القائمة الرئيسية

تقرير التوقعات العالمية للتوظيف والوضع الاجتماعي: الاتجاهات حتى عام 2025 (3/1)

تقرير التوقعات العالمية للتوظيف والوضع الاجتماعي: الاتجاهات حتى عام 2025 (3/1)
ملخص الدراسة

يوضح الفصل أن الاقتصاد العالمي تجاوز إلى حد كبير آثار الجائحة، إلا أن تباطؤ النمو واستمرار عدم اليقين والتوترات الجيوسياسية وارتفاع الديون تهدد قدرة أسواق العمل على تحقيق تعافٍ مستدام. ورغم استقرار البطالة العالمية عند 5% والمشاركة في القوى العاملة عند 61% في عام 2024، فإن هذه المؤشرات تخفي مشكلات هيكلية، أبرزها تباطؤ نمو العمالة والإنتاجية والأجور الحقيقية، واتساع فجوة الوظائف التي بلغت نحو 402.4 مليون وظيفة، واستمرار ارتفاع بطالة الشباب والعمل غير المنظم وفقر العاملين، إلى جانب فجوات كبيرة بين الجنسين في فرص العمل والمشاركة الاقتصادية. ويشير الفصل إلى أن زيادة مشاركة النساء في سوق العمل يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية كبيرة، خصوصاً في الدول العربية وشمال أفريقيا والبلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا. كما أن تعثر التحول الهيكلي واستمرار نسبة كبيرة من العمالة في الزراعة والخدمات منخفضة الإنتاجية يحدان من تحسين جودة الوظائف، في حين يسهم تركز سوق العمل في إضعاف نمو الأجور وانتقال مكاسب الإنتاجية إلى العاملين. وفي المقابل، يخلق التحول الأخضر فرصاً جديدة، إذ ارتفعت وظائف الطاقة المتجددة إلى 16.2 مليون وظيفة في 2023، لكنها ما تزال موزعة بصورة غير متكافئة جغرافياً وبين الجنسين. ويتوقع الفصل استمرار الضغوط مستقبلاً بفعل شيخوخة السكان وتغير المناخ والتحول التكنولوجي والذكاء الاصطناعي وأعباء الديون، مؤكداً أن تحقيق صمود مستدام يتطلب تسريع خلق الوظائف المنتجة واللائقة، والاستثمار في التعليم والمهارات ورأس المال البشري، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ودعم التحول الهيكلي وإدارة التحولات الخضراء والتكنولوجية بما يضمن مشاركة أوسع وأكثر عدالة في سوق العمل.

الفصل الأول: من التعافي إلى صمود مستدام؟

النمو الفاتر يضع أسواق العمل على المحك

يواصل الاقتصاد العالمي توسعه، لكنه يفقد زخمه، مما يبطئ التحسن في أسواق العمل ويختبر قدرتها على الصمود. فمعدلات النمو العالمي ما زالت مستقرة عند نحو 3.2% في عامي 2024 و2025، لكن يُتوقع أن تتراجع على المدى المتوسط. وقد انخفضت معدلات التضخم من 6.7% في عام 2023 إلى 5.9% في عام 2024، ويُنتظر أن تواصل تباطؤها لتبلغ المستويات المستهدفة على المدى المتوسط. ويبدو ذلك مبشراً باستعادة القوة الشرائية والطلب الاستهلاكي، غير أن التضخم المرتفع فوق المتوسط في قطاع الخدمات يبطئ مسار انحسار التضخم. وعلى الرغم من توقع نمو التجارة العالمية بوتيرة أسرع من الناتج المحلي الإجمالي في العام المقبل، فإن الصناعة التحويلية ما زالت ضعيفة، وتُثقل كاهلها موجة من القيود على التجارة عبر الحدود. ومن المرجح أن تبطئ هذه الاتجاهات التحسن الذي شهدته أسواق العمل بعد الجائحة.

ولا يزال عدم اليقين الاقتصادي مرتفعاً في بيئة يسودها نزاع جيوسياسي حاد وتهديدات مستمرة لسلاسل الإمداد، مما يثبط عزيمة المستثمرين. ونتيجة لذلك، ظلت معدلات الاستثمار في عام 2024 دون مستوياتها في العام السابق، وإن بقيت أعلى مما كانت عليه خلال العقد الماضي. وفي منطقة اليورو، لم يلحق الاستثمار بعد باتجاهات ما قبل الجائحة، لأن الشركات تتردد في الاستثمار حين تواجه صعوبات في شغل وظائفها الشاغرة في فترات النقص المطوّل في العمالة، وهو نقص خفّت حدته دون أن يختفي تماماً. يضاف إلى ذلك أن صدمة أسعار الطاقة التي ضربت البلدان الصناعية خلال العامين الماضيين أثقلت كاهل الإنتاج الصناعي، وهو قطاع من الاقتصاد كثيف رأس المال والاستثمار. ومع وجود استثناءات بارزة كالهند، يبدو النمو مستقراً في البلدان النامية والناشئة. غير أن النمو في أفريقيا بوجه خاص ما زال أدنى من أن يحقق تقارباً ملموساً في مستويات المعيشة مع المتوسطات العالمية. ويعاني النمو الاقتصادي في البلدان النامية من تزايد التشرذم الجيوسياسي وارتفاع أسعار الغذاء وثقل أعباء الديون السيادية. وتُفاقم هذه العوامل الغموض الذي يكتنف توقعات أسواق العمل. ولا يكفي النمو في كثير من هذه البلدان لتوفير ما يكفي من الوظائف المنتجة والجيدة لأعداد الشباب الكبيرة والمتنامية الداخلة إلى سوق العمل.

وعلى الجانب الإيجابي، أثبتت السياسة النقدية نجاحها في خفض التضخم دون التسبب في ركود، بخلاف موجات سابقة شهدت تضخماً مرتفعاً. ومع ذلك، ما زالت مستويات الأسعار مرتفعة، ولم تعد معدلات التضخم بعد إلى ما دون المستويات المستهدفة في كثير من البلدان المتقدمة. فبعد رد فعل فاتر في بداية موجة التضخم الأخيرة، أطلقت البنوك المركزية الكبرى واحداً من أسرع التحولات في السياسة النقدية في التاريخ الحديث. ورغم أن ذلك كان مؤلماً في البداية، فقد نجح في درء ركود حاد في معظم البلدان. وفي المقابل، فإن السماح للتضخم بالتسارع على نحو كبير أدى إلى انخفاض ملموس في الدخل المتاح لكثير من أصحاب الأجور، وهو انخفاض لم يُعوَّض بالكامل بعد. وفي معظم البلدان، لم تتعاف الأجور الحقيقية من الخسائر التي تكبدتها خلال الجائحة وموجة التضخم اللاحقة، مما يضغط على الاستهلاك الخاص.

ولا تزال السياسة المالية داعمة في أنحاء كثيرة من العالم، لكن صانعي السياسات يشعرون بقلق متزايد إزاء التبعات طويلة الأمد لارتفاع مستويات الدين السيادي. فقد اتخذت بعض حكومات مجموعة العشرين إجراءات صارمة، أو تنتهج سياسات مالية متحفظة تفرضها قواعد مالية من قبيل "كابح الديون" في ألمانيا وسويسرا. بينما تشهد بلدان أخرى تدهوراً تدريجياً في وضعها المالي طويل الأمد، مع ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل رغم انخفاض أسعار الفائدة قصيرة الأجل، أو مع تخفيض التصنيفات الائتمانية لديونها السيادية. ويُتوقع على المدى المتوسط أن تسود صرامة مالية أكبر في أنحاء كثيرة من العالم، مما سيزيد الضغط على التوقعات الاقتصادية، مع احتمال حدوث آثار ضارة طويلة الأمد.

غير أن وراء التطبيع التدريجي لمزيج السياسات الاقتصادية الكلية تكمن مواطن ضعف هيكلية قديمة عادت إلى الظهور. فالتحولات العميقة، كتغير المناخ والتقدم التكنولوجي والتحولات الديموغرافية والتوترات الجيوسياسية والنزاعات، تُفاقم هذه المواطن، وتزيد من الغموض الذي يكتنف توقعات هي في الأصل شديدة الضبابية. ويتحمل أكثر الفئات ضعفاً، ومنها النساء والشباب، القسط الأكبر من الآثار السلبية. وقد توقف التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، ولم تُظهر مؤشرات اجتماعية كثيرة سوى بوادر ضئيلة على التحسن منذ عام 2015. ويدخل الاقتصاد العالمي مرحلة "طبيعية جديدة" ستُختبر فيها قدرة أسواق العمل على الصمود. ورغم أن بلداناً كثيرة استعادت قوتها الاقتصادية وعادت إلى مستويات النشاط الاقتصادي السابقة للجائحة، فإن قدرتها على معالجة مواطن الضعف الهيكلية باتت مقيدة بشدة بفعل الإجراءات الاقتصادية السابقة.

أرقام التوظيف المطمئنة في ظاهرها تخفي مواطن ضعف هيكلية

يواصل التوسع الاقتصادي الجاري توليد فرص العمل، مما يحافظ على استقرار معدل التوظيف العالمي. ويشير ثبات معدلات المشاركة في القوى العاملة والبطالة إلى توافر الوظائف، غير أن وتيرة نمو العمالة تتباطأ، كما يتباطأ التحسن في جودة الوظائف والإنتاجية. وفي الوقت ذاته، لا يبلغ نمو العمالة من القوة ما يكفي لتوفير فرص عمل لائق للجميع. ولا يزال العمل غير المنظم مرتفعاً، لا سيما في البلدان منخفضة الدخل، ويستوعب كثيراً من الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

وقد ظل معدل المشاركة العالمي في القوى العاملة عند 61% في عام 2024، فتوقف مؤقتاً الانخفاض طويل الأمد في المشاركة. غير أن هذا الاستقرار العالمي يخفي تبايناً كبيراً بين المناطق. فقد شهدت البلدان منخفضة الدخل تراجعاً طفيفاً في معدلات مشاركتها، كما شهدت البلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا والبلدان مرتفعة الدخل تراجعاً يعود في معظمه إلى شيخوخة سكانها. أما البلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا فقد شهدت ارتفاعاً، يعود أساساً إلى نمو مشاركة النساء في الريف الهندي في القوى العاملة.

وخلال العقد الماضي، انخفض معدل المشاركة في القوى العاملة بمقدار 0.8 نقطة مئوية، مدفوعاً أساساً بانخفاضات هيكلية في البلدان منخفضة الدخل والبلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا، وبشيخوخة السكان في البلدان مرتفعة الدخل وبعض البلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا. وخلافاً للاتجاه العالمي، شهدت البلدان مرتفعة الدخل، وكذلك النساء في البلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، ارتفاعاً في المشاركة. بل إن معدل المشاركة العالمي كان سيرتفع بمقدار 0.4 نقطة مئوية خلال العقد الماضي لولا التحول الديموغرافي. كما شهدت النساء ارتفاعاً كبيراً في معدلات مشاركتهن في البلدان متوسطة الدخل، في بعض الفئات العمرية على الأقل. وفي المقابل، تراجعت معدلات مشاركة الشباب الذكور أكثر بكثير من المتوسط العالمي، مما يشير إلى أنهم يواجهون عقبات أكبر في الاندماج في سوق العمل.

ورغم تسارع شيخوخة السكان، شهدت البلدان مرتفعة الدخل زيادة كبيرة في معدلات المشاركة في القوى العاملة خلال العقد الأخير. وقد أتاح ذلك عودة أشخاص من جميع الفئات العمرية، ولا سيما النساء ومن تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاماً، إلى سوق العمل. وقد فاق الارتفاع القوي في معدلات المشاركة عبر الفئات العمرية أثر التحول الديموغرافي، أي أثر تزايد نسبة كبار السن الذي يميل إلى خفض المعدل الإجمالي للمشاركة لدى جميع من تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر. ولو لم تتوسع معدلات المشاركة بهذه القوة في جميع الفئات العمرية، ولا سيما بين النساء، لشهدت البلدان مرتفعة الدخل انخفاضاً قدره 2.5 نقطة مئوية في المعدل الإجمالي للمشاركة بسبب شيخوخة السكان، بدلاً من الارتفاع الفعلي البالغ 0.9 نقطة مئوية.

وبين عامي 2019 و2024، تباطأ نمو القوى العاملة والعمالة في البلدان مرتفعة الدخل. ويعود الركود الفعلي في المعدل الإجمالي للمشاركة إلى تراجع وتيرة ارتفاع المشاركة في جميع الفئات، مقترناً بتزايد أثر التحول الديموغرافي. وفي هذه الفترة، ارتفع معدل مشاركة النساء بينما انخفض معدل مشاركة الرجال. ومن المرجح أن يعود تباطؤ وتيرة الدخول إلى سوق العمل إلى مزيج من تراجع جاذبية العمل حين يتباطأ نمو العمالة الجيدة، ومن كون الأشخاص الأكثر ارتباطاً بسوق العمل قد دخلوها بالفعل على الأرجح.

ولا يزال معدل البطالة العالمي ثابتاً. فعند 5% في عام 2024، يظل دون متوسطاته التاريخية. غير أن هذا المعدل العالمي يخفي تباينات إقليمية وقُطرية كبيرة، ولا يعكس أوجه العجز الكبيرة في العمل اللائق، لا سيما بين الفئات الضعيفة. فقد شهدت بلدان أوروبية عدة خلال العقد الأخير تحسناً كبيراً في معدلات البطالة، التي انخفضت إلى ما دون 8% في عام 2024 بعد أن تجاوزت 12% في مطلع العقد الثاني من هذا القرن. أما في جنوب أفريقيا، فما زالت البطالة مرتفعة بإصرار، إذ تتجاوز 30% في عام 2024 مع تحسن ضئيل جداً.

ولم تستفد بطالة الشباب من التعافي الاقتصادي بالقدر ذاته الذي استفادت منه البطالة الإجمالية، فظلت عند 12.6% في عام 2024. ولا تزال بطالة الشباب أعلى بكثير من بطالة البالغين، إذ تبلغ في بعض البلدان ثلاثة إلى أربعة أضعافها. وقد توقف التقدم في بطالة الشباب في البلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا، ولم تعد معدلاتها إلى مستويات عام 2019 السابقة لجائحة كوفيد 19. علاوة على ذلك، فإن كثيراً من الشباب إما لم يدخلوا سوق العمل قط، وإما انسحبوا منها دون مواصلة التعليم أو التدريب. وقد بلغت نسبة الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو العمل أو التدريب 20.4% في عام 2024، مع فوارق كبيرة بين الجنسين. فعند 28.2%، تفوق نسبة الشابات غير الملتحقات بالتعليم أو العمل أو التدريب بكثير نظيرتها لدى الشباب الذكور البالغة 13.1%. وتدل المعدلات المرتفعة باستمرار لهذه الفئة على استمرار إقصاء الشباب من سوق العمل، وعلى فرصة ضائعة لبناء رأس المال البشري.

ورغم التقدم المحرز في خفض معدلات البطالة لدى النساء والرجال على حد سواء منذ اندلاع الجائحة، فإن الفجوة بينهما مستمرة في الاتساع. ولا توجد فوارق ملموسة بين النساء الأكبر سناً والأصغر سناً من حيث أنماط البطالة مقارنة بنظرائهن من الرجال. كما لا توجد فوارق ملموسة بين الأجيال الأكبر والأصغر من العاملين فيما يتعلق بنتائج البطالة. ويعني ذلك أنه لا يمكن التعويل على تأثيرات الأجيال لسد الفجوات الكبيرة بين الفئات الاجتماعية والديموغرافية، لا سيما في البلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا والبلدان مرتفعة الدخل، حيث تفوق الفجوة نظيرتها في المجموعات الأخرى من البلدان. ولم يُسجَّل لحاق فاتر في فجوة البطالة بين الشابات والنساء البالغات إلا في البلدان منخفضة الدخل.

وقد بلغت "فجوة الوظائف"، وهي التقدير الإجمالي الذي تعتمده منظمة العمل الدولية للعدد الكلي للوظائف المفقودة، نحو 402.4 مليون في عام 2024، بزيادة تقارب 2.3 مليون عن العام السابق. وتشمل هذه الفجوة الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل، بسبب الإحباط مثلاً. فهي تضم نحو 186 مليون عاطل عن العمل، و137 مليوناً من القوى العاملة المحتملة، ونحو 79 مليوناً من غير الباحثين عن عمل رغم رغبتهم فيه. وتقدم هذه الفجوة مؤشراً شاملاً على أوجه القصور في خلق الوظائف وفي المشاركة في سوق العمل على حد سواء. وثمة فارق كبير في معدل فجوة الوظائف بين الرجال والنساء يقارب 4.5 نقطة مئوية. وتُسجَّل أدنى معدلات فجوة الوظائف في البلدان مرتفعة الدخل، حيث يُقدَّر المعدل بنحو 7.1% للرجال و9.3% للنساء. وعلى النقيض من ذلك، تبلغ فجوة الوظائف مستويات أعلى بكثير في الاقتصادات النامية والناشئة، لا سيما لدى النساء. ففي البلدان منخفضة الدخل، يبلغ معدل فجوة الوظائف لدى النساء مستوى مرتفعاً لافتاً قدره 22.5%، مقابل 15.2% لدى الرجال. وتقع البلدان متوسطة الدخل في منزلة وسطى، إذ تعاني النساء فيها من معدلات فجوة وظائف أعلى بكثير من الرجال.

وتمثل الفجوات الكبيرة بين الجنسين في معدلات المشاركة في القوى العاملة والبطالة والشباب غير الملتحقين بالتعليم أو العمل أو التدريب وفجوة الوظائف مظاهر لعوائق هيكلية عميقة تواجهها النساء عند دخولهن سوق العمل، ولشح الفرص المنتجة المتاحة لهن. وكثيراً ما تتجذر هذه العوائق في الصور النمطية السائدة عن الجنسين والأعراف الاجتماعية، وقد تشمل التمييز، وتجزؤ أسواق العمل وانقسامها، والتوزيع غير المتكافئ لأعمال الرعاية غير المدفوعة ومسؤولياتها، والعنف والتحرش القائمين على النوع الاجتماعي. وتدل الفجوات الكبيرة بين الجنسين على فرص تنموية مهدرة. ومن شأن سد هذه الفجوات، ولو جزئياً، أن يتيح للبلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا على وجه الخصوص تسريع ديناميكيات نموها.

مكاسب نمو دخل الفرد الناتجة عن رفع معدل مشاركة المرأة في القوى العاملة

تُهدر البلدان التي تعاني من فجوات كبيرة بين الجنسين في المشاركة في القوى العاملة إمكانات تنموية كبيرة. ويقدم تمرين افتراضي، يقوم على تصور رفع معدلات مشاركة النساء إلى مستويات مماثلة للمستوى العالمي الملاحظ، مؤشراً على المساهمة الكبيرة التي يمكن أن تحققها زيادة مشاركة المرأة، بافتراض مستويات إنتاجية ومعدلات بطالة مماثلة للمتوسطات الإقليمية. وتقف البلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا والدول العربية غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي بوجه خاص على أعتاب تقدم كبير يتجاوز مستوى تنميتها الحالي، حتى لو تحقق جزء فقط من هذه المكاسب التنموية.

ويُقاس متوسط الزيادة المئوية في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، محسوباً بتعادل القوة الشرائية لعام 2021، عند رفع معدلات مشاركة النساء إلى متوسط مستوى البلدان مرتفعة الدخل في كل مجموعة دخل، وإلى متوسط المستوى العالمي في كل منطقة جغرافية. وقد اختيرت هذه المعايير لأن البلدان مرتفعة الدخل تسجل أعلى معدلات مشاركة للنساء في القوى العاملة. وتبلغ الزيادة المقدرة 4.5% على مستوى العالم، و2.3% في البلدان منخفضة الدخل، و11.5% في البلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، و1% في البلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا. وعلى المستوى الإقليمي، تبلغ 27% في الدول العربية، و49.3% في الدول العربية غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، و38.3% في شمال أفريقيا، و1.9% في آسيا والمحيط الهادئ، و16% في جنوب آسيا، و4.1% في آسيا الوسطى والغربية. ويغض هذا التمرين البسيط الطرف عن القنوات الأخرى التي قد تؤثر من خلالها معدلات مشاركة المرأة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد بلغت النسبة الإجمالية للعمالة إلى السكان 57.9%، وهي النسبة ذاتها المسجلة في عام 2023. ولم تشهد نسبة عمالة النساء إلى السكان سوى تحسن طفيف خلال العام الماضي، إذ ظلت عند 46.4%، أي أدنى بكثير من نسبة الرجال البالغة 69.5%. وقد أوقفت الجائحة ما كان اتجاهاً هبوطياً طويل الأمد في معدلات عمالة الرجال.

ويؤكد استقرار معدل المشاركة في القوى العاملة ومعدل البطالة ونسبة العمالة إلى السكان، إلى جانب فجوة وظائف منخفضة تاريخياً، أن الوظائف تعافت منذ جائحة كوفيد 19، لكن نمو العمالة آخذ في التباطؤ. فمن ذروة بلغت 2.4% في عام 2022 إلى 1.3% في عام 2024، يعود تراجع نمو العمالة جزئياً إلى عودة الأمور إلى طبيعتها بعد الطفرة التي أعقبت الجائحة. وتشير التوقعات إلى استمرار التراجع إلى 1.1% في عام 2026. وثمة تباينات كبيرة بين المناطق ومجموعات الدخل فيما يتعلق بنمو العمالة. ففي شمال أفريقيا تحديداً، تفوق الزيادة في السكان في سن العمل نمو القوى العاملة والعمالة. أما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فتنمو العمالة بوتيرة أسرع من البطالة، رغم أن الشواهد تشير إلى أن كثيراً من العاملين يفتقرون إلى عمل منتج ولائق. وقد تتعمق هذه الاتجاهات في ظل تراجع النمو الاقتصادي في أفريقيا.

ومع انخفاض البطالة وفجوة الوظائف إلى مستويات منخفضة تاريخياً، تمكنت الأجور الحقيقية من الانتعاش سريعاً بعد تراجع حاد في عام 2022. غير أن الخسائر في الدخل المتاح لم تُعوَّض كلها بعد، إذ لم تلحق الأجور الحقيقية بالكامل بتطورات إنتاجية العمل منذ عام 2020. وتكمن وراء هذه الأرقام الإجمالية تباينات كبيرة بين المناطق ومجموعات البلدان.

وعلى المستوى العالمي، يواصل نمو الإنتاجية تباطؤه، مما يبطئ تعافي الأجور الحقيقية ويعرقل التوسع الأسرع في العمالة المنتجة. فمنذ عام 2019، ظل نمو الإنتاجية إيجابياً في البلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا. وقد ارتفع معدل مشاركة النساء في القوى العاملة في البلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا بفضل التوسع في الهند، لكن بما أن جزءاً كبيراً من هذا التوسع يتمثل في عمل النساء بوصفهن عاملات أسريات مساهمات، فمن غير المرجح أن ينعكس هذا الارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي، وسيؤثر في تقديرات إنتاجية العمل مستقبلاً. أما في البلدان منخفضة الدخل، فقد كانت خسائر الإنتاجية كبيرة، ويُتوقع أن يظل نمو الإنتاجية فيها بطيئاً.

تطور نمو إنتاجية العمل

تتوزع الإنتاجية، وهي المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، على نحو غير متكافئ حتى داخل البلدان. ويهدد بطء نمو إنتاجية العمل مستويات المعيشة والتقدم نحو أهداف التنمية المستدامة. ومن العوامل المؤثرة في الفوارق في الإنتاجية وشبكات الإنتاج على المستويات دون الوطنية: التباين في التركيبة القطاعية والمهنية والديموغرافية للأماكن، والموارد الطبيعية وغيرها من الأصول كالمؤسسات التعليمية والصحية، والشركات القائمة، ونظم الحوكمة المحلية.

ويرتبط غياب نمو أسرع في الإنتاجية العالمية جزئياً بإخفاق التغير الهيكلي في نقل الناس من الزراعة، ولا سيما زراعة الكفاف، إلى الصناعة التحويلية والخدمات الحديثة. ولا تزال المراكز الكبرى للعمالة المنتجة نادرة، مما يحول دون تحقيق البلدان نمواً اقتصادياً مستداماً وواسع القاعدة يُفضي إلى تنمية أكثر إنصافاً وتشاركية. علاوة على ذلك، يبدو أن أوجه التفاوت المكاني الناتجة عن هذا النمط غير المتكافئ من التنمية قد أسهمت في عكس اتجاه تدفقات رأس المال من الاقتصادات النامية إلى المتقدمة، مع ما لذلك من عواقب سلبية على الابتكار والاستثمار. وقد عمّقت هذه الاتجاهات تفاوت الأجور وتباطؤ الإنتاجية.

وقد توقفت التحولات القطاعية في العمالة فعلياً منذ عام 2015، إذ ظلت العمالة في الزراعة تتجاوز 26% من إجمالي العمالة العالمية في عام 2023. وبالنظر إلى ظروف العمل السيئة في جزء كبير من زراعة الكفاف خارج الاقتصادات المتقدمة، فإن ذلك يعني أيضاً أن فقر العاملين والعمل غير المنظم لم يستفيدا من انتقال الناس من الزراعة إلى وظائف أفضل أجراً في الصناعة والخدمات الحديثة. وتواصل العمالة نموها في قطاعات الخدمات، حيث تتولد معظم الوظائف الجديدة في قطاعي تجارة التجزئة والجملة، اللذين كثيراً ما يتسمان بظروف عمل سيئة، لا سيما في الاقتصادات النامية. ولتسريع التحول الهيكلي، تولي بلدان كثيرة أهمية كبيرة للسياسات الصناعية، أملاً في جني عائد مزدوج أو ثلاثي من الرقمنة، والاقتصاد الأكثر اخضراراً، والعمالة الأكثر إنتاجية.

القوة في سوق العمل وتطورات الأجور الحقيقية

يمكن أن يُعزى بطء تعافي الأجور الحقيقية جزئياً إلى تزايد تركز سوق العمل في بلدان كثيرة خلال العقد الماضي. ويحدث تركز سوق العمل حين لا يكون أمام الباحثين عن عمل سوى خيار التوظف لدى صاحب عمل واحد أو عدد قليل من أصحاب العمل، كما هو الحال حين تكون شركة تجزئة واحدة هي الجهة الوحيدة التي توفر الوظائف في بلدة ما. وقد حُدد تركز السوق بوصفه سبباً محتملاً للموجة المفاجئة والكبيرة من التضخم. علاوة على ذلك، قد يؤدي تركز سوق العمل إلى بطء تكيف الأجور وانخفاض مستوياتها رغم انخفاض البطالة. وعلى وجه الخصوص، اقترن تزايد تركز السوق في قطاعات الخدمات منخفضة الأجور بكبح الأجور، وارتفاع معدلات الفقر، وزيادة المدفوعات الحكومية التعويضية.

ومن المتوقع حدوث قدر من الزيادة في تركز السوق، لا سيما في البلدان النامية التي تشهد تدفقات كبيرة من الاستثمار الأجنبي المباشر. غير أن اتجاهات طويلة الأمد، كالرقمنة وما تفرزه من ديناميكيات يستأثر فيها الفائز بكل شيء، والتشرذم الجيوسياسي، وعدم اليقين بشأن السياسات، قد أسهمت في ترسيخ المكانة المهيمنة في السوق لعدد قليل من الشركات العاملة دولياً. ونتيجة لذلك، اقترن تزايد تركز سوق العمل في البلدان التي تتوافر عنها بيانات بزيادة تفاوت الأجور، وبضعف انتقال مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الأتمتة إلى زيادات في الأجور.

والتحول نحو اقتصاد أكثر اخضراراً لم يسرّع التغير الهيكلي، لكن له تبعات عميقة على امتداد الاقتصاد، من القطاعات الصناعية كالصناعة التحويلية والبناء والمرافق إلى النقل. فقد ارتفعت الوظائف العالمية في الطاقة المتجددة في عام 2023 إلى 16.2 مليون وظيفة بعد أن كانت 13.7 مليون، غير أن 46% منها تركزت في الصين. ويعتمد التفاوت الجغرافي في أماكن خلق الوظائف إلى حد كبير على الخيارات السياسية الرامية إلى جذب الوظائف في إنتاج البطاريات وتوليد الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية. فضلاً عن ذلك، ثمة تحيز كبير بين الجنسين في خلق العمالة، إذ لا تشكل النساء سوى 32% من مجموع القوى العاملة في قطاع الطاقة المتجددة. وفي الوقت ذاته، ستضطر قطاعات كإنتاج الإسمنت والنقل إلى التعامل مع تقلبات العمالة أثناء تحولها إلى طاقة أنظف. وسيتعين على قطاعات كثيرة مواجهة آثار ثانوية كبيرة في القطاعات اللاحقة في سلسلة القيمة. فعلى سبيل المثال، سيعيد التحول من محركات الاحتراق الداخلي إلى المركبات الكهربائية هيكلة العمالة في صناعة السيارات على نحو كبير.

التحول من مركبات محركات الاحتراق الداخلي إلى المركبات الكهربائية

تسعى بلدان عدة إلى التحول من مركبات محركات الاحتراق الداخلي إلى المركبات الكهربائية. ويتيح هذا التحول فرصة تنافسية كبيرة، لكنه يطرح أيضاً تحديات عدة. فهو تحول سيكون مُربكاً للمصنعين والعاملين على حد سواء. إذ يتعين على المصنعين التعامل مع المتطلبات التكنولوجية المعقدة لإنتاج المركبات الكهربائية وصيانتها. ويمكن لنشوء مصانع بطاريات المركبات الكهربائية أن يخلق وظائف جديدة، لكن هذه الأدوار تختلف اختلافاً كبيراً من حيث المهارات المطلوبة والأجور وظروف العمل. ويُطلب من العاملين في هذا القطاع تطوير مجموعات مهارات أكثر تقدماً لمواكبة التقنيات المتطورة. كما يثير إنتاج البطاريات وتوريد المواد الخام كالليثيوم والكوبالت مخاوف تتعلق بإمكانية الوصول إليها وظروف العمل والأثر البيئي.

ويُلقي بطء نمو الإنتاجية والأجور الحقيقية، الناجم عن الإخفاق في تسريع التحول الهيكلي، بظلاله على ظروف العمل على نطاق أوسع، لأن نمو العمالة المنظمة آخذ في التباطؤ. فقد انتهت الطفرة التي شهدها خلق الوظائف المنظمة بعد الجائحة في عامي 2022 و2023، حين عاد نمو العمالة المنظمة إلى مستويات عام 2019. ومن منظور أطول أمداً، بات نمو العمالة المنظمة على المستوى العالمي، وكذلك في البلدان منخفضة الدخل والبلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا، أدنى مما كان عليه قبل عقد من الزمن. وفي الوقت نفسه، تسارع نمو العمالة غير المنظمة، فضاقت الفجوة بين نمو العمالة المنظمة وغير المنظمة، مما أبطأ وتيرة التقدم في إضفاء الطابع المنظم على العمل. فقد بلغ متوسط النمو السنوي للعمالة المنظمة 1.8% بين عامي 2010 و2015 مقابل 0.8% للعمالة غير المنظمة، بينما بلغ في عام 2024 نحو 1.5% للعمالة المنظمة و1.1% لغير المنظمة.

ومع توقف نمو العمالة المنظمة، ظل العمل غير المنظم وفقر العاملين يطالان شرائح كبيرة من القوى العاملة العالمية. إذ يطال العمل غير المنظم قرابة ثلاثة من كل خمسة عاملين، ويطال فقر العاملين قرابة واحد من كل خمسة. وقد توقف التقدم خلال السنوات الخمس الماضية، التي لم تشهد فيها أكثر الفئات والبلدان ضعفاً أي تقدم إضافي. ومع انخفاض نمو العمالة المنظمة بمقدار نصف نقطة مئوية بين عامي 2023 و2024، أُضيف 23 مليون عامل غير منظم إلى القوى العاملة العالمية، وتركزوا بدرجة كبيرة في البلدان منخفضة الدخل.

ولا تزال أشد أشكال فقر العاملين تمثل تحدياً. فبينما انخفض الفقر المعتدل بين العاملين بأكثر من 5 نقاط مئوية منذ عام 2015، بل تراجع إلى مستوى أدنى خلال الجائحة، استمرت أشد أشكال فقر العاملين في البلدان منخفضة الدخل. وهي تطال نحو 7% من القوى العاملة العالمية، أي أكثر من 240 مليون عامل في أنحاء العالم.

التوقعات المستقبلية: حالة عدم اليقين تعرقل التحول الهيكلي

أثبت الاقتصاد العالمي قدرته على الصمود في عودته إلى مستويات النمو والعمالة السابقة للجائحة، لكن تحديات هيكلية عميقة تهدد التقدم المستدام في المرحلة المقبلة، وتولّد بذلك حالة من عدم اليقين الاقتصادي. ويعكس مؤشر عدم اليقين في السياسات الاقتصادية، وهو مؤشر يرصد عدد الأخبار في المطبوعات الكبرى التي تشير إلى عدم اليقين، ارتفاعاً كبيراً في عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية في عام 2024. وهذا الارتفاع نتاج لتزايد هشاشة سوق العمل وسبب لها في آن واحد.

ومع بقاء عدم اليقين مرتفعاً بإصرار، لا يُتوقع أن يتسارع النمو العالمي. إذ تكافح المراكز الاقتصادية الكبرى في أوروبا وشرق آسيا لاستعادة وتيرة أسرع من التوسع الاقتصادي، مما يضغط على النشاط الاقتصادي لدى شركائها التجاريين في أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. وقد بلغ الدين السيادي العالمي أعلى مستوى له على الإطلاق، مما يفاقم عدم اليقين ويزيد خطر حدوث أزمة ديون كبرى في البلدان الهشة. ولا يتوافر في هذه البلدان سوى هامش محدود لمزيد من التحفيز المالي. فضلاً عن ذلك، تحتاج البلدان التي تمر بتحول ديموغرافي نحو مجتمع أكبر سناً إلى تعبئة موارد مالية أكبر لدعم نظم الضمان الاجتماعي لديها، مما يترك هامشاً ضئيلاً للتعديلات والتحفيز على المدى القصير.

وفي المرحلة المقبلة، قد ينخفض معدل المشاركة في القوى العاملة. فمن المرجح أن تتقلص الزيادة في معدل المشاركة لدى بعض الفئات الديموغرافية، ولا سيما النساء ومن تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاماً في الاقتصادات المتقدمة، بسبب شيخوخة السكان، وهو ما قد يفاقم نقص العمالة في قطاعات بعينها.

ومن المرجح أن تظل البطالة مستقرة رغم التوقعات بتباطؤ نمو العمالة. ويبعث الاتجاه الهبوطي طويل الأمد في توليد العمالة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين على قلق خاص.

ويُتوقع أن يظل النمو العالمي أضعف من أن يكون له أثر يُذكر في تقليص فجوة الوظائف أو تحسين ظروف العمل. فالتحول الهيكلي للاقتصاد العالمي أبطأ من أن يسرّع نمو الإنتاجية بالقدر الذي يتيح للقوى العاملة العالمية المتنامية إيجاد عمالة منتجة خارج عدد قليل من المراكز المترابطة. ويزيد نقص العمالة في الاقتصادات المتقدمة من حدة هذه المشكلات تحديداً لأنه يحد من قدرة البلدان المتأثرة على النمو بوتيرة أسرع والاستثمار بكثافة أكبر في القدرات الابتكارية. وبعبارة أخرى، تؤدي شيخوخة السكان وتراجع معدلات الخصوبة إلى إبطاء الوتيرة التي يمكن أن يحقق بها الاقتصاد العالمي أهداف التنمية المستدامة.

وعلى المدى المتوسط، ورغم ضعف النمو، من المرجح أن يعود نقص العمالة، لا سيما إذا استمر التعافي. فمع مواصلة البنوك المركزية الكبرى خفض أسعار الفائدة، يُتوقع أن يتسارع النشاط الاقتصادي. ومن غير المرجح أن توفر الهجرة قدراً كبيراً من الانفراج للبلدان المرسلة أو المستقبلة. فالمقاومة السياسية مرتفعة، وسيستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تتيح اتفاقات الشراكة في المهارات الموقعة خلال السنوات الأخيرة شغل عدد كبير من الوظائف بمرشحين مناسبين. وبالنسبة لمعظم البلدان المرسلة، لن توفر اتفاقات الشراكة سوى انفراج محدود لأسواق العمل فيها. وأقصى ما يمكن التطلع إليه هو زيادة التحويلات المالية التي ستساعد على التخفيف من حدة الفقر.

وستتطلب التحولات الكبرى، كالتحول الأخضر والتقدم المتواصل للتكنولوجيا بما فيها الذكاء الاصطناعي، من القوى العاملة العالمية بصورة متزايدة التكيف مع اضطرابات واسعة النطاق. فمع اقتراب العالم في عام 2024 من تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية المحددة في اتفاق باريس، باتت آثار تغير المناخ على سبل عيش الناس أوضح من أي وقت مضى. كما سيكون للتحول في مجال الطاقة آثار واسعة ومتتالية على امتداد الاقتصادات. ففي عام 2023، شهد قطاع الطاقة المتجددة زيادة إلى 16.2 مليون وظيفة، غير أن هذه الوظائف تتوزع على نحو غير متكافئ، إذ يقع نحو نصف الوظائف الخضراء الجديدة في شرق آسيا، بينما تقل الوظائف الخضراء اللائقة كثيراً في الاقتصادات النامية والناشئة الأخرى.

وفي الوقت ذاته، يعيد التغير التكنولوجي، كالذكاء الاصطناعي، تشكيل قطاعات بأكملها. فالذكاء الاصطناعي سيغير أحياناً طريقة أداء المهام داخل الوظائف، وفي حالات أخرى سيخلق وظائف جديدة ويجعل أخرى متقادمة. وستعيق عوامل عدة، كالمهارات وإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا والموقع الجغرافي للوظائف الجديدة، انتقال العاملين بين القطاعات والمهن مع حدوث هذه التغيرات.

ويواجه الاقتصاد العالمي تحديات كبيرة. إذ تعاني بلدان عديدة من ضائقة مالية تحد من قدرتها على توفير الخدمات الأساسية والبنية التحتية. وقد دفعت أسعار الفائدة المرتفعة الديون الحكومية إلى مستويات غير مستدامة، لا سيما في الدول النامية، حيث يواجه 70 بلداً خطر المديونية الحرجة. وتُفاقم تخفيضات الإنفاق وزيادات الضرائب في مرحلة ما بعد الجائحة، مقترنة بانخفاض الضرائب المفروضة على رأس المال في الاقتصاد الرقمي، هذه المشكلات. والدول المعرضة لتغير المناخ أكثر عرضة لمشكلات الديون بوجه خاص، كما يعيق عدم الاستقرار الجيوسياسي الدعم المالي الدولي. وتؤثر أعباء الديون هذه في قدرة الحكومات على معالجة فقدان الوظائف المرتبط بالمناخ والطاقة والذكاء الاصطناعي، مما قد يزيد من حدة التباطؤ الاقتصادي العالمي. ويزيد الأمور تعقيداً هشاشةُ نظم إنتاج الغذاء العالمية أمام صدمات متعددة، منها الظواهر الجوية المتطرفة والتوترات الجيوسياسية. فمنذ جائحة كوفيد 19، دفعت أزمات متعددة 122 مليون شخص إضافي إلى الجوع.

وتشير هذه التحديات إلى أنه، رغم الصمود الذي أبدته البلدان في أعقاب الجائحة، ثمة حاجة ملحة إلى تحسين هيكلي يتيح نمواً اقتصادياً مستداماً. وسيتطلب ذلك إعطاء الأولوية لخلق الوظائف، إلى جانب تعزيز تكوين رأس المال البشري من خلال الاستثمار في التعليم والتدريب على المهارات. ويمكن لنظم الحماية الاجتماعية الفعالة أن تخلق وظائف وأن تساعد العاملين في الوقت ذاته على الانتقال في مواجهة الاضطرابات. وستؤدي قدرة الحكومات على إدارة التحولات واسعة النطاق، وتمكين سكانها من الانخراط المنتج في أسواق العمل، دوراً محورياً في التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة حتى عام 2030.

دراسة ذات صلة