وتوقع مزيد من تقلصها خلال فترة التوقعات، يُتوقع أن تتوسع صادرات الألبان توسعاً متواضعاً بنسبة 6%، بينما قد تنكمش صادرات لحوم الأغنام انكماشاً هامشياً، ومن ثم يُتوقع أن تتراجع حصة نيوزيلندا من الصادرات العالمية في المنتجين.
التوقعات الإقليمية: جنوب آسيا وجنوب شرقها
الخلفية
طلب قوي بفضل النمو القوي للدخل وتزايد السكان
يضم إقليم جنوب آسيا وجنوب شرقها 35% من سكان العالم، مما يجعله الأكثر سكاناً بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل، ويقيم ما يزيد قليلاً على نصف سكانه البالغ عددهم 2.7 مليار نسمة في الهند. وفي المقابل، لا تعادل أراضيه الزراعية البالغة 575 مليون هكتار سوى 12% من الإجمالي العالمي، أي بمتوسط 0.2 هكتار من الأراضي الزراعية للفرد، وهو ثلث المتوسط العالمي البالغ 0.6 هكتار فقط. ومع توقع إضافة 10% أخرى إلى عدد السكان بحلول عام 2033، ستتصاعد الضغوط على الموارد، مما يؤكد أهمية تحقيق مزيد من مكاسب الإنتاجية التي كانت حاسمة لتحقيق النمو في الماضي. ونظراً للضغوط القائمة على قاعدة الموارد، يجب أن تكون الاستدامة في صميم أي تعزيزات إضافية للإنتاجية.
ويضم الإقليم طيفاً من البلدان ذات التباين الكبير في الدخل والتنمية. فمتوسط دخل الفرد البالغ 3273 دولاراً هو ثاني أدنى مستوى بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل، ولا يتجاوز إلا أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. غير أن الدخل يتراوح بين 1350 دولاراً في أقل بلدانه نمواً و12488 دولاراً في ماليزيا وأكثر من 60000 دولار في سنغافورة. ويرتفع التحضر ببطء في الإقليم، ويُتوقع أن تتجاوز حصة السكان المقيمين في المناطق الحضرية 47% بحلول عام 2033، مقارنة بمتوسط 41% في فترة الأساس.
ويُتوقع أن يتجاوز نمو دخل الفرد في الإقليم، البالغ نحو 4% سنوياً، جميع الأقاليم الأخرى خلال العقد المقبل. وقد ظهرت قدرة نمو الدخل على الصمود في تعافيه من الركود الناجم عن جائحة كوفيد 19، وفي أدائه القوي في مواجهة الاضطرابات العالمية مثل الحرب الروسية على أوكرانيا وارتفاع تكاليف الطاقة والتشديد النقدي العالمي لكبح التضخم المتصاعد. وفي عدة بلدان تملك احتياطيات من الطاقة أو السلع، استفاد التعافي الأولي من دورة ارتفاع أسعار السلع التي انحسرت منذ ذلك الحين.
ومع النمو الاقتصادي القوي، انخفض متوسط حصة الغذاء من إنفاق الأسر في الإقليم إلى أقل من 17%، لكن هذه الحصة تصل في أقل البلدان نمواً إلى 27%. وفي هذه البلدان، حيث يخصص المستهلكون بالفعل حصة أكبر من إجمالي إنفاقهم للغذاء، يمكن أن يخلّف تضخم أسعار المستهلكين المرتفع، الذي بلغ متوسطه نحو 10% خلال الفترة من 2021 إلى 2023 مع ذروة بلغت 11% في عام 2022، عواقب وخيمة على الأمن الغذائي. ويتجلى ذلك في ارتفاع انتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد في جنوب شرق آسيا في عام 2021. ورغم أن النمو القوي للدخل أتاح تحسناً طفيفاً منذ ذلك الحين، لا يزال انعدام الأمن الغذائي وانتشار نقص التغذية في جنوب آسيا وجنوب شرقها أعلى بكثير من مستويات ما قبل الجائحة.
ويشير تزايد السكان وتحضرهم وارتفاع قدرتهم الشرائية إلى أن نمو الطلب على المنتجات الغذائية سيظل قوياً. غير أن تطور تفضيلات المستهلكين أقل وضوحاً، ولا سيما فيما يتعلق بالمنتجات ذات المصدر الحيواني. فالتحضر يحمل عادة توقعاً بارتفاع استهلاك المنتجات الغذائية الأعلى قيمة والأكثر تصنيعاً والجاهزة، لكن شرائح كبيرة من السكان إما نباتية، ولا سيما في الهند، وإما تعزف عن استهلاك لحم الخنزير. ويشير ذلك إلى تباين محتمل في الاتجاهات الغذائية مقارنة بالأقاليم الأخرى، وإن كانت التفضيلات داخل الإقليم متنوعة أيضاً، مع نمو سريع ملحوظ في الطلب على منتجات اللحوم في بعض البلدان.
وقد حافظ الإقليم على ميزان تجاري إيجابي صغير، لكنه يضم عدداً من كبار المستوردين والمصدرين لمختلف المنتجات الزراعية والغذائية. ويُعد إقليم جنوب شرق آسيا لاعباً رئيسياً في كثير من سلاسل القيمة العالمية، مثل مصايد الأسماك والكسافا، أو تلك المتعلقة بالزيوت النباتية ومنتجاتها المصنعة. ويصدر الإقليم حالياً نحو ثلث إنتاجه الزراعي والسمكي، ويحافظ الأرز والزيوت النباتية على حصة في السوق العالمية تبلغ 82% و61% على التوالي. وفي هذا السياق، يمكن أن تؤثر تحديات الشحن في البحر الأحمر في الأداء التجاري، إذ تمثل قناة السويس أقصر طريق تجاري من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا، ويضيف الاضطرار إلى تحويل المسار بعيداً عنها في ظل الاضطرابات الحالية وقتاً وتكاليف كبيرة إلى الشحن.
ويواجه الإقليم تحديات جسيمة في تعزيز الإنتاجية على نحو مستدام وتشجيع الابتكار، ولا سيما في ظل القيود التي تفرضها محدودية الموارد وتغير المناخ وتزايد السكان. فرغم ما تحقق من تقدم في الماضي، لا يزال الإقليم يضم نحو ثلث من يعانون من نقص التغذية في العالم. وسيتطلب استمرار التقدم في تحسين الأمن الغذائي نمواً مستداماً للدخل في بيئة عالمية أقل دعماً تتسم بتزايد التشرذم الجيوسياسي وتصاعد تكاليف التجارة. ولذلك تشمل المداولات السياساتية الرئيسية طبيعة برامج التدخل في الأسواق ومداها، وكيفية تأثيرها في التفاعلات مع السوق العالمية.
الإنتاج
مكاسب الإنتاجية المستدامة ضرورة قصوى لتعويض قيود الموارد
يُعد إقليم جنوب آسيا وجنوب شرقها ثاني أكبر مساهم في القيمة العالمية لإنتاج الزراعة ومصايد الأسماك بعد آسيا المتقدمة والشرقية. ويُعد نموه البالغ 1.8% سنوياً خلال فترة التوقعات من الأسرع بين جميع الأقاليم، ويُتوقع أن يستأثر بأكبر حصة من نمو الإنتاج العالمي بحلول عام 2033. ويُستمد نحو نصف قيمة إنتاجه الزراعي من المحاصيل، لكن هذه الحصة تتراجع لأن الإنتاج الحيواني ينمو بوتيرة أسرع.
وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يتوسع إنتاج المحاصيل بنسبة 17% مقارنة بفترة الأساس، رغم زيادة لا تتجاوز 3.5% في الأراضي المستخدمة لإنتاج المحاصيل. ويعكس ذلك التكثيف وتغير مزيج المحاصيل وتعزيز الإنتاجية، التي تجتمع لتسريع نمو القيمة المتولدة لكل هكتار من الأراضي المحصولية مقارنة بالماضي. وستسهم زيادة معدلات استخدام الأسمدة بنسبة 17%، التي يتيحها جزئياً عودة الأسعار إلى طبيعتها بعد ذروة عام 2022، في تحقيق مكاسب الإنتاجية المتوقعة.
ويُعد الإقليم مساهماً ملحوظاً في الإنتاج العالمي لمجموعة متنوعة من المنتجات الغذائية، منها الأرز والقمح والزيوت النباتية والبقول والسكر. وباستثناء البقول والزيوت النباتية التي تظل حصتها مستقرة، يُتوقع أن ترتفع حصة الإقليم من الإنتاج العالمي لجميع هذه المنتجات. ويتركز إنتاج الحبوب في الهند وإندونيسيا وباكستان وأقل البلدان نمواً مثل بنغلاديش وكمبوديا وميانمار، لكن نصف إنتاج الحبوب يأتي من الهند وحدها، ويُعزى 15% آخر إلى أقل البلدان نمواً في الإقليم. ويتركز النمو أيضاً في الهند التي تستأثر بنحو 80% و45% على التوالي من نمو إنتاج القمح والأرز. وبينما يُتوقع أن تتوسع مساحة القمح في الهند بنسبة 7%، يقوم نمو إنتاج الأرز بالكامل تقريباً على الغلة. كما يُتوقع أن تسهم أقل البلدان نمواً بنسبة 27% من نمو إنتاج الأرز، من خلال توسع طفيف في المساحة بنسبة 3.3% بحلول عام 2033 ومكاسب في الغلة بنسبة 1.5% سنوياً على مدى السنوات العشر.
وتمتد هيمنة الهند أيضاً إلى السكر، إذ تستأثر بنحو 60% من الإنتاج الإقليمي، لكن يُتوقع أن تتراجع هذه الحصة لأن نمو تايلند البالغ 1.9% سنوياً يكفي لرفع حصتها من الإنتاج الإقليمي إلى 21% بحلول عام 2033 من 17% في فترة الأساس. ويقوم نمو تايلند على الإنتاجية، إذ تقابل الزيادة الطفيفة البالغة 5% في مساحة قصب السكر تحسنٌ بنسبة 24% في الغلال بحلول عام 2033. ويُرجح أن تدعم هذه المكاسب تحسينات الأصناف ومعدلات الاستخلاص.
وبقيادة ماليزيا وإندونيسيا، يسهم جنوب آسيا وجنوب شرقها بنحو 44% و88% على التوالي من الإنتاج العالمي للزيوت النباتية وزيت النخيل. ويواجه قطاع زيت النخيل قيوداً متزايدة، مثل المخاوف المتعلقة بالاستدامة وتراجع قبول المستهلكين ولا سيما في البلدان مرتفعة الدخل. وبإضافة تعرضه لتغير المناخ، والاضطرابات المتعددة المرتبطة بالطقس في السنوات الأخيرة، وتحديات تنقل العمالة، وارتفاع تكاليف التمويل، يتضح أن حوافز إعادة زراعة مزارع نخيل الزيت المتقادمة كانت محدودة، مع أنها لازمة لتحقيق مكاسب الغلة التي تدعم نمو الإنتاج. وفي ظل ظروف خط الأساس، لا يُتوقع أن يرتفع إنتاج زيت النخيل في الإقليم إلا بنسبة 0.7% سنوياً مقارنة بنحو 3% سنوياً في العقد الماضي، ويُتوقع أن تستأثر إندونيسيا بثلاثة أرباع الإنتاج الإضافي.
وبحلول عام 2033، يُتوقع أن ترتفع قيمة الإنتاج الحيواني من الإقليم بنسبة 38%، بما يكفي لرفع حصته من إجمالي القيمة الزراعية المضافة إلى أكثر من 30% من 27% فقط في فترة الأساس. ويقوم هذا النمو على ارتفاع إنتاج منتجات الألبان، ولا سيما في الهند وباكستان اللتين تسهمان معاً بأكثر من 90% من إنتاج الإقليم من الألبان. وينبع نمو إنتاج الحليب البالغ 38% من توسع أعداد الأبقار بنسبة 23% وتحسن غلة الحليب لكل بقرة بنسبة 13%. ويُعزى ثلثا التوسع في أعداد الأبقار في الإقليم إلى الهند.
ويهيمن الدواجن على نمو إنتاج اللحوم، إذ تمثل بالفعل نصف إجمالي إنتاج اللحوم في فترة الأساس وتشكل 55% من نموه أيضاً. ويعود النمو في هذا القطاع إلى حد كبير إلى تحسينات التربية وزيادة كثافة التغذية. أما إنتاج لحم الخنزير في الإقليم فمحدود ويتركز أساساً في فيتنام وتايلند. وقد تعافت فيتنام من تفشي حمى الخنازير الأفريقية المدمر في عام 2018، ويكفي نموها البالغ 3.6% سنوياً لتستأثر بنصف نمو إنتاج لحم الخنزير بحلول عام 2033. ويُتوقع أن يرتفع إنتاج لحوم الأبقار بنسبة 2% سنوياً، مع احتفاظ الهند وباكستان بحصتهما المشتركة البالغة 70% من إجمالي الإنتاج بحلول عام 2033.
ويشكل إنتاج الأسماك 22% من إجمالي الإنتاج الزراعي، وهي نسبة أعلى من معظم الأقاليم الأخرى. غير أن نموه البالغ 12% بحلول عام 2033 هو الأبطأ بين القطاعات الفرعية الثلاثة، مما يقلص مساهمته بمرور الوقت. وبينما يحد قيد الموارد من توسع المصايد الطبيعية، كان نمو تربية الأحياء المائية من القوة بحيث تجاوز إنتاجها المصايد الطبيعية في عام 2023. ويُتوقع أن تستأثر بحلول عام 2033 بنحو 54% من إجمالي الإنتاج، مع تباطؤ النمو إلى 2% سنوياً من أكثر من 5% في العقد الماضي، بما يعكس تزايد التركيز على الاستدامة في مجال السياسات.
ويُتوقع أن ترتفع إجمالي الانبعاثات المباشرة من الزراعة بنسبة 7.2% بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس، مدفوعة بالثروة الحيوانية والمحاصيل معاً. فبينما سترتفع الانبعاثات المرتبطة بالمحاصيل بنسبة 7.3%، ستزيد الانبعاثات المرتبطة بالثروة الحيوانية، التي تعكس توسع قطعان المجترات، بنسبة 0.6% سنوياً، أي أبطأ هامشياً من العقد الماضي. وبحلول عام 2033، ستُعزى 29% من الانبعاثات الزراعية العالمية إلى الإقليم، أكثر من أي إقليم آخر، وأعلى قليلاً من حصته البالغة 28% في فترة الأساس. ويتوقع سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف أن تنخفض إجمالي الانبعاثات الزراعية في الإقليم بنسبة 4.8% مقارنة بخط الأساس مع تحسن المتناول من السعرات، مما يعني أن الانبعاثات الزراعية لن تزيد بحلول عام 2030 إلا بنسبة 0.5% عن متوسط مستواها في فترة الأساس.
الاستهلاك
تفضيلات إقليمية مميزة في الطلب مع بقاء الهند مهيمنة
بعد أن حقق الإقليم خطوات كبيرة في تحسين الأمن الغذائي في الماضي، أدى اجتماع تراجع الدخل خلال جائحة كوفيد 19 مع تضخم أسعار الأغذية المرتفع الذي أعقبها، في وقت بدأت فيه مستويات الدخل بالتعافي، إلى إجهاد القدرة على تحمل التكاليف إجهاداً شديداً. ونتيجة لذلك، ورغم بعض التحسنات المتواضعة في عام 2022، لا يزال انتشار انعدام الأمن الغذائي ونقص التغذية أعلى بكثير من مستويات ما قبل الجائحة. وبفضل النمو القوي للدخل وتراجع أسعار السلع الزراعية، يُتوقع أن تتسارع التحسنات في توافر السعرات. فبحلول عام 2033، يُتوقع أن يزيد متوسط توافر السعرات للاستهلاك بمقدار 270 سعرة للفرد يومياً ليتجاوز 2800 سعرة، أي أقل من المتوسط العالمي بنسبة 5% فقط، وعند احتساب المهدر المنزلي ينخفض إلى 2455 سعرة للفرد يومياً. والفاقد والمهدر في الإقليم مرتفعان نسبياً، إذ يُقدران بأعلى من المتوسط العالمي بنسبة 22%. ويُعزى أكثر من نصف السعرات المفقودة أو المهدرة إلى الحبوب، بما يعكس انتشارها في سلة الاستهلاك، و12% أخرى إلى الفواكه والخضروات. وفي سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف بحلول عام 2030، يمكن زيادة المتناول من السعرات في الإقليم بنسبة 6.2% مقارنة بخط الأساس، وقد ينخفض عدد من يعانون من نقص التغذية بنسبة 24% مع خفض الانبعاثات في الوقت ذاته. ويعني ذلك أن المتناول من السعرات قد يرتفع بحلول عام 2030 بنسبة 14.6% عن متوسط مستواه في فترة الأساس، وأن عدد من يعانون من نقص التغذية في الإقليم سينخفض بمقدار 165 مليون شخص.
ويُتوقع عادة أن يؤدي اجتماع تحسن القدرة الشرائية والتحضر المستمر، وإن كان بطيئاً، إلى تطور الأنماط الغذائية نحو أغذية أكثف بالسعرات والمغذيات، لكن مزيج المنتجات تمليه أيضاً التفضيلات الفريدة نوعاً ما للإقليم، إذ إن نسبة كبيرة من السكان نباتيون. ولذلك يشمل نمو المتناول من السعرات مزيجاً من الحبوب ومنتجات الألبان والزيوت النباتية والسكر والبقول، مع مساهمة صغيرة نسبياً من اللحوم.
ولا تزال الحبوب تستأثر بنحو 53% من السعرات المتاحة للاستهلاك في الإقليم، وبينما تظل رائجة، كما يتضح من المكاسب الإضافية في استهلاك الفرد من القمح بنسبة 1.1% سنوياً ومن الأرز بنسبة 0.2% سنوياً، يُتوقع تنوع بطيء. ففي عدة بلدان مثل فيتنام وإيران وتايلند، سينخفض استهلاك الفرد من الأرز لصالح القمح. وفضلاً عن ذلك، يُتوقع أن تنخفض حصة الحبوب من إجمالي السعرات المستهلكة إلى 52% بحلول عام 2033، مع زيادات متواضعة في السعرات المستمدة من الألبان والزيوت النباتية والفواكه والخضروات.
ولا يزال متوسط المتناول من البروتين أدنى بكثير من المستوى العالمي، لكن مع مكاسب تقارب 9 غرامات للفرد يومياً بحلول عام 2033، يُتوقع أن يقترب العجز من 14%. ويأتي ذلك من زيادة استهلاك منتجات الألبان والبروتينات النباتية، مع مساهمة أصغر لكنها إيجابية من نمو استهلاك اللحوم. ويتجاوز استهلاك الفرد من الألبان في الإقليم بالفعل المتوسط العالمي بنسبة 16%، ويُتوقع أن يرتفع ذلك إلى 35% بحلول عام 2033. وتتأثر هذه الصورة بالهند إلى حد ما، حيث تستأثر الألبان بنسبة 27% من البروتين الإضافي والبقول بنسبة 15% أخرى. أما في ماليزيا وفيتنام والفلبين وإندونيسيا، فاللحوم أكثر بروزاً، إذ يُستمد 84% و62% و49% و28% على التوالي من البروتين الإضافي من اللحوم. ويحدث نمو استهلاك اللحوم في الإقليم من قاعدة صغيرة، إذ لم يتجاوز الاستهلاك في فترة الأساس 33% من المتوسط العالمي، لكن يُتوقع أن يرتفع إلى نحو 40% بحلول عام 2033. وعلى المستوى الإقليمي، يُعزى أكثر من نصف نمو استهلاك اللحوم إلى الدواجن، لكنه في فيتنام وتايلند مدفوع أساساً بلحم الخنزير.
ويستأثر إقليم جنوب آسيا وجنوب شرقها بنحو 16% من الاستخدام العالمي لأعلاف الحيوانات، تعود أكبر حصة منه إلى الهند مع كميات ملحوظة أيضاً في إندونيسيا وفيتنام. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يرتفع استخدام الأعلاف في الإقليم بنسبة 25% مقارنة بفترة الأساس، بسبب مزيج من توسع القطعان وزيادة كثافة استخدام الأعلاف في إنتاج اللحوم والألبان. ويُتوقع أن يدعم تطور ممارسات الإنتاج والتقنيات والوراثة، إلى جانب تنامي حصة الدواجن في مزيج إنتاج اللحوم، تحسينات كبيرة في التحويل العلفي، بحيث يتوسع استخدام الأعلاف بوتيرة أبطأ من إنتاج اللحوم والحليب. ويُتوقع أن يتوسع استخدام الذرة والأعلاف البروتينية، وهما المكونان الأساسيان في العلائق، بنسبة 31% و26% على التوالي بحلول عام 2033، مما يعني أن حصتهما المشتركة سترتفع إلى 57%.
ويُعد الإقليم مستخدماً ملحوظاً للوقود الحيوي، إذ يستأثر بنحو 8% من الاستخدام العالمي للإيثانول و23% من الاستخدام العالمي للديزل الحيوي. كما يُتوقع أن يكون محركاً مهماً للنمو، إذ يستأثر بنحو 35% و39% من النمو المتوقع في الاستخدام العالمي للإيثانول والديزل الحيوي بحلول عام 2033. وفي حالة الإيثانول، يُعزى ذلك أساساً إلى الهند، حيث يُتوقع أن يسهم الإيثانول المستخرج من قصب السكر إسهاماً كبيراً في بلوغ نسبة خلط 15% بحلول عام 2025 و17% بحلول عام 2033. وفي حالة الديزل الحيوي، يقوم النمو في جنوب شرق آسيا على ارتفاع الطلب على وقود النقل والاستخدام الصناعي. وقد وضعت تايلند أهدافاً للخلط ضمن خطة تطوير الطاقة البديلة، ويُتوقع أن تظل نسبة الخلط في إندونيسيا فوق هدفها الطموح البالغ 30%. ونتيجة لذلك، يُتوقع أن يرتفع استخدام الديزل الحيوي في إندونيسيا بنسبة 56% خلال فترة التوقعات، مستأثراً بأكثر من 80% من الاستخدام الإضافي للوقود الحيوي في الإقليم، ومقلصاً اعتمادها على الوقود الأحفوري المستورد. كما سيوجه ذلك إمدادات زيت النخيل المحلية إلى سوق الديزل الحيوي، موفراً سوقاً منتظمة واستقراراً في الأسعار قد يعيد إحياء الاستثمار في تجديد مزارع نخيل الزيت.
التجارة
تراجع صادرات الهند يقود تحول الإقليم إلى مستورد صافٍ
تتغير الديناميات التجارية في إقليم جنوب آسيا وجنوب شرقها، إذ يُتوقع أن يتحول الفائض التجاري الصغير في فترة الأساس إلى عجز بحلول عام 2029. وتبرز الهند محركاً رئيسياً لهذا التحول، فبعد أن كانت تاريخياً أكبر مصدر صافٍ في الإقليم، يُتوقع ألا يتجاوز فائضها التجاري بحلول عام 2033 نسبة 22% من مستواه في فترة الأساس، وهو أقل من فائض إندونيسيا وتايلند. ويُتوقع أن يحافظ جنوب شرق آسيا على فائض متواضع لكنه ثابت، بينما تستمر الواردات الصافية لأقل البلدان نمواً والبلدان النامية الأخرى في الارتفاع. والأثر الصافي لذلك أن عجز الإقليم التجاري بحلول عام 2033 سيعادل نحو 60% من الفائض المسجل خلال فترة الأساس.
ويُتوقع أن تنكمش إجمالي الصادرات الصافية من الإقليم بنسبة 6.5% خلال السنوات العشر المقبلة. وتتألف منتجات التصدير أساساً من الزيوت النباتية والأرز والفواكه والسكر. وتأتي صادرات الزيوت النباتية أساساً من ماليزيا وإندونيسيا، أكبر مصدري زيت النخيل في العالم، لكن النمو الإضافي محدود بنسبة 2.5% فقط على مدى السنوات العشر، مما يؤدي إلى تراجع الحصة من الصادرات العالمية. وفي المقابل، يُتوقع أن تتوسع صادرات الأرز والسكر بسرعة بنسبة 2.8% و2.2% سنوياً على التوالي، بما يمكّن حصة الإقليم من الصادرات العالمية من التوسع إلى 86% و27% على التوالي بحلول عام 2033. ويُعزى أكثر من نصف نمو صادرات الأرز إلى أقل البلدان نمواً مثل ميانمار وكمبوديا، و25% أخرى إلى تايلند و12% إلى فيتنام. أما نمو صادرات السكر فيأتي بالكامل تقريباً من تايلند. ويسهم الإقليم حالياً أيضاً بأكثر من ربع الصادرات العالمية للأسماك، لكن يُتوقع أن تتراجع هذه الحصة بسبب الطلب القوي داخل الإقليم.
وبينما تجري حصة كبيرة من التجارة داخل الإقليم، يمثل اجتماع الاضطرابات في طرق الشحن الرئيسية، مثل قيود منسوب المياه في قناة بنما والنزاع في البحر الأحمر الذي يؤثر في العبور من قناة السويس، خطراً كبيراً. فطالما استمر النزاع، سيتعين تحويل مسار التجارة من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا وشمال أفريقيا بعيداً عن قناة السويس حول رأس الرجاء الصالح، مما يضيف وقتاً وتكاليف إلى الشحن قد تعطل سلاسل الإمداد.
وتماشياً مع النمو القوي للطلب، يتزايد اعتماد الإقليم على الواردات، ويُتوقع أن تكون فاتورة استيراده الإجمالية من الأغذية والمنتجات الزراعية أعلى بنسبة 26% بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس. ويُتوقع أن يرتفع الاعتماد على الاستيراد في معظم السلع، إلى جانب حصة الإقليم من الواردات العالمية. وتُعد واردات اللحوم ومنتجات الألبان صغيرة نسبياً في سلة الاستيراد الإجمالية، إذ تشمل المنتجات الرئيسية القمح والذرة والأعلاف البروتينية وفول الصويا والفواكه والقطن.
التوقعات الإقليمية: أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى
الخلفية
الأمن الغذائي لسكان متزايدين لا يزال تحدياً كبيراً
أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إقليم شاسع ومتنوع يضم 19% من الأراضي الزراعية في العالم، لكنه لا يوفر سوى 7% من قيمة الإنتاج الزراعي العالمي. ويقطنه 1.1 مليار نسمة، أي 14% من سكان العالم، ويتميز بخصائص ديموغرافية فريدة. فمن بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل، سكانه الأصغر سناً ومعدل نموهم السكاني الأسرع، وهو من أقل الأقاليم تحضراً بعد جنوب آسيا وجنوب شرقها. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يشكل سكان الإقليم البالغ عددهم 1.5 مليار نسمة نحو 17% من سكان العالم، وقد يقيم نصفهم في المناطق الحضرية بحلول ذلك العام، مقارنة بنسبة 43% في فترة الأساس و32% فقط قبل عشرين عاماً. وبالتوازي مع هذا الاتجاه، يبلغ معدل النمو السكاني حداً يجعل الإقليم واحداً من إقليمين فقط لا يزال العدد المطلق لسكانهما الريفيين في ازدياد.
وبصرف النظر عن الاختلافات في الموارد، تعتمد كثير من اقتصادات الإقليم اعتماداً كبيراً على السلع القائمة على الموارد مثل النفط والتعدين والزراعة. ففي المتوسط، استأثرت الزراعة والحراجة ومصايد الأسماك بنحو 10% من الناتج الاقتصادي للإقليم بين عامي 2021 و2023، لكن هذه الحصة أعلى بكثير في عدة بلدان أقل نمواً، إذ يشير البنك الدولي إلى حصص تبلغ 21% في كينيا و22% في ملاوي و36% في مالي. ويضخم الاعتماد الكبير على الزراعة في الاقتصاد آثار التقلبات في هذا القطاع على سبل العيش، لكنه يعني أيضاً أن تنويع الإنتاج بما يتجاوز محاصيل الأمن الغذائي يمكن أن يسهم إسهاماً كبيراً في توليد الدخل والتنمية الاقتصادية.
وكان ارتفاع أسعار السلع عاملاً رئيسياً في دعم التعافي الأولي، وإن كان بطيئاً، بعد الركود الناجم عن جائحة كوفيد 19، لكن الزخم توقف مع اضطرابات أخرى مثل الحرب الروسية على أوكرانيا وأزمة الطاقة والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة التي أثرت في الأداء الاقتصادي والتضخم عالمياً. ومع تشديد الأوضاع المالية وتباطؤ الطلب الدولي، انخفضت أسعار صرف العملات في كثير من البلدان، مما غذى مزيداً من التضخم وأثار في بعض الحالات مخاوف بشأن احتياطيات النقد الأجنبي. ولا يملك الإقليم إلا وسائل محدودة لدعم تعافٍ متسارع، إذ تنتشر التحديات المالية بالفعل. ففي عام 2023، كان نمو دخل الفرد أقل من 0.5% على المستوى الإقليمي، ويُتوقع أن يظل دون 1% في عام 2024. وبينما يُتوقع أن تدعم بيئة عالمية أكثر مواتاة وتراجع التضخم النمو على المدى المتوسط، فإن النمو السكاني يجعل دخل الفرد لا يرتفع إلا بنسبة 0.9% سنوياً خلال فترة التوقعات.
ومستويات الدخل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى هي في المتوسط الأدنى عالمياً بالفعل، ولا يكفي النمو المتوقع لتضييق الفجوة تضييقاً كبيراً. فبحلول عام 2033، يُتوقع أن يبلغ متوسط الدخل 1876 دولاراً بالقيمة الثابتة لعام 2010، أي 14% فقط من المتوسط العالمي. وفي أقل البلدان نمواً مثل إثيوبيا، تتسع هذه الفجوة أكثر، إذ يظل الدخل دون 1000 دولار، بينما يبلغ في جنوب أفريقيا 8687 دولاراً. وكما هو متوقع عند هذه المستويات المنخفضة من الدخل، تنفق الأسر على الغذاء حصة من دخلها أكبر من أي إقليم آخر يغطيه هذا الفصل، تبلغ في المتوسط 23% وتصل في أقل البلدان نمواً بالإقليم إلى 31%. ويزيد هذا التخصيص الكبير للميزانية على الغذاء من الهشاشة إزاء قفزات الأسعار، ويشير إلى أن متوسط تضخم أسعار الأغذية البالغ 15% خلال الفترة من 2021 إلى 2023، وسط اضطرابات عالمية عديدة، أسهم إسهاماً ملموساً في ارتفاع انتشار نقص التغذية وانعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد خلال السنوات الثلاث الماضية. ويشير تقرير الفاو عن حالة الأمن الغذائي والتغذية إلى أن أكثر من 300 مليون شخص في الإقليم واجهوا انعدام أمن غذائي شديداً بحلول عام 2022، أي ثلث الإجمالي العالمي. ومع انخفاض أسعار السلع الزراعية، يتحتم عكس مسار تدهور الأمن الغذائي، وهو ما سيتطلب نهجاً شاملاً من أصحاب مصلحة متعددين لتحسين القدرة على تحمل التكاليف داخل الإقليم.
ورغم محدودية القدرة الشرائية وانخفاض المتناول الفردي من السعرات، فإن ضخامة عدد سكان الإقليم تجعله يستأثر بحصة كبيرة من الاستهلاك العالمي، ولا سيما للأغذية الأساسية الرئيسية. ففي فترة الأساس، استأثر بنحو 35% من الاستهلاك العالمي للجذور والدرنات و13% من الحبوب. ورغم التباين الكبير بين البلدان، تتراجع معدلات الاكتفاء الذاتي في الإقليم ككل لمعظم السلع الغذائية الرئيسية، لأن نمو الإمدادات المحلية عجز عن مجاراة معدل التوسع السكاني.
وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إقليم متنوع من الناحية الزراعية البيئية ووفير الأراضي، يستأثر بنحو 16% من الأراضي المحصولية العالمية و20% من المراعي. ورغم حصته الكبيرة من استخدام الأراضي عالمياً، تتسم ممارسات الإنتاج غالباً بقلة الكثافة مع انتشار كبير للنظم البعلية. وبينما يُعد الإقليم ككل وفير الأراضي، توجد فروق كبيرة بين البلدان في توافر الأراضي وهياكل المزارع. ففي بعض المناطق ثمة أدلة واضحة على بروز مزيد من المزارعين متوسطي الحجم، بينما يواجه القطاع الزراعي في مناطق أخرى ضغوطاً من نقص الأراضي وتقلص مساحات القطع. وتقع أجزاء كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة في مناطق نائية ضعيفة الاتصال بالأسواق والبنية التحتية، مما يضخم تكاليف النقل المرتفعة أصلاً، ويؤدي في الغالب إلى فروق سعرية كبيرة بين الأسواق وتقلبات حادة في الأسعار المحلية. ويفاقم هذه التقلبات عدم القدرة على التنبؤ بالإنتاج الناجم عن نظم الإنتاج البعلية منخفضة المدخلات المنتشرة بين صغار المنتجين في الإقليم، مما يجعله شديد التعرض للآثار المحتملة لتغير المناخ. ويتضح هذا التقلب في السنوات الأخيرة، حين أحدث الجفاف في شرق أفريقيا تحديات حادة للأمن الغذائي، وقلّص الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو في جنوب أفريقيا عام 2024 إنتاج الغذاء في الإقليم تقليصاً كبيراً، مما أدى إلى ارتفاعات حادة في الأسعار في وقت تنخفض فيه أسعار السوق العالمية. وستكون ممارسات الإنتاج القادرة على الصمود أمام تغير المناخ حاسمة لتحسين القدرة على الصمود واستدامة النمو في الإقليم.
وتتعلق أبرز التحديات التي تواجه الإقليم بالحد من الجوع وتحسين الأمن الغذائي في بيئة دخل منخفض مستمرة، وسط أنماط طقس متزايدة التطرف ومتعذرة التنبؤ مرتبطة بتغير المناخ. فرغم وجود جيوب من التقدم والنجاح في بلدان بعينها، تظل الإنتاجية في معظم الإقليم منخفضة على نحو عنيد. وقد تنشأ بعض الفرص لتوسيع التجارة البينية، لكن يلزم خفض التكاليف المرتبطة بالتجارة لتحسين القدرة التنافسية. ومع توقع استمرار ارتفاع الواردات إلى الإقليم، وفي ظل سوق عالمية متزايدة التشرذم واضطرابات في النظم اللوجستية، تكمن أكبر فرصة للإقليم لتحسين الأمن الغذائي في سد فجوة الإنتاجية على نحو مستدام وتحسين النفاذ إلى الأسواق ورفع كفاءة التجارة الإقليمية.
الإنتاج
مكاسب الإنتاجية حاسمة مع تباطؤ توسع الأراضي
يُتوقع أن تزيد قيمة الإنتاج الزراعي والسمكي بنسبة 27% خلال العقد المقبل، أي بمكسب سنوي متوسط قدره 2.2%. ويظل ذلك أبطأ من النمو السكاني في الإقليم، مما يعني أن قيمة الإنتاج للفرد مرشحة لمزيد من التراجع، تماشياً مع الاتجاه المرصود منذ عام 2015. ويسهم إنتاج المحاصيل بالجزء الأكبر من القيمة الزراعية بنسبة 72%، وهي أكبر حصة بين مختلف الأقاليم في هذا الفصل، ونموه كافٍ لزيادة هامشية إضافية بحلول عام 2033. ويتناقض ذلك مع نمو يقل عن 1% سنوياً في مصايد الأسماك، مما يعني تراجع حصتها من إجمالي القيمة، في حين يكفي نمو الإنتاج الحيواني البالغ 2.2% سنوياً للحفاظ على حصته عند 17%.
ولا يُتوقع أن يتوسع إجمالي استخدام الأراضي الزراعية إلا توسعاً هامشياً، ليكون بحلول عام 2033 أعلى بنسبة 2% فقط من فترة الأساس، وهو نصف التوسع المرصود في العقد الماضي فقط، أي تباطؤ كبير في إقليم يُعد وفير الأراضي. غير أن هذه الوفرة تتركز في عدد قليل من البلدان، بينما يقيد التوسع في كثير من البلدان الأخرى تفتتُ الأراضي وتحديات تدهورها والنزاعات وضعف الاتصال بالأسواق ووجود استخدامات أخرى منافسة مثل التعدين والزحف العمراني. وداخل هذا التوسع المحدود، تحدث أيضاً بعض إعادة التخصيص، إذ يقابل توسعَ المساحة المحصولية بمقدار 18 مليون هكتار انخفاضٌ جزئي بمقدار 1.3 مليون هكتار في الأراضي المستخدمة مراعيَ. ولا يُتوقع تغير كبير في مزيج المحاصيل، إذ يستأثر الجمع بين الذرة والحبوب الخشنة الأخرى والجذور والدرنات بنحو نصف إجمالي استخدام الأراضي المحصولية بحلول عام 2033. وفي هذه السلع، يُتوقع أيضاً أن ترتفع حصة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من الإنتاج العالمي، لتستأثر بحلول عام 2033 بنحو 38% من الإنتاج العالمي للجذور والدرنات، و8% و16% من الإنتاج العالمي للذرة والحبوب الخشنة الأخرى على التوالي. ويُزرع القطن أيضاً على نطاق واسع، ولا سيما في أقل البلدان نمواً بالإقليم التي تسهم بثلثي إنتاجه من القطن، وتُعد بنين وبوركينا فاسو من أبرز منتجيه.
وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يتوسع إنتاج المحاصيل الغذائية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بنحو 30%، ويُتوقع أن ترتفع القيمة الحقيقية لإنتاج المحاصيل لكل وحدة من الأراضي المحصولية بنسبة 2.3% سنوياً، متسارعة عن العقد الماضي. ويعكس ذلك مزيجاً من مكاسب الإنتاجية ومزيد من التكثيف. ويتجاوز التوسع المتوقع في المساحة المحصودة توسعَ استخدام الأراضي بنسبة 20%، مما يشير إلى احتمال زيادة الزراعة المزدوجة. وتنتشر هذه الممارسة في كثير من المناطق الاستوائية ذات الأمطار ثنائية الموسم، وفي المناطق المروية في جنوب أفريقيا. كما يُتوقع أن يستفيد توسع زراعة الأرز، ولا سيما في نيجيريا، من تزايد انتشار الحصاد المتعدد في السنة. ورغم وفرة الموارد المحتملة، تظل فجوات الغلة كبيرة مقارنة بما يتحقق في أنحاء أخرى من العالم. ونمو الغلة خلال فترة التوقعات كفيل بتضييق الفجوة مع المتوسطات العالمية لجميع المحاصيل تقريباً، لكن الجهود الرامية إلى سدها بالكامل تظل مقيدة بمحدودية استخدام المدخلات وبطء اعتماد تقنيات البذور في كثير من البلدان وضعف البنية التحتية للري. ويفاقم ذلك أيضاً التعرض للظواهر المناخية المتطرفة، إذ تتسبب موجات الجفاف والفيضانات في اضطرابات متكررة لإنتاج الغذاء. ورغم الانتشار الواسع لبرامج دعم الأسمدة، يظل استخدام الأسمدة الأدنى بين جميع الأقاليم. ويُتوقع أن يزيد بنسبة 19% خلال فترة التوقعات، لكن الاستخدام لكل هكتار سيظل أقل من 20% من المتوسط العالمي. وتبقى الجهود الرامية إلى بلوغ معدلات استخدام أمثل مقيدة بالقدرة على تحمل التكاليف، ويعود ذلك جزئياً إلى ارتفاع تكلفة الأسمدة المستوردة إلى الإقليم، التي تضخمها التكاليف اللوجستية المرتفعة. ومع ذلك، ومع تطور ممارسات الإنتاج وتحسن أصناف البذور وارتفاع معدلات استخدام الأسمدة، يُتوقع نمو ملحوظ في الغلة بنسبة 1.6% سنوياً للذرة، و2% سنوياً للحبوب الخشنة الأخرى، و1.5% سنوياً للأرز، و1.2% سنوياً للقطن.
ويُتوقع أن تقود الألبان نمو الإنتاج الحيواني، إذ يعادل التوسع البالغ 28% بحلول عام 2033 نحو 8.3 مليون طن من إنتاج الحليب الإضافي، مقارنة بنحو 3.3 مليون طن من اللحوم الإضافية. ويشكل لحم البقر حالياً الحصة الأكبر من إنتاج اللحوم، لكن يُتوقع أن يكون النمو في قطاع الدواجن أسرع، ليستأثر بنحو 30% من اللحوم الإضافية المنتجة بحلول عام 2033، مقارنة بنحو 38% للحوم الأبقار و17% للحوم الأغنام. وباستثناءات قليلة، لا تزال نظم الإنتاج واسعة إلى حد كبير، ولا سيما للأبقار والأغنام، وكذلك بين الشريحة الكبيرة من منتجي الدواجن الذين يعتمدون على سلالات محلية ثنائية الغرض. ويُتوقع أن يسهم توسع القطعان إسهاماً كبيراً في نمو إنتاج لحوم الأبقار والأغنام، بتوسع قدره 12% و24% على التوالي بحلول عام 2033. وستتزايد حصة الإقليم من القطيع العالمي لكلا النوعين، مع اعتماد حصة كبيرة منه على الرعي في مساحة مراعٍ متقلصة قليلاً. وكثيراً ما تُربى هذه الحيوانات في مناطق شبه قاحلة لا تصلح لإنتاج المحاصيل، مما يجعلها شديدة التأثر بتقلب الظروف المناخية، كما يتضح من الخسائر الواسعة الناجمة عن الجفاف في القرن الأفريقي خلال السنوات الثلاث الماضية. وفي المقابل، يتزايد في قطاع الدواجن اعتماد دجاج اللحم والدجاج البياض المتخصص المنتج في نظم إنتاج كثيفة الأعلاف في بلدان مثل زامبيا وتنزانيا وكينيا ونيجيريا وملاوي، بعد أن كان منتشراً في جنوب أفريقيا منذ زمن. وتُعد مكاسب الإنتاجية المحققة من هذا التحسين الوراثي مساهماً رئيسياً في نمو إنتاج الدواجن بنسبة 28% خلال فترة التوقعات.
ولا يشكل إنتاج الأسماك سوى 11% من الإنتاج الزراعي في الإقليم، ولا يزال يعتمد أساساً على المصايد الطبيعية، التي يجري كثير منها في بحيراته الداخلية الشاسعة. ففي فترة الأساس، شكلت المصايد الطبيعية 91% من إجمالي إنتاج الأسماك، ورغم نمو تربية الأحياء المائية بنسبة 2.2% سنوياً من قاعدة صغيرة، لن تنخفض حصة المصايد الطبيعية إلا إلى 90% بحلول عام 2033. ونظراً لمحدودية موارد مصايد الأسماك، يكون نمو المصايد الطبيعية أبطأ بنسبة 0.7% سنوياً. كما تجري حصة كبيرة من تربية الأحياء المائية في بحيرات المياه العذبة في الإقليم، ولذلك ستكون الإدارة المستدامة لهذا المورد الطبيعي ذات أهمية قصوى.
ويُتوقع أن ترتفع الانبعاثات المباشرة لغازات الاحتباس الحراري من الزراعة بنسبة 10.3% خلال العقد المقبل، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى توسع القطعان في إنتاج المجترات. إذ يُتوقع أن ترتفع الانبعاثات من الثروة الحيوانية بنسبة 1.1% سنوياً، مقارنة بزيادات لا تتجاوز 0.3% سنوياً من قطاع المحاصيل. وبحلول عام 2033، ستستأثر أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بنحو 16% من الانبعاثات العالمية من الزراعة. ويتوقع سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف أن تنخفض إجمالي الانبعاثات الزراعية في الإقليم بنسبة 4% مقارنة بخط الأساس مع تحسن المتناول من السعرات، مما يعني أن الانبعاثات الزراعية قد ترتفع بحلول عام 2030 بنسبة 3.1% عن متوسط مستواها في فترة الأساس.
الاستهلاك
طلب غذائي مدفوع بالنمو السكاني مع تنوع غذائي محدود
تضم أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أعلى تركز للفقراء ومن يعانون من نقص التغذية في العالم، وإجمالي توافر السعرات للفرد فيها هو الأدنى بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل. وقد تفاقمت تحديات الأمن الغذائي القائمة في السنوات الأخيرة بفعل اضطرابات عديدة، منها الآثار الممتدة لجائحة كوفيد 19، والحرب الروسية على أوكرانيا، والتضخم المتصاعد، وارتفاع أسعار الطاقة، وأزمة غلاء المعيشة، وبطء التعافي الاقتصادي، والنزاعات في عدة بلدان. وبينما خفت كثير من تحديات سلاسل الإمداد المرتبطة بالجائحة والحرب، أدى استمرار ارتفاع تضخم أسعار الأغذية، الذي غذاه في الغالب انخفاض قيمة العملات، إلى جانب بطء التعافي الاقتصادي، إلى إدامة تحديات القدرة على تحمل التكاليف، وتراجع إجمالي توافر السعرات في الإقليم باستمرار خلال فترة الأساس. ويُتوقع أول ارتفاع طفيف في عام 2024، لكن المكاسب تظل بطيئة، وبحلول عام 2033 لن تؤدي زيادة قدرها 75 سعرة للفرد يومياً إلا إلى رفع المتناول إلى 77% من المتوسط العالمي. ولذلك يُرجح أن يظل الأمن الغذائي ونقص التغذية تحديين قائمين، وحتى مع بدء ارتفاع مستويات الدخل، سيتطلب التعافي المستدام تحسينات في توافر الإمدادات الغذائية وإمكانية الوصول إليها والقدرة على تحمل تكلفتها واستخدامها في المستقبل.
ويمثل الفاقد والمهدر من الأغذية تحدياً كبيراً في الإقليم، إذ تقدر الفاو أنهما يعادلان 4 مليارات دولار سنوياً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتضع التقديرات الفاقد والمهدر مجتمعين فوق المتوسط العالمي بنحو 41%، مما يشير إلى أن الاستثمارات في الحد منهما تنطوي على إمكانات كبيرة لتحسين المتناول من السعرات. وفي سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف بحلول عام 2030، يمكن زيادة المتناول من السعرات في الإقليم بنسبة 10.1% مقارنة بخط الأساس، وقد ينخفض عدد من يعانون من نقص التغذية بنسبة 31% مع خفض الانبعاثات في الوقت ذاته. وفي أقل البلدان نمواً بالإقليم، يبلغ هذا المكسب في المتناول 19%. ويعني ذلك أن المتناول من السعرات في الإقليم قد يرتفع بحلول عام 2030 بنسبة 13.3% عن متوسط مستواه في فترة الأساس، بينما سينخفض عدد من يعانون من نقص التغذية بمقدار 53 مليون شخص، وقد يرتفع المتناول في أقل البلدان نمواً بنسبة 16.6%.
ويُعد النمو السكاني مساهماً رئيسياً في الطلب في الإقليم، بحيث إن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ستظل من أكبر مصادر الطلب الإضافي على الغذاء رغم أن إجمالي توافر السعرات للفرد لن يرتفع إلا بنسبة 3% بحلول عام 2033. ونتيجة لذلك، يُتوقع أن ترتفع حصة الإقليم من إجمالي استهلاك السعرات الغذائية في العالم من 12% في فترة الأساس إلى 14% بحلول عام 2033. وتكون هذه الحصة أعلى في الأغذية الأساسية، لأن دور أغذية أساسية مثل الذرة والجذور والدرنات في إجمالي المتناول من السعرات أبرز في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى منه في أي إقليم آخر. وبينما يغذي النمو السكاني توسعاً واسع النطاق في استهلاك الغذاء، يُتوقع أن تظل التغيرات التركيبية وما يرتبط بها من تنوع غذائي في الإقليم محدودة في ظل افتراضات خط الأساس. ونمو استهلاك الأغذية الأساسية من الحجم بحيث يُتوقع أن تظل مستأثرة بنحو 70% من المتناول من السعرات بحلول عام 2033، على غرار فترة الأساس. وضمن مجموعة الأغذية الأساسية، قد ترتفع حصة الأرز ارتفاعاً متواضعاً على حساب الحبوب الخشنة الأخرى مثل الذرة الرفيعة والدخن. وبينما يُتوقع أن يرتفع استهلاك السكر ارتفاعاً كبيراً بالنسبة للفرد بحلول عام 2033، يبقى المكسب في استهلاك اللحوم هامشياً بنسبة 0.4% سنوياً، في حين تُظهر الألبان والأسماك والزيوت النباتية تراجعاً متواضعاً. واستهلاك الفرد من هذه السلع هو الأدنى في العالم بالفعل، وتشير التغيرات المتوقعة إلى أن التنوع الغذائي في الإقليم سيظل قاصراً مقارنة بالمعايير العالمية. ويمكن أن يساعد تنويع الإنتاج الزراعي في تحسين هذا التنوع الغذائي.
ويحد الارتفاع المحدود في استهلاك اللحوم، إلى جانب تراجع المتناول الفردي من الأسماك ومنتجات الألبان، من النمو الواسع في المتناول من البروتين. وبفضل بعض المكاسب في البروتين النباتي، يُتوقع أن يرتفع المتناول بأقل من غرام واحد للفرد بحلول عام 2033، ليظل الأدنى في العالم. وتحول هذه المكاسب المحدودة في المتناول من البروتين أيضاً دون تحسين المتناول من المغذيات والمغذيات الدقيقة الحيوية.
ويعني الانتشار الواسع لنظم الإنتاج الواسعة أن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لا تستأثر إلا بنحو 4% من الاستخدام العالمي لأعلاف الحيوانات. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يتوسع إجمالي استخدام الأعلاف في الإقليم بنسبة 30%، لكن من قاعدة صغيرة، ولذلك تظل حصته في السوق العالمية مستقرة. وتشمل محركات الطلب على الأعلاف توسعاً في أعداد الحيوانات وتوقع مزيد من التكثيف. ففي قطاع الدواجن على وجه الخصوص، يتسارع اعتماد السلالات المحسنة ونظم الإنتاج كثيفة الأعلاف، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على أعلاف الحيوانات. وفي البلدان التي تستخدم الأعلاف بكثافة بالفعل، ستقلل التحسينات الوراثية وتحسن التحويل العلفي بمرور الوقت كمية الأعلاف اللازمة لكل حيوان. وتتقابل هذه الاتجاهات إلى حد ما على المستوى الإقليمي، والنتيجة الصافية أن استخدام الأعلاف يُتوقع أن ينمو أسرع من إنتاج اللحوم. وتشكل الحبوب، ولا سيما الذرة، المادة الخام الرئيسية في العلائق، لكن حصتها أقل من المتوسط العالمي، مع مساهمة كبيرة أيضاً من الجذور والدرنات. ويظل إدراج الأعلاف البروتينية في إجمالي الأعلاف منخفضاً عند نحو 55% من المتوسط العالمي.
التجارة
تنامي الاعتماد على الاستيراد مع بطء التقدم في اتفاقيات التجارة الإقليمية
لتزويد سكانه المتزايدين بسرعة، يُتوقع أن يعتمد الإقليم بصورة متزايدة على الواردات لاستكمال الإنتاج الإقليمي. فباستثناءات قليلة، تُنتج معظم السلع الغذائية الأساسية في الإقليم للاستهلاك المحلي لا للتصدير، لكن الإنتاج المحلي لكثير من المنتجات لا يكفي لتلبية الطلب. ومع ذلك، تستفيد كثير من البلدان أيضاً من تعاكس المواسم مع نصف الكرة الشمالي ومن تنافسية تكاليف العمالة، بما يتيح صادرات صافية من المنتجات الطازجة عالية القيمة.
ويُتوقع أن يتعمق العجز التجاري للإقليم في المواد الغذائية الرئيسية خلال العقد المقبل، وأن ترتفع فاتورة استيراده، بالأسعار المرجعية العالمية الثابتة، بنسبة 48% بحلول عام 2033. وفي عدة بلدان، يعرقل تصاعد الديون وتحديات ميزان المدفوعات وقيود النقد الأجنبي بالفعل الواردات الغذائية المطلوبة. والإقليم مكتفٍ ذاتياً إلى حد كبير من الذرة والجذور والدرنات، أما المساهمون الرئيسيون في فاتورة استيراده الغذائي فهم الزيوت النباتية والأغذية الأساسية مثل الأرز والقمح. ويُتوقع أن تتدهور نسب الاكتفاء الذاتي أكثر في هذه السلع الثلاث، مع توقع ارتفاع واردات القمح بنسبة 36% والأرز بنسبة 56% والزيوت النباتية بنسبة 27% خلال العقد المقبل. وقد تضاءل الاعتماد التاريخي لكثير من البلدان على الاتحاد الروسي وأوكرانيا في واردات القمح في ظل الحرب المستمرة، مع زيادة التوريد من أوروبا وكندا والولايات المتحدة.
ومن أكبر التحديات التي تزيد تكلفة المنتجات المستوردة ارتفاع تكاليف النقل وأوجه القصور اللوجستية. إذ يسجل الإقليم نتائج ضعيفة في مؤشرات كفاءة التجارة، مثل مؤشري الأداء اللوجستي وأداء موانئ الحاويات الصادرين عن البنك الدولي. وقد تفاقمت التحديات الهيكلية القائمة بفعل اضطرابات اللوجستيات العالمية في السنوات الأخيرة، وعادت هذه الاضطرابات إلى الظهور في ظل النزاع الذي يؤثر في الملاحة في منطقتي البحر الأسود والبحر الأحمر، مما أثار مخاوف متزايدة بشأن أثرها في استمرار ارتفاع تضخم أسعار الأغذية في الإقليم. وفي الوقت ذاته، فإن أثر التأخير في الموانئ أو أثناء العبور، مقروناً بارتفاع أسعار الشحن، على صادرات الإقليم من المنتجات عالية القيمة سريعة التلف أثر بالغ.
وتُعد الفواكه والخضروات الطازجة، إلى جانب المنتجات عالية القيمة مثل القطن والكاكاو والشاي والبن، مساهمين رئيسيين في عائدات التصدير. فأكثر من 85% من إنتاج القطن موجه لسوق التصدير، ويُتوقع أن ترتفع صادرات القطن بنسبة 7% خلال العقد المقبل. كما يُتوقع أن تنمو القيمة الحقيقية لصادرات الفواكه والخضروات بنسبة 26% و41% على التوالي بحلول عام 2033. ونتيجة لذلك، يُتوقع أن تنمو القيمة الإجمالية للصادرات الزراعية من الإقليم، مقيسة بدولارات الفترة 2014 إلى 2016، بنسبة 20% خلال العقد المقبل.
ويُعد إضفاء الطابع الإقليمي على سلاسل القيمة الزراعية للسلع ذات الأولوية جزءاً من استراتيجية الاتحاد الأفريقي لدفع تحول النظم الزراعية الغذائية وزيادة الإنتاجية ونمو التصنيع الزراعي، من خلال ربط المنتجين والمجمعات الزراعية في مناطق الفائض بالأسواق ومناطق الحاجة. وقد علق الإقليم آمالاً كبيرة على التنفيذ الناجح لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية لتوسيع التجارة البينية. والاتفاقية في عامها الثالث من التشغيل وتنطوي على إمكانات كبيرة، إذ يشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن تنفيذها الناجح يمكن أن يعزز التجارة البينية بأكثر من 50%، ويلاحظ مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن السوق المتوقعة بلا حدود البالغة قيمتها 3 تريليونات دولار يمكن أن تكون أداة حاسمة في عكس الاتجاهات الحالية للفقر وعدم المساواة والنمو في القارة.
وتطمح الاتفاقية إلى تحقيق معدل تعريفة صفري على 90% من البنود التعريفية، من خلال نهج تدريجي يمتد عشر سنوات لأقل البلدان نمواً وخمس سنوات لغيرها. ورغم التقدم المحرز، لم يصادق بعض أعضاء الاتحادات الجمركية على الاتفاقية بعد، مما يمنع عدة اتحادات تجارية إقليمية من التجارة الكاملة بشروط تفضيلية، ما لم تُقدم تنازلات تسمح بتنفيذ الاتفاقية على أساس فردي. ثم إن نجاح الاتفاقية سيتوقف في نهاية المطاف على مدى نجاحها في معالجة التدابير غير التعريفية، التي تعيق التجارة في الإقليم إعاقة شديدة، والتكاليف المرتفعة للتجارة واللوجستيات. وبينما تتضمن الاتفاقية الاعتراف المتبادل بالمعايير والتراخيص، ومواءمة تدابير الصحة والصحة النباتية، وقواعد المنشأ، ونظاماً أفريقياً شاملاً للمدفوعات والتسويات سيساعد لا محالة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص، فإن كثيراً من الحواجز غير التعريفية أصعب إزالة.
التوقعات الإقليمية: الشرق الأدنى وشمال أفريقيا
الخلفية
تزايد الاعتماد على الاستيراد في ظل قيود الموارد
يضم إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا طيفاً من البلدان ذات الخصائص المتنوعة من حيث الدخل والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ويواجه كثير منها تحديات متشابهة فيما يتعلق ببيئة الإنتاج الزراعي وهشاشة قاعدة الموارد الطبيعية. فأقل من 5% من إجمالي الأراضي يُعد صالحاً للزراعة، والموارد المائية مقيدة، مما يفضي إلى شح واسع النطاق في المياه، يبلغ حداً قصوى في عدة بلدان. ففي عام 2020، كانت 19 من أصل 22 دولة عربية دون عتبة شح المياه المتجددة، و13 دولة دون عتبة الشح المطلق للمياه. وتجعل الطبيعة القاحلة للإقليم وقاعدة موارده الطبيعية المحدودة أصلاً منه واحداً من أكثر الأقاليم عرضة لتغير المناخ، وتمثل القدرة على الصمود أمام المناخ محور تركيز واضحاً في السياسات والاستثمارات.
ويعكس الأداء الاقتصادي في الإقليم الأثر الكبير للاضطرابات العالمية المختلفة منذ عام 2020. فالإقليم يمتد عبر اقتصادات أقل نمواً ومتوسطة الدخل ومرتفعة الدخل، ويضم كثيراً من البلدان المصدرة للنفط في الخليج، وهي اقتصادات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأسواق الطاقة التي تشكل مشهدها الاقتصادي. وقد زادت الحرب الروسية على أوكرانيا وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة من التقلب في هذه الاقتصادات، في حين تأثرت اقتصادات كثيرة أخرى بالنزاعات داخل الإقليم. وكان التعافي الأولي من الركود الناجم عن الجائحة في عام 2020 متواضعاً، وبينما وفر ارتفاع أسعار الطاقة زخماً جديداً في عام 2022، لم يدم هذا الزخم طويلاً، إذ أدى اجتماع النزاع المستمر وتراجع إنتاج النفط والسياسة النقدية المتشددة إلى انكماش آخر في عام 2023. وتظل الآفاق على المدى المتوسط شديدة الغموض، فقد تصبح البيئة العالمية أكثر مواتاة مع استمرار تراجع التضخم، لكن استمرار الحرب في غزة أو تصعيدها أو الاضطرابات في البحر الأحمر ينطوي على مخاطر سلبية كبيرة. ويُتوقع ألا يتجاوز متوسط نمو دخل الفرد 1.3% سنوياً خلال السنوات العشر المقبلة، وهو أمر مقلق في إقليم ينتشر فيه انعدام الأمن الغذائي، ولا يستطيع فيه أكثر من 40% من السكان تحمل تكلفة نظم غذائية صحية.
ومن المحددات البارزة الأخرى للطلب على الغذاء معدل التوسع السكاني الذي يُتوقع أن يبلغ متوسطه 1.6% سنوياً حتى عام 2033، وهو معدل لا يتجاوزه إلا معدل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ويكفي ذلك ليتجاوز إجمالي عدد السكان 530 مليون نسمة بحلول عام 2033، يُتوقع أن يقيم ثلثاهم في المناطق الحضرية. وإذا سمحت القدرة على تحمل التكاليف، فإن التحضر يشجع عادة على استهلاك منتجات أعلى قيمة، منها اللحوم ومنتجات الألبان، والمنتجات الجاهزة التي تحتوي غالباً على كميات كبيرة من الزيوت النباتية والسكر. ومن الجدير بالملاحظة من جهة أخرى أن معدل النمو السكاني والتحضر يعني أن العدد المطلق للسكان في المناطق الريفية قد يظل في ازدياد حتى عام 2033.
ونظراً لقيود الموارد التي تحد من الإنتاج الزراعي، يُعد الإقليم من أكبر المستوردين الصافين للأغذية في العالم. ويمتد الاعتماد المرتفع على الاستيراد إلى معظم السلع، مما يعني أن الإقليم معرض للاضطرابات في الأسواق العالمية والنظم اللوجستية. وقد تكررت هذه الاضطرابات بشكل متزايد في السنوات الأخيرة بسبب جائحة كوفيد 19 والحرب الروسية على أوكرانيا وأزمة الطاقة التي أعقبتها والنزاع على طول الطرق البحرية الرئيسية في البحر الأحمر والبحر الأسود. ومع اختيار شركات شحن متعددة تحويل مساراتها بعيداً عن قناة السويس، قد تؤدي الزيادة الناتجة في أوقات العبور وأسعار الشحن إلى إطالة الضغوط التضخمية وأزمة غلاء المعيشة. وقد بلغ متوسط تضخم أسعار الأغذية في الإقليم نحو 12% خلال الفترة من 2021 إلى 2023، أي أكثر من ضعف معدل 5.2% في السنوات الخمس السابقة. وفي بيئة نمو منخفض للدخل، سيؤدي استمرار التضخم المرتفع إلى إجهاد القدرة على تحمل تكلفة الأغذية الأساسية في المناطق منخفضة الدخل، وتكلفة النظم الغذائية الصحية في الإقليم بأسره. ومع بلوغ متوسط الإنفاق على الغذاء نحو 14% من إجمالي إنفاق الأسر و31% في أقل البلدان نمواً، تؤثر صدمات الدخل والأسعار تأثيراً كبيراً في الرفاه.
ونظراً لتعرضه للاضطرابات التجارية، سعت السياسات إلى تحفيز الإنتاج المحلي والحد من الاعتماد على الاستيراد. غير أن هذه السياسات، رغم أنها قللت المخاطر، أفضت أيضاً إلى نتيجة غير مقصودة تمثلت في الحد من النمو، إذ خُصصت الموارد المائية الشحيحة للحبوب على حساب المحاصيل الأعلى قيمة. ونتيجة لذلك، ازدادت قاعدة الموارد المحدودة أصلاً إجهاداً، ومع ارتفاع إنتاج الحبوب تراجع توافر المنتجات الطازجة الأعلى قيمة، التي كان يمكن أن تساعد في تحسين التنوع الغذائي ورفع الدخل المتولد من الموارد المحدودة ذاتها. ومع ذلك، فقد زاد حجم الاضطرابات في التجارة العالمية واللوجستيات في السنوات الأخيرة من التركيز على الحد من المخاطر في مجال السياسات. ويظل تغير المناخ تحدياً كبيراً، كما أدت النزاعات الجيوسياسية في الإقليم إلى تقليص الاستثمار وتهجير السكان، مما يعيق نمو الإنتاج.
وتتعلق بعض أكبر التحديات التي تواجه الإقليم بإتاحة منتجات غذائية ميسورة التكلفة لسكان متزايدين، وقد اشتدت هذه التحديات في ظل ضعف نمو الدخل وتصاعد النزاعات في عدة بلدان. وتشير محدودية الموارد الإنتاجية إلى أن الاعتماد على الاستيراد أمر لا مفر منه ويزداد أهمية في ظل مخاطر تغير المناخ. ورغم التعرض للاضطرابات في نظام تجاري متزايد الهشاشة، تسهم هذه الواردات إسهاماً كبيراً في التنوع الغذائي، ويمكن لتيسير التجارة بكفاءة أن يدفع التقدم نحو هدف القضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية بحلول عام 2030. ويمكن تحسين قدرة البيئة التجارية على الصمود من خلال سياسات وممارسات شراء فعالة وقابلة للتكيف، مع تنويع نشط لمصادر الاستيراد، وهو ما تسارع بالفعل نتيجة للحرب الروسية على أوكرانيا.
الإنتاج
النمو المدفوع بالإنتاجية ضروري في ظل قيود الموارد الهيكلية
تشكل الزراعة والحراجة ومصايد الأسماك أقل من 5% من النشاط الاقتصادي في الإقليم. وبينما يُتوقع أن ترتفع قيمة الإنتاج الزراعي بنسبة 1.5% سنوياً، يُرجح أن تتراجع حصته في الاقتصاد أكثر بحلول عام 2033. ويتجلى تأثير شمال أفريقيا بقوة في هذا الأداء، إذ تستأثر مصر بنحو 28% من إجمالي قيمة الإنتاج الزراعي، ويُعزى 45% آخر إلى بقية شمال أفريقيا. ومن حيث المجموعات السلعية، يشكل إنتاج المحاصيل 32% من إجمالي القيمة، ويعود 48% آخر إلى الثروة الحيوانية و21% إلى مصايد الأسماك. ويُتوقع أن يتجاوز نمو الإنتاج الحيواني نمو المحاصيل ومصايد الأسماك، لترتفع حصته من إجمالي الإنتاج إلى 50% بحلول عام 2033.
وإنتاج الألبان أبرز في الإقليم من اللحوم، ويُتوقع أن ينمو بنسبة 1.7% سنوياً خلال فترة التوقعات، أي أقل من نسبة 2.5% سنوياً المتوقعة لنمو إنتاج اللحوم. ومن أصل مليوني طن من الإنتاج الإضافي للحوم بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس، يُتوقع أن تكون أكثر من 1.2 مليون طن من الدواجن، التي تُنتج عادة بصورة مكثفة في بيئة مضبوطة. وقد يرتفع إنتاج لحوم الأبقار والأغنام، الأكثر اتساعاً في طبيعته، بنسبة 22% و21% على التوالي بحلول عام 2033. ويمثل ذلك في حالة لحوم الأغنام تسارعاً مقارنة بالعقد الماضي، أما في حالة لحوم الأبقار فيعكس انكماشاً تاريخياً. وفي الحليب ولحوم الأبقار ولحوم الأغنام جميعاً، يكون نمو الإنتاج أسرع من نمو أعداد الحيوانات، مما يبرز مساهمة مكاسب الإنتاجية في نمو الإنتاج.
ويظل إنتاج الأسماك قطاعاً فرعياً مهماً، يأتي 70% منه من الصيد في المناطق الساحلية، لكن المخزونات السمكية تتعرض لضغوط، فيتباطأ نمو الإنتاج إلى 0.3% سنوياً خلال فترة التوقعات من 4% سنوياً في الماضي. وتتزايد أهمية تربية الأحياء المائية، ومع نمو متوقع بنسبة 2.6% سنوياً، قد تستأثر بنحو 35% من إجمالي إنتاج الأسماك بحلول عام 2033. ويقوم نموها أساساً على مصر، التي يُتوقع أن تستأثر بنحو 87% من تربية الأحياء المائية في الإقليم و37% من إجمالي إنتاجه من الأسماك بحلول عام 2033.
ويظل إجمالي استخدام الأراضي الزراعية مستقراً إلى حد ما، إذ لا يتوسع إلا بنسبة 0.4% ليبلغ 455 مليون هكتار بحلول عام 2033. ويُتوقع حدوث بعض التحولات في التركيبة، إذ يتناقض انكماش متواضع في الأراضي المستخدمة مراعيَ مع زيادة بنسبة 4% في الأراضي المحصولية، ولا سيما في الشرق الأوسط. غير أن الأراضي المحصولية المتوقعة تشكل أقل من 10% من إجمالي استخدام الأراضي الزراعية بحلول عام 2033، لأن معظم الإقليم غير ملائم لإنتاج المحاصيل على نطاق واسع. ورغم هذا القيد، يُخصص ثلثا إجمالي الأراضي المحصولية للحبوب، ولا سيما الحبوب الخشنة والقمح. ويُتوقع أن ترتفع حصة كلا المنتجين ارتفاعاً هامشياً بحلول عام 2033، إذ سيُخصص لهما أكثر من ثلاثة أرباع الأراضي الإضافية المخصصة لإنتاج المحاصيل.
وفي ظل القيود الشديدة على توافر الأراضي الصالحة للزراعة والموارد المائية، تكتسب مكاسب الإنتاجية أهمية قصوى. وقد كانت هذه المكاسب أساسية في النمو السابق، كما يتضح من التحسن المستمر بنسبة 2.4% سنوياً في القيمة المتولدة لكل هكتار من الأراضي المستخدمة لإنتاج المحاصيل خلال العقد الماضي. ويُتوقع أن يستمر هذا الاتجاه، وإن كان أبطأ، بنمو قدره 1.5% سنوياً حتى عام 2033. وتعكس هذه المكاسب مزيجاً من التكثيف ومكاسب الغلة وتطورات مزيج المحاصيل. ولا يزيد التوسع المتوقع في المساحة المحصودة، البالغ 1.8 مليون هكتار، إلا هامشياً على التوسع البالغ 1.7 مليون هكتار في استخدام الأراضي، مما يشير إلى أن مكاسب الغلة سيكون لها أثر أوضح. ولا تزال غلال القمح والحبوب الخشنة دون المعايير العالمية بكثير، لكن مكاسب قدرها 1% سنوياً و1.8% سنوياً على التوالي كفيلة بتضييق هذه الفجوة بحلول عام 2033. ويدعم ذلك زيادة استخدام الأسمدة الاصطناعية، الذي يُتوقع أن يرتفع بنسبة 9% على مدى السنوات العشر، ويكمله التحسن التقني وتطور الممارسات الزراعية. وقد دفعت قاعدة الموارد الشحيحة في الإقليم إلى اعتماد واسع للتقنيات لتعظيم آفاق الإنتاج وتحسين القدرة على الصمود.
وبحلول عام 2033، يُتوقع أن تكون الانبعاثات المباشرة لغازات الاحتباس الحراري من الزراعة في الإقليم أعلى بنحو 8% من فترة الأساس، ويعود ذلك أساساً إلى قطاع الثروة الحيوانية الذي يفوق إنتاج المحاصيل حجماً. إذ تزيد الانبعاثات من إنتاج المحاصيل بنسبة 0.1% سنوياً، بينما يُتوقع أن ترتفع الانبعاثات من الثروة الحيوانية بنسبة 0.7% سنوياً، تماشياً مع أعداد الحيوانات، لكن بوتيرة أبطأ بكثير من نمو إنتاج المجترات. ويوضح ذلك بجلاء أن مكاسب الإنتاجية ضرورية لاحتواء الانبعاثات، كما تعني هذه المكاسب أن الانخفاض التاريخي في الانبعاثات لكل وحدة من قيمة الإنتاج مرشح للاستمرار. ويتوقع سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف أن تنخفض إجمالي الانبعاثات الزراعية في الإقليم بنسبة 4.2% مقارنة بخط الأساس مع تحسن المتناول من السعرات، مما يعني أن الانبعاثات الزراعية لن تزيد بحلول عام 2030 إلا بنسبة 1.3% عن متوسط مستواها في فترة الأساس.
الاستهلاك
تزايد المخاوف بشأن الأمن الغذائي في ظل تحديات مستمرة في القدرة على تحمل التكاليف
رغم التقدم التاريخي في الحد من انعدام الأمن الغذائي وانتشار نقص التغذية، الذي دعمته برامج الدعم، أدت التحديات الاقتصادية خلال العقد الماضي إلى تدهور الوضع. وتسارع هذا التدهور منذ عام 2020 مع اضطرابات مثل جائحة كوفيد 19 والحرب الروسية على أوكرانيا وأزمة غلاء المعيشة التي فاقمت التحديات القائمة. ووسط استمرار ارتفاع تضخم أسعار الأغذية والنزاع في عدة بلدان، ارتفع انتشار نقص التغذية مجدداً في عام 2022 رغم تسارع نمو الدخل. ورغم الإجراءات السياساتية التي اتخذتها عدة بلدان، ومنها دعم إضافي وتخفيضات في ضريبة القيمة المضافة وضوابط على تصدير سلع مختارة، تراجع توافر السعرات أكثر في عام 2023 مع اشتداد الضغوط على الدخل والقدرة على تحمل التكاليف. ونظراً لاستمرار النزاع في عدة بلدان وضعف توقعات النمو الاقتصادي على المدى القصير، سيكون الدعم الواسع حاسماً لتثبيت الوضع، وصولاً في نهاية المطاف إلى بناء القدرة على الصمود لتحسين المتناول من السعرات والتنوع الغذائي معاً.
ويُتوقع أن يرتفع توافر السعرات للفرد في الإقليم ارتفاعاً هامشياً فقط ليبلغ 2900 سعرة للفرد يومياً بحلول عام 2033، أي أقل من المتوسط العالمي بنسبة 2% فقط. ويعني احتساب تقديرات المهدر المنزلي أن إجمالي المتناول قد يكون نحو 2140 سعرة للفرد يومياً. وقد تراجع توافر السعرات خلال العقد الماضي، والمكاسب المحدودة المتوقعة بحلول عام 2033 تشير إلى أنه لن يتجاوز المستويات المرصودة بالفعل في عام 2010. وتسهم عوامل كثيرة في هذا الاتجاه، فانتشار النزاعات في كثير من بلدان الإقليم أعاق بشدة جهود تحسين الأمن الغذائي. وقيدت الزيادات الحادة في تضخم أسعار الأغذية في السنوات الأخيرة، في بيئة نمو منخفض، القدرة على تحمل التكاليف، وبينما يُتوقع أن تنخفض أسعار السلع الزراعية خلال فترة التوقعات، يظل نمو الدخل بطيئاً، مما يحد من التحسن الواسع في القدرة على تحمل التكاليف للمستهلكين منخفضي الدخل. وفي أقل البلدان نمواً بالإقليم، يظل المتناول من السعرات أقل من المتوسط العالمي بنسبة 12%، وتزيد الحصة المرتفعة من إجمالي الدخل المنفقة على الغذاء في هذه البلدان من أثر تحديات القدرة على تحمل التكاليف. غير أن ثمة تنوعاً كبيراً داخل الإقليم، وبينما يمثل انعدام الأمن الغذائي تحدياً كبيراً، يتنامى أيضاً الوعي بالأكل الصحي بين الفئات الأكثر رخاءً، مما يسهم بدوره في محدودية مكاسب السعرات في المتوسط.
ووسط الاضطرابات العديدة، ارتفع انتشار نقص التغذية في الإقليم إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من عشرين عاماً. ولا يتعلق الأمر بتوافر السعرات فحسب، بل أيضاً بتركيبة النظام الغذائي التي يُتوقع أن تظل التحسينات فيها محدودة. فبحلول عام 2033، يُتوقع أن يظل 50% من السعرات مستمداً من الحبوب، وهو أعلى بكثير من المتوسط العالمي البالغ 42%. وبالمثل، ستكون حصة الإقليم من المتناول المستمد من السكر 10% مقارنة بمتوسط عالمي قدره 7%. ورغم وجود تنوع كبير بين البلدان، كثيراً ما يرتبط هذا التركيب الغذائي الكثيف بالسعرات والفقير بالمغذيات بتزايد معدلات زيادة الوزن والسمنة والأمراض المزمنة مثل السكري. وفي الوقت ذاته، يشير تنامي انتشار نقص التغذية وارتفاع مستويات التقزم والهزال لدى الأطفال الصغار في البلدان منخفضة الدخل والمتأثرة بالنزاعات إلى أن "العبء الثلاثي" لسوء التغذية، المتمثل في نقص التغذية وزيادة الوزن ونقص المغذيات الدقيقة، سيكون تحدياً سياساتياً رئيسياً على المدى المتوسط. وتمثل جودة الغذاء محور الحل، لكن القدرة على تحمل التكاليف تظل قيداً رئيسياً أمام اعتماد نظم غذائية أكثر صحة وأعلى جودة.
ومن العوامل الرئيسية للتخفيف من تحديات التوافر والقدرة على تحمل التكاليف خفض الفاقد والمهدر من الأغذية. فحصة الأغذية المهدرة أو المفقودة في الإقليم هي الأعلى بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل، إذ تتجاوز المتوسط العالمي بنسبة 58%. وتشكل الحبوب نحو 60% من إجمالي السعرات المفقودة أو المهدرة في الإقليم، مع مساهمة إضافية بنسبة 12% من الفواكه والخضروات. وفي سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف بحلول عام 2030، سيرتفع المتناول من السعرات في الإقليم بنسبة 9.5% مقارنة بخط الأساس، وسينخفض عدد من يعانون من نقص التغذية بنسبة 19%، مع خفض الانبعاثات في الوقت ذاته. ويعني ذلك أن المتناول من السعرات سيرتفع بحلول عام 2030 بنسبة 10.5% عن متوسط مستواه في فترة الأساس، وأن عدد من يعانون من نقص التغذية في الإقليم سيقل بنحو 4 ملايين شخص.
ويُتوقع أن يبلغ متوسط توافر البروتين في الإقليم 84 غراماً يومياً في عام 2033، بزيادة 0.1 غرام فقط عن فترة الأساس. وبينما لا يزال الجزء الأكبر من استهلاك البروتين مستمداً من مصادر نباتية، يقود البروتين الحيواني النمو بحلول عام 2033، إذ يُتوقع أن يرتفع بنسبة 2.9%، في حين يعكس استهلاك البروتين النباتي تراجعاً متواضعاً. ورغم هذا التحول، سيظل أكثر من ثلثي إجمالي المتناول من البروتين مستمداً من مصادر نباتية بحلول عام 2033. ويُتوقع أن يرتفع استهلاك الفرد من الدواجن ولحوم الأبقار والأسماك ومعظم منتجات الألبان، لكن عادة بنسبة 1% سنوياً أو أقل ومن قاعدة منخفضة.
وبفضل النمو المتوقع في الإنتاج الحيواني، ولا سيما الدواجن، يُتوقع أن يرتفع استخدام الأعلاف بنسبة 20% بحلول عام 2033. وهذا النمو أبطأ من التوسع البالغ 23% في إنتاج اللحوم، مما يعكس أثر مكاسب الكفاءة وتحسن التحويل العلفي. وتشكل الذرة والحبوب الخشنة الأخرى أكثر من نصف إجمالي المواد العلفية، ويُعزى 16% آخر إلى الأعلاف البروتينية. وفي بيئة ذات إمكانات إنتاجية محدودة جداً، يُعطى إنتاج المحاصيل الغذائية الأولوية عادة، ولذلك ستظل صناعة الأعلاف شديدة الاعتماد على المواد الخام المستوردة. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن ترتفع واردات الذرة والأعلاف البروتينية بنسبة 31% و12% لتبلغ نحو 30 مليون طن و7 ملايين طن على التوالي.
التجارة
فاتورة الاستيراد تواصل الارتفاع
يُتوقع أن يتعمق اعتماد الإقليم على الأسواق العالمية خلال العقد المقبل، بسبب اجتماع النمو السكاني القوي مع القيود الشديدة على القدرة الإنتاجية. فبحلول عام 2033، يُتوقع أن تأتي الواردات الصافية للإقليم من المنتجات الغذائية في المرتبة الثانية بعد إقليم آسيا المتقدمة والشرقية، لكنها ستكون الأكبر بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل على أساس نصيب الفرد. وداخل الإقليم، تكون الواردات الغذائية للفرد الأعلى في المملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط الأخرى التي تشمل دول الخليج.
وقد تأثرت الواردات بمختلف الاضطرابات خلال السنوات القليلة الماضية، ومنها التحديات الاقتصادية واللوجستية لجائحة كوفيد 19، والحرب الروسية على أوكرانيا وما رافقها من اضطرابات في الشحن بالبحر الأسود، وأخيراً الحرب في غزة وما تلاها من تحديات في البحر الأحمر تؤثر في العبور من قناة السويس، وهي الأخيرة ذات صلة خاصة بالنظر إلى القرب الجغرافي لكبار المستوردين في الإقليم. وقد أحدثت هذه الاضطرابات تقلبات كبيرة في تكلفة الواردات إلى الإقليم وأحجامها، وأثرت في استراتيجيات التوريد، مع انخفاض الكميات من أوكرانيا وزيادتها من روسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. ويعني ذلك أن تأخيرات الشحن وزيادات التكاليف المرتبطة بالاضطرابات في الطرق البحرية الرئيسية مثل قناتي السويس وبنما قد تطرح تحديات إضافية على الإقليم على المدى القصير. وقد اتُخذت بالفعل بعض الإجراءات التخفيفية لإتاحة بدائل في منطقة البحر الأحمر والبحر المتوسط ضماناً لتوافر الإمدادات. وقد بلغت فاتورة الاستيراد الإجمالية للإقليم أدنى مستوياتها في عام 2020 في ذروة جائحة كوفيد 19، لكنها بحلول عام 2023 كانت قد ارتفعت بنحو 10% لتتجاوز بكثير مستويات ما قبل الجائحة. ويُتوقع أن ترتفع أكثر على المدى المتوسط رغم تراجع أسعار السلع الزراعية، وقد تكون بحلول عام 2033 أعلى بنسبة 28% من فترة الأساس.
ويبرز تعرض الإقليم للاضطرابات في الحصة المرتفعة للواردات من الاستهلاك المحلي، وفي حصته المرتفعة من الأسواق العالمية لعدد من السلع، ويُتوقع أن تزداد هذه الخصائص وضوحاً خلال فترة التوقعات. إذ يُتوقع أن ترتفع الواردات في جميع السلع تقريباً، لكن الفواكه والخضروات ومنتجات الألبان والقمح والأرز والدواجن والسكر ستستأثر بالحصة الأكبر من نمو الواردات. كما ترتفع حصة الإقليم من التجارة العالمية لمعظم المنتجات، لتكون بحلول عام 2033 كبيرة في لحوم الأغنام بنسبة 29%، والقمح بنسبة 26%، والدواجن بنسبة 22%، والسكر بنسبة 22%، ومنتجات الألبان بنسبة 21%، والذرة بنسبة 14%. ويعني ذلك أن أي تطورات كبيرة في الأسواق العالمية أو المحلية قد تترتب عليها آثار واسعة على الأمن الغذائي في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا.
التوقعات الإقليمية: أوروبا وآسيا الوسطى
الخلفية
تزايد التركيز على الاستدامة في بيئة مرتفعة المخاطر
يضم إقليم أوروبا وآسيا الوسطى طيفاً متنوعاً من البلدان الممتدة عبر قارتين، والتي تمر بمراحل تنمية مختلفة، مع فروق كبيرة بينها في الموارد الزراعية والخصائص الديموغرافية والسياسات العامة. وتتنوع التحديات التي يواجهها الإقليم، فقد تسببت الحرب الروسية على أوكرانيا في دمار واسع ولا تزال تثير حالة من عدم اليقين. وبينما تتكيف سلاسل الإمداد، فإن طول أمد الحرب يزيد من عدم اليقين في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي انتقاله نحو نمو أخضر وأكثر استدامة، قد يكون أبطأ مما كان عليه في الماضي.
ويضم الإقليم 12% من سكان العالم، لكن مع نمو يقل عن 1% بحلول عام 2033، يُتوقع أن تتراجع هذه الحصة. ومعدل التحضر مرتفع عادة، إذ يُتوقع أن يقيم 76% من السكان في المناطق الحضرية بحلول عام 2033. وتتباين الديناميات السكانية تبايناً واسعاً في الإقليم من حيث النمو والتحضر، وهو ما يكمن وراء الفروق في الطلب على الغذاء. ففي أوروبا الغربية والشرقية، اللتين تضمان معاً 90% من سكان الإقليم، يُتوقع أن يتراجع عدد السكان بنسبة 0.4% و0.7% على التوالي بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس. وفي المقابل، يُتوقع أن يتوسع عدد سكان آسيا الوسطى بنسبة 12%، بإضافة 12 مليون نسمة، مقارنة بانخفاض قدره 4.3 مليون نسمة مجتمعين في أوروبا الغربية والشرقية. ومع ذلك لن تستأثر آسيا الوسطى إلا بنحو 11% من سكان الإقليم بحلول عام 2033، وهي أيضاً أقل تحضراً، إذ يُتوقع أن يقيم 52% من سكانها في المناطق الحضرية بحلول عام 2033 مقارنة بنسبة 48% في فترة الأساس.
ويبلغ متوسط الدخل في الإقليم 27800 دولار للفرد سنوياً بالقيمة الثابتة لعام 2010، أي أكثر من ضعف المتوسط العالمي. ويتراوح ذلك بين نحو 40200 دولار في الاقتصادات المتقدمة جداً في أوروبا الغربية، و13400 دولار للفرد في الأقاليم الشرقية المعتمدة على الموارد، و5200 دولار فقط للفرد سنوياً في آسيا الوسطى. وبعد أن تعافى الإقليم بقوة من الركود الناجم عن جائحة كوفيد 19 في عام 2021، تمكن في المتوسط من الحفاظ على نمو إيجابي خلال فترة الأساس، رغم مواجهة تحديات مثل الحرب الروسية على أوكرانيا وما رافقها من صدمات في أسعار الطاقة في عام 2022 والحاجة إلى كبح تضخم أسعار الأغذية المرتفع العنيد. ومع تقليص الدعم المالي وتشدد السياسة النقدية، تباطأ النمو، لكن يُتوقع أن يظل إيجابياً. فالتضخم يتراجع ببطء، والسياسة النقدية تقترب من نهاية دورة التشديد، ولذلك يُتوقع أن يبلغ نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 1.2% في عام 2024، وبمتوسط سنوي قدره 1.6% على المدى المتوسط. وتظل المخاطر مائلة نحو الجانب السلبي، ولا سيما في الاقتصادات المعتمدة على الموارد أو على قطاعات تصنيع كبيرة، إذ تواجه ضعف الطلب الخارجي مع تعرض أكبر لارتفاع أسعار الطاقة.
وتماشياً مع اختلاف مراحل التنمية، تتراوح حصة الزراعة الأولية والحراجة وإنتاج الأسماك في الناتج المحلي الإجمالي بين أقل من 2% في الاتحاد الأوروبي و7% في آسيا الوسطى. وبالمثل، يُقدر أن حصة الغذاء من إنفاق الأسر بلغت في المتوسط نحو 10% في الإقليم خلال فترة الأساس، تتراوح بين نحو 6% في المملكة المتحدة ونحو 16% في تركيا، وأعلى من ذلك في كثير من بلدان آسيا الوسطى. وقد بلغ متوسط تضخم أسعار الأغذية في الإقليم 10% خلال الفترة من 2021 إلى 2023، وهو أعلى بكثير من معدل 2.4% في السنوات الخمس السابقة. ويكون أثر هذه القفزة، وكذلك أثر استمرار تراجعها خلال فترة التوقعات، على الأمن الغذائي أكبر في البلدان والأسر التي تنفق حصة أكبر من إجمالي دخلها على الغذاء. ويتضح ذلك في الارتفاع الحاد لانتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل والشديد في آسيا الوسطى في عام 2021 رغم تعافي الدخل. ورغم التحسنات في عام 2022، لا يزال انعدام الأمن الغذائي أعلى بكثير من مستويات ما قبل الجائحة، لكن التحسن قد يتسارع مع استمرار تراجع تضخم أسعار الأغذية. ومع ذلك تبقى بعض المخاطر قائمة، إذ قد تحد الحرب الروسية على أوكرانيا مثلاً من التقدم السريع في الإقليم.
ويستأثر إقليم أوروبا وآسيا الوسطى بنحو 15% من القيمة العالمية للإنتاج الزراعي والسمكي، مع مساهمات رئيسية من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وروسيا وأوكرانيا وتركيا وكازاخستان. وقد تتراجع حصة الإقليم من الإنتاج العالمي إلى 14% بحلول عام 2033، بما يعكس أثر الحرب الروسية على أوكرانيا التي ألحقت أضراراً جسيمة بالقدرة الإنتاجية، وتزايد التركيز على الاستدامة في الاتحاد الأوروبي.
وقد واجه القطاع الزراعي في الإقليم تحديات عديدة في السنوات الأخيرة، سيكون لكثير منها آثار دائمة. فكثير من اضطرابات سلاسل الإمداد والاختناقات اللوجستية الناجمة عن جائحة كوفيد 19 قد خفت، لكنها أوجدت أيضاً تركيزاً متجدداً على سلاسل إمداد أقصر وأكثر محلية، ووعياً متزايداً بعادات الأكل الصحي يُرجح أن يستمر. وبالمثل، فإن كثيراً من الصدمات الأولية المرتبطة بالحرب الروسية على أوكرانيا، مثل القفزة في أسعار الطاقة والأسمدة والسلع الزراعية، آخذة في التلاشي، لكن التحولات في أنماط التجارة قد تستمر. وبينما تبقى أوجه عدم يقين كثيرة بشأن الحلول الممكنة للنزاع، فإن الأضرار الكبيرة في البنية التحتية تشير إلى أن استعادة القدرة الإنتاجية ستكون بطيئة. ونتيجة لذلك، يُتوقع أن يتباطأ تباطؤاً كبيراً النمو اللافت في صادرات أوروبا الشرقية المرصود خلال العقد الماضي.
ويستأثر الاتحاد الأوروبي بنحو 47% من قيمة الإنتاج الزراعي والسمكي في الإقليم. وتنعكس الأولوية التي يمنحها للاستدامة وتحسين القدرة على الصمود في استراتيجيتي "من المزرعة إلى المائدة" والتنوع البيولوجي. وتتصور استراتيجية "من المزرعة إلى المائدة" نظاماً غذائياً عادلاً وصحياً وصديقاً للبيئة ومستداماً، وقد تؤثر في اتجاهات الطلب وتدفقات التجارة والقدرة التنافسية ونمو الإنتاج في الإقليم. كما عززت إصلاحات السياسة الزراعية المشتركة ركيزتها البيئية، بما في ذلك تعزيز شروط الدعم المرتبطة بالممارسات الزراعية والبيئية الجيدة، وحوافز اعتماد ممارسات زراعية صديقة للمناخ والبيئة.
وفي الوقت ذاته، قد يضيف تركيز الاتحاد الأوروبي المتزايد على الاستدامة، وما يرتبط به من إطار تنظيمي بيئي ومناخي أكثر صرامة، إلى تكاليف الإنتاج، بما قد يقوض القدرة التنافسية لمنتجيه. وستكون الابتكارات الكفيلة بتحقيق مكاسب إنتاجية مستدامة كافية لتعويض التكاليف الإضافية حاسمة لتعزيز قدرة القطاع الزراعي على الصمود أمام الصدمات الخارجية التي يُرجح أن تزداد تواتراً وشدة.
الإنتاج
تباطؤ النمو في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا والتشريعات البيئية الأكثر صرامة
بحلول عام 2033، يُتوقع أن يتوسع صافي قيمة الإنتاج الزراعي والسمكي في أوروبا وآسيا الوسطى بنسبة 7% فقط مقارنة بفترة الأساس، وهو أقل من نصف النمو المحقق خلال العقد الماضي، ويعكس تباطؤاً كبيراً في أوروبا. ففي ظل الحرب الروسية على أوكرانيا، يتباطأ النمو في أوروبا الشرقية من 30% خلال العقد الماضي إلى 13% فقط خلال فترة التوقعات. وبينما يُفترض أن تبلغ أوكرانيا قدرتها الإنتاجية التاريخية بحلول عام 2033، فإن التعافي بطيء، ويُتوقع أن تقود تركيا وروسيا نمو الإنتاج في أوروبا الشرقية بنسبة 25% و7% على التوالي. وفي أوروبا الغربية، لا يُتوقع نمو الإنتاج إلا بنسبة 1.6% بحلول عام 2033 بسبب تباطؤ النمو في الاتحاد الأوروبي، بينما يغذي التوسع السريع في كازاخستان نمواً بنسبة 24% في آسيا الوسطى.
ومكاسب الإنتاجية محورية للنمو، إذ يُتوقع أن تتراجع الأراضي المستخدمة للأغراض الزراعية بمقدار 3.4 مليون هكتار تماشياً مع الاتجاهات التاريخية، ويُعزى هذا الانخفاض بالكامل تقريباً إلى المراعي. ويتركز الانخفاض في أوروبا، لكنه ليس موحداً عبر القطاعات، ففي أوروبا الغربية يُتوقع أن تتراجع الأراضي المحصولية والمراعي معاً، بينما يُعوض جزئياً الانخفاضُ المتوقع في المراعي في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى بمكاسب أصغر في الأراضي المستخدمة لإنتاج المحاصيل.
وتستأثر المحاصيل بنحو 40% من إجمالي القيمة المتولدة من الزراعة ومصايد الأسماك في الإقليم، ويكفي توسعها بنسبة 0.7% سنوياً للحفاظ على هذه الحصة بحلول عام 2033. ويجمع هذا النمو بين أثر تحسينات الغلة على مستوى الإقليم، المدعومة بالابتكار التقني، والتكثيف في آسيا الوسطى. ويُتوقع تحقيق مكاسب في الغلة في جميع المحاصيل الرئيسية، تتراوح بين 0.5% سنوياً للبذور الزيتية و0.8% سنوياً للبقول. ويستند جزء من هذه المكاسب إلى زيادة استخدام الأسمدة، التي تواصل أسعارها العودة إلى طبيعتها بعد قفزة عام 2022. فبحلول عام 2033، يُتوقع أن يرتفع استخدام الأسمدة لكل هكتار بنسبة 8%، على غرار المكسب المرصود في العقد الماضي، لكنه يتركز في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، بينما يُتوقع توسع بنسبة 5% في أوروبا الغربية.
ولا يُتوقع تغير كبير في مزيج المحاصيل، إذ يُعزى الجزء الأكبر من نمو الإنتاج إلى الحبوب والبذور الزيتية، ولا سيما في أوروبا الشرقية. ويُتوقع أن تحافظ روسيا على وجه الخصوص على نمو قوي في الذرة بنسبة 26%، والقمح بنسبة 15%، وفول الصويا بنسبة 28%، والبذور الزيتية الأخرى بنسبة 17% خلال العقد المقبل. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن تستأثر روسيا بنحو 43% من إنتاج الإقليم من فول الصويا، و29% من البذور الزيتية الأخرى، و30% من القمح. وينبع هذا النمو من مزيج من توسع المساحات ومكاسب الغلة، إذ تستأثر هذه المحاصيل الأربعة مجتمعة بنحو 2.2 مليون هكتار إضافية بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس. وفي الوقت ذاته، يُتوقع أن تتجاوز مكاسب الغلة 1% سنوياً في القمح والذرة، وأن تظل دون 1% بقليل في البذور الزيتية. كما يُتوقع نمو كبير في إنتاج القمح في تركيا وكازاخستان بنسبة 23% و26% على التوالي بحلول عام 2033. أما في أوكرانيا، التي كانت مساهماً رئيسياً في الزيادات التاريخية، فإن الحاجة إلى التعافي من الحرب المستمرة تحد من آفاق النمو المستقبلي.
ويُعزى نصف إجمالي قيمة الإنتاج الزراعي والسمكي في الإقليم إلى الثروة الحيوانية، وهي أعلى حصة بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل. ويُتوقع أن يتأخر نمو الإنتاج عن نمو المحاصيل بنسبة 0.5% سنوياً فقط. ويتولد نحو 60% من قيمة الإنتاج الحيواني في الإقليم في أوروبا الغربية، لكن يُتوقع أن تنخفض هذه النسبة إلى 56% بحلول عام 2033 بسبب انتقالها المستمر نحو الاستدامة البيئية. وسيمكن النمو الأقوى في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى هذين الإقليمين الفرعيين من رفع مساهمتهما في إجمالي الإنتاج الحيواني في الإقليم إلى 33% و11% على التوالي. ويعود نحو ثلث الإنتاج الحيواني إلى اللحوم، ولحم الخنزير هو الأكبر بين قطاعات اللحوم المختلفة، غير أن الدواجن تستأثر بمعظم نمو الإنتاج الإضافي، ويُتوقع أن تشكل 38% من إجمالي اللحوم المنتجة بحلول عام 2033. وفي المقابل، يُتوقع أن يتراجع إنتاج لحم الخنزير بحلول عام 2033، في حين يظل نمو إنتاج لحوم الأبقار بطيئاً عند 2.6% فقط للسنوات العشر. ويأتي أكثر من نصف إنتاج الدواجن الإضافي من أوروبا الشرقية، حيث تعزز فوائض حبوب العلف والتشريعات البيئية الأقل تقييداً القدرة التنافسية.
وتمتد هيمنة أوروبا الغربية أيضاً إلى الألبان، إذ تستأثر بنحو 47% من إجمالي الإنتاج مقارنة بنحو 39% في أوروبا الشرقية و14% في آسيا الوسطى. ويستأثر الاتحاد الأوروبي بنحو 90% من إنتاج الحليب في أوروبا الغربية، لكن يُتوقع أن يتقلص قطيع الأبقار فيه بنسبة 11% بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس. وتشير مكاسب الغلة المتوقعة إلى أن تراجع الإنتاج سيكون طفيفاً. وفي المقابل، يُتوقع أن يتوسع إنتاج الحليب بنسبة 10% في أوروبا الشرقية و22% في آسيا الوسطى، محققاً مكسباً صافياً بنسبة 3.5% في الإقليم. ويستفيد النمو السريع في آسيا الوسطى من توسع متوقع في أعداد الأبقار بنسبة 8% ومكسب في غلة الحليب بنسبة 13%، بينما يقوم النمو في أوروبا الشرقية بالكامل تقريباً على الغلة.
ويشكل إنتاج الأسماك 12% من إجمالي الإنتاج الزراعي، ويكفي نموه بنسبة 10% بحلول عام 2033 للحفاظ على هذه الحصة. وتتزايد أهمية تربية الأحياء المائية، إذ يُتوقع أن تستأثر بنحو 24% من إجمالي إنتاج الأسماك بحلول عام 2033، بما يعكس نموها بنسبة 1.9% سنوياً مقارنة بنسبة 0.6% سنوياً فقط في المصايد الطبيعية.
وبحلول عام 2033، يُتوقع أن تنخفض الانبعاثات الزراعية المباشرة لغازات الاحتباس الحراري على المستوى الإقليمي، وإن بنسبة 0.6% فقط. ويشمل ذلك انخفاضاً بنسبة 4% في أوروبا الغربية والاتحاد الأوروبي، مقروناً بزيادة بنسبة 1% في أوروبا الشرقية و9% في آسيا الوسطى حيث لا تزال قطعان الماشية تنمو. ومكاسب الإنتاجية من الحجم بحيث يُتوقع أن تنخفض الانبعاثات منسوبة إلى قيمة الإنتاج الزراعي بنسبة 8% عن مستواها في فترة الأساس. ويتوقع سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف أن تنخفض إجمالي الانبعاثات الزراعية في الإقليم بنسبة 3% مقارنة بخط الأساس مع تحسن المتناول من السعرات، مما يعني أن الانبعاثات الزراعية ستنخفض بحلول عام 2030 بنسبة 3.5% عن متوسط مستواها في فترة الأساس.
الاستهلاك
اتجاهات متباينة في الأغذية الحيوانية بين تراجع في أوروبا الغربية وارتفاع في آسيا الوسطى
رغم ارتفاع الدخل النسبي ونضج قاعدة المستهلكين في أجزاء كبيرة من الإقليم، كان أثر الاضطرابات مثل جائحة كوفيد 19 والحرب الروسية على أوكرانيا وأزمة غلاء المعيشة وارتفاع تضخم أسعار الأغذية كبيراً. فعلى المستوى الإقليمي، بلغ انتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل إلى الشديد ذروته في عام 2021، ثم تحسن قليلاً في عام 2022 مع تراجع الاضطرابات المرتبطة بالجائحة. وأدى استمرار ارتفاع تضخم أسعار الأغذية إلى أن يكون التعافي غير كافٍ لإعادة انعدام الأمن الغذائي إلى مستويات ما قبل الجائحة. وكانت مخاوف القدرة على تحمل التكاليف أشد في المناطق التي تفتقر إلى تدابير شاملة لدعم الدخل، والتي تنفق حصة أكبر من إجمالي الدخل على الغذاء. وفضلاً عن ذلك، جلبت الحرب المستمرة في أوروبا الشرقية مجموعة جديدة كلياً من مخاوف الأمن الغذائي واضطرابات سلاسل الإمداد، مع تهجير ملايين الأشخاص وتضرر البنية التحتية وقنوات التوزيع وتقلب كبير في الأسعار، مما أدى إلى مزيد من التدهور في الأمن الغذائي في عام 2022. ومع تراجع تضخم أسعار الأغذية، ارتفع متوسط توافر السعرات في الإقليم في عام 2023، ويُتوقع أن يتسارع هذا التعافي مع استمرار تحسن القدرة على تحمل التكاليف خلال فترة التوقعات.
ويتجاوز توافر السعرات اليومي للفرد في الإقليم المتوسط العالمي بكثير، وبحلول عام 2033، يعني مكسب بنسبة 3% أو 98 سعرة للفرد أنه سيتجاوز 3400 سعرة للفرد. ويكمن تنوع مستويات الدخل وتفضيلات المستهلكين وراء الفروق داخل الإقليم. ففي أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، يدعم تحسن القدرة على تحمل التكاليف خلال فترة التوقعات زيادة بنسبة 7% في السعرات المتاحة للاستهلاك. وفي سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف بحلول عام 2030، يمكن زيادة المتناول من السعرات في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى بنسبة 1.9% و3.7% على التوالي مقارنة بخط الأساس، مع خفض الانبعاثات في الوقت ذاته، مما يعني أن المتناول قد يرتفع بحلول عام 2030 بنسبة 7.2% و9.4% على التوالي عن متوسط مستواه في فترة الأساس. وفي أوروبا الغربية، يُتوقع أن يظل إجمالي توافر السعرات دون تغيير تقريباً بحلول عام 2033 في خط الأساس، لكن تفضيلات قاعدة مستهلكيها الأعلى دخلاً والأكثر نضجاً تعكس وعياً متزايداً بالأكل الصحي والآثار البيئية في السلسلة الغذائية. وبينما زادت أزمة غلاء المعيشة الوعي بالتكاليف المرتبطة بهذه التفضيلات، يُتوقع أن تظل تمارس تأثيراً كبيراً في تركيبة المتناول الغذائي، ولذلك يُتوقع أن يتراجع استهلاك الفرد من الزيوت النباتية والمنتجات الحيوانية.
وكان توافر البروتين للفرد أعلى من المتوسط العالمي بنسبة 21% في فترة الأساس، ولا يُتوقع أن يزيد بحلول عام 2033 إلا بنسبة 4% ليبلغ 111 غراماً يومياً. وبينما يُتوقع تحقيق مكاسب في أنحاء الإقليم، لا تتجاوز الزيادة في أوروبا الغربية، البالغة 1.8%، ربع المتوقع في المناطق الأخرى. ففي أوروبا الغربية، تُعزى المكاسب حصراً إلى المصادر النباتية التي يُنظر إليها غالباً بوصفها بدائل صحية ومستدامة. أما في أوروبا الشرقية، ولا سيما في آسيا الوسطى، فتشكل المنتجات الحيوانية حصة أكبر من استهلاك البروتين الإضافي، إذ يُتوقع أن يرتفع البروتين المستمد من المنتجات الحيوانية بحلول عام 2033 بنسبة 7.5% و13% على التوالي مقارنة بفترة الأساس. وبينما تدعم توقعات النمو هذه بعض التقارب داخل الإقليم، يُتوقع أن يظل استهلاك الفرد من اللحوم الأعلى في أوروبا الغربية، عند 52 كيلوغراماً للفرد بحلول عام 2033، مقارنة بنحو 46 كيلوغراماً في أوروبا الشرقية و32 كيلوغراماً في آسيا الوسطى.
واستهلاك البروتين في الاتحاد الأوروبي مرتفع بالفعل، مع مساهمة أكبر هامشياً من اللحوم مقارنة بالألبان. وبينما يُتوقع أن تدفع الاعتبارات البيئية إلى خفض استهلاك الفرد من اللحوم بنسبة 1.7% بحلول عام 2033، قد يرتفع المتناول من منتجات الألبان بنسبة 1.3%. وبحلول عام 2033، سيظل استهلاك الفرد من الجبن والزبدة أعلى من المتوسط العالمي بأكثر من ستة أضعاف وبالضعف على التوالي. ومن بين منتجات اللحوم، يُتوقع أن تعوض الزيادة في استهلاك لحوم الدواجن جزئياً تراجعَ استهلاك لحوم الخنازير والأبقار والأغنام، لترتفع حصة الدواجن في سلة اللحوم الإجمالية إلى أكثر من 30% بحلول عام 2033. ورغم الانخفاض بنسبة 5% بحلول عام 2033، سيظل لحم الخنزير مستأثراً بنصف إجمالي استهلاك اللحوم واستهلاك الفرد منها، وسيظل أكثر من ضعف المتوسط العالمي.
ويُتوقع أن ينمو استهلاك الأسماك في الإقليم بنسبة 0.3% سنوياً خلال السنوات العشر المقبلة، لكن التراجع بنسبة 9% في أوروبا الشرقية بحلول عام 2033 يخفي نمواً يقارب 20% في آسيا الوسطى و6% في الاتحاد الأوروبي. ففي أوروبا الغربية، مستويات الاستهلاك مرتفعة بالفعل، ويُتوقع أن تزيد بحلول عام 2033 على ضعف المتوسط العالمي. وفي المقابل، لا يكفي النمو في آسيا الوسطى، من قاعدة صغيرة، إلا لبلوغ الاستهلاك 60% من المتوسط العالمي بحلول عام 2033.
ويستأثر الإقليم بنحو 23% من الاستخدام العالمي لأعلاف الحيوانات، بما يعكس الأهمية النسبية للمنتجات الحيوانية في إجمالي الإنتاج وكثافة نظم الإنتاج. وتعكس آفاق النمو آفاق الثروة الحيوانية، مع تباطؤ واضح في العقد المقبل يقلص حصة الإقليم في السوق العالمية إلى 21%. ولا يُتوقع أن يتوسع إجمالي استخدام الأعلاف إلا بنسبة 3.2% بحلول عام 2033، إذ يقابل الانخفاضَ بنسبة 3% في أوروبا الغربية مكاسبُ بنسبة 12% و26% على التوالي في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى. ففي أوروبا الغربية، يكون تراجع استخدام الأعلاف أكبر من تراجع الإنتاج الحيواني، مما يعكس بعض التحول نحو ممارسات إنتاج أكثر اتساعاً في ظل تشريعات بيئية أكثر صرامة. وفي المقابل، يُتوقع أن تكثف أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى ممارسات الإنتاج، مع توسع استخدام الأعلاف بوتيرة أسرع من الإنتاج الحيواني.
ويتجسد التزام الاتحاد الأوروبي بزيادة إنتاج الطاقة المتجددة في هدفه الطموح الجديد البالغ 45% من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، وقد عجلت أزمة الطاقة بالتحول نحو المصادر المتجددة في الإقليم. ورغم الانخفاضات المتوقعة في استخدام البنزين والديزل، بسبب إزالة الكربون من النقل البري وما يترتب عليها من تنامي حضور المركبات الكهربائية، يُتوقع أن يتوسع استخدام الإيثانول بنسبة 5%. ويُتوقع أن يتراجع استخدام الديزل الحيوي بنحو 6% خلال العقد المقبل. ونظراً للمخاوف المتعلقة باستدامة زيت النخيل، المصنف عالي المخاطر بموجب توجيه الطاقة المتجددة الجديد، تعمل بلدان كثيرة على إلغائه تدريجياً بوصفه مادة أولية، ويُتوقع أن يتراجع استخدامه في إنتاج الديزل الحيوي بنحو 70% بحلول عام 2033.
التجارة
تعافي الصادرات الأوكرانية مرهون بتسوية الحرب
كانت التجارة في أوروبا وآسيا الوسطى من بين الأكثر حيوية في الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل. فبعد أن كان الإقليم تاريخياً مستورداً صافياً رئيسياً، تقلص عجزه التجاري إلى أقل من نصف مستواه قبل عشر سنوات. كما ارتفعت مكانة الإقليم في الأسواق العالمية، إذ استأثر بنحو 40% من الصادرات الإضافية خلال العقد الماضي رغم إسهامه بنحو 14% فقط من الإنتاج العالمي الإضافي. وقد قام هذا التحول إلى حد كبير على أوروبا الشرقية، ولا سيما روسيا وأوكرانيا، حيث تجاوزت مكاسب الإنتاجية الواسعة النمو السكاني المحدود بكثير. واستندت هذه المكانة المتنامية في الأسواق العالمية إلى حد كبير إلى صادرات الحبوب والبذور الزيتية الرئيسية، كما يتجلى في حصة أوروبا الشرقية البالغة 33% من صادرات القمح العالمية في فترة الأساس. ومع إثقال الحرب الروسية على أوكرانيا لقدرة أوكرانيا على توسيع إنتاجها، يُتوقع أن تتباطأ صادرات الإقليم. ويعادل التوسع المتوقع بنسبة 22% في صادرات أوروبا الشرقية بحلول عام 2033 أقل من نصف النمو المرصود في العقد الماضي. ويُتوقع أن يتركز النمو في روسيا وتركيا، حيث يُرتقب أن تتوسع الصادرات بنسبة 2.5% و1.8% سنوياً على التوالي. وفي أوروبا الغربية، يُتوقع أن ترتفع الصادرات بنسبة 1.5% سنوياً، مما يعني أن مساهمتها في نمو صادرات الإقليم الإجمالي ستكون أكبر من الماضي. ومع نمو بنسبة 1.3% سنوياً من آسيا الوسطى، يكفي ذلك لتحول إقليم أوروبا وآسيا الوسطى ككل إلى فائض تجاري بحلول عام 2033 يعادل عجزه الحالي.
وبفضل الفائض المتنامي في الاتحاد الأوروبي، يُتوقع أن تتحول أوروبا الغربية من عجز تجاري كبير في فترة الأساس إلى فائض صغير بحلول عام 2033. ويُتوقع أن تكون الفواكه والخضروات الطازجة أكبر المساهمين في الفوائض الإضافية التي يولدها الاتحاد الأوروبي، إذ قد ترتفع صادراتها بنسبة 21% و26% على التوالي خلال العقد المقبل، إلى جانب القمح والسكر ومنتجات الألبان ذات القيمة المضافة مثل الجبن. والإقليم مساهم رئيسي بالفعل في صادرات الجبن العالمية، ويُتوقع توسع إضافي بنسبة 25% بحلول عام 2033، بينما قد ترتفع صادرات القمح والسكر بنسبة 10% و15% على التوالي. ويتأثر الفائض الصافي أيضاً بتباطؤ كبير في الواردات إلى الاتحاد الأوروبي، بما يعكس ضعف الطلب ومخاوف الاستدامة التي تدفع إلى خفض واردات زيت النخيل بنحو 50%.
وتسهم أوروبا وآسيا الوسطى بأكثر من 40% من قيمة صادرات المنتجات الحيوانية عالمياً، ويُعزى نحو 90% منها إلى الاتحاد الأوروبي. ومع تسارع نمو صادرات الاتحاد الأوروبي من المنتجات الحيوانية خلال فترة التوقعات بسبب ركود الطلب المحلي، قد ترتفع حصته من الصادرات العالمية لهذه المنتجات إلى 46% بحلول عام 2033، ويعود ذلك أساساً إلى نمو صادرات منتجات الألبان. وتماشياً مع تراجع الإنتاج، يُتوقع أن تنخفض صادرات اللحوم من الاتحاد الأوروبي بنسبة 6%، لكن معظم ذلك سيعود إلى تراجع قطاع لحم الخنزير، إذ يُتوقع أن ترتفع صادرات الدواجن بنسبة 11%. ويعني تراجع صادرات لحم الخنزير أن حصته في تجارة لحم الخنزير العالمية ستنخفض إلى 32%.
والإقليم أيضاً مصدر مهم لمنتجات الأسماك، إذ يستأثر بنحو 25% من حجم صادرات الأسماك العالمية، وهي ثاني أعلى حصة بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل بعد جنوب آسيا وجنوب شرقها. ويكفي نمو بنسبة 0.7% سنوياً للحفاظ على هذه الحصة عند 24% بحلول عام 2033، وتُعد روسيا والنرويج المساهمين الرئيسيين في الصادرات داخل الإقليم.
ورغم تزايد التوجه التصديري الذي يرفع تعرضه للاضطرابات المرتبطة بالتجارة، مثل النزاع في البحر الأحمر الذي يؤثر في العبور من قناة السويس، يظل الإقليم أيضاً مستورداً مهماً لكثير من المنتجات الزراعية. وفي الاتحاد الأوروبي، ستتأثر هذه الواردات بصورة متزايدة بلوائحه البيئية. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن تزيد الواردات بنحو 9%، وإن كان النمو من آسيا الوسطى أسرع بكثير بنحو 31% من قاعدة أصغر. ويعني تنامي التوجه التصديري في أوروبا، مقروناً بارتفاع واردات آسيا الوسطى، أن حصة كبيرة من الواردات الإضافية قد تُورد من داخل الإقليم. إذ يُتوقع أن يكون نحو 20% من الواردات الإضافية لآسيا الوسطى منتجات حيوانية يُعد الاتحاد الأوروبي مورداً رئيسياً لها.
التوقعات الإقليمية: أمريكا الشمالية
الخلفية
قطاع زراعي غذائي منتج وقادر على الصمود يسهم إسهاماً كبيراً في الإنتاج العالمي
يتألف إقليم أمريكا الشمالية من بلدين فقط هما الولايات المتحدة وكندا، ويشكل سكانهما البالغ عددهم 377 مليون نسمة نحو 4.7% من سكان العالم. ومع نمو لا يتجاوز 0.5% سنوياً، قد تتراجع هذه الحصة قليلاً بحلول عام 2033. وفي المقابل، يستأثر الإقليم بنحو 10% من الأراضي المستخدمة للزراعة عالمياً، وتوافر الأراضي الزراعية للفرد فيه هو الأعلى بين جميع الأقاليم المشمولة في التقرير. ويتيح ذلك مساهمة كبيرة في الزراعة العالمية، إذ يوفر 10% من الإنتاج العالمي ويستأثر بنحو 12% من التجارة العالمية. وفائضه التجاري الزراعي هو ثالث أكبر فائض بين جميع الأقاليم بعد أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا وجنوب شرقها، لكنه انخفض إلى النصف خلال العقد الماضي، ويُتوقع أن يتضاءل خلال فترة التوقعات بسبب تباطؤ نمو الإنتاج.
والزراعة في الإقليم كثيفة رأس المال وعالية الإنتاجية، إذ تحقق مؤسسات زراعية كبيرة موجهة تجارياً غلالاً لافتة باستخدام أحدث التقنيات في نظم إنتاج كثيفة المدخلات. ومعدلات استخدام الأسمدة لكل هكتار من الأراضي المحصولية مرتفعة، وإن كانت قد انخفضت انخفاضاً كبيراً في عام 2022 بسبب الارتفاع الحاد في التكاليف الذي قلص هوامش المنتجين. وقد تعافى الاستخدام في عام 2023 حين عادت الأسعار إلى طبيعتها، لكن معدلات الاستخدام لا تزال دون المستويات المرصودة في العقد السابق لعام 2022، بما يعكس الاستثمارات في تعظيم الكفاءة. وبينما يُتوقع أن ترتفع معدلات الاستخدام باطراد خلال العقد المقبل، فإنها لن تتجاوز مستويات عام 2021 إلا هامشياً بحلول عام 2033، ومكاسب الكفاءة من الحجم بحيث سيواصل استخدام الأسمدة لكل سعرة منتجة انخفاضه.
والولايات المتحدة وكندا اقتصادان متطوران وناضجان ومتنوعان للغاية، تشكل فيهما الزراعة والحراجة ومصايد الأسماك أقل من 2% من إجمالي الناتج المحلي. ودخل الفرد هو الأعلى بين الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل، إذ يبلغ 57300 دولار بالقيمة الثابتة لعام 2010، ويُتوقع أن يرتفع بنسبة 15% أخرى بحلول عام 2033. ويقيم أكثر من 80% من السكان بالفعل في المناطق الحضرية، مع تغير طفيف متوقع بحلول عام 2033. ولهذه القاعدة الاستهلاكية الحضرية مرتفعة الدخل أعلى متناول غذائي للفرد بين جميع الأقاليم، كما أن حصة إجمالي الدخل المخصصة للغذاء هي الأدنى. ويشير ذلك إلى أن تفضيلات المستهلكين قد تؤدي دوراً أكبر من نمو الدخل في تطور الطلب على الغذاء. ويرتفع الاستهلاك نسبياً في المنتجات الحيوانية، التي تشكل نحو 30% من إجمالي السعرات و69% من إجمالي المتناول من البروتين، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 19% و43% على التوالي. كما أن النظم الغذائية غنية بالمحليات، ولا سيما بالزيوت النباتية، إذ تقارب حصصها من السعرات ضعف المتوسط العالمي. وقد أفضت هذه التركيبة الغذائية وأنماط الحياة السائدة في الإقليم إلى ارتفاع معدلات السمنة والأمراض المزمنة المرتبطة بالغذاء مثل السكري، وإن كانت جائحة كوفيد 19 قد زادت الوعي بعادات الأكل الصحي، وهو ما قد يترك أثراً دائماً في تفضيلات المستهلكين. ويُتوقع أن يتراجع إجمالي المتناول من السعرات بحلول عام 2033، ومعه حصة المحليات والزيوت النباتية فيه.
وتماشياً مع مستوى التنمية الاقتصادية ومستويات المتناول المرتفعة أصلاً من السعرات، نمت الاستخدامات غير الغذائية للسلع الزراعية، مثل الوقود الحيوي وأعلاف الحيوانات، بوتيرة أسرع من الطلب على الغذاء خلال العقد الماضي. وفضلاً عن ذلك، فإن سلوك الاستهلاك الغذائي لدى القاعدة الاستهلاكية الناضجة في الإقليم أقل حساسية لتقلبات القدرة الشرائية منه في الأقاليم منخفضة الدخل، وقد ظل إجمالي المتناول من السعرات مستقراً إلى حد ما خلال السنوات الخمس الماضية رغم الاضطرابات مثل جائحة كوفيد 19 وأزمة الطاقة وأزمة غلاء المعيشة. ومع ذلك، كان لهذه الاضطرابات أثر عميق في تركيبة مبيعات الأغذية وتوزيعها، إذ تراجع الإنفاق على الطعام خارج المنزل بينما ارتفعت مبيعات التجزئة، مما استدعى تغييرات كبيرة في سلسلة الإمداد الغذائي لتلبية التغيرات في أنواع الأغذية وأحجام العبوات. وقد عززت التحسينات في سلسلة الإمداد، رغم الوقت الذي استغرقه التكيف مع التغيرات، قدرتها على الصمود أمام الصدمات المحتملة في المستقبل.
ورغم ارتفاع متوسط مستويات الدخل والمتناول الغذائي، ليس الإقليم بمنأى عن مخاوف الأمن الغذائي في الشرائح الدنيا من توزيع الدخل. فحتى قبل جائحة كوفيد 19، كان يُقدر أن ما بين 10% و13% من سكان الإقليم يعانون من انعدام الأمن الغذائي. ورغم الآثار التخفيفية لتدابير دعم الدخل، ارتفع انتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل إلى الشديد للمرة الأولى في عام 2020، لكن التعافي كان سريعاً رغم ارتفاع تضخم أسعار الأغذية إلى أكثر من 10% في عام 2022 بعد أن كان قريباً من الصفر في السنوات الخمس السابقة لعام 2020. واستفاد التعافي من الإنفاق الكبير على السياسات القائمة منذ أمد طويل لمعالجة أعباء تكلفة الغذاء على الفقراء، والتي استُكملت بإجراءات مثل قانون خفض التضخم الذي يدعم برامج خفض تكاليف الطاقة.
كما تعافى النمو الاقتصادي سريعاً من الركود الناجم عن الجائحة في عام 2020، لكن الزخم تلاشى سريعاً مع بدء الحرب الروسية على أوكرانيا وما رافقها من أزمة طاقة أطلقت دورة التضخم المرتفع التي استدعت تشديداً نقدياً كبيراً. ونتيجة لذلك، ظل نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي دون 2% منذ عام 2022، ويُتوقع أن يبلغ أدنى مستوياته عند 0.9% في عام 2024. وكان من العوامل الرئيسية التي أسهمت في استمرار النمو الإيجابي رغم الاضطرابات العالمية قوة سوق العمل وقدرتها على الصمود. وبينما تسهم تكاليف العمالة المرتفعة وشح المعروض منها في التضخم، كانت الزيادات في الأجور أسرع، ومع تراجع التضخم الآن، يُتوقع أن يبلغ متوسط نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط 1.3% سنوياً حتى عام 2033.
والقطاع الزراعي في أمريكا الشمالية ناضج ومنتج وقادر على الصمود، ويسهم إسهاماً كبيراً في الإنتاج والصادرات العالمية لعدة منتجات. وكانت قدرته على زيادة الإنتاج حاسمة في تراجع أسعار السلع الزراعية رغم الحرب الروسية على أوكرانيا التي خفضت الإنتاج والصادرات من منطقة البحر الأسود. ومع ذلك، يواجه القطاع تحديات أيضاً، إذ تشير الأدلة إلى أن نمو إنتاجيته التاريخي اللافت قد تباطأ في العقد الماضي، وأن أسعار السلع الزراعية انخفضت أسرع من تكاليف المدخلات الرئيسية، ومع استمرار ارتفاع التكاليف البيئية، قد تتآكل القدرة التنافسية في المستقبل. ويعني تغير المناخ أن وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة وشدتها في ازدياد، كما يتضح من الجفاف الواسع الذي أثر في أعداد الأبقار وإنتاج المحاصيل، وحرائق الغابات والعواصف والأعاصير القمعية التي قد تلحق أضراراً كبيرة بالبنية التحتية للإنتاج. ويعني الإدراك المتزايد لهذه المخاطر أن السياسات باتت موجهة بشكل متزايد لا إلى خفض انبعاثات الكربون فحسب، بل أيضاً، كما في الشراكة الكندية للزراعة المستدامة، إلى تعزيز قدرة المنتجين على الصمود في إدارة المخاطر المناخية.
الإنتاج
إنتاج المحاصيل القائم على الإنتاجية يقود النمو
يُتوقع أن يستمر نمو الإنتاج الزراعي والسمكي في أمريكا الشمالية، لكن التوسع المتوقع بنسبة 12% بحلول عام 2033 يدل على نمو أبطأ من الماضي. ويعكس هذا التباطؤ توقع استمرار تراجع معظم الأسعار وعودتها إلى اتجاه تنازلي بالقيمة الحقيقية. كما تشير القوة النسبية للدولار الأمريكي إلى أن أقاليم أخرى، مثل أمريكا اللاتينية، قد تصبح أكثر تنافسية نسبياً. ومساهمة الثروة الحيوانية في إجمالي القيمة الزراعية مرتفعة نسبياً في السياق العالمي، لكن التوسع المتوقع في إنتاج المحاصيل خلال العقد المقبل أكبر، وهو عكس الاتجاه المرصود في العقد الماضي، ويعكس أثر ارتفاع أسعار الأعلاف في فترة الأساس الذي يؤدي إلى تراجع قصير الأجل في الإنتاج الحيواني قبل أن يُستأنف النمو اعتباراً من عام 2025. ونتيجة لذلك، ستتراجع حصة الثروة الحيوانية من إجمالي الإنتاج تراجعاً هامشياً إلى 45% بحلول عام 2033، بينما تظل حصة مصايد الأسماك مستقرة عند 5%، ليستأثر إنتاج المحاصيل بنصف إجمالي القيمة.
وقد استقر استخدام الأراضي الزراعية خلال العقد الماضي مع تخصيص حصة ثابتة تبلغ 37% لإنتاج المحاصيل. وبينما لا يُتوقع تغير يُذكر في إجمالي استخدام الأراضي الزراعية بحلول عام 2033، قد يحدث بعض إعادة التخصيص، إذ يُعاد توجيه ما يزيد قليلاً على 3 ملايين هكتار من إنتاج المحاصيل إلى المراعي، ولا سيما في الولايات المتحدة. ورغم تراجع الأراضي المحصولية، يُتوقع أن ترتفع القيمة الإجمالية لإنتاج المحاصيل بنسبة 15%، سيأتي نحو ثلاثة أرباع هذا النمو من الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن ترتفع قيمة إنتاج المحاصيل لكل هكتار بنسبة 16% خلال السنوات العشر. وفي كندا، تكون الزيادة أوضح بنسبة 29%، وإن كان قطاع المحاصيل فيها أصغر بكثير من الولايات المتحدة، وستستأثر بحلول عام 2033 بنحو 16% من محاصيل الإقليم.
وتمثل مكاسب القيمة في إنتاج المحاصيل مزيجاً من التكثيف ومكاسب الغلة وتغيرات مزيج المحاصيل. والانخفاض في المساحة المحصودة، البالغ 2.3 مليون هكتار، أقل من الانخفاض في استخدام الأراضي، مما يعكس بعض الزراعة المزدوجة الإضافية. ومن بين المحاصيل الرئيسية المنتجة في الإقليم، يُتوقع أن تتوسع مساحات الذرة والقمح والقطن والبقول وبذور اللفت على حساب فول الصويا والشعير. ويكون توسع مساحات القطن والبقول الأسرع، لكن بحلول عام 2033 سيستأثر الجمع بين الذرة والقمح وفول الصويا، التي ينطلق نموها من قاعدة أكبر بكثير، بنحو 60% من إجمالي المساحة المحصولية. ويُتوقع أن تظل مكاسب الغلة قوية في جميع السلع، تتراوح بين 0.5% سنوياً للذرة و0.8% سنوياً للقمح و1.3% سنوياً للقطن. ويعكس تفاوت معدلات النمو أيضاً الفروق في فترة الأساس، فغلال الذرة بلغت بالفعل نحو 11 طناً للهكتار في المتوسط بين عامي 2021 و2023، أي أعلى من المتوسط العالمي بنسبة 85%. وفي المقابل، تراجعت غلال القمح والشعير تراجعاً كبيراً في عامي 2021 و2023 بسبب الأحوال الجوية غير المواتية، ولا سيما في كندا، ولذلك تحمل المكاسب خلال فترة التوقعات عنصراً من التعافي. وتعكس مكاسب الغلة التطور المستمر في تقنيات الإنتاج، التي قد تحسن أيضاً، إلى جانب ممارسات إدارية أكثر كفاءة، القدرة على الصمود أمام الصدمات المناخية.
ونظم إنتاج اللحوم في أمريكا الشمالية كثيفة للغاية، مما يمكن الإقليم من توفير 13% من القيمة العالمية للإنتاج الحيواني بنسبة 10% فقط من أعداد الحيوانات، وفي حالة المجترات يستأثر بأقل من 3% من الأعداد العالمية. وتجعل الطبيعة الكثيفة لنظم الإنتاج الأعلافَ محركاً رئيسياً للتكاليف، ولذلك وضعت دورة الأسعار المرتفعة للمواد العلفية خلال السنوات الثلاث الماضية الربحية تحت ضغط شديد. وجاء ذلك بعد أثر شديد بالفعل للإغلاق الناجم عن الجائحة، الذي أحدث قيوداً في الطاقة الاستيعابية والعمالة في المسالخ ومرافق التجهيز أدت إلى انخفاض أسعار اللحوم. كما أدى استمرار ارتفاع تكاليف العمالة والطاقة إلى رفع التكاليف بعد باب المزرعة. ونتيجة لذلك، تراجع إنتاج لحم الخنزير خلال عامي 2021 و2022 بينما توقف نمو إنتاج الدواجن. ونظراً لطول دورة الإنتاج، لم يتراجع إنتاج لحوم الأبقار حتى عام 2023، لكن يُتوقع أن تستمر هذه الدورة الهابطة حتى عام 2025، بينما يُتوقع تحقيق مكاسب متواضعة اعتباراً من عام 2024 في قطاعي الخنازير والدواجن. وكان يمكن للدواجن، بدورة إنتاجها السريعة، أن تُظهر تعافياً أكبر في عام 2023 لولا أثر إنفلونزا الطيور شديدة الإمراض الواسعة الانتشار. وعلى المدى المتوسط، يُتوقع أن يتوسع إجمالي إنتاج اللحوم في الإقليم بنسبة 7% فقط، يُعزى أكثر من 90% منها إلى الولايات المتحدة. ومعدلات النمو هي الأسرع في إنتاج لحوم الأبقار، الذي يُتوقع أن يتعافى من التراجع قصير الأجل لينمو بمتوسط 1.4% سنوياً خلال فترة التوقعات، بينما يُتوقع أن يرتفع إنتاج الدواجن ولحم الخنزير بنسبة 0.8% و0.4% سنوياً على التوالي. وفي جميع القطاعات الفرعية للثروة الحيوانية، تتجاوز مكاسب الإنتاج توسع أعداد الحيوانات، بما يعكس أثر مكاسب الإنتاجية.
ويُتوقع أن يتجاوز نمو إنتاج الحليب نمو اللحوم، وقد يتوسع بنسبة 13% بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس، ويُتوقع أن تستأثر الولايات المتحدة بنحو 85% من هذه الزيادة. وتُستمد هذه المكاسب أساساً من زيادة غلال الحليب، الأعلى بالفعل في أمريكا الشمالية من أي إقليم آخر. ولا يُتوقع أن ترتفع أعداد الأبقار إلا بنسبة 1.5% في الولايات المتحدة، بينما قد ينكمش قطيع الأبقار الحلوب في كندا بنحو 1%. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن ترتفع غلال الحليب في الولايات المتحدة وكندا بنسبة 10% و21% على التوالي، مما يعني أن الغلال في كندا ستزيد على خمسة أضعاف المتوسط العالمي. وتملي تفضيلات المستهلكين أن تتزايد حصة إجمالي إنتاج الحليب المجهزة إلى منتجات مثل الجبن والزبدة والحليب المجفف، مع توجيه كميات أقل إلى الحليب السائل.
ومصايد الأسماك قطاع أصغر بكثير في أمريكا الشمالية من المحاصيل والثروة الحيوانية، ويتكون أساساً من المصايد الطبيعية. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن تتوسع المصايد الطبيعية بنسبة 5% مقارنة بفترة الأساس، وهو معدل مماثل لتربية الأحياء المائية، وإن كانت الأخيرة تنطلق من قاعدة أصغر بكثير لا تمثل إلا 11% من إجمالي الإنتاج. وسيتأثر الإنتاج خلال العقد المقبل تأثراً كبيراً باللوائح البيئية. ويأتي حالياً 84% من إجمالي الإنتاج من الولايات المتحدة، لكن النمو في كندا أسرع قليلاً، ويُتوقع أن توفر بحلول عام 2033 نحو 17% من أسماك الإقليم.
ويتحمل إقليم أمريكا الشمالية مسؤولية 7% من الانبعاثات المباشرة المرتبطة بالزراعة عالمياً، وهي أقل من حصته من الإنتاج العالمي. ويُتوقع أن ترتفع إجمالي الانبعاثات الزراعية بنسبة 4% خلال العقد المقبل، وهو أقل بكثير من العقد الماضي، ويُتوقع أن تسهم إجراءات سياساتية مثل تسعير الكربون في كندا في هذا التباطؤ، وأن ينخفض إجمالي الانبعاثات لكل وحدة من قيمة الإنتاج أكثر. وتنبع الانبعاثات الإضافية أساساً من إنتاج المحاصيل، إذ ترتفع بنسبة 9.6% بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس، مقابل 2% من الإنتاج الحيواني. ويتوقع سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف أن تنخفض إجمالي الانبعاثات الزراعية في الإقليم بنسبة 3.5% مقارنة بخط الأساس مع تحسن المتناول من السعرات، مما يعني أن الانبعاثات الزراعية لن ترتفع بحلول عام 2030 إلا بنسبة 0.2% عن متوسط مستواها في فترة الأساس.
الاستهلاك
تغير تفضيلات المستهلكين يحدد آفاق الطلب
تتمتع الاقتصادات المتقدمة في الولايات المتحدة وكندا بقواعد استهلاكية ناضجة وميسورة، لا يتجاوز فيها الإنفاق على الغذاء في المتوسط 6% من إجمالي إنفاق الأسر. ويعني ذلك أن تقلبات أسعار الأغذية، بما فيها بلوغ تضخم أسعار الأغذية مستويات من رقمين في عام 2022 واستمرار تراجع أسعار الأغذية خلال فترة التوقعات، أقل تأثيراً في أنماط الطلب على الغذاء منها في كثير من الأقاليم الأخرى. ومع ضآلة أثر الاعتبارات الاقتصادية نسبياً، ستعكس آفاق الطلب على المدى المتوسط تأثيراً كبيراً لتفضيلات هؤلاء المستهلكين. وتتمحور التحولات المتوقعة في هذه التفضيلات إلى حد كبير حول زيادة التركيز على الممارسات الغذائية الصحية، وهو اتجاه أبرزته جائحة كوفيد 19، وتنامي الوعي بالاستدامة البيئية ولا سيما بين الفئات الأصغر سناً. ومن شأن هذا التحول أن يؤثر لا في الكمية الإجمالية للسعرات المستهلكة فحسب، بل في تركيبتها أيضاً.
وإجمالي السعرات المتاحة للاستهلاك، بما فيه المهدر المنزلي الكبير، هو الأعلى في العالم. ومن المتوقع أن يؤدي انخفاض قدره 62 سعرة للفرد يومياً بحلول عام 2033 إلى بلوغ التوافر 3750 سعرة للفرد يومياً. ويعني التصحيح وفق التقديرات الحالية للمهدر المنزلي أن المتناول من السعرات سينخفض إلى 3385 سعرة للفرد يومياً، أي لا يزال أعلى من المتوسط العالمي بنسبة 28%، وهو انخفاض كبير مقارنة بفترة الأساس حين كان المتناول في أمريكا الشمالية أعلى من المتوسط العالمي بنسبة 27%. ويقوم هذا الانخفاض على الولايات المتحدة، إذ يُتوقع أن يرتفع توافر السعرات في كندا، ومع ذلك سيظل إجمالي توافر السعرات في كندا أقل منه في الولايات المتحدة بحلول عام 2033. ومن حيث تركيبة النظم الغذائية، قد يدفع التركيز المتزايد على الصحة إلى تحول نحو مزيد من المنتجات الطازجة، إذ يُتوقع أن يرتفع استهلاك الفرد من الفواكه والخضروات بنسبة 15% و4% على التوالي بحلول عام 2033. وقد يتوسع استهلاك البقول، التي يُنظر إليها بوصفها بدائل صحية، بنسبة 28%، لكن من قاعدة صغيرة، ولن تبلغ مستوياتها المطلقة بحلول عام 2033 سوى نصف المتوسط العالمي. وفي المقابل، يُتوقع انخفاض متناول الفرد بحلول عام 2033 من الزيوت النباتية بنسبة 9.5%، والمحليات بنسبة 1.5%، والحبوب بنسبة 1.1%. ورغم هذا الانخفاض، سيظل استهلاك الفرد من الزيوت النباتية والمحليات أعلى من المتوسط العالمي بنسبة 130% و38% على التوالي.
ويُتوقع أن يرتفع المتناول من البروتين في أمريكا الشمالية بنسبة 1.5% فقط، أي 1.9 غرام للفرد يومياً، بحلول عام 2033، ليبلغ 123 غراماً للفرد يومياً، أي ما يزال أعلى من المتوسط العالمي بأكثر من 40%. ويُستمد ذلك أساساً من المصادر الحيوانية، إذ يظل البروتين من المصادر النباتية مستقراً إلى حد ما، مع تقابل تراجع المتناول من الحبوب وزيادة بنسبة 15% في البروتين المستمد من البقول. ويُتوقع أن يظل استهلاك الفرد من اللحوم مستقراً إلى حد ما، إذ لا يرتفع إلا بنسبة 0.9% خلال السنوات العشر. وتؤدي زيادة المتناول من منتجات الدواجن ولحم الخنزير، مقرونة بانخفاض استهلاك لحوم الأبقار والأغنام، إلى زيادة بنسبة 1.5% في المتناول من البروتين المستمد من اللحوم. وتعكس الزيادة بنسبة 1.8% في البروتين المستمد من منتجات الألبان ارتفاع استهلاك الفرد على أساس المادة الجافة، إذ تعوض المكاسب بنسبة 11% و9% في استهلاك الجبن والزبدة تراجعَ المتناول من الحليب المجفف بأكثر من الكفاية. كما يُتوقع أن يرتفع استهلاك الفرد من منتجات الأسماك ليبلغ 10 كيلوغرامات للفرد بحلول عام 2033، بمكسب لا يتجاوز 3.5% مقارنة بفترة الأساس.
وتعني كثافة نظم الإنتاج الحيواني في الإقليم أن استخدام الأعلاف مرتفع بالفعل، إذ يتحمل الإقليم مسؤولية 15% من الاستخدام العالمي للأعلاف، وتتجاوز السعرات المخصصة لأعلاف الحيوانات بالفعل تلك المستهلكة غذاءً. ومع استئثار إنتاج الدواجن ولحم الخنزير بنحو 85% من نمو إنتاج اللحوم، يُتوقع أيضاً أن يرتفع استخدام الأعلاف أكثر، وقد يكون بحلول عام 2033 أعلى بنسبة 7% من فترة الأساس. وتمثل الذرة والأعلاف البروتينية بالفعل المكونين العلفيين الرئيسيين، ويُتوقع أن ترتفع حصتهما من إجمالي تركيبة العلائق أكثر، إذ سيتكون 85% من الاستخدام الإضافي للأعلاف من هاتين السلعتين. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن تبلغ حصة الذرة من إجمالي استخدام الأعلاف 53%، ويُعزى 17% آخر إلى الأعلاف البروتينية.
والاستخدام الصناعي للمنتجات الزراعية في أمريكا الشمالية مرتفع في السياق العالمي، إذ تُعد الولايات المتحدة أكبر منتج للوقود الحيوي في العالم، مستأثرة بنحو 38% من الإنتاج العالمي. كما يمثل إنتاج الوقود الحيوي سوقاً مهمة لحبوب العلف، إذ استأثر بسعرات أكثر من الغذاء في فترة الأساس. ويحكم استخدام الوقود الحيوي في الولايات المتحدة معيار الوقود المتجدد. ويستأثر الإيثانول المستخرج من الذرة حالياً بنحو 82% من إجمالي الوقود الحيوي المستخدم في الإقليم، لكن النمو البالغ 16% خلال العقد المقبل مدفوع أساساً بالديزل الحيوي، بما يعكس زيادة أهداف الوقود المتجدد والإعفاءات الضريبية للديزل القائم على الكتلة الحيوية. وإلى جانب السعي المستمر لتحسين الاستدامة، وفرت أزمة الطاقة الأخيرة وما تلاها من فرض قانون خفض التضخم دفعة إضافية لنمو استخدام الوقود الحيوي. غير أن أسواق الإيثانول مقيدة بمحدودية البنية التحتية والتقنيات التي تحد من التوسع الواسع في خلط بنسبة 15%، مما يجعل معظم البنزين لا يزال يُخلط بمستويات 10%. وإلى جانب استخدامها الخاص، تصدر الولايات المتحدة أيضاً كميات كبيرة من الإيثانول إلى كندا، حيث يُتوقع أن تدفع لوائح الوقود النظيف وسياسات تسعير الكربون نمواً كبيراً في استخدام الوقود الحيوي، مدفوعاً أساساً برفع نسب الخلط.
التجارة
تضاؤل الفائض التجاري
خلال العقد الماضي، انخفض الفائض التجاري لأمريكا الشمالية في السلع الزراعية والغذائية الرئيسية إلى النصف، ويُتوقع أن يتضاءل إلى ما يقارب الصفر بحلول عام 2033. وينبع هذا التحول من نمو قيمة الواردات بنسبة 19% مقارنة بنمو قيمة الصادرات بنسبة 13% فقط بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس. ويكون أوضح في الولايات المتحدة، حيث يزيد حجم توسع الواردات، البالغ 22% خلال السنوات العشر المقبلة، على ضعف حجم الصادرات التي لا ترتفع إلا بنسبة 10%. أما في كندا فالعكس صحيح، إذ يزيد توسع الصادرات، البالغ 20% بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس، على ضعف توسع الواردات البالغ 9%. غير أن الأحجام النسبية لتجارة البلدين تجعل الاتجاه الإقليمي يعكس اتجاه الولايات المتحدة.
ومن العوامل المسهمة في التباطؤ الملحوظ في نمو صادرات الولايات المتحدة تباطؤ الطلب العالمي، ولا سيما في الصين. فقد كانت الصين تاريخياً أكبر وجهة لصادرات الولايات المتحدة، لكن كندا تجاوزتها في عام 2023، وجاءت المكسيك في المرتبة الثالثة، بما يعكس تأثير اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. ومع اشتداد المنافسة من أمريكا اللاتينية، وتوقع تباطؤ الطلب الصيني على الاستيراد تباطؤاً ملحوظاً بسبب مزيج من ضعف النمو الاقتصادي وتناقص السكان، قد يمثل توسيع التجارة مع كندا والمكسيك أكبر فرصة. وسيؤثر ذلك أيضاً في مزيج منتجات التصدير، إذ إن نحو نصف الواردات الزراعية الصينية من الولايات المتحدة هي فول الصويا، بينما يتسم مزيج واردات كندا والمكسيك بتنوع أكبر. ونتيجة لذلك، يُتوقع أن تنخفض صادرات فول الصويا بنسبة 4% خلال السنوات العشر المقبلة، وقد تتراجع حصته من إجمالي الصادرات الزراعية الأمريكية بحلول عام 2033.
وبينما يُتوقع أن تتراجع حصة أمريكا الشمالية من صادرات فول الصويا العالمية من 34% في فترة الأساس إلى 31% بحلول عام 2033، يُرتقب أن ترتفع مكانتها في التجارة العالمية لعدة منتجات أخرى مثل القمح والذرة والأعلاف البروتينية ولحم الخنزير والحليب المجفف والإيثانول. وفي حالة الحبوب مثل القمح والذرة، يعكس ذلك جزئياً آثار الحرب الروسية على أوكرانيا التي خفضت الصادرات من منطقة البحر الأسود، لكن قدرة الولايات المتحدة على زيادة صادراتها كانت عاملاً رئيسياً في تراجع الأسعار. وتعني هذه المكانة المتنامية أيضاً أن الطلب على استيراد منتجاتها، ولا سيما من شمال أفريقيا والشرق الأدنى، قد يتعرض لضغط على المدى القصير بسبب النزاع في البحر الأحمر الذي يتسبب في تأخير أوقات الشحن وما يتبعه من ارتفاع في أسعار الشحن. ويتوقف مدى هذا الأثر إلى حد كبير على مدة استمرار الاضطرابات، علماً بأن الزيادات الواسعة في تكاليف الشحن الناجمة عن نقص الحاويات عقب جائحة كوفيد 19 خفضت أحجام التجارة في أنحاء العالم بما فيها أمريكا الشمالية. ويتفاقم أثر النزاع في البحر الأحمر والبحر الأسود بانخفاض الأحجام العابرة لقناة بنما نتيجة الجفاف المستمر. ومن شأن استمرار هذه التأخيرات أن يزيد أوقات الشحن ومن ثم أسعاره على الطرق الممتدة من الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى آسيا. وخلال الربع الأول من عام 2024، ارتفعت أيضاً أسعار الشحن بالسكك الحديدية في الولايات المتحدة مع زيادة الأحجام، حين لم يعد تحويل حركة التجارة الآسيوية عبر قناة السويس استراتيجية مجدية لتخفيف التأخيرات في قناة بنما.
ورغم فائضه التجاري ودوره الكبير في الصادرات العالمية، يُعد إقليم أمريكا الشمالية أيضاً مستورداً مهماً ومتنامياً لعدة منتجات، منها المنتجات الطازجة والأسماك والزيوت النباتية، إذ يُتوقع أن ترتفع وارداتها بنسبة 27% و9% و11% على التوالي. وبينما يُتوقع أن تنخفض أحجام واردات اللحوم بسبب تراجع الاستهلاك، فإنها تظل كبيرة، وبحلول عام 2033 سيظل الإقليم مستأثراً بنحو 15% من واردات لحوم الأبقار العالمية، ويُتوقع أن ترتفع حصته من واردات الأسماك العالمية إلى 16%.
التوقعات الإقليمية: أمريكا اللاتينية والكاريبي
الخلفية
نمو قائم على التصدير يواجه بيئة عالمية متزايدة التشرذم
يمتد إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي على نحو ملياري هكتار، ويتمتع بوفرة في الموارد الزراعية، ويضم أكثر من 660 مليون نسمة، أي نحو 8.5% من سكان العالم. ورغم انخفاض متوسط الكثافة السكانية، فإنه الأكثر تحضراً بين الأقاليم النامية. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يقترب عدد سكانه من 710 ملايين نسمة، قد يقيم 84% منهم في المناطق الحضرية. ويعني ذلك أن معظم فقراء الإقليم سيعيشون في المناطق الحضرية، لكن نحو 120 مليون شخص سيبقون في المناطق الريفية، حيث يطرح استمرار ارتفاع معدلات الفقر تحديات كبيرة.
ورغم موارده الشاسعة، التي لا تتساوى في أنحاء الإقليم، يمثل الأمن الغذائي تحدياً دائماً. فقد بدأ التقدم المحرز منذ مطلع الألفية الثالثة يتراجع منذ عام 2014، حين توقف التقدم التاريخي في الحد من الفقر وسط تحديات اقتصادية كلية متعددة. ويرتفع انتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل والشديد منذ عام 2014، لكن اجتماع الاضطرابات العالمية في الماضي القريب سرّع التدهور تسريعاً كبيراً، ومنها جائحة كوفيد 19 والتحديات الاقتصادية التي أحدثتها، وبعضها لا يزال قائماً، والحرب الروسية على أوكرانيا، وأزمتا الطاقة وغلاء المعيشة، والنزاع المستمر في الشرق الأدنى، وتضخم أسعار الأغذية الذي بلغ متوسطه نحو 15% خلال السنوات الثلاث الماضية. وتشير اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية والكاريبي إلى أن جائحة كوفيد 19 دفعت معدل الفقر المدقع في الإقليم إلى 13.8% بحلول عام 2021، لكنه تعافى إلى 11.2% بحلول عام 2022، وهو مماثل لمستويات ما قبل الجائحة. كما بلغ انتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد ذروته في عام 2021 قبل أن يتراجع قليلاً في عام 2022، لكنه لا يزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الجائحة، ويواصل التأثير بأشد صوره في النساء وسكان الريف. وقد ضاقت الفجوة بين الجنسين في عامي 2021 و2022، لكنها لا تزال عند 9.1 نقطة مئوية. ويشهد تحسن الأمن الغذائي، رغم ارتفاع تضخم أسعار الأغذية، على تعافي الدخل ونجاح برامج الحماية الاجتماعية المنفذة للتخفيف من الأزمة. ومع توقع استمرار تراجع تضخم أسعار الأغذية، ينبغي أن تتحسن القدرة على تحمل التكاليف، بما يسرع التقدم في تحسين الأمن الغذائي.
وكانت الآفاق الاقتصادية في كثير من أنحاء الإقليم صعبة لفترة من الزمن، إذ انكمشت مستويات دخل الفرد بمتوسط سنوي قدره 0.9% خلال العقد الماضي. وقد ضخمت التحديات الهيكلية القائمة، مثل ارتفاع عدم المساواة ومعدلات الفقر، أثرَ جائحة كوفيد 19، لكن التعافي من الركود الناجم عنها كان سريعاً. فمدفوعاً بارتفاع أسعار السلع والدور الكبير للتجارة في الإقليم، تجاوز نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022 مستويات عام 2019. وتوقف الزخم بحلول عام 2023 وسط ارتفاع أسعار الفائدة وضعف أسعار السلع وتباطؤ النمو لدى الشركاء التجاريين وبيئة عالمية أقل مواتاة عموماً. ومع تقارب التضخم ببطء مع أهداف البنوك المركزية، يُتوقع أن يبلغ النمو أدنى مستوياته في عام 2024، وأن يبلغ متوسطه على المدى المتوسط 1.6% سنوياً. وكما في معظم أنحاء العالم، تميل المخاطر، ولا سيما على المدى القصير، نحو الجانب السلبي، لكن الاعتماد الكبير على التجارة يجعل الإقليم شديد التعرض لاحتمال تصاعد التشرذم الجيوسياسي. ونظراً لتنوع بلدان الإقليم من حيث تركيبة نشاطها الاقتصادي ومدى المخاطر المحلية التي تضخم الآثار العالمية، يتفاوت حجم التعافي والتباطؤ اللاحق.
ويُتوقع أن يقترب نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الإقليم من 10900 دولار بحلول عام 2033. وبينما يمثل ذلك مكسباً بنسبة 19% مقارنة بفترة الأساس، فإنه لا يزال أعلى بنسبة 9% فقط من عام 2014، وأدنى من المتوسط العالمي بنحو 20%. وفي المتوسط، تنفق الأسر في الإقليم نحو 16% من إجمالي إنفاقها على الغذاء، لكن هذه النسبة تتفاوت تفاوتاً كبيراً داخل الإقليم، متأثرة بمستويات الدخل وعدم المساواة. وفي البلدان التي تخصص حصة أكبر من إجمالي الإنفاق للغذاء، تكون فائدة تراجع تضخم أسعار الأغذية كبيرة، أما في البلدان التي تشهد عدم استقرار اقتصادي كلي متزايد، فقد يكون هذا الأثر أصغر، لأن انخفاض أسعار الصرف، الذي كان عاملاً رئيسياً في تغذية تضخم أسعار الأغذية، قد يعوض جزءاً من انخفاض الأسعار العالمية المقومة بالدولار.
والزراعة في الإقليم شديدة التنوع، إذ تتراوح هياكل المزارع بين وحدات تجارية كبيرة، موجهة غالباً للتصدير، ومشاريع عائلية متوسطة وكبيرة الحجم، ونحو 15 مليون من أصحاب الحيازات الصغيرة المسؤولين عن جزء كبير من إنتاج الغذاء في الإقليم. وغالباً ما تعاني العمليات الأصغر من قيود في الموارد مقارنة بالكيانات الكبيرة الموجهة للتصدير، مما يرسخ الازدواجية القائمة في القطاع. ويستأثر الإنتاج الزراعي والسمكي بما يزيد قليلاً على 6.4% من إجمالي الناتج المحلي، وقد ارتفعت هذه الحصة خلال الاضطرابات المختلفة التي ابتليت بها الاقتصادات العالمية في السنوات الأربع الماضية، بما يعكس قدرة النظام الزراعي الغذائي في الإقليم على الصمود، وأداءه القوي في عام 2020 حين أُعفي من قيود الإغلاق، والفترة الممتدة من الأسعار المرتفعة. ومع استمرار عودة أسعار السلع الزراعية إلى طبيعتها خلال فترة التوقعات، يُتوقع أن تنخفض حصة الزراعة من إجمالي الناتج المحلي إلى 5.7% بحلول عام 2033.
وبفضل موارده المواتية، يُعد إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي مساهماً رئيسياً في الزراعة العالمية. فبين عامي 2021 و2023، استأثر بنحو 13% من صافي قيمة الإنتاج الزراعي والسمكي عالمياً، وكانت حصته من إجمالي الصادرات أعلى عند 18%. ويأتي ذلك أساساً من أمريكا الجنوبية، بينما تُعد منطقة الكاريبي مستورداً صافياً. وتتأكد أهمية الصادرات الزراعية في الإقليم أيضاً في حصتها المتنامية من إجمالي قيمة الإنتاج، التي ارتفعت إلى نحو 70%. وقد ساعد على النمو التاريخي للصادرات تحسن القدرة التنافسية، إذ ارتفعت الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج بنسبة 40% من عام 2000 إلى عام 2019. واستند النمو إلى زيادة استخدام المدخلات، ولا سيما الأسمدة التي ارتفع استخدامها بنسبة 27% في العقد الماضي وحده. وقد أدت الزيادة الحادة في تكاليف الأسمدة في عام 2022، إلى جانب تحديات سلاسل الإمداد الناشئة عن الحرب الروسية على أوكرانيا، إلى انكماش كبير في استخدام الأسمدة لكل هكتار، وزيادة التركيز على الاستخدام الكفء. وتنعكس فوائد الاستثمار في زيادة الكفاءة في تباطؤ نمو استخدام الأسمدة لكل هكتار إلى 8% خلال العقد المقبل. ومع توقع أن يكون النمو في العقد المقبل قائماً أساساً على التصدير، سيكون الانفتاح على التجارة وكفاءة استخدام المدخلات واستراتيجيات ناجحة للتخفيف من تغير المناخ والتكيف معه وتزايد التركيز على الاستدامة البيئية أموراً حاسمة للحفاظ على القدرة التنافسية وتنميتها.
وبوصفه أكبر مصدر صافٍ بين جميع الأقاليم في التقرير، من المفارقة أن تتعلق بعض أكبر التحديات التي يواجهها إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي بالأمن الغذائي. وتنبع هذه التحديات من قيود القدرة على تحمل التكاليف لا من قيود التوافر، بما يعكس مزيجاً من مشكلات توزيع الدخل وارتفاع تضخم أسعار الأغذية في الماضي القريب، وتفاقمها بفعل انتشار الفقر الريفي وعدم الاستقرار الاقتصادي الكلي في كثير من البلدان. وقد حمى التوجه التصديري القوي للإقليم النمو الزراعي من التحديات الاقتصادية الكلية، لكنه جعله أيضاً عرضة للتقلب المتزايد وتشديد الأوضاع المالية وضعف الطلب العالمي على الاستيراد. وبعد الجائحة، قد يؤثر تزايد التركيز على تطوير سلاسل الإمداد المحلية، والوعي المتنامي بالاستدامة البيئية لدى بعض المستوردين، في السياسات التجارية وما يترتب عليها من آفاق تصديرية. وتنشأ قضايا أخرى متعلقة بالتجارة من تزايد تركز الصادرات حسب الوجهة، مما يعرض الطلب على الصادرات لمخاطر سوقية أعلى، وعودة اضطرابات الشحن وسط النزاع المستمر في البحر الأسود والبحر الأحمر، فضلاً عن القيود المرتبطة بالجفاف على العبور من قناة بنما. ومن شأن استمرار هذه الاضطرابات أن يرفع أسعار الشحن، مؤثراً مرة أخرى في القدرة التنافسية. وإلى جانب المخاطر المتعلقة بالتجارة، ستكون استراتيجيات التكيف في القطاع وقدرته على الصمود أمام آثار تغير المناخ حاسمة لاستدامة النمو.
الإنتاج
نمو يعكس مزيجاً من التوسع ومكاسب الإنتاجية
يُتوقع أن يتوسع الإنتاج الزراعي والسمكي في الإقليم بنحو 15% بحلول عام 2033. ويُتوقع أن يأتي نحو نصف هذا النمو من إنتاج المحاصيل الذي يتوسع بنسبة 14%، مقارنة بتوسع أكثر اعتدالاً بنسبة 12% في قطاع الثروة الحيوانية. ويُتوقع أن ترتفع صافي قيمة إنتاج الأسماك بنسبة 23%، لكن من قاعدة أصغر بكثير، ولن تتجاوز بحلول عام 2033 نسبة 14% من قيمة الإنتاج الزراعي والسمكي، مقارنة بنحو 48% للمحاصيل و39% للثروة الحيوانية.
وتسهم وفرة الأراضي في الإقليم في النمو القوي لإنتاج المحاصيل الذي يأتي من مزيج من التوسع والتكثيف. إذ يُتوقع أن يرتفع إجمالي الأراضي المستخدمة للزراعة بنحو 7 ملايين هكتار، وهو الأكبر بين جميع الأقاليم التي يغطيها هذا الفصل. ويقتصر ذلك على قطاع المحاصيل، ويقع نحو 60% من التوسع المتوقع في البرازيل. ويقارب المكسب في المساحة المحصودة ضعف المكسب في استخدام الأراضي، مما يشير إلى تزايد انتشار الزراعة المزدوجة. وتنعكس الميزة النسبية للبرازيل والأرجنتين في إنتاج فول الصويا في حصتهما المشتركة البالغة نحو 50% من الإنتاج العالمي. ونتيجة لذلك، سيستأثر فول الصويا أيضاً بنحو 31% من المساحة الإضافية، و25% أخرى للذرة. ويسهم تخصيص 8% من المساحة الإضافية للقمح في سد فجوات الإمدادات المحتملة من منطقة البحر الأسود في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا.
ومن المتوقع أن ترتفع أكثر خلال فترة التوقعات الحصة المرتفعة للإقليم من الإنتاج العالمي لفول الصويا والذرة، البالغة 53% و18% على التوالي. ويعني ذلك أن تقلبات الإمداد داخل الإقليم يمكن أن تسبب تقلباً كبيراً في الأسعار العالمية، كما اتضح من الارتفاع الحاد في أسعار فول الصويا خلال جفاف عام 2021، ومع استمرار تغير المناخ يُتوقع أن تزداد هذه الأحداث تواتراً. فكثير من بلدان الإقليم يعاني بالفعل من ظروف جفاف مطولة تقلص الإمكانات الإنتاجية، ومن تزايد وتيرة الحر الشديد وحرائق الغابات. ولذلك ستكون قدرة الإقليم على التكيف مع تغير المناخ والصمود أمام تزايد الاضطرابات الجوية حاسمة لا لأدائه الزراعي فحسب، بل لاستقرار الأسواق العالمية أيضاً. وقد أشارت منصة العمل المناخي لأمريكا اللاتينية والكاريبي في عام 2022 إلى أن معظم بلدان الإقليم تمتلك الأطر المؤسسية وخطط التكيف اللازمة للتعامل مع تغير المناخ، لكنها تفتقر إلى نظم مفصلة للرصد والتقييم لتتبع التنفيذ، مما قد يؤثر في تخصيص التمويل.
وكان التكثيف ومكاسب الغلة عاملين أساسيين في النمو القوي للإنتاج في الإقليم. ويُتوقع أن يتباطأ نمو معدلات استخدام الأسمدة تباطؤاً كبيراً خلال فترة التوقعات، لكنه يظل إيجابياً. ومقروناً بالابتكار التقني والممارسات التي تعظم الكفاءة، يُتوقع أن يدعم ارتفاع استخدام الأسمدة مزيداً من تحسينات الغلة في معظم المحاصيل الرئيسية، ومنها مكسب بنسبة 11% في غلال الذرة والقمح بحلول عام 2033 مقارنة بفترة الأساس، إلى جانب تحسن بنسبة 12% في غلال فول الصويا. كما يتيح ذلك تحسناً إضافياً بنسبة 10% في صافي قيمة الإنتاج لكل هكتار من الأراضي المحصولية، وانخفاضاً بنسبة 5% في الأسمدة اللازمة لكل سعرة منتجة.
ويسهم الإقليم بنحو 15% من الإنتاج الحيواني العالمي، ويكفي نمو بنسبة 1.2% سنوياً للحفاظ على هذه الحصة بحلول عام 2033. وبفضل فائضه من حبوب العلف، يتمتع الإنتاج الحيواني المكثف بقدرة تنافسية عالية، لكن آفاق النمو تظل حساسة للمخاطر التي تشكلها الأمراض الحيوانية. ويستأثر إنتاج اللحوم بحصة أكبر بكثير من الألبان في نمو الإنتاج المتوقع. ومن بين أنواع اللحوم المختلفة، يُعزى نحو 60% من الإنتاج الإضافي بحلول عام 2033 إلى الدواجن، إذ تيسر دورة إنتاجها القصيرة التقدم السريع في الوراثة ومعدلات التحويل العلفي، مما يدفع تحسينات الإنتاجية، في حين سيحفز انخفاض أسعار الأعلاف مقارنة بأسعار اللحوم على المدى المتوسط التوسع. ويُتوقع أن ينمو إنتاج لحوم الأبقار ولحم الخنزير بنسبة 0.9% و1.3% سنوياً على التوالي، مستأثرين بنحو 19% و20% على التوالي من اللحوم الإضافية المنتجة بحلول عام 2033. وتظل مكاسب الإنتاجية أساسية للنمو، إذ تتحقق زيادة بنسبة 9% في إنتاج لحوم الأبقار مع توسع لا يتجاوز 2% في قطيع الأبقار بحلول عام 2033.
وتستأثر أمريكا اللاتينية والكاريبي بما يقل قليلاً عن 10% من الإنتاج العالمي للأسماك، ويكفي النمو المتوقع البالغ 0.6% سنوياً للحفاظ على هذه الحصة بحلول عام 2033. ولا يزال ثلاثة أرباع الإنتاج مستمداً من المصايد الطبيعية، لكن مساهمة تربية الأحياء المائية في ازدياد في عدة بلدان، مما يحقق نمواً بنسبة 1.2% سنوياً، مقارنة بنسبة 0.4% سنوياً فقط للمصايد الطبيعية. والمصايد الطبيعية متقلبة بطبيعتها، بسبب التأثير المتقطع لكنه القوي لظروف النينيو التي ترفع درجات حرارة سطح البحر وتقلل توافر الأسماك المستخدمة في إنتاج مسحوق السمك وزيت السمك. كما تؤثر ظاهرة النينيو في توافر الغذاء لإنتاج تربية الأحياء المائية عالي القيمة مثل أذن البحر. وقد تزداد هذه الآثار حدة مع تغير المناخ، مما يؤثر في انتظام الإمدادات ويؤدي إلى تقلب الأسعار.
ويُتوقع أن ترتفع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من الزراعة بنسبة 3% خلال العقد المقبل، مع مساهمة أكبر نسبياً من المحاصيل مقارنة بالمنتجات الحيوانية. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يستأثر الإقليم بنحو 18% من الانبعاثات العالمية من الزراعة، وهي أعلى من حصته من إجمالي الإنتاج. ومع ذلك، يُتوقع أن تنخفض الانبعاثات لكل وحدة من صافي قيمة الإنتاج الزراعي باستمرار خلال السنوات العشر المقبلة. ويتوقع سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف أن تنخفض إجمالي الانبعاثات الزراعية في الإقليم بنسبة 4.6% مقارنة بخط الأساس مع تحسن المتناول من السعرات، مما يعني أن الانبعاثات الزراعية قد تنخفض بحلول عام 2030 بنسبة 2.6% عن متوسط مستواها في فترة الأساس.
الاستهلاك
أنماط غذائية متنوعة تتطور ببطء
توقف نمو إجمالي توافر السعرات في الإقليم إلى حد كبير منذ عام 2015، بما يعكس تحركات مستويات دخل الفرد التي تراجعت بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي. وفي الآونة الأخيرة، قيد الركود الناجم عن جائحة كوفيد 19 في عام 2020، وما تلاه من ارتفاع في أسعار الأغذية، القدرة على تحمل تكلفة المنتجات الغذائية المغذية، لكن رغم ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي ونقص التغذية في عامي 2020 و2021، ظل متوسط توافر السعرات مستقراً إلى حد ما. ويشير ذلك إلى أن متوسط توافر السعرات يخفي فروقاً كبيرة بين المستهلكين في البلدان المختلفة وعبر مستويات الدخل المختلفة، ويُرجح أن يعكس عدم المساواة في الدخل في الإقليم والأثر غير المتناسب للضائقة الاقتصادية الناجمة عن الجائحة وما تلاها من تضخم في أسعار الأغذية على الفقراء والضعفاء الذين ينفقون حصة أكبر من ميزانياتهم على الغذاء. وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يتجاوز متوسط توافر السعرات للفرد 3100 سعرة يومياً، لكن النمو يظل بطيئاً بنسبة 0.3% سنوياً في المتوسط على مدى السنوات العشر. ويمثل ذلك زيادة قدرها 122 سعرة للفرد يومياً، بفضل مكاسب في استهلاك الحبوب واللحوم والألبان والزيوت النباتية والمنتجات الطازجة، مع تراجع استهلاك السكر. ورغم انخفاض قدره كيلوغرام واحد للفرد سنوياً بحلول عام 2033، يظل استهلاك السكر في الإقليم مرتفعاً وأعلى من المتوسط العالمي بنسبة 60%.
وفي إقليم يواجه العبء الثلاثي لسوء التغذية، حيث يتعايش انعدام الأمن الغذائي ونقص التغذية مع ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة، يعكس انخفاض المتناول من السكر تنامي الوعي بالصلات بين النظام الغذائي والصحة، وهو وعي عززته مبادرات مثل تشريعات وضع الملصقات على واجهة العبوات والضرائب على المشروبات المحلاة بالسكر. وبينما قد يكون لجهود تشجيع الأكل الصحي بعض الأثر، تظل القدرة على تحمل التكاليف تحدياً، إذ إن الأغذية الطازجة المغذية مكلفة نسبياً في أجزاء كبيرة من الإقليم. وتؤثر قيود القدرة على تحمل التكاليف في الشرائح الدنيا من توزيع الدخل في جودة المتناول الغذائي وكميته معاً، رغم الأثر الإيجابي لمبادرات مثل برامج التغذية المدرسية التي يُقدر أنها تفيد ما يصل إلى 37% من أفقر السكان. كما ينطوي خفض الفاقد والمهدر من الأغذية على إمكانية تحسين التوافر والقدرة على تحمل التكاليف. وتشير التقديرات إلى أن أكبر المساهمين في إجمالي السعرات المفقودة والمهدرة في الإقليم هي الحبوب ومنتجات البذور الزيتية والمنتجات الطازجة والمحليات، ويُعزى أكثر من نصفها إلى الحبوب. وفي سيناريو خفض الفاقد والمهدر إلى النصف بحلول عام 2030، يمكن زيادة المتناول من السعرات في الإقليم بنسبة 5% مقارنة بخط الأساس، وقد ينخفض عدد من يعانون من نقص التغذية بنسبة 22% مع خفض الانبعاثات في الوقت ذاته، مما يعني أن المتناول من السعرات قد يرتفع بحلول عام 2030 بنسبة 8.3% عن متوسط مستواه في فترة الأساس، وأن عدد من يعانون من نقص التغذية سينخفض بمقدار 15.4 مليون شخص.
وبحلول عام 2033، يُتوقع أن يبلغ استهلاك الفرد من البروتين 94 غراماً يومياً، بزيادة 4 غرامات للفرد عن المستويات الحالية. وينبع هذا المكسب أساساً من المنتجات الحيوانية التي تسهم بنحو 70% من نمو توافر البروتين. ويُتوقع أن يرتفع استهلاك اللحوم بمقدار 3.3 كيلوغرام للفرد ليبلغ نحو 52 كيلوغراماً للفرد سنوياً بحلول عام 2033، أي أعلى من المتوسط العالمي بنسبة 80%. ويُستمد النمو من الدواجن ولحم الخنزير اللذين يُتوقع أن يرتفع استهلاكهما بنسبة 0.8% و0.7% سنوياً على التوالي، مقارنة بتراجع متواضع في استهلاك لحوم الأبقار بحلول عام 2033. ولا يزال استهلاك الأسماك في الإقليم منخفضاً عند 62% من المتوسط العالمي، لكنه مرشح للتوسع بنسبة 0.3% سنوياً.
ويستأثر إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي بنحو 12% من الاستخدام العالمي لأعلاف الحيوانات. والنمو المتوقع البالغ 1.2% سنوياً مماثل لإنتاج اللحوم وأسرع قليلاً من إنتاج الألبان. ولما كان ذلك يأتي رغم التحسن الوراثي المتوقع الذي يفضي إلى معدلات تحويل علفي أفضل، فإنه يشير إلى مزيد من التكثيف في نظم الإنتاج، وهو أمر أساسي للنمو. ويُعزى ما يزيد قليلاً على 50% من الاستخدام الإضافي للأعلاف إلى الذرة، و21% أخرى إلى الأعلاف البروتينية، مما يعني نمواً بنسبة 1.4% و1.1% سنوياً على التوالي في استخدام الذرة والأعلاف البروتينية علفاً.
ويسهم الإقليم إسهاماً كبيراً في أسواق الوقود الحيوي العالمية، إذ ينتج حالياً 28% من الإيثانول العالمي و17% من الديزل الحيوي العالمي. وتشكل البرازيل نحو 90% من إنتاج الإيثانول واستخدامه في الإقليم، فضلاً عن 71% و79% على التوالي من إنتاج الديزل الحيوي واستخدامه. ومدعوماً ببرنامجها "رينوفابيو" المصمم لخفض كثافة الانبعاثات ضمن التزاماتها في مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين، وبارتفاع الطلب على وقود النقل، يُتوقع أن يرتفع استخدام الإيثانول بنسبة 37% خلال العقد المقبل، مع بقاء قصب السكر المادة الأولية الرئيسية. كما عززت القدرة التنافسية للإيثانول البرازيلي المستخرج من قصب السكر حصتها من الصادرات العالمية، التي يُتوقع أن تُحافظ عليها عند 24% رغم النمو السريع في الاستهلاك المحلي.
التجارة
الصادرات مفتاح النمو الزراعي المستدام لكن المخاطر في تزايد
بقيادة أمريكا الجنوبية، يُعد إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي أكبر مصدر صافٍ بين جميع الأقاليم المشمولة في هذا الفصل. وفي الوقت ذاته، تُعد عدة بلدان ومناطق فرعية مستوردة صافية للمنتجات الزراعية، منها بنما والسلفادور ومعظم منطقة الكاريبي. ورغم هذه الفروق، تظل التجارة البينية منخفضة.
وقد أدت الصادرات دوراً محورياً في دفع النمو الزراعي داخل الإقليم، إذ خففت من تعرضه لعدم الاستقرار الاقتصادي الكلي المتأصل، وعززت قدرته على الصمود أمام الصدمات الخارجية. وتتأكد أهميتها النسبية في الزيادات المستمرة لحصة الصادرات من إجمالي قيمة الإنتاج، التي قد تتجاوز 70% بحلول عام 2033، بما يعكس توسعاً بنسبة 26% في فائضه التجاري للمنتجات الزراعية، وهو أكبر من أي إقليم آخر يغطيه هذا الفصل. ونتيجة لذلك، يُتوقع أن ترتفع حصته من الصادرات العالمية إلى 19% بحلول عام 2033. والبرازيل أكبر مصدر في الإقليم وتستأثر بنحو نصف النمو، لكن توسعها المتوقع بنسبة 1.8% سنوياً أبطأ بكثير من نسبة 7.2% سنوياً المحققة خلال العقد الماضي. ومن المساهمين البارزين الآخرين في نمو الصادرات الإقليمية المكسيك والأرجنتين، كما يُتوقع أن ترتفع صادرات الفواكه الطازجة من بيرو بسرعة.
ووسط مكاسب إنتاجية قوية، رسخ الإقليم حصته من الصادرات العالمية، ويُتوقع أن يستأثر بحلول عام 2033 بحصة كبيرة من الصادرات العالمية لعدة سلع، تبلغ 66% لفول الصويا، و56% للسكر، و54% للأعلاف البروتينية، و48% للذرة، و43% للحوم الأبقار، و40% لمسحوق السمك، و31% للدواجن، و24% للفواكه، و28% للقطن. وفي حالة فول الصويا والسكر ولحوم الأبقار، تمثل هذه الحصة حصة متنامية. وتعزز هذه الهيمنة اللافتة على أسواق التصدير اتجاهاً عالمياً نحو زيادة التركز في سوق التصدير.
ولا تتجلى أهمية الصادرات للزراعة في الإقليم في مكانتها المحورية في التجارة العالمية فحسب، بل أيضاً في الدور المحوري للصادرات في دفع نمو الإنتاج. وسيتوقف النمو المستدام على استمرار التوجه نحو التجارة المفتوحة في السوق العالمية. وقد كشفت اضطرابات السنوات الأربع الماضية عن مواطن ضعف في نظام التجارة العالمي أدت إلى اختناقات لوجستية وارتفاع في التكاليف، وأحدثها الاضطراب في التدفقات عبر قناة بنما بسبب الجفاف، وعبر قناة السويس بسبب النزاع في البحر الأحمر. وبينما لا تشكل الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سوى أقل من 14% و22% على التوالي من إجمالي الصادرات، وقد يبدو الأثر محدوداً، فإنه كبير بالنسبة لبلدان ساحل المحيط الهادئ مثل تشيلي وبيرو والإكوادور وكولومبيا. فالصادرات المتنامية من المنتجات الطازجة من تشيلي وبيرو، التي تتجه كميات كبيرة منها عادة إلى الاتحاد الأوروبي، قد تكون في خطر. كما ينطوي استمرار هذه القيود على خطر رفع تكاليف الشحن، ومن ثم خفض القدرة التنافسية لصادرات الإقليم.
ووسط الأزمات المختلفة، فرضت عدة بلدان مصدرة سياسات تجارية تعطي الأولوية للإمدادات المحلية، وأتاح غياب مثل هذه القيود في أمريكا اللاتينية والكاريبي فرصاً لكسب حصص سوقية. غير أن تطوير سلاسل الإمداد المحلية حظي بالأولوية في كثير من أنحاء العالم للحد من مخاطر الاضطراب. وخلال العقد المقبل، سيؤثر تطور العلاقات التجارية في أنحاء مختلفة من العالم في الإقليم، فيخلق فرصاً جديدة ومخاطر متزايدة معاً. فرغم نجاح النمو القائم على التصدير في الماضي، يتباطأ الطلب العالمي على الاستيراد، وتزداد السوق تقلباً وتشرذماً، مما يزيد من هشاشة التجارة الدولية. ويمكن لتحسين تكامل السوق الداخلية وأداء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتعاونيات والمزارع العائلية أن يوسع التجارة داخل الإقليم، فينوع فرص السوق ويعزز قدرة القطاع على الصمود.
