القائمة الرئيسية

تقرير بيئة العمل النفسية الاجتماعية: التطورات العالمية ومسارات العمل (4/1)

تقرير بيئة العمل النفسية الاجتماعية: التطورات العالمية ومسارات العمل (4/1)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الأول بيئة العمل النفسية الاجتماعية، معرفاً إياها بأنها مجموع العناصر المتصلة بتصميم الوظائف، وأسلوب تنظيم العمل وإدارته، والسياسات والممارسات المؤسسية الأوسع، التي تؤثر بشكل كبير في صحة العمال ورفاههم وأدائهم، وفي الأداء المؤسسي. فبينما تعزز البيئة الإيجابية الدافعية والانخراط والإنتاجية، تؤدي البيئة سيئة التصميم أو الإدارة إلى نشوء مصادر خطر نفسية اجتماعية تسبب الإجهاد وتؤثر سلبًا في الصحة البدنية والنفسية وتزيد من التغيب ودوران العمالة. يحلل الكتاب هذه العوامل من منظور متعدد المستويات، يشمل طبيعة الوظيفة نفسها (متطلباتها ومسؤولياتها وتصميم مهامها)، وكيفية إدارة العمل وتنظيمه (توزيع المهام، الاستقلالية، الإشراف، الدعم الاجتماعي)، والسياسات والإجراءات المؤسسية الأوسع (ترتيبات الاستخدام، وقت العمل، المكافآت، التعامل مع العنف والتحرش). كما يسلط الضوء على تفاعلات هذه العوامل مع البيئة المادية ومعدات العمل، مؤكدًا على أن فهم هذه الجوانب المتشابكة ضروري لخلق أماكن عمل صحية وداعمة ومحفزة.

الجزء الأول: بيئة العمل النفسية الاجتماعية

تشمل بيئة العمل النفسية الاجتماعية عناصر العمل والتفاعلات التي تجري في إطاره، مما يتصل بطريقة تصميم الوظائف، وأسلوب تنظيم العمل وإدارته، والسياسات والممارسات والإجراءات الأوسع التي تحكمه، إلى جانب الكيفية التي تترابط بها هذه العناصر، وهي عناصر يمكن أن تؤثر جميعها في صحة العمال ورفاههم وفي الأداء المؤسسي. فحين تكون هذه البيئة محكمة البنية وداعمة وشاملة للجميع، فإنها تعزز الدافعية والانخراط والإنتاجية والرضا الوظيفي والرفاه العام. أما حين تكون سيئة التصميم أو التنظيم أو الإدارة، فقد تنشأ مصادر خطر نفسية اجتماعية تفضي بدورها إلى مخاطر نفسية اجتماعية. وإذا لم تُدَر هذه المخاطر بفعالية، فقد تترتب عليها عواقب وخيمة على الصحة البدنية والنفسية للعمال ورفاههم، وكذلك على النتائج المؤسسية، ومنها ارتفاع معدلات التغيب، وتراجع الأداء، وزيادة معدل دوران العمالة.

وتُعد العوامل النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل، التي يشار إليها فيما يلي بالعوامل النفسية الاجتماعية، جوانب من بيئة العمل النفسية الاجتماعية تتصل أساساً بطريقة تصميم العمل وتنظيمه وإدارته، وبالتفاعلات بين بيئة العمل ومضمون الوظيفة والظروف التنظيمية التي تحدد كيفية أداء العمل. ويشمل ذلك على سبيل المثال تصميم المهام ومضمونها، من حيث تنوعها ومعناها ونطاقها وتكرارها، وعبء العمل ووتيرته، وترتيبات وقت العمل، ووضوح الدور، والاستقلالية، وممارسات الإشراف والإدارة، والثقافة التنظيمية. وقد عرّفت اللجنة المشتركة بين منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية المعنية بالصحة المهنية في عام 1984 "العوامل النفسية الاجتماعية في العمل" بأنها التفاعلات القائمة بين بيئة العمل ومضمون الوظيفة والظروف التنظيمية وقدرات العمال واحتياجاتهم وثقافتهم واعتباراتهم الشخصية خارج العمل، والتي قد تؤثر، من خلال الإدراك والتجربة، في الصحة وأداء العمل والرضا الوظيفي. ويكشف هذا التعريف عن الطبيعة المركبة للعوامل النفسية الاجتماعية في العمل، إذ تشمل جوانب تتصل بالوظيفة وبيئة العمل، فضلاً عن تفاعلها مع قدرات العمال الأفراد واحتياجاتهم وتصوراتهم.

وهذه العوامل ليست في حد ذاتها إيجابية أو سلبية بطبيعتها، بل تتوقف آثارها على الطريقة التي تتضافر بها وتُدار داخل بيئات عمل محددة. ومع أن آثارها تُعاش من خلال التفاعل بين بيئة العمل والخصائص الفردية، بما فيها قدرات العمال واحتياجاتهم وتصوراتهم، فإن تنظيم العمل وإدارته يؤديان دوراً محورياً في تشكيل طبيعة هذه العوامل وأثرها. ولهذا يولي التقرير اهتماماً خاصاً بالعوامل النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل القابلة للتحديد، والتي تقع ضمن نطاق سيطرة أصحاب العمل أو مسؤوليتهم أو تأثيرهم. وفي الممارسة العملية، تتناول القوانين واللوائح، ومعها المعايير والإرشادات، العوامل النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل عادةً من خلال واجبات تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية والوقاية منها، وهي واجبات تندرج ضمن مسؤوليات أصحاب العمل في مجال السلامة والصحة المهنيتين.

ولأغراض هذا التقرير، يُقصد بمصادر الخطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل، التي يشار إليها فيما يلي بمصادر الخطر النفسية الاجتماعية، الجوانبُ الضارة من العمل التي تنشأ عن عناصر في تصميم العمل وتنظيمه وإدارته، وعن السياق المؤسسي الأوسع، والتي من شأنها الإضرار بسلامة العمال وصحتهم. وقد توجد هذه المصادر في جميع القطاعات وأشكال العمل، وقد تنشأ عن مهام الوظيفة، أو تنظيم العمل، أو الممارسات الإدارية، أو ترتيبات الاستخدام. يضاف إلى ذلك أنها كثيراً ما تحدث مجتمعة وتتفاعل فيما بينها.

وقد يفضي التعرض لمصادر الخطر النفسية الاجتماعية إلى مخاطر نفسية اجتماعية، ويُقصد بها الجمع بين احتمال التعرض وشدة الإصابة أو اعتلال الصحة المحتملين. ويتطلب تقييم هذه المخاطر مراعاة شدة التعرض ومدته وتكراره، لأن الضرر قد لا ينشأ عن الأحداث الحادة فحسب، بل قد يتشكل تدريجياً أيضاً من خلال التعرض المتكرر أو المطوّل.

وعلى مدى العقود الماضية، طُوّرت نماذج نظرية عديدة لتفسير الكيفية التي تؤثر بها بيئة العمل النفسية الاجتماعية في سلامة العمال وصحتهم وفي النتائج المؤسسية. وتعكس هذه النماذج تطوراً في التفكير، انتقل من المقاربات المبكرة التي ركزت على مدى ملاءمة الفرد لبيئة العمل، إلى منظورات لاحقة تؤكد على تصميم العمل، ومتطلبات الوظيفة ومواردها، والإنصاف، والسياق المؤسسي.

وقد نشأ كثير من هذه النماذج من الجهود الرامية إلى فهم الإجهاد المرتبط بالعمل ومسبباته. وكثيراً ما يُفهم الإجهاد المرتبط بالعمل على أنه استجابة وسيطة لمصادر الخطر النفسية الاجتماعية، ومسار مهم تؤثر من خلاله هذه المصادر في نتائج سلامة العمال وصحتهم. وهو ينشأ حين تتجاوز المتطلبات المدركة قدرة الفرد على التكيف معها. ومع أن الإجهاد ليس اضطراباً في حد ذاته، فإن الإجهاد المطوّل أو الشديد قد يعيق التعافي ويسهم في عواقب فسيولوجية ونفسية وسلوكية على المدى الطويل.

تطور النماذج النظرية الرئيسية لبيئة العمل النفسية الاجتماعية

تقدم النماذج النظرية منظورات متكاملة حول الكيفية التي تعمل بها خصائص العمل بوصفها متطلبات أو موارد أو ضواغط، وحول الكيفية التي يشكّل بها تفاعل هذه الخصائص النتائج على المستويين الفردي والمؤسسي.

فقد ركزت المقاربات المبكرة على التوافق بين الفرد وبيئة العمل؛ إذ تفترض نظرية التوافق بين الشخص والبيئة أن الإجهاد ينشأ عندما يوجد عدم تطابق بين قدرات العمال ومتطلبات الوظيفة، أو عندما لا تلبي بيئة العمل الاحتياجات الشخصية. وعلى نحو مماثل، يرى نموذج الفيتامينات الذي وضعه وار أن بعض سمات العمل تكون مفيدة إلى حد معين، في حين قد تكون سمات أخرى ضارة إذا غابت أو زادت عن حدها.

ثم اتجهت النماذج اللاحقة بصورة متزايدة إلى التركيز على الخصائص البنيوية للعمل؛ إذ يفترض نموذج متطلبات الوظيفة والتحكم، وصيغته الموسعة التي تضيف الدعم الاجتماعي، أن إجهاد العمل، وهو نتيجة التعرض لمزيج من المتطلبات المرتفعة والتحكم المنخفض في العمل، يبلغ ذروته حين تكون المتطلبات النفسية مرتفعة وتحكم العمال في عملهم منخفضاً، في حين يمكن للدعم الاجتماعي أن يعمل عاملاً مخففاً. أما نموذج متطلبات الوظيفة ومواردها، وهو أحدث عهداً، فيصنّف خصائص العمل إلى متطلبات وظيفية تستلزم جهداً متواصلاً وتنطوي على كلفة نفسية أو فسيولوجية، وموارد وظيفية تساعد العمال على تحقيق أهدافهم وتدعم تعلمهم وتطورهم وتخفف من أثر المتطلبات. ويفسر هذا النموذج كيف يمكن أن تؤدي المتطلبات المفرطة إلى الاحتراق النفسي عبر مسار اعتلال الصحة، في حين يعزز توافر الموارد الانخراط في العمل عبر مسار تحفيزي.

وتؤكد نماذج أخرى أن المتطلبات لا تعمل كلها بالطريقة ذاتها؛ إذ يميّز إطار الضواغط المتحدية والضواغط المعيقة بين المتطلبات التي تُعاش بوصفها فرصاً للتعلم والإنجاز، وهي التحديات التي قد تحفز الجهد والدافعية، والمتطلبات التي تُعاش بوصفها عقبات لا ضرورة لها، وهي المعيقات المرتبطة بالانسحاب وتراجع الانخراط. وبالتوازي مع ذلك، تبرز منظورات تصميم الوظائف، ومنها نموذج خصائص الوظيفة، كيف تشكّل سمات مثل تنوع المهارات، ووضوح هوية المهمة وأهميتها، والاستقلالية، والتغذية الراجعة، الحالات النفسية للعمال ودافعيتهم.

وتتبنى منظورات أخرى رؤية ذات طابع اجتماعي أوضح، تؤكد على التبادلية والإنصاف وعلاقات القوة؛ إذ يتصور نموذج اختلال التوازن بين الجهد والمكافأة أن الإجهاد ينشأ عن تبادل غير منصف بين الجهود التي يبذلها العمال والمكافآت التي يتلقونها، كالأجر والتقدير والأمن الوظيفي والآفاق المهنية. وتؤكد مقاربات العدالة التنظيمية بالمثل أن رفاه العمال وسلوكهم يتوقفان على مدى إدراكهم للإنصاف في توزيع الموارد، وفي صنع القرار، وفي المعاملة بين الأشخاص. كما تلفت هذه المنظورات الانتباه إلى اختلال موازين القوة في تنظيم العمل، إذ إن سلطة أصحاب العمل تحدد متطلبات الوظيفة والاستقلالية وإمكانية الوصول إلى الموارد والدعم الاجتماعي.

وفي الآونة الأخيرة، اتجه الاهتمام بصورة متزايدة إلى المحددات المؤسسية للمخاطر النفسية الاجتماعية؛ إذ تركز نظرية مناخ السلامة النفسية الاجتماعية على القيم والسياسات والممارسات والأولويات المؤسسية المتعلقة بحماية الصحة النفسية للعمال، بما في ذلك التزام الإدارة، والتواصل والمشاركة، والتوازن بين متطلبات الإنتاجية واعتبارات الصحة النفسية.

ويساعد فهم الكيفية التي تتصور بها هذه النماذج بيئة العمل النفسية الاجتماعية على توضيح ملامح أماكن العمل الصحية. فبيئة العمل النفسية الاجتماعية الإيجابية تجمع بين متطلبات يمكن التعامل معها، وقدر كافٍ من الاستقلالية والدعم والموارد، مع إتاحة فرص للتعلم وتوظيف المهارات بما يعزز سلامة العمال وصحتهم وأداءهم. وعلى النقيض من ذلك، فإن بيئة العمل سيئة التصميم، كتلك التي تتسم بمتطلبات مفرطة وتحكم أو موارد محدودة، تزيد احتمال وقوع نتائج سلبية على العمال والمؤسسات على حد سواء.

وقد جرى تحويل هذه النماذج النظرية إلى أدوات تقييم عملية تدعم الإدارة المنهجية للمخاطر النفسية الاجتماعية. وسعت أطر عديدة إلى توحيد العناصر الرئيسية للوقاية والتدخل. ومع أن مصادر الخطر النفسية الاجتماعية يمكن تصورها بطرق مختلفة تبعاً للغرض والسياق السياساتي، فإن التصنيف الذي وضعه كوكس وكوكس في مطلع تسعينيات القرن الماضي، والذي حُدّث لاحقاً ليشمل عوامل على المستوى الكلي، يظل من أكثر التصنيفات استخداماً. وقد حدد هذا التصنيف في صيغته الأولى ستة مجالات رئيسية لبيئة العمل النفسية الاجتماعية هي: مضمون الوظيفة، وعبء العمل ووتيرته، وجدول العمل، والتحكم، وبيئة العمل والمعدات، والثقافة التنظيمية ووظيفتها، ثم جرى تنقيحه وتوسيعه لاحقاً ليصبح نموذجاً من عشرة مجالات انعكس في إرشادات الوكالة الأوروبية للسلامة والصحة في العمل ومنظمة الصحة العالمية، وتلت ذلك أعمال فصّلت سمات بيئة العمل النفسية الاجتماعية الصحية، بما في ذلك مفاهيم ذات صلة كمناخ السلامة النفسية الاجتماعية.

1.1 منظور متعدد المستويات لبيئة العمل النفسية الاجتماعية

انطلاقاً من هذا التصنيف، يتبنى التقرير منظوراً متعدد المستويات يعطي الأولوية للسمات القابلة للتعديل في بيئة العمل النفسية الاجتماعية، بدءاً من طريقة تصميم العمل وإدارته وتنظيمه، وصولاً إلى السياسات والممارسات الأوسع في مكان العمل. ويتجاوز هذا النهج المنظورات المتمحورة حول الفرد، التي تركز أساساً على تصورات العمال أو خصائصهم الشخصية وتؤكد على تكيفهم مع ظروف العمل القائمة، ليسلط الضوء بدلاً من ذلك على عناصر تنظيم العمل وإدارته التي تقع ضمن دائرة تأثير أصحاب العمل. ومن ثم فإن هذا المنظور يدعم نهجاً استباقياً ومنظومياً في تصميم العمل وإدارته، يركز على المخاطر النفسية الاجتماعية التي يمكن إدارتها داخل مكان العمل بالقدر المعقول عملياً.

وفي إطار هذا المنظور، تُجمع العوامل النفسية الاجتماعية ضمن ثلاثة مستويات عريضة ومترابطة. ومع أن هذه المستويات تتداخل وتتفاعل، ولا ينبغي فهمها على أنها حجرات منعزلة مستقلة، فإن هذه البنية تساعد على توضيح المواضع التي يمكن أن تستهدفها الإجراءات الوقائية والتصحيحية لإحداث تغيير إيجابي. وتجدر الإشارة إلى أن ثمة طرقاً متعددة لتنظيم مصادر الخطر النفسية الاجتماعية أو تصورها، وأن التصنيف المعتمد في هذا التقرير يمثل إحدى هذه الطرق. وهذه المستويات هي:

الأول، الوظيفة: وتعني الخصائص المتصلة بطبيعة الوظيفة ذاتها، بما في ذلك متطلبات الوظيفة وتصميم المهام ومضمونها.

الثاني، طريقة إدارة العمل وتنظيمه: وتعني الكيفية التي يُخطط بها العمل ويُشرف عليه ويُدعم، بما في ذلك جودة التفاعلات في العمل.

الثالث، السياسات والممارسات والإجراءات الأوسع التي تحكم العمل: وتعني السياسات والنظم والترتيبات الأشمل في مكان العمل التي تشكّل بيئة العمل.

الوظيفة

يتعلق هذا المستوى بالخصائص الأصيلة للوظيفة ومهامها، بما في ذلك المتطلبات التي تفرضها، ومستوى المسؤولية الذي تنطوي عليه، وطريقة تصميم المهام، والموارد والمهارات اللازمة لأدائها. وتحدد هذه السمات الجوهرية مدى التعرض المحتمل لمصادر الخطر النفسية الاجتماعية من خلال طبيعة أنشطة العمل ودرجة تعقيدها وشدتها. وتوجد هذه العناصر في جميع أشكال العمل، بما في ذلك الاستخدام المنظم وغير المنظم، وتنطبق على ترتيبات العمل المتنوعة، ومنها العمل الحر، والتلمذة المهنية، والعمل المنزلي وأعمال الرعاية غير المأجورة، وغيرها من أشكال العمل.

فكل وظيفة تفرض أنواعاً مختلفة من المتطلبات التي تستلزم جهداً متواصلاً لأدائها بفعالية. ويمكن النظر إلى هذه المتطلبات من الناحيتين الكمية والنوعية؛ فعلى مستوى الوظيفة ذاتها، تشير المتطلبات الكمية إلى الحجم الأصيل للعمل، أي عبء العمل، في حين تتعلق المتطلبات النوعية بتعقيد العمل وصعوبته. غير أن الطريقة التي يعيش بها العمال عبء العمل تتوقف أيضاً على كيفية توزيعه وإسناده في الممارسة الفعلية، وهي مسألة تُتناول بمزيد من التفصيل على مستوى إدارة العمل وتنظيمه.

وقد تكون المتطلبات معرفية أو عاطفية أو بدنية. فالمتطلبات المعرفية تستلزم بذل جهد ذهني، يشمل معالجة المعلومات، والحفاظ على التركيز، واستخدام الذاكرة والاستدلال وحل المشكلات لإنجاز مهام العمل. أما المتطلبات العاطفية فتقتضي من العمال ضبط مشاعرهم في مواجهة المواقف المرهقة عاطفياً في العمل، أو الالتزام بالمشاعر التي تتوقعها المؤسسة، كإظهار التعاطف أو التفهم أو الرأفة خلال التعاملات مع الآخرين. وقد يشمل ذلك أيضاً مواقف يشهد فيها العمال أحداثاً صادمة أو يحققون فيها أو يتعرضون لها، ولا سيما في مهن مثل الرعاية الاجتماعية وخدمات الطوارئ والأفراد العسكريين وأفراد الأمن. ويمكن أن تتفاعل المتطلبات المعرفية والعاطفية مع المتطلبات البدنية، التي تشير إلى درجة الجهد البدني الذي تتطلبه الوظيفة، كالوقوف والمشي وحمل الأحمال الثقيلة أو رفعها، إلى جانب مهام أخرى.

ولتلبية متطلبات الوظيفة، يحتاج العمال إلى الوصول إلى موارد كافية تمكّنهم من الأداء الفعال. وتشمل هذه الموارد طائفة واسعة من العناصر التنظيمية والاجتماعية والمادية ذات القيمة الإيجابية، كالحصول على المعلومات والوقت والدعم، فضلاً عن الموارد المادية الملائمة ومنها الأدوات المريحة من الناحية الهندسية البشرية. وقد تكون هذه الموارد مدمجة في تصميم بيئة العمل، أو تُتاح من خلال الممارسات الإشرافية ودعم الزملاء، على نحو ما يُناقش في المستوى التالي. وينبغي أيضاً أن تتوافق المتطلبات مع مهارات العمال وخبراتهم، بحيث تتوافر لديهم المعرفة والقدرة المناسبتان لأداء العمل بكفاءة. وتتفاوت المهارات المطلوبة بين المهن، وترتبط بمستوى المهارة الذي يعكس نطاق المهام المطلوب أداؤها ودرجة تعقيدها، وبالتخصص المهاري الذي يشير إلى مجال المعرفة المحدد والأدوات والمعدات المستخدمة والمواد التي يُتعامل معها والسلع أو الخدمات المنتجة.

وإلى جانب المتطلبات، تنطوي الوظائف على مستويات متفاوتة من المسؤولية. وقد تتعلق المسؤولية بمخرجات عمل محددة، أو بأشخاص آخرين بما في ذلك سلامتهم وصحتهم، أو بالمعدات والأصول المادية. ومن ذلك العمل القائم على اليقظة لتجنب التهديدات، حيث يتعين على الأفراد البقاء في حالة تأهب دائم لمنع وقوع نتائج كارثية قد تشمل خسارة الأرواح، كما هو حال سائقي الحافلات وسيارات الأجرة والشاحنات، ومراقبي الحركة الجوية، ومرشدي السفن. وحين تكون المسؤولية مرتفعة، يُساءل العمال عن نتائج عملهم، وقد تترتب على قراراتهم عواقب جسيمة، منها الخسائر المالية أو المادية، أو التأثير في سلامة الزملاء أو العملاء أو غيرهم ورفاههم. ومع أن المسؤولية المرتفعة قد تعزز الدافعية من خلال تنمية الشعور بالملكية والأثر، فإن احتمال أن تفضي الأخطاء إلى عواقب وخيمة قد يكون أيضاً مصدراً للإجهاد.

ويُعد تصميم المهام بُعداً محورياً من أبعاد الوظيفة، إذ يشمل الطريقة التي تُهيكل بها المهام وعمليات العمل، بما في ذلك نطاقها وتنوعها ومدى توظيفها لمهارات مختلفة. وتميل الوظائف التي تتسم بنطاق أوسع من المهام وتوظيف فعال لمهارات العمال إلى أن تكون أكثر جذباً للانخراط وأكثر دعماً للعمل ذي المعنى. وحين تُهيكل المهام بطريقة تتيح للعمال فهم الغاية من عملهم وأثره، يزداد احتمال أن يعيشوا عملهم بوصفه عملاً ذا معنى ومحفزاً.

أمثلة على مصادر الخطر النفسية الاجتماعية المتصلة بطبيعة الوظيفة

في ما يتعلق بمتطلبات الوظيفة، تشمل الأمثلة: الحاجة إلى مستويات متواصلة من التركيز أو اليقظة، ولا سيما حين تكون الدقة مطلوبة أو حين يترقب العمال أحداثاً نادرة الوقوع، كالقيادة لمسافات طويلة أو المراقبة الأمنية؛ والحاجة إلى إظهار التعاطف والرأفة والخدمة المحترمة واللباقة حتى حين يكون العملاء مسيئين؛ والتعرض لأحداث أو مواقف قد تسبب صدمة نفسية؛ والعمل الشاق أو المرهق أو المتعب بدنياً، كأداء مهام يدوية خطرة أو مهام بدنية مجهدة؛ وعدم التوافق بين متطلبات الوظيفة والموارد المتاحة، أو إغفال مهارات العمال الأفراد أو قدراتهم.

وفي ما يتعلق بمستوى المسؤولية، تشمل الأمثلة المسؤولية عن عمل عالي الخطورة قد تترتب على الأخطاء فيه عواقب جسيمة تمس السمعة أو الجوانب القانونية أو السلامة أو الجوانب المالية، كمراقبة الحركة الجوية أو الرعاية الطبية أو القرارات التي تؤثر في عدد كبير من الأشخاص.

وفي ما يتعلق بتصميم المهام، تشمل الأمثلة محدودية تنوع المهام، بما في ذلك المهام شديدة التكرار أو الرتيبة، ومهام العمل المجزأة أو الخالية من المعنى.

طريقة إدارة العمل وتنظيمه

يتعلق هذا المستوى بالكيفية التي يُهيكل بها العمل ويُنسّق ويُشرف عليه في الممارسة الفعلية. ويشمل تحديد الأدوار والتوقعات، وتوزيع المهام وعبء العمل، ودرجة الاستقلالية الممنوحة للعمال، وتوفير الإشراف والتغذية الراجعة والدعم الاجتماعي، وجودة التفاعلات التي تقوم عليها هذه العمليات. وتحدد هذه العناصر الكيفية التي تُعاش بها الخصائص الأصيلة للوظيفة، ويمكن أن تضخّم التعرض لمصادر الخطر النفسية الاجتماعية أو تخففه. ومع أنها تتفاوت بين القطاعات والبيئات، فإنها سمات أساسية لتنظيم العمل في مختلف المهن والقطاعات وأماكن العمل وأشكال الاستخدام المتنوعة.

وفي إطار تنظيم العمل، تحدد الأدوار كيفية تعريف المهام والتوقعات والصلاحيات وتنفيذها في الممارسة الفعلية. وتؤثر الطريقة التي تُبلّغ بها الأدوار وتُدار في فهم العمال لما هو متوقع منهم، وللأهداف المطلوب تحقيقها، ولكيفية ارتباط عملهم بعمل الآخرين. ويشير وضوح الدور إلى مدى وضوح التعبير عن هذه التوقعات والمسؤوليات، ويرتبط به مفهوم غموض الدور، الذي يعني عدم اليقين بشأن الأفعال والسلوكيات المطلوبة لتلبية التوقعات المرتبطة بدور عمل معين. وقد ينشأ صراع الدور حين تكون التوقعات متعارضة أو ضعيفة التنسيق، وقد ينجم هذا الصراع عن تعليمات متناقضة، أو متطلبات متنافسة من أطراف متعددة كالمشرفين أو الزملاء أو العملاء، أو عن عدم الاتساق بين المهام المسندة والأوصاف الوظيفية الرسمية، أو عن التوتر بين التوقعات المؤسسية والقيم الشخصية.

ويرتبط وضوح الدور وصراع الدور ارتباطاً وثيقاً بقابلية التنبؤ في العمل، أي قدرة العمال على توقع المهام والعمليات والتوقعات في أنشطتهم اليومية. ولا تتوقف قابلية التنبؤ على استقرار عمليات العمل فحسب، بل تتوقف أيضاً على توفير المعلومات في الوقت المناسب والتشاور بشأن التغييرات والقرارات. ومن ثم فإن جودة التفاعلات في مكان العمل تؤدي دوراً محورياً، لأن التبادلات الشفافة والجديرة بالثقة تيسّر نقل المعلومات الموثوقة في الوقت المناسب.

ويتعلق التحكم في الوظيفة أو الاستقلالية بدرجة حرية التصرف الممنوحة للعمال في تنظيم عملهم، بما في ذلك حرية جدولة المهام، واتخاذ القرارات، واختيار أساليب أدائها، والقدرة على المبادرة وإعمال التقدير في الأنشطة اليومية. وبما أن الاستقلالية سمة تتشكل بفعل الممارسات الإدارية، فإنها تعكس كيفية تفويض السلطة وصنع القرار في الممارسة الفعلية. غير أن درجة الاستقلالية الممنوحة قد لا تكون محايدة دائماً، إذ قد تحد الممارسات التمييزية من حرية اتخاذ القرار لدى فئات معينة من العمال، حتى حين يمتلكون المهارات اللازمة. كما تتوقف درجة الاستقلالية المتاحة على طريقة هيكلة عمليات العمل، بما في ذلك الترابط بين المهام، والوتيرة المفروضة من الخارج، والمقاطعات، ومتطلبات التنسيق الوثيق. ويبيّن ذلك أن الاستقلالية لا تُمارس بمعزل عن الآخرين، بل كثيراً ما تتشكل بفعل الطريقة التي يتفاعل بها العمال ويتعاونون ضمن عمليات عمل مشتركة.

ويشير عبء العمل إلى كمية المهام وصعوبتها معاً، وهو يتحدد إلى حد بعيد بالقرارات الإدارية المتعلقة بكيفية توزيع العمل. وتبعاً للوقت المتاح لإنجاز المهام المسندة، قد يعاني العمال من عبء كمي زائد حين يُطلب منهم إنجاز ما يفوق ما يمكن إنجازه على نحو معقول، أو من عبء كمي ناقص حين يُسند إليهم عمل أقل بكثير مما يستطيعون إنجازه. أما العبء النوعي الزائد فينشأ حين تتجاوز المهام مهارات العمال أو قدراتهم، في حين يحدث العبء النوعي الناقص حين تكون المهام دون قدرات العمال بكثير. وقد تعكس طريقة توزيع عبء العمل أيضاً افتراضات أو صوراً نمطية تمييزية، تؤدي إلى إسناد المهام الروتينية أو الأدنى مكانة إلى بعض العمال بصورة غير متناسبة، بما يؤثر في تقدمهم المهني واستبقائهم.

وتشير وتيرة العمل إلى السرعة التي يجب أن تُؤدى بها المهام، وهي وثيقة الصلة بعبء العمل. وقد تتأثر بأهداف الأداء، أو بسرعة الآلات أو النظم المؤتمتة، أو بالمطالب المباشرة من المشرفين أو الزملاء أو العملاء. وحين يتعين إنجاز عبء عمل مرتفع في وقت محدود، ترتفع الوتيرة المطلوبة، وكثيراً ما يُعاش ذلك على أنه ضغط زمني، أي شعور العاملين بأن الوقت المتاح لهم غير كافٍ لإنجاز مهامهم. وفي هذا السياق، تصف كثافة العمل المستوى الإجمالي لمتطلبات العمل المطلوبة، أو عدم التوافق بين كمية العمل والوقت ودرجة تعقيد المهام.

ويتعلق الإشراف بتنسيق أنشطة العمل وتوجيهها ومتابعتها. فمن خلال التخطيط وتوزيع المهام والتغذية الراجعة والتواصل اليومي، يحدد المشرفون الكيفية التي تُعاش بها متطلبات الوظيفة وطريقة تقديم الدعم، مما يؤثر في قدرة العمال على الأداء الفعال والحفاظ على رفاههم. وفي المنشآت الأصغر حجماً، كثيراً ما تجتمع هذه المهام في شخص المالك المدير، وتُمارس من خلال ترتيبات أقل رسمية. وفي العمل الحر، يكون الإشراف عادةً ذاتياً ويتشكل بفعل توقعات العملاء أو الالتزامات التعاقدية، في حين قد يكون التنسيق والمراقبة في العمل القائم على المنصات مدمجين في نظم تعاقدية أو إدارية رقمية بدلاً من الأدوار الإشرافية التقليدية.

وترتبط الطريقة التي يؤدي بها المشرفون هذه المهام ارتباطاً وثيقاً بأسلوبهم القيادي. فأساليب القيادة الداعمة والتشاركية ترتبط بتوقعات أوضح، وتغذية راجعة بنّاءة، وإمكانية أكبر للوصول إلى الموارد، وكلها عوامل يمكن أن تخفف من أثر المتطلبات الوظيفية المرتفعة. وعلى العكس من ذلك، قد تسهم الأساليب التسلطية أو غير المكترثة في غموض الدور، أو المراقبة المفرطة، أو محدودية الدعم، مما قد يزيد من صعوبة تحقيق أهداف العمل.

ويشكّل دعم المشرفين مورداً تنظيمياً رئيسياً. وقد يشمل ذلك التوجيه العملي والمساعدة في حل المشكلات، والاستجابة للصعوبات الناشئة، بما في ذلك التعرف المبكر على المخاوف وتيسير الترتيبات التيسيرية المعقولة عند الحاجة، وقد حددت إرشادات منظمة الصحة العالمية بشأن الصحة النفسية في العمل تدريب المديرين بوصفه تدخلاً تنظيمياً رئيسياً. كما يدعم الإشراف الفعال استمرار الكفاءة والتطور من خلال التقدير، والتغذية الراجعة البنّاءة، وتحديد الفجوات في المهارات، وإتاحة فرص التعلم. وتحدد الطريقة التي تُمارس بها السلطة الإشرافية كذلك ما إذا كانت القوة تُستخدم بإنصاف وعلى نحو شامل، مما يؤثر في إمكانية الوصول إلى الفرص وفي عمليات التقييم.

ويكمّل دعم الزملاء الدعم الإشرافي. فدعم الزملاء، الذي يتجلى في التعاون والمساعدة المتبادلة والاحترام، يوفر مورداً إضافياً يمكن أن يخفف من الإجهاد المرتبط بالعمل. وبعيداً عن وظيفتها الداعمة، تحدد التفاعلات اليومية بين الزملاء والمشرفين الكيفية التي تُطبّق بها البنى الرسمية لتنظيم العمل وتُعاش في الممارسة الفعلية.

أمثلة على مصادر الخطر النفسية الاجتماعية المتصلة بطريقة إدارة العمل وتنظيمه

في ما يتعلق بالأدوار والتوقعات، تشمل الأمثلة: الحالات التي لا تتوافر فيها للعمال توجيهات واضحة بشأن المهام المتوقع منهم أداؤها والمهام التي لا ينبغي لهم أداؤها؛ ووجود توقعات داخل الدور الواحد يقوّض بعضها بعضاً، كأن يُتوقع من العامل تقديم خدمة عملاء جيدة، وفي الوقت نفسه ألا يمضي وقتاً طويلاً مع العملاء؛ والتوقعات ومعايير العمل المتعارضة أو غير المؤكدة أو كثيرة التغير، كأن تُعطى للعمال مواعيد نهائية أو تعليمات متعارضة؛ والمعلومات غير الكافية أو غير الواضحة أو المتناقضة، كعدم نقل المعلومات اللازمة لإنجاز المهام.

وفي ما يتعلق بالتحكم في الوظيفة أو الاستقلالية، تشمل الأمثلة: العمليات المقيدة بإجراءات صارمة التي لا تتيح للعمال تطبيق مهاراتهم أو تقديرهم، كأن يكون العمل محكوماً بنصوص محددة سلفاً لا يستطيع العمال تكييفها مع الموقف المحدد؛ وتدني مستويات التأثير والاستقلال، كالعجز عن التأثير في سرعة المهام أو ترتيبها أو جدولها أو في عبء العمل، مما يؤدي أحياناً إلى فترات انتظار طويلة لا يستطيع العمال خلالها أداء مهام أخرى؛ وممارسات تنظيم العمل التمييزية التي تفضي إلى تفاوت في حرية اتخاذ القرار أو في فرص تطبيق الكفاءات والمهارات والمعارف الجديدة.

وفي ما يتعلق بعبء العمل ووتيرته، تشمل الأمثلة: توزيع عبء العمل على نحو يؤدي إلى عبء زائد، أي وجود قدر مفرط من العمل، أو عبء ناقص، أي نفاد العمل، بما في ذلك الحالات الناشئة عن توزيع متحيز أو تمييزي؛ والضغوط الزمنية أو العمل سريع الوتيرة، كالمواعيد النهائية غير المعقولة أو الوتيرة غير الواقعية للعمل.

وفي ما يتعلق بالإشراف والدعم، تشمل الأمثلة: نقص الدعم أو الموارد أو المعلومات أو التدريب اللازم لتيسير الأداء؛ ومحدودية الدعم أو افتقار القيادة إلى التعاطف، كأن لا يلاحظ المشرفون معاناة العمال، أو لا يأخذون المشكلات على محمل الجد، أو لا يوفرون مساحة آمنة لطرحها؛ وتلقي قدر غير كافٍ من التغذية الراجعة أو التقدير، كأن لا يتلقى العمال ملاحظات على عملهم أو معلومات تساعدهم على التحسن، أو لا يُعترف بجهودهم الكبيرة أو بمساندتهم لزملائهم ولا يُكافؤون عليها، وهو ما قد يتأثر أيضاً بممارسات تمييزية؛ وعجز العمال عن طلب المساعدة عند الحاجة، بما في ذلك في أماكن العمل غير المتعاونة التي لا تشجع على دعم الزملاء، كالبيئات القائمة على التنافس.

السياسات والممارسات والإجراءات الأوسع التي تحكم العمل

تشكّل السياسات والممارسات المؤسسية الإطار الذي يُهيكل العمل ويُدار ضمنه. فهي تحدد ترتيبات الاستخدام، ونظم وقت العمل، وعمليات الأداء والمكافأة، والإجراءات المعمول بها لمنع السلوك غير المقبول والتصدي له. وتسري ترتيبات الحوكمة هذه على المنشآت بمختلف أحجامها وعلى أشكال العمل المختلفة، وإن تفاوتت درجة طابعها الرسمي.

وتتحدد ترتيبات الاستخدام بالشروط التعاقدية التي تحكم مدة الاستخدام، واستقرار ساعات العمل، والأجور وحقوق الاستخدام، وإمكانية الوصول إلى الحماية الاجتماعية. ومع أن تشريعات العمل تضع معايير تؤثر في ظروف العمل، كالحد الأدنى للأجور والحد الأقصى لساعات العمل وتكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة في الاستخدام، فإن طريقة عمل هذه الحمايات في الواقع تتوقف على ما إذا كان العمال مشمولين بها فعلياً من خلال ترتيبات استخدامهم وممارسات مكان العمل. ويُستخدم مصطلح ظروف العمل هنا مصطلحاً جامعاً يغطي جوانب متعددة من جودة الاستخدام، بما يتسق مع برنامج العمل اللائق لمنظمة العمل الدولية بركائزه المتمثلة في خلق فرص العمل والحقوق في العمل والحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي.

وترتبط أشكال العمل المختلفة، ومنها العقود بدوام كامل وبدوام جزئي، والعمل المؤقت والعمل عبر الوكالات، والعمل الحر التابع والعمل الحر، فضلاً عن العمل في الاقتصاد غير المنظم، بفروق في ظروف العمل ومستويات الحماية. وتنعكس هذه الفروق في مدى الشمول الفعلي بالتأمين الاجتماعي القانوني، وإمكانية الحصول على الإجازات المدفوعة الأجر وغيرها من مزايا الاستخدام، ودخل الاستخدام مقارنة بمعايير مرجعية محددة كالحد الأدنى للأجور، ونوع اتفاقات الاستخدام ومدتها، وساعات العمل الفعلية والتعرض للعمالة الناقصة المرتبطة بالوقت، والانتساب إلى النقابات أو الشمول بالاتفاقات الجماعية. وتبيّن هذه العوامل مجتمعة كيف تشكّل ترتيبات الاستخدام نتائج العمل اللائق وجودة الاستخدام عموماً.

فعلى سبيل المثال، يؤثر كل من مستوى الأجور ومدة الاستخدام في كفاية الدخل وقابليته للتنبؤ. فالعقود ذات المدة القصيرة أو غير المحددة قد تقلل من استقرار الدخل وتحد من الوصول الفعلي إلى المزايا غير النقدية، بما في ذلك استحقاق الإجازة المرضية والإجازة السنوية المدفوعتي الأجر والاستفادة منهما. وتكتسب هذه الفروق أهمية خاصة للعمال الذين يضطلعون بمسؤوليات رعاية، إذ كثيراً ما تتفاوت أهلية الحصول على الإجازات ودعم الرعاية والاستفادة منها بحسب وضع الاستخدام وترتيبات مكان العمل. وتُعد الحماية الشاملة للأمومة وما يرتبط بها من سياسات الإجازات، بما فيها إجازة الأبوة والإجازة الوالدية وإجازة الرعاية الطويلة الأجل، أساسية لتمكين الاستمرار في الاستخدام مع منع التمييز المرتبط بالحمل أو مسؤوليات الرعاية. وتحدد معايير منظمة العمل الدولية حداً أدنى لإجازة الأمومة مدته أربعة عشر أسبوعاً بموجب اتفاقية حماية الأمومة لعام 2000 (رقم 183)، في حين تشجع التوصية المصاحبة لها لعام 2000 (رقم 191) على تمديد الإجازة إلى ثمانية عشر أسبوعاً على الأقل لتعزيز حماية صحة الأم والطفل. كما تدعم الأحكام والخدمات المتعلقة بالرعاية، كرعاية الأطفال وفترات الرضاعة الطبيعية، التوفيق بين العمل والحياة الأسرية. ولا يتوقف الوصول الفعلي إلى هذه التدابير على نظم الحماية الاجتماعية فحسب، بل يتوقف أيضاً على الترتيبات التيسيرية في مكان العمل التي تتيح للعمال ممارسة حقوقهم في الواقع.

وتُعد ترتيبات وقت العمل، التي تحدد عدد ساعات العمل وتوقيتها وجدولتها من حيث الاستقرار أو المرونة، جانباً مهماً آخر من جوانب جودة ظروف العمل. فالجداول المعيارية تتضمن عادةً ساعات نهارية منتظمة في أيام الأسبوع، في حين قد تشمل الترتيبات المرنة العمل بنظام المناوبات، والعمل الليلي وفي عطلات نهاية الأسبوع، والجداول الدوارة. ومع أن المرونة قد تتيح فرصاً، فإن هذه الترتيبات قد تفضي أيضاً إلى ساعات عمل غير اجتماعية، حين يجري العمل في أوقات ذات قيمة اجتماعية بينما تقع الراحة في فترات أقل قيمة، وتشمل ساعات العمل غير الاجتماعية الساعات الطويلة، والعمل الليلي، والعمل بإشعار قصير، والعمل في أوقات الفراغ. وقد تكون الأنماط غير المستقرة أو غير القابلة للتنبؤ في ساعات العمل أكثر شيوعاً في أشكال معينة من العمل، منها العمل العرضي، والعمل عبر المنصات، والعمل المؤقت القائم على المهام، والعقود ذات الساعات القصيرة جداً أو غير القابلة للتنبؤ، كترتيبات العمل عند الطلب أو عقود الساعات الصفرية. ويتسم اقتصاد المنصات الإلكترونية بالإدارة الخوارزمية، ونظم تقييم العملاء، وعدم استقرار الدخل، وعدم إمكانية التنبؤ بساعات العمل، وهي سمات قد تزيد التعرض لمخاطر نفسية اجتماعية كتكثيف العمل، وانعدام الأمن الوظيفي، وتراجع التحكم في ظروف العمل. يضاف إلى ذلك أن العمل الإضافي المفرط، ولا سيما حين يكون غير مجدول أو دون إنذار مسبق، قد يربك الحياة الشخصية والأسرية للعمال، ويولّد تكاليف يتحملونها من أموالهم الخاصة، كتكاليف رعاية الأطفال الإضافية، إذا لم يُعوّض عنه تعويضاً مناسباً، كما يقلص فرص الراحة والتعافي. ولذلك ينبغي أن تحدد الأحكام التعاقدية وممارسات مكان العمل متى يجوز طلب العمل الإضافي، وأن تضع قواعد للإشعار المسبق والتعويض، وأن تحترم الحدود المتسقة مع تشريعات وقت العمل لمنع ساعات العمل الطويلة. ويُقصد بساعات العمل الطويلة عموماً ساعات العمل التي تتجاوز 48 ساعة أسبوعياً، وفقاً للحدود المقررة في اتفاقية ساعات العمل (الصناعة) لعام 1919 (رقم 1) واتفاقية ساعات العمل (التجارة والمكاتب) لعام 1930 (رقم 30)، أما في بحوث الصحة المهنية فكثيراً ما تُعرّف ساعات العمل الطويلة بأنها 55 ساعة أو أكثر في الأسبوع.

وإلى جانب عدد ساعات العمل وتوقيتها، يُعد التوافق بين جداول العمل والمتطلبات الشخصية للعمال، بما فيها الأنشطة الأسرية والتوازن بين وقت العمل والراحة والحياة الاجتماعية، جانباً رئيسياً من جوانب جودة الاستخدام. ويمكن لإتاحة رعاية الأطفال وترتيبات العمل المرنة، ومنها الدوام المرن والعمل من المنزل أو العمل الهجين، أن تدعم التوفيق بين العمل والحياة الأسرية، من خلال مساعدة العمال على إدارة وقتهم وطاقتهم لتلبية المتطلبات داخل العمل وخارجه. غير أن الترتيبات المرنة قد تطمس أيضاً الحدود بين الحياة المهنية والحياة الشخصية، فتسمح لمتطلبات العمل بالتسلل إلى الوقت الخاص. وقد يعزز التواصل الرقمي توقعات الإتاحة الدائمة ويكثّف العمل، مما يؤكد أهمية حماية وقت الراحة من خلال تدابير مصاحبة، قد تشمل الحق في "الانفصال عن العمل"، وهو تطور تنظيمي كانت البلدان الأوروبية سبّاقة إليه.

وتؤثر ممارسات إدارة التغيير المؤسسي في الكيفية التي يعيش بها العمال عمليات إعادة الهيكلة، والتغييرات في الثقافة التنظيمية، وإدخال التقنيات الجديدة. ومع أن هذه التغييرات قد تنجم عن ضغوط خارجية، فإن المؤسسات تظل مسؤولة عن طريقة التخطيط للتغيير والإبلاغ عنه وتنفيذه. فالخيارات المتعلقة بتوقيت التغيير ونطاقه، وإعادة توزيع المهام والمسؤوليات، والدعم المقدم خلال المرحلة الانتقالية، يمكن أن تؤثر إيجاباً أو سلباً في أعباء العمل، ووضوح الأدوار، والدعم الاجتماعي، والثقة بالإدارة، بل في انعدام الأمن الوظيفي في بعض الحالات. وتميل عمليات التغيير التي تتسم بانعدام الشفافية وضعف التواصل ومحدودية التشاور وتدني القدرة على التنبؤ إلى زيادة حالة عدم اليقين والإجهاد، في حين أن العمليات التي تتسم بوضوح المعلومات وحضور القيادة وإشراك العمال إشراكاً حقيقياً يمكن أن تخفف من الآثار السلبية وتعزز تكيفاً أكثر استدامة.

وتشكّل ترتيبات الاستخدام وعمليات التغيير المؤسسي معاً تصورات العمال لاستقرار الاستخدام وقابليته للتنبؤ. وفي هذا السياق، قد ينشأ انعدام الأمن الوظيفي، الذي يُفهم على أنه توقع فقدان الوظيفة قسراً أو القلق من ذلك، في مختلف أشكال العمل والقطاعات. وبعيداً عن الظروف الاقتصادية، يتشكل انعدام الأمن الوظيفي بفعل القرارات المؤسسية المتعلقة بالعقود والتوظيف ووقت العمل والتواصل.

ويُقصد بالمراقبة والرصد الرقمي قدرة الإدارة على مراقبة أداء العمال وسلوكهم وخصائصهم الشخصية وتسجيلها وتتبعها. ومع أن المراقبة قائمة منذ زمن بعيد، فإن التقنيات الرقمية والعمل عن بُعد والعمل القائم على المنصات توفر وسائل جديدة لتوسيع نطاقها وزيادة وتيرتها، إذ يشمل الرصد الإلكتروني للأداء عادةً مراقبة البريد الإلكتروني، والتنصت على المكالمات الهاتفية، وتتبع محتوى الحاسوب وأوقات استخدامه، والمراقبة بالفيديو، والتتبع عبر نظام تحديد المواقع العالمي. وفي نظم الإدارة الخوارزمية، يُوزَّع العمل ويُراقَب ويُقيَّم من خلال جمع البيانات المستمر، والمقاييس الآنية، واتخاذ القرارات المؤتمتة. ويمكن لهذه الممارسات أن تدعم التنسيق والإنصاف والإنتاجية وإدارة الأداء، بما يعود بالنفع على أصحاب العمل والعمال على حد سواء. غير أنها تصبح إشكالية حين تكون تدخلية، أو تقوّض الاستقلالية والثقة، أو تتجاوز ما هو ضروري لتنظيم العمل. وتنشأ المخاطر أيضاً حين تجمع نظم المراقبة بيانات شخصية حساسة، أو تولّد تقييمات متحيزة أو غير منصفة تؤثر بصورة غير متناسبة في فئات معينة من العمال.

وتؤثر المكافآت، وإدارة الأداء، وفرص التطوير، وعمليات التوظيف في تصورات الإنصاف والتقدير والدافعية. وقد تشمل المكافآت الأجر المالي، والأمن الوظيفي، وفرص الترقية، وإمكانية الحصول على التدريب والتطوير. وينبغي أن تستند نظم الأجور إلى تقييم موضوعي للوظائف وإلى مبادئ المساواة في الأجر، دون تمييز على أسس منها الجنس، وأن تُطبق باتساق على الأدوار المتماثلة، علماً بأن اتفاقية المساواة في الأجور لعام 1951 (رقم 100) تكرّس مبدأ المساواة في الأجر بين العمال والعاملات عن العمل ذي القيمة المتساوية. وكثيراً ما تستند القرارات المتعلقة بتدرج الأجور والترقية والتطوير، بل الإجراءات التأديبية في بعض الحالات، إلى نظم إدارة الأداء. ولكي تكون هذه النظم فعالة ومنصفة، ينبغي أن تعتمد على معايير وثيقة الصلة بالوظيفة، وشفافة، ومطبقة باتساق، وأن تُعزز بتغذية راجعة بنّاءة. ويتطلب التنفيذ الفعال لنظم إدارة الأداء توثيقاً واضحاً للتقديرات والقرارات، ومقيّمين يبلّغون توقعات الأداء ويحددون أهدافاً محددة ويتابعون التقدم بانتظام، وتقديم تغذية راجعة داعمة وفي الوقت المناسب لمساعدة العمال على التحسن. ويؤدي الإشراف الفعال دوراً حاسماً في هذه العملية، لأن التغذية الراجعة المنتظمة والموضوعية والواضحة تساعد على توجيه جهود التطوير. يضاف إلى ذلك أن النظم التي تحدد الفجوات في المهارات ينبغي أن تقترن بأنشطة تطويرية تدعم الأداء الحالي والمستقبلي معاً.

وتُعد الإجراءات المنصفة والسليمة للتعيين والترقية أساسية بالقدر نفسه. فينبغي أن ترتبط معايير الاختيار بوضوح بمتطلبات الوظيفة، وأن تُطبق باتساق لضمان تكافؤ الفرص. وبعيداً عن الإنصاف، تساعد هذه العمليات على ضمان مواءمة الأدوار مع المهارات والكفاءات اللازمة لتلبية المتطلبات المؤسسية. ومع أن فرص التعيين والترقية تتوقف على توافر الوظائف المناسبة وعلى الاحتياجات المؤسسية، فإن القرارات ينبغي أن تستند إلى معايير موضوعية مرتبطة بالوظيفة وأن تُطبق دون تمييز.

ويتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي والأدوات الخوارزمية في تقييم الأداء والتعيين والترقية. ومع أن هذه التقنيات قد تعزز الكفاءة والاتساق، فإنها تثير مخاوف تتعلق بالشفافية والتحيز والخصوصية ومحدودية الرقابة البشرية. وحين تفتقر نظم التقييم والمكافأة إلى الشفافية أو الاتساق أو الإنصاف، فإنها قد تقوّض العدالة التنظيمية وتزيد من الإجهاد المرتبط بالعمل.

وتوفر سياسة السلامة والصحة المهنيتين ونظام إدارتهما نهجاً منظماً لتحديد مصادر الخطر في مكان العمل ومنعها والسيطرة عليها، بهدف حماية سلامة العمال وصحتهم ورفاههم. ويساعد ذلك المؤسسات على ضمان الامتثال للوائح، والحد من الحوادث والأمراض والتكاليف، وترسيخ ثقافة التحسين المستمر والمساءلة.

وتُعد إجراءات منع العنف والتحرش في العمل والتصدي لهما عنصراً جوهرياً من عناصر المسؤولية المؤسسية. ويشمل العنف والتحرش طائفة من السلوكيات والممارسات غير المقبولة، أو التهديد بها، سواء وقعت مرة واحدة أو تكررت، والتي تستهدف إلحاق ضرر بدني أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي، أو تفضي إليه، أو يُرجح أن تفضي إليه. وكما تنص اتفاقية العنف والتحرش لعام 2019 (رقم 190)، يمكن أن يقع العنف والتحرش في أي سياق مرتبط بالعمل، بما في ذلك أثناء التنقل من العمل وإليه، والسفر المرتبط بالعمل، والتدريب، وفي بيئات العمل الرقمية. وقد يكون العنف والتحرش قائمين على النوع الاجتماعي حين يُوجهان إلى أشخاص بسبب جنسهم أو نوعهم الاجتماعي، أو حين يؤثران بصورة غير متناسبة في أشخاص من جنس أو نوع اجتماعي معين.

ويرتبط العنف والتحرش ارتباطاً وثيقاً بالسمات الأوسع لتنظيم العمل وثقافة مكان العمل، بما في ذلك ديناميات القوة، وضغوط عبء العمل، وانعدام الأمن الوظيفي. وقد تقع السلوكيات والأفعال الضارة رأسياً في العلاقات الإشرافية، أو أفقياً بين الزملاء، أو من خلال التعامل مع أطراف ثالثة كالعملاء أو أفراد الجمهور. وبذلك يمكن أن تؤثر في توزيع المهام، وإمكانية الوصول إلى الموارد، والتعاون بين الزملاء، في حين قد تزيد سياقات وظيفية معينة من التعرض للمخاطر، ولا سيما الأدوار التي تتضمن التعامل المباشر مع العملاء أو العمل الذي ينطوي على التعامل مع الأشياء الثمينة. وهكذا فإن هذه السلوكيات تؤثر في عوامل الخطر النفسية الاجتماعية الأخرى وتتأثر بها في آن واحد.

وكثيراً ما تتزامن أشكال الإساءة هذه أو تتصاعد إذا لم تُعالج. ويتوقف منع هذه السلوكيات، أو تطبيعها، أو التصدي لها بفعالية، على وجود سياسات وإجراءات مؤسسية ومدى وضوحها ومصداقيتها. وقد تشمل التدابير المؤسسية، من بين أمور أخرى، مدونات سلوك واضحة الصياغة، وإجراءات ميسّرة للإبلاغ ومعالجة الشكاوى، والتدريب والتوعية، وآليات للرصد والرقابة، وعمليات تحقيق منصفة وسرية، وحماية المشتكين والشهود والمبلغين من الانتقام، وتدابير تأديبية متناسبة حين تثبت الادعاءات. وينبغي أن تُدمج الوقاية في العمليات اليومية وضوابط المخاطر، بما في ذلك عمليات العمل والبيئة المادية، ويمكن أن تُعزز بمرافق في مكان العمل تقلل من التعرض للتمييز والعنف والتحرش. ومن ثم تؤدي ترتيبات الحوكمة في مكان العمل دوراً محورياً في تحديد المساءلة ودعم الوقاية.

ويُعد التشاور ومشاركة العمال من الممارسات المؤسسية الجوهرية، ومن الركائز الأساسية لإدارة مخاطر السلامة والصحة المهنيتين، ولا سيما في ما يخص مصادر الخطر النفسية الاجتماعية التي كثيراً ما يصعب تحديدها. فمن خلال آليات التشاور والمشاركة، ومنها لجان السلامة والصحة المهنيتين المشتركة وتعيين ممثلين للعمال في هذا المجال، يستطيع العمال تقديم رؤى قيّمة والتأثير في القرارات التي تمس ظروف عملهم وسلامتهم وصحتهم. وتدعم المشاركة الحقيقية الكشف المبكر عن المشكلات، وتعزز الثقة بقرارات الإدارة، وترفع من مشروعية التدخلات المؤسسية وفعاليتها.

أمثلة على مصادر الخطر النفسية الاجتماعية المتصلة بالممارسات على مستوى المؤسسة

في ما يتعلق بترتيبات الاستخدام، تشمل الأمثلة: العمل الذي ينطوي على عدم يقين بشأن شروط الاستخدام، بما في ذلك احتمال الاستغناء عن الخدمة أو الفقدان المؤقت للعمل مع تخفيض الأجر؛ والاستخدام المتدني الأجر أو غير المستقر؛ والعمل في أوضاع لا يشملها قانون العمل أو الحماية الاجتماعية على النحو الواجب.

وفي ما يتعلق بترتيبات وقت العمل، تشمل الأمثلة: ترتيبات وقت العمل غير المكيّفة مع المتطلبات التشغيلية واحتياجات العمال؛ وترتيبات وقت العمل المفرطة أو غير المتوائمة، بما في ذلك عدم كفاية فترات الاستراحة والراحة قياساً إلى عبء العمل؛ وغياب السياسات المؤسسية التي تتيح تعديلات معقولة في ساعات العمل، كالدوام المرن، والممارسات المتعلقة بمكان أداء العمل، كالعمل عن بُعد، بما يدعم التوفيق بين العمل والحياة الأسرية.

وفي ما يتعلق بإدارة التغيير المؤسسي، تشمل الأمثلة: التغييرات سيئة التخطيط، كأن تكون غير منظمة أو بلا هدف واضح، أو أن يكون التواصل بشأنها ضعيفاً لا يوفر معلومات واضحة في الوقت المناسب؛ وضعف مراعاة مخاطر السلامة والصحة المهنيتين، كعدم أخذها في الحسبان عند إجراء تحولات هيكلية أو إدخال تغييرات بما فيها التقنيات الجديدة؛ وعدم تقديم دعم كافٍ للعمال طوال عملية التغيير، كعدم توفير تدريب ملائم على أداء الدور الجديد أو استخدام العملية الجديدة.

وفي ما يتعلق بالمراقبة، تشمل الأمثلة مستويات غير معقولة من الإشراف الرقمي لأغراض رصد أداء العمل.

وفي ما يتعلق بالمكافآت وإدارة الأداء وفرص التطوير وعمليات التوظيف، تشمل الأمثلة: التوزيع غير المنصف أو المتحيز أو المبهم أو غير العادل للتقدير والمكافآت، كأن يُكافأ عمال على جهود غيرهم، أو أن تقوم الترقيات على المحاباة؛ والجمود المهني وعدم اليقين بشأن المسار الوظيفي، والترقية دون المستحق أو فوق القدرات، وانعدام فرص تنمية المهارات؛ والإفراط في الاعتماد على الخوارزميات بصورة تفتقر إلى الشفافية لأغراض الإدارة والتقييم.

وفي ما يتعلق بسياسة السلامة والصحة المهنيتين ونظام إدارتهما، تشمل الأمثلة: عدم إدماج المخاطر النفسية الاجتماعية في سياسات السلامة والصحة المهنيتين ونظم إدارتهما؛ والإجراءات غير الواضحة أو غير الملائمة لتقييم المخاطر النفسية الاجتماعية والسيطرة عليها؛ وإغفال التفاعلات بين بيئة العمل النفسية الاجتماعية وبيئة العمل المادية.

وفي ما يتعلق بالعنف والتحرش في العمل، تشمل الأمثلة: غياب إجراءات الإبلاغ عن الحوادث، وافتقار العمليات إلى الشفافية بشأن كيفية التعامل مع السلوك غير المقبول؛ والإخفاق في التصدي على النحو المناسب للسلوك غير اللائق أو الضار أو سوء السلوك، الفعلي منه أو المدعى، كعدم التحقيق في ادعاءات التحرش الجنسي أو عدم اتخاذ الجزاءات التأديبية اللازمة؛ وغياب الإجراءات المتعلقة بالتعامل مع المعلومات الشخصية، والإخفاق في معاملة معلومات العمال بحساسية أو الحفاظ على خصوصيتهم.

وفي ما يتعلق بالتشاور والمشاركة، تشمل الأمثلة: عدم التشاور مع العمال بشأن التغييرات في مكان العمل وكيفية تأثيرها فيهم، كعدم التحاور معهم أو عدم مراعاة آرائهم مراعاة حقيقية؛ وممارسات القيادة والإدارة التي لا تُظهر بوضوح إعطاء الأولوية للصحة النفسية في العمل، بما في ذلك الممارسات غير الشفافة أو غير الأخلاقية التي تقوّض الإنصاف والثقة.

وبعيداً عن السياسات والإجراءات الرسمية، تتوقف فعالية الترتيبات المؤسسية على الطريقة التي تُطبّق بها وتُعاش في الممارسة الفعلية، وهو ما تحدده الثقافة التنظيمية والمناخ التنظيمي. فالثقافة التنظيمية تشمل القيم والأعراف والتوقعات المشتركة التي تؤثر في طريقة تفسير القواعد، وكيفية ضبط السلوك، وما إذا كانت السلامة والصحة النفسيتان تحظيان بالأولوية إلى جانب أهداف الأداء. وضمن هذا السياق الأوسع، يعكس مناخ السلامة النفسية الاجتماعية التصورات المشتركة حول مدى حماية السياسات والممارسات والإجراءات المؤسسية للسلامة والصحة النفسيتين وتعزيزها. ويبعث مناخ السلامة النفسية الاجتماعية القوي برسالة مفادها أن الصحة النفسية لا تخضع لضغوط الإنتاجية، وأن المخاوف يمكن طرحها دون خشية من عواقب سلبية.

وترتبط بذلك ارتباطاً وثيقاً العدالة التنظيمية، التي تُفهم على أنها الإنصاف المدرك في عمليات صنع القرار وتوزيع الموارد والمعاملة بين الأشخاص داخل المؤسسة. وعادةً ما توصف العدالة التنظيمية بأنها تضم العدالة التوزيعية، أي إنصاف النتائج كالأجر والترقية وإمكانية الوصول إلى الفرص، والعدالة الإجرائية، أي إنصاف عمليات صنع القرار بما في ذلك الاتساق وانعدام التحيز وإتاحة الفرص للتعبير عن المخاوف أو التظلم، والعدالة التعاملية، أي الإنصاف في جودة المعاملة بين الأشخاص وفي تفسير القرارات بما في ذلك الكرامة والاحترام والتواصل الواضح. وتؤثر تصورات الإنصاف والشفافية في الثقة بالنظم المؤسسية، وفي مشروعية القرارات الإدارية، وفي استعداد العمال للانخراط في عمليات الإبلاغ والمشاركة.

ويكتسب الاتساق بين هذه المبادئ والممارسات المؤسسية اليومية أهمية مماثلة. فالترتيبات المؤسسية الشاملة للجميع، ومنها البيئات الميسّرة، والترتيبات التيسيرية المعقولة، وأحكام الإجازات والمرونة المنصفة، والسياسات التي تراعي تنوع أوضاع العمل، تحدد ما إذا كان العمال قادرين على المشاركة بأمان وكرامة. وتساعد هذه البيئات على التخفيف من المخاطر النفسية الاجتماعية من خلال الحد من الإقصاء، والتفاوت في التعرض، والحرمان البنيوي بين الفئات المختلفة من العمال.

التفاعلات مع البيئة المادية ومعدات العمل

لا تقتصر بيئة العمل الإجمالية على مصادر الخطر المادية والبيولوجية والكيميائية، بل تشمل أيضاً تصميم أماكن العمل وحالتها، بما في ذلك التخطيط المكاني، والملاءمة الهندسية البشرية، والنظافة، وتوافر الأدوات والمعدات وغيرها من الموارد اللازمة لأداء المهام بأمان، ومدى ملاءمتها وصيانتها. وتتفاعل هذه العناصر تفاعلاً وثيقاً مع العوامل النفسية الاجتماعية، ويمكن أن تفاقم آثارها في سلامة العمال وصحتهم وفي الأداء المؤسسي أو أن تخففها.

فحين يواجه العمال مهام خطرة، أو معدات سيئة الصيانة، أو ضيقاً في المكان، أو إضاءة غير كافية، أو ضوضاء مفرطة، فإنهم لا يتعرضون لمخاطر مادية مباشرة فحسب، بل قد ينشغل تفكيرهم أيضاً بالأذى المحتمل، مما يزيد من الإجهاد ويقلل من قدرتهم على الانتباه. وعلى نحو مماثل، يزيد العمل منفرداً، سواء عن بُعد أو في مواقع معزولة، من المخاطر البدنية والنفسية، ولا سيما حين تكون إمكانية الحصول على مساعدة الزملاء أو دعم الطوارئ محدودة، ومن أمثلة ذلك أفراد الأمن الذين يعملون منفردين في منشآت كبيرة أو ضعيفة الإضاءة، والفنيون الذين يصونون البنية التحتية في مواقع نائية، وعمال الرعاية المنزلية الذين يتنقلون وحدهم بين منازل العملاء، والعمال الذين يغلقون منافذ البيع بالتجزئة أو محطات الوقود بمفردهم. وتنشأ المخاطر كذلك في البيئات الصادمة أو غير المستقرة أو المتأثرة بالنزاعات والكوارث، حيث يقترن الخطر المادي بمتطلبات عاطفية مرتفعة. ففي سياقات النزاع المسلح كثيراً ما تنهار النظم الصحية وأشكال الدعم المؤسسي، مما يعرّض العمال لخطر مادي بالغ، ولأحداث صادمة متكررة، ولانعدام أمن مزمن، كما أن النزاعات المعاصرة أدت إلى تطبيع العنف ضد العاملين في المجالين الطبي والإنساني، مما يزيد من تقويض البنى اللازمة لإدارة المخاطر النفسية الاجتماعية.

ولا تتشكل تصورات العمال للمخاطر بفعل تكرار مصادر الخطر ومدتها وشدتها فحسب، بل تتشكل أيضاً بفعل ثقتهم في قدرتهم على التعامل معها، بما في ذلك ثقتهم في ضمانات السلامة كأجهزة الإنذار ونظم الاتصال وتخطيط مكان العمل والدعم الإشرافي في الوقت المناسب. فعلى سبيل المثال، يمكن للتخطيط المادي أن يؤثر في التعرض للعنف والتحرش، ولا سيما في البيئات التي تنطوي على التعامل مع فئات عالية الخطورة، كمرضى الأمراض النفسية، أو العملاء الواقعين تحت تأثير المخدرات أو الإفراط في الكحول، أو المجرمين. ويمكن لتدابير مثل نظم الدخول الآمن والمراقبة والأقفال وأجهزة الإنذار أن تحد من الحوادث وتعزز الشعور بالأمان.

ومن ثم تعمل البيئات المادية والمعدات حسنة التصميم بوصفها موارد حمائية تعزز السلامة والتحكم والأداء الفعال للمهام، في حين أن سوء التصميم قد يضخم المخاطر النفسية الاجتماعية. ويبرز ذلك أهمية النظر في كيفية تفاعل الظروف المادية مع تصميم الوظائف وتنظيم العمل والسياسات المؤسسية، بما يدعم السلامة والرفاه معاً.

أمثلة على مصادر الخطر النفسية الاجتماعية الناشئة عن التفاعلات مع بيئة العمل المادية والمعدات

تشمل الأمثلة: العمل في بيئات نائية أو معزولة مع ضعف إمكانية الوصول إلى الموارد وصعوبة الاتصال؛ وسوء ظروف مكان العمل، كضيق المساحة وضعف الإضاءة والضوضاء المفرطة؛ وعدم كفاية توافر المعدات أو غيرها من الموارد اللازمة لإنجاز مهام العمل، أو عدم ملاءمتها، أو سوء صيانتها؛ والعمل في ظروف أو أوضاع قاسية، كدرجات الحرارة القصوى أو العمل على ارتفاعات؛ والعمل في بيئات عمل غير مستقرة، كمناطق النزاع ومناطق الكوارث الطبيعية؛ وبيئات العمل التي تحد من الحماية من العنف الصادر عن العملاء أو الغرباء، كالعمل في مواقع معزولة أو نائية، أو في المساء أو الليل، أو العمل الذي يتضمن التعامل مع الجمهور.

دراسة ذات صلة