ملخص موجز
الثقافة من أجل مستقبل مستدام
تقدّم اليونسكو للمرة الأولى أشمل صورة عالمية للسياسات الثقافية، تغطي جميع المناطق وكافة القطاعات الثقافية. ويستند التقرير العالمي للسياسات الثقافية إلى ما يزيد على 1200 تقرير وطني ومحلي قُدّمت بين عامي 2019 و2024، ليرسم خريطة للكيفية التي تعزّز بها البلدان الثقافة من خلال السياسات العامة، كاشفاً عن زخم متنامٍ من جهة، وعن تحديات ملحّة من جهة أخرى.
ويتّسع الاعتراف على الصعيد العالمي بالدور الجوهري للثقافة في بناء مجتمعات شاملة ومستدامة، إذ أفادت أغلبية الدول الأعضاء بأنها أدمجت الثقافة في خططها الوطنية للتنمية المستدامة، حيث تعترف 93% من الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير بمكانة الثقافة في هذه الخطط. غير أن هذا الالتزام لا ينعكس على نحو متّسق في جهود التعاون الدولي، فلم تُدرج الثقافة في استراتيجياتها الإنمائية سوى 46% من بلدان الشمال العالمي و58% من بلدان الجنوب العالمي. وعلى الرغم من أن الصناعات الثقافية والإبداعية تسهم بنسبة 3.39% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وبنسبة 3.55% من العمالة العالمية، فإن أوجه تفاوت كبيرة لا تزال قائمة في مجالات التمويل والنفاذ والمشاركة.
ويدعو التقرير إلى تخصيص هدف مستقل للثقافة في الخطة العالمية لما بعد عام 2030، اعترافاً بأن الثقافة ليست وسيلة فحسب، بل غاية في حد ذاتها. ومن شأن هدف كهذا أن يرسّخ الحقوق الثقافية والتراث والتنوع في صميم التنمية المستدامة، وأن يوفّر في الوقت ذاته ما يلزم من ظهور واستثمار ومساءلة لضمان ألا تبقى الثقافة متخلّفة عن الركب بعد اليوم.
«لما كانت الحروب تتولّد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام».
وقد استند هذا التقييم إلى التقارير الدورية الرباعية لاتفاقية عام 2005، المقدّمة بين عامي 2019 و2024، والتي بلغ مجموعها العالمي 111 دولة عضواً مقدّمة للتقارير.
تصدير
في مدينة مكسيكو عام 2022، اعتمدت 150 دولة بالإجماع إعلان موندياكولت. وبدعوتها إلى إدراج الثقافة هدفاً مستقلاً في خطة ما بعد عام 2030، أكّدت هذه الدول قدرة هذا المنفعة العامة العالمية على دفع عجلة التنمية المستدامة وتحقيق مستقبل أكثر عدلاً وشمولاً.
ثم جاء اعتماد ميثاق المستقبل في عام 2024 ليجدّد التأكيد على الدور الحاسم للثقافة في الإسهام في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. واليوم، ونحن نقترب من عام 2030 الذي يتوّج خمسة عشر عاماً من الالتزام المشترك بهذه الأهداف، باتت الحاجة أشد من أي وقت مضى إلى تسخير الإمكانات الكاملة للثقافة في أرجاء العالم كافة.
ويفتتح هذا المنشور سلسلة التقارير العالمية الرباعية بشأن السياسات الثقافية، وهو أول تحليل عالمي من نوعه يشمل جميع الميادين الثقافية. وبالاستناد إلى 1200 تقرير وطني ومحلي وأكثر من 200 دراسة حالة، فضلاً عن تقارير تنفيذ جميع الصكوك التقنينية الثقافية لليونسكو المقدّمة بين عامي 2019 و2024، يقدّم التقرير قاعدة من الأدلة يُسترشد بها في صياغة برامج جديدة للسياسات الثقافية وفي تعزيز التعاون المتعدد الأطراف خلال السنوات المقبلة.
ومع أن من الضروري الإقرار بالحاجة إلى التزام أكبر وأكثر تنسيقاً بتطوير البيانات، فإن ما توصّل إليه هذا التقرير من نتائج يبعث على الاقتناع. فبحسب البيانات المتاحة، تمثّل الصناعات الثقافية والإبداعية 3.39% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و3.55% من إجمالي العمالة، كما حقّقت السياحة الثقافية في 250 مدينة إيرادات بلغت 741.3 مليار دولار في عام 2023. ويحظى الدور الاستراتيجي للثقافة كذلك باعتراف متزايد في الخطط الوطنية للتنمية المستدامة، إذ تُدرجها 93% من الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير عنصراً رئيسياً في استراتيجياتها الإنمائية.
بيد أن التقرير يكشف عن تفاوتات كبيرة تتجلّى بوضوح في الميزانيات الثقافية، فمتوسط الإنفاق للفرد يبلغ 418.56 دولاراً في أوروبا وأمريكا الشمالية، وهو ما يعادل نحو ثلاثة عشر ضعفاً لما هو عليه في بقية العالم مجتمعاً. ويبلغ نقص الاستثمار ذروته في آسيا الوسطى والجنوبية وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث لا يتجاوز هذا الرقم 3.09 دولارات و1.10 دولار على التوالي. ويعني ذلك أيضاً أنه يصعب، في غياب نهج متعدد الأطراف قائم على الأدلة، وضع نماذج واضحة ومقنعة لتمويل الثقافة.
ولا تزال هناك كذلك فجوات كبيرة قائمة على النوع الاجتماعي في القطاع الثقافي. فبينما تشكّل النساء 38% من القوى العاملة الثقافية على مستوى العالم، فإنهن يشغلن أقل من 30% من المناصب القيادية في المؤسسات الثقافية. ويتفاقم هذا الخلل بفعل الفجوة السائدة في الأجور بين الجنسين في القطاعات الثقافية والإبداعية.
ويسلّط هذا التقرير الضوء أيضاً على ضرورة التكيّف مع التحولات التكنولوجية الجارية. فعلى سبيل المثال، يُتوقّع أن تقفز قيمة سوق المحتوى السمعي البصري المولَّد بالذكاء الاصطناعي من 6 مليارات يورو في عام 2023 إلى 48 مليار يورو بحلول عام 2028. ومع استمرار تطور هذه التقنيات، تتطور معها المخاطر المرتبطة بها، بدءاً من خسارة المبدعين لإيراداتهم، ومروراً بالمخاوف المتعلقة بالملكية الفكرية، ووصولاً على نطاق أوسع إلى احتمال التسطيح الثقافي. ومع ذلك، فإن التقنيات الرقمية قادرة، إذا ما حظيت بمزيد من الاستثمار والاهتمام، على دعم الابتكار والتعبير الإبداعي بدلاً من تقويضهما.
إن الثقافة ليست قطاعاً هامشياً ينتظر الدعم، بل هي قوة محورية ينبغي حشدها، والزخم في هذا الاتجاه يتصاعد في جميع أنحاء العالم. وأتوجّه بخالص الشكر إلى الاتحاد الأوروبي الذي لولاه لما رأى هذا التقرير النور، وأدعو الحكومات والمهنيين العاملين في مجال الثقافة والمجتمع المدني إلى الاستفادة من هذا المورد القيّم لإعادة تصوّر السياسات الثقافية في شتى أنحاء العالم، ونحن نتطلّع إلى موندياكولت 2029.
ومعاً، يمكننا أن نضمن للثقافة مكانتها المستحقة في خطة التنمية لما بعد عام 2030، لكي نبني المستقبل الذي نصبو إليه، والعالم المستدام الذي تستحقه مجتمعاتنا.
أودري أزولاي المديرة العامة لليونسكو
شكر وتقدير
ما كان لهذه الطبعة الأولى من التقرير العالمي لليونسكو بشأن السياسات الثقافية، الموسوم «الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود»، أن ترى النور لولا تفاني عدد كبير من الأشخاص وإسهاماتهم، ممن نعرب لهم عن امتناننا لما بذلوه من وقت وخبرة والتزام.
فقد قدّمت وحدة الاتصال والرصد العالمي، بقيادة باز بورتاليس، توجيهاً ودعماً لا يُقدّران بثمن طوال مراحل الإعداد، مع إسهامات مهمة من كولين غيغو وكيفن غيزينيك وماتيلدا ساوري ماتشيمورا وسيونغ أوه.
واضطلعت شركة بي أو بي للاستشارات، بقيادة ريتشارد نايلور، بدور محوري في إنتاج التقرير. وتولّى فريقها، الذي ضم ليزي باركر وجينيفيف مارسينياك ويوهان جي وياسمين صفائي ونوربرت بورون، تحليل البيانات المستمدة من الصكوك التقنينية لليونسكو في مجال الثقافة، وتجميع مصادر أولية وثانوية إضافية وتفسيرها، وتقديم المساعدة المستمرة لهيئة التحرير.
والمخطوطة ثمرة عملية إعداد شاملة وتشاركية، استفادت كذلك من الإسهامات القيّمة لكلٍّ من مو أبودو ورفيق أناضول وسيمون برو وليوناردو غارنييه وخوسيه لويس غوزمان وأوتو هوديتس ولوسينا خيمينيث وفرانسيس سي. كويا فاكاأوتا وكاثرين ماغنان وتاوئيلي إيلي ألفا مايافا وأنجيلا مارتينز وجوردي باسكوال وآية طارق ودايارا توكانو.
كما قدّم كلٌّ من لورا فرانك وإنغريد باستور رييس ولمياء بوشقيف ولو بنغ وإيمانويل بيفار ودجوروغو كريستيان تانون مدخلات قيّمة أخرى.
وتولّت الوكالة الدولية للترجمة تحرير المخطوطة وتدقيقها بعناية، ونحن نقدّر جهودها تقديراً صادقاً.
ونفّذت شركة بولد وفريقها تصميم التقرير وإخراجه بمهارة، بقيادة أولمو غارسيا وأوليفييه مونتييل وإكتور بويغ ومارتا أوجيه وأندريا بوناستري وبابلو سالاس.
وأخيراً، تعرب اليونسكو عن عميق امتنانها للاتحاد الأوروبي الذي أتاح دعمه المالي إصدار هذا المنشور.
وقد حظي هذا المنشور أيضاً بدعم الرابطة الدولية للجامعات التي وفّرت جانباً من بياناته.
مقدمة
نظرة شاملة إلى الثقافة والتنمية
يمثّل التقرير العالمي للسياسات الثقافية الإصدار الأول من سلسلة رائدة جديدة، أُطلقت في إطار مبادرة تعاونية تقودها اليونسكو بدعم من الاتحاد الأوروبي. وقد وُلدت هذه المبادرة من لحظة تاريخية هي إعلان موندياكولت 2022، الذي أكّد فيه وزراء الثقافة من شتى أنحاء العالم بصوت واحد أن الثقافة منفعة عامة عالمية، وأنه يجب الاعتراف بها ركيزةً مستقلة من ركائز التنمية المستدامة.
واستجابةً لهذا التوافق التاريخي، دعت الدول الأعضاء في اليونسكو إلى إعداد تقرير عالمي شامل للسياسات الثقافية يصدر كل أربع سنوات. وقد أرست هذه الدعوة، التي أيّدها المجلس التنفيذي لليونسكو لاحقاً في قراريه 217 م ت/10 و219 م ت/11، الأساس لرؤية مشتركة وإطار منسّق يوجّهان الحوكمة الثقافية في العقود المقبلة.
ويقدّم التقرير العالمي بانوراما عالمية غير مسبوقة للسياسات الثقافية، إذ يجمع جميع المناطق وكافة الميادين الثقافية الفرعية في تقييم واحد شامل. ويتيح التقرير فهماً معمّقاً للدور التحويلي الذي تؤديه الثقافة بوصفها حجر الزاوية في إنسانيتنا المشتركة ورفاهنا وتنميتنا المستدامة، ويدرس كيف تُقدَّر الثقافة وتُدعم على المستويات العالمي والإقليمي والوطني والمحلي، وذلك من خلال تتبّع تنفيذ اتفاقيات اليونسكو الثقافية وتوصياتها، وإسهامات برامج من قبيل مؤشرات الثقافة|2030 وشبكة اليونسكو للمدن المبدعة. وتشمل اتفاقيات اليونسكو الثقافية اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي لعام 2005، واتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، واتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه لعام 2001، واتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972، واتفاقية الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة لعام 1970، واتفاقية حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح لعام 1954. أما التوصيات فتشمل التوصية المتعلقة بحماية وتعزيز المتاحف والمجموعات وتنوعها ودورها في المجتمع لعام 2015، والتوصية بشأن المناظر الحضرية التاريخية لعام 2011، والتوصية بشأن وضع الفنان لعام 1980.
ويضم التقرير أصواتاً متنوعة من مختلف مكونات المنظومة الثقافية، من فنانين وكبار الخبراء الثقافيين وصانعي السياسات، ليبيّن كيف ألهمت صكوك اليونسكو وبرامجها تغييرات في السياسات على المستويات العالمي والوطني والمحلي. وهو يقدّم في المحصلة أدلة دامغة على أن هذه الجهود تدفع أولويات إعلان موندياكولت 2022 إلى الأمام، وتمهّد الطريق لتنمية مستدامة تتجاوز عام 2030 من خلال الاعتراف بالثقافة هدفاً مستقلاً.
لقد ظلّ مشهد السياسات الثقافية العالمية زمناً طويلاً مجزّأً، مقلَّلاً من شأنه، منعزلاً في قطاعات منفصلة، وكثيراً ما عُدّ هامشياً بالقياس إلى الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ويشكّل هذا التقرير نقطة تحوّل، فهو خطوة أولى جريئة نحو سياسات ثقافية متكاملة وشاملة لمختلف القطاعات واستشرافية على مستوى العالم.
إننا نعيش لحظة فارقة بالنسبة إلى الثقافة. فعلى الرغم من تكثيف الجهود في السنوات الأخيرة لإدماج الثقافة في أطر التنمية العالمية، لا يزال الاعتراف بدورها في خطة التنمية المستدامة لعام 2030 قاصراً، إذ لم تُذكر صراحةً إلا في الغايتين 4.7 و11.4. وتنص الغاية 4.7 على ضمان أن يكتسب جميع المتعلمين، بحلول عام 2030، المعارف والمهارات اللازمة لدعم التنمية المستدامة، بما في ذلك من خلال التعليم من أجل التنمية المستدامة واتّباع أساليب العيش المستدامة، وحقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، والترويج لثقافة السلام ونبذ العنف، والمواطنة العالمية، وتقدير التنوع الثقافي وإسهام الثقافة في التنمية المستدامة. أما الغاية 11.4 فتدعو إلى تعزيز الجهود الرامية إلى حماية وصون التراث الثقافي والطبيعي العالمي بحلول عام 2030. ومع ذلك، فإن الثقافة تسهم في طيف أهداف التنمية المستدامة بأكمله، وتشكّل دعامة لأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فمن العمل المناخي والحد من الفقر إلى المساواة بين الجنسين والإدماج الرقمي والتعافي بعد الأزمات، يُعدّ صون التراث الثقافي وتعزيز منظومات إبداعية حيوية أمرين لا غنى عنهما لمواجهة التحديات المعقدة في عصرنا.
ويتنامى الزخم على الصعيد العالمي، إذ تكتسب الدعوات إلى ترسيخ الثقافة على نحو أمتن في مسارات التنمية قوة متزايدة، مدفوعةً بمحطات بارزة مثل موندياكولت 2022، ومتردّدةً أصداؤها في أطر عالمية منها إعلانات مجموعة العشرين ومجموعة السبع بشأن الثقافة وميثاق المستقبل.
غير أنه على الرغم من الاعتراف الدولي المتزايد بالقيمة الشاملة للثقافة، فقد أدّى غياب هدف مخصص لها إلى نقص الاستثمار وضعف التنسيق المؤسسي. ومع اقتراب عام 2030، ينتقل النقاش من مرحلة التأمل إلى مرحلة الفعل: ما الخطوة التالية، وكيف نضمن ألا تبقى الثقافة متخلّفة عن الركب بعد اليوم؟
الإطار 1: تسلسل زمني للثقافة من أجل التنمية المستدامة
في عام 1982، عُقد المؤتمر العالمي الأول لليونسكو بشأن السياسات الثقافية (موندياكولت)، فوسّع التعريف الدولي للثقافة لتصبح «جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها».
وفي عام 1988، أُعلن العقد العالمي للتنمية الثقافية.
وفي عام 1995، أوضحت اللجنة العالمية للثقافة والتنمية، التي أنشأتها الأمم المتحدة وعهدت بها إلى اليونسكو، أن التنمية المنفصلة عن سياقها الإنساني والثقافي ليست إلا «نمواً بلا روح».
وفي عام 1998، عقدت اليونسكو مؤتمر ستوكهولم بشأن السياسات الثقافية من أجل التنمية لرسم برنامج عالمي جديد للسياسات الثقافية الإنمائية، ودعا المؤتمر إلى وضع خطة عمل بشأن أولويات السياسات الثقافية تجمع شراكات بين أصحاب المصلحة المتعددين.
وفي عام 1999، تضافرت جهود اليونسكو والبنك الدولي لتحليل التمويل والموارد واقتصاديات الثقافة في سياق التنمية المستدامة.
وفي عام 2001، أبرز الإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي أن التنوع الثقافي «ضروري للجنس البشري ضرورة التنوع البيولوجي بالنسبة للكائنات الحية».
وفي عام 2006، أُنشئت النافذة المواضيعية للثقافة والتنمية ضمن صندوق تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية.
وفي عام 2009، قدّمت مجموعة مؤشرات اليونسكو للثقافة من أجل التنمية نهجاً ومنهجية مبتكرين لتوثيق الدور المتعدد الأبعاد للثقافة في عمليات التنمية الوطنية.
وفي عام 2013، ازدادت ملامح الدور المتعدد الأوجه للثقافة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وضوحاً بصدور إعلان هانغتشو «وضع الثقافة في صميم سياسات التنمية المستدامة»، الذي دعا إلى إدراج الثقافة في إطار التنمية العالمي لما بعد عام 2015.
وفي العام نفسه، صدر تقرير الأمم المتحدة عن الاقتصاد الإبداعي، وهو أول تقرير عالمي عن الاقتصاد الإبداعي يركّز حصراً على الجنوب العالمي، وجاء ثمرةً لشراكة بين اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عبر مكتب الأمم المتحدة للتعاون فيما بين بلدان الجنوب.
وفي عام 2015، أُدمجت الثقافة في خطة التنمية المستدامة لعام 2030، ولا سيما في الهدف 4 وغايته 4.7، والهدف 11 وغايته 11.4 التي تدعو إلى تعزيز الجهود الرامية إلى حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي وصونه. كما اعتُرف بالثقافة في الاستعراضات الوطنية الطوعية لتنفيذ خطة عام 2030 بوصفها عاملاً تمكينياً شاملاً ومحرّكاً للتنمية المستدامة.
وفي عام 2017، اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار 2347 بشأن «صون السلام والأمن الدوليين: تدمير التراث الثقافي والاتجار به على يد الجماعات الإرهابية وفي حالات النزاع المسلح».
وفي عام 2019، أطلقت اليونسكو مؤشرات الثقافة|2030، التي توفّر إطاراً منهجياً منقّحاً لقياس أثر إسهام الثقافة في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وعقدت منتدى اليونسكو لوزراء الثقافة في باريس.
وفي عام 2021، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة السنة الدولية للاقتصاد الإبداعي من أجل التنمية المستدامة.
وفي عام 2022، عقدت اليونسكو المؤتمر العالمي بشأن السياسات الثقافية والتنمية المستدامة، موندياكولت 2022، في مدينة مكسيكو.
وفي عام 2023، تضمّن الإعلان السياسي للجمعية العامة للأمم المتحدة، الصادر في سبتمبر 2023 عن المنتدى السياسي الرفيع المستوى المنعقد تحت رعايتها، فقرة مخصصة للثقافة للمرة الأولى، أعاد فيها التأكيد على دورها «عاملاً تمكينياً للتنمية المستدامة».
وفي العام ذاته، اعتمد قادة العالم في قمة أهداف التنمية المستدامة بنيويورك إعلاناً سياسياً يؤكّد صراحةً أن الثقافة عامل تمكيني للتنمية المستدامة. وفي الوقت نفسه، أكّد إعلان قادة مجموعة العشرين في نيودلهي، وإعلان جوهانسبرغ الثاني الصادر عن القمة الخامسة عشرة لمجموعة بريكس، والإعلانات الوزارية بشأن الثقافة التي أيّدتها بلدان مجموعة الـ77 والصين والاتحاد الأوروبي ومنظومة التكامل لأمريكا الوسطى وجماعة دول الأنديز، الحاجة الأساسية إلى ترسيخ الثقافة في خطة التنمية.
وفي عام 2024، اعتُمد إطار اليونسكو للتربية الثقافية والفنية في المؤتمر العالمي لليونسكو بشأن التربية الثقافية والفنية في أبوظبي، كما اعتُمد ميثاق المستقبل في قمة المستقبل لعام 2024 في نيويورك، مولياً اهتماماً غير مسبوق للثقافة بوصفها محرّكاً للتنمية المستدامة.
وتحضيراً لموندياكولت 2025، عقدت اليونسكو ست مشاورات إقليمية بين نوفمبر 2024 وفبراير 2025، أشركت فيها الدول الأعضاء والمجتمع المدني والفنانين والشباب وغيرهم من أصحاب المصلحة في حوار واسع النطاق حول الدور المتطور للسياسات الثقافية. وقد وفّرت هذه المشاورات أداة تشخيصية وبرنامجاً استشرافياً في آن معاً، وكشفت عن توافق عالمي قوي ومتنامٍ حول مركزية الثقافة في التنمية المستدامة. ومع أن موضوعات مشتركة لقيت صدى في جميع المناطق، كالمطالبة بتحوّل رقمي شامل، والمساواة بين الجنسين، والعمل المناخي عبر الثقافة، وزيادة الاستثمار في الاقتصاد الإبداعي، فقد طرحت كل منطقة أولويات وتحديات خاصة بها، تشكّلت وفق سياقاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية الفريدة.
وقد أسهمت الرؤى المستخلصة من المشاورات الإقليمية التي سبقت موندياكولت 2025 في إثراء تحليل التقرير العالمي وتعميق فهمه لتنوّع مشاهد السياسات الثقافية في أنحاء العالم. فقد أبرزت هذه الحوارات تطلعات مشتركة وتحديات مرتبطة بالسياق وأولويات ناشئة، أُخذت جميعها في الحسبان في الفصول المواضيعية.
وفي جميع المناطق، يُعترف بالثقافة حجرَ زاوية في المجتمعات الشاملة والديمقراطية. وقد جرى التأكيد مجدداً على النهج القائم على الحقوق، مع تزايد تركيز السياسات الثقافية على المشاركة المدنية والمساواة وإشراك الشباب والحرية الفنية. بيد أن طبيعة التحديات والأولويات تتباين بحسب السياق. ففي المناطق التي تتمتع ببنية تحتية ثقافية أرسخ، كأجزاء من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، تمحورت نقاشات السياسات حول تكييف الأنظمة لمعالجة القضايا الناشئة، بدءاً من الحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي وانتهاءً بالقدرة على الصمود أمام تغيّر المناخ والتصدي للمعلومات المضللة. كما برزت بقوة المخاوف المتعلقة بالأجر العادل للمهنيين الثقافيين، والفجوة في الأجور بين الجنسين، وأطر الحوكمة الشاملة.
أما المناطق التي تعاني من عدم الاستقرار الجيوسياسي أو من تفاوت البنى التحتية، مثل أوروبا الشرقية وأفريقيا وأجزاء من آسيا والمحيط الهادئ، فقد شدّدت على الحاجة الملحّة إلى صون الحقوق الثقافية والتراث، ولا سيما في أوقات الأزمات والنزوح. وعلى الرغم من أن الرقمنة توسّع نطاق النفاذ إلى الثقافة، فإن تفاوتات كبيرة لا تزال قائمة في البنية التحتية والتمويل والإلمام بالمهارات الرقمية، وبخاصة لدى المجتمعات الريفية والأقليات والشعوب الأصلية. وينصبّ التركيز في هذه المناطق بقوة على تحسين التأهب لحالات الطوارئ، ودعم الفنانين النازحين، وتعزيز المصالحة والتماسك الثقافيين.
وقد برزت بشكل خاص في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي موضوعات العدالة الثقافية والإنصاف الاجتماعي والمساواة بين الجنسين وتمكين الشعوب الأصلية والمجتمعات المنحدرة من أصل أفريقي. ويُنظر إلى القطاع الثقافي هناك بوصفه مورداً أساسياً للحد من عدم المساواة وتقوية المنظومات القاعدية، وإن ظلّت تحديات من قبيل الطابع غير الرسمي ونقص التمويل والإقصاء الرقمي قائمة. وعلى نحو مماثل، أكّدت الدول العربية وأجزاء من منطقة آسيا والمحيط الهادئ أهمية إدماج الثقافة في استراتيجيات التنمية الأوسع، بما فيها التعليم والتكيّف مع تغيّر المناخ وسياسات الهجرة. وعُدّت الإصلاحات التشريعية والاستثمار في التعليم الثقافي وتعزيز نظم البيانات الثقافية عناصر أساسية لبناء منظومات أكثر صموداً وشمولاً.
وعلى نطاق شامل، يتزايد الاعتراف بالاقتصاد الإبداعي محرّكاً للتحول الاقتصادي، ولا سيما في زيادة فرص العمل للنساء والشباب، كما تشهد على ذلك قطاعات الموسيقى والأزياء والسينما النابضة بالحيوية في أفريقيا. غير أن قيوداً من قبيل محدودية الاستثمار العام والطابع غير الرسمي وضعف البنية التحتية لا تزال تعوق النمو الشامل، وثمة خطر من ألا يعالج نموذج الاقتصاد الإبداعي العوائق البنيوية التي تحول دون تنمية ثقافية عادلة ومنصفة. كما يُخشى أن يولي هذا النموذج النمو الاقتصادي أهمية تفوق ما يوليه للقيمة الاجتماعية والجوهرية للثقافة، بما يهدّد الاعتراف الكامل بها منفعةً عامة عالمية. وفي كثير من المناطق، توسّع المنصات الرقمية نطاق النفاذ الثقافي والابتكار الإبداعي، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف تتعلق بحماية البيانات وحوكمة المنصات والنفاذ المنصف. كما تكتسب إمكانات الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في صون التراث والتعبير الفني أرضاً متزايدة، لا سيما في المناطق المعرّضة لتغيّر المناخ مثل الدول الجزرية الصغيرة النامية.
وتُبرز هذه المنظورات حاجة عامة إلى سياسات ثقافية تراعي السياق وتتّسق في الوقت ذاته مع التوجهات العالمية. وتلتقي المناطق التقاءً قوياً حول الدعوة إلى حوكمة شاملة، وتعزيز تنقّل الفنانين، وإقامة نظم بيانات موثوقة ومفصّلة، بما فيها البيانات المصنّفة بحسب النوع الاجتماعي، وتعزيز الإدماج المشترك بين القطاعات للثقافة في مجالات السياسات مثل التعليم والتنمية الاقتصادية والعمل المناخي والتحول الرقمي.
وتمثّل المساواة بين الجنسين موضوعاً متكرراً آخر، إذ أفادت دول أعضاء كثيرة ببذل جهود ترمي إلى زيادة مشاركة المرأة في صنع القرار الثقافي والتصدي للتمييز القائم على النوع الاجتماعي في الممارسات الثقافية. فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، أفادت 88% من الدول الأعضاء في المتوسط بوجود سياسات أو تدابير تدعم مشاركة المرأة في الحياة الثقافية، وهي مشاركة لا تقتصر على حضور المنتجات الثقافية أو استهلاكها، بل تمتد إلى إتاحة الفرصة لها لإبداع السرديات وأشكال التعبير الثقافية وإنتاجها وصياغتها. وتسجّل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وغرب آسيا وشمال أفريقيا مستويات التزام مرتفعة بشكل خاص، إذ نفّذت 83% و94% على التوالي من الدول المقدّمة للتقارير فيها سياسات مخصصة لهذا الغرض، وفقاً للتقارير الدورية لاتفاقية عام 2005.
وتشكّل النساء 38% من إجمالي العاملين في الصناعات الثقافية والإبداعية، ما يجعلهن صوتاً مؤثراً وقوة دافعة للتغيير في المنظومات الثقافية والإبداعية. ومع ذلك، تظل أوجه عدم المساواة البنيوية قائمة في القطاع الثقافي، ولا تزال المرأة ممثّلة تمثيلاً ناقصاً في أدوار صنع القرار والقيادة. فعلى الرغم من أن 99% من الدول الأعضاء في اليونسكو المقدّمة لتقارير اتفاقية عام 2005، وعددها 114 دولة، تعلن وجود وزارات أو هيئات حكومية أو برلمانية مخصصة تُعنى تحديداً بالمساواة بين الجنسين، فإن 67% منها فقط تفيد بأن هذه المؤسسات المعنية بالنوع الاجتماعي ذات صلة مباشرة بالعاملين في الصناعات الثقافية والإبداعية، وتنخفض هذه النسبة إلى 55% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
الإطار 2: مستقبل متكافئ: النهوض بالمساواة بين الجنسين في القطاع الثقافي
روسي دي بالما، فنانة إنسانية، وسفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة من أجل التنوع الثقافي.
كتبت الشاعرة والناشطة الملهمة مايا أنجيلو: «لا عذاب أعظم من أن تحمل في داخلك قصة لم تُروَ». والحق أن رواية قصتنا ظلت حتى اليوم تحجب المكانة الحقيقية للمرأة، مكانة ملايين النساء اللواتي حقّقن على مدى قرون اكتشافات علمية، وسافرن إلى الفضاء، وكتبن ورسمن ونسجن أعمالاً رائعة، وقدن مجتمعات بأكملها. إنها مكانة مُحيت وأُخفيت عن الأنظار، وعلينا اليوم أن نستعيدها معاً بوصفنا مجتمعاً.
والأمر أبعد من أن يكون مسألة تمثيل تاريخي فحسب، فملايين النساء حول العالم لا يزلن اليوم محرومات من الحرية والمساواة والعدالة والتعليم والرعاية الصحية والاستقلال، ومن الاستقلالية الاقتصادية والفكرية على حد سواء. إنهن محرومات من الحق في العيش بكرامة. ويمتد هذا الحرمان إلى المجال الثقافي أيضاً، وهو مجال طالما صُوّرت فيه المرأة ملهمةً أو شخصية سلبية، ولا تزال إسهاماتنا فيه دون ما تستحقه من اعتراف، وتظل الأدوار القيادية فيه نادرة، بل إننا ما زلنا حتى اليوم نتقاضى أجراً أقل لقاء عملنا.
كانت أمي فنانة ومفكرة حرة، اضطُرّت، شأنها شأن كثيرات غيرها، إلى التقليل من شأن نفسها والتواري وكبح عقلها وفضولها الفطري كي لا تلفت الأنظار. لقد رضخت لرقابة مجتمع وحقبة لم يكتفيا بخنق التطور الفكري للمرأة بحصرها في الحيّز المنزلي، بل زرعا فيها كذلك بذرة الرقابة الذاتية. وعلى الرغم من إرث الحرية الذي تركته لي، والذي شكّل شخصيتي، كان عليّ أنا أيضاً أن أتمرّد وأتحرّر من ذلك الموروث المقيّد. ففي حالتي، لم يكن أمامي خيار سوى قلب المنظور وتحدي السردية السائدة، وهي جرأة حمتني من نظرات الآخرين التي كثيراً ما تكون موصِمة وقاولبة، إذ قاومت الضغط الذي يدفع إلى الامتثال لسلوكيات مفروضة أو لتفكير أحادي البعد. وفي خضم هذه المسيرة، غدت الثقافة والفن أعظم حليفين لي، ومصدرين للشفاء والصمود. فإن كان ثمة شيء دأبت عليه النساء دوماً، فهو النهوض فوق المحن، بل وتحويلها إلى تجليات فنية غير متوقعة.
إننا معشر النساء فنانات وحرفيات، حارسات للذاكرة والتراث الحي، خيميائيات، ماهرات في فن البقاء، وبطلات لحكايات حياتنا. وقد تحدثت فرجينيا وولف في كتابها «غرفة تخص المرء وحده» عن انتقال المرأة من التحديق عبر النافذة إلى النظر في المرآة، ومن ثم إلى محادثة ذواتنا ومحادثة بعضنا بعضاً. أما حركات مارثا غراهام الانسيابية القوية فقد حثّتنا على إدراك الطاقة الكامنة فينا، تلك القوة الحيوية، واستكشافها والتعبير عنها لا بالحكم أو المقارنة، بل بالاحتفاء. وهذه الطاقة ذاتها تسري في القصص التي نرويها، لأن القصص مهمة؛ فقد تُستخدم للسلب والتشهير، لكنها قد تُستخدم أيضاً للإنصاف والتمكين والأنسنة والتحويل.
وباستحضاري هؤلاء الفنانات الجريئات، أودّ أن أؤكد الحاجة الملحّة إلى كسر الصور النمطية، ودعم إبداع المرأة، ورعاية قدراتها القيادية، وضمان حيّز لها في جميع قطاعات الفنون ومستوياتها، بما في ذلك حقها في الأمان. وأن نعترف بالمرأة لا بوصفها مبدعة فحسب، بل حاملةً للثقافة وقائدةً ورائدة أعمال ومعلّمةً وخبيرة، وأن نضمن تقدير عملها ومكافأتها عليه بإنصاف. فلن تزدهر الثقافة بكل ثرائها، بجميع أصواتها وألوانها وملامسها، إلا بتحقيق إنصاف حقيقي بين الجنسين داخل المجال الثقافي وخارجه.
إن النساء اليوم أكثر يقظة من أي وقت مضى. وهذا الطريق في العودة إلى ذواتنا، إلى الاكتشاف ومعرفة النفس، قد مهّدته خطوةً خطوة نساء سبقننا وضحّين بالكثير، ولا رجعة عنه.
واستلهاماً لرؤية إعلان موندياكولت 2022، أسهمت هذه الرؤى إسهاماً مهماً في إثراء التقرير العالمي، الذي يؤكد أهمية النُّهج القائمة على الأدلة والشراكات في مجال السياسات الثقافية والحوكمة الثقافية، من المستوى العالمي حتى المستوى المحلي، وضرورة أن تتقاطع السياسات الثقافية مع مجالات السياسات الأخرى وأن تستجيب للأولويات العالمية. ويسترشد عمل اليونسكو بأولويتين عالميتين شاملتين هما أفريقيا والمساواة بين الجنسين، وتُدمجان على نحو منهجي في جميع البرامج والمبادرات، بما فيها السياسات الثقافية. كما تولي المنظمة اهتماماً خاصاً للفئات ذات الأولوية، ولا سيما الدول الجزرية الصغيرة النامية والشباب، حرصاً على تلبية احتياجاتها الخاصة ومراعاة منظوراتها ونظمها المعرفية. وتعكس هذه الأولويات التزام اليونسكو بالنهوض بتنمية شاملة ومنصفة، وتعزيز التنوع الثقافي، وضمان ألا يُترك أحد خلف الركب في تنفيذ خطة عام 2030 وما بعدها.
فحيثما يوجد تعاون متعدد الأطراف فعّال بين مختلف الوزارات والإدارات، تستطيع الثقافة أن تزدهر بوصفها ناقلاً يحدث أثراً عميقاً وتحويلياً. أما حيث لا يستند النهج المتعدد الأطراف إلى أدلة متينة وحوكمة سليمة وشراكات راسخة، فقد تتراجع الثقافة سريعاً في سلّم الأولويات وتغيب عن البرامج والإجراءات الاستراتيجية الرئيسية. ويصدق ذلك بوجه خاص على تمويل الثقافة، إذ يصعب في غياب نهج متعدد الأطراف قائم على الأدلة وضع نماذج واضحة ومقنعة لتمويلها. وينعكس ذلك بدوره سلباً على وضع الفنان، فيفضي إلى ثغرات في الدعم، بما فيه التمويل، وإلى انتهاكات تطال أشكال التعبير الثقافي المتنوعة. وقد يعني أيضاً أن التراث الثقافي لا يحظى بالقدر الكافي من الحماية والصون وإعادة التصور، وأن فرصاً لبناء اقتصاد إبداعي أكثر تنوعاً وشمولاً تضيع هدراً.
وهذا الواقع الهش للثقافة هو ما يلفت هذا التقرير انتباهنا إليه. فهو يدعو إلى إدماج أفضل وأقوى للثقافة في السياسات وخطط التنمية على المستويات العالمي والإقليمي والوطني والمحلي، بما يفضي إلى تمويل ثقافي مبتكر وواسع النطاق. فضلاً عن ذلك، يقرّ كل فصل من فصوله بأنه لكي تحتفظ الثقافة بثقلها الاستراتيجي ولكي يُطلق دورها في التنمية المستدامة بالكامل، لا بد من الاعتراف الكامل بها هدفاً إنمائياً مستقلاً.
ومن شأن تخصيص هدف للثقافة أن يكون حافزاً لعمل منسّق على الصعيدين الوطني والدولي. فهو سيرسّخ الأبعاد الثقافية ترسيخاً حقيقياً في القطاعات الحيوية كالتعليم والبيئة والاقتصاد، من خلال تعزيز التوافق بين الوزارات والالتزام المستدام بالسياسات. كما سيعزّز الحوار والتعاون الحكوميين الدوليين، ممهّداً الطريق لاستراتيجيات مشتركة واستثمارات مشتركة. والأهم من ذلك أن هدفاً كهذا سيدفع نحو الإدماج المنهجي للثقافة في ميادين السياسات الأوسع، بما فيها الحد من مخاطر الكوارث والتنمية الحضرية وبناء السلام والتكيّف مع تغيّر المناخ، وهي ميادين لا تزال الإمكانات التحويلية للثقافة فيها غير معترف بها بالقدر الكافي، مع أن الحاجة إليها ملحّة.
وبدلاً من أن يؤدي تخصيص هدف مستقل للثقافة إلى عزلها، فإنه سيُبرز أهميتها الشاملة لمختلف القطاعات، إذ يوفّر أهدافاً ومؤشرات مشتركة تعزّز التعاون بين القطاعات وتضاعف إسهامات الثقافة في أولويات التنمية الأخرى. وليس في ذلك ازدواجية، بل هو خطوة استراتيجية نحو الاتساق والظهور والشمول.
إن هدف الثقافة ليس تطلعاً رمزياً، بل إطار عمل قابل للتنفيذ لبناء المستقبل المستدام والشامل الذي نحتاج إليه جميعاً.
سدّ فجوات البيانات: بناء قاعدة أدلة منصفة
تقدّم هذه الطبعة الأولى من التقرير العالمي لمحة شاملة عن السياسات الثقافية على مدى السنوات الخمس الماضية، وهي منظّمة حول ستة مجالات ذات أولوية حدّدتها الدول الأعضاء في إعلان موندياكولت 2022.
ومن خلال تقييم التقدم المحرز والتحديات القائمة والاتجاهات الناشئة في الميدان الثقافي، يشكّل التقرير مرجعاً أساسياً يوجّه تنفيذ السياسات الثقافية في جميع المناطق. كما يختبر جدوى مؤشرات الأداء الواردة في إطار النتائج الجديد للتقرير العالمي، مسهماً في تقييم أكثر منهجية لأثر القطاع الثقافي على المستويات العالمي والوطني والمحلي.
ويشمل هذا الإطار المبتكر 6 مجالات أثر و12 حصيلة و19 ناتجاً ونحو 100 مؤشر، منها 28 مؤشراً خاصاً بالمساواة بين الجنسين، ويوفّر نقطة مرجعية مشتركة لرصد تطور السياسات الثقافية بطريقة شاملة ومتسقة. وقد جرى توحيد البيانات المجمّعة من التقارير الدورية المقدّمة في إطار صكوك اليونسكو التقنينية وبرامجها في مجال الثقافة، وتنقيتها وتحليلها بما يتوافق مع إطار نتائج التقرير، بهدف ربط الأسئلة ذات الصلة بمؤشرات محددة، على النحو المفصّل في قسم المنهجية. وقد صُمّمت هذه الأداة، المتّسقة مع إطار اليونسكو المنقّح للإحصاءات الثقافية لعام 2025، لتكون تكرارية وقابلة للتكيّف.
ومن الضروري الإقرار بأن الثغرات في الإحصاءات الثقافية، بما في ذلك توافر البيانات، والتغطية الجغرافية، والاتساق الزمني، وانعدام بيانات متسقة وقابلة للمقارنة ومصنّفة بحسب الجنس تربط المساواة بين الجنسين بنتائج السياسات الثقافية، قد تشوّه الاتجاهات الإقليمية والوطنية، ما يؤكد أهمية تعزيز نظم البيانات الثقافية لدعم صنع السياسات القائم على الأدلة والمقارنة المعيارية الدولية. ومع الإقرار الكامل بهذه القيود، يوفّر إطار نتائج التقرير العالمي بنية حية قادرة على التطور مع استمرار استخدامها، ومع ملاحظات أصحاب المصلحة، والاستثمار في القدرات الإحصائية الوطنية.
وفي هذه الطبعة الأولى، جرى تحليل تقارير 196 بلداً و116 مدينة، مع تفاوت في التركيبة الإقليمية بحسب الصكوك التقنينية والبرامج، ويشمل عدد البلدان الدول الأعضاء والأعضاء المنتسبين والدول الأطراف. وتتفاوت كذلك معدلات التصديق وتقديم التقارير تفاوتاً كبيراً بين الصكوك التقنينية والبرامج، ما يؤدي إلى تباين مستويات تمثيل الميادين الثقافية الفرعية. وقد بُذلت جهود لسد فجوات البيانات عبر الاستعانة بمصادر بيانات بديلة، منها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية ومنظمات المجتمع المدني الدولية والجهات الفاعلة في القطاع الثقافي والقطاع الخاص. ومع أن تنويع المصادر لا يعوّض تماماً عن تفاوت توافر البيانات بين المناطق، فإن هذا النهج يمثّل خطوة مهمة إلى الأمام.
ومن خلال تأسيس التقرير العالمي على مساهمات على المستويين الوطني والمحلي، لا تسعى اليونسكو إلى تقدير جهود دولها الأعضاء فحسب، بل تسعى أيضاً إلى تحويل عملية تقديم التقارير إلى أداة ديناميكية للتعلّم والتبادل والابتكار في السياسات. ويملك التقرير العالمي القدرة على تحفيز تغيير منهجي، عبر رقمنة البيانات وتوحيدها، وتيسير الاتساق بين الإجراءات الثقافية لليونسكو، والاستجابة لطلبات قديمة من الدول الأعضاء بتبسيط عمليات تقديم التقارير وتعزيز جدواها لصنع السياسات الوطنية.
وعلاوة على ذلك، يهدف التقرير إلى إثراء مداولات المؤتمر العالمي لليونسكو بشأن السياسات الثقافية والتنمية المستدامة، موندياكولت 2025، المنعقد في برشلونة بإسبانيا. فالحوار بلا بيانات يوشك أن يصبح رمزياً، والبيانات بلا حوار تبقى جامدة. والتقرير العالمي يقدّم الأمرين معاً: أساساً تجريبياً متيناً للحوار الحكومي الدولي، ونقطة مرجعية مشتركة لمواءمة العمل الوطني والدولي. كما يدافع التقرير عن التزام أكبر وأكثر تنسيقاً بتطوير البيانات وبسياسات ثقافية قائمة على الأدلة تدعم تخصيص هدف مستقل للثقافة.
لمحة عن التقرير العالمي للسياسات الثقافية
استرشدت طبعة عام 2025 من التقرير العالمي بمجلس استشاري قدّم مدخلات استراتيجية بشأن الموضوعات والاستنتاجات والتوصيات الرئيسية. أما هيئة التحرير، المؤلفة من المحررين الرئيسيين والمؤلفين وكراسي اليونسكو ومنسّق التقرير العالمي في اليونسكو، فقد تشكّلت عبر عملية شاملة وتشاركية، مع تركيز قوي على تنوع المنظورات الثقافية والخبرات المواضيعية. وأُجريت عملية مراجعة دقيقة من قبل النظراء شارك فيها كبار الخبراء وكراسي اليونسكو والمجلس الاستشاري، فجمعت طيفاً واسعاً من المنظورات للتحقق من جودة التقرير واتساقه وتوجهه الاستراتيجي.
ويُخصَّص كل فصل لموضوع إنمائي محدد، فيحلّل كيف أسهمت السياسات والتدابير الثقافية في النهوض بالحقوق الثقافية الفردية والجماعية، وفي نفاذ أكثر شمولاً إلى الثقافة ومشاركة أوسع في الحياة الثقافية، وفي تعزيز أوجه التآزر بين الثقافة والتعليم، وتحسين حماية الثقافة في سياقات الطوارئ، ودعم الاقتصاد الإبداعي، والتحول الرقمي للقطاع الثقافي، ودور الثقافة في العمل المناخي.
والأهم أن التقرير يدرس أيضاً ما لا يزال غائباً، أي العوائق البنيوية والمنهجية التي تعترض التنمية المرتكزة على الثقافة، بما في ذلك من منظور النوع الاجتماعي.
ويجري هذا التحليل في سياق مشهد معقد ومتغيّر، يتسم باستمرار التعافي من جائحة كوفيد 19، وتنامي عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتصاعد النزاعات، واشتداد أزمة المناخ. كما يأخذ في الحسبان الإمكانات التخريبية للتقنيات الناشئة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي الذي يعيد تشكيل سلسلة القيمة الثقافية بأكملها على نحو يتعذّر التنبؤ به.
وفي الوقت ذاته، يقرّ التقرير بالنهضة الإبداعية الصاعدة من الجنوب العالمي، ولا سيما في المناطق الحضرية السريعة النمو حيث يقود الشباب بكل تنوّعهم أشكالاً جديدة من التعبير والابتكار الثقافيين. غير أن هذه المرحلة الحيوية تتزامن أيضاً مع تصاعد عدم الاستقرار والتقلب السياسيين وتراجع ثقة الجمهور في المؤسسات التقليدية. ويأتي التقرير كذلك في خضم أزمة عالمية حادة، تتعدد فيها النزاعات، وتشتد حالة الطوارئ المناخية، وتنتشر الاعتداءات على الحرية والديمقراطية والشمول. إن الثقافة في خطر وتحت التهديد.
وفي هذا السياق، يقدّم التقرير العالمي تأملاً في أوانه للدور المتطور للثقافة وأثرها ومستقبلها. ويؤكد الحاجة الملحّة إلى ترسيخ الثقافة على نحو أمتن في خطط التنمية العالمية، ولا سيما من خلال اعتماد هدف مستقل للثقافة في إطار ما بعد عام 2030. وتقدّم الفصول مجتمعةً منظوراً متماسكاً واستشرافياً لتوجيه سياسات ثقافية شاملة وفعّالة وصامدة في جميع أنحاء العالم.
الفصل الأول: النهوض بالمشاركة الشاملة والمنصفة في الحياة الثقافية
يقدّم هذا الفصل لمحة عامة عن الوضع العالمي للحقوق الثقافية، مسلّطاً الضوء على أوجه عدم المساواة المستمرة والفرص الناشئة في القطاع الثقافي. ويحدّد الثغرات الجوهرية في السياسات والحوكمة والبنية التحتية التي تعوق الإعمال الكامل للحقوق الثقافية، ولا سيما بالنسبة للنساء والشعوب الأصلية والمجتمعات المهمّشة. واستناداً إلى المعايير الدولية والتجارب الإقليمية، يطرح الفصل رؤى استراتيجية في مجالات الأولوية الرئيسية، من المساواة بين الجنسين ووضع الفنان والحرية الفنية إلى التحول التكنولوجي ونظم البيانات.
الفصل الثاني: تسخير التقنيات الرقمية للحد من أوجه عدم المساواة وتحفيز الابتكار
يقدّم هذا الفصل لمحة عامة عن أثر التحول الرقمي في جميع الميادين الثقافية، وكيف يجلب فرصاً وتحديات جديدة للمهنيين الثقافيين والفنانين والمؤسسات. ويشمل ذلك تحليلاً لقضايا النفاذ إلى الثقافة، والتنوع الثقافي واللغوي، وتوثيق التراث الثقافي وصونه، والابتكار في أشكال التعبير الإبداعي، والأجر العادل، وتكييف المهارات، وحرية التعبير، والملكية الفكرية في البيئة الرقمية، مع تركيز خاص على الذكاء الاصطناعي. ويتناول الفصل كذلك الإقصاء الرقمي الذي لا يزال يعوق المشاركة الكاملة للمرأة في الصناعات الثقافية والإبداعية، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، حيث تظل الفجوة الرقمية واضحة.
الفصل الثالث: تعزيز التربية الثقافية والفنية
يستكشف هذا الفصل أوجه التآزر بين الثقافة والتعليم بوصفهما ركيزتين لمستقبل شامل متجذّر في التنوع الثقافي وحقوق الإنسان. ويؤكد ضرورة إدماج التربية الثقافية والفنية في التعليم النظامي وغير النظامي والتعلّم غير الرسمي لتعزيز تعلّم مدى الحياة يراعي السياق ويشمل الجميع، وضمان المساواة في النفاذ إلى فرص التعليم والتدريب، ولا سيما في المجال الرقمي. ويشير أيضاً إلى الحاجة إلى تعزيز التنوع الثقافي والتفاهم بين الثقافات لبناء مجتمعات سلمية متماسكة، ويقدّم رؤى حول تنفيذ إطار اليونسكو للتربية الثقافية والفنية الذي اعتمدته الدول الأعضاء في عام 2024.
الفصل الرابع: تمكين منظومة ثقافية شاملة ومستدامة ودفع عجلة التنمية الاقتصادية
يدرس هذا الفصل كيف تعمل الصناعات الثقافية والإبداعية محرّكاً رئيسياً للتنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة، رابطاً بين الدعم العام للفنون والثقافة والنمو الاقتصادي. ويبيّن كيف يوفّر دعم الدولة للثقافة الأساس لاقتصاد مختلط تستثمر فيه الأنشطة الربحية والسريعة النمو المواهب والمحتوى الناشئين في منظومة ثقافية أوسع. ويصف الفصل من منظور السياسات الترابط بين الإعانات والحوافز والجوانب التنظيمية والسوق. كما يسلّط الضوء على الحاجة الملحّة إلى دعم هيكلي للعاملين في المجال الثقافي، الذين كثيراً ما يعملون في ظروف هشة وغير رسمية، وإلى التصدي للأعراف التمييزية القائمة على النوع الاجتماعي. ويرى أن تعزيز الحماية العمالية والنهوض بالمساواة بين الجنسين والدفاع عن الحرية الفنية أمور أساسية لقطاع ثقافي مستدام.
الفصل الخامس: التصدي لتغيّر المناخ وتعزيز الاستدامة البيئية من خلال الثقافة
ينبّهنا هذا الفصل إلى الأهمية البالغة لإدماج الثقافة والإبداع ونظم المعرفة المتنوعة بصورة أكبر في المناقشات الدولية والعمل التنفيذي المتعلقين بتغيّر المناخ، ويسلّط الضوء على تحديات عميقة الجذور في مواءمة نُهج السياسات المتعلقة بالثقافة والبيئة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. ويؤكد أيضاً الدور المتعدد الأبعاد للثقافة في التكيّف مع تغيّر المناخ والتخفيف من آثاره وفي الاستدامة البيئية، ومسألة إزالة الكربون والاستدامة البيئية في القطاعين الثقافي والإبداعي، والحاجة إلى حماية التراث الثقافي وصونه من تغيّر المناخ والآثار البيئية.
الفصل السادس: حماية الفنانين والثقافة المعرّضين للخطر: تعزيز الصمود والسلام والأمن
يقدّم هذا الفصل رؤية واسعة للسياسات والتدابير التي وُضعت في أشد الظروف إلحاحاً وهشاشة. ومن خلال أمثلة مستقاة من نزاعات حديثة وجارية، يتأمل الفصل الممارسات الجيدة في دعم الفنانين، ولا سيما الفنانات اللواتي يتضررن من الأزمات وحالات الطوارئ بدرجة غير متناسبة، وفي صون الثقافة في لحظات الخطر الشديد، فضلاً عن الممارسات الجيدة من أجل السلام والمصالحة وإعادة الإعمار. ويشمل ذلك تأملات في السياسات والممارسات المتعلقة بالثقافات المفقودة، كالمعالم التي دمّرتها النزاعات، وبالفئات الأشد حاجة إلى الدعم، كالنساء والفنانين والمهنيين الثقافيين المنتمين إلى الأقليات.
وتعرض خاتمة هذا التقرير المسوّغات والإلحاح، بل والمسار أيضاً، لتخصيص هدف مستقل للثقافة، بالبناء على استنتاجات التقرير ككل، في سبيل إدماج الثقافة هدفاً مستقلاً من أجل التنمية المستدامة والسلام والأمن.
إن هذا التقرير ليس نقطة نهاية، بل بداية. فهو يقدّم للدول الأعضاء في اليونسكو أداة قوية وعملية، متجذّرة في تقاريرها الخاصة، ومصمّمة وفق احتياجاتها، ومهيّأة للتعاون. وهو يشجّع القطاع الثقافي على المضي قدماً معاً نحو غاية مشتركة: ضمان حماية الثقافة وتقديرها وتعزيزها لما فيه خير البشرية جمعاء، الآن وللأجيال القادمة.
إقرار بشأن مرجعية البيانات
تأتي معظم البيانات التي يستند إليها هذا التقرير العالمي الأول ويشير إليها من تحليل التقارير المقدّمة إلى اليونسكو من أصحاب المصلحة الوطنيين والمحليين فيما يتعلق بجميع صكوكها النظامية ومبادراتها الرئيسية في مجال الثقافة. ويشمل ذلك خمس اتفاقيات وثلاث توصيات، ومؤشرات الثقافة|2030، وشبكة المدن المبدعة، والاستقصاءات الخاصة بمتابعة إعلان موندياكولت 2022. وتيسيراً للقراءة، حيثما جرى الاستناد إلى مصادر اليونسكو، اكتُفي في الإحالات الواردة في المتن بذكر مصدر اليونسكو الذي خضع للتحليل، كاتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي. بيد أنه تجدر الإشارة إلى أن هذا الحجم الكبير من بيانات اليونسكو ومعلوماتها، المؤلف مما يزيد كثيراً على 1200 تقرير منفرد، قد عالجه ووحّده ونقّاه وحلّله وعرضه بصرياً بالكامل شريك البيانات والبحث، شركة بي أو بي للاستشارات.
