القائمة الرئيسية

تقرير بيئة العمل النفسية الاجتماعية: التطورات العالمية ومسارات العمل

تقرير بيئة العمل النفسية الاجتماعية: التطورات العالمية ومسارات العمل
ملخص الدراسة

يلخص هذا التقرير، الذي أعدته منظمة العمل الدولية، المخاطر النفسية الاجتماعية المتنامية في بيئة العمل، والتي تُعرَّف بأنها جوانب تصميم الوظائف وتنظيم العمل والسياسات المؤسسية التي تؤثر على صحة العمال ورفاههم. ويُبرز التقرير أن هذه المخاطر تتسبب في أكثر من 840 ألف وفاة سنوياً (جراء أمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات النفسية المرتبطة بعوامل مثل ساعات العمل الطويلة والتنمر)، وتؤدي إلى خسائر اقتصادية تقدر بـ 1.37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ومع تحولات عالم العمل بسبب الرقمنة والعمل المرن، تتزايد الحاجة لإدارة استباقية لهذه المخاطر. يستعرض التقرير الأطر التنظيمية الدولية والوطنية لمعالجة هذه التحديات، ويدعو المؤسسات لدمج الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية ضمن أنظمة إدارة السلامة والصحة المهنية، مع التركيز على الأسباب الجذرية في تصميم العمل وتنظيمه. ويختتم بالتأكيد على الحاجة إلى تحسين البيانات المتاحة، ووضع أطر سياساتية أوضح وأكثر اتساقاً، وتعزيز الإجراءات العملية على مستوى مكان العمل لدعم بيئات عمل صحية.

شكر وتقدير

أعدّت هذا التقرير منال عزّي، رئيسة الفريق المعني بسياسات ونظم السلامة والصحة المهنيتين، ودافني باباندريا، بدعم من لوسيا ريسوينيو نافارو ولوريسا فاريل.

ونتوجه بالشكر إلى ستافرولا ليكا من جامعة لانكستر والأكاديمية الأوروبية لعلم النفس الصحي المهني، وأديتيا جاين من جامعة نوتنغهام والأكاديمية ذاتها، على إسهاماتهما الجوهرية في البحث وتعاونهما طوال مراحل إعداد التقرير، كما نشكر ميغيل مونيوث هاريسون من الأكاديمية الأوروبية لعلم النفس الصحي المهني على ما قدّمه بشأن سياق السياسات في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

ونشكر راشيل بوتر ومورين دولارد وماي لوه من جامعة أديلايد على البحث الأولي، وعلى المسح الذي أُجري بين الخبراء لأغراض المراجعة العالمية للسياسات، وعلى مراجعتهم وإسهاماتهم خلال إعداد التقرير. كما نشكر الباحثين المتعاونين راينر روغوليس وبيرغيت أوست وأندرس بيلمارك من المركز الوطني لأبحاث بيئة العمل في الدنمارك، والأستاذة يوهاما كارابايو أرياس، وإيفان ويليامز خيمينيث، وتوني لامونتاني من جامعة ديكن، ولويك ليروج من جامعة بوردو والمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وسام بوبل وكيرستن واي من جامعة كوينزلاند، وشارون باركر من جامعة كيرتن، على إسهاماتهم القيّمة.

ونشكر كذلك يوكا تاكالا وسوباس نيوباني من جامعة تامبيري، وأليكسيس ديكاتا من جامعة أنجيه، على إسهاماتهم في تحديث التقديرات العالمية للانتشار.

ونعرب عن امتناننا للدكتورة عائشة مالك من منظمة الصحة العالمية على مراجعتها وملاحظاتها.

ونقدّر ما قدّمه زملاؤنا في منظمة العمل الدولية من إسهام ودعم قيّمين، ولا سيما فالنتينا بيغيني من إدارة المساواة بين الجنسين وعدم التمييز، وأندونيرينا راكوتوناريفو وإليزا بينيس من إدارة الإحصاءات، والزملاء في مكتب أنشطة العمال، ومكتب أنشطة أصحاب العمل، وإدارة الحوار الاجتماعي وعلاقات العمل وحوكمة العمل. ونشكر أيضاً أخصائيي السلامة والصحة المهنيتين في المقر الرئيسي وفي المكاتب الميدانية، وبخاصة كارمن بوينو وبالينت نافرادي وتسفيتوميرا رادوسلافوفا وآنا كاتالينا راميريث ويوغيندرا سامانت ويوكا أوجيتا، على مراجعتهم وملاحظاتهم. وأخيراً، نشكر زملاءنا في صندوق الرؤية الصفرية على ما قدّموه من إسهامات.

ملخص تنفيذي

تمثّل المخاطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل تهديداً كبيراً ومتنامياً لسلامة العمال وصحتهم، ولإنتاجية المؤسسات، وللأداء الاقتصادي على نطاق أوسع.

ووفقاً لأحدث التقديرات التي تنشرها منظمة العمل الدولية لأول مرة في هذا التقرير، تتسبب عوامل الخطر النفسية الاجتماعية في أكثر من 840 ألف حالة وفاة سنوياً بسبب ما يرتبط بها من أمراض القلب والأوعية الدموية، ومنها السكتة الدماغية وأمراض القلب الإقفارية، ومن اضطرابات نفسية في مقدمتها الاكتئاب. وتستند هذه الإحصاءات إلى معدلات انتشار خمسة عوامل خطر نفسية اجتماعية مرتبطة بالعمل وإلى الكسر المنسوب إليها على مستوى السكان، وهذه العوامل هي: إجهاد العمل، واختلال التوازن بين الجهد والمكافأة، وانعدام الأمن الوظيفي، وساعات العمل الطويلة البالغة 55 ساعة أسبوعياً أو أكثر، والتنمر، وذلك باتباع منهجية تقييم المخاطر المقارن المستندة إلى بيانات عام 2021 الخاصة بالوفيات وسنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة.

وتؤدي هذه المخاطر كذلك إلى فقدان ما يقارب 45 مليون سنة من سنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة كل عام. ويُقدَّر أن الأثر المشترك لأمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات النفسية المرتبطة بعوامل الخطر النفسية الاجتماعية يفضي إلى خسارة 1.37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن ساعات العمل الطويلة، بوصفها عامل خطر نفسياً اجتماعياً بالغ الأهمية يرتبط بارتفاع احتمال الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتة الدماغية، لا تزال واسعة الانتشار؛ إذ تقدّر منظمة العمل الدولية أن 35% من العمال في العالم يعملون أكثر من 48 ساعة في الأسبوع.

ويشكّل التعرض للتنمر وغيره من أشكال العنف والتحرش مصدر قلق رئيسياً آخر؛ فالمنظمة تقدّر أن 23% من العمال على مستوى العالم تعرّضوا لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف أو التحرش خلال حياتهم المهنية، وأن العنف النفسي هو أكثر هذه الأشكال شيوعاً بنسبة 18%.

واستجابةً للثغرات المستمرة في توافر البيانات عالمياً، وللمخاوف المتعلقة بجودة إحصاءات السلامة والصحة المهنيتين وقابليتها للمقارنة، أطلقت منظمة العمل الدولية في عام 2025 استبياناً موجهاً إلى جهات الاتصال الوطنية المعنية بهذه الإحصاءات. وتبيّن النتائج أن 37% من المؤسسات المستجيبة، أي 41 مؤسسة من أصل 111، لديها خطط ملموسة لتعزيز الإحصاءات المتعلقة بالمخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية في العمل خلال السنوات الخمس المقبلة.

ولا يزال إدماج هذه المسائل في أطر الحوار الاجتماعي العابرة للحدود متواضعاً؛ إذ لا يتناول الصحة النفسية أو العوامل النفسية الاجتماعية صراحةً ضمن الأحكام المتعلقة بالسلامة والصحة المهنيتين سوى 18% من الاتفاقات العابرة للحدود البالغ عددها 338 اتفاقاً، والمسجلة بين عامي 2000 و2025 في مستودع منظمة العمل الدولية للحوار الاجتماعي العابر للحدود.

ما المقصود ببيئة العمل النفسية الاجتماعية؟

تشمل بيئة العمل النفسية الاجتماعية عناصر العمل والتفاعلات التي تجري في إطاره، مما يتصل بطريقة تصميم الوظائف، وأسلوب تنظيم العمل وإدارته، والسياسات والممارسات والإجراءات الأوسع التي تحكمه، فضلاً عن الكيفية التي تترابط بها هذه العناصر فيما بينها، وهي جميعاً عناصر قد تؤثر في صحة العمال ورفاههم وفي الأداء المؤسسي على حد سواء.

ويولي التقرير اهتماماً بعالم العمل المتغير وما يترتب عليه من آثار في بيئة العمل النفسية الاجتماعية. فالتحول الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل طرق تنسيق المهام ومراقبتها وتقييمها، كما أن الأشكال الجديدة للاستخدام، بما فيها العمل عبر المنصات، وتنوع الترتيبات التعاقدية، واتساع نطاق العمل عن بُعد والعمل الهجين، باتت تعيد تعريف الإشراف والتوقعات ووقت العمل. وفي الوقت نفسه، تسهم عوامل خارجية أوسع، من بينها حالة عدم اليقين الجيوسياسي، في إعادة تشكيل تنظيم العمل. وعلى الرغم من أن هذه التطورات قد تتيح فرصاً لتعزيز بيئة العمل النفسية الاجتماعية، فإنها قد تزيد أيضاً من حدة المخاطر النفسية الاجتماعية، وهو ما يؤكد الحاجة إلى إدارتها بصورة استباقية.

ولدعم العمل الوقائي، يقترح التقرير منظوراً متعدد المستويات يركّز على السمات القابلة للتحديد والتعديل في بيئة العمل، ويولي أهمية للجوانب التي يمكن إدارتها، بالقدر المعقول عملياً، على نحو يقلّل المخاطر ويعزّز العمل الصحي المنتج. وفي هذا الإطار، يحدد التقرير ثلاثة مستويات مترابطة لبيئة العمل النفسية الاجتماعية:

الوظيفة: وتعني الخصائص الأصيلة للمهام والمسؤوليات، بما في ذلك متطلبات العمل، ومدى توافقها مع مهارات العمال، وإمكانية الوصول إلى الموارد، وسمات تصميم المهام كالمعنى والتنوع وتوظيف المهارات.

طريقة إدارة العمل وتنظيمه: وتعني الكيفية التي يُهيكل بها العمل ويُعاش في الواقع، بما في ذلك وضوح الدور، والاستقلالية، وعبء العمل ووتيرته، والإشراف، والدعم الاجتماعي، وجودة التفاعلات في مكان العمل.

السياسات والممارسات والإجراءات الأوسع التي تحكم العمل: وتعني النظم المؤسسية والتنظيمية الأشمل التي تحدد شروط الاستخدام، وترتيبات وقت العمل، والتغيير المؤسسي، والمراقبة الرقمية، وعمليات الأداء والمكافأة، وسياسات السلامة والصحة المهنيتين ونظم إدارتهما، وإجراءات منع العنف والتحرش، وآليات التشاور مع العمال ومشاركتهم.

وتضم هذه المستويات طائفة من العوامل النفسية الاجتماعية التي تعكس السمات الجوهرية لبيئة العمل في جميع أشكال العمل وسياقاته. والطريقة التي تعمل بها هذه العوامل وتتفاعل في سياقات بعينها هي التي تحدد ما إذا كانت ستعزز الصحة والأداء الفعال، أم ستولّد مصادر خطر نفسية اجتماعية ونتائج سلبية.

ويستند هذا الفهم إلى أدلة مستمدة من علم الأوبئة وعلم النفس التنظيمي واقتصاديات العمل وأبحاث الصحة المهنية. وعلى الرغم من أن البيانات المتاحة تعتريها قيود منهجية وتفاوت في التغطية الجغرافية، فإنها تشير إلى أن المخاطر النفسية الاجتماعية واسعة الانتشار. وقد تؤدي بعض بيئات العمل وأشكال الاستخدام المتنوعة، ومنها الاقتصاد غير المنظم والعمل الحر، إلى جانب خصائص قطاعية معينة، إلى زيادة التعرض لهذه المخاطر. ورغم هذه القيود، تُظهر الأبحاث باتساق أن بيئات العمل النفسية الاجتماعية غير الملائمة ترتبط بنتائج صحية ضارة وبآثار سلبية على المؤسسات.

مجموعة من الأطر التنظيمية والسياسات الرامية إلى معالجة المخاطر النفسية الاجتماعية

توفر معايير منظمة العمل الدولية الخاصة بالسلامة والصحة المهنيتين أساساً معيارياً متيناً لمعالجة المخاطر النفسية الاجتماعية وحماية الصحة البدنية والنفسية للعمال. ومع أن الصكوك الأساسية في مجال السلامة والصحة المهنيتين لا تشير صراحةً إلى المخاطر النفسية الاجتماعية، فإنها تشكّل القاعدة اللازمة لسياسات ونظم شاملة ووقائية على المستويين الوطني والمؤسسي. وتُعد اتفاقية العنف والتحرش لعام 2019 (رقم 190) أول صك من صكوك المنظمة يشير صراحةً إلى المخاطر النفسية الاجتماعية، وذلك من خلال إطار شامل من الالتزامات الوقائية والحمائية، في حين تعزز معايير أخرى الإطار الخاص بالوقاية من هذه المخاطر وإدارتها.

وتبيّن المراجعة التي أجراها هذا التقرير أن الأطر الإقليمية تُدرج المخاطر النفسية الاجتماعية بصورة متزايدة ضمن نظم السلامة والصحة المهنيتين الأوسع، وإن تفاوت مدى هذا الإدماج ومستوى التفصيل التنظيمي من منطقة إلى أخرى. فبعض الصكوك يحدد صراحةً عوامل خطر مثل العنف والتحرش، في حين يتناول بعضها الآخر المخاطر النفسية الاجتماعية من خلال إشارات أعم إلى الصحة النفسية وتنظيم العمل وظروفه. وتؤكد هذه الأطر، في مختلف المناطق، على الوقاية، وتبرز الجوانب التنظيمية للعمل بوصفها محددات رئيسية للمخاطر النفسية الاجتماعية. كما تعكس المبادرات الحديثة اهتماماً متزايداً بالسياقات المستجدة، ومنها الذكاء الاصطناعي واقتصاد المنصات، إلى جانب تطوير الإرشادات والأدوات العملية.

وتُظهر مراجعة السياسات والبرامج الوطنية للسلامة والصحة المهنيتين اعترافاً متنامياً في مختلف المناطق بأن الوقاية من مصادر الخطر النفسية الاجتماعية أولوية وطنية. وتعزز هذه السياسات تدابير الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية والتخفيف من حدتها، من خلال الرصد والتدريب واستخدام أدوات موثوقة للتقييم والتدخل. وكثيراً ما تتسق هذه السياسات مع الاستراتيجيات الوطنية الأوسع لتعزيز الصحة والرفاه، ولا سيما تلك التي تركّز على الصحة النفسية. وفي بعض البلدان، تتعزز جهود الوقاية بفضل التنسيق بين السلطات الصحية وسلطات العمل، واعتماد مقاربات متعددة القطاعات، وإشراك الشركاء الاجتماعيين.

وتوحي التشريعات الوطنية بتحول تدريجي من صياغة واجبات صاحب العمل أساساً في صورة حماية "الصحة النفسية"، وهي صياغة قد تشجع على الاستجابات الفردية، نحو أطر وقائية تعترف صراحةً بالمخاطر النفسية الاجتماعية. فكثير من البلدان باتت تعرّف هذه المخاطر وتنظمها عبر أحكام تتعلق بتنظيم العمل وتقييم المخاطر وتقويم التدابير الوقائية، وإن تفاوت نطاق هذه الأحكام ودرجة تحديدها تفاوتاً كبيراً. وعادةً ما يُدمج رصد المخاطر النفسية الاجتماعية في المتطلبات العامة لتقييم المخاطر والوقاية منها في مجال السلامة والصحة المهنيتين، ويُدعم بآليات للتظلم والإنفاذ تتيح اتخاذ إجراءات وقائية. غير أن متطلبات الإثبات، ولا سيما ما يتعلق منها بإثبات العلاقة السببية بالعمل، لا تزال تؤثر في طريقة معالجة الشكاوى وفي كيفية تطبيق الواجبات التشريعية عملياً. وحيثما تكون الأطر التشريعية أكثر تطوراً، يكون تقييم المخاطر أوثق ارتباطاً بالتدخلات والتدابير التصحيحية، وإن ظل التنفيذ متفاوتاً. ويُلاحظ تفاوت مماثل في الاعتراف بالاضطرابات المرتبطة بالعمل؛ إذ يحظى اضطراب ما بعد الصدمة باعتراف أوسع مقارنة بغيره من النتائج المرتبطة بالإجهاد والصحة النفسية، التي كثيراً ما تُعالج من خلال إجراءات تُطبَّق على كل حالة على حدة.

ويؤدي التفاوض الجماعي والحوار الاجتماعي دوراً مهماً في ترجمة الأحكام القانونية إلى تدابير على مستوى القطاعات وأماكن العمل. ويبيّن تحليل الاتفاقات العابرة للحدود أن الاهتمام الصريح بالصحة النفسية والعوامل النفسية الاجتماعية ضمن أحكام السلامة والصحة المهنيتين لا يزال متواضعاً؛ إذ لا يتضمن مثل هذه الإشارات سوى 18% من الاتفاقات البالغ عددها 338 اتفاقاً والمسجلة بين عامي 2000 و2025 في مستودع منظمة العمل الدولية للحوار الاجتماعي العابر للحدود. ومع ذلك، ازداد الانخراط في هذا المجال منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فباتت الاتفاقات الحديثة تتناول بوتيرة أكبر الإجهاد والصحة النفسية والرفاه، والتحرش، والتوازن بين العمل والحياة، والرقمنة، والعمل عن بُعد، كما أسهم انخراط الشركاء الاجتماعيين في تطوير أدوات إرشادية قطاعية وفي توجيه التطورات اللاحقة على صعيدي السياسات والتنظيم.

وتسهم المعايير الطوعية والأدوات الإرشادية وحملات التوعية في تحويل أطر الوقاية إلى مقاربات عملية موجهة نحو الفعل. وفي مختلف المناطق، تعمل مفتشيات العمل على تكييف نماذج التفتيش التقليدية لمعالجة مصادر الخطر النفسية الاجتماعية، وذلك بالجمع بين عمليات التحقق من الامتثال والتوجيه الوقائي، وتطوير أدوات متخصصة، واعتماد استراتيجيات قائمة على المخاطر أو مركزة على قطاعات بعينها. كما أصبحت حملات التوعية أداة تكميلية مهمة لتعزيز الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية، إذ تحسّن فهم هذه المخاطر وتشجع على اتخاذ إجراءات وقائية في أماكن العمل.

الاستجابات على مستوى مكان العمل

يستند التقرير إلى المبادئ التوجيهية لمنظمة العمل الدولية بشأن نظم إدارة السلامة والصحة المهنيتين لعام 2001، بوصفها إطاراً مرناً لإدارة المخاطر النفسية الاجتماعية. ومع أن هذه المبادئ التوجيهية ليست مخصصة لهذه المخاطر تحديداً، فإنها توفر منهجاً منظماً يشمل السياسة، والتنظيم، والتخطيط والتنفيذ، والتقييم، بما يضمن التعامل مع بيئة العمل النفسية الاجتماعية بوصفها مكوناً أصيلاً من مكونات الإدارة الفعالة للسلامة والصحة المهنيتين، لا عملية منفصلة أو موازية.

وتحدد سياسة السلامة والصحة المهنيتين التزام المؤسسة بحماية سلامة العمال وصحتهم، وينبغي أن تقرّ بأن المخاطر النفسية الاجتماعية تنشأ عن تصميم الوظائف وتنظيم العمل والعمليات المؤسسية الأوسع، وأن تتسق مع الوظائف ذات الصلة كالموارد البشرية وإدارة الأداء. ويتطلب التنظيم الفعال مسؤوليات واضحة، وقيادة كفؤة، وتنسيقاً بين الوظائف المختلفة، ومشاركة حقيقية للعمال، لضمان تحديد المخاطر وتقييمها والسيطرة عليها على جميع المستويات. أما التخطيط والتنفيذ فيحوّلان هذا الالتزام إلى عمل من خلال أهداف واضحة ومسؤوليات محددة وتخصيص للموارد يستند إلى مراجعة الأوضاع القائمة.

ويُعد تقييم المخاطر عنصراً محورياً للوقاية داخل نظام إدارة السلامة والصحة المهنيتين، إذ يشمل تحديد مصادر الخطر، وتقييم المخاطر المرتبطة بها، وتنفيذ تدابير وقائية أو حمائية لإزالتها أو السيطرة عليها. ويتطلب تحديد مصادر الخطر النفسية الاجتماعية فحص تصميم الوظائف، وتنظيم العمل وإدارته، والعمليات المؤسسية الأوسع التي تشكّل العمل اليومي. كما يستلزم مراعاة التفاعلات بين هذه المستويات، وعلاقات القوة والممارسات التمييزية التي قد تولّد مخاطر نفسية اجتماعية أو تزيد من حدتها.

ولما كانت مصادر الخطر النفسية الاجتماعية لا تكون دائماً قابلة للملاحظة المباشرة، فإن تقييمها ينبغي أن يستند إلى مصادر متعددة للأدلة، كالبيانات المؤسسية وسجلات الموارد البشرية واستطلاعات العمال. ومع أن الاستطلاعات قد تنطوي على عناصر ذاتية، فإن استخدام أدوات موثوقة وضمانات لإخفاء الهوية يمكن أن يعزز موثوقيتها. وينبغي أن يأخذ تقييم المخاطر في الحسبان مدة التعرض وتكراره وطبيعته التراكمية، لأن كثيراً من المخاطر النفسية الاجتماعية تتطور تدريجياً.

والوقاية هي الهدف المحوري. وانسجاماً مع التسلسل الهرمي للضوابط، ينبغي إعطاء الأولوية للتدابير التنظيمية والجماعية التي تعالج الأسباب الجذرية، ومنها إدارة عبء العمل، ووضوح الأدوار، والتواصل، والمشاركة، والممارسات القيادية. وقد يلزم التدخل الفوري في حالة مصادر الخطر الحادة كالعنف والتحرش، بينما قد تتطلب الاستراتيجيات الأطول أمداً إعادة تصميم الأدوار أو مراجعة النظم. أما التدابير الفردية التي تحمي الصحة وتعززها فيمكن أن تساعد العمال على التكيف مع المتطلبات والحصول على المساعدة، لكنها ينبغي أن تكمّل العمل على الظروف التنظيمية لا أن تحل محله.

ويعرض التقرير أمثلة على تدابير وقائية عبر المستويات الثلاثة المترابطة لبيئة العمل النفسية الاجتماعية، بما يساعد الجهات المعنية على تحديد المجالات ذات الأولوية ومعالجة مصادر الخطر من منبعها. وفي الممارسة العملية، ينبغي النظر إلى هذه التدابير مجتمعة، لأنها كثيراً ما تعالج في آن واحد مصادر خطر نفسية اجتماعية متعددة ومتفاعلة، وهو ما يؤكد الحاجة إلى نهج شامل.

وينبغي للمؤسسات أن تراجع دورياً تنفيذ إدارة المخاطر النفسية الاجتماعية ومدى فعاليتها، باستخدام مؤشرات وتغذية راجعة تشاركية. ويساعد ذلك على رصد العواقب غير المقصودة والمشكلات الناشئة أو المستمرة، ويضمن استمرار ملاءمة التدابير مع تطور العمل.

الطريق إلى الأمام

لاستدامة التقدم في الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية، وتعزيز بيئات عمل نفسية اجتماعية تدعم سلامة العمال وصحتهم والأداء المؤسسي، يحدد التقرير ثلاثة مجالات مترابطة تتطلب مزيداً من العمل.

البحث: ثمة حاجة إلى بيانات أكثر اتساقاً تستند إلى أدوات قياس موحدة وتغطية جغرافية أوسع، لسد الثغرات وتعميق فهم معدلات الانتشار واتجاهاتها. ومن شأن إدماج المؤشرات النفسية الاجتماعية في نظم رصد السلامة والصحة المهنيتين وفي الإحصاءات الوطنية أن يحسّن تتبع حالات التعرض ونتائجها. ومع أن عدة بلدان تشير إلى خطط لتعزيز الإحصاءات المتعلقة بالمخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية المرتبطة بالعمل، فإن الأمر يتطلب مزيداً من الجهود لضمان بيانات منتظمة وموحدة وقابلة للمقارنة دولياً. كما أن توفير بيانات مصنفة حسب خصائص العمال وأشكال العمل المتنوعة، إلى جانب تقييم أقوى للسياسات والمبادرات في أماكن العمل، سيدعم تحديد المقاربات الفعالة وتوسيع نطاق اعتمادها.

أطر السياسات والتنظيم: ثمة حاجة إلى قدر أكبر من الاتساق والوضوح والتناغم بين مقاربات السياسات والتنظيم، نظراً لتباين الممارسات من حيث النطاق والمصطلحات ومستوى الحماية. ولتعزيز الوقاية، ينبغي أن تتناول سياسات السلامة والصحة المهنيتين وقوانينها المخاطر النفسية الاجتماعية صراحةً، وأن تتجنب التركيز الأساسي على النتائج كالصحة النفسية في العمل. وإلى جانب الاهتمام المتواصل بالقضايا الحادة والظاهرة، كالعنف والتحرش، يلزم إيلاء اهتمام أكبر للجوانب الهيكلية والتنظيمية للعمل. ويتطلب التنفيذ الفعال مزيجاً من الإنفاذ والإرشاد العملي والأدوات وبناء القدرات، ولا سيما للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن تواصل أوضح وتنسيق مؤسسي أقوى. ويمكن لتعزيز التعاون بين سلطات السلامة والصحة المهنيتين ومؤسسات الصحة العامة والشركاء الاجتماعيين أن يدعم الوقاية وتبادل المعارف.

العمل على مستوى مكان العمل: رغم أنه لا يمكن إزالة جميع مصادر الخطر النفسية الاجتماعية إزالة تامة، فإن المخاطر المرتبطة بها يمكن في الغالب الحد منها بتحسين تصميم العمل وتنظيمه وإدارته. ويشمل ذلك مراجعة عبء العمل وتوزيع المهام والإشراف وسائر عناصر بيئة العمل، مع تعزيز قدرة العمال على التعرف على المخاطر والاستجابة لها. وتُعد مسؤولية القيادة محورية في ترسيخ الوقاية ضمن قرارات الإدارة اليومية وعبر مختلف الوظائف المؤسسية. كما أن المقاربات التشاركية التي تشمل العمال وممثليهم، إلى جانب التعاون بين أخصائيي السلامة والصحة المهنيتين والموارد البشرية والإدارة، تسهم في ضمان أن تكون التدابير عملية ومراعية للسياق ومستدامة.

مقدمة

يؤدي العمل دوراً محورياً في حياة الناس؛ فهو يستغرق لدى معظم العمال جزءاً كبيراً من ساعات يقظتهم، ويسهم في تشكيل هويتهم وروابطهم الاجتماعية وأمنهم الاقتصادي. وحين يكون العمل حسن التصميم والإدارة، فإنه يمنح الإنسان بنية وغاية، ويدعم استقراره المالي، ويعزز صحته ورفاهه، ويسهم في الأداء المؤسسي والإنتاجية. ويتوقف تحقق هذه النتائج الإيجابية إلى حد بعيد على بيئة العمل النفسية الاجتماعية، التي تُفهم على أنها جوانب العمل والتفاعلات المتصلة بطريقة تصميم الوظائف، وأسلوب تنظيم العمل وإدارته، والسياسات والممارسات والإجراءات الأوسع التي تحكمه، والكيفية التي تترابط بها هذه العناصر. وتفهم منظمة العمل الدولية "العمل" فهماً واسعاً يشمل الأنشطة والمهام والعلاقات الاجتماعية التي يُنظَّم العمل ويؤدَّى من خلالها، ويمتد إلى جميع أشكاله، بما فيها العمل المأجور وغير المأجور، والعمل الإنتاجي للاستخدام الذاتي، وغيرها من أشكال العمل المتنوعة ضمن الترتيبات الاقتصادية والتنظيمية.

وتشهد بيئة العمل النفسية الاجتماعية في أنحاء العالم تحولاً عميقاً. فالتغير التكنولوجي السريع، بما فيه الرقمنة وإدخال الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، غيّر طرق تنسيق العمل ومراقبته وتقييمه. كما أن الأشكال الجديدة للعمل، كالعمل القائم على المنصات وغيره من أشكال العمل المتنوعة، تعيد تشكيل علاقات الاستخدام التقليدية، وتعيد تعريف الأدوار والجداول الزمنية والتوقعات. وقد أدى اتساع العمل عن بُعد والعمل الهجين في أعقاب جائحة كوفيد 19 إلى مزيد من التغيير في أماكن أداء العمل وطرق أدائه والإشراف عليه. وفي الوقت ذاته، تسهم اضطرابات سلاسل الإمداد، والتحولات الديموغرافية، والضغوط المرتبطة بالمناخ، وعدم الاستقرار الجيوسياسي في تزايد حالة عدم اليقين في تنظيم العمل. ومع استمرار تطور العمل، قد يواجه العمال توليفات معقدة من العوامل المؤثرة في مضمون العمل وظروفه وتنظيمه.

ولا تقتصر أهمية بيئة العمل النفسية الاجتماعية على العمل المكتبي أو علاقات الاستخدام النمطية، بل تتجاوزها بكثير. فكثير من العمال يعملون في الاقتصاد غير المنظم، أو في المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، أو لحسابهم الخاص، حيث تختلف أوجه التعرض وأشكال الحماية اختلافاً جوهرياً. وفي بعض هذه السياقات، يواجه العمال ظروفاً متعددة غير مواتية، وحماية اجتماعية محدودة، وضعفاً في إنفاذ معايير العمل، وقيوداً مادية وتنظيمية متداخلة. كما أن للأنماط الخاصة بالقطاعات أهمية كبيرة؛ فعمال الخدمة العامة، والعاملون في مهن الصحة والرعاية، وعمال النقل وتجارة التجزئة، والعاملون في التعليم وخدمات الطوارئ، كثيراً ما يتعاملون مع أعباء عمل مرتفعة وضغط زمني ومواقف مرهقة عاطفياً. ومن ثم فإن إدراك خصوصيات القطاعات المختلفة وأشكال العمل المتعددة أمر أساسي لفهم كيفية معايشة العوامل النفسية الاجتماعية وسبل تحسينها في البيئات المتنوعة.

وعلى مدى العقد الماضي، أسهم تنامي الأدلة العلمية في مجالات علم الأوبئة وعلم النفس التنظيمي واقتصاديات العمل والصحة المهنية في تعميق فهم الكيفية التي تؤثر بها بيئة العمل النفسية الاجتماعية في صحة العمال ورفاههم ونتائج عملهم. ويوفر هذا الرصيد المتنامي من الأدلة أساساً تجريبياً أمتن لتقييم جوانب بيئة العمل النفسية الاجتماعية ومعالجتها، ولتوجيه السياسات والعمل الوقائي. كما يعزز الفهم القائل إن هذه الجوانب تتشكل بفعل طريقة تصميم العمل وتنظيمه، وإنها بالتالي قابلة للتعديل، بما يتيح إدارتها على نحو يعزز النتائج الإيجابية كالانخراط في العمل، ويحول دون وقوع الضرر.

وفي ضوء هذه التطورات، يتبنى التقرير نهجاً يركّز على الجوانب القابلة للتعديل في بيئة العمل النفسية الاجتماعية. وهو يدعم الجهات المعنية في تحديد الجوانب ذات الصلة من العمل وتنظيم مكان العمل، وفي فهم كيفية تفاعلها، بغية توجيه استجابات وقائية محددة الأهداف. ويتسم النهج المقترح بالمرونة في التطبيق، ويمكن تكييفه مع المنشآت بمختلف أحجامها ومع أشكال العمل كافة، بالقدر المعقول عملياً. ويجمع التقرير بين الأطر الدولية والإقليمية والوطنية للسياسات والتنظيم، والمقاربات الوقائية على مستوى مكان العمل الرامية إلى تحسين بيئة العمل النفسية الاجتماعية.

ويقدم الجزء الأول من التقرير مفهوم بيئة العمل النفسية الاجتماعية، ويقترح نهجاً متعدد المستويات لفهم أفضل للكيفية التي تنشأ بها مصادر الخطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل عبر عناصر العمل المختلفة.

ويعرض الجزء الثاني تقديرات عالمية جديدة لمنظمة العمل الدولية بشأن الوفيات وسنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة وخسائر الناتج المحلي الإجمالي المرتبطة بعوامل الخطر النفسية الاجتماعية الرئيسية، ويجمع الأدلة القائمة على آثارها الصحية والمؤسسية والاقتصادية، وفوائد بيئات العمل النفسية الاجتماعية الصحية، وأنماط التعرض.

ويستعرض الجزء الثالث مقاربات السياسات والتنظيم على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية التي تتناول بيئة العمل النفسية الاجتماعية، مسلطاً الضوء على التطورات الحديثة في المعايير والتشريعات والممارسات المؤسسية.

وينتقل الجزء الرابع إلى العمل على مستوى مكان العمل، فيبيّن كيف يمكن إدماج تطوير بيئة عمل نفسية اجتماعية صحية في نظم إدارة السلامة والصحة المهنيتين، ويناقش مقاربات التقييم والوقاية والتحسين.

ويحدد القسم الختامي أبرز التحديات والفرص والأولويات للمضي قدماً.

دراسات ذات صلة