القائمة الرئيسية

تقرير بيئة العمل النفسية الاجتماعية: التطورات العالمية ومسارات العمل (4/3)

تقرير بيئة العمل النفسية الاجتماعية: التطورات العالمية ومسارات العمل (4/3)
ملخص الدراسة

يتناول الجزء الثالث أطر سياسات السلامة والصحة المهنيتين المتعلقة بالمخاطر النفسية الاجتماعية، موضحاً تزايد الاعتراف بهذه المخاطر ضمن السياسات والتشريعات باعتبار أن بيئة العمل الآمنة والصحية تشمل الجوانب البدنية والنفسية معاً. ويستعرض إطار منظمة العمل الدولية والمعايير الدولية التي تؤكد الوقاية من المخاطر وحماية الصحة النفسية، إلى جانب الأطر الإقليمية والوطنية التي تختلف في مدى إدماجها للمخاطر النفسية الاجتماعية وآليات تقييمها والوقاية منها. كما يوضح التوجه المتزايد نحو إدراج هذه المخاطر في تشريعات السلامة والصحة المهنيتين، بما يشمل عبء العمل، والإجهاد، والعنف والتحرش، والعمل عن بُعد، والرقمنة والإدارة الخوارزمية. ويؤكد الفصل أهمية جمع البيانات والأدلة، والمراقبة والتقييم، وآليات الشكاوى والتظلم، والحوار الاجتماعي ومشاركة العمال في تطوير سياسات فعالة. وبوجه عام، يتجه العالم نحو الانتقال من التركيز على علاج نتائج المشكلات النفسية إلى الوقاية من مصادر الخطر النفسية الاجتماعية داخل تنظيم العمل وإدارته وتعزيز بيئات عمل آمنة وصحية وشاملة.

الجزء الثالث: أطر سياسات السلامة والصحة المهنيتين المعنية بالمخاطر النفسية الاجتماعية في عالم العمل

أسهم اتساع قاعدة الأدلة المتعلقة بمصادر الخطر النفسية الاجتماعية وآثارها على العمال والمؤسسات في تزايد الاعتراف بها ضمن أطر سياسات السلامة والصحة المهنيتين. يضاف إلى ذلك أن تكريس بيئة العمل الآمنة والصحية مبدأً وحقاً أساسياً في العمل قد عزز الفهم القائل إن حماية السلامة والصحة تتطلب الاهتمام بالنطاق الكامل للظروف التي يُؤدى فيها العمل، بما في ذلك الجوانب المادية والنفسية الاجتماعية لبيئة العمل على حد سواء.

وقد أدرجت أطر السياسات والتنظيم في مجال السلامة والصحة المهنيتين المخاطرَ النفسية الاجتماعية بطرق مختلفة في البلدان والمناطق، بما يعكس تنوع التقاليد القانونية والترتيبات المؤسسية والأولويات السياساتية. ونتيجة لذلك، تتفاوت مقاربات الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية من حيث النطاق ودرجة التحديد وآليات التنفيذ والإنفاذ. وقد تؤثر الفروق في التغطية القانونية كذلك في فئات معينة من العمال، ولا سيما حين تقع علاقات الاستخدام خارج نطاق الحماية التنظيمية المعيارية.

وتشير البحوث إلى أن أطر السياسات والتنظيم المتسقة تؤدي دوراً رئيسياً في تشكيل الوقاية في أماكن العمل، من خلال توضيح الواجبات وإدماج مصادر الخطر النفسية الاجتماعية في نظم إدارة المخاطر القائمة. ومن ثم فإن الطريقة التي تُصمم بها أطر سياسات السلامة والصحة المهنيتين وتُنفذ تؤثر في كيفية التعامل مع المخاطر النفسية الاجتماعية في الممارسة العملية.

3.1 إطار منظمة العمل الدولية بشأن المخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية في العمل

اعترفت منظمة العمل الدولية منذ تأسيسها في عام 1919 بأن حماية سلامة العمال وصحتهم أمر محوري لتحقيق العدالة الاجتماعية والعمل اللائق.

فقد جعل دستور منظمة العمل الدولية لعام 1919، في ديباجته، السلامة والصحة هدفاً أساسياً للمنظمة، إذ دعا إلى تحسين ظروف العمل بما في ذلك "حماية العامل من المرض والعلل والإصابات الناجمة عن استخدامه"، وذلك لمعالجة ظروف العمل المنطوية على الظلم والمشقة والحرمان التي تهدد السلم الاجتماعي. كما تشير الديباجة، في معرض دعوتها إلى تحسين ظروف العمل، إلى أمور منها تنظيم ساعات العمل وعرض العمالة، ومنع البطالة وتوفير أجر معيشي ملائم، وحماية الأطفال والأحداث والنساء، وتوفير الإعالة في الشيخوخة وفي حالات الإصابة، وحماية مصالح العمال المستخدمين خارج بلدانهم الأصلية، والاعتراف بمبدأي المساواة في الأجر عن العمل ذي القيمة المتساوية والحرية النقابية، وتنظيم التعليم المهني والتقني.

ويتضمن إعلان فيلادلفيا لعام 1944 الالتزام الرسمي للمنظمة بأن "تعزز بين أمم العالم برامج من شأنها تحقيق حماية ملائمة لحياة العمال وصحتهم في جميع المهن". كما يؤكد أن "لجميع البشر، أياً كان عرقهم أو معتقدهم أو جنسهم، الحق في السعي إلى تحقيق رفاههم المادي وتقدمهم الروحي في ظروف توفر لهم الحرية والكرامة والأمن الاقتصادي وتكافؤ الفرص".

وقد أُعيد التأكيد صراحةً على هذه المبادئ التأسيسية في عام 2022، حين اعترف مؤتمر العمل الدولي ببيئة العمل الآمنة والصحية مبدأً وحقاً أساسياً في العمل، إذ اعتمد القرار المتعلق بإدراج بيئة العمل الآمنة والصحية في إطار المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، معدلاً بذلك إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل لعام 1998، لتصبح بيئة العمل الآمنة والصحية المبدأ والحق الأساسي الخامس، إلى جانب الحرية النقابية والاعتراف الفعلي بالحق في المفاوضة الجماعية، والقضاء على جميع أشكال العمل الجبري أو الإلزامي، والقضاء الفعلي على عمل الأطفال، والقضاء على التمييز في الاستخدام والمهنة. وقد أكد ذلك أن حماية سلامة العمال وصحتهم شرط لازم للعمل اللائق. وفي هذا الإطار، توفر اتفاقيتا السلامة والصحة المهنيتين الأساسيتان، وهما اتفاقية السلامة والصحة المهنيتين لعام 1981 (رقم 155) واتفاقية الإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنيتين لعام 2006 (رقم 187)، الأساس اللازم لنظم شاملة ووقائية للسلامة والصحة المهنيتين على المستويين الوطني والمؤسسي. ومع أن هاتين الاتفاقيتين لا تشيران صراحةً إلى المخاطر النفسية الاجتماعية، فإن أحكامهما من السعة بحيث تشمل العوامل التنظيمية والبشرية التي تؤثر في الصحة البدنية والنفسية للعمال.

فالاتفاقية رقم 155 تلزم كل دولة عضو بصياغة سياسة وطنية متسقة بشأن السلامة والصحة المهنيتين وبيئة العمل، وتنفيذها ومراجعتها دورياً، بهدف حماية الصحة البدنية والنفسية للعمال. وتعرّف "الصحة" في ما يتعلق بالعمل بأنها "لا تعني مجرد انتفاء المرض أو العجز"، بل تشمل أيضاً "العناصر البدنية والنفسية المؤثرة في الصحة والمرتبطة مباشرة بالسلامة والصحة في العمل". وتدعو الاتفاقية إلى اتخاذ تدابير لمنع الحوادث والأمراض المهنية من خلال الحد من أسباب المخاطر الكامنة في بيئة العمل بالقدر المعقول عملياً، وتؤكد على تكييف العمل والمعدات والتنظيم مع القدرات البدنية والنفسية للعمال. وعند تحديد مسؤوليات أصحاب العمل، تشير الاتفاقية رقم 155 صراحةً ليس فقط إلى أماكن العمل والآلات والمعدات، بل أيضاً إلى "العمليات الخاضعة لسيطرتهم"، التي ينبغي أن تكون آمنة وخالية من المخاطر على الصحة "بالقدر المعقول عملياً". وتعزز التوصية رقم 164 المصاحبة لها هذه المبادئ، إذ تحث على اتخاذ تدابير لمنع "الإجهاد البدني أو النفسي الضار الناجم عن ظروف العمل"، وتقتضي "ألا يؤثر تنظيم العمل، ولا سيما في ما يتعلق بساعات العمل وفترات الاستراحة، تأثيراً سلبياً في السلامة والصحة المهنيتين". كما تنص على أن يتخذ أصحاب العمل جميع التدابير المعقولة عملياً للقضاء على "الإرهاق البدني والنفسي المفرط". وتوفر الاتفاقية رقم 155 والتوصية رقم 164 معاً أساساً معيارياً متيناً لمعالجة المخاطر النفسية الاجتماعية وتعزيز الصحة البدنية والنفسية للعمال، ضمن سياسات وتدابير وقائية للسلامة والصحة المهنيتين.

وتكمّل الاتفاقية رقم 187 الاتفاقية رقم 155 من خلال إرساء إطار ترويجي للتحسين المستمر لنظم السلامة والصحة المهنيتين الوطنية. فهي تدعو إلى تعزيز ثقافة وطنية وقائية للسلامة والصحة، يُحترم فيها الحق في بيئة عمل آمنة وصحية على جميع المستويات المعنية، وتشارك فيها الحكومات وأصحاب العمل والعمال مشاركة فعالة في ضمان السلامة والصحة المهنيتين من خلال نظام من الحقوق والمسؤوليات والواجبات المحددة، مع إيلاء مبدأ الوقاية أعلى درجات الأولوية.

وإلى جانب الاتفاقيات الأساسية، تتضمن صكوك أخرى في مجال السلامة والصحة المهنيتين أحكاماً تفصيلية ذات صلة بإدارة المخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية في العمل.

فاتفاقية خدمات الصحة المهنية لعام 1985 (رقم 161) تعرّف خدمات الصحة المهنية بأنها هيئات وقائية واستشارية مسؤولة عن مساعدة أصحاب العمل والعمال وممثليهم على الحفاظ على بيئة عمل آمنة وصحية وتعزيز الصحة البدنية والنفسية للعمال. وتنص على أن تقدم هذه الخدمات المشورة بشأن "متطلبات إنشاء بيئة عمل آمنة وصحية والحفاظ عليها، بما ييسر تحقيق الصحة البدنية والنفسية المثلى في ما يتعلق بالعمل"، وبشأن "تكييف العمل مع قدرات العمال في ضوء حالتهم الصحية البدنية والنفسية". ومن بين وظائفها الأساسية، يتعين على خدمات الصحة المهنية تحديد مخاطر مكان العمل وتقييمها، ورصد ظروف العمل، وتقديم التوجيه بشأن تنظيم العمل وتصميمه. وتدعو التوصية رقم 171 المصاحبة لها كذلك إلى أن تشمل مراقبة بيئة العمل تقييم عوامل تنظيم العمل التي قد تنشأ عنها مخاطر على صحة العمال، وإلى المشاركة في تحليل الوظائف وأساليب العمل لضمان تكييف أفضل للعمل مع العمال.

وتنص توصية قائمة الأمراض المهنية لعام 2002 (رقم 194) على المراجعة والتحديث الدوريين لقائمة منظمة العمل الدولية للأمراض المهنية، التي تُعد مرجعاً دولياً لتحديد هذه الأمراض والإخطار بها. وقد وسّعت مراجعة عام 2010 هذه القائمة لتشمل الاضطرابات النفسية والسلوكية، كاضطراب ما بعد الصدمة، و"غيره من الاضطرابات النفسية أو السلوكية [...] حيث تثبت علمياً، أو تُحدد بأساليب ملائمة للظروف والممارسات الوطنية، صلة مباشرة بين التعرض لعوامل الخطر الناشئة عن أنشطة العمل والاضطراب أو الاضطرابات النفسية أو السلوكية التي أصيب بها العامل".

وتُعد اتفاقية العنف والتحرش لعام 2019 (رقم 190) أول صك من صكوك منظمة العمل الدولية يشير صراحةً إلى المخاطر النفسية الاجتماعية، من خلال مقاربة شاملة للعنف والتحرش في عالم العمل. ويتسق مفهوم "عالم العمل" المعتمد في الاتفاقية مع معايير السلامة والصحة المهنيتين، ولا سيما تعريف "مكان العمل" في الاتفاقية رقم 155 بأنه يشمل جميع الأماكن التي يحتاج العمال إلى التواجد فيها أو الذهاب إليها بحكم عملهم، والخاضعة لسيطرة صاحب العمل المباشرة أو غير المباشرة. وتعترف الاتفاقية "بحق كل شخص في عالم عمل خالٍ من العنف والتحرش، بما في ذلك العنف والتحرش القائمان على النوع الاجتماعي"، وتعرّف هذا السلوك بأنه "طائفة من السلوكيات والممارسات غير المقبولة، أو التهديد بها، سواء وقعت مرة واحدة أو تكررت، والتي تستهدف إلحاق ضرر بدني أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي، أو تفضي إليه، أو يرجح أن تفضي إليه". وتحدد الاتفاقية التزامات وقائية وحمائية، منها أن يقوم أصحاب العمل، حسب الاقتضاء ومع مراعاة درجة سيطرتهم، "بمراعاة العنف والتحرش وما يرتبط بهما من مخاطر نفسية اجتماعية في إدارة السلامة والصحة المهنيتين". وتحدد التوصية رقم 206 كذلك أن تقييمات المخاطر ينبغي أن تراعي العوامل التي تزيد من احتمال وقوع العنف والتحرش، بما في ذلك مصادر الخطر والمخاطر النفسية الاجتماعية الناشئة عن ظروف العمل وترتيباته وتنظيمه وإدارة الموارد البشرية، والعوامل التي تنطوي على أطراف ثالثة كالعملاء والزبائن ومقدمي الخدمات والمستخدمين والمرضى وأفراد الجمهور، والعوامل الناشئة عن التمييز وإساءة استخدام علاقات القوة والأعراف الجنسانية والثقافية والاجتماعية التي تدعم العنف والتحرش.

وتشمل معايير العمل الدولية الأخرى ذات الصلة بالوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية وإدارتها تلك المعنية بتكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة، وعدم التمييز، ووقت العمل، والعمل الليلي، ومنها اتفاقية التمييز (في الاستخدام والمهنة) لعام 1958 (رقم 111)، واتفاقية المساواة في الأجور لعام 1951 (رقم 100)، واتفاقية العمال ذوي المسؤوليات العائلية لعام 1981 (رقم 156) وتوصيتها رقم 165، واتفاقية ساعات العمل (الصناعة) لعام 1919 (رقم 1)، واتفاقية الأربعين ساعة في الأسبوع لعام 1935 (رقم 47)، واتفاقية العمل الليلي لعام 1990 (رقم 171) وتوصيتها لعام 1990 (رقم 178).

وتشكّل اتفاقية تفتيش العمل لعام 1947 (رقم 81) كذلك عنصراً أساسياً في هذا الإطار. فوفقاً للمادة الثالثة منها، تتمثل الوظائف الرئيسية لنظام تفتيش العمل في ضمان إنفاذ الأحكام القانونية المتعلقة بظروف العمل وحماية العمال أثناء أدائهم لعملهم، وتزويد أصحاب العمل والعمال بالمعلومات والمشورة التقنية بشأن أنجع السبل للامتثال لهذه الأحكام، وإحاطة السلطة المختصة علماً بأوجه القصور أو التجاوزات التي لا تشملها التشريعات القائمة. ولا تقتصر ظروف العمل بموجب هذه الاتفاقية على السلامة والصحة المهنيتين، بل قد تشمل، تبعاً للتشريعات الوطنية، طائفة من شروط الاستخدام الأخرى، كساعات العمل والأجور والسلامة والصحة والرفاه واستخدام الأطفال والأحداث وغيرها من المسائل المتصلة بها، بقدر ما تكون هذه الأحكام قابلة للإنفاذ من جانب مفتشي العمل. وتعزز التوصية رقم 81 المصاحبة لها هذه الوظائف من خلال تقديم التوجيه بشأن تنظيم دوائر تفتيش العمل وأساليبها ومواردها، وبشأن التدريب والكفاءة المطلوبين من المفتشين.

وفي إطار ولايتها المعيارية، تنخرط منظمة العمل الدولية في مناقشات جارية لوضع المعايير، بما في ذلك مداولات مؤتمر العمل الدولي في عامي 2025 و2026 بشأن معايير عمل دولية محتملة تتعلق بالعمل اللائق في اقتصاد المنصات. وتتناول هذه المداولات ظروف عمل العاملين عبر المنصات، بما في ذلك دور الإدارة الرقمية والخوارزمية للعمل، رهناً بنتائج عملية وضع المعايير.

وتمتد أنشطة وضع المعايير أيضاً إلى المجال الإحصائي. فقد أطلقت منظمة العمل الدولية مراجعة تشاورية لمعيار إحصاءات السلامة والصحة المهنيتين لعام 1998، بهدف اعتماده في المؤتمر الدولي الثاني والعشرين لخبراء إحصاءات العمل في عام 2028. ويسعى هذا العمل إلى تحسين توافر إحصاءات السلامة والصحة المهنيتين وجودتها وقابليتها للمقارنة، وهو أمر بالغ الأهمية لفهم مصادر الخطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية المرتبطة بالعمل، حيث لا تزال التعاريف وممارسات الإبلاغ ومصادر البيانات متفاوتة بين البلدان. يضاف إلى ذلك أنه من المتوقع أن تُعرض على المؤتمر ذاته في عام 2028 للمصادقة مبادئ توجيهية منهجية وأدوات مسحية بشأن الإحصاءات المتعلقة بالعنف والتحرش المرتبطين بالعمل، يجري حالياً تطويرها وتجربتها.

وإلى جانب صكوكها المعيارية، أعدت منظمة العمل الدولية طائفة من المواد الإرشادية ومواد التوعية التي تتناول العوامل التنظيمية والنفسية الاجتماعية التي قد تؤثر في الصحة البدنية والنفسية للعمال ورفاههم. وتدعم هذه المواد تنفيذ سياسات السلامة والصحة المهنيتين وممارساتها على المستويين الوطني ومكان العمل، من جانب الحكومات وأصحاب العمل وممثلي العمال وخدمات الصحة المهنية.

المراجعة العالمية الجديدة للسياسات المتعلقة بمصادر الخطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل والتوجهات المستقبلية

في عام 2025، جمع مسح عالمي أُجري بالتشاور مع منظمة العمل الدولية إسهامات من خبراء وطنيين في 70 بلداً من مناطق وفئات دخل متنوعة. وقيّم المسح ما إذا كانت لدى البلدان تدابير تتناول مصادر الخطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل، وفحص مدى اتساق إجابات الخبراء داخل البلد الواحد بوصفه مؤشراً على الوعي والفهم المشترك.

ففي ما يتعلق بوجود قوانين للسلامة والصحة المهنيتين، أفاد خبير واحد على الأقل في 61 بلداً، أي 87%، بوجود تشريعات للسلامة والصحة المهنيتين تتناول مصادر الخطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل، بما في ذلك الأحكام الجزئية. وفي الوقت نفسه، أفاد خبير واحد على الأقل في 21 بلداً، أي 30%، بعدم وجود مثل هذه التشريعات، وأظهرت 13 بلداً، أي 19%، إجابات متباينة جمعت بين "نعم" و"لا" داخل البلد الواحد. ويوحي هذا النمط بوجود فروق في الوعي بنطاق التشريعات القائمة أو في تفسيره.

وفي ما يتعلق بوجود مبادرات وطنية أو قطاعية، أفاد خبير واحد على الأقل في 56 بلداً، أي 80%، بوجود مبادرات وطنية أو قطاعية، من برامج أو استراتيجيات أو أطر أو حملات، تتناول المخاطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل. غير أن خبيراً واحداً على الأقل في 51 بلداً، أي 73%، لم يحدد مثل هذه المبادرات، وكانت الإجابات متباينة في 38 بلداً، أي 54%، مما يدل على تفاوت الوعي بهذه المبادرات أو الاعتراف بها داخل البلدان.

وبالنظر تحديداً إلى المبادرات على المستوى الوطني، أفاد خبير واحد على الأقل في 52 بلداً، أي 74%، بوجود برامج أو استراتيجيات على المستوى الوطني. وفي الوقت نفسه، لم يحدد خبير واحد على الأقل مثل هذه المبادرات في 35 بلداً، أي 50%، وتباينت آراء الخبراء في 20 بلداً، أي 29%، مما يشير إلى وجود مجال لتعزيز التنسيق بشأن التدابير القائمة وإبرازها والتعريف بها.

وفي ما يتعلق بوجود مسوح أو دراسات وطنية، أفاد خبير واحد على الأقل في 43 بلداً، أي 61%، بوجود مسوح أو دراسات وطنية تقيّم انتشار مصادر الخطر أو المخاطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل وأثرها. غير أن خبيراً واحداً على الأقل لم يفد بوجودها في 31 بلداً، أي 44%، في حين أظهرت 14 بلداً، أي 20%، إجابات متباينة. وتوحي هذه النتائج بأن نظم الأدلة الوطنية لا تزال متفاوتة ولا تحظى باعتراف متسق، ومن ثم تبرز الحاجة إلى تعاريف أوضح، وتحسين نشر مصادر البيانات القائمة، وتعزيز القدرة على رصد المخاطر النفسية الاجتماعية.

وفي ما يتعلق بالحاجة إلى أدلة قابلة للتطبيق، وُزع في عام 2025 استبيان بشأن الممارسات الإحصائية الوطنية في مجال السلامة والصحة المهنيتين على جهات الاتصال الوطنية المعنية بإحصاءات هذا المجال، دعماً للمراجعة الجارية لمعيار إحصاءات السلامة والصحة المهنيتين وإسهاماً في مداولات المؤتمر الدولي الثاني والعشرين لخبراء إحصاءات العمل في عام 2028. ومن بين 111 مؤسسة مستجيبة، أفادت 41 مؤسسة، أي 37%، بوجود خطط ملموسة لتحسين إحصاءات السلامة والصحة المهنيتين خلال السنوات الخمس المقبلة في مجال المخاطر النفسية الاجتماعية وحالات الصحة النفسية المرتبطة بالعمل. ويشير ذلك إلى تنامي الجهود الرامية إلى تطوير بيانات أمتن وأكثر قابلية للمقارنة وأوثق صلة بالسياسات، لتوجيه الوقاية ورصد التقدم.

3.2 الأطر الإقليمية

دأبت المؤسسات الإقليمية منذ زمن طويل على دعم التعاون ومواءمة السياسات في مجال السلامة والصحة المهنيتين، موفرةً منصات تتبادل من خلالها الدول الأعضاء المقاربات، وتطور مبادئ مشتركة، وتعزز نظمها الوطنية. وفي إطار هذا الدور الأوسع، تشير عدة صكوك ووثائق إرشادية إقليمية إلى المخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية، وعادةً ما يكون ذلك بإدراجها ضمن الواجبات العامة للسلامة والصحة المهنيتين، أو الاستراتيجيات القطاعية، أو الأدوات العملية. وتسهم هذه الإسهامات في تعزيز الفهم المشترك لقضايا مثل تنظيم العمل والإجهاد والعنف والتحرش، وتوفر نقاطاً مرجعية للبلدان الساعية إلى تعزيز الأبعاد الوقائية لأطرها الوطنية للسلامة والصحة المهنيتين.

ففي الاتحاد الأوروبي، ترد الإشارات إلى المخاطر النفسية الاجتماعية ضمن المشهد القانوني والمؤسسي الأوسع الذي يحكم السلامة والصحة المهنيتين. ويستند ذلك إلى المادتين الثالثة والحادية والثلاثين من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، اللتين تكفلان الحق في السلامة النفسية والحماية من مصادر الخطر النفسية الاجتماعية، بما فيها ساعات العمل المفرطة. وتلزم المادة 151 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء بتحسين ظروف العمل، وتقتضي المادة الخامسة من التوجيه الإطاري 89/391/EEC من أصحاب العمل "ضمان سلامة العمال وصحتهم في كل جانب يتعلق بالعمل"، بما في ذلك الجوانب المرتبطة بتصميم المهام وتنظيم العمل والعلاقات الاجتماعية. كما تتناول توجيهات مكمّلة الأبعاد النفسية الاجتماعية وتشير إلى قضايا متعددة؛ فعلى سبيل المثال، ترد الإشارة إلى "الإجهاد النفسي" في التوجيه 90/270/EEC بشأن الحد الأدنى من متطلبات السلامة والصحة للعمل على معدات الشاشات، وفي التوجيه 92/85/EEC بشأن إدخال تدابير لتشجيع تحسين السلامة والصحة في العمل للعاملات الحوامل والعاملات اللواتي وضعن حديثاً أو يرضعن. وترد الإشارة إلى المخاطر النفسية الاجتماعية في التوجيه 2010/32/EU المنفذ للاتفاق الإطاري بشأن الوقاية من الإصابات بالأدوات الحادة في قطاع المستشفيات والرعاية الصحية. وفي الآونة الأخيرة، وردت الإشارة إلى الضرر النفسي في اللائحة (EU) 2024/1689 الصادرة عن البرلمان الأوروبي والمجلس في 13 حزيران/يونيو 2024 بشأن وضع قواعد موحدة للذكاء الاصطناعي، في حين يتضمن التوجيه (EU) 2024/2831 بشأن تحسين ظروف العمل في العمل عبر المنصات إشارات إلى المخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية والإجهاد والقلق والعنف والتحرش. وتتناول عدة توجيهات مكمّلة أخرى مصادر خطر نفسية اجتماعية، كساعات العمل الطويلة أو غير المنتظمة وانعدام الأمن الوظيفي، فضلاً عن الإجهاد في مكان العمل أثناء الحمل، والإجهاد النفسي الناجم عن استخدام الشاشات، ومواطن ضعف العمال الأحداث، والمساواة في المعاملة وعدم التمييز. يضاف إلى ذلك أن القرار 2022/C 347/10 الذي اعتمده البرلمان الأوروبي دعا المفوضية الأوروبية إلى اعتماد توجيه جديد بشأن المخاطر النفسية الاجتماعية والرفاه في العمل، وقد حددت دراسة للجنة التوظيف في البرلمان الأوروبي أن هذا التوجيه ينبغي أن يميز بين "المخاطر النفسية الاجتماعية" و"الصحة النفسية"، وأن يشير إلى المخاطر النفسية الاجتماعية بعبارات ملموسة ومحددة، وأن يتناول المخاطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل عن بُعد ورقمنة أماكن العمل، وأن يعترف بالحق في الانفصال. وتوفر صكوك الشركاء الاجتماعيين، ولا سيما الاتفاق الإطاري بشأن الإجهاد المرتبط بالعمل لعام 2004 والاتفاق الإطاري بشأن التحرش والعنف في العمل لعام 2007، مزيداً من التوجيه الذي يُنفذ عبر عمليات الحوار الاجتماعي الوطنية. وتدعم مبادرات الوكالة الأوروبية للسلامة والصحة في العمل، بما فيها أدوات تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية والإرشادات القطاعية، أصحابَ العمل، ولا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة، في معالجة هذه القضايا ضمن دورة الوقاية من المخاطر.

وفي الأمريكتين، يعترف الإعلان الاجتماعي والعمالي لعام 1998 الذي اعتمدته السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور) بحق العمال في حماية صحتهم البدنية والنفسية، ويدعو الدول الأعضاء إلى وضع سياسات للسلامة والصحة المهنيتين وتحديثها بهدف الوقاية من الحوادث والأمراض المهنية. وبناءً على ذلك، تحث التوصية رقم 04/23 بشأن الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية في العمل الدول الأعضاء على إدماج الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية في سياسات السلامة والصحة المهنيتين وبرامجها الوطنية، وتطوير أدوات للتقييم والإدارة، وإدماج اعتبارات النوع الاجتماعي في تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية والإجراءات المتصلة بها، وتعزيز تدريب مفتشي العمل، وتشجيع أصحاب العمل على اتخاذ الإجراءات، ونشر الحقوق والالتزامات ذات الصلة. كما أُدرجت تدابير تتناول المخاطر النفسية الاجتماعية في الخطة الإقليمية لصحة العمال والعاملات وسلامتهم في ميركوسور للفترة 2023 إلى 2024، وتحديداً وضع مبادئ توجيهية مشتركة، ومقارنة التشريعات الوطنية المتعلقة بالوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية، والتعريف بالحقوق والالتزامات في مكان العمل، والتدريب على إدماج الوقاية من هذه المخاطر في نظم السلامة والصحة المهنيتين. وفي جماعة دول الأنديز، يعرّف صك الأنديز بشأن السلامة والصحة في العمل (القرار رقم 584) الصحة المهنية بأنها تشمل الرفاه البدني والنفسي والاجتماعي، ويحدد العوامل التنظيمية والهندسية البشرية والنفسية الاجتماعية لبيئة العمل بوصفها عوامل ذات صلة بإدارة المخاطر. يضاف إلى ذلك أن الاستراتيجيات الإقليمية للصحة العامة التي وضعتها منظمة الصحة للبلدان الأمريكية تحدد مكان العمل بوصفه بيئة ذات أولوية، وتشجع الدول الأعضاء على معالجة المخاطر النفسية الاجتماعية، كالعنف وسوء الظروف التنظيمية، ضمن السياسات الوطنية لصحة العمال والصحة النفسية. ويبني دليل الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية في عمل التوصيل عبر المنصات الرقمية لعام 2025 على هذه الأطر الإقليمية، مركزاً على المخاطر النفسية الاجتماعية الناشئة في اقتصاد المنصات المتنامي في أمريكا اللاتينية. وقد أعد هذا الدليلَ تحالفُ المحيط الهادئ، الذي يضم شيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو، بالتعاون مع الأرجنتين وأوروغواي، وهو يحدد عوامل الخطر المتعلقة بتنظيم العمل، والاعتماد على الخوارزميات، وانعدام الأمن الوظيفي، والعزلة الاجتماعية، والتعرض للعنف. كما يوصي بتدابير مضادة تشمل الاعتراف القانوني بالعمل عبر المنصات، وتنظيم ساعات العمل، وإتاحة الحماية الاجتماعية، وتعزيز الصحة النفسية.

وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تحدد الورقة البيضاء بشأن الصحة النفسية والسلامة في مكان العمل، الصادرة عن المركز الرقمي للصحة النفسية التابع لمنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، مفاهيم مشتركة لتعزيز الرفاه النفسي في العمل، بما في ذلك الاهتمام بالعوامل التنظيمية، والتعرف المبكر على المخاوف، والممارسات الداعمة في مكان العمل. وعلى نحو مماثل، تبرز خارطة الطريق لتعزيز العافية النفسية في آسيا والمحيط الهادئ الصحية للفترة 2021 إلى 2030 مكانَ العمل بوصفه بيئة مهمة لتعزيز الصحة النفسية، وتشجع الاقتصادات الأعضاء على تبادل الممارسات الجيدة ووضع إرشادات تدعم المقاربات الوقائية. وعلى نطاق أوسع، لا تقدم المبادئ التوجيهية لإدارة مخاطر السلامة والصحة المهنيتين في المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الدول الأعضاء في رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان) لعام 2020 إلا نقطة مرجعية عامة، إذ تشير إلى مصادر الخطر النفسية الاجتماعية بوصفها عنصراً محتملاً من عناصر تقييم المخاطر في مكان العمل.

وفي أفريقيا، جرى التعامل مع المخاطر النفسية الاجتماعية أساساً من خلال الاستراتيجيات القطاعية وإرشادات السلامة والصحة المهنيتين. فالإرشادات الصادرة عن الاتحاد الأفريقي للعاملين في المجال الصحي في سياق جائحة كوفيد 19 توصي بإدراج مصادر الخطر النفسية الاجتماعية في تقييمات المخاطر ومعالجتها من خلال البرامج الوطنية وبرامج أماكن العمل. وفي قطاع التعليم، توفر الاستراتيجية القارية للصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي للمعلمين في أفريقيا لعام 2025 إطاراً إقليمياً لتهيئة بيئات مدرسية تمكينية، وتعزيز الوعي بالصحة النفسية، وتحسين التعرف المبكر والإحالة، ودعم عودة المعلمين إلى العمل بعد تعرضهم لصعوبات تتعلق بالصحة النفسية.

3.3 الأطر الوطنية

السياسات والبرامج الوطنية للسلامة والصحة المهنيتين

يتزايد عدد البلدان التي تتناول في سياساتها وبرامجها للسلامة والصحة المهنيتين القضايا المتعلقة ببيئة العمل النفسية الاجتماعية ومخاوف الصحة النفسية. ويمثل هذا التطور السياساتي، المدعوم بقاعدة أدلة دولية كبيرة، تحولاً من التركيز التقليدي على مصادر الخطر المادية نحو مقاربة أكثر تكاملاً لظروف العمل والرفاه العام في العمل.

ففي آسيا، يحدد برنامج اليابان الرابع عشر للسلامة والصحة المهنيتين للفترة 2023 إلى 2027 الوقاية من مصادر الخطر النفسية الاجتماعية، بما فيها الإفراط في العمل ومشكلات الصحة النفسية، بوصفها أولويات وطنية، مدعومة بتقييمات الإجهاد في أماكن العمل وإرشادات لأصحاب العمل. وفي جمهورية كوريا، تدعو سياسة الاستخدام والعمل لعام 2024 إلى اتخاذ تدابير للوقاية من الإجهاد النفسي المرتبط بالعمل، بما في ذلك الإلزام بإنشاء مرافق للراحة في أماكن العمل، مع تقديم دعم متخصص عبر مراكز صحة العمال ومراكز الصدمات المهنية المنتشرة في أنحاء البلاد، بما في ذلك تقديم الإرشاد النفسي للعمال المعرضين لحوادث صادمة. كما تُعزز المقاربات الوقائية للتحرش الجنسي والتمييز القائم على النوع الاجتماعي من خلال الرصد والتدريب.

وفي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، كثيراً ما تُدرج مصادر الخطر النفسية الاجتماعية في السياسات الوطنية للسلامة والصحة المهنيتين. فأحدث سياسات شيلي في هذا المجال تعزز العوامل النفسية الاجتماعية الحمائية، وتبني على سياستها السابقة التي اعترفت رسمياً بالمخاطر النفسية الاجتماعية وشجعت على استخدام أدوات موثوقة وتدخلات تنظيمية. وتعترف سياسة أوروغواي للسلامة والصحة المهنيتين ببيئات العمل الآمنة والصحية حقاً أساسياً في العمل، ينبغي أن يكفل السلامة البدنية والنفسية الاجتماعية. وفي أنحاء المنطقة، تعزز طائفة من السياسات الوطنية الأخرى الجهود الرامية إلى الوقاية من مصادر الخطر النفسية الاجتماعية والتخفيف من حدتها، وكثيراً ما يقترن ذلك بتدابير لرفع الوعي بالصحة النفسية، ومن ذلك سياسات كولومبيا والإكوادور وغرينادا وغيانا وبيرو وسانت لوسيا. وتهدف خطة كوستاريكا للفترة 2021 إلى 2026 كذلك إلى تعزيز قاعدة الأدلة للعمل من خلال مسح وطني شامل لظروف العمل يتضمن العوامل النفسية الاجتماعية.

وتشير التطورات الناشئة في أفريقيا إلى الاتجاه ذاته، إذ بدأت عدة بلدان تعترف بمصادر الخطر النفسية الاجتماعية بوصفها عناصر من أولوياتها الوطنية في مجال السلامة والصحة المهنيتين. فالسياسة الوطنية لناميبيا في هذا المجال تبرز جهود تعزيز الصحة في أماكن العمل التي تعالج القضايا النفسية الاجتماعية، في حين تعطي السياسة الوطنية لنيجيريا أولوية صريحة للوقاية من المشكلات النفسية الاجتماعية وإدارتها، كالإجهاد النفسي والعنف وتعاطي المواد. كما تتضمن السياسة الوطنية المنقحة للسلامة والصحة المهنيتين في موريشيوس لعام 2015، لأول مرة، أحكاماً لتحديد مصادر الخطر النفسية الاجتماعية في مكان العمل وإدارتها. وعلى نحو مماثل، تعرّف السياسة الوطنية لجنوب السودان في هذا المجال المخاطر النفسية الاجتماعية، وتعترف بالاضطرابات المرتبطة بالإجهاد واضطرابات الصحة النفسية بوصفها نتائج مهنية.

وفي أوروبا، تعزز هذا الاتجاه بفضل الإطار الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي بشأن الصحة والسلامة في العمل للفترة 2021 إلى 2027، الذي يدعو الدول الأعضاء إلى إعطاء الأولوية للصحة النفسية والوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية. وينعكس هذا التوجه في استراتيجيات عدة بلدان، منها فنلندا، حيث تؤكد السياسة الوطنية على الإدارة الاستباقية لعبء العمل الذهني والقدرة على العمل، وفرنسا، حيث تُعد الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية هدفاً رئيسياً، فضلاً عن استراتيجيات السلامة والصحة المهنيتين في إسبانيا وبلجيكا والدنمارك، التي تحدد أهدافاً ومؤشرات محددة لتقييم المخاطر النفسية الاجتماعية والوقاية منها والتوعية بها.

ويمكن ملاحظة اتجاه مكمّل في السياسات الوطنية الأوسع للصحة النفسية والرفاه، التي تعترف بصورة متزايدة بمكان العمل بوصفه بيئة رئيسية للوقاية والتعزيز. ويتجلى هذا النهج في الاستراتيجيات الوطنية للصحة النفسية، كسياسة "تقاسم الرؤية: سياسة للصحة النفسية للجميع" للفترة 2020 إلى 2030 في أيرلندا، والاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية والطب النفسي للفترة 2018 إلى 2022 في فرنسا، و"كيا ماناوانوي أوتياروا: المسار الطويل الأجل نحو الرفاه النفسي" لعام 2021 في نيوزيلندا، وكلها تؤكد على دور أماكن العمل الآمنة والداعمة والشاملة في تعزيز الرفاه النفسي. وتوجد مقاربات مماثلة في أماكن أخرى؛ إذ يتضمن كل من الإطار السياساتي والخطة الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية للفترة 2023 إلى 2030 في جنوب أفريقيا، والخطة الوطنية للصحة النفسية للفترة 2017 إلى 2025 في شيلي، التزامات بمعالجة العوامل النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل من خلال التنسيق بين السلطات الصحية وسلطات العمل. وتوسع بعض الأطر الوطنية هذا النهج، كالخطة الوطنية للصحة النفسية والوقاية من الانتحار لعام 2021 في أستراليا، التي تحدد أماكن العمل السليمة نفسياً بوصفها أولوية متعددة القطاعات، رابطةً تدابير الوقاية والتدخل المبكر بسياسات الاستخدام والصناعة. ويُعرّف مكان العمل السليم نفسياً وفقاً للمركز الرقمي الوطني الأسترالي المعني بهذا الشأن بأنه المكان الذي "يقلل بنشاط من المخاطر على الصحة النفسية، ويعزز الصحة النفسية الإيجابية والرفاه، ويخلو من الوصمة والتمييز، ويدعم تعافي الموظفين الذين يعانون من حالات صحية نفسية". وعلى نحو مماثل، تعترف عدة استراتيجيات للوقاية من الانتحار، منها استراتيجية الوقاية من الانتحار في إنجلترا للفترة 2023 إلى 2028 في المملكة المتحدة، والإطار الاتحادي للوقاية من الانتحار لعام 2016 في كندا، صراحةً بالإجهاد في مكان العمل وانخراط أصحاب العمل بوصفهما مكونين رئيسيين من مكونات الجهود الوطنية للوقاية.

تعزيز جمع البيانات لسياسات وإجراءات قائمة على الأدلة بشأن المخاطر النفسية الاجتماعية

تعتمد سياسات السلامة والصحة المهنيتين والإجراءات الوقائية القائمة على الأدلة على بيانات موثوقة لتحديد أنماط التعرض، ووضع الأولويات، وتوجيه التدابير، ورصد ما إذا كانت التدخلات تحد من الضرر بمرور الوقت. وفي ما يخص المخاطر النفسية الاجتماعية تحديداً، حيث تكون النتائج متعددة العوامل وكثيراً ما لا يُبلّغ عنها بالقدر الكافي، يتطلب ذلك الجمع بين بيانات من مصادر متعددة، منها مسوح ظروف العمل، ومسوح المنشآت، والسجلات الإدارية كبيانات تفتيش العمل وخدمات الصحة المهنية والتعويضات، مع دعمها بترتيبات إبلاغ موثوقة وسرية.

وحيث تكون نظم جمع البيانات الروتينية محدودة، يميل التعامل مع المخاطر النفسية الاجتماعية إلى أن يجري من خلال دراسات مخصصة أو حوادث منفردة، مما يقيد قدرة الحكومات والشركاء الاجتماعيين على تقييم الاتجاهات، أو مقارنة الفئات، أو تقييم أثر السياسات. ومن ثم فإن تعزيز جمع البيانات بصورة منتظمة وذات صلة بالسياسات يمثل عاملاً تمكينياً رئيسياً لحوكمة فعالة للمخاطر النفسية الاجتماعية.

وعلى المستوى الدولي، وكما سبقت الإشارة في هذا التقرير، تجري منظمة العمل الدولية مراجعة تشاورية متعددة السنوات للمعيار الإحصائي الدولي للسلامة والصحة المهنيتين، بهدف اعتماده في المؤتمر الدولي الثاني والعشرين لخبراء إحصاءات العمل في عام 2028. وتهدف هذه العملية إلى تحسين توافر البيانات المتعلقة بمصادر الخطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية المرتبطة بالعمل وجودتها وقابليتها للمقارنة، حيث لا تزال التعاريف وممارسات الإبلاغ متفاوتة بين البلدان.

وعلى المستويين الإقليمي والوطني، تؤدي أدوات المسح الموحدة دوراً حاسماً. ففي أوروبا، توفر المسوح الدورية، كالمسح الأوروبي لظروف العمل، ومسح القوى العاملة في الاتحاد الأوروبي، والمسح الأوروبي للمنشآت بشأن المخاطر الجديدة والناشئة، ومسح نبض السلامة والصحة المهنيتين، قاعدة أدلة متسقة لمقارنة التعرض للمخاطر النفسية الاجتماعية وممارسات الوقاية بين البلدان. وتعزز المبادرات الوطنية هذا الأساس؛ فعلى سبيل المثال، يدمج المعهد الوطني للسلامة والصحة في العمل في إسبانيا مؤشرات نفسية اجتماعية في المسوح الوطنية لظروف العمل وفي التقييمات على مستوى المنشآت. وخارج أوروبا، أدخلت بلدان مثل كوستاريكا مسوحاً وطنية شاملة لظروف العمل تتضمن صراحةً المخاطر النفسية الاجتماعية، بما يدعم وضع سياسات للسلامة والصحة المهنيتين أكثر استهدافاً واستناداً إلى الأدلة. إذ تعمل وزارة العمل والضمان الاجتماعي في كوستاريكا على تطوير أسلوب جديد لتقييم عوامل الخطر النفسية الاجتماعية في أماكن العمل، يهدف إلى مساعدة الشركات على تحديد المخاطر التي تؤثر في رفاه العمال وصحتهم وإنتاجيتهم وإدارتها، وفي إطار هذه العملية نفذت الوزارة مسحاً وطنياً بشأن العوامل النفسية الاجتماعية في العمل في الفترة من 4 حزيران/يونيو إلى 4 تموز/يوليو 2025، على أن تتلقى أماكن العمل المشاركة النتائج والتوصيات في عام 2026.

قوانين السلامة والصحة المهنيتين ولوائحهما

تعترف تشريعات السلامة والصحة المهنيتين في مختلف المناطق بصورة متزايدة بأن صحة العمال تشمل البعدين البدني والنفسي معاً. ففي كثير من الولايات القضائية، تعرّف قوانين العمل وقوانين السلامة والصحة المهنيتين الصحة صراحةً على هذا النحو، أو تفرض على أصحاب العمل واجباً عاماً بحماية الصحة البدنية والنفسية للعمال. وتنص عدة بلدان على ذلك صراحةً بفرض واجب مباشر على أصحاب العمل بحماية الصحة البدنية والنفسية للعمال في إطار مسؤولياتهم في مجال السلامة والصحة المهنيتين، ويظهر هذا النهج في بلدان منها الأرجنتين وأستراليا وفنلندا ونيوزيلندا والفلبين وتوغو. وفي بعض النظم، تتعزز هذه الصلة من خلال أحكام تلزم أصحاب العمل بتنظيم العمل أو تكييفه بما يتوافق مع القدرات البدنية والنفسية للعمال، كما هو الحال في البرازيل وإستونيا وفرنسا وفنلندا والنرويج والسويد.

وقد أبرز تزايد الاهتمام بالصحة النفسية ضمن تشريعات السلامة والصحة المهنيتين أهمية معالجة العوامل المرتبطة بالعمل التي تشكّلها. فتأطير قضايا مكان العمل أساساً من منظور نتائج الصحة النفسية ينطوي على خطر تحويل الاهتمام نحو استجابات فردية، كثيراً ما تكون تفاعلية أو علاجية، بدلاً من الوقاية من مصادر الخطر التنظيمية والنفسية الاجتماعية الكامنة.

ومن ثم فإن النهج الوقائي الفعال ضمن تنظيم السلامة والصحة المهنيتين يقتضي معالجة مصادر الخطر النفسية الاجتماعية إلى جانب غيرها من مصادر الخطر المهنية، من خلال تقييم المخاطر والإجراءات الوقائية. ومن هذا المنظور، تُدار المخاطر النفسية الاجتماعية بالمنطق الوقائي ذاته الذي يقوم عليه تنظيم السلامة والصحة المهنيتين عموماً، بما في ذلك تحديد مصادر الخطر، وتقييم المخاطر، وتنفيذ تدابير وقائية ضمن تنظيم العمل وإدارته. ولما كانت المخاطر النفسية الاجتماعية لا ترتبط بنتائج الصحة النفسية فحسب، بل بطائفة من الآثار على الصحة البدنية أيضاً، فإن ذلك يعزز أهمية معالجة مصادرها التنظيمية. وتشير الأدلة إلى أنه حين تتناول التشريعات المخاطر النفسية الاجتماعية صراحةً، يزداد احتمال أن تجري أماكن العمل تقييمات للمخاطر وتضع خطط عمل وقائية، مما يعزز التطبيق العملي لمتطلبات الوقاية في مجال السلامة والصحة المهنيتين.

وعلى هذه الخلفية، عكست بلدان كثيرة تدريجياً العوامل أو مصادر الخطر أو المخاطر النفسية الاجتماعية بصورة أكثر صراحة في تشريعاتها، وإن تفاوت الشكل ومستوى التفصيل تفاوتاً كبيراً. كما يتفاوت نطاق هذه الأحكام التشريعية، إذ تظل بعض فئات العمال، كالعاملين لحسابهم الخاص وعمال الاقتصاد غير المنظم، بل عمال القطاع العام في بعض الحالات، خارج نطاق تغطية السلامة والصحة المهنيتين جزئياً أو كلياً في عدد من البلدان.

ومن الناحية التاريخية، كانت بلدان الشمال الأوروبي من أوائل البلدان التي أدمجت البعد النفسي الاجتماعي للعمل في تشريعات السلامة والصحة المهنيتين، إذ أدرجته ضمن الواجبات الوقائية العامة بدلاً من معاملته مجالاً تنظيمياً منفصلاً. فقانون بيئة العمل السويدي لعام 1977 ألزم أصحاب العمل منذ ذلك الحين بتنظيم العمل بحيث لا يسبب إجهاداً بدنياً أو نفسياً غير مبرر، ثم وسّعت اللوائح الملزمة اللاحقة تدريجياً الالتزامات المتعلقة ببيئة العمل التنظيمية والاجتماعية. وأدمجت فنلندا هذه الأبعاد في عام 2002، حين أدخل قانون السلامة والصحة المهنيتين فيها متطلبات صريحة لإدارة عبء العمل الذهني وبيئة العمل النفسية الاجتماعية في إطار الوقاية الشاملة من المخاطر. وفي آيسلندا، تنص تعديلات اعتُمدت في عام 2003 على تنفيذ تدابير وقائية منهجية وتقييم الجوانب النفسية الاجتماعية لبيئة العمل. وتبعتها النرويج في عام 2005 بقانون منقح لبيئة العمل تناول صراحةً بيئة العمل النفسية الاجتماعية، ثم أوضح تعديل اعتُمد في عام 2026 المتطلبات الوقائية المتعلقة بالعوامل النفسية الاجتماعية، بما فيها عبء العمل والضغط الزمني، والمتطلبات العاطفية، ووضوح الدور، والدعم في العمل.

وكانت بلجيكا من أوائل البلدان خارج منطقة الشمال الأوروبي التي وضعت إطاراً قانونياً شاملاً للمخاطر النفسية الاجتماعية. فبناءً على تدابير أُدخلت في تسعينيات القرن الماضي، وجرى توحيدها بموجب قانون الرفاه في العمل لعام 2014 والمرسوم الملكي المتصل به، أدخل التشريع البلجيكي تعريفاً قانونياً للمخاطر النفسية الاجتماعية ونهجاً منظماً للوقاية يتمحور حول التقييم المنهجي للمخاطر وفق إجراءات محددة.

وأدرجت بلدان أوروبية أخرى المخاطر النفسية الاجتماعية تدريجياً في أطرها القانونية للسلامة والصحة المهنيتين، وكثيراً ما كان ذلك بإدماجها في المتطلبات العامة لتقييم المخاطر والوقاية منها. وقد أجرت المفوضية الأوروبية مراجعات مستفيضة من جانب النظراء في عامي 2019 و2024، تناولت الكيفية التي تعالج بها الدول الأعضاء المخاطر النفسية الاجتماعية من خلال ممارساتها الوطنية وأطرها التشريعية وآليات الإنفاذ، وأسفرت عن قاعدة أدلة متينة بهدف المساعدة في تشكيل الإجراءات المستقبلية على مستوى الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك النظر في توجيه مخصص للمخاطر النفسية الاجتماعية. فتشريعات السلامة والصحة المهنيتين في إستونيا تقتضي تحديد مصادر الخطر النفسية الاجتماعية إلى جانب مصادر الخطر المادية، وتقييم المخاطر المرتبطة بها وإدارتها، بما فيها المخاطر المتعلقة بعبء العمل ووتيرته والممارسات التنظيمية. ويدرج قانون السلامة والصحة المهنيتين في ألمانيا الإجهاد النفسي ضمن التقييم الإلزامي للمخاطر، وقد جرى توضيح ذلك من خلال إرشادات وطنية تتناول عوامل كالضغط الزمني والمتطلبات العاطفية وصراعات الأدوار. وفي فرنسا، تقتضي أحكام قانون السلامة والصحة المهنيتين وقانون العمل تقييم المخاطر الناشئة عن تنظيم العمل والعوامل النفسية الاجتماعية المرتبطة به، ويكمّل ذلك إطار منظم للوقاية من التحرش. وتقتضي إسبانيا بالمثل تقييم المخاطر المرتبطة بالرتابة والإجهاد الذهني وتنظيم العمل. وتوجد مقاربات مماثلة في بلدان أوروبية أخرى، منها إيطاليا ومملكة هولندا والبرتغال، حيث تُعالج الجوانب النفسية الاجتماعية من خلال متطلبات تتعلق بتنظيم العمل وما يتصل به من عوامل.

وخارج أوروبا، اعتمدت عدة بلدان في الأمريكتين لوائح محددة أو أحكاماً تفصيلية لمعالجة المخاطر النفسية الاجتماعية في إطار السلامة والصحة المهنيتين وحماية العمل، بما في ذلك ضمن المسؤوليات العامة لأصحاب العمل في الوقاية من المخاطر. فقد اعتمدت كولومبيا في عام 2008 قراراً مخصصاً في مجال السلامة والصحة المهنيتين يحدد تعاريف المخاطر النفسية الاجتماعية وإجراءات تقييمها وتدابير الوقاية منها، وبنى عليه القرار رقم 2764 باعتماد مجموعة موثوقة من الأدوات وبروتوكولات تقنية مفصلة لأداء الواجبات، في حين وسّع القرار رقم 5137 لعام 2024 نطاق الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية ليشمل العمال غير المنظمين، بأدوات جديدة وإجراءات تتعلق بالصحة النفسية. وأصدرت المكسيك معياراً ملزماً يعرّف المخاطر النفسية الاجتماعية ويتناول عوامل مثل عبء العمل وجداول العمل والممارسات التنظيمية والعنف في مكان العمل. وفي البرازيل، تقتضي التشريعات تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية وتقييم فعالية التدابير الوقائية. وتقتضي شيلي الإدارة الوقائية للمخاطر المهنية، بما فيها العوامل التنظيمية، وتطبق بروتوكولاً إلزامياً محدداً في مجال السلامة والصحة المهنيتين بشأن تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية، يستند إلى أدوات موحدة وخطط عمل وقائية. وتدمج كوستاريكا العوامل النفسية الاجتماعية مباشرة في لوائحها للسلامة والصحة المهنيتين، رابطةً إياها بالتنظيم الآمن للعمل والإدارة الوقائية للمخاطر. وأدرجت الإكوادور مؤخراً المخاطر النفسية الاجتماعية في اللوائح التقنية للسلامة والصحة المهنيتين. وتعالج بلدان أخرى في المنطقة المخاطر النفسية الاجتماعية ونتائجها من خلال التزامات أوسع في قوانين السلامة والصحة المهنيتين أو قوانين العمل؛ فالأرجنتين مثلاً تقتضي دراسة العوامل النفسية المؤثرة في الحوادث والأمراض المهنية، وتلزم أوروغواي بتصميم نظم العمل على نحو يراعي الرفاه الفسيولوجي والنفسي والاجتماعي للعمال.

ويُلاحظ اتجاه مماثل في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث عالجت عدة بلدان المخاطر النفسية الاجتماعية تدريجياً في قوانينها ولوائحها للسلامة والصحة المهنيتين. ففي الولايات القضائية الأسترالية، يُعترف صراحةً بمصادر الخطر النفسية الاجتماعية في لوائح السلامة والصحة المهنيتين، بما يغطي عوامل مثل ارتفاع المتطلبات الوظيفية، وتدني التحكم، وصراع الأدوار، والعنف والتحرش، والتغيير المؤسسي، والتعرض للأحداث الصادمة. وفي جمهورية كوريا، عززت الإصلاحات التشريعية المقاربات الوقائية التي تتناول تنظيم العمل وساعات العمل المفرطة والإجهاد الوظيفي. وفي اليابان، يجمع إطار السلامة والصحة المهنيتين بين التدابير الوقائية المتعلقة بوقت العمل وتنظيمه والرصد الإلزامي للمخاطر النفسية الاجتماعية، من خلال نظام سنوي لفحص الإجهاد في أماكن العمل بات يشمل أماكن العمل التي يقل عدد موظفيها عن خمسين موظفاً. كما عدّلت ماليزيا تشريعاتها للسلامة والصحة المهنيتين لإدماج الجوانب النفسية وتنظيم العمل في الأطر العامة للوقاية من مخاطر السلامة والصحة المهنيتين.

وفي أفريقيا والدول العربية، لا يزال إدماج المخاطر النفسية الاجتماعية في تشريعات السلامة والصحة المهنيتين محدوداً؛ إذ تعتمد معظم أطر السلامة والصحة المهنيتين على أحكام عامة بشأن حماية الصحة البدنية والنفسية للعمال، دون معالجة تنظيمية مفصلة أو محددة للمخاطر النفسية الاجتماعية. ومع ذلك، بدأت بعض البلدان في إدخال إشارات أكثر صراحة. ففي إثيوبيا، يدرج إعلان العمل مصادر الخطر النفسية ضمن فئات مصادر الخطر المهنية التي تتناولها أطر الوقاية في مجال السلامة والصحة المهنيتين، إلى جانب مصادر الخطر المادية والهندسية البشرية والبيولوجية والكيميائية. وفي الأردن، تحدد التعليمات الوزارية الصادرة في إطار التنظيم القانوني للعمل والسلامة والصحة المهنيتين مصادرَ الخطر النفسية الاجتماعية بوصفها فئة من فئات المخاطر المهنية التي يتعين مراعاتها في عمليات تقييم المخاطر.

وفي أنحاء العالم، تناولت بلدان كثيرة العنف والتحرش في عالم العمل من خلال قانون العمل، أو تشريعات السلامة والصحة المهنيتين، أو صكوك قانونية مخصصة. وفي عدد متزايد من الحالات، يُعترف بالعنف والتحرش صراحةً أيضاً ضمن أطر الوقاية في مجال السلامة والصحة المهنيتين، بما يعكس صلتهما الوثيقة بالمخاطر النفسية الاجتماعية. ومن الأمثلة على ذلك أحكام السلامة والصحة المهنيتين أو الأحكام المرتبطة بها التي تتناول العنف والتحرش في مكان العمل في البرازيل وكندا وشيلي وكولومبيا والإكوادور وفرنسا وبيرو وإسبانيا. وقد أسهمت تطورات تشريعية أحدث في زيادة إدماج العنف والتحرش في قانون السلامة والصحة المهنيتين، كقانون السلامة والصحة المهنيتين الذي اعتُمد في ليسوتو في عام 2024. وفي بلدان أخرى، تعتمد الوقاية على مقاربات مركبة تتفاعل فيها أحكام السلامة والصحة المهنيتين مع تشريعات العمل والمساواة لدعم تقييم المخاطر والإجراءات الوقائية.

وفي حين تعتمد المقاربات الموصوفة أعلاه على تشريعات ملزمة للسلامة والصحة المهنيتين لمعالجة المخاطر النفسية الاجتماعية، بما فيها العنف والتحرش، فقد اعتمدت بعض البلدان أسلوباً تنظيمياً مختلفاً. ففي هذه الحالات، اختارت السلطات إصدار قواعد مرنة غير ملزمة، أو معايير طوعية، أو صكوك أخرى غير ملزمة قانوناً، إما لتكميل اللوائح الملزمة التي تتناول المخاطر النفسية الاجتماعية، أو بوصفها الوسيلة الرئيسية لمعالجتها. وعادةً ما تتخذ هذه الصكوك شكل معايير إدارية، أو مدونات ممارسات، أو مبادئ توجيهية تدعم تطبيق المبادئ العامة للسلامة والصحة المهنيتين على المخاطر النفسية الاجتماعية. وقد نُفذت تدابير من هذا النوع على سبيل المثال في النمسا وكندا وأستراليا (ولاية كوينزلاند) والمملكة المتحدة.

المخاطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالعمل عن بُعد والرقمنة: أمثلة على المقاربات التنظيمية

دفع التحول الرقمي واتساع العمل عن بُعد عدة بلدان إلى إدخال أحكام قانونية تتناول المخاطر النفسية الاجتماعية المرتبطة بالأشكال الجديدة لتنظيم العمل. ففي بعض الولايات القضائية، تُدمج الاعتبارات النفسية الاجتماعية في لوائح العمل عن بُعد، بما في ذلك تدابير تتعلق بحدود وقت العمل والإتاحة الدائمة وتنظيم العمل. ومن الأمثلة على ذلك لوائح العمل عن بُعد أو تشريعاته في الأرجنتين، التي تتناول الانفصال عن العمل والوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية، وفي شيلي، التي تقتضي إجراء تقييمات للمخاطر مكيفة مع العمل عن بُعد، وفي البرتغال، التي يتضمن إطارها تدابير لمنع تكثيف العمل والعزلة والتواصل المفرط خارج ساعات العمل.

واعترافاً بالمخاطر المرتبطة بالعبء الرقمي الزائد، أدخل عدد من البلدان مقاربات قانونية أو تنظيمية يُشار إليها عادةً بـ"الحق في الانفصال". ففي أستراليا مثلاً، يحق للعمال رفض التواصل غير المعقول خارج ساعات العمل. وتقتضي الإصلاحات الأخيرة في بلجيكا من المنشآت وضع سياسات للانفصال الرقمي، في حين يتعين على الشركات في فرنسا التفاوض بشأن آليات الانفصال. ويكرّس التشريع الإسباني حقاً عاماً في الانفصال، ويقتضي اعتماد سياسات داخلية تهدف إلى منع الإرهاق وتآكل الحدود بين العمل والحياة.

وبدأت لوائح العمل عن بُعد كذلك تتقاطع مع المخاوف المتعلقة بالعنف والتحرش، بما فيها العنف المنزلي، لأن ترتيبات العمل عن بُعد قد تؤثر في التعرض للمخاطر وفي إمكانية الوصول إلى الدعم، بما لذلك من آثار على سلامة العمال وصحتهم. فعلى سبيل المثال، يتضمن معيار العمل عن بُعد في المكسيك صراحةً آليات حماية خاصة تتعلق بالعنف المنزلي.

وتتناول بعض أطر السلامة والصحة المهنيتين الآثار النفسية الاجتماعية للأدوات الرقمية والإدارة الخوارزمية على نطاق أوسع. ففي فنلندا، تقيّم قائمة التحقق الخاصة بالهندسة البشرية المعرفية الإجهاد المعرفي المرتبط باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، في حين يتضمن نظام فحص الإجهاد في اليابان جوانب تتعلق بعبء العمل الذهني ووتيرة العمل. وفي سياق العمل عبر المنصات، تقتضي إيطاليا الشفافية بشأن نظم اتخاذ القرارات المؤتمتة، وتلزم بإجراء تقييمات للمخاطر تشمل الضوابط الخوارزمية وتكثيف العمل، في حين تقتضي إسبانيا الإفصاح عن الخوارزميات التي تؤثر في ظروف العمل، وتعزز مسؤوليات السلامة والصحة المهنيتين في ما يتعلق بالمخاطر التنظيمية والنفسية الاجتماعية.

وبوجه عام، تعكس هذه التطورات اعترافاً متنامياً بأن الرقمنة والأشكال الجديدة لتنظيم العمل تشكّل بيئة العمل النفسية الاجتماعية، وتتطلب مقاربات وقائية مكيفة وموجهة نحو العمليات. وتتفاوت الاستجابات التنظيمية بين البلدان، مما يبرز أهمية الحلول المراعية للسياق، وأهمية المراجعة والتعديل المنتظمين للتدابير مع استمرار تطور تنظيم العمل والتقنيات والمخاطر.

وتتصل مجالات أخرى من تشريعات العمل والاستخدام كذلك ببيئة العمل النفسية الاجتماعية، ومنها اللوائح المتعلقة بوقت العمل وفترات الراحة والعمل بنظام المناوبات، وحماية الاستخدام، ومكافحة التمييز والمساواة. غير أن هذه المجالات لا تُستعرض هنا بصورة محددة، لأنها تخرج عن نطاق هذا الفصل الذي يركز على تشريعات السلامة والصحة المهنيتين.

وتُعد آليات المراقبة والرصد مكمّلاً أساسياً لواجبات الوقاية في مجال السلامة والصحة المهنيتين، إذ تضمن تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية والسيطرة عليها بمرور الوقت. وتساعد متطلبات الرصد على إدماج التقييم المستمر في نظم إدارة السلامة والصحة المهنيتين، بما يعزز التطبيق العملي للمتطلبات القانونية. وقد تُدمج آليات رصد مصادر الخطر والمخاطر النفسية الاجتماعية ضمن الأطر العامة لتقييم مخاطر السلامة والصحة المهنيتين، كما في إسبانيا وألمانيا وإستونيا، أو تُنشأ من خلال لوائح مخصصة للمخاطر النفسية الاجتماعية، كما في بلجيكا وكولومبيا. يضاف إلى ذلك أن عدة نظم للسلامة والصحة المهنيتين تتضمن آليات للمراقبة الصحية تشمل نتائج التعرض للمخاطر النفسية الاجتماعية. فبعض البلدان تدمج العوامل النفسية الاجتماعية في أطر أوسع للمراقبة الصحية المهنية، تقتضي إجراء رصد صحي دوري أو فحص عند وجود ضواغط في مكان العمل. ففي اليابان مثلاً، يلزم قانون السلامة والصحة الصناعيتين بإجراء فحوص سنوية للإجهاد في أماكن العمل التي تضم خمسين عاملاً أو أكثر، رابطاً نتائج الفحص الفردي بتدابير الحد من المخاطر في مكان العمل. وتطبق جمهورية كوريا نهجاً مماثلاً، إذ تدمج مؤشرات الإجهاد الوظيفي في الفحوص الصحية الدورية للعمال وإجراءات المتابعة بموجب قانون السلامة والصحة المهنيتين. وفي إيطاليا، تنص تشريعات السلامة والصحة المهنيتين على المراقبة الطبية حيث قد تشكّل مصادر الخطر المرتبطة بالعمل مخاطر على صحة العمال، مما يتيح لأطباء الصحة المهنية رصد الآثار الصحية المرتبطة بالإجهاد في العمل وعبء العمل الذهني حين يكون لذلك أهمية سريرية. وتساعد آليات المراقبة هذه على الكشف عن العلامات المبكرة للضرر، وتوجيه الإجراءات الوقائية المستهدفة، وتكميل واجبات التقييم التنظيمي للمخاطر.

كما تُعد آليات التظلم والشكاوى الفعالة أساسية لتمكين العمال من الإبلاغ عن المخاطر النفسية الاجتماعية، والشروع عند الاقتضاء في إجراءات رسمية للحصول على الدعم الملائم والإجراءات التصحيحية. وتعتمد معظم البلدان على إجراءات الشكاوى العامة في مجال السلامة والصحة المهنيتين، غير أن هذه النظم صُممت أساساً لمصادر الخطر المادية، وقد يصعب تطبيقها على المخاطر النفسية الاجتماعية، التي كثيراً ما تتطور بصورة تراكمية ودون أن تترك آثاراً ظاهرة.

وقد يشكّل عبء الإثبات تحدياً خاصاً. إذ تُظهر التحليلات القانونية المقارنة أنه في النظم التي يتعين فيها على العمال إثبات الضرر الذي لحق بهم وإثبات وجود علاقة سببية مباشرة بينه وبين الظروف التنظيمية، نادراً ما تكون المخاطر النفسية الاجتماعية موضوعاً لشكاوى رسمية، حتى حين يكون التعرض لها واسع الانتشار.

وفي ضوء هذه التعقيدات، تتفاوت مقاربات متطلبات الإثبات في الشكاوى المتعلقة بالمخاطر النفسية الاجتماعية بين الولايات القضائية. ففي فرنسا، أدخل الاجتهاد القضائي المتعلق بالتحرش في مكان العمل توزيعاً معدلاً لعبء الإثبات؛ فبمجرد أن يقدم العمال عناصر واقعية توحي بوجود تحرش أو ضرر نفسي اجتماعي، يتعين على أصحاب العمل إثبات أن السلوك المعني لم يكن ضاراً، أو أنهم اتخذوا تدابير وقائية ملائمة، وفقاً للالتزام العام بحماية سلامة العمال وصحتهم. وفي بعض الولايات القضائية الأسترالية، يتيح الإنفاذ الوقائي بموجب تشريعات السلامة والصحة المهنيتين لمفتشي العمل التدخل استناداً إلى اعتقاد معقول بوجود خطر على السلامة والصحة، بما في ذلك المخاطر النفسية الاجتماعية، دون الحاجة إلى إثبات وقوع الضرر فعلاً. وينطبق هذا النهج بصورة خاصة على إشعارات التحسين وغيرها من الأدوات التنظيمية القائمة على المخاطر، لا على الملاحقة الجنائية. وفي بلدان أخرى، يرتبط فحص الشكاوى المتعلقة بالمخاطر النفسية الاجتماعية ارتباطاً وثيقاً بامتثال أصحاب العمل لمتطلبات الوقاية الموثقة، دون قلب رسمي لعبء الإثبات. ففي بلجيكا، تنص التشريعات المتعلقة بالمخاطر النفسية الاجتماعية على إجراءات تدخل داخلية وخارجية مخصصة، تُقيّم الشكاوى بموجبها في ضوء الأدلة على تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية والتدابير الوقائية أو التصحيحية المنفذة. وعلى نحو مماثل، تُفحص الشكاوى في كولومبيا وشيلي في ضوء التقييمات الإلزامية للمخاطر النفسية الاجتماعية، وأدوات القياس الموحدة، وخطط العمل التي تقتضيها اللوائح الملزمة، مما يجعل توثيق العمليات الوقائية أمراً محورياً في معالجة التظلمات.

ويتعلق بُعد مهم آخر من أبعاد الأطر القانونية للسلامة والصحة المهنيتين بالاعتراف بالاضطرابات المرتبطة بالعمل والناجمة عن المخاطر النفسية الاجتماعية والتعويض عنها. وتختلف البلدان اختلافاً كبيراً في طريقة تعريف الأمراض المهنية وتصنيفها، لكن عدداً متزايداً منها بدأ يدرج الحالات النفسية والمرتبطة بالإجهاد، إما من خلال إدراجها صراحةً في جداول الأمراض المهنية، أو من خلال آليات تتيح الاعتراف بها على أساس كل حالة على حدة.

وفي مختلف المناطق، تُعد الاضطرابات الناجمة عن الأحداث الصادمة، وأكثرها شيوعاً اضطراب ما بعد الصدمة، من أقدم الحالات وأوسعها اعترافاً. ويعكس ذلك أن اضطراب ما بعد الصدمة يرتبط عادةً بحوادث يمكن تحديدها بوضوح، كالعنف أو الحوادث الخطيرة أو غيرها من الأحداث الصادمة في العمل، وهي حوادث تميل إلى استيفاء متطلبات الإثبات بسهولة أكبر من الحالات الناشئة عن التعرض المطوّل للضواغط التنظيمية.

وإلى جانب اضطراب ما بعد الصدمة، تعترف بعض الولايات القضائية صراحةً بحالات صحية نفسية أخرى ضمن أطرها للأمراض المهنية. ومن الأمثلة على ذلك إيطاليا، التي تعترف باضطرابات التكيف المزمنة كالقلق والاكتئاب إضافة إلى اضطراب ما بعد الصدمة؛ وليتوانيا، التي تدرج الأمراض المهنية الناجمة عن الإجهاد؛ ومملكة هولندا، التي تعترف بالاضطرابات المرتبطة بالإجهاد كالاحتراق النفسي والاكتئاب المرتبط بالوظيفة؛ وشيلي، التي تدرج العصاب المسبب للعجز وغيره من الاضطرابات النفسية المرتبطة بالإجهاد. وفي بعض البلدان، يُعترف صراحةً أيضاً باضطرابات الصحة النفسية الناشئة عن العنف والتحرش في العمل. ففي البرتغال مثلاً، تكون الأضرار الناجمة عن الأمراض المهنية الناشئة عن التحرش قابلة للتعويض، في حين يدرج تعريف الأمراض المهنية في جمهورية كوريا المرضَ الناجم عن الضيق النفسي المرتبط بالعمل بسبب التحرش في مكان العمل.

وفي عدد محدود من النظم، يمتد الاعتراف القانوني إلى ما هو أبعد من الاضطرابات النفسية ليشمل نتائج بدنية خطيرة مرتبطة بالتعرض النفسي الاجتماعي المطوّل. ففي اليابان مثلاً، يشمل إطار الأمراض المهنية والتعويض عنها أمراض القلب والأوعية الدموية المرتبطة بالإفراط في العمل، كالسكتات الدماغية والنوبات القلبية المرتبطة بساعات العمل المفرطة.

وإلى جانب هذه الأشكال من الاعتراف القانوني الصريح، تعتمد ولايات قضائية كثيرة على الاعتراف على أساس كل حالة على حدة بالنتائج الصحية الناشئة عن التعرض للمخاطر النفسية الاجتماعية في العمل. وفي هذه النظم، قد يُمنح التعويض حين تُظهر الأدلة الطبية والمهنية أن الاضطراب ناجم أساساً أو في المقام الأول عن العمل. فعلى سبيل المثال، ومع وجود بعض التفاوت بين الولايات القضائية داخل أستراليا، تُقبل المطالبات عموماً بشأن الإصابة النفسية المشخصة طبياً حين يكون الاستخدام هو العامل المساهم الرئيسي، وحين لا تكون الإصابة ناجمة عن إجراء إداري معقول؛ وتعترف مقاطعات كندية كثيرة بالاضطرابات النفسية المرتبطة بالعمل حين يكون العمل هو السبب الغالب؛ وتتيح البرازيل والأرجنتين الاعتراف بالاضطرابات المرتبطة بالإجهاد، بما فيها الاحتراق النفسي أو الاكتئاب التفاعلي، على أساس كل حالة على حدة حين يمكن إثبات منشئها المرتبط بالعمل.

وأخيراً، تطبق بلدان كثيرة نظماً مفتوحة أو مختلطة تجمع بين الاعتراف الصريح بحالات معينة وبنود مفتوحة تتيح من حيث المبدأ الاعتراف بالاضطرابات، سواء كانت مدرجة أم لا، شريطة أن يتمكن العامل من إثبات وجود علاقة سببية مباشرة وجوهرية بالعمل. ومع أن هذه النظم توفر نظرياً تغطية واسعة، فإن التحليلات المقارنة تشير إلى أن عتبات الإثبات التي تفرضها كثيراً ما يصعب استيفاؤها في حالة الاضطرابات النفسية والمرتبطة بالإجهاد متعددة العوامل، لأن الاعتراف يتطلب عادةً إثبات التشخيص الطبي ومنشئه المهني معاً.

وللتخفيف من هذه التحديات، تكمّل بعض البلدان النظم القائمة على دراسة كل حالة على حدة أو النظم المفتوحة بمعايير إدارية أو تنظيمية مفصلة. فتتيح فرنسا الاعتراف بالاضطرابات غير المدرجة كالاكتئاب أو القلق حين تقرر لجان متخصصة أن العمل كان السبب "المباشر والجوهري". وتطبق اليابان معايير وزارية تربط ساعات العمل الطويلة أو عبء العمل الثقيل أو الأحداث التي يُحتمل أن تكون صادمة بالاضطرابات النفسية، كما يُعتمد على قواعد إدارية لتوجيه الاعتراف بالاضطرابات المرتبطة بالإنهاك أو الناجمة عن الإجهاد. وتوفر هذه المعايير مسارات أوضح للاعتراف بالحالات الناشئة عن التعرض المطوّل للمخاطر النفسية الاجتماعية، وتساعد على الحد من عدم اليقين في مسائل الإثبات.

الاعتراف بالانتحار المرتبط بالعمل في الأطر القانونية وأطر التعويض: بعض الأمثلة

بدأت الأطر القانونية أو أطر التعويض في بعض البلدان تعترف بالانتحار أو محاولة الانتحار بوصفهما مرتبطين بالعمل في ظل شروط محددة، وعادةً ما يكون ذلك حين تثبت صلة بالضيق النفسي المرتبط بالعمل أو الإفراط في العمل أو مصادر خطر نفسية اجتماعية جسيمة.

ففي اليابان، يمكن الاعتراف بالانتحار ضمن نظام تعويض العمال حين يرتبط سببياً باضطرابات نفسية مرتبطة بالعمل أو بساعات عمل مفرطة، استناداً إلى معايير إدارية مفصلة تُطبق على أساس كل حالة على حدة. وفي فرنسا، حمّلت المحاكم في عدة قضايا أصحاب العمل المسؤولية حين كان الانتحار أو محاولة الانتحار مرتبطين بمخاطر نفسية اجتماعية جسيمة كان من الممكن توقعها ولم يُتخذ ما يكفي لمنعها، بما في ذلك استناداً إلى مفهوم الخطأ الجسيم. وفي أستراليا، تقتضي الإصلاحات الأخيرة لأطر الإخطار في مجال السلامة والصحة المهنيتين الإبلاغ عن حالات الانتحار ومحاولات الانتحار وبعض الحوادث النفسية الخطيرة، مما يعزز الرقابة الوقائية والاستجابة التنظيمية.

الحوار الاجتماعي والاتفاقات الجماعية

يؤدي الحوار الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل المقاربات الوطنية لبيئة العمل النفسية الاجتماعية. ويشمل الحوار الاجتماعي جميع أنواع التفاوض والتشاور وتبادل المعلومات بين ممثلي الحكومات وأصحاب العمل والعمال بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية. وتُظهر الأدلة أن سياسات السلامة والصحة المهنيتين ولوائحهما تميل إلى أن تكون أكثر فعالية حين تشارك منظمات أصحاب العمل والعمال في وضعها ورصدها وتنفيذها، لأن المشاركة تعزز المشروعية، وتحسّن الامتثال، وتيسّر التكيف مع الواقع القطاعي والمؤسسي. وفي مجال المخاطر النفسية الاجتماعية تحديداً، تُعد معارف العمال وأصحاب العمل وخبراتهم أساسية لتحديد السمات التنظيمية، وفهم الأنماط القطاعية للمخاطر، وتصميم استجابات تعكس عمليات العمل الفعلية. ومن ثم توفر آليات الحوار الاجتماعي، سواء عبر الهيئات الثلاثية الوطنية، أو اللجان الثنائية، أو المنصات القطاعية، أو الهياكل على مستوى مكان العمل، أساساً مهماً لإدماج الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية في نظم السلامة والصحة المهنيتين.

وتختلف المقاربات بين البلدان في ما يتعلق بالأدوار المنوطة بكل من التشريع والمفاوضة الجماعية. ففي بعض السياقات، فضّلت النقابات إبقاء الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية راسخة في تشريعات ملزمة للسلامة والصحة المهنيتين، لضمان التغطية الشاملة وتجنب إخضاع الحمايات الأساسية للتفاوض. وتُستخدم المفاوضة الجماعية حينئذ لوضع أحكام خاصة بالقطاعات أو المنشآت تُفعّل المتطلبات القانونية لا أن تحل محلها. ويساعد هذا التقسيم للأدوار على صون المعايير الدنيا، مع إتاحة المجال لحلول تفاوضية تعكس الفروق بين القطاعات والمهن وأساليب تنظيم العمل.

ومع ذلك، يمكن للمفاوضة الجماعية والاتفاقات القطاعية أن تؤدي دوراً مهماً في ترجمة الأولويات المشتركة إلى تدابير ملموسة. وكثيراً ما تكون الاتفاقات على المستوى القطاعي ذات أهمية خاصة، لأن المخاطر النفسية الاجتماعية تتبع في الغالب أنماطاً قطاعية ترتبط بتنظيم العمل، أو التعرض للمتطلبات العاطفية، أو ترتيبات وقت العمل. وفي بلدان كثيرة، تكمّل الاتفاقات الجماعية التشريعات بتحديد إجراءات تعيين المخاطر النفسية الاجتماعية، وتعريف مؤشرات الإجهاد أو اختلال عبء العمل، وإنشاء آليات للتشاور، ورسم إجراءات وقائية مكيفة مع السياقات القطاعية. وعلى مستوى المنشأة، توفر اتفاقات مكان العمل وآليات التعاون مرونة وقدرة على التكيف مع الظروف التنظيمية الخاصة، وإن كانت فعاليتها قد تتوقف على وجود تمثيل للعمال، وقدرات تنظيمية، وآليات للإنفاذ. وإجمالاً، تنطوي المقاربات التفاوضية على مختلف المستويات على مزايا، كالملاءمة للسياق وتعزيز الشعور بالملكية، وعلى قيود، منها تفاوت التغطية وتباين التنفيذ.

المفاوضة الجماعية بشأن المخاطر النفسية الاجتماعية والقضايا المتصلة بها

يشير تحليل مستودع منظمة العمل الدولية للحوار الاجتماعي العابر للحدود إلى أن 18% فقط من المبادرات العابرة للحدود البالغ عددها 338 مبادرة، والمسجلة بين عامي 2000 و2025، تدرج صراحةً قضايا تتعلق بالصحة النفسية أو العوامل النفسية الاجتماعية ضمن الأحكام المتعلقة بالسلامة والصحة المهنيتين، أي 61 اتفاقاً في المجموع. وتبرز هذه الحصة المحدودة أنه على الرغم من الاهتمام السياساتي المتزايد بالمخاطر النفسية الاجتماعية، لا يزال إدماجها في أطر السلامة والصحة المهنيتين المتفاوض عليها عبر الحدود جزئياً ومتفاوتاً.

وتتخذ معظم هذه المبادرات شكل اتفاقات جماعية، وإن كانت الصكوك غير الملزمة، كالإعلانات المشتركة والمواثيق ومذكرات التفاهم، ممثلة أيضاً. وقد أُبرمت الغالبية العظمى منها بعد عام 2010، مع نمو قوي بصورة خاصة منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وتشير النصوص الأحدث بصورة متزايدة إلى الإجهاد المرتبط بالعمل، والصحة النفسية والرفاه، والتحرش، والتوازن بين العمل والحياة، والرقمنة، والعمل عن بُعد، بما يعكس التطورات الأوسع في الخطاب الدولي والإقليمي المتعلق بالسلامة والصحة المهنيتين.

وتتفاوت الاتفاقات من حيث المدة والنهج التنظيمي، إذ تتراوح بين ترتيبات محددة المدة تتواءم مع دورات المفاوضة، وأطر مفتوحة المدة ذات إجراءات مراجعة محددة، مما يوحي بتنوع الاستراتيجيات المؤسسية في معالجة المخاطر النفسية الاجتماعية.

وإلى جانب المفاوضة الجماعية، أسهمت أشكال أخرى من الحوار الاجتماعي في الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية. فقد أدت الآراء الاستشارية والتوصيات الصادرة عن المجالس الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، والأطر المشتركة التي وضعها الشركاء الاجتماعيون، والمبادرات التعاونية كالمسوح المشتركة والمشاريع التجريبية والمواد الإرشادية وحملات التوعية، دوراً مهماً في تشكيل النقاشات السياساتية ودعم التنفيذ. ويمكن لهذه الصكوك أن تؤثر في التشريعات، وتسترشد بها ممارسات الإنفاذ، وتعزز الفهم المشترك، حتى حين لا تكون ملزمة قانوناً.

وفي أوروبا، كان الشركاء الاجتماعيون نشطين بصورة خاصة في تشكيل الاستجابات للمخاطر النفسية الاجتماعية من خلال طائفة من آليات الحوار الاجتماعي. فقد حفز الاتفاق الإطاري الأوروبي بشأن الإجهاد المرتبط بالعمل لعام 2004 الانخراط الوطني والقطاعي، ليس من خلال المفاوضة الجماعية فحسب، بل أيضاً من خلال المبادئ التوجيهية المشتركة والتوصيات وأنشطة التوعية والمبادرات ذات التوجه السياساتي، وأثّر في التطورات التشريعية في عدة بلدان، منها بلجيكا وتشيكيا وهنغاريا وإيطاليا ولاتفيا وليتوانيا والبرتغال وسلوفاكيا. وفي بلجيكا، جمع الحوار الاجتماعي الثنائي على المستوى الوطني بين الاتفاقات المشتركة بين المهن والتوصيات غير الملزمة والمبادرات التجريبية بشأن المخاطر النفسية الاجتماعية والاحتراق النفسي، وقد استرشدت بها ممارسات أماكن العمل ودعمت التطورات التنظيمية والسياساتية اللاحقة. وفي فرنسا، يحدد الاتفاق المشترك بين القطاعات بشأن الإجهاد المرتبط بالعمل أهدافاً مشتركة لرفع الوعي، وتحديد عوامل الإجهاد، وتعزيز التدابير الرامية إلى منع الإجهاد المرتبط بالعمل أو الحد منه أو إدارته. وللدنمارك تقليد راسخ في المبادرات المشتركة، يشمل اتفاقات القطاع العام، والإرشادات القطاعية، والأدوات الثلاثية التي تلزم هيئات التعاون في أماكن العمل بوضع تدابير للوقاية من الإجهاد تكمّل تشريعات السلامة والصحة المهنيتين. وفي رومانيا، نُفذ الاتفاق الأوروبي مباشرة من خلال المفاوضة الجماعية الوطنية، في حين أُدمجت الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية في بلدان مثل مملكة هولندا وهنغاريا وإسبانيا ضمن أطر أوسع مشتركة بين القطاعات أو قطاعية، تجمع بين الاتفاقات والإرشادات المشتركة والأدوات الخاصة بالقطاعات، بما في ذلك في الزراعة ومراكز الاتصال والخدمات الاجتماعية والضيافة والقطاع العام.

وخارج أوروبا، تطور الحوار الاجتماعي بشأن المخاطر النفسية الاجتماعية على نحو أكثر تفاوتاً، غير أن أمثلة عدة توضح كيف يمكن للمفاوضة الجماعية والتعاون الثلاثي والمبادرات المشتركة أن تكمّل التشريعات والسياسات العامة. ففي أستراليا، عملت النقابات ومنظمات أصحاب العمل من خلال الهياكل الثلاثية التابعة لهيئة السلامة في العمل الأسترالية وسلطات الولايات على وضع مدونات ممارسات نموذجية بشأن إدارة مصادر الخطر النفسية الاجتماعية، يُشار إليها عادةً في الاتفاقات القطاعية واتفاقات المنشآت التي تتناول عبء العمل، وجداول المناوبات، والتنمر، والتغيير المؤسسي، والتشاور، وتسوية النزاعات. وفي كندا، ولا سيما في الخدمة العامة الاتحادية، جمع الحوار الاجتماعي بين الاتفاقات الجماعية والمبادرات المشتركة لتنفيذ المعيار الوطني للصحة والسلامة النفسيتين في مكان العمل لعام 2013، وشمل ذلك إنشاء لجان مشتركة للصحة النفسية، وترتيبات مشتركة للرصد، وأدوات تعاونية تتناول التغيير المؤسسي وإدارة عبء العمل. وفي شيلي، تتضمن الاتفاقات الإطارية الأخيرة في الإدارة العامة المركزية مسار عمل مخصصاً للصحة النفسية والرفاه النفسي الاجتماعي، مع التزامات مشتركة بتعزيز التدابير الوقائية وتحسين ظروف العمل التي تمس الموظفين العموميين. وفي جنوب أفريقيا، تفاوضت مجالس المفاوضة في قطاع الصحة على إتاحة الإرشاد النفسي وجلسات استخلاص المعلومات والدعم النفسي الاجتماعي للعمال المعرضين لأحداث صادمة.

تعزيز الامتثال والتوعية

يُعد تعزيز الامتثال، بما في ذلك من خلال الدعم الموجه والتوعية، إلى جانب الإنفاذ الفعال من جانب الجهات التنظيمية، أمراً أساسياً لضمان أن تُترجم الأحكام القانونية المتعلقة بالمخاطر النفسية الاجتماعية إلى بيئات عمل أكثر أماناً وصحة. ويجري السعي إلى ذلك عادةً من خلال مزيج تنظيمي متوازن يقترن فيه الإنفاذ بالتثقيف والإرشاد وبناء القدرات. وتعكس هذه المقاربات النظرية التنظيمية المعاصرة، بما فيها التنظيم المستجيب والإنفاذ الاستراتيجي، اللذان يؤكدان على الجمع بين الردع ودعم الامتثال بدلاً من الاعتماد على الجزاءات وحدها.

وتؤدي مفتشيات العمل دوراً محورياً في هذا الإطار. ففي مختلف الولايات القضائية، تجمع نظم التفتيش عادةً بين أنشطة وقائية استباقية، كالحملات الموجهة والزيارات الوقائية والبرامج القطاعية وعمليات التفتيش المواضيعية، ووظائف إنفاذ تفاعلية، منها الاستجابة للشكاوى وإخطارات الحوادث والأضرار المبلغ عنها. ويكتسب هذا الدور المزدوج أهمية خاصة في ما يخص مصادر الخطر النفسية الاجتماعية، التي تتطلب الانخراط الاستباقي مع المخاطر التنظيمية، والقدرة على التدخل حين لا يُوفى بالالتزامات القانونية، في آن واحد.

وفي الممارسة العملية، تُفعّل مفتشيات كثيرة هذا النهج بالجمع بين عمليات التحقق من الامتثال والتوجيه أثناء عمليات التفتيش في أماكن العمل. فقد يتحقق المفتشون من التقيد بالمتطلبات القانونية، ويوصون في الوقت نفسه بإدخال تحسينات، أو يقدمون أدوات، أو يوجهون المكلفين بالواجبات إلى الإرشادات ذات الصلة. ومن ثم يعمل التواصل التنظيمي في آن واحد آليةً للامتثال وتدخلاً لبناء القدرات، ولا سيما في ما يخص المخاطر التنظيمية الأقل وضوحاً والأكثر تعقيداً من مصادر الخطر المادية التقليدية.

ويتطلب تحقيق التوازن بين المشورة ودعم التحسين والإنفاذ ممارسة المفتشين لتقديرهم المهني. وفي سياق المخاطر النفسية الاجتماعية، تكون هذه المهمة شاقة بصورة خاصة، لأنها تنطوي على تقييم تنظيم العمل، وتوزيع عبء العمل، والإشراف، وممارسات القيادة، والثقافة التنظيمية، فضلاً عن مسارات المخاطر التراكمية والمتفاعلة. ومن ثم تؤثر ممارسات المفتشيات في ما إذا كانت مصادر الخطر النفسية الاجتماعية تُعامل بوصفها شواغل تنظيمية جوهرية إلى جانب المخاطر المادية، إذ تشير الأدلة إلى أن ضعف الإشارات التنظيمية قد يقوّض الردع والامتثال.

وتتفاقم هذه التحديات بفعل حجم المخاطر النفسية الاجتماعية وانتشارها الواسع، إذ تنشأ في جميع القطاعات والمؤسسات بمختلف أحجامها، مما يفرض ضغطاً مستمراً على نظم التفتيش محدودة الموارد. وقد عزز ذلك أهمية تحديد الأولويات الاستراتيجي، والاستهداف القائم على الأدلة، والمقاربات التنظيمية المكمّلة، بما فيها الإرشاد، والتعهدات القابلة للإنفاذ، وغيرها من الآليات الملائمة لمعالجة المصادر المنظومية والتنظيمية للمخاطر.

وتؤكد البحوث أن أساليب التفتيش التقليدية تحتاج إلى تكييف لمعالجة المخاطر النفسية الاجتماعية. فالدراسات الأوروبية تُظهر أن تفتيش العمل يمكن أن يحفز تحسينات في إدارة المخاطر النفسية الاجتماعية، لكن المفتشين يحتاجون إلى تدريب محدد، وأدوات تشخيصية، ووقت كافٍ لمعالجة مشكلات تنظيم العمل بفعالية. واستجابة لذلك، طورت مفتشيات عدة مبادرات موجهة وأدوات متخصصة لتعزيز القدرة التنظيمية في هذا المجال.

ففي أوروبا، أدت المبادرات المنسقة في إطار لجنة كبار مفتشي العمل دوراً مهماً في تشكيل المقاربات الوطنية. إذ دعمت الحملات المشتركة تطوير مفاهيم وأدوات ومنهجيات مشتركة لتقييم الإجهاد المرتبط بالعمل والعوامل التنظيمية، بما في ذلك الدليل الخاص بتقييم جودة تقييمات المخاطر وتدابير إدارتها في ما يتعلق بالوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية. وقد بنت عدة بلدان على هذا العمل ضمن نظمها الوطنية؛ ففي الدنمارك، طورت هيئة بيئة العمل أدوات تفتيش مخصصة وحملات مواضيعية تتناول الإجهاد وعبء العمل والسلوكيات المسيئة. وأدمجت السويد بالمثل المخاطر النفسية الاجتماعية في تفتيش العمل من خلال مراجعات موجهة لعبء العمل وترتيبات وقت العمل والإيذاء، ترتبط بالأحكام المتعلقة ببيئة العمل التنظيمية والاجتماعية. وفي إسبانيا، توضح المعايير الفنية لمفتشية العمل التوقعات المتعلقة بتقييم المخاطر النفسية الاجتماعية والوقاية منها أثناء التفتيش، في حين تقدم مفتشية العمل في إستونيا إرشادات عامة مفصلة بشأن المخاطر التنظيمية والنفسية الاجتماعية.

وخارج أوروبا، طورت مفتشيات عدة أيضاً مقاربات محددة للوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية. ففي أستراليا، وسّعت الإصلاحات الأخيرة للإطار النموذجي للصحة والسلامة في العمل متطلبات الإخطار بالحوادث لتشمل الأضرار النفسية الجسيمة ونتائج المخاطر النفسية الاجتماعية، بما يشير إلى تزايد الاهتمام التنظيمي بالصحة النفسية المرتبطة بالعمل. وفي كندا، تزود عدة جهات تنظيمية على مستوى المقاطعات المفتشين بإرشادات وقوائم تحقق منظمة بشأن مصادر الخطر النفسية الاجتماعية، بما فيها الإجهاد المرتبط بالعمل وإدارة عبء العمل. وفي شيلي، يُرصد الامتثال لأداة تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية المعتمدة وطنياً، الإلزامية للمؤسسات التي تضم عشرة عمال أو أكثر والسارية منذ كانون الثاني/يناير 2023، من خلال النظام الوطني لمراقبة المخاطر النفسية الاجتماعية الذي تشرف عليه هيئة الإشراف على الضمان الاجتماعي ومديرية العمل. وفي البرازيل، أُدرجت عوامل الخطر النفسية الاجتماعية مؤخراً في متطلبات المعيار التنظيمي الأول المتعلق بلوائح السلامة والصحة المهنيتين، وسيُطبق ذلك تدريجياً من خلال فترة تثقيفية أولية مدعومة بمواد إرشادية ورصد ثلاثي، على أن يبدأ تفتيش العمل في تقييم الامتثال اعتباراً من أواخر أيار/مايو 2026، بعد فترة تكيف لأماكن العمل. وفي اليابان وجمهورية كوريا، تشمل عمليات تفتيش العمل فحص سجلات وقت العمل وحدود العمل الإضافي في إطار الجهود الرامية إلى الوقاية من الاضطرابات المرتبطة بالإفراط في العمل. وفي كينيا والأردن ولبنان، عززت المفتشيات قدرتها على معالجة المخاطر النفسية الاجتماعية من خلال تدريب مدعوم من منظمة العمل الدولية، مما مكّن المفتشين من إدماج الاعتبارات التنظيمية والنفسية الاجتماعية في عمليات التفتيش الروتينية للسلامة والصحة المهنيتين.

وإلى جانب أنشطة التفتيش، يؤدي تطوير المعايير الطوعية والأدوات الإرشادية دوراً مهماً في تعزيز الامتثال ودعم أصحاب العمل والعمال في تحديد المخاطر النفسية الاجتماعية وإدارتها. ففي مختلف المناطق، أصدرت هيئات السلامة والصحة المهنيتين، بالتعاون مع الشركاء الاجتماعيين، إرشادات عامة وقطاعية، وقوائم تحقق، ومجموعات أدوات تترجم المتطلبات القانونية إلى مقاربات عملية موجهة نحو الفعل. وتتراوح هذه الموارد بين إرشادات عامة بشأن تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية والاستراتيجيات الوقائية، ومواد تتناول قضايا محددة، فضلاً عن المخاطر الناشئة المرتبطة بالرقمنة والأشكال الجديدة للعمل وبيئات العمل المتغيرة. وتساعد هذه الأدوات الإرشادية أماكن العمل على تطبيق تدابير وقائية مكيفة مع مختلف القطاعات وأشكال العمل المتنوعة والتحديات المتطورة. كما طُورت أدوات موجهة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، تساعد على معالجة العوائق العملية المتعلقة بالوعي والقدرات والموارد.

المعايير الطوعية بشأن المخاطر النفسية الاجتماعية

تُستخدم المعايير الطوعية والصكوك الإرشادية بصورة متزايدة لدعم تنفيذ تشريعات السلامة والصحة المهنيتين المتعلقة بالمخاطر النفسية الاجتماعية. ومع أنها غير ملزمة، فإنها توفر أساليب منظمة لتحديد مصادر الخطر النفسية الاجتماعية وتقييمها وإدارتها، وتساعد المؤسسات على تفعيل الواجبات القانونية العامة ضمن نظم إدارة السلامة والصحة المهنيتين القائمة.

وعلى المستوى الدولي، يقدم المعيار ISO 45003:2021 إرشادات بشأن إدارة المخاطر النفسية الاجتماعية ضمن نظم إدارة السلامة والصحة المهنيتين، مع التركيز على العوامل التنظيمية ومشاركة العمال والتحسين المستمر. وتؤدي صكوك إقليمية ووطنية عدة دوراً مماثلاً. ففي أوروبا، جرى تعزيز مفاهيم ومقاربات مشتركة من خلال مبادرات مثل الإطار الأوروبي لإدارة المخاطر النفسية الاجتماعية، الذي استُرشد به في وضع المواصفة PAS 1010:2011 في المملكة المتحدة. وتوفر معايير الإدارة الخاصة بالإجهاد المرتبط بالعمل في المملكة المتحدة، الصادرة عن هيئة الصحة والسلامة، أدوات عملية لتقييم الضواغط التنظيمية الرئيسية ومعالجتها. وفي كندا، كان المعيار الوطني الكندي للصحة والسلامة النفسيتين في مكان العمل، الذي صدر في عام 2013، أول معيار وطني قابل للتدقيق مخصص لهذه المسألة. واعتمدت بلدان أخرى مقاربات قائمة على الإرشاد، كالإرشادات الوطنية بشأن السلامة والصحة النفسيتين المرتبطتين بالعمل في أستراليا، فضلاً عن أدوات قطاعية تتناول الإرهاق والتنمر والعنف في مكان العمل.

وتشير البحوث إلى أن المعايير والإرشادات الطوعية يمكن أن تعزز القدرة الوقائية وتدعم مقاربات مؤسسية أكثر اتساقاً لإدارة المخاطر النفسية الاجتماعية، ولا سيما حين تُستخدم مع مشاركة حقيقية للعمال وتتواءم مع التوقعات التنظيمية. وفي الوقت ذاته، تشير البحوث إلى أن التركيز على الإجراءات والتوثيق الرسميين لا يكفي وحده لضمان إدارة فعالة للمخاطر النفسية الاجتماعية في الممارسة العملية. ولا تزال الأدلة المتعلقة بتنفيذ بعض المعايير وأثرها محدودة، مما يؤكد أهمية استخدام الصكوك الطوعية مكمّلاً للأطر التنظيمية الملزمة لا بديلاً عنها.

وتؤدي حملات التوعية دوراً مهماً في تحسين فهم المخاطر النفسية الاجتماعية وتشجيع الإجراءات الوقائية على مستوى مكان العمل. ففي مختلف المناطق، نفذت سلطات السلامة والصحة المهنيتين والشركاء الاجتماعيون حملات وطنية وقطاعية لإطلاع أصحاب العمل والعمال والجمهور العام على قضايا مثل الإجهاد المرتبط بالعمل، وعبء العمل، وتنظيم العمل، والصحة النفسية في العمل، والمخاطر النفسية الاجتماعية الناشئة. وتهدف هذه المبادرات عادةً إلى تعزيز التعرف المبكر على المخاطر، وتشجيع الحوار، وترسيخ ثقافة وقائية، وكثيراً ما تستخدم مزيجاً من المواد الإعلامية العامة، واستراتيجيات التواصل الموجهة، والتواصل المباشر مع أماكن العمل. وفي حالات كثيرة، تُعد الحملات من خلال تعاون ثلاثي أو ثنائي، مما يساعد على ضمان مصداقيتها وملاءمتها لمختلف الفئات المستهدفة. وكثيراً ما تستهدف فئات محددة، كالمديرين وممارسي السلامة والصحة المهنيتين وممثلي العمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتُنشر عبر قنوات متعددة، منها المواقع الإلكترونية المخصصة، والمواد الإرشادية، والفعاليات التدريبية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والموارد القطاعية، وأنشطة التواصل التي تنفذها المفتشيات.

وفي أوروبا، أدت الوكالة الأوروبية للسلامة والصحة في العمل دوراً محورياً في التوعية المنسقة من خلال حملات أماكن العمل الصحية، ومنها حملة الفترة 2014 إلى 2015 بشأن الإجهاد المرتبط بالعمل، مع الإعلان عن حملة مقبلة للفترة 2026 إلى 2028 تركز على المخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية في العمل. وقد كمّلت عدة بلدان هذه المبادرات بحملات وطنية؛ فعلى سبيل المثال، نفذت فرنسا حملات توعية وطنية متعددة السنوات بشأن المخاطر النفسية الاجتماعية، شاركت فيها سلطات العمل ومؤسسات الضمان الاجتماعي والشركاء الاجتماعيون، وجمعت بين أنشطة التواصل وأدوات أماكن العمل والتدريب. ونفذت بلجيكا مبادرات توعية مشتركة بشأن المخاطر النفسية الاجتماعية والوقاية من الاحتراق النفسي من خلال الدائرة العامة الاتحادية للتوظيف والشركاء الاجتماعيين، دعماً لنشر المقاربات الوقائية في مختلف القطاعات.

وخارج أوروبا، كثيراً ما يجري السعي إلى التوعية بالمخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية في العمل من خلال حملات عامة وطنية أو مبادرات تواصل مرتبطة بأطر الوقاية. ففي اليابان مثلاً، خصصت الحكومة شهراً سنوياً للتوعية، هو شهر تشرين الثاني/نوفمبر، لرفع الوعي العام بالوقاية من الأضرار المرتبطة بالإفراط في العمل، يرافقه تنظيم أنشطة وفعاليات للتواصل. وفي شيلي، يتضمن البروتوكول الوطني للمخاطر النفسية الاجتماعية صراحةً "حملة نشر وتوعية" في إطار عملية تنفيذه، لتشجيع الفهم والمشاركة. وفي تحالف المحيط الهادئ، الذي يضم شيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو، تعمل مبادرة إقليمية حالياً على إعداد حملة تواصل وتنفيذها، تستهدف العمال وأصحاب العمل لرفع الوعي وتعزيز الإدارة التشاركية للمخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية في العمل.

دراسة ذات صلة