الفصل الثاني: اتجاهات العمالة والأوضاع الاجتماعية حسب المنطقة
أفريقيا
يتقوض نمو الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا بفعل تحديات مستمرة تعترض توقعات المنطقة، منها بطء نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. فيُتوقع أن يكون الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا قد نما بنسبة 3.3% في عام 2024، ويُتوقع أن يبلغ نموه 4.1% في عام 2025. ويجمع بين شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بعض القواسم المشتركة، منها تحسن الأداء الزراعي بفضل الظروف الجوية المواتية، والطلب القوي على المحروقات والسلع الأساسية الأخرى. وقد تعرض النمو لانتكاسات بسبب صدمات مناخية حديثة زادت من هشاشة بلدان مثل ليبيا. أما نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيرسم صورة مختلفة، إذ لم يسجل سوى نمو سنوي متوسط ضئيل بين عامي 2014 و2024. ولا تزال قضايا مزمنة، كالتفاوت والفقر، تُثقل كاهل المنطقة. كما تواصل النزاعات الإقليمية التي تطال بلداناً في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي إعاقة تقدم بلدان عدة، منها السودان وإثيوبيا، مع ما لذلك من أثر على عائدات السياحة واستراتيجيات التصنيع.
وقد حسّنت صادرات السلع الأساسية وانخفاض التضخم التوقعات الاقتصادية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. فمن المتوقع أن تظل مساهمة الزراعة والتعدين في نمو الناتج المحلي الإجمالي مرتفعة. ويُتوقع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى قد بلغ 3.6% في عام 2024، وأن يبلغ 4.1% في عام 2025. وبفضل تباطؤ أسعار الطاقة والغذاء العالمية، تتمكن اقتصادات أفريقية عدة، منها جنوب أفريقيا، من السيطرة على التضخم، مما يُرجَّح أن يسهّل تخفيف السياسة النقدية وزيادة الإنفاق الاستهلاكي. كما يدعم التيسير النقدي في الاقتصادات المتقدمة التيسير في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، إذ يتراجع خطر خروج رؤوس الأموال. وفي الوقت ذاته، يُرجَّح أن يقابل النمو في قطاعي الزراعة والصناعات الاستخراجية طلبٌ متزايد على الصادرات. ويُتوقع أن يعزز الطلب على المحروقات ومعادن التحول في مجال الطاقة النمو في الاقتصادات كثيفة الموارد مثل أنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا.
ولا يزال خطر الصدمات المرتبطة بتغير المناخ يمثل تهديداً كبيراً للتوقعات المستقبلية. فالتعرض لهذه الصدمات، بما فيها الفيضانات والجفاف وتدهور الأراضي وتآكل التربة وموجات الحر وعدم انتظام هطول الأمطار، ما زال يشكل تهديداً رئيسياً للإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في المنطقة. ورغم وجود إمكانات لخلق وظائف كثيفة العمالة في مجال التكيف مع المناخ، بما في ذلك من خلال اعتماد ممارسات زراعية ذكية مناخياً، وفي البنية التحتية والبناء المستدامين، فإن التبعات الأوسع للصدمات المناخية على الاقتصاد وأسواق العمل هائلة، وتظل تمثل خطراً سلبياً رئيسياً على التوقعات الاقتصادية للمنطقة الفرعية وعقبة أمام استدامة النمو. ويشمل الخطر على التوقعات الاقتصادية الأثر على الدين العام، الذي ينعكس على القدرة على التكيف مع تغير المناخ، علماً بأن الدين العام آخذ في الارتفاع بالفعل نتيجة لتكاليف الخسائر والأضرار الناجمة عن تغير المناخ.
اتجاهات سوق العمل في شمال أفريقيا
يفوق نمو السكان في سن العمل في شمال أفريقيا نمو العمالة والقوى العاملة. فقد بلغ عدد السكان في سن العمل في شمال أفريقيا 185 مليوناً في عام 2024، بزيادة قدرها 3 ملايين، أي 2%، عن العام السابق. وفي الوقت ذاته، بلغ نمو العمالة 0.7% ونمو القوى العاملة 1.2%. وقد أسفرت هذه الاتجاهات عن انخفاض معدل المشاركة في القوى العاملة من 42.2% إلى 42%، وانخفاض نسبة العمالة إلى السكان من 38.4% إلى 37.9% خلال الفترة ذاتها. ويُتوقع أن تتراجع حدة هذه الاتجاهات في عام 2025.
وتبلغ بطالة الشباب في المنطقة الفرعية مستويات مرتفعة بشكل خاص، لا سيما بين الشابات. فعند 22.8% في عام 2024، يُعد معدل بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً في شمال أفريقيا من أعلى المعدلات في جميع مناطق العالم ومناطقه الفرعية، ولا تتفوق عليه إلا الدول العربية حيث يبلغ 27.5%. ويعكس ذلك شح الفرص المتاحة للشباب في شمال أفريقيا، ولا سيما للشابات اللواتي بلغ معدل بطالتهن 37.9% مقابل 19.5% للشباب الذكور. ويُبرز ذلك نقصاً واضحاً في الفرص المنتجة المتاحة للنساء في سوق العمل، ويعكس فوارق أوسع بين الجنسين في سوق العمل في المنطقة الفرعية، تتفاقم لدى الشباب. فعلى سبيل المثال، يقل معدل مشاركة النساء البالغات، أي من تبلغ أعمارهن 25 عاماً فأكثر، في القوى العاملة كثيراً عن معدل الرجال، إذ يبلغ 19.4% مقابل 77.6%. ولا تنخرط في القوى العاملة سوى أقل من واحدة من كل عشر شابات تتراوح أعمارهن بين 15 و24 عاماً، أي 9%.
اتجاهات سوق العمل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى
تنمو العمالة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بوتيرة أسرع من البطالة، لكن معظم العاملين لا يعملون في وظائف منتجة ولائقة. فبين عامي 2023 و2024، ارتفعت العمالة الإجمالية بنسبة 3%، أي ما يعادل نسبة عمالة إلى السكان قدرها 65.9% في عام 2024. وظل معدل البطالة عند 5.9% في عام 2024، ويُتوقع أن يبقى مستقراً حتى عام 2025. كما ظل متوسط ساعات العمل الأسبوعية مستقراً عند نحو 38 ساعة لكل شخص عامل، وهو رقم يزيد زيادة طفيفة فقط عما كان عليه في عام 2021. غير أنه رغم هذه الرسائل الإيجابية نسبياً التي تبعث بها المؤشرات الرئيسية، فإن معظم العاملين لا يعملون في عمل منتج ولائق.
ولا تزال أوجه العجز في العمل اللائق، بما فيها العمل غير المنظم، تقوّض المؤشرات الرئيسية للعمالة والبطالة. فثمة شواهد على أنه بعد فترات النمو المنخفض، كفترة جائحة كوفيد 19، تتراجع فرص العمل المنظم، فيُضطر العاملون والداخلون الجدد إلى قبول وظائف غير منظمة. ومن بين 485 مليون عامل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في عام 2024، كان 86.6% يعملون عملاً غير منظم، و62.6% يعيشون في أسر يقل دخلها عن 3.65 دولار يومياً بتعادل القوة الشرائية، وهو عتبة الفقر المعتدل. ويفتقر العاملون في العمل غير المنظم، لا سيما في الزراعة، وكذلك في أنشطة اقتصادية أخرى كتجارة الجملة والتجزئة، إلى دخل منتظم وإلى الحماية الاجتماعية. وقد خلص تقرير حديث إلى أن 19.1% فقط من سكان أفريقيا كانوا في عام 2023 يحصلون على منفعة واحدة على الأقل من منافع الحماية الاجتماعية، وهي أدنى نسبة بين جميع المناطق، مقارنة بنسبة 68.2% في الأمريكتين و30% في الدول العربية و53.6% في آسيا والمحيط الهادئ.
إضفاء الطابع المنظم على التحويلات المالية وتعزيزها بوصفها أداة لحشد رأس المال الخاص
في عام 2020، كان نحو 28.3 مليون أفريقي يعيشون خارج بلدانهم الأصلية، ويرسل كثير منهم تحويلات مالية إلى ذويهم، علماً بأن أعداد المهاجرين قد تكون أعلى بكثير نظراً لصعوبة تقدير الهجرة غير النظامية. وبالنسبة لكثير من المهاجرين، تمثل إمكانية تحسين سبل العيش دافعاً رئيسياً للهجرة، بل ضرورة في بعض الأحيان. وبالنسبة لكثير من الأفارقة، تُعد هجرة اليد العاملة وسيلة لإعالة الأسرة أو المجتمع في الوطن من خلال إرسال التحويلات. والتحويلات الخاصة، التي كثيراً ما تكون جزءاً من الأجور التي يكسبها العامل المهاجر في الخارج، مصدر رئيسي لتدفقات رأس المال الخاص في بلدان المنشأ. وقد ظلت تكلفة إرسال التحويلات في انخفاض على المستوى العالمي، تماشياً مع الغاية العاشرة من الهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بتكاليف معاملات تحويلات المهاجرين، غير أنها ما زالت مرتفعة بإصرار في مناطق كثيرة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وقد نمت التحويلات المالية من العمال المهاجرين المنحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بنسبة 12.1% سنوياً خلال السنوات العشرين الماضية بالقيمة الاسمية. والتحويلات تدفقات رأسمالية خاصة تمثل مصدراً متزايد الأهمية للتدفقات المالية الداخلة، ولا سيما في فترات عدم الاستقرار. ويُقارَن معدل نموها بمعدل نمو سنوي قدره 5.2% لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، و4.7% لتدفقات المساعدة الإنمائية الرسمية. وفي عام 2023، شكلت التحويلات 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، والاستثمار الأجنبي المباشر 2% منه، بينما شكلت المساعدة الإنمائية الرسمية 3% من الدخل القومي الإجمالي في عام 2022. والتقلب في تدفقات التحويلات، لا سيما في أوقات الأزمات، أقل بكثير، ولذلك توفر التحويلات لمتلقيها تأميناً أساسياً ضد الصدمات. غير أن الشواهد بعيدة عن أن تكون حاسمة بشأن التكامل بين الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدة الإنمائية الرسمية والتحويلات، وبشأن إسهاماتها في الاقتصادات المتلقية وفي خلق الوظائف.
وتسعى بلدان عدة إلى إضفاء الطابع المنظم على التحويلات وتعزيزها بوصفها أداة لحشد رأس المال الخاص. فبالنسبة لكثير من الاقتصادات منخفضة الدخل، بات الحصول على تمويل منخفض التكلفة أمراً متزايد الصعوبة. ولا يزال الدين العام مشكلة متجذرة في أفريقيا، إذ يبلغ متوسطه نحو 65% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعني تكلفة خدمة الدين وحدها، المقدرة بنحو 165 مليار دولار في أفريقيا في عام 2024، أن بلداناً كثيرة تنفق على خدمة الديون مرتفعة الفائدة أكثر مما تنفقه على الصحة والتعليم. وقد أصبحت التحويلات تدفقاً مالياً أكثر أهمية، ومع ذلك لم تُضَف مساهمتها في القدرة على تحمل الديون في الاقتصادات منخفضة الدخل إلى إطار تحليل القدرة على تحمل الديون لدى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلا في عام 2017. وقد تكون التحويلات من المصادر القليلة لرأس المال الخاص المتوقع أن تزداد خلال العقد المقبل. وتمثل سندات المغتربين إحدى الوسائل التي تسعى من خلالها البلدان إلى إضفاء الطابع المنظم على التحويلات وتعزيزها بوصفها أداة لحشد رأس المال الخاص، كما فعلت نيجيريا وإثيوبيا.
الأمريكتان
يقترن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الأمريكتين بتراجع التضخم في أرجاء المنطقة. فرغم التوقعات الإيجابية عموماً في معظم الأمريكتين، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة 2.4% في عام 2024، ويُتوقع أن يتباطأ إلى 2.3% في عام 2025 و2.2% في عام 2026، مدفوعاً بتباطؤ طفيف في نمو الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة. وفي كل من أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، أسهم تراجع التضخم خلال عام 2024 في تحسين المحركات المحلية للنمو.
ويستمد النمو الإقليمي دعمه من الأداء المطرد للاقتصادات الكبرى، بما في ذلك انتهاء الركود في الأرجنتين. ففي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، يُتوقع أن يرتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.5% في عام 2025، بعد أن كان 2% في عام 2024. وتتباين أنماط النمو بين بلدان المنطقة، مع تسارع قوي في الأرجنتين التي يُتوقع أن تخرج من ركود دام عامين في عام 2025، وتباطؤ في اقتصادات كبرى أخرى كالبرازيل والمكسيك. وقد تحسن النمو في الأمريكتين ككل، ويعود النمو في منطقة البحر الكاريبي إلى انتعاش السياحة. ومن المخاطر التي تهدد التوقعات المستقبلية التبعات الجيوسياسية والتجارية للإدارة الأمريكية الجديدة. ففي المكسيك وبلدان أمريكا الوسطى، قد تؤثر سياسات الهجرة التقييدية في الولايات المتحدة في تدفقات التحويلات، مما قد ينعكس بدوره على الاستهلاك الخاص.
ولا تزال قضايا هيكلية طويلة الأمد تُثقل توقعات النمو في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، منها التفاوت والفقر المستمر وضعف نمو الإنتاجية. ففي عام 2023، قُدّر أن أكثر من نصف بلدان المنطقة شهدت مستويات فقر ظلت أعلى مما كانت عليه قبل الجائحة، وتفاقمت بفعل انخفاض الدخول الحقيقية الناجم عن التضخم. علاوة على ذلك، يواصل ضعف نمو الإنتاجية إرهاق المنطقة الفرعية ويقيّد نموها طويل الأمد. ويعود ذلك جزئياً إلى انتشار العمل لحساب الذات والمنشآت الصغيرة، التي تتسم عادة بمستويات أدنى من الابتكار التكنولوجي واعتماد التقنيات، ولا تستطيع الاستفادة من وفورات الحجم.
ويُتوقع أن يسهم تيسير السياسة النقدية في نمو تقوده العوامل المحلية في أمريكا الشمالية. فيُقدَّر أن أمريكا الشمالية حققت نمواً قوياً بلغ نحو 2.6% في عام 2024، ويُتوقع أن يتراجع إلى 2.2% في عام 2025. ويعود هذا التراجع إلى الولايات المتحدة التي يُتوقع أن يتباطأ نموها إلى 2.2% في عام 2025 بعد أن حققت 2.8% في عام 2024. ويعكس التباطؤ المرتقب في عام 2025 الآثار المتأخرة لتشديد السياسة النقدية حين سعى مجلس الاحتياطي الاتحادي إلى خفض التضخم. ولأن التضخم بلغ المستويات المستهدفة في عام 2024 وبدأ تخفيف السياسة النقدية، يُتوقع أن يشهد الاقتصاد الأمريكي انتعاشاً في عام 2026. وفي الوقت ذاته، يُتوقع أن تكون كندا قد حققت نمواً بنسبة 1.3% في عام 2024، وأن يرتفع إلى 2.4% في عام 2025، ويعود ذلك جزئياً إلى تخفيضات أسعار الفائدة في منتصف عام 2024.
اتجاهات سوق العمل في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي
تعكس معدلات المشاركة المنخفضة في القوى العاملة ومعدلات البطالة المرتفعة لدى النساء فوارق واسعة بين الجنسين في سوق العمل. فمعدل المشاركة في القوى العاملة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي مستقر نسبياً عند 62.6% في عام 2024. غير أن معدل الرجال البالغ 74.6% يزيد بمقدار 23.4 نقطة مئوية على معدل النساء البالغ 51.2%. فضلاً عن ذلك، يُرجَّح أن يكون كثير من الوظائف التي تشغلها النساء في المنطقة الفرعية غير منظمة وفي أنشطة منخفضة الأجر. وظل معدل البطالة في المنطقة دون تغيير عند 6.2% في عام 2024 كما كان في عام 2023، أي ما يعادل نحو 20 مليون باحث عن عمل. ويُتوقع أن تظل معدلات البطالة وأعداد العاطلين مستقرة في عام 2025. كما ظلت بطالة الشباب مستقرة نسبياً عند 13.6%، وهو مستوى أدنى بكثير من الذروة التي بلغت 21.1% في عام 2020 خلال جائحة كوفيد 19. ولا تزال الشابات يسجلن معدل بطالة أعلى من نظرائهن الذكور، إذ بلغ 16.4% مقابل 11.6% في عام 2024. يضاف إلى ذلك أن نحو خُمس الشباب غير ملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب، وقد قاربت هذه النسبة 26% لدى الشابات في عام 2024.
وقد أسهمت أوجه العجز في العمل اللائق، بما فيها ارتفاع معدلات العمل غير المنظم، في ضعف نمو الإنتاجية في المنطقة الفرعية. فرغم أن نسبة العمالة إلى السكان ظلت مستقرة نسبياً عند 58.7%، ارتفعت العمالة الإجمالية بمقدار 3 ملايين بين عامي 2023 و2024. وتتسم العمالة الإجمالية في المنطقة الفرعية بانخفاض معدلات العمالة المنتجة، مع أوجه عجز في العمل اللائق، منها ارتفاع مستويات العمل غير المنظم الذي بلغ نحو 52% من إجمالي العمالة في عام 2024. ويعمل كثير من هؤلاء العاملين في أنشطة خدمية صغيرة النطاق أو في الزراعة على مستوى الحيازات الصغيرة. وقد أسهم هذا العمل غير المنظم صغير النطاق في ضعف نمو الإنتاجية في المنطقة الفرعية خلال العقد الماضي. فبين عامي 2014 و2024، سُجل نمو سنوي في إنتاجية العمل في المنطقة الفرعية قدره سالب 0.4%، وهو الأدنى في العالم بعد الدول العربية التي سجلت سالب 0.9% سنوياً. ومن التحديات القائمة أن خلق الوظائف في المنطقة الفرعية تقوده إلى حد كبير منشآت غير منظمة صغيرة النطاق، لا سيما في قطاع الخدمات، تفتقر إلى القدرة على الابتكار وتحقيق نمو الإنتاجية المرتبط بالمنشآت الأكبر.
اتجاهات سوق العمل في أمريكا الشمالية
تُقدَّر نسبة العمالة إلى السكان في أمريكا الشمالية بنحو 59.6%، وهي أدنى من مستواها السابق لجائحة كوفيد 19 البالغ 60.7% في عام 2019. وظل إجمالي ساعات العمل الأسبوعية مستقراً عند ما يعادل نحو 141 مليون وظيفة بدوام كامل في عام 2024. ومن غير المرجح أن يتغير إجمالي ساعات العمل الأسبوعية كثيراً رغم أن تخفيف السياسة النقدية قد يعزز خلق الوظائف على المدى المتوسط. وفي الولايات المتحدة، أعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي عزمه تحويل تركيزه إلى حماية سوق العمل مع إبقاء التضخم تحت السيطرة. وقد ارتفع معدل البطالة في أمريكا الشمالية إلى 4.4% في عام 2024 بعد أن كان 3.8% في عام 2023، ويُتوقع أن يرتفع أكثر في عام 2025 ليبلغ 4.5%، ويعود ذلك جزئياً إلى الآثار المتأخرة لتشديد السياسة النقدية في السنوات الأخيرة.
ويُتوقع أن تسهم شيخوخة السكان وعدم التوافق بين المهارات والاحتياجات في كل من كندا والولايات المتحدة في تزايد نقص العمالة والمهارات. فشيخوخة السكان، والانخفاض الحاد المتوقع في الهجرة، وعدم التوافق في المهارات، وما ينتج عن ذلك من نقص في العمالة في قطاعات ومهن بعينها، كلها تفرض ضغوطاً طويلة الأمد على سوق العمل في أمريكا الشمالية. ولمواجهة هذه التحديات، سنّت كندا تشريعات لتسهيل الهجرة الماهرة الموجهة بهدف تقليص فجوات المهارات وتخفيف الضغوط الناجمة عن شيخوخة السكان. فبين عامي 2016 و2021، دخل كندا نحو 1.3 مليون مهاجر، وكان من المستهدف دخول ما يقارب 1.5 مليون آخرين بين عامي 2023 و2025، رغم أن هذه الأهداف تواجه الآن بعض المعارضة. وتواجه تدابير مماثلة معارضة سياسية في الولايات المتحدة، مما قد يحد من نطاق الهجرة المُدارة الرامية إلى تخفيف نقص العمالة.
ومن المرجح أن تتعزز إنتاجية العمل في أمريكا الشمالية بفضل التكنولوجيا والابتكار. إذ يُتوقع أن تنمو إنتاجية العمل في أمريكا الشمالية بمتوسط سنوي قدره 1.6% خلال العامين المقبلين بين عامي 2024 و2026، مقارنة بمتوسط سنوي قدره 1.3% خلال الفترة من 2014 إلى 2024. وفي السنوات الأخيرة، تجاوز نمو إنتاجية العمل في المنطقة نظيره في الاتحاد الأوروبي، ومن المرجح أن يكون التقدم الرقمي والابتكار والتكنولوجيا من العوامل المساهمة في ذلك. ويُتوقع أن يسهم الاستثمار الرأسمالي، لا سيما في البحث والتطوير، ونمو قطاعات التكنولوجيا، ولا سيما تلك المتمركزة في وادي السيليكون، في نمو إنتاجية العمل على المدى المتوسط.
المخاطر المناخية وقطاع السياحة في منطقة البحر الكاريبي
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 40% من إجمالي العمالة في منطقة البحر الكاريبي يرتبط بقطاع السياحة، وهو قطاع شديد التأثر بالصدمات المناخية. ويُقدَّر أن السياحة تسهم بنحو 33% من الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة، وتستأثر مباشرة بنحو 18% من مجموع العمالة فيها، وترتبط بصورة غير مباشرة بنسبة 43.1% من إجمالي العمالة. وتقتصر هذه التقديرات على بلدان الكاريبي الناطقة بالإنجليزية والهولندية، وتستثني هايتي وكوبا وجمهورية الدومينيكان وبورتوريكو، كما تستند إلى تعريف لعمالة قطاع السياحة يختلف عن تعريف منظمة العمل الدولية. وتشير هذه التقديرات إلى أن نحو 413 ألف شخص في منطقة البحر الكاريبي يعملون مباشرة في قطاع السياحة، وأن العمالة في هذا القطاع تقارب مليون شخص حين تُحتسب العمالة المباشرة وغير المباشرة معاً. ففي أنتيغوا وبربودا، يقع أكثر من 90% من إجمالي العمالة المباشرة وغير المباشرة في قطاع السياحة، وتبلغ هذه النسبة 84% في أروبا و78% في سانت لوسيا. ويضم قطاع السياحة عدداً كبيراً من العاملات اللواتي يشكلن ما بين 50% و60% من القوى العاملة فيه، كما يمثل مصدراً مهماً لتشغيل الشباب. ويجعل الاعتماد على السياحة وغياب التنويع العاملين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في هذا القطاع شديدي التأثر بأي اضطراب يصيب الصناعة.
وفي ظل تفاقم آثار تغير المناخ، تتعرض منطقة البحر الكاريبي على نحو خاص للصدمات المناخية. فبداية، تقع جزر كاريبية كثيرة، منها باربادوس ودومينيكا وغرينادا ومونتسيرات، في ما يُعرف باسم "ممر الأعاصير"، وهو حزام إقليمي للأعاصير الكبرى. يضاف إلى ذلك أن الطبيعة المنخفضة لكثير من المناطق في الكاريبي، بما فيها ترينيداد وتوباغو وجزر البهاما، تزيد من تعرضها لارتفاع مستوى سطح البحر على المدى الطويل وللمد العاصف على المدى القصير. ومن المقرر أن يزداد هذا التعرض مع تأثير تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة في أنماط الطقس والاتجاهات طويلة الأمد، كارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل السواحل وتزايد تواتر العواصف والفيضانات. وتتفاقم هشاشة مناطق كثيرة أمام هذه الآثار بسبب كثافة السكان في المناطق الساحلية، والاعتماد على واردات الطاقة والغذاء، وضيق الحيز المالي المتاح للاستثمار في التكيف مع المناخ والصمود والاستجابة وإعادة الإعمار بعد الكوارث. وقد أسهم الإنفاق على الأحداث المناخية في ارتفاع مستويات الدين العام في كثير من بلدان الكاريبي.
وفي حين تتأثر العمالة في قطاع السياحة مباشرة، فإن الأثر على الدخول وسبل العيش متعدد الأوجه وغير مباشر. ويشمل أثر الأحداث المناخية على السكان المحليين آثاراً على الأمن الغذائي وإمدادات المياه والبنية التحتية والخدمات الأساسية. ويتدهور الأمن الغذائي بفعل الأثر على الإنتاج الزراعي، الذي يستأثر بنحو 10% من العمالة في المنطقة. وتتأثر شبكات المياه بالفيضانات والمد العاصف والعواصف، وكلها تسهم في انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، وتحد من توافر مياه الشرب العذبة، وتلوث الإمدادات الغذائية. كما توجد آثار مباشرة على البنية التحتية، المادية منها وتلك المتعلقة بتقديم الخدمات الأساسية. ويمثل أثر هذه الصدمات المناخية عاملاً يدفع تدفقات الهجرة داخل منطقة البحر الكاريبي والهجرة منها إلى الخارج. ويُقدَّر أن الأثر التراكمي للكوارث المناخية، أي الكوارث الأرصادية والمناخية والهيدرولوجية، شمل هجرة نحو 12 مليون شخص وتكاليف بلغت 20 مليار دولار، معدلة وفق أسعار عام 2024، بين عام 2000 ومنتصف عام 2024.
ولا بد من إجراءات كبرى في مجال الصمود أمام تغير المناخ والتكيف معه لمواجهة الآثار المناخية قصيرة الأمد وطويلة الأمد على العمالة وسبل العيش في منطقة البحر الكاريبي. وتشير بعض التقديرات إلى أن تآكل السواحل الناجم عن ارتفاع مستوى سطح البحر قد يسهم في انخفاض عائدات السياحة المباشرة بنحو 50%. كما قدمت جائحة كوفيد 19 لمحة عن أثر اضطراب كبير في قطاع السياحة على سبل العيش في المنطقة. إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 70% من الفنادق سرّحت موظفين، وأن أكثر من نصفها خفّض الرواتب. ويتسع الأثر على العمالة حين تؤخذ في الاعتبار الآثار غير المباشرة على قطاع الخدمات الأوسع، وكذلك الآثار المناخية على الزراعة. وخلال الجائحة، تمكنت اقتصادات الكاريبي من احتواء فقدان الوظائف من خلال حزم التحفيز وتدابير الإغاثة. أما في مواجهة الآثار طويلة الأمد للصدمات المناخية، فإن مثل هذه التدابير أقل جدوى، والمطلوب بدلاً منها استثمارات وإجراءات كبيرة على المستوى العالمي في مجال التكيف مع تغير المناخ والصمود أمامه.
ولا غنى عن نظم حماية اجتماعية مدمجة في الاستراتيجيات الوطنية للصمود المناخي في بلدان الكاريبي، للتخفيف من الأثر على سبل عيش العاملين في قطاع السياحة وجميع المتضررين من الصدمات المناخية. ويجب سد فجوات التمويل في هذه النظم من خلال الصناديق متعددة الأطراف والجهات المانحة الدولية. وبما أن منطقة البحر الكاريبي لا تسهم إلا بقدر ضئيل نسبياً في انبعاثات غازات الدفيئة، بينما تتأثر بتغير المناخ على نحو غير متناسب، ينبغي وضع تدابير معينة لمعالجة هذا الاختلال في إطار مفهوم "العدالة المناخية". ومن ذلك التمويل المناخي من البلدان المتقدمة للمساعدة على بناء القدرة على الصمود أمام المناخ، كما هو الحال عبر الصناديق المناخية متعددة الأطراف مثل صندوق المناخ الأخضر وصندوق التكيف. فضلاً عن ذلك، ومع ارتفاع مستويات الدين العام في الكاريبي، يمكن استكشاف مبادلات الديون بالعمل المناخي، وهي شكل من أشكال تخفيف الديون مقابل تنفيذ تدابير للصمود المناخي.
الدول العربية
تواصل المسارات الاقتصادية تباعدها بين الاقتصادات المصدرة الصافية للنفط والاقتصادات المستوردة له في هذه المنطقة. فإجمالاً، يُتوقع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية قد بلغ 1.5% في عام 2024، بعد أن انعدم النمو في عام 2023، وبعد سنوات عدة من التذبذب، بما في ذلك خلال جائحة كوفيد 19. وتشير التوقعات إلى ارتفاع النمو إلى 4.1% في عام 2025. غير أن احتمال مزيد من تصعيد النزاع واحتمال اندلاع حرب إقليمية يمثلان مخاطر سلبية على توقعات المنطقة. ويُتوقع أن يتسع التباين بين اقتصادات مجلس التعاون الخليجي، وهي البحرين والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والاقتصادات غير الأعضاء في المجلس، إذ تواجه هاتان المنطقتان الفرعيتان مخاطر مختلفة.
ويُتوقع أن يؤدي التنويع الاقتصادي في اقتصادات مجلس التعاون الخليجي دوراً متزايد الأهمية بوصفه محركاً للنمو على المديين المتوسط والطويل. فبينما استفادت هذه الاقتصادات من ارتفاع أسعار النفط في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، أتاحت الخزائن العامة المعززة لحكوماتها المضي قدماً في التنويع الاقتصادي بعيداً عن المحروقات، من خلال الاستثمار في مجالات كالسياحة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة. ومن المرجح أن يؤدي تخفيف قيود إنتاج النفط ضمن تحالف أوبك بلس إلى الحد من العائدات النفطية لاقتصادات المجلس، غير أنه يُتوقع أن تنمو هذه الاقتصادات بنسبة 4.2% في عام 2025، بعد أن كان النمو 1.8% في عام 2024، من خلال تعويض انخفاض العائدات النفطية بموارد من صناديق الثروة السيادية التي ستمول مشاريع كبرى في البنية التحتية وفي القطاعات غير النفطية. وثمة خطر من أن يتأثر إنتاج النفط في المنطقة بالهجمات على طرق التجارة، بما فيها ممرات الشحن البحري، وبفرض عقوبات على المنطقة إذا تحول النزاع وعدم الاستقرار إلى حرب إقليمية. ومن شأن هذه الاحتمالات أن تؤدي على الأرجح إلى مراجعة توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي نحو الانخفاض في جميع أنحاء المنطقة الفرعية اعتباراً من عام 2025.
وفي الوقت ذاته، تواجه الاقتصادات غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي أزمات إنسانية وتداعيات اقتصادية نتيجة لتصاعد النزاع وعدم الاستقرار في المنطقة. فالأرض الفلسطينية المحتلة تعيش كارثة إنسانية لم يسبق لأثرها الاقتصادي مثيل. وفي إطار تصاعد النزاع الإقليمي، طالت الحرب بين إسرائيل وحماس والنزاع بين إسرائيل وحزب الله بلداناً عدة في المنطقة، فقلّصت عائدات السياحة والاستثمار المحلي والأجنبي، وطرحت في الوقت ذاته تحديات نزوح سكاني كبير. ويُقدَّر أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات غير الأعضاء في المجلس بلغ 0.5% في عام 2024، ويُتوقع أن يرتفع إلى 3.7% في عام 2025. غير أن النزاع المستمر والمتصاعد وعدم الاستقرار في الدول العربية سيظلان يُلقيان بتبعاتهما على النمو الاقتصادي والاستثمار وأسواق العمل في أرجاء المنطقة.
اتجاهات سوق العمل في الدول العربية
تطبع الفجوات بين الجنسين كثيراً من المؤشرات الرئيسية لسوق العمل في المنطقة. فمعدل المشاركة في القوى العاملة في الدول العربية، البالغ 49.2% في عام 2024، ظل دون تغيير يُذكر مقارنة بالعام السابق. ويعود هذا المعدل المنخفض نسبياً إلى المشاركة المتدنية جداً للنساء في القوى العاملة، إذ بلغت 19.2% في عام 2024 مقابل 73.6% للرجال. ويعكس ذلك أعرافاً وتوقعات اجتماعية وثقافية أوسع كثيراً ما تقدّم الأدوار المنزلية على الأدوار المهنية للنساء. وتتضاعف هذه العوائق أمام المشاركة في المنطقة بسبب غياب سياسات داعمة في مكان العمل، كإجازة الأمومة وساعات العمل المرنة، فضلاً عن أشكال مختلفة من التمييز القائم على النوع الاجتماعي والصور النمطية التي تعيق تقدم المرأة المهني ووصولها إلى المناصب القيادية والإدارية. ويتجلى الوضع غير المواتي للمرأة في معدلات البطالة أيضاً، إذ تعاني النساء من معدل بطالة أعلى بكثير يبلغ 17%، مقابل 8.2% للرجال.
ويشكل الشباب 40% من العاطلين عن العمل في المنطقة، مما يشير إلى شح الفرص المنتجة المتاحة لهم. ويُقدَّر أن معدل البطالة في الدول العربية بلغ 9.7% في عام 2024. وهو أعلى بكثير في الاقتصادات غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، حيث يبلغ 16.5%، منه في اقتصادات المجلس حيث يبلغ 2.9%. ويزيد معدل بطالة الشباب على أربعة أضعاف معدل البالغين، إذ يبلغ 27.5% مقابل 6.8%. وتميل معدلات بطالة الشباب في المنطقة إلى الارتفاع مع ارتفاع المستوى التعليمي. ويعود ذلك جزئياً إلى قلة الوظائف المستحدثة لخريجي المهارات العالية، وإلى أوجه القصور في قدرة النظام التعليمي على تزويد الخريجين بالمهارات والمعارف المطلوبة في سوق العمل، كما أفاد أصحاب العمل في المنطقة.
وكان نحو ثلث الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً غير ملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب في عام 2024، وهو أعلى معدل بين جميع المناطق الفرعية في العالم. وكان المعدل مرتفعاً بشكل خاص لدى الشابات، إذ بلغ 46.4% بين من تتراوح أعمارهن بين 15 و24 عاماً، مقابل 21.1% للذكور في الفئة العمرية ذاتها. ويعود ارتفاع هذه النسبة إلى الاقتصادات غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، حيث بلغ المعدل الإجمالي للرجال والنساء 38.6%، مقابل 15.5% في اقتصادات المجلس. ولا يزال هذا المعدل أعلى مما كان عليه قبل جائحة كوفيد 19، مما يشير إلى أن اقتصادات كثيرة في المنطقة ليست على المسار الصحيح لتحقيق الغاية السادسة من الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، الرامية إلى الحد بقدر كبير من نسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب بحلول عام 2030. وتعكس المعدلات المرتفعة لدى النساء العبء المزدوج المتمثل في كونهن نساء وشابات في آن واحد في المنطقة، في بيئة غير مهيأة لانخراط الشابات في سوق العمل. أما لدى الرجال، فترتبط المعدلات المرتفعة أيضاً بمخاطر أعلى للاضطرابات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي.
ولا يزال تجزؤ سوق العمل يمثل تحدياً لاقتصادات مجلس التعاون الخليجي. فتفضيل المواطنين للوظائف في القطاع العام، والاعتماد على غير المواطنين من ذوي المهارات المنخفضة والعالية على حد سواء لنقل المعرفة، يطرحان تحديات أمام استدامة جهود التنويع الاقتصادي. ويتطلب تحول اقتصادات المجلس بعيداً عن المحروقات وتوسعها في صناعات أخرى، منها الطاقة المتجددة والسياحة والتكنولوجيا، الاستثمار في التعليم والتدريب التقني والمهني القادر على إنتاج المهارات المطلوبة. وتشير المعدلات المرتفعة لبطالة الشباب ولنسبة غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب إلى أن استراتيجيات التعليم والتدريب التقني والمهني قد تحتاج إلى تعديل إذا أرادت هذه الاقتصادات تأمين المهارات اللازمة لهذا التحول من خلال العمالة الوطنية. وفي الوقت ذاته، تظل ظروف العمل السيئة والحماية غير الكافية للعمال المهاجرين ذوي المهارات المنخفضة مصدر قلق كبير.
اعتماد الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية واتساع الفجوات بين الجنسين
تعمل اقتصادات كثيرة على دمج الذكاء الاصطناعي والرقمنة في استراتيجياتها التنموية الوطنية، والدول العربية ليست استثناء. فاقتصادات مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص، ومنها البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تدمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية بوصفها جزءاً أساسياً من رؤاها الوطنية، ومن ذلك الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031 في الإمارات العربية المتحدة. وفي سياق تشير فيه بعض التقديرات إلى أن ما يصل إلى 77% من الوظائف بحلول عام 2030 ستتطلب مهارات رقمية، ويُتوقع فيه أن يسهم الذكاء الاصطناعي بما بين 9% و14% من الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات المجلس بحلول عام 2030، سيكون الاستثمار في التدريب المتخصص ورفع المهارات الرقمية عنصراً أساسياً في التنويع الاقتصادي في المنطقة الفرعية.
وفي الاقتصادات غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، لا يزال ضعف البنية التحتية الرقمية عائقاً أمام الاستفادة من التقنيات الرقمية. ففي لبنان مثلاً، كشف استطلاع أن 88% من المنشآت التي شملها الاستطلاع في قطاع التكنولوجيا كانت توظف، لكنها لم تتمكن من إيجاد خريجين يمتلكون المهارات اللازمة. وتتزايد فرص العمل الرقمي في هذه الاقتصادات، بما في ذلك العمل عبر المنصات الرقمية، سواء المنصات القائمة على الموقع كتوصيل الطعام، أو المنصات القائمة على الشبكة. ومع ذلك، تظل التحديات المتعلقة بالعمل اللائق لعمال المنصات الرقمية كبيرة، نظراً لغياب الأمان الوظيفي والضمانات والحماية القانونية.
وقد يؤدي اعتماد الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية إلى تفاقم الفجوات بين الجنسين في المنطقة، بما في ذلك في العمالة. ففي ظل الفجوات الكبيرة بين الجنسين، سيتعين على الدول العربية تكثيف جهودها لضمان ألا توسع التطورات التكنولوجية الجديدة هذه الفجوات، ولضمان أن يستفيد النساء من اعتماد هذه التقنيات بقدر ما يستفيد الرجال. وقد خلصت دراسة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي والوظائف، وآثاره المحتملة على كمية الوظائف وجودتها، إلى أنه يُتوقع على مستوى العالم أن تعمل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي على تعزيز معظم المهن أو استكمالها بدلاً من أتمتة العمل بالكامل. ويسلط ذلك الضوء أيضاً على مخاطر أخرى، لا سيما المتعلقة بالفجوة الرقمية، إذ إن البلدان مرتفعة الدخل أقدر بكثير على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية الأخرى من البلدان الأقل دخلاً. وفي الدول العربية، يُتوقع أن يكون تعرض النساء للآثار الأتمتية للذكاء الاصطناعي التوليدي أكبر بكثير من تعرض الرجال، إذ يبلغ 5.2% من عمالة النساء مقابل 1.9% من عمالة الرجال. ويعود ارتفاع تعرض النساء في جميع المناطق، كما في الدول العربية، جزئياً إلى ارتفاع حصتهن في المهن الكتابية التي تواجه خطراً أعلى للأتمتة. وتجدر الإشارة إلى أن التعرض لا يعني بالضرورة أن الوظيفة ستُلغى.
وستكون هناك حاجة إلى جهود على صعيد السياسات للحد من خطر أن يوسع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية الأخرى الفجوة بين الجنسين في الدول العربية. فبداية، ستكون هناك حاجة إلى تنظيم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي واستخدامها وأثرها في مكان العمل، على أن يُوضع هذا التنظيم من خلال الحوار الاجتماعي. علاوة على ذلك، لا بد من تعزيز القدرات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال أطر التعليم والمهارات والتعلم مدى الحياة، لضمان ترسيخ مهارات رقمية معينة بوصفها مهارات أساسية، واعتماد نهج موجه في إتاحة التدريب يضمن عدم إقصاء النساء. وستكون السياسات المصممة لتلبية الاحتياجات الخاصة بكل من الجنسين في عملية التحول الرقمي، بما في ذلك في اقتصاد الرعاية والاقتصاد الأخضر، بالغة الأهمية لتحقيق وصول منصف إلى موارد الذكاء الاصطناعي.
آسيا والمحيط الهادئ
يقود جنوب آسيا وجنوب شرقها أداء النمو في هذه المنطقة. فيُقدَّر أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في آسيا والمحيط الهادئ بلغ نحو 4.4% في عام 2024، ويُتوقع أن يظل قوياً عند 4.3% في عام 2025. ويعود النمو إلى حد كبير إلى جنوب آسيا وجنوب شرقها، إذ يواصل شرق آسيا معاناته من تباطؤ النمو. وفي منطقة بحجم آسيا والمحيط الهادئ وتنوعها، ثمة فوارق إقليمية كبيرة في أداء النمو وتوقعاته.
ويؤدي تباطؤ الاقتصاد الصيني إلى كبح معدلات النمو في منطقة شرق آسيا الفرعية. فنمو الناتج المحلي الإجمالي في شرق آسيا البالغ 3.8% في عام 2024 والمتوقع عند 3.5% في عام 2025 مرتفع نسبياً مقارنة بالمناطق الفرعية الأخرى في العالم، لكنه أدنى من المتوسط طويل الأمد السابق لجائحة كوفيد 19 البالغ 5.8% بين عامي 2006 و2019. ويرتبط أداء شرق آسيا إلى حد كبير بالصين التي تشهد تباطؤاً هيكلياً. ويعود هذا التباطؤ في الصين جزئياً إلى ضعف الطلب المحلي، فضلاً عن الاضطرابات التجارية المستمرة، بما فيها تلك المتعلقة بالمركبات الكهربائية، التي أثرت في الصادرات.
ويعود ارتفاع معدلات النمو نسبياً في جنوب آسيا إلى أداء النمو في الهند. إذ يدعم نمو الهند أداء الناتج المحلي الإجمالي في جنوب آسيا، وهي منطقة فرعية يُتوقع أن يكون ناتجها قد نما بنسبة 6.2% في عام 2024 وأن ينمو بنسبة 5.8% في عام 2025. وتسجل الهند واحداً من أسرع معدلات النمو في العالم، إذ بلغ 6.9% في عام 2024، ويُتوقع أن يبلغ 6.4% في عام 2025. ويستمد نمو الهند قوته من تيسير السياسة النقدية والطلب المحلي القوي والاستثمار العام.
وفي الوقت ذاته، تبدو توقعات جنوب شرق آسيا مشجعة في ظل الطلب العالمي المواتي، بينما تواصل بلدان جزر المحيط الهادئ معاناتها من التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد 19. فقد سجل جنوب شرق آسيا نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 4.6% في عام 2024، ويُتوقع أن ينمو بمعدل مماثل في عام 2025. ويعود جزء من التوقعات الإيجابية للمنطقة الفرعية إلى الطلب على الإلكترونيات، وهي صادرات سلعية رئيسية لاقتصادات كالفلبين وسنغافورة وماليزيا وتايلاند، رغم أن هذا الطلب قد يتراجع بفعل الإدارة الأمريكية الجديدة. أما في منطقة جزر المحيط الهادئ الفرعية، التي تستأثر أستراليا ونيوزيلندا بنسبة 97% من ناتجها المحلي الإجمالي، فيُقدَّر أن النمو بلغ 1.1% في عام 2024، ويُتوقع أن يرتفع إلى 2.1% في عام 2025. وباستثناء هذين الاقتصادين الكبيرين، يبلغ متوسط بلدان جزر المحيط الهادئ المتبقية 2.3% في عام 2024 و2.9% متوقعة في عام 2025. ويعتمد النمو في كثير من هذه البلدان الأخرى إلى حد كبير على السياحة، فضلاً عن نمو التعدين والزراعة في بابوا غينيا الجديدة، وهي اقتصاد كبير آخر في المنطقة الفرعية. وقد عانت بلدان كثيرة من جزر المحيط الهادئ من أثر اقتصادي مطوّل لجائحة كوفيد 19، مع استمرار انخفاض أعداد السياح.
اتجاهات سوق العمل في آسيا والمحيط الهادئ
أسهمت الزيادات في مشاركة النساء في القوى العاملة في جنوب آسيا في تعويض الاتجاه الهبوطي لمعدلات المشاركة في المنطقة. فمعدل المشاركة المستقر نسبياً البالغ 60.7% في عام 2024 لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ ككل يخفي اتجاهات متباينة بين المناطق الفرعية. فقد شهد جنوب آسيا زيادات كبيرة في معدل المشاركة، مدفوعة بزيادة مشاركة النساء، لا سيما في الهند. ويُقدَّر أن معدل المشاركة في جنوب آسيا بلغ 54.5% في عام 2024. وهو معدل منخفض نسبياً مقارنة بمعدلات شرق آسيا البالغ 65.3%، وجنوب شرق آسيا البالغ 66.3%، وجزر المحيط الهادئ البالغ 64.1%. ويعود ذلك إلى أنه رغم ارتفاع معدل مشاركة الرجال البالغ 76.7%، يسجل جنوب آسيا واحدة من أكبر الفجوات بين الجنسين في المشاركة على مستوى العالم، إذ يبلغ معدل مشاركة النساء 31.4%. وقد أدى تضييق هذه الفجوة، لا سيما خلال السنوات الخمس الماضية، من خلال زيادة مشاركة النساء في القوى العاملة من 26.9% في عام 2019، إلى رفع معدل المشاركة الإجمالي في جنوب آسيا من 52.1% في عام 2019. وقد عوضت هذه الزيادة جزئياً انخفاض معدل المشاركة في شرق آسيا، الذي تراجع من 66.9% في عام 2019 إلى 65.3% في عام 2024.
ويسهم تراجع مشاركة الشباب وشيخوخة السكان في الاتجاهات الهبوطية طويلة الأمد لمعدلات المشاركة في القوى العاملة في المنطقة. فقد انخفض معدل المشاركة في المنطقة بنحو 5 نقاط مئوية، من 65.2% في عام 2004 إلى 60.7% في عام 2024. ويُعزى هذا الانخفاض طويل الأمد إلى عاملين رئيسيين: تراجع معدل مشاركة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً مع بقاء الشباب لفترة أطول في التعليم، وتزايد نسبة السكان الذين تجاوزوا 65 عاماً ممن يرجح أن يكونوا خارج القوى العاملة. فعلى سبيل المثال، انخفض معدل مشاركة الشباب في القوى العاملة من 51.9% في عام 2004 إلى 39.3% في عام 2024.
وتخفي معدلات البطالة المستقرة عوائق متعددة أمام الوصول إلى فرص العمالة المنتجة. فمعدل البطالة البالغ 4.2% ظل دون تغيير يُذكر بين عامي 2023 و2024. وخلف هذا الرقم، تظل بطالة الشباب مصدر قلق كبير في بعض المناطق الفرعية، منها جنوب آسيا وشرق آسيا. ففي شرق آسيا، يزيد معدل بطالة الشباب على أربعة أضعاف معدل البالغين، ويتجاوز معدله السابق للجائحة بنحو 4 نقاط مئوية. وتبرز زوايا أخرى لتقييم الوصول إلى العمالة من مؤشرات كنسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب. ففي آسيا والمحيط الهادئ، يندرج نحو 20% من مجموع الشباب ضمن هذه الفئة، وترتفع النسبة بشكل خاص لدى الشابات إلى 30.4% مقابل 11.3% لدى الشباب الذكور. وتشير هذه الأرقام إلى أن الشابات يواجهن عقبات أكبر من الشباب الذكور في المنطقة في الوصول إلى العمالة والتعليم والتدريب. ومن المؤشرات الأخرى ذات الصلة بالوصول إلى العمالة فجوة الوظائف، التي ترصد الواقفين على هامش القوى العاملة، أي الذين يرغبون في العمل لكنهم غير متاحين له أو لا يبحثون عنه بنشاط، أو الأمرين معاً. وتشمل هذه الفئة العاجزين عن العمل لأسباب متنوعة، منها التزامات أعمال الرعاية. وهي تضيف 76 مليون شخص آخرين بلا عمل فوق 88 مليون عاطل عن العمل في المنطقة.
تعثر التقدم في معالجة عدد من أوجه العجز في العمل اللائق
أسهم ارتفاع الدخول في التخفيف من حدة الفقر في المنطقة وفي خفض نسبة السكان العاملين الذين يعيشون في فقر العاملين. فقد انخفض فقر العاملين عند عتبة الفقر المعتدل، أي 3.65 دولار يومياً بتعادل القوة الشرائية، من 55% في عام 2004 إلى 12.8% في عام 2024، أي بانخفاض قدره 42 نقطة مئوية. ورغم أن معدل عام 2024 لا يزال يطال 260 مليون شخص، فإنه يمثل تقدماً كبيراً خلال العقدين الماضيين. وقد أظهرت مؤشرات أخرى عدة للعمل اللائق تحسناً خلال الفترة ذاتها، لكن بدرجة أقل ومع بوادر تباطؤ وركود.
ورغم تراجع معدلات العمل غير المنظم، فإن الطبيعة المعقدة لإضفاء الطابع المنظم على العمل والأشكال الجديدة للعمل تعيق التقدم. فقد انخفض العمل غير المنظم من 73.2% في عام 2004 إلى 65.8% في عام 2024، وهو تحسن ملموس وإن كان بطيئاً بعض الشيء. والعاملون في العمل غير المنظم أكثر عرضة لافتقاد الحماية الاجتماعية، وأقل حظاً في التمتع بحقوق العمل وفي الحصول على دخل منتظم مقارنة بنظرائهم في العمل المنظم. ولذلك كثيراً ما يسهم الحد من العمل غير المنظم في الحد من فقر العاملين. غير أن وتيرة التحسن تُظهر بوادر استقرار عند مستوى ثابت. ويبرز ذلك الحاجة المستمرة إلى مقاربات متكاملة لإضفاء الطابع المنظم على العمل في المنطقة، لا سيما في ظل ظهور أشكال جديدة من العمل غير المنظم يطرحها العمل المؤقت والعمل عبر المنصات.
وتُظهر مؤشرات تقريبية أخرى لأوجه العجز في العمل اللائق معدلات انخفاض أبطأ مماثلة في السنوات الأخيرة. ومن المؤشرات التي تعكس هذا العجز حصة العمالة في المهن الزراعية والحراجية والسمكية الماهرة وفي المهن الأولية كزراعة الكفاف والعمالة اليومية، وكلها كثيراً ما تتسم بدخول غير كافية وغير منتظمة. وقد انخفضت حصة هذه الفئات من إجمالي العمالة من 56.4% إلى 47.5% بين عامي 2004 و2023، غير أن وتيرة التغير ركدت في السنوات الأخيرة. وفي الوقت ذاته، انخفضت حصة العاملين لحسابهم الخاص والعاملين الأسريين المساهمين، وهي فئات من الوضع الوظيفي تتسم عادة بطابع غير منظم أكبر وبدخول أدنى وأقل انتظاماً وبوصول أقل إلى الحماية الاجتماعية، بنحو 8.5 نقطة مئوية بين عامي 2004 و2023.
التحولات وانعكاساتها على خلق الوظائف واضطرابها
يسرّع الذكاء الاصطناعي التحول الرقمي على نحو يُفرز مزيداً من بوادر الاضطراب الوظيفي. ويشير تحليل حديث في آسيا والمحيط الهادئ إلى أن الأتمتة التكنولوجية أكثر ميلاً إلى أتمتة مهام داخل المهن منها إلى إحلال مهن بأكملها. وقد سرّع الصعود السريع الأخير للذكاء الاصطناعي الآثار المحتملة للتحول الرقمي نحو الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتقنيات الرقمية الأخرى. وبدأ دمج هذه التقنيات في أنشطة الأعمال يؤدي بالفعل إلى إحلال وظائف وتعزيز أخرى. ففي ماليزيا مثلاً، تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 300 ألف وظيفة فُقدت بسبب الذكاء الاصطناعي والأتمتة منذ عام 2020. وفي الفلبين أيضاً، ثمة مخاوف من إحلال واسع للوظائف بفعل الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك في قطاع إدارة عمليات الأعمال، وهو صناعة رئيسية في البلاد. غير أن المصادر ليست كلها متشائمة بالقدر ذاته، إذ يشير بعضها إلى بوادر نمو في الوظائف، مما يوحي بأن الأثر الإجمالي المحتمل للذكاء الاصطناعي أبعد ما يكون عن الوضوح.
ويُقدَّر أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ استأثرت بثلثي وظائف الطاقة المتجددة في العالم في عام 2023، مما يبرز إمكانات خلق الوظائف في إطار انتقال عادل. وتشير أحدث تقديرات وظائف الطاقة المتجددة إلى أن الصين وحدها تستأثر بنسبة 46% من مجموع هذه الوظائف في العالم، المباشرة وغير المباشرة، أي ما يعادل 7.4 مليون وظيفة. وتستأثر الهند بمليون وظيفة إضافية، وبقية آسيا والمحيط الهادئ بنحو 2.3 مليون. وتبرز هذه التقديرات إمكانات الطاقة المتجددة في خلق الوظائف في المنطقة. ويُقدَّر أن الطاقة المتجددة في الصين أسهمت بنحو 40% من نمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023، كما ارتفعت صادرات منتجات الطاقة المتجددة، بما فيها البطاريات والألواح الشمسية، من 30 مليار دولار في عام 2019 إلى 102 مليار دولار في عام 2023 بالقيمة الاسمية. وفي الهند، تُعد الطاقة الكهرومائية أكبر مشغّل في قطاع الطاقة المتجددة، إذ استأثرت بنحو 453 ألف وظيفة في عام 2023.
أوروبا وآسيا الوسطى
يُتوقع نمو مطرد في الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا وآسيا الوسطى، رغم وتيرة توسع دون المستوى المأمول في شمال أوروبا وجنوبها وغربها. فيُقدَّر أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا وآسيا الوسطى بلغ 1.8% في عام 2024، أي ما يقارب مستواه في عام 2023، ويُتوقع أن يبلغ 1.9% في عام 2025. وهو معدل نمو متواضع نسبياً، يُقارَن بمتوسط سنوي قدره 1.7% خلال العقد السابق. وعلى مستوى المناطق الفرعية، كان النمو أدنى ما يكون في شمال أوروبا وجنوبها وغربها، إذ بلغ 1% في عام 2024 مع توقع 1.4% في عام 2025، وأعلى في أوروبا الشرقية حيث بلغ 3.1% مع توقع 2.1% في عام 2025، وفي آسيا الوسطى والغربية حيث بلغ 3.2% مع توقع 3.3% في عام 2025. ويعكس انخفاض معدل النمو في شمال أوروبا وجنوبها وغربها توقعات نمو معتدلة في ظل فترة من التضخم المرتفع نسبياً والسياسة النقدية المتشددة. ويُتوقع أن تكون أحوال بلدان جنوب أوروبا أفضل من نظيراتها في الشمال والغرب، بما فيها ألمانيا وفرنسا، بفضل عائدات السياحة وعوامل أخرى. وتبدو توقعات ألمانيا ضعيفة بشكل خاص، ويعود ذلك جزئياً إلى الآثار المستمرة لأزمة تكاليف الطاقة ونقص العمالة.
ورغم أن أوروبا الشرقية تواصل تسجيل معدلات نمو أعلى، فإن التوترات الجيوسياسية والضغوط التضخمية المستمرة تؤثر في توقعاتها. إذ يُتوقع أن تكون أوروبا الشرقية قد شهدت نمواً متسارعاً بلغ 3.1% في عام 2024، بعد أن كان 2.6% في عام 2023. ويعود جزء من هذا الأداء إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى هذه المنطقة الفرعية من الصين والاتحاد الروسي. ورغم أن منطقة اليورو بدأت تسيطر على التضخم، يُتوقع أن تظل بلدان أوروبا الشرقية الواقعة خارج الاتحاد الأوروبي تعاني من معدلات تضخم أعلى، ويعود ذلك جزئياً إلى وقوعها خارج منطقة اليورو وتعرض عملاتها لانخفاض في قيمتها. ويُتوقع أيضاً أن يسهم تباطؤ التوسع الاقتصادي في الاتحاد الروسي في انخفاض النمو في المنطقة الفرعية على المدى المتوسط. ويُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.1% في عام 2025، مع مخاطر سلبية على التوقعات تشمل التوترات الجيوسياسية، لا سيما فيما يتعلق بعدوان الاتحاد الروسي على أوكرانيا.
اتجاهات سوق العمل في أوروبا وآسيا الوسطى
يستمر نقص العمالة في معظم أنحاء أوروبا. فثمة مشكلات مستمرة تتعلق بنقص العمالة في أوروبا رغم تراجع الوظائف الشاغرة. ويمكن أن يتركز نقص العمالة في قطاعات ومهن بعينها، وأن يكون مدفوعاً بعدم التوافق في المهارات. ويوجد هذا النقص في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والرعاية الصحية. وتُظهر البيانات الخاصة بعام 2023 ارتفاعاً في نقص العمالة في النرويج والدنمارك وألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا. ويعود بعض هذا النقص إلى فائض الطلب، ويُتوقع أن يكون مؤقتاً، ويعكس عوامل مثل فترات السياسة النقدية الميسرة. غير أن نقص العمالة قد يكون أيضاً علامة على عوامل أطول أمداً، كتزايد الطلب على العمالة في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا المستدامة، وهي قطاعات تتطلب مهارات جديدة بعينها. ولا يقتصر النقص على شمال أوروبا وغربها وجنوبها، بل يتضح أيضاً في عدد من بلدان أوروبا الشرقية، منها رومانيا وكرواتيا، حيث يتفاقم بفعل هجرة الشباب والعاملين المهرة.
وقد عادت بطالة الشباب إلى اتجاهها الهبوطي في المنطقة، كما تتراجع نسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب. إذ يُقدَّر أن معدل بطالة الشباب الإجمالي في أوروبا وآسيا الوسطى بلغ 13.5% في عام 2024، منخفضاً من 18.4% قبل عقد، أي في عام 2014. كما يُقدَّر أن نسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب في المنطقة بلغت 13%، منخفضة من 15.8% قبل عقد. وفي أوروبا الشرقية، أسهم عدوان الاتحاد الروسي على أوكرانيا في تراجع المشاركة التعليمية، وتعبئة الجنود الشباب، وانخفاض الاستثمار في خلق الوظائف للشباب. وتسير بلدان شمال أوروبا وغربها وجنوبها وشرقها جميعها على المسار الصحيح للوفاء بالتزام الغاية السادسة من الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، الرامية إلى الحد بقدر كبير من نسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب بحلول عام 2030.
وفي سياق شيخوخة السكان ونقص العمالة، تُعد الإدارة الفعالة لهجرة اليد العاملة اعتباراً رئيسياً في السياسات. فمن وسائل سد فجوات المهارات الهجرة الوافدة. غير أن هذه العملية تتعقد بفعل درجات متفاوتة من المشاعر المناهضة للمهاجرين، وتحديات الاندماج، والاعتراف بالمؤهلات. وبالقدر ذاته، تساعد الإدارة الحصيفة لتدفق المهاجرين إلى الخارج على منع نشوء فجوات المهارات ونقص العمالة. ويصدق ذلك بشكل خاص على الهجرة من شرق أوروبا وجنوبها إلى شمالها وغربها. وتُبذل جهود لتحفيز المهاجرين على العودة، والحد من تدفقهم إلى الخارج. ففي البرتغال مثلاً، يجري النظر في إعفاءات ضريبية وحوافز لمن هم دون الخامسة والثلاثين، لثني الشباب عن الهجرة وجذبهم إلى البلاد.
وتعزز تدفقات هجرة اليد العاملة والاستثمار والتجارة إلى الاقتصادات المحيطة بالاتحاد الروسي مؤشرات سوق العمل في هذه الاقتصادات. فاقتصادات القوقاز وآسيا الوسطى تستقبل مواطنين روساً نتيجة للحرب في أوكرانيا والتعبئة العسكرية. وتوفر هذه البلدان إجراءات ميسرة لفتح الحسابات المصرفية والحصول على الإقامة، مما يسهل انتقال المهاجرين الروس الذين يجلبون معهم رأس المال والمهارات. فعلى سبيل المثال، تفيد التقارير بأن جورجيا استقبلت نحو 20 ألفاً من رواد الأعمال ذوي المهارات العالية في قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والصناعات الإبداعية، وأن كازاخستان شهدت طفرة في إنشاء منشآت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وفي الوقت ذاته، أسهمت العقوبات المفروضة على الاتحاد الروسي في تحويل التجارة نحو الاقتصادات المحيطة. وتسهم كل هذه العوامل في تعزيز مؤشرات سوق العمل في آسيا الوسطى والغربية، وإن كان الاتحاد الروسي يعوّض بعض هذه التحسنات في الأرقام الإجمالية للمنطقة ككل.
تباطؤ نمو الإنتاجية في الاتحاد الأوروبي يُتوقع أن يضغط على نمو الأجور الحقيقية
تراجعت إنتاجية العمل منذ جائحة كوفيد 19، ويُرتقب نتيجة لذلك تباطؤ نمو الأجور الحقيقية. فقد انخفضت إنتاجية العمل الحقيقية لكل ساعة عمل في اقتصادات الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين بنسبة 0.1% سنوياً خلال الفترة من 2021 إلى 2023، مقارنة بنمو سنوي قدره 1% خلال الفترة من 2010 إلى 2019، مع استبعاد عام 2020 بسبب اضطراب الاتجاهات الناجم عن الجائحة. وبالمثل، لم ترتفع إنتاجية العمل الحقيقية لكل شخص سوى 0.2% سنوياً خلال الفترة من 2021 إلى 2023، مقارنة بنسبة 0.8% سنوياً خلال الفترة من 2010 إلى 2019. وتشير هذه الفوارق في النمو قبل الجائحة وبعدها إلى تباطؤ كبير جارٍ في اقتصادات الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت ذاته، ارتفعت ساعات العمل الأسبوعية لكل شخص عامل بنسبة 0.3% سنوياً خلال الفترة من 2021 إلى 2023، مقارنة بانخفاض قدره 0.3% سنوياً خلال الفترة من 2010 إلى 2019. وإذا اقترنت هذه الاتجاهات بتوقعات اقتصادية أضعف، فإنها تدفع إلى توقع نمو أبطأ في الأجور الحقيقية.
وقد يكمن جزء من تفسير نمو إنتاجية العمل في احتفاظ المنشآت بالعمالة الفائضة بوصفه أثراً متبقياً من فترة الجائحة. فمؤشر الاحتفاظ بالعمالة الفائضة الصادر عن البنك المركزي الأوروبي، الذي يقيس حصة الشركات التي لم تقلص قوتها العاملة رغم تدهور توقعاتها، يُظهر أن حصة الشركات المحتفظة بالعمالة الفائضة قُدرت في الربع الأول من عام 2024 بنحو 19.2%، وهي أعلى بكثير من نسبة 12% المسجلة في الربع ذاته قبل بدء الجائحة، أي الربع الأول من عام 2019. وقد ارتفع هذا الاحتفاظ ارتفاعاً حاداً خلال الجائحة، وبلغ ذروته عند 29.6% في الربع الثالث من عام 2020. ورغم انخفاضه في الربع الثالث من عام 2021، ظل مرتفعاً في عام 2022، ولم يبدأ في التراجع إلا في عام 2024. ويعكس هذا الاحتفاظ بالعمالة رغم تدهور التوقعات الاقتصادية عوامل دورية وهيكلية، إذ تسعى الشركات إلى امتصاص الصدمات. غير أنه يقترن أيضاً بضعف نمو إنتاجية العمل. ومن المتوقع أن يقابل ضعفَ التوقعات الاقتصادية في شمال أوروبا وجنوبها وغربها تسريحٌ للعمال وارتفاعٌ لاحق في البطالة.
ويعود انخفاض نمو الإنتاجية في المنطقة إلى شمال أوروبا وجنوبها وغربها أكثر مما يعود إلى أوروبا الشرقية، وهو ما لا يبشر بالخير لنمو الأجور الحقيقية. فقد نمت إنتاجية العمل في شمال أوروبا وجنوبها وغربها بوتيرة أبطأ بكثير، بلغت 0.5% سنوياً بين عامي 2014 و2024، مقارنة بنسبة 2.2% سنوياً في أوروبا الشرقية. كما شهد عدد من بلدان شمال أوروبا وجنوبها وغربها تراجعاً في نمو الأجور الحقيقية، خلافاً للزيادات الملاحظة في كثير من بلدان أوروبا الشرقية. فقد سُجلت انخفاضات في متوسط النمو السنوي للأجور الحقيقية بين عامي 2022 و2024 في فرنسا وإيطاليا وأيرلندا والسويد وسويسرا، في حين سُجلت زيادات في معظم بلدان أوروبا الشرقية خلال الفترة ذاتها. ويكمن جزء من التحدي في تباطؤ التحول الهيكلي في شمال أوروبا وجنوبها وغربها، الذي لا يبشر، مقترناً بضعف التوقعات الاقتصادية، بخير لنمو إنتاجية العمل. وقد يعكس التباطؤ أيضاً تخلفاً في الاستثمار في الخدمات الرقمية والبحث والتطوير والبنية التحتية، وهي مجالات كان من شأنها أن تسهم في نمو سريع للإنتاجية الحقيقية لكل ساعة عمل.
