القائمة الرئيسية

تقرير التوقعات العالمية للتوظيف والوضع الاجتماعي: الاتجاهات حتى عام 2025

تقرير التوقعات العالمية للتوظيف والوضع الاجتماعي: الاتجاهات حتى عام 2025
ملخص الدراسة

يتناول التقرير واقع سوق العمل العالمية حتى عام 2025، موضحاً أن انخفاض البطالة العالمية إلى 5% لا يعني تحقق الازدهار في سوق العمل، إذ ما تزال ملايين العمال، خصوصاً في البلدان منخفضة الدخل، يواجهون العمل غير المنظم وفقر العاملين والتهميش الاقتصادي. وقد تباطأ النمو الاقتصادي إلى 3.2%، بينما ظل نمو الإنتاجية والتحول الهيكلي محدودين، واستمرت تحديات بطالة الشباب والفجوات بين الجنسين والتفاوت المكاني وتركيز سوق العمل وضعف فرص المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ورغم استقرار البطالة العالمية عند 5% وتراجع فجوة الوظائف إلى نحو 402.4 مليون وظيفة، بقيت أوجه العجز في العمل اللائق واضحة، إذ يعاني نحو 240 مليون عامل من أشد أشكال فقر العاملين، ولا يزال أكثر من نصف القوى العاملة العالمية يفتقرون إلى حماية اجتماعية وقانونية كافية. كما لم تستعد الأجور الحقيقية في معظم البلدان مستوياتها السابقة للجائحة، واستمرت فجوات المشاركة في سوق العمل، ولا سيما بين النساء والشباب. ويشير التقرير إلى أن تسريع نمو الإنتاجية يتطلب معالجة ضعف التحول الهيكلي والاستثمار في التعليم والمهارات والبنية التحتية، مع توسيع فرص العمل اللائق والاستفادة من التحول الأخضر الذي وفر 16.2 مليون وظيفة في الطاقة المتجددة. كما يبرز أهمية السياسات الصناعية، والاستثمار المحلي، والاستفادة من التحويلات المالية، والتنسيق بين السياسات الوطنية والدولية لتحقيق العدالة الاجتماعية وأهداف التنمية المستدامة، مؤكداً أن العمل اللائق والعمالة المنتجة يمثلان أساساً لنمو أكثر شمولاً واستدامة.

تمهيد

بينما نحتفي ببلوغ معدل البطالة العالمي مستوى منخفضاً غير مسبوق تاريخياً عند 5%، قد يظن المرء أن سوق العمل تعيش حالة من الازدهار. غير أننا نعيش زمناً تتشابك فيه التناقضات والتحديات، إذ يتجاور فيه التقدم الحقيقي مع عقبات اقتصادية راسخة. فخلف الأرقام المشجعة لعام 2024 يكمن واقع مستمر، يتمثل في أن ملايين البشر، ولا سيما في البلدان الأقل نمواً، ما زالوا عالقين في دوامات من العمل غير المنظم وفقر العاملين والتهميش الاقتصادي. وهذا الواقع الذي يعرضه تقرير التوقعات العالمية للتوظيف والوضع الاجتماعي: الاتجاهات حتى عام 2025 يستدعي وقفة جادة لمراجعة حال العمالة العالمية والعمل اللائق.

إن سد الفجوات بين الجنسين وفي المهارات، والحد من تفاوت الأجور، أمور لا غنى عنها لتحقيق النمو الاقتصادي، فضلاً عن دورها في تعزيز العدالة الاجتماعية. كما يشكل العمل اللائق والعمالة المنتجة ركيزة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030.

وما زالت سوق العمل تعاني من اختلالات جوهرية. فقد تباطأ النمو الاقتصادي إلى 3.2%، مما يحد من فرص تحقيق تحسينات ملموسة في خلق الوظائف وظروف العمل، خاصة في البلدان منخفضة الدخل. ولم يُسهم التقدم التكنولوجي في رفع نمو الإنتاجية ومستويات المعيشة بالقدر المأمول. وعلى الرغم من الجهود المبذولة عبر السياسات الصناعية، فقد توقف التحول الهيكلي، أي الانتقال نحو اقتصادات أكثر تنوعاً وإنتاجية، وباتت مكاسبه محصورة في مناطق بعينها.

وتتعدد العوائق التي تحول دون قيام سوق عمل عالمية مزدهرة. فبطالة الشباب ما زالت تمثل تحدياً بالغ الخطورة، إذ يكافح الشباب، لا سيما في البلدان منخفضة الدخل، للحصول على عمل وعلى تعليم جيد. كما تحدّ أوجه التفاوت المكاني داخل البلدان من قدرة العاملين، وخاصة النساء، على الانتقال إلى وظائف أفضل أجراً. ويُضعف تركز سوق العمل إمكانات المنشآت الصغيرة والمتوسطة، فيُقيد مكاسب الإنتاجية ونمو الأجور. وفي الوقت ذاته، تُثقل أسواق العمل المجزأة، التي يزيد من حدتها ركود التجارة وعدم استغلال إمكانات هجرة العمالة، كاهل توقعات النمو الحيوي للعمالة.

ولمواجهة هذه التحديات، يتعين على العالم أن يتبنى مقاربات جديدة للعدالة الاجتماعية تولّد العمل اللائق. ويجب تنسيق السياسات على المستويين الوطني والمتعدد الأطراف، مع التركيز على مواءمة الموارد المالية والتكنولوجية وتخفيف أعباء الديون عن أشد الفئات حاجة. وكثيراً ما تعجز الموارد الموجهة إلى أفقر مناطق العالم عن تحقيق نتائج ملموسة، بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية والتنسيق الكفيلين بتوجيه الجهود نحو إضفاء الطابع المنظم على العمل وتحقيق العمالة المنتجة.

إن رسم مسار أكثر إشراقاً يتطلب إجراءات جريئة. ويسعى التحالف العالمي من أجل العدالة الاجتماعية إلى تحفيز هذا التحول، مستفيداً من الخبرات الجماعية للهيئات الدولية وأصحاب المصلحة. ويجمع التحالف المعارف والمهارات لتعزيز الاستجابات المنسقة على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية، بما يُسهم في إرساء نهج محوره الإنسان، ويضمن الاعتراف بالعدالة الاجتماعية حجر زاوية لتعافٍ عالمي مستدام.

ومع تطلعنا إلى عام 2025 وما بعده، تبدو الرسالة واضحة: لا يملك المجتمع الدولي ترف التهاون. فتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال العمل اللائق ليس مجرد هدف، بل هو الأساس لعالم أكثر عدلاً وازدهاراً.

جيلبير ف. هونغبو، المدير العام لمنظمة العمل الدولية

شكر وتقدير

أعدّت وحدة سياسات الاقتصاد الكلي والوظائف في إدارة البحوث بمنظمة العمل الدولية تقرير التوقعات العالمية للتوظيف والوضع الاجتماعي: الاتجاهات حتى عام 2025. وتولى إعداده كل من كانهو تشاران برادهان، وماتيو شارب، وخورخي دافالوس، وسابينا ديوان، ولوكا فيدي، وريتشارد هورن، وستيفان كون، وميغيل سانشيز مارتينيز، وشاميندرا ناث، وديانا توريس، بتنسيق وقيادة من إكهارد إرنست. وقد أُنجز التقرير تحت التوجيه العام لريتشارد سامانز، المدير المتقاعد لإدارة البحوث في المنظمة. ويعرب المؤلفون عن امتنانهم لجميع الإسهامات والمقترحات التي تلقوها من المكاتب الإقليمية لمنظمة العمل الدولية في أفريقيا والدول العربية وآسيا والمحيط الهادئ وأوروبا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

وقد أعدّت التقديرات النموذجية لمنظمة العمل الدولية الواردة في هذا التقرير وحدة إنتاج البيانات وتحليلها في إدارة الإحصاء بالمنظمة، التي يقودها ستيفن كابسوس، بالتعاون مع وحدة سياسات الاقتصاد الكلي والوظائف في إدارة البحوث. ويخص المؤلفون بالتقدير أعمال النمذجة التي اضطلع بها كل من إيفانجيليا بورمبولا، وبالوما كاريو، ومارتا غولين، وروجر غوميس، وستيفان كون، وأفيتشال ماهاجان، وميغيل سانشيز مارتينيز. وقد أعدّت وحدة إنتاج البيانات وتحليلها في إدارة الإحصاء قاعدة البيانات الأساسية للمؤشرات الدولية لسوق العمل المستخدمة في إنتاج هذه التقديرات، كما يود المؤلفون التنويه بجهود ديفيد بيسكوند، وفيباسانا كاركي، ودونيكا ليماني، وكوينتين ماتيس، وإيف بيراردل.

وقد قدّم شير فيريك، مستشار نائبة المدير العام لمنظمة العمل الدولية سيليست دريك، تعليقات ومقترحات قيّمة. وتود إدارة البحوث أن تعرب عن تقديرها للتعليقات والمقترحات التي قدمها عدد من زملاء المنظمة، وهم: أندرو أليو، وماريو بيريوس، ومارلين دي لا شو، ومارتا غولين، وإليانور داشون، وسارا إلدر، وكريستوف إرنست، وروجر غوميس، وبالوما كاريو، وفو هوين، وستيفن كابسوس، وأسفاو كيدانو، وسانغيون لي، ومايكل ليو كي سونغ، ودراغان راديتش، ودوروثيا شميدت كلاو، وميتو تسوكاموتو، وستيفان أولريش.

ونود أن نعرب عن امتناننا لجودي رافيرتي وزملائنا في وحدة إنتاج المطبوعات على مساعدتهم في عملية الإنتاج، ولزملائنا في إدارة الاتصال والإعلام العام بمنظمة العمل الدولية على تعاونهم ودعمهم المتواصلين في نشر التقرير.

الملخص التنفيذي: من تعافي الوظائف إلى صمود مستدام؟

نمو العمالة ما زال مطرداً، لكن قدرة سوق العمل على الصمود ما زالت محل اختبار

توسعت العمالة العالمية في عام 2024 بما يتماشى مع نمو القوى العاملة، فظل معدل البطالة العالمي مستقراً عند 5%، على غرار ما كان عليه في عام 2023. وفي الوقت نفسه، ظل نمو العمالة أضعف من أن يُحدث أثراً ملموساً في أوجه العجز المزمنة في العمل اللائق حول العالم. ولا يزال الشباب على وجه الخصوص يواجهون معدلات بطالة أعلى بكثير، تقارب 12.6%، مع مؤشرات ضئيلة على التحسن. ومع عودة معدلات العمل غير المنظم وفقر العاملين إلى مستوياتها السابقة للجائحة، فقد تعافي الوظائف كثيراً من قدرته على تحقيق مزيد من التحسن وسد الفجوة مع غايات أهداف التنمية المستدامة. وبما أن التوقعات الاقتصادية والاجتماعية ما زالت يكتنفها قدر كبير من عدم اليقين، في ظل التوترات الجيوسياسية وتصاعد كلفة تغير المناخ ومخاطر الديون السيادية التي لم تُحل بعد، فإن قدرة أسواق العمل على الصمود باتت موضع اختبار. وتبدو البلدان منخفضة الدخل معرضة للخطر بصفة خاصة، إذ كان التقدم في خلق العمل اللائق فيها هو الأبطأ.

التعافي الاقتصادي يفقد زخمه

يواصل الاقتصاد العالمي توسعه بوتيرة معتدلة، غير أن التوقعات تشير إلى أنه سيفقد زخمه تدريجياً، مما يحول دون تعافٍ أقوى وأكثر استدامة لسوق العمل. فقد بلغ النمو الاقتصادي 3.2% في عام 2024، منخفضاً من 3.3% في عام 2023 و3.6% في عام 2022. ويُتوقع أن يتحقق توسع مماثل في عام 2025، يعقبه تباطؤ تدريجي على المدى المتوسط. وقد أسهم التراجع السريع في معدلات التضخم والنمو القوي في عدد قليل من المراكز الاقتصادية الكبرى في استقرار الاقتصاد العالمي. بيد أن رياحاً معاكسة قد هبّت، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وعودة السياسات النقدية والمالية إلى توجهاتها السابقة للجائحة. ولا تزال التحولات الديموغرافية في الاقتصادات المتقدمة وبعض الاقتصادات الناشئة الكبيرة تُلقي بظلالها، في حين خفّت حدة نقص العمالة دون أن يختفي تماماً. وفي البلدان الأوروبية بوجه خاص، ما زالت ظاهرة احتفاظ المنشآت بالعمالة الفائضة مرتفعة، مما يعيق العودة السريعة إلى اتجاهات ما قبل الجائحة. كما تراجعت معدلات الاستثمار مجدداً، وأثّر ارتفاع أسعار الطاقة سلباً في الإنتاج الصناعي. وباستثناء أمريكا الشمالية، لا تظهر أي بوادر على تسارع نمو الإنتاجية، على الرغم من التطورات التكنولوجية الكبرى، ولا سيما في تقنيات المعلومات والبحوث الطبية.

مما ساعد على خفض التضخم

على خلفية ضعف النمو، انخفضت معدلات التضخم في عام 2024 مقتربة من المستويات المستهدفة لدى معظم البنوك المركزية. وبدأت أسعار الفائدة الرسمية في التراجع مجدداً بعد أن بلغت مستويات لم تُشهد منذ ثمانينيات القرن الماضي. وبعد أن أخفقت البنوك المركزية في التنبؤ على النحو الصحيح باختناقات العرض التي سببتها الجائحة، نجحت في خفض معدلات التضخم دون أن تتسبب في ركود كبير لسوق العمل. ومع ذلك، ما زالت مستويات الأسعار مرتفعة، ولم تهبط معدلات التضخم بعد إلى مستوياتها المستهدفة في كثير من البلدان المتقدمة. غير أن أي تشديد إضافي، ولا سيما من جانب صانعي السياسات المالية، قد ينطوي على خطر إحداث اضطرابات اجتماعية خطيرة، على غرار ما شهدته مؤخراً بعض البلدان ذات التضخم المرتفع في سعيها لخفض معدلاته.

لكنه يحول دون تعافي الأجور الحقيقية

على الرغم من تراجع معدلات التضخم، لم يلحق نمو الأجور بعدُ بما فُقد من دخل بسبب الجائحة، ويعود ذلك جزئياً إلى ضعف نمو العمالة. فقد ظلت البطالة العالمية مستقرة، لكن نمو الأجور الحقيقية لم يتسارع إلا في عدد قليل من الاقتصادات المتقدمة التي يشتد فيها الطلب على العمالة. وفي معظم البلدان، لم تستعد الأجور الحقيقية ما خسرته خلال سنوات الجائحة وموجة التضخم التي أعقبتها.

ويرتبط جزء من أسباب ضعف نمو الأجور الحقيقية بتحول القوة في سوق العمل لصالح أصحاب العمل خلال العقد الماضي. ففي البلدان التي تتوافر عنها بيانات، يقترن تزايد تركز السوق بانتقال القوة في سوق العمل من العاملين إلى أصحاب العمل، مع آثار سلبية خاصة على الفئات الضعيفة والشباب. وعلى وجه التحديد، يبدو أن تركز سوق العمل قد أسهم في تسريع الأتمتة دون أن يفضي إلى تحسن في إنتاجية العمل.

معدل المشاركة في القوى العاملة يواصل الانخفاض مع آثار سلبية على الشباب

تراجع معدل المشاركة في القوى العاملة تراجعاً طفيفاً، وأثّر ذلك سلباً في نمو العمالة. وثمة فوارق كبيرة بين البلدان منخفضة الدخل التي انخفضت فيها معدلات المشاركة على نحو شامل، والبلدان مرتفعة الدخل التي ارتفعت فيها المشاركة، لا سيما بين العاملين الأكبر سناً والنساء. فقد عوّض ارتفاع مشاركة كبار السن في الاقتصادات المتقدمة شيخوخة السكان في سن العمل، مما سمح بارتفاع معدل المشاركة الإجمالي في هذه المجموعة من البلدان بنحو نقطة مئوية واحدة خلال السنوات العشر الماضية، في مقابل انخفاضه على مستوى العالم ككل.

ولا تزال الفجوات بين الجنسين في المشاركة كبيرة، إذ تقل مشاركة النساء في سوق العمل كثيراً عن مشاركة الرجال، مما يعني أن البلدان تُهدر إمكانات كبيرة لتحسين مستويات المعيشة. وحيثما تقلصت هذه الفجوات، فكثيراً ما لم يكن ذلك نتيجة لتحسن مشاركة النساء، بل نتيجة للانخفاض المستمر في معدلات مشاركة الرجال، لا سيما الشباب منهم. ومما يدعو إلى الأسف أن هذا التراجع في مشاركة الشباب الذكور لا يُعزى كله إلى ارتفاع المستويات التعليمية. بل إن معدل الشباب الذكور غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب قد ارتفع في السنوات الأخيرة مقارنة بمتوسطه التاريخي. وفي البلدان منخفضة الدخل تحديداً، ارتفع هذا المعدل بين الشباب الذكور بنحو 4 نقاط مئوية فوق المتوسط التاريخي، مما يجعل كثيراً منهم أقل تأهيلاً للمشاركة الناجحة في سوق العمل وأكثر عرضة للصدمات المستقبلية.

فجوة الوظائف العالمية تراجعت

في ظل استقرار معدلات البطالة، بلغت فجوة الوظائف العالمية، وهي التقدير الإجمالي الذي تعتمده منظمة العمل الدولية للعدد الكلي للوظائف المفقودة، نحو 402.4 مليون في عام 2024. وتضم هذه الفجوة قرابة 186 مليون عاطل عن العمل، و137 مليوناً ينتمون إلى القوى العاملة المحتملة، ومعظمهم من العاملين المحبطين، ونحو 79 مليون شخص يرغبون في العمل لكن لديهم التزامات، كأعباء الرعاية، تمنعهم من الالتحاق بوظيفة. وفي ظل التراجع التدريجي في معدل المشاركة في القوى العاملة، واصلت فجوة الوظائف اتجاهها الهبوطي الذي كانت عليه قبل الجائحة، غير أنه يُتوقع أن تستقر خلال العامين المقبلين.

لكن مع تقدم محدود في معالجة أوجه العجز في العمل اللائق

لم تُظهر المؤشرات الاجتماعية الأخرى سوى بوادر ضئيلة على التحسن منذ عام 2015. فرغم تحسن فقر العاملين على المستوى العالمي، فإنه ما زال قائماً في البلدان منخفضة الدخل، إذ تطال أشد أشكاله 240 مليون عامل، أي 7% من القوى العاملة العالمية. ولا يزال العمل غير المنظم مرتفعاً ومتجذراً في أنحاء كثيرة من العالم، فأكثر من نصف القوى العاملة العالمية لا يتمتعون بتغطية كافية من ترتيبات الضمان الاجتماعي أو الحماية القانونية أو تدابير السلامة في مكان العمل. كما ازداد التفاوت، إذ تركزت التخفيضات في فقر العاملين والعمل غير المنظم في عدد قليل من البلدان في شرق آسيا وجنوب شرقها وأمريكا اللاتينية، بينما لم تشهد بلدان أخرى كثيرة سوى انخفاضات محدودة فيهما، وما زالت تكافح لتوفير العمل اللائق.

الحاجة إلى نمو أسرع في الإنتاجية لمعالجة أوجه العجز في العمل اللائق

لا يزال تباطؤ نمو الإنتاجية يمثل عائقاً رئيسياً أمام توسيع فرص العمل اللائق. وكما أبرزت التقارير السابقة من هذه السلسلة، يواصل نمو الإنتاجية اتجاهه الهبوطي طويل الأمد بعد ارتفاع عابر خلال الجائحة. فقد انخفض نمو إنتاجية العمل العالمية بنصف نقطة مئوية عن متوسطه طويل الأمد السابق للجائحة. وشهدت بلدان كثيرة لم تبلغ بعد مرتبة الدخل المرتفع تراجعاً سريعاً في معدلات نمو إنتاجيتها.

وتبحث البلدان عن حلول لمعالجة هذا التباطؤ. ويرتبط جزء منه بتباطؤ التحول الهيكلي نحو الصناعة التحويلية والخدمات عالية الإنتاجية. فضلاً عن ذلك، ضعف نمو الإنتاجية داخل القطاعات أيضاً، لا سيما في الصناعة والخدمات الحديثة، رغم الاستثمارات الكبيرة في الروبوتات خلال العقد الماضي. وتواجه القوى الصناعية الكبرى صعوبات جدية في تحقيق مزيد من النمو الصناعي. ولا يمثل ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعدها، بفعل النزاعات الدولية والتحول في مجال الطاقة، سوى جزء من المشكلة، إذ إن ضعف الإنتاج الصناعي سابق للصعوبات الأخيرة. وفي الوقت ذاته، تجد الخدمات الإنتاجية صعوبة في تعويض العجز الذي خلّفته الصناعة. فالخدمات الحديثة، كخدمات الأعمال وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تعتمد أكثر من الصناعة على قوى عاملة متعلمة تعليماً جيداً وبنية تحتية عامة تحظى بصيانة جيدة. وفي غياب هذه القوى العاملة الماهرة والبنية التحتية المتطورة، تنشأ أوجه تفاوت مكاني كبيرة تحول دون نمو أكثر إنصافاً على امتداد أراضي البلد.

وحتى في البلدان التي شهدت تحولاً نحو الصناعة التحويلية والخدمات الحديثة، كتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وخدمات الأعمال، لم يتراجع التفاوت على نحو منهجي. ويمكن لأوجه التفاوت المكاني داخل البلدان أن تفسر غياب التقارب في مستويات المعيشة والعمالة المنتجة بين الاقتصادات النامية والمتقدمة. ففي كثير من الاقتصادات الناشئة والنامية، تعجز الصناعة التحويلية والخدمات الحديثة كلتاهما عن توليد آثار غير مباشرة كافية لخلق عمالة منتجة خارج عدد قليل من المراكز المتقدمة. ومن دون استثمارات كافية في البنية التحتية وتعليم جيد وخدمات عامة أخرى، ستعاني قلة من التجمعات عالية الإنتاجية من الاكتظاظ، ولن تولّد آثاراً إيجابية تمتد إلى كامل أراضي البلد.

ولتوزيع منافع التنمية على نطاق أوسع، عمدت البلدان إلى استكشاف دور السياسات الصناعية بصورة أعمق. ومع الصعود السريع للتقنيات الرقمية الجديدة، تسعى بلدان كثيرة إلى الاستفادة من الإمكانات التنموية للذكاء الاصطناعي، من خلال تصميم سياسات صناعية خاصة موجهة إلى المنظومات الرقمية المحلية، وكثيراً ما تنفذها. غير أنه بالنظر إلى المتطلبات الكبيرة من حيث المهارات والبنية التحتية الرقمية وكلفة الطاقة، فإن قلة من البلدان والولايات القضائية قادرة على الوصول إلى الطرف ذي القيمة المضافة العالية من الاقتصاد الرقمي. وفي المقابل، تشهد بلدان كثيرة، من بينها بعض البلدان المتقدمة رقمياً في جنوب شرق آسيا، تزايد أعداد العاملين الذين يستوعبهم العمل في معالجة البيانات وعمل المنصات المؤقت، حيث يواجهون ظروف عمل أسوأ وفرصاً أقل للترقي المهني.

فرص جديدة للعمل اللائق تبرز مع التحول الأخضر

دفعت الاستثمارات المتزايدة لتسريع التحول نحو الطاقة والنقل الأخضرين صانعي السياسات إلى تركيز سياساتهم الصناعية على هذين المجالين. فمنذ عام 2023، ارتفعت الوظائف في قطاع الطاقة المتجددة مجدداً لتبلغ 16.2 مليون وظيفة، أي أكثر من نصف مجموع الوظائف في قطاع الطاقة والمرافق. وقد أسهم الدعم الحكومي واسع النطاق وتوسيع البنية التحتية العامة، فيما يخص محطات شحن المركبات الكهربائية وشبكة الكهرباء، في طفرة في توليد الطاقة الشمسية والهيدروجينية، ساعدت بدورها على زيادة سريعة في أعداد المركبات الكهربائية. غير أن خلق الوظائف في إنتاج الطاقة المتجددة يتوزع على نحو غير متكافئ حول العالم. فنحو نصف فرص العمل الخضراء الجديدة كانت في شرق آسيا، بينما لم تجن الاقتصادات النامية والناشئة الأخرى سوى منافع محدودة من حيث العمل اللائق. وقد استقطبت أمريكا الشمالية وآسيا والمحيط الهادئ الجزء الأكبر من الوظائف الجديدة في الطاقة المتجددة، إذ تستأثر الصين وحدها بنسبة 46% من مجموع وظائف هذا القطاع.

تسريع التقدم نحو العدالة الاجتماعية وأهداف التنمية المستدامة يتطلب حلولاً مبتكرة

ثمة حاجة إلى سبل جديدة لتوظيف الأموال الخاصة الكبيرة المتاحة في التنمية الاقتصادية المحلية. ومن السبل الممكنة التي لم تُستغل بعد، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل، الاستفادة من التدفقات الكبيرة والمتنامية للتحويلات المالية. وقد بدأت بعض بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في استكشاف صناديق المغتربين ضمن مساعيها لتعزيز تمويل الرعاية الصحية خلال الجائحة. ومع ترجيح لجوء الاقتصادات المتقدمة بصورة متزايدة إلى العمال المهاجرين النظاميين من البلدان النامية، فمن المرجح أن تزداد أهمية التحويلات المالية، التي تمثل بالفعل أكبر مصدر للأموال الخاصة متقدمة على الاستثمار الأجنبي المباشر. وإلى جانب التحديات الاقتصادية الكلية التي يطرحها تدفق الأموال الخاصة عبر التحويلات على البلدان المتلقية، كثيراً ما تُستخدم هذه التحويلات في الاستهلاك فقط أو في استثمارات غير منتجة. ومن شأن توفير أدوات لتجميعها في صناديق أن يمنح البلدان موارد لتعزيز استثمارات القطاع الخاص.

ويظل العمل اللائق والعمالة المنتجة حجر الزاوية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030. غير أن التقدم توقف خلال السنوات العشر الماضية، ورغم أن النمو الاقتصادي أثبت ثباته على المستوى العالمي، فإن بوادر الضعف وعدم اليقين بدأت تعاود الظهور، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل. ويحدد التقرير اختناقات رئيسية تعيق تسريع التحول الهيكلي، بما في ذلك في بعض الاقتصادات المتقدمة التي ستستفيد من قطاع خدمات إنتاجية أكبر. ويبدو أن ارتفاع أوجه التفاوت المكاني داخل البلدان وتصاعدها يشيران إلى أن العاملين يواجهون عوائق في الانتقال إلى فرص عمل ذات أجور أعلى وظروف عمل أفضل. علاوة على ذلك، يحول تركز سوق العمل دون أن تعزز التقنيات الجديدة نمو الإنتاجية، لا سيما في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مما يحد من إمكانات تسريع نمو الأجور وتحسين ظروف العمل والحد من العمل غير المنظم. وأخيراً، لا بد من إزالة الاختناقات الناجمة عن غياب التحول الهيكلي، بما في ذلك من خلال تزويد الشباب بالمهارات والتعليم اللازمين للمشاركة الناجحة في سوق العمل.

دراسات ذات صلة