الجزء الرابع: الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية وإدارتها على مستوى مكان العمل
يتطلب ضمان بيئة عمل آمنة وصحية بجميع أبعادها إدماج بيئة العمل النفسية الاجتماعية في نظم إدارة السلامة والصحة المهنيتين. فإدماج الاعتبارات النفسية الاجتماعية في هذه النظم يدعم ثقافة وقائية للسلامة والصحة، تُعالج فيها جميع مصادر الخطر في مكان العمل على نحو متسق ومنهجي. وفي الوقت نفسه، تتشكل بيئة العمل النفسية الاجتماعية بفعل قرارات تُتخذ ضمن نظم الإدارة المؤسسية الأوسع، بما فيها سياسات الموارد البشرية، والتخطيط التشغيلي، وإدارة التغيير، وتصميم العمل. ومن ثم تتوقف الوقاية الفعالة على المواءمة بين عمليات إدارة السلامة والصحة المهنيتين وهذه الممارسات المؤسسية الأوسع، بما يضمن معالجة المخاطر النفسية الاجتماعية ضمن حوكمة السلامة والصحة المهنيتين وفي قرارات الإدارة اليومية على حد سواء. وتُعد مشاركة العمال محورية في هذا النهج، لأن العمال يسهمون بمعارف أساسية عن الكيفية التي يُعاش بها العمل في الواقع.
وتوفر المبادئ التوجيهية لمنظمة العمل الدولية بشأن نظم إدارة السلامة والصحة المهنيتين لعام 2001 أساساً لإدارة المخاطر الناشئة عن بيئة العمل، ولذلك فهي قابلة للتطبيق على المخاطر النفسية الاجتماعية. وقد وُضعت هذه المبادئ التوجيهية لتُطبق بمرونة في سياقات مؤسسية متنوعة، بهدف منع الحوادث والإصابات المرتبطة بالعمل من خلال الحد من مصادر الخطر بالقدر المعقول عملياً، وتؤكد مبادئها على التناسب والبساطة وإدماج السلامة والصحة المهنيتين في صميم الأعمال وعمليات العمل، إدراكاً لأن كثيراً من أماكن العمل، ولا سيما في المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة وبيئات الاقتصاد غير المنظم والعمل الحر، تعمل في ظل قيود كبيرة على الموارد ودون وظائف رسمية للموارد البشرية أو للسلامة والصحة المهنيتين. وفي هذا الإطار، ينبغي إدماج المخاطر النفسية الاجتماعية في جميع عناصر نظام إدارة السلامة والصحة المهنيتين، بما في ذلك السياسة، والتنظيم، والتخطيط والتنفيذ، والتقييم والتحسين المستمر، بما يضمن التعامل مع بيئة العمل النفسية الاجتماعية بوصفها مكوناً أصيلاً من مكونات الإدارة الفعالة للسلامة والصحة المهنيتين، لا عملية منفصلة أو موازية.
فسياسة السلامة والصحة المهنيتين تعبّر عن التزام المؤسسة بحماية سلامة العمال وصحتهم. وينبغي أن يضعها صاحب العمل بالتشاور مع العمال وممثليهم، وأن يعممها على جميع العمال، لتشكّل الأساس الذي يقوم عليه نهج المؤسسة في إدارة المخاطر المهنية، بما فيها المخاطر النفسية الاجتماعية.
ويشمل التنظيم ضمن نظام إدارة السلامة والصحة المهنيتين تحديد القيادة والمسؤوليات والمساءلة والصلاحيات في هذا المجال، بما في ذلك المسؤوليات المتعلقة بتحديد مصادر الخطر والمخاطر، ومنها المخاطر النفسية الاجتماعية، والسيطرة عليها. وينبغي أن تدعم الترتيبات المعتمدة الإشرافَ، وأن تعزز التعاون والتواصل بشأن مسائل السلامة والصحة المهنيتين، وأن تضمن مشاركة العمال وممثليهم، وأن توفر الكفاءة والتدريب والموارد اللازمة لذلك.
ويحوّل التخطيط والتنفيذ التزامات سياسة السلامة والصحة المهنيتين إلى عمل فعلي. فالتخطيط يشمل وضع أهداف السلامة والصحة المهنيتين، وتحديد المسؤوليات، وتخصيص الموارد اللازمة لتحقيقها، استناداً إلى مراجعة الظروف القائمة. ثم يضع التنفيذ هذه الخطط موضع التطبيق، من خلال تحديد مصادر الخطر، بما فيها مصادر الخطر النفسية الاجتماعية، وتقييم المخاطر المرتبطة بها، وتنفيذ تدابير وقائية وحمائية لإزالتها أو السيطرة عليها، ونظراً لأهمية هذه المسائل وخصوصيتها في السياق النفسي الاجتماعي، يتناولها القسم التالي بمزيد من التفصيل. ويشمل التنفيذ أيضاً ترتيبات لإدارة التغيير، تضمن مراعاة الآثار على السلامة والصحة الناجمة عن التغييرات التنظيمية أو التكنولوجية أو في عمليات العمل.
أما التقييم والعمل من أجل التحسين فيشملان رصد أداء السلامة والصحة المهنيتين ومراجعته، للتحقق مما إذا كان النظام يعمل بفعالية وما إذا كانت المخاطر تُدار على النحو السليم. ويشمل ذلك استخدام مؤشرات ملائمة، والتحقيق في الإصابات واعتلال الصحة والأمراض والحوادث المرتبطة بالعمل، وإجراء عمليات تدقيق دورية ومراجعات إدارية. وحين تُكتشف أوجه قصور، ينبغي تنفيذ إجراءات وقائية وتصحيحية، بما يدعم التحسين المستمر لنظام إدارة السلامة والصحة المهنيتين والوقاية من مصادر الخطر والمخاطر، بما فيها المخاطر النفسية الاجتماعية، والسيطرة عليها.
4.1 تسليط الضوء على إدارة المخاطر النفسية الاجتماعية في العمل
يُعد تقييم المخاطر عنصراً محورياً للوقاية ضمن نظام إدارة السلامة والصحة المهنيتين، إذ يشمل تحديد مصادر الخطر، وتقييم المخاطر المرتبطة بها، ووضع أولويات للإجراءات الوقائية. وفي حالة المخاطر النفسية الاجتماعية، يتطلب ذلك فحص الظروف التنظيمية التي يُصمم العمل ويُنظم ويُدار من خلالها.
تحديد مصادر الخطر النفسية الاجتماعية
قد تنشأ مصادر الخطر النفسية الاجتماعية عن طريقة تصميم الوظائف، وأسلوب تنظيم العمل والإشراف عليه، والكيفية التي تؤثر بها السياسات والإجراءات المؤسسية في العمليات اليومية. وتحدد هذه الجوانب ما إذا كان العمل متسقاً وقابلاً للتنبؤ ومزوداً بالموارد الكافية، أم أن ضغوطاً كالمتطلبات المفرطة أو غموض الدور أو النزاعات أو الشعور بالظلم قد تلحق الضرر.
ولما كانت مصادر الخطر النفسية الاجتماعية لا تكون دائماً قابلة للملاحظة المباشرة، فإنه ينبغي جمع الأدلة من مصادر متعددة ومتكاملة. فالوثائق المؤسسية والأوصاف الوظيفية والإجراءات الإدارية قد تكشف كيف تنشأ المخاطر من خلال تفاعلها، كأن يؤدي نقص عدد الموظفين إلى زيادة عبء العمل، أو أن يترك التدريب غير الكافي العمال عاجزين عن تلبية التوقعات. وينبغي أن يراعي هذا التحليل أيضاً عوامل كالتمييز، وعلاقات القوة غير المتكافئة، والأعراف المتعلقة بالنوع الاجتماعي التي قد تؤثر في توزيع المهام أو ترتيبات وقت العمل أو الممارسات الإشرافية.
ويمكن للمعلومات المستمدة من السجلات المؤسسية وبيانات الموارد البشرية واستطلاعات العمال أن تساعد على تحديد أنماط ضغط عبء العمل أو غموض الدور أو تدني الشعور بالإنصاف. وتُستخدم الاستطلاعات القائمة على التقرير الذاتي على نطاق واسع لسهولة إجرائها نسبياً، وإن كان تفسيرها يتطلب الحذر، لأن الإجابات قد تتأثر بعوامل سياقية أو بمخاوف تتعلق بالسرية. ويمكن الاستعانة بأدوات معترف بها لتقييم المخاطر النفسية الاجتماعية لدعم هذه العملية، مع تقديم ضمانات واضحة بالسرية، واللجوء عند الاقتضاء إلى جهة مستقلة لإجراء الاستطلاع. كما يمكن تكميل بيانات الاستطلاعات بمؤشرات للنتائج، كالإجهاد المرتبط بالعمل، والاحتراق النفسي، واعتلال الصحة النفسية، والأعراض العضلية الهيكلية.
وتوفر الأساليب القائمة على الحوار، كالمقابلات ومجموعات التركيز والنقاشات بين العمال والإدارة، رؤى إضافية حول كيفية سير العمل في الواقع. ويساعد الجمع بين البيانات المؤسسية وتجارب العمال على بناء فهم أكثر موثوقية لمصادر الخطر النفسية الاجتماعية الناشئة.
تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية وتحديد أولوياتها
بعد تحديد مصادر الخطر، تتمثل الخطوة التالية في تقييم المخاطر المرتبطة بها، مع مراعاة احتمال وقوع الضرر وشدة عواقبه المحتملة معاً. وعند تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية، ينبغي الاهتمام أيضاً بمدة التعرض وتكراره، وعدد العمال المتأثرين، والطرق التي قد يتطور بها الضرر أو يتراكم بمرور الوقت. ولذلك لا ينبغي تفسير قلة الشكاوى أو الحوادث المبلغ عنها على أنها دليل على انخفاض الخطر.
فالبحوث تُظهر أن المخاطر النفسية الاجتماعية كثيراً ما لا يُبلّغ عنها بالقدر الكافي، بسبب الوصمة، أو الخوف من العواقب السلبية، أو عدم اليقين بشأن ما يُعد مصدر قلق يستوجب الإبلاغ. ولهذا ينبغي أن يدمج تقييم المخاطر مصادر معلومات متعددة، منها المؤشرات المؤسسية، وبيانات الاستطلاعات، والحوار التشاركي مع العمال، ومراجعة العمليات المؤسسية ذات الصلة.
أمثلة على آليات تشجيع الإبلاغ
ينبغي أن تتاح للعمال آليات ميسّرة للإبلاغ عن مصادر الخطر النفسية الاجتماعية تحمي خصوصيتهم وسريتهم. وينبغي أن تتناسب هذه الآليات مع حجم المؤسسة وهيكلها ومستوى المخاطر، ويمكن أن تجمع بين القنوات غير الرسمية والرسمية. ومن أمثلتها عناوين بريد إلكتروني أو خطوط هاتفية مخصصة، واستمارات سرية إلكترونية أو ورقية، بما فيها خيارات مجهولة الهوية، وصناديق مقفلة للبلاغات المكتوبة، ومشرفون أو مديرون أو ممثلون للعمال محددون بوضوح ومتاحون لتلقي البلاغات، بما فيها البلاغات التي تتطلب اهتماماً عاجلاً.
وتُعد التوعية بمصادر الخطر النفسية الاجتماعية، والتواصل الواضح بشأن إجراءات الإبلاغ والاستجابة، أمرين أساسيين. فالمعلومات المتعلقة بخيارات الإبلاغ، والمتابعة في الوقت المناسب، وإشراك العمال وممثليهم، والضمانات ضد الإيذاء، تساعد على بناء الثقة بنظم الإبلاغ وتدعم التعرف المبكر على مصادر الخطر النفسية الاجتماعية.
ويلي التقييمَ تحديدُ الأولويات. فبعض مصادر الخطر قد يتطلب إجراءً فورياً، كالعنف والتحرش، أو العبء الزائد الحاد أو المستمر، أو التعرض لأحداث صادمة. وقد يستدعي بعضها الآخر تحسينات على المدى الأطول، منها إعادة تصميم الأدوار أو سير العمل، أو مراجعة نظم إدارة الأداء، أو تعزيز هياكل التواصل، أو تحسين آليات المشاركة والدعم. وتساعد عملية تحديد الأولويات الشفافة والتشاركية على ضمان أن تكون الإجراءات المختارة مشروعة وقابلة للتنفيذ ومتوائمة مع قدرة المؤسسة على التغيير.
المقاربات الشاملة للجميع في إدارة المخاطر النفسية الاجتماعية
تتوزع مصادر الخطر النفسية الاجتماعية على القوى العاملة توزيعاً غير متكافئ، إذ تواجه فئات معينة تعرضاً أعلى. فالأنماط الجنسانية في العمل، والفصل المهني، والعمر، ووضع الاستخدام، والخلفية المتعلقة بالهجرة، والإعاقة، وعلاقات القوة غير المتكافئة، قد تؤثر جميعها في التعرض لمصادر الخطر النفسية الاجتماعية وفي قدرة العمال على طرح مخاوفهم بأمان.
فعلى سبيل المثال، كثيراً ما تكون النساء والعمال الأصغر سناً ممثلين بصورة مفرطة في أدوار تتسم بمتطلبات عاطفية مرتفعة، وسلطة محدودة في اتخاذ القرار، واستخدام غير مستقر، في حين قد يواجه العمال المهاجرون والمؤقتون والعاملون عبر الوكالات انعدام الأمن الوظيفي وعوائق أمام الإبلاغ. وتتشكل هذه الأنماط بفعل طريقة تنظيم العمل والأعراف الاجتماعية السائدة، وقد تفضي بمرور الوقت إلى تفاوت في التعرض لضغط عبء العمل، وغموض الدور، والمعاملة غير المنصفة، والعنف أو التحرش. ويعزز هذا التعرض المستمر وغير المتكافئ أهمية الحد من التعرض الضار من منبعه، والاعتراف بوقوع التعرض حين يحدث، وضمان التعافي الكافي والاستجابات المؤسسية الداعمة لجميع العمال.
ومن ثم فإن عملية تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية الشاملة للجميع لا تقتصر على النظر في ماهية مصادر الخطر، بل تنظر أيضاً في من هم الأكثر تعرضاً، ومن قد تكون أصواتهم غائبة عن عملية التقييم. وقد يشمل ذلك: تصنيف بيانات الاستطلاعات والبيانات المؤسسية عند الاقتضاء، بحسب النوع الاجتماعي أو العمر أو ترتيب الاستخدام مثلاً؛ وضمان مشاركة جميع العمال في الاستطلاعات وعمليات الحوار، بمن فيهم المنتمون إلى الأقليات أو إلى فئات يُحتمل أن تكون هشة؛ ودراسة الكيفية التي قد تؤدي بها نماذج التوظيف، وتوزيع المناوبات، ونظم الأداء، وخطوط الإبلاغ الإداري إلى تفاوت في التعرض لمصادر الخطر النفسية الاجتماعية؛ وتحديد العوائق أمام الإبلاغ، كالوصمة أو الخوف من الانتقام أو الحواجز اللغوية أو انعدام الثقة؛ وإدماج التمييز، وكذلك العنف والتحرش، في تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية بدلاً من معالجتها بصورة منفصلة.
ومراعاة التنوع على هذا النحو تعزز دقة إدارة المخاطر النفسية الاجتماعية وفعاليتها، وتساعد على ضمان أن تحسّن التدابير الوقائية ظروف العمل لجميع العمال.
من التقييم إلى العمل
ينبغي أن يفضي تقييم المخاطر إلى إجراءات وقائية ملموسة تحسّن طريقة تصميم العمل وإدارته ودعمه، بحيث تُخفَّض المخاطر النفسية الاجتماعية من منبعها. وانسجاماً مع التسلسل الهرمي للضوابط، ينبغي إعطاء الأولوية للتدابير التي تزيل المخاطر أو تحد منها في منشئها، مع الاعتراف بالدور التكميلي للتدابير التي تحمي الصحة وتقدم الدعم حين تنشأ الصعوبات. ويُقصد بالتسلسل الهرمي للضوابط نهج منظم يرتب تدابير الوقاية من مصادر الخطر والسيطرة عليها بحسب فعاليتها، فيقدّم إزالة مصدر الخطر، ثم استبداله بما هو أقل ضرراً، ثم الحد من المخاطر عبر التدابير الهندسية والتنظيمية، ثم الضوابط الإدارية، ولا يلجأ إلى معدات الحماية الشخصية إلا ملاذاً أخيراً. وقد طُوّر هذا المنطق في الأدبيات العلمية، عند تطبيقه على المخاطر النفسية الاجتماعية، في صورة "تسلسل هرمي نفسي اجتماعي للضوابط"، تركز فيه المستويات العليا على إزالة ظروف العمل التي تهدد السلامة والصحة والرفاه، كالحد من عبء العمل المفرط أو إزالة مصادر التحرش، يليها استبدال عمليات العمل وممارساته بأخرى أكثر أماناً وصحة، كتحسين ترتيبات وقت العمل أو هياكل الوظائف، ثم إعادة تصميم بيئة العمل لتحقيق السلامة والصحة والرفاه، بما في ذلك تحسين الإشراف والدعم والتواصل والبيئة الاجتماعية والتنظيمية الأوسع. وتتكون المستويات الأدنى من الضوابط الإدارية، بما فيها الاستراتيجيات والسياسات والمبادئ التوجيهية المؤسسية وممارسات التواصل التي تعزز العمل الصحي، وأخيراً تأتي في أدنى المستويات التدابير التي تشجع على التغيير الشخصي، كتدخلات التكيف الفردي أو المرونة النفسية أو إدارة الإجهاد، التي قد تكون داعمة لكنها لا تعالج المخاطر من منبعها.
ولذلك ينبغي أن تعالج التدابير الوقائية المحددات التنظيمية للعمل التي يمكن أن تولّد مخاطر نفسية اجتماعية، من خلال تحسين طريقة تصميم العمل وتنظيمه وإدارته. ويشمل ذلك تعزيز إدارة عبء العمل، وتصميم الوظائف، ووضوح الأدوار، وتنظيم وقت العمل، ومستويات التوظيف، وآليات المشاركة. وتقابل هذه التدخلات الجماعية على المستوى المؤسسي المستويات العليا من التسلسل الهرمي للضوابط، وتشكّل أساس الوقاية الفعالة.
وفي الوقت ذاته، يعزز النهج الشامل أيضاً الظروف التي تمكّن العمال من التكيف مع المتطلبات والازدهار في أدوارهم. فبناء الموارد المؤسسية، كالإنصاف، وإسماع صوت العمال، والقيادة الداعمة، والدعم الاجتماعي، وفرص التأثير والتعلم والتطور والتعافي، يساعد على حماية الصحة النفسية والرفاه في العمل وتعزيزهما. ويمكن لهذه الموارد أن تعزز القدرات والانخراط والمرونة على مستوى الفرق والمؤسسات، مما يقلل احتمال أن تتصاعد الضواغط اليومية لتصبح ضرراً.
وحتى مع وجود تدابير وقائية، قد يعاني بعض العمال من صعوبات مرتبطة بالمخاطر النفسية الاجتماعية. وفي هذه الحالات، ينبغي أن تكون الاستجابات سريعة، وخالية من الوصم، ومتمحورة حول العمل. ويمكن لإتاحة خدمات الدعم، والتعديلات المؤقتة في العمل، وإسهامات الصحة المهنية، وعمليات العودة إلى العمل المنصفة، أن تساعد على استقرار الوضع ودعم استمرار المشاركة في العمل. وتشير الأدلة إلى أن مقاربات العودة إلى العمل التشاركية والمتمحورة حول العمل أكثر فعالية من العلاج السريري وحده، ولا سيما في حالات الاضطرابات المرتبطة بالإجهاد أو الاحتراق النفسي. وتكمّل أشكال الدعم هذه التدابيرَ التنظيمية الوقائية لكنها لا تحل محلها.
وينبغي رصد تدابير التنفيذ لتقييم فعاليتها، وتحديد العواقب غير المقصودة، وضمان استمرار ملاءمتها مع تطور العمل. وتساعد المراجعة المنتظمة لتقييمات المخاطر النفسية الاجتماعية والتدابير الوقائية المنفذة على ضمان بقاء الإجراءات الوقائية فعالة ومستجيبة للتغيرات في تنظيم العمل وعملياته وظروف القوى العاملة.
وحين تشير هذه المراجعة إلى مشكلات ناشئة أو مستمرة، ينبغي للمؤسسات أن تعيد النظر في تقييم المخاطر النفسية الاجتماعية لتحديد الأسباب الكامنة، بما فيها العوامل التنظيمية المتعلقة بطريقة تصميم العمل وتنظيمه وإدارته. واستناداً إلى هذا التحليل، قد يلزم تعديل التدابير الوقائية، كمراجعة الإجراءات، أو تكييف تنظيم العمل أو تصميم الوظائف، أو تعزيز الممارسات الإشرافية، أو تحسين آليات المشاركة والتواصل. وبهذه الطريقة تصبح إدارة المخاطر النفسية الاجتماعية عملية مستمرة تدعم التحسين المتواصل لبيئة العمل النفسية الاجتماعية.
أمثلة على التدابير الوقائية لتحسين تصميم العمل وإدارته وتنظيمه
ينبغي إعطاء الأولوية للتدابير الوقائية الجماعية التي تعالج طريقة تصميم العمل وإدارته وتنظيمه، انسجاماً مع التسلسل الهرمي للضوابط. وفي الممارسة العملية، كثيراً ما تعالج هذه التدابير عدة مصادر خطر نفسية اجتماعية متفاعلة في آن واحد، لأن قضايا مثل عبء العمل ووضوح الدور وقابلية التنبؤ والمشاركة والدعم كثيراً ما تنشأ عن سمات مشتركة في تصميم العمل والممارسات المؤسسية. وقد تظل التدابير الفردية أو التفاعلية ضرورية في بعض الحالات، لكنها ينبغي أن تكمّل هذه التدخلات الاستباقية لا أن تحل محلها.
أمثلة على التدابير الوقائية المتعلقة بالوظيفة وتصميم المهام
في ما يتعلق بمتطلبات الوظيفة، تشمل الأمثلة: التناوب بين فترات الجهد المعرفي المكثف وأنشطة أقل تطلباً لتجنب متطلبات التركيز المتواصل؛ ودعم العمل المعرفي بتطبيق نظم تقلل من الخطأ البشري، كاستخدام نظم تكنولوجيا المعلومات لتسجيل المعلومات المهمة وتوليد التذكيرات؛ والحد من التعقيد غير الضروري في تسلسل المهام، مع خطوات واضحة ووقت كافٍ مخصص لها؛ وتقديم دعم إضافي خلال فترات المتطلبات المرتفعة، كتوفير مزيد من العمال أو معدات أفضل أو إسناد بعض المهام إلى جهات خارجية؛ وتخطيط القوى العاملة بحيث يتوافر عدد كافٍ من الموظفين ذوي المهارات المناسبة، بما في ذلك التدريب المسبق لتلبية متطلبات العمل؛ وحين تكون المتطلبات العاطفية المرتفعة ملازمة للدور، إدراج عوامل تخفيف هيكلية كالتناوب بعيداً عن التعاملات عالية المتطلبات وتخصيص وقت للتعافي بين المهام المكثفة عاطفياً؛ وقصر التعرض للمواد والأحداث الصادمة على ما هو ضروري تشغيلياً، بتصميم العمل بحيث يتعرض لها أقل عدد ممكن من العمال لأقصر مدة ممكنة؛ والحد من الإجهاد البدني غير الضروري بتطبيق مبادئ الهندسة البشرية على تسلسل المهام وحدود الأحمال ومتطلبات وضعيات الجسم؛ وتدوير المهام للحد من التعرض المطوّل للأنشطة الشاقة بدنياً.
وفي ما يتعلق بمستوى المسؤولية، فحين تكون المسؤولية المرتفعة سمة من سمات الدور، ينبغي التأكد من توضيح ذلك صراحةً ومناقشته مع العمال قبل أن يتولوا هذا الدور.
وفي ما يتعلق بتصميم المهام، تشمل الأمثلة الحد من المهام غير الضرورية، وتيسير تدوير المهام، وتوفير بدائل للحفاظ على الانخراط في العمل، مع تجنب المهام المفرطة في البساطة أو التكرار أو الرتابة.
أمثلة على التدابير الوقائية المتعلقة بطريقة إدارة العمل وتنظيمه
في ما يتعلق بالأدوار والتوقعات، تشمل الأمثلة: توفير أوصاف وظيفية واضحة تحدد الأدوار والمسؤوليات ومتطلبات الأداء، ومراجعتها، وإبلاغ العمال ومن يعملون إلى جانبهم بأي تغييرات فيها؛ وتقديم تعليمات وتوقعات عمل واضحة، وشرح أسباب توزيع الأدوار والمسؤوليات والمهام على النحو المعتمد، والتأكد من أن العمال، ولا سيما حين يتشاركون المهام ذاتها، يفهمون من يقوم بماذا؛ وتصميم هياكل إدارية ذات خطوط إبلاغ واضحة، مع تحديد المشرف المباشر لكل عامل؛ وتوفير مبادئ توجيهية واضحة بشأن ما ينبغي فعله حين لا تتوافق التوقعات، سواء بين العمال أنفسهم، أو بين العمال والمشرفين، أو بين العمال والعملاء؛ وتشجيع التواصل غير الرسمي بين المديرين والعمال وفي ما بين العمال، وتطبيق نظم لتبادل المعلومات تتيح للعمال الحصول على المعلومات التي يحتاجونها لأداء وظائفهم.
وفي ما يتعلق بالتحكم في الوظيفة أو الاستقلالية، تشمل الأمثلة: مواءمة مستوى استقلالية العمال وتحكمهم في أداء مهامهم مع مهاراتهم وخبراتهم؛ ومنح العمال استقلالية ملائمة، استناداً إلى طبيعة الوظيفة، لأداء المهام بفعالية وأمان، كتمكين العمال الذين يواجهون متطلبات عاطفية مرتفعة من ممارسة قدر من حرية التصرف، كعرض استرداد المبالغ لتفادي عدوانية العملاء أو ضيقهم.
وفي ما يتعلق بعبء العمل ووتيرته، تشمل الأمثلة: تعديل إجمالي أعباء العمل مع مراعاة الموارد المتاحة وعدد العمال وقدراتهم؛ ورصد ممارسات العمل للكشف عن الأنماط الضارة أو التمييزية في إسناد عبء العمل ووتيرته، وإدخال التعديلات المناسبة؛ وحين تحدد الآلات أو الحواسيب وتيرة العمل، تصميم العمليات بحيث تكون الوتيرة ملائمة للعمال، مع مراعاة الحاجة إلى تغيير المهام أو إيقاف سير العمل لأخذ فترات استراحة؛ ومواءمة قدرات العمال مع كمية العمل ودرجة تعقيده لتجنب العبء الناقص، كنفاد العمل أو إسناد عمل مفرط في السهولة.
وفي ما يتعلق بالإشراف والدعم، تشمل الأمثلة: تزويد العمال بما يحتاجونه لأداء وظائفهم على النحو السليم والآمن، كالأدوات والمعدات والنظم والموارد المناسبة، وضمان إمكانية وصولهم إليها بقدر كافٍ، بأن تكون في مواقع ملائمة ولا يضطر العمال إلى التنافس عليها؛ وتشجيع المشرفين على التحلي بالتعاطف في قيادتهم، وإنشاء آليات تواصل مفتوحة كسياسة الباب المفتوح، ومساحات آمنة للعمال لطرح مخاوفهم مبكراً، ومساعدة العمال حين يواجهون صعوبات؛ وإنشاء نظم تضمن إجراء نقاشات منتظمة ومنصفة وموجهة نحو الأهداف وبنّاءة بين العمال والمشرفين لمناقشة مهام العمل وأي احتياجات للدعم أو التطوير، كتطبيق جلسات استخلاص في نهاية المناوبة أو إلزام المشرفين بإجراء متابعات منتظمة؛ وتشجيع تنمية علاقات عمل إيجابية وتعزيز التعاون والتآزر، كالاستثمار في أنشطة التخطيط وبناء الفرق وتشجيع النقاشات الجماعية.
أمثلة على التدابير الوقائية المتعلقة بالسياسات والممارسات والإجراءات الأوسع التي تحكم العمل
في ما يتعلق بترتيبات الاستخدام، تشمل الأمثلة: مراجعة اتفاقات الاستخدام والاستحقاقات وتعديلها حيثما أمكن، لدعم شروط استخدام أكثر قابلية للتنبؤ واستقراراً؛ وتحسين إمكانية وصول العمال إلى الحماية الاجتماعية حيثما أمكن، كالإجازة المرضية والإجازة السنوية المدفوعتي الأجر.
وفي ما يتعلق بترتيبات وقت العمل، تشمل الأمثلة: وضع مبادئ توجيهية لساعات العمل تتيح الراحة والتعافي الكافيين، كتحديد حد أقصى لطول المناوبة، وحد أقصى لعدد المناوبات المتتالية، وحد أدنى لفترات الاستراحة والراحة، وحد أقصى للمناوبات الليلية، وحد أقصى للعمل الإضافي؛ ووضع جداول مناوبات قابلة للتنبؤ، والتشاور مع العمال حيثما أمكن وإخطارهم مسبقاً بأي تغييرات تمس ساعات عملهم أو ترتيباته المعتادة؛ وإتاحة تعديلات معقولة في ساعات العمل وممارساته، كترتيبات العمل الهجين أو عن بُعد، لتيسير وفاء العمال بمسؤولياتهم خارج العمل، حين يتوافق ذلك مع طبيعة العمل؛ وتقديم معلومات واضحة بشأن ساعات عمل العمال وأوقات إتاحتهم، بمن فيهم العاملون عن بُعد، لتيسير الانفصال عن العمل.
وفي ما يتعلق بإدارة التغيير المؤسسي، تشمل الأمثلة: التخطيط للتغييرات في الأدوار والمهام والأهداف والترتيبات الإشرافية لضمان أن تكون معقولة وتراعي فترة التغيير، كتعديل أهداف الأداء ريثما يتعلم العمال أدوارهم الجديدة؛ وتوفير آليات لتوجيه العمال والمشرفين خلال عمليات التغيير، كتنظيم جلسات إعلامية أو جلسات لتبادل الآراء لمعالجة أي مخاوف.
وفي ما يتعلق بالمراقبة، تشمل الأمثلة التشاور مع العمال عند تطوير نظم وإجراءات رصد الأداء، واعتماد سياسة واضحة تضمن ملاءمة الغرض من الرصد ومستواه.
وفي ما يتعلق بالمكافآت وإدارة الأداء وفرص التطوير وعمليات التوظيف، تشمل الأمثلة: تطبيق نظم لدعم الأداء، كالتدريب والإرشاد المهني، وإتاحة فرص للتطوير، كتمكين العمال من تولي المسؤولية الكاملة عن مهام معينة؛ وإرساء عمليات تواصل فعال وتغذية راجعة بنّاءة، تضمن أن تكون في الوقت المناسب، ومحددة، وعملية، ومنصفة، ومرتبطة بوضوح بأداء العمال؛ واستخدام طرق منصفة وشفافة وذات معنى لتقديم التقدير والمكافآت بما يعكس جهود العمال، كتجنب الاقتصار على تقدير العمال الذين يؤدون أعمالاً بارزة، وتقدير العمل الجماعي والإسهامات المؤسسية؛ ووضع إجراءات اختيار غير متحيزة وشفافة تضمن أن يمتلك العمال المرقّون أو المعيّنون المهارات والخبرات المناسبة للمنصب، بما في ذلك مستوى الاستقلالية الذي ستتيحه الوظيفة؛ وتصميم نظم وعمليات منصفة وشفافة لإدارة الأداء، كضمان أن ترتبط مقاييس الأداء بجوانب العمل الخاضعة لتحكم العامل، والتشاور مع العمال بشأن توقعات الأداء؛ وحين تُستخدم الخوارزميات في نظم مكان العمل أو عملياته، ضمان الشفافية في اتخاذ القرارات المؤتمتة والحفاظ على الرقابة البشرية لتحديد أوجه التحيز المحتملة ومعالجتها.
وفي ما يتعلق بسياسة السلامة والصحة المهنيتين ونظام إدارتهما، تشمل الأمثلة: وضع إجراءات واضحة وتطبيقها لتحديد المخاطر النفسية الاجتماعية والبيئية وتقييمها والسيطرة عليها، باستخدام طائفة من أساليب التقييم والمؤشرات الملائمة؛ ورصد تدابير إدارة المخاطر ومراجعتها بانتظام، ولا سيما عند حدوث تغييرات في تنظيم العمل أو عملياته.
وفي ما يتعلق بالعنف والتحرش في العمل، تشمل الأمثلة: وضع إجراءات شفافة وملائمة وتنفيذها للإبلاغ عن الحوادث والتعامل مع النزاعات وحل المشكلات، مع تحديد السلوكيات المتوقعة وكيفية إدارتها؛ وتشجيع العمال على الإبلاغ عن الحوادث والسلوكيات المثيرة للقلق، وتوفير طائفة من الطرق الميسّرة وسهلة الاستخدام لتقديم البلاغات بصورة غير رسمية ورسمية وسرية؛ وضمان التعريف الواسع بعمليات ونظم الإبلاغ عن الحوادث والاستجابة لها، ومراجعتها بانتظام لضمان تطبيقها بإنصاف واتساق.
وفي ما يتعلق بالتشاور والمشاركة، تشمل الأمثلة: تطبيق ترتيبات للإعلام والتشاور لمناقشة العمل بانتظام، وطريقة أدائه، وأي تغييرات تمس العمال؛ وتشجيع العمال على الانخراط في التشاور وطرح أي قضايا أو مخاوف أو مقترحات؛ وتطبيق ممارسات إدارية تعطي الأولوية للسلامة والصحة النفسيتين الاجتماعيتين للعمال إلى جانب الأهداف المؤسسية وأهداف الإنتاجية، مدعومة بقيادة أخلاقية وشفافة.
أمثلة على التدابير الوقائية المتعلقة ببيئة العمل المادية والمعدات
تشمل الأمثلة: توفير ظروف عمل مادية جيدة من حيث الضوضاء والإضاءة والاهتزاز ودرجة الحرارة والمواد الكيميائية والمساحة الكافية، وفقاً لإرشادات السلامة والصحة المهنيتين ومعاييرهما ذات الصلة؛ وتوفير معدات ملائمة وحسنة الصيانة، بما في ذلك التدريب على المعدات والتقنيات الجديدة؛ والحد من العمل المنعزل والتعرض للظروف البيئية القاسية أو البيئات والمواد غير المستقرة أو الصادمة، مع توفير تدابير للأمن والدعم.
الطريق إلى الأمام
تُظهر الأدلة التي استعرضها هذا التقرير أن لبيئة العمل النفسية الاجتماعية تأثيراً قوياً في الصحة البدنية والنفسية للعمال ورفاههم، وفي الأداء المؤسسي. فطريقة تصميم الوظائف وإدارتها وتنظيمها، والسياسات والممارسات والإجراءات الأوسع التي تحكم العمل، قد تفضي إلى عواقب سلبية، كزيادة خطر المرض والإصابة وتراجع القدرة على العمل، أو إلى نتائج إيجابية، منها تحسن الصحة والرفاه والأداء.
ويتطلب تحويل هذه المعرفة إلى وقاية متسقة جهوداً منسقة من جانب الحكومات، وأصحاب العمل والعمال ومنظماتهم، والمهنيين في مجال السلامة والصحة المهنيتين، وغيرهم من الجهات الفاعلة المعنية. ويتعين أن تركز هذه الجهود على ثلاثة مجالات مترابطة: تعزيز قاعدة المعارف ونظم الرصد، وتحسين اتساق أطر السياسات والتنظيم ووضوحها، وتعزيز الحوكمة والقيادة في أماكن العمل من أجل الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية. كما يتعين أن تواكب هذه الجهود التغيرات في عالم العمل التي قد تؤثر في بيئة العمل النفسية الاجتماعية، ومنها الرقمنة، والأشكال الجديدة للاستخدام، والتحولات الديموغرافية، والاضطرابات المرتبطة بالمناخ.
ومع تزايد البحوث المتعلقة ببيئة العمل النفسية الاجتماعية، لا تزال الحاجة قائمة إلى مزيد من الاتساق والمواءمة المنهجيين. فمن شأن توافر بيانات منتظمة وقابلة للمقارنة عن التعرض للمخاطر النفسية الاجتماعية وما يرتبط بها من نتائج أن يحسّن فهم معدلات الانتشار والاتجاهات وفعالية الجهود الوقائية بمرور الوقت. غير أن هذه القضايا لا تزال ممثلة تمثيلاً ناقصاً في كثير من الإحصاءات ونظم المراقبة الوطنية للسلامة والصحة المهنيتين. وتشير المشاورات الأخيرة مع جهات الاتصال الوطنية المعنية بإحصاءات السلامة والصحة المهنيتين إلى تنامي الوعي بهذه الثغرات، إذ أفادت عدة مؤسسات بوجود خطط ملموسة لتعزيز هذه الإحصاءات في السنوات المقبلة، بما في ذلك ما يتعلق بالمخاطر النفسية الاجتماعية والصحة النفسية المرتبطة بالعمل. وسيكون الحفاظ على هذه الجهود وتوسيعها أمراً أساسياً لتعزيز جودة نظم البيانات الوطنية وقابليتها للمقارنة وصلتها بالسياسات.
وتحتوي مصادر البيانات القائمة، كمسوح ظروف العمل، ومسوح القوى العاملة، وسجلات الغياب المرضي والإصابات، وسجلات تفتيش العمل، والرصد على مستوى المنشآت، على معلومات قيّمة، لكنها كثيراً ما لا تُصمم أو تُحلل بطرق ترصد على النحو الكافي الجوانب الرئيسية لبيئة العمل النفسية الاجتماعية. ومن شأن إدماج المؤشرات النفسية الاجتماعية بصورة أكثر منهجية في نظم رصد السلامة والصحة المهنيتين والإحصاءات الوطنية، بما في ذلك من خلال بيانات مصنفة بحسب الجنس والعمر ووضع الهجرة والإعاقة وغيرها من الخصائص ذات الصلة، أن يحسّن تتبع حالات التعرض ونتائجها على حد سواء. ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن المخاطر النفسية الاجتماعية كثيراً ما تتطور تدريجياً، وتتراكم بمرور الوقت، وتتشكل بفعل الظروف التنظيمية والاجتماعية.
ويُعد تحسين استخدام البيانات المتاحة أمراً بالغ الأهمية أيضاً لفهم كيفية توزع المخاطر النفسية الاجتماعية على القوى العاملة. فالأدلة تُظهر أن التعرض لا يتوزع بالتساوي؛ إذ قد يواجه المهاجرون، والأشخاص ذوو الإعاقة، والعمال المتقدمون في السن، والعمال الشباب، والعاملون في الاستخدام غير المستقر أو غير المنظم، تعرضاً أعلى أو إمكانية أكثر محدودية للحصول على الدعم. وقد يؤثر التمييز وعلاقات القوة غير المتكافئة والأعراف الاجتماعية في طريقة تنظيم العمل وفي كيفية نشوء المخاطر في الواقع. ومن ثم يمكن لتعزيز الرصد والتحليل أن يساعد على تحديد أنماط التعرض المتمايزة، وأن يسترشد به في وضع استراتيجيات وقائية أكثر شمولاً للجميع.
وثمة كذلك ثغرات مهمة في بحوث التقييم. فعلى الرغم من أن مبادرات كثيرة تهدف إلى تحسين بيئة العمل النفسية الاجتماعية، لا تزال الأدلة محدودة بشأن ما ينجح في القطاعات المختلفة، ولدى الفئات المختلفة من العمال، وفي السياقات الوطنية المختلفة. ومن شأن تعزيز تقييم السياسات والتدابير المتخذة في أماكن العمل أن يساعد على تحديد المقاربات الفعالة ودعم اعتمادها على نطاق أوسع.
وقد تطورت أطر السياسات والتنظيم المعنية بالمخاطر النفسية الاجتماعية في السنوات الأخيرة، غير أن المقاربات تتفاوت تفاوتاً كبيراً، مما يؤدي إلى اختلاف طريقة معالجة هذه المخاطر في الواقع. ففي بعض السياقات، عولجت المخاطر النفسية الاجتماعية من خلال التشريعات العامة للسلامة والصحة المهنيتين وواجبات أصحاب العمل الوقائية، وفي سياقات أخرى من خلال لوائح أكثر تحديداً، أو أحكام قطاعية، أو اتفاقات مفاوضة جماعية، أو معايير طوعية، أو مزيج من هذه الصكوك. كما يتفاوت مدى تمتع الفئات المختلفة من العمال والقطاعات بحماية كاملة بموجب أطر السلامة والصحة المهنيتين.
وتختلف المصطلحات المستخدمة في القوانين والسياسات بالمثل. فالإشارات إلى قضايا مثل "الصحة النفسية في العمل" أو "السلامة النفسية" أو "أماكن العمل السليمة نفسياً" كثيراً ما تتداخل مع "مصادر الخطر أو المخاطر النفسية الاجتماعية" دون أن تكون مرادفة لها. وحين يتركز الاهتمام السياساتي أساساً على النتائج بدلاً من الأسباب المرتبطة بالعمل، قد تحظى الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية باهتمام أقل. وعلى العكس من ذلك، حين تنعكس المخاطر النفسية الاجتماعية بصورة أوضح في أطر السياسات والتنظيم، يزداد احتمال أن تجري أماكن العمل تقييمات للمخاطر وتنفذ تدابير وقائية في إطار الممارسة الاعتيادية لإدارة السلامة والصحة المهنيتين.
يضاف إلى ذلك أن الاهتمام السياساتي في سياقات كثيرة تركز أساساً على القضايا الحادة والظاهرة، كالعنف والتحرش. ومع أهميتها البالغة، فإنها لا تمثل سوى بُعد واحد من أبعاد بيئة العمل النفسية الاجتماعية. ومن شأن إيلاء اهتمام أكبر للجوانب الهيكلية والمستمرة لتنظيم العمل، بما فيها عبء العمل، والتحكم في الوظيفة، وقابلية التنبؤ، والمشاركة، والعدالة التنظيمية، أن يشجع على نهج وقائي أكثر شمولاً.
ويُعد تعزيز الصلة بين إطار السياسات والتنظيم والممارسة في أماكن العمل أمراً أساسياً. فإلى جانب جهود الإنفاذ، يُعد دعم أصحاب العمل من خلال المشورة العملية والإرشادات والأدوات وتدابير بناء القدرات، ولا سيما للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، أمراً جوهرياً لترجمة الالتزامات السياساتية إلى ممارسة فعلية.
وأخيراً، يمكن لأوجه التآزر بين سلطات السلامة والصحة المهنيتين، وهيئات الصحة العامة، ومنظمات أصحاب العمل والعمال، والمؤسسات على المستوى القطاعي، أن تعزز الجهود الوقائية. وتشير مشاورات الخبراء الأخيرة إلى أنه حتى حيث توجد تدابير تشريعية أو سياساتية، قد يختلف الوعي بنطاقها وتفسيرها داخل البلد الواحد. ولذلك يُعد تعزيز التنسيق والتواصل والفهم المشترك بين المؤسسات أمراً أساسياً لضمان اتساق التنفيذ. كما يمكن للعمل الذي يتجاوز مكان العمل الفردي، بما في ذلك من خلال منظمات أصحاب العمل والعمال، أن يساعد على نشر الممارسات الجيدة وتسريع التحسينات في مختلف القطاعات.
وعلى مستوى مكان العمل، تتوقف الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية أساساً على طريقة تصميم العمل وتنظيمه وإدارته. فمع أنه لا يمكن إزالة جميع مصادر الخطر النفسية الاجتماعية إزالة تامة، فإن كثيراً من المخاطر يمكن الحد منها بتعديل السمات الجوهرية لتنظيم العمل، بما فيها توزيع عبء العمل، وتصميم الوظائف، والتوظيف، وترتيبات وقت العمل، والإشراف، وفرص المشاركة والتطوير. وتنطوي هذه الأنواع من التدابير عادةً على مراجعة طريقة توزيع المهام، وكيفية تحديد توقعات الأداء، وكيفية سير عمليات العمل في الواقع. ويمكن تكميل هذه التدابير التنظيمية بمبادرات تعزز مهارات العمال وقدرتهم على التعرف على المخاطر النفسية الاجتماعية والاستجابة لها على النحو المناسب حين تنشأ.
ويُعد التزام القيادة والإدارة محورياً في هذا الصدد. فالقرارات التي تتخذها الإدارة العليا والمديرون المباشرون تحدد الظروف التي يُؤدى فيها العمل، وتحدد ما إذا كانت الموارد الكافية والتوقعات الواقعية والممارسات الداعمة متوافرة. ويساعد الاعتراف بهذه المسؤولية على ضمان ترسيخ الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية في قرارات الإدارة اليومية، ودعمها عبر مختلف الوظائف داخل المؤسسة.
ومن ثم تركز الممارسة الفعالة في مكان العمل على التدابير التنظيمية التي تعالج المخاطر النفسية الاجتماعية من منبعها، مدعومة بعمليات تشاركية تشمل العمال وممثليهم. ويساعد التعاون بين المهنيين في مجال السلامة والصحة المهنيتين، والموارد البشرية، والإدارة، والعمال، على ضمان تكييف التدابير الوقائية مع واقع العمل واستدامتها بمرور الوقت.
ولما كانت المخاطر النفسية الاجتماعية تتطلب مقاربات وقائية ومتعددة التخصصات، فإن تعزيز الروابط بين البحث والسياسات والممارسة في أماكن العمل يظل أمراً أساسياً. ويشمل ذلك مواصلة الاهتمام بكيفية وضع السياسات وتنفيذها وتقييمها، وبالظروف الاجتماعية والتنظيمية الأوسع التي تشكّل طريقة تصميم العمل وتنظيمه وإدارته في الواقع. ومن شأن تعزيز الرصد والمراقبة، وزيادة منهجية تقييم السياسات، وتطوير مقاربات عملية وتشاركية لتحسين تنظيم العمل، أن يدعم تبني الممارسات الفعالة، ويسهم في تحقيق بيئات عمل نفسية اجتماعية آمنة وصحية على نحو أكثر اتساقاً.
