القائمة الرئيسية

تقرير آفاق السياسات التعليمية 2025 تنمية متعلمين مدى الحياة منخرطين وقادرين على الصمود في عالم يشهد تحولًا رقميًا

تقرير آفاق السياسات التعليمية 2025 تنمية متعلمين مدى الحياة منخرطين وقادرين على الصمود في عالم يشهد تحولًا رقميًا
ملخص الدراسة

يركز تقرير آفاق السياسات التعليمية لعام 2025، الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، على أهمية تصميم أنظمة تعليمية متكاملة للتعلم مدى الحياة لمواجهة التحديات التي يفرضها عالم سريع التحول رقمياً واجتماعياً، وتأهيل الأفراد للتعلم المستمر. يستند التقرير، الذي يحلل أكثر من 230 سياسة من 35 دولة، إلى إطار "الإرادة والمهارات والوسائل"، وذلك لدعم المتعلمين في أربع مراحل حياتية حرجة: الطفولة المبكرة، والمراهقة، ومنتصف المسار المهني، ومرحلة ما قبل التقاعد. ويهدف إلى توفير رؤى قائمة على الأدلة لصانعي السياسات لتمكين الأفراد من تنمية الدافعية والكفاءات والفرص اللازمة للانخراط الفعال في التعلم طوال حياتهم، وبناء مجتمعات منصفة وقادرة على الصمود.

تمهيد

يمثل تقرير آفاق السياسات التعليمية المرصدَ التحليلي لسياسات التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو ثمرة جهد تعاوني تشترك فيه الدول والاقتصادات الأعضاء في المنظمة وأمانتها العامة والمنظمات المدعوة، إلى جانب جميع الفاعلين العاملين داخل الأنظمة التعليمية المشاركة، سعياً إلى مساعدة الطلبة على بلوغ أقصى إمكاناتهم.

أعدّ هذا التقرير فريق آفاق السياسات التعليمية المؤلف من ديانا توليدو فيغيروا (قائدة المشروع) وصوفيا دي بيراردينيس وإيميلي تشينغ، وأسهم هوغو ماركيس دي سوزا في المراحل التحضيرية بتحليل البيانات وصياغة المسودات. وقد أُنجز التقرير تحت مسؤولية باولو سانتياغو رئيس قسم المشورة في السياسات وتنفيذها، ولوسيا ديلانيولو نائبة مدير التعليم والمهارات، وأندرياس شلايشر مدير التعليم والمهارات والمستشار الخاص للأمين العام للمنظمة في شؤون السياسات التعليمية. وقدمت أميلين بيزان الدعم التحريري والإداري، فيما أسهم في الجانب الإعلامي كل من ساشا راميريز هيوز وجوان كادي ودنكان كروفورد وراشيل ليندن وآنا والغرين وديلا شين.

وقد تيسّر إعداد هذا التقرير بفضل العمل المنجز في إطار مسارات العمل الثلاثة لآفاق السياسات التعليمية، وهي التحليل المقارن والموضوعي، والعمل القُطري الذي يقوم أساساً على إعداد الملفات التعريفية لسياسات الدول، والحوار حول السياسات. وتشكل هذه المسارات لبنات أساسية لتطوير المعرفة الدولية بسياسات التعليم وتعزيزها وتعبئتها. وتعرب الأمانة العامة للمنظمة عن شكرها للمنسقين الوطنيين لآفاق السياسات التعليمية وللهيئات الممثلة للفاعلين الرئيسيين لدى المنظمة، ومنها اللجنة الاستشارية النقابية ومنظمة الأعمال لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، على إسهاماتهم القيّمة في أنشطة المشروع التي استند إليها إعداد هذا المنشور.

وتقدم التقارير المقارنة لآفاق السياسات التعليمية، المستندة إلى بحث مستفيض وتحليل واسع للبيانات، رؤى قائمة على الأدلة بشأن السياسات التعليمية على المستوى الدولي. ومنذ عام 2023، يدعم هذا العمل الدول في متابعة الأهداف التي أرساها إعلان عام 2022 بشأن بناء مجتمعات منصفة عبر التعليم. وفي إطار هذا الدعم، يواصل التقرير الحالي العمل الذي بدأه المرصد منذ عام 2020 حول الاستجابة والقدرة على الصمود، ويقدم رؤى ذات صلة بالفاعلين في مجال التعليم لعام 2025 استناداً إلى المجالات ذات الأولوية في إطار الاستجابة والصمود في السياسات التعليمية. كما يعرض التقرير خلاصات التحليل الدولي المقارن للجهود السياسية الواعدة وذات الصلة التي تبنتها الدول المشاركة في السنوات الأخيرة لدعم التعلم مدى الحياة.

ويستند التقرير كذلك إلى إجابات 35 نظاماً تعليمياً عن الاستبيان الوطني لآفاق السياسات التعليمية لعام 2025 الخاص بالتحليل المقارن للسياسات بعنوان "رعاية متعلمين مدى الحياة منخرطين وقادرين على الصمود في عالم يشهد تحولاً رقمياً"، والتي جُمعت أساساً بين شهري يونيو وأغسطس من عام 2025، إضافة إلى أدلة أخرى. والأنظمة التعليمية المشاركة في هذه الدراسة هي: النمسا، وبلجيكا (المجموعة الفلمنكية والمجموعة الفرنسية والمجموعة الناطقة بالألمانية)، والبرازيل، وبلغاريا، وتشيلي، والصين، وكوستاريكا، وكرواتيا، والتشيك، وإستونيا، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، وآيسلندا، واليابان، وليتوانيا، ولوكسمبورغ، والمكسيك، وهولندا، ونيوزيلندا، والنرويج، والبيرو، وبولندا، والبرتغال، ورومانيا، وجمهورية سلوفاكيا، وسلوفينيا، والسويد، وتايلاند، وتركيا، والمملكة المتحدة (إنجلترا وإيرلندا الشمالية)، والولايات المتحدة. أما المعلومات الخاصة بالأنظمة التعليمية الأخرى فقد جُمعت عبر أنشطة أخرى من أنشطة آفاق السياسات التعليمية. وقد جرى في المجمل استعراض أكثر من 230 سياسة وتحليلها.

وأُطلق هذا التقرير خلال حوارات إصلاح السياسات التعليمية لعام 2025 التي حملت العنوان ذاته، والتي نُظمت بالشراكة مع وزارة التربية الوطنية والطفولة والشباب في لوكسمبورغ، في لوكسمبورغ يومي 28 و29 نوفمبر 2025. وتُعد حوارات إصلاح السياسات التعليمية، التي تُعقد سنوياً منذ عام 2018، المنتدى الأبرز لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مجال السياسات التعليمية، وتسهم مخرجات نقاشاتها في توجيه العمل المستقبلي للمنظمة في مجال التعليم والمهارات، بما في ذلك تقرير آفاق السياسات التعليمية.

افتتاحية

لم يعد التعلم اليوم مرتبطاً بعمر الإنسان، بل بمدى تمكينه. فالسيناريو القديم القائم على الاجتهاد في الدراسة ثم الحصول على وظيفة ثم التقاعد بهدوء قد تمزق تماماً. نحن نعيش أعماراً أطول، ونبدّل مساراتنا المهنية كما نبدّل التطبيقات على الهواتف الذكية، ونتعامل مع تقنيات تعيد تعريف المعرفة بوتيرة تفوق قدرة أنظمتنا التعليمية على مواكبتها. ولم يعد ممكناً أن يقتصر دور التعليم على كونه منصة انطلاق نحو الوظيفة الأولى، بل ينبغي أن يغدو نظام التشغيل الذي يدير حياة الفرد بأكملها، فيمدّ بالطاقة كل مرحلة انتقالية وكل تجديد للذات وكل قفزة من المدرسة إلى العمل، وبين المهن المختلفة، وخلال فترات رعاية الآخرين، وحالات فقدان العمل، والفصول المتأخرة من الحياة.

وهذا أمر مثير ومقلق في آن واحد، إذ يفرض علينا جميعاً، متعلمين وأصحاب عمل وحكومات، أن نعيد التفكير في المعنى الحقيقي للتعلم. فهو يتطلب مزيداً من الفضول والانضباط الذاتي والثقة لدى أفراد يتعين عليهم أن يتعلموا باستمرار وبطرق جديدة مع تغير الحياة من حولهم. كما يستدعي بيئات تعلم، في المدارس وأماكن العمل والمراكز المجتمعية والمنصات الإلكترونية، تلاقي الناس حيث هم في مختلف مراحل حياتهم. ويتطلب من الحكومات أن تبني عموداً فقرياً موثوقاً من التمويل والاعتراف وضمان الجودة، بحيث تكون الفرص حقيقية للجميع، لا لمن يشغلون وظائف مستقرة فحسب. وحين تتكامل هذه العناصر، يتحول التعلم مدى الحياة من شعار إلى واقع معاش.

ويُظهر تقرير آفاق السياسات التعليمية أن استعدادنا للتعلم ليس ثابتاً، بل يتطور. ففي الطفولة المبكرة يشتعل الفضول ويبدأ التنظيم الذاتي، وفي المراهقة تتشكل الهوية والدافعية والفاعلية الذاتية، أما منتصف المسار المهني فهو مفترق طرق قد تبلغ فيه المهارات حد الركود في اللحظة التي يصبح فيها التجديد ضرورة ملحة. وتظل المراحل المتأخرة من الحياة مهمة كذلك، إذ يعتمد التواصل والمساهمة والشعور بالمعنى جميعها على استمرار الوصول إلى فرص التعلم. والسياسات الذكية هي التي تعزز نقاط التحول هذه، فتصوغ عادات ذهنية تدوم مدى الحياة.

فهل تعدّ الأنظمة التعليمية اليوم الناس ليكونوا متعلمين مدى الحياة؟ تقول الأدلة: ليس بعد. فكثير من الشباب يغادرون المدرسة وهم أقل استعداداً للحياة الحديثة، وهو ما تكشفه نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة PISA لعام 2022 بوضوح مؤلم. ومهارات البالغين في حالة ركود أو تراجع، كما يبين مسح مهارات البالغين PIAAC التابع للمنظمة. صحيح أن تحسين المدارس أمر حيوي، لكنه لم يعد كافياً. علينا أن نتوقف عن التعامل مع تعلم البالغين بوصفه سلسلة من المحطات المتفرقة، وأن نشرع في بناء طرق سريعة سلسة ومتصلة للفرص. ويعني ذلك مسارات تعلم متسقة، ومهارات قابلة للنقل، وأنظمة اعتراف تقدّر الخبرة التي يمتلكها البالغون بالفعل، سواء اكتسبوها في قاعة دراسية أو في مكان عمل أو في حياة عاشوها على الهامش.

ولا يتعلق هذا التحدي بتقديم مزيد من فرص التعلم فحسب، بل يتعلق بالمواءمة: مواءمة الحوافز بحيث يستفيد الأفراد والمؤسسات وأصحاب العمل جميعاً حين يستمر التعلم، ومواءمة الموارد بحيث ينتقل الوقت والمال والاعتراف مع المتعلم أينما ذهب، ومواءمة الابتكار بحيث تعزز الأدوات الرقمية الإمكانات البشرية وتوسع نطاق الوصول وتبني الثقة وتدفع الإنصاف إلى الأمام لا إلى الوراء.

واستناداً إلى أكثر من 230 سياسة في 35 دولة، تُظهر نسخة عام 2025 من تقرير آفاق السياسات التعليمية كيف يمكن أن يبدو هذا المستقبل: برامج للوالدين تعزز التعلم المبكر في المنزل، ومناهج تقوي فاعلية المراهقين وقدراتهم الاجتماعية والعاطفية الاستثنائية، ومؤهلات نمطية وشهادات مصغرة تتيح للبالغين تطوير مهاراتهم دون إيقاف حياتهم مؤقتاً، وبرامج تدريبية مراعية للعمر تُبقي العاملين الأكبر سناً نشطين ومقدَّرين ومتصلين بمحيطهم. وهي في مجموعها تتحدى الخرافة البالية القائلة إن المهارات التي يكتسبها المرء في حياته هي المهارات التي يحتفظ بها طوال عمره.

وفي نهاية المطاف، يتطلب تحويل التعلم مدى الحياة إلى واقع منظومة تعليمية تعكس العالم الذي تسعى إلى خدمته، منظومة تضع فاعلية المتعلم في المركز، وتتكيف مع حياة الناس بدلاً من إجبارهم على ليّ حياتهم لتلائمها. ففي عالم يستطيع فيه أي شخص أن يتعلم أي شيء في أي مكان، لن تكون العملة الحقيقية للتقدم ما يعرفه الناس فحسب، بل قدرتهم وشجاعتهم على مواصلة التعلم. كنا نتعلم لنؤدي عملنا، أما الآن فقد صار التعلم هو العمل ذاته.

أندرياس شلايشر

مدير التعليم والمهارات، والمستشار الخاص للأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في شؤون السياسات التعليمية

دليل القارئ

يمثل هذا التقرير دليلاً مقارناً لصانعي السياسات، يحلل الكيفية التي تبني بها الدول أنظمة أكثر اتساقاً للتعلم مدى الحياة. وهو يدعم تنفيذ إعلان وزراء التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2022 بشأن بناء مجتمعات منصفة عبر التعليم، وذلك من خلال تحديد السياسات التي تساعد الأفراد على تنمية الإرادة والمهارات والوسائل اللازمة للانخراط في التعلم طوال حياتهم. كما يسهم في الحوار حول السياسات بين الدول الأعضاء في المنظمة والاقتصادات الشريكة، عبر ترجمة الأدلة الدولية إلى رؤى قابلة للتطبيق.

الغرض والنطاق

يتناول تقرير آفاق السياسات التعليمية لعام 2025 الكيفية التي تستطيع بها الدول تصميم سياسات للتعلم مدى الحياة والحفاظ على استدامتها عبر أربع لحظات حاسمة في مسيرة التعلم: الطفولة المبكرة، والمراهقة المبكرة والمتوسطة، ومنتصف المسار المهني، والاقتراب من التقاعد. وهي مراحل يمكن فيها للإجراءات السياسية المدروسة التوقيت أن تحقق عوائد مرتفعة ودائمة للأفراد والمجتمعات.

الإطار التحليلي

يطبق كل فصل إطار الإرادة والمهارات والوسائل، الذي يرصد الشروط الرئيسية التي تمكّن الناس من أن يصبحوا متعلمين مدى الحياة. فالإرادة تشمل دافعية المتعلمين وعافيتهم الاجتماعية والعاطفية وفضولهم وفاعليتهم الذاتية. والمهارات تشمل الكفايات الأساسية والمستعرضة والرقمية التي تُبقي التعلم مستمراً. أما الوسائل فهي البيئات والموارد والفرص التي تجعل المشاركة ممكنة.

بنية الفصول

يتبع كل فصل بنية تحليلية منهجية تبدأ بمقدمة تضع اللحظة الحاسمة في سياقها وتبرز أهميتها للتعلم مدى الحياة، يليها قسم يعرض رؤى ذات صلة من الأدلة الدولية ويلخص البيانات والأبحاث عبر الدول. ثم يأتي قسم السياسات الرامية إلى تعزيز الإرادة والمهارات والوسائل اللازمة للتعلم مدى الحياة، وهو منظم على النحو التالي: خيارات التصميم الاستراتيجي، أي الطريقة التي توائم بها الأنظمة بين الأهداف وآليات التنفيذ والفاعلين والموارد لتحويل النوايا إلى ممارسة؛ ثم تعزيز إرادة التعلم مدى الحياة عبر السياسات التي تقوي الدافعية والعافية وفاعلية المتعلم؛ ثم تنمية مهارات التعلم مدى الحياة عبر السياسات التي تبني الكفايات الأساسية والمستعرضة والرقمية؛ ثم تهيئة وسائل التعلم مدى الحياة عبر السياسات التي تحسّن الوصول والموارد والبيئات الممكّنة. ويُختتم كل فصل باعتبارات للمستقبل تقدم خلاصة للمفاضلات الرئيسية ومواطن القصور والدروس المستفادة لتعزيز الاتساق والقدرة على الصمود.

وتوفر هذه البنية اتساقاً تحليلياً عبر اللحظات الحاسمة، مع إتاحة المرونة لعكس السياق الخاص بكل لحظة وأولوياتها السياسية.

كيفية استخدام التقرير

يمكن للقراء التعامل مع التقرير بطريقتين متكاملتين: إما قراءته بالتسلسل لتتبع تطور التعلم مدى الحياة من الطفولة المبكرة حتى مرحلة البلوغ المتأخر، وإما قراءته انتقائياً بالرجوع إلى فصول بعينها أو إلى الركائز الأكثر صلة بأولوياتهم الوطنية. وتتيح البنية التحليلية والمصطلحات المشتركة بين الفصول سهولة المقارنة والإحالة المتبادلة، بما يدعم التأمل في النظام ككل وكذلك التحليل الخاص بكل مرحلة.

ملخص تنفيذي

في عالم يتسم بالتحول التكنولوجي السريع والتغير الاجتماعي وطول الأعمار، يحتاج الناس إلى أن يتعلموا وأن يتخلوا عما تعلموه ثم يعيدوا التعلم طوال حياتهم. غير أن المشاركة في التعلم بعد التعليم الأولي لم تشهد تحسناً يُذكر رغم عقود من الإصلاحات. وتُظهر أدلة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الانخراط في تعلم البالغين ما زال راكداً، وأن نتائج تعلم الطلبة قد تراجعت أو استقرت عند مستوياتها في كثير من الدول.

ولا يكفي مجرد التوسع في الفرص التعليمية. فما يميز المتعلمين مدى الحياة هو قدرتهم على توجيه تعلمهم والمحافظة عليه عبر تعبئة ثلاثة عناصر جوهرية: الإرادة، وهي الفضول والثقة والإحساس بالغاية التي تدفع إلى مواصلة التعلم؛ والمهارات، وهي الأسس المعرفية والاجتماعية والرقمية اللازمة لاكتساب المعرفة الجديدة وتطبيقها؛ والوسائل، وهي الوقت والموارد والشبكات التي تجعل المشاركة ممكنة.

ويحلل هذا التقرير كيف يمكن للدول أن تدعم التعلم مدى الحياة عبر أربع لحظات حاسمة في الحياة: الطفولة المبكرة، والمراهقة المبكرة والمتوسطة، ومنتصف المسار المهني، والمرحلة المتأخرة منه. وهي مراحل يكون فيها الأفراد منفتحين على التعلم على نحو خاص، أو معرضين لخطر الانفصال عنه. واستناداً إلى أكثر من 230 سياسة من 35 دولة واقتصاداً، يحدد التقرير الخيارات الاستراتيجية في تصميم السياسات، وكيف تدعم هذه الخيارات إرادة المتعلمين ومهاراتهم ووسائلهم. وقد أفضى تحليل السياسات ونتائجها إلى تحديد أولويات سياسية رئيسية.

الطفولة المبكرة (من الولادة حتى السادسة): بناء الفضول والثقة. تضع الطفولة المبكرة الأساس للتعلم مدى الحياة. ففي هذه السنوات التكوينية يطور الأطفال الاستعدادات التي يقوم عليها كل تعلم لاحق، كالفضول والمثابرة والدافعية. وتسهم الأسر والمربون في تشكيل هذه الخبرات المبكرة، في حين توفر السياسات أطراً متسقة وتدعم الوصول إلى خدمات عالية الجودة. وتتناول السياسات هذه العناصر على النحو التالي: في جانب الإرادة، رعاية الاستعدادات والمهارات اللازمة للتعلم مدى الحياة؛ وفي جانب المهارات، تعزيز النمو المعرفي والاجتماعي والعاطفي المبكر، ورفع الجودة للجميع، وتسخير الأدوات الرقمية وأساليب التقديم؛ وفي جانب الوسائل، تقوية بيئة التعلم المنزلية، وضمان الوصول المنصف، ودعم التعاون بين القطاعات.

وتشمل أولويات السياسات دعم العاملين في هذا القطاع بحيث يتاح لهم وقت مخصص ودعم وفرص للتعلم المهني تمكّنهم من تشكيل بيئات تعزز الفضول والإبداع والنمو الاجتماعي والعاطفي. ويمكن كذلك تعزيز إشراك الأسر عبر التواصل المنظم والإرشاد والشراكات. كما يمكن للدول أن تواصل توسيع الوصول، كما هو الحال في التشيك وإسبانيا بالنسبة إلى الأطفال من الولادة حتى الثالثة والفئات الهشة.

المراهقة المبكرة والمتوسطة (من العاشرة حتى السادسة عشرة): تشكيل الهوية والغاية. المراهقة هي المرحلة التي يبدأ فيها المتعلمون بتحديد من هم وما الذي يقدّرونه. وهم يحتاجون فيها إلى المثابرة والتأمل الذاتي والقدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة. غير أن هذه المرحلة تنطوي أيضاً على خطر مرتفع للانفصال عن المدرسة. ويمكن للبيئات التي تجعل التعلم ذا صلة وقائماً على العلاقات وذا غاية، مع ممارسات تدريسية فعالة وعلاقات جيدة بين المعلمين والطلبة، أن تحافظ على دافعية المراهقين وإيمانهم بأنفسهم، بما يخلّف آثاراً دائمة على التعلم مدى الحياة. وتتناول السياسات هذه العناصر على النحو التالي: في جانب الإرادة، رعاية فاعلية الطالب ودعم المهارات الاجتماعية والعاطفية؛ وفي جانب المهارات، ضمان ممارسات تدريسية فعالة وتنمية الكفايات المستعرضة؛ وفي جانب الوسائل، تسخير الرقمنة، وتعزيز الجاهزية المهنية والإرشاد، ودعم التعاون بين القطاعات.

وتشمل أولويات السياسات الاستثمار في تعلم مهني مستمر قائم على الممارسة، وهو نهج يمكّن المعلمين من الربط بين المناهج الجديدة والأدوات الرقمية والتقييم التكويني بطرق تعزز دافعية الطلبة وفاعليتهم. ومن الأمثلة على ذلك تحديث فنلندا لمناهجها وأساليب التقييم فيها، وتعزيز آيسلندا للتعاون بين القطاعات لدمج خدمات التعليم والخدمات الاجتماعية والصحية.

منتصف المسار المهني (من 35 إلى 44 عاماً): دعم المرونة والتنقل. يواجه البالغون في منتصف مسارهم المهني متطلبات متنافسة، كمتطلبات العمل والأسرة، في حين يحتاجون إلى تطوير مهاراتهم أو اكتساب مهارات جديدة. ويزداد احتمال انخراطهم في التعلم حين تتواءم الفرص مع ظروف حياتهم، وحين يفضي جهدهم إلى نتائج ملموسة كالاعتراف بما تعلموه أو التقدم المهني. ولتمكين هؤلاء البالغين، ينبغي لصانعي السياسات النظر في الدعم المالي والمرونة الهيكلية وآليات الإشراك القوية التي تزيل العوائق. وتتناول السياسات هذه العناصر على النحو التالي: في جانب الإرادة، تعزيز الدافعية والفاعلية عبر استحقاقات المتعلمين، والإرشاد، وشبكات الأقران أو المجتمع التي تعيد بناء الثقة؛ وفي جانب المهارات، تقديم مؤهلات نمطية قابلة للتراكم، ودعم قابلية التوظيف وقابلية نقل المهارات، وبناء المهارات الرقمية والمستعرضة للمشاركة الفعالة في التعلم المعتمد على التكنولوجيا؛ وفي جانب الوسائل، دعم الوصول والمشاركة عبر تمويل يمكن التنبؤ به والإرشاد والأدوات الرقمية، وتقوية الشراكات بين القطاعات لتقاسم التكاليف ومواءمة التدريب مع احتياجات سوق العمل وتوسيع نطاق الوصول إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة والعاملين في أشكال العمل غير النمطية.

وتشمل أولويات السياسات إتاحة فرص تعلم قصيرة وقابلة للتكيف تتلاءم مع المسؤوليات الشخصية والمهنية. وينبغي للسياسات أيضاً أن تعزز الاعتراف وضمان الجودة، بحيث يقود التعلم، رقمياً كان أو نمطياً أو قائماً على مكان العمل، إلى مؤهلات قابلة للنقل ومقدّرة تدعم التنقل المهني والقدرة على الصمود. فعلى سبيل المثال، طورت إستونيا نظاماً يعترف رسمياً بالمهارات المكتسبة خارج التعليم النظامي، بما في ذلك المكتسبة عبر العمل والتطوع والتعلم غير الرسمي. وبالمثل، تقدم النرويج تدريباً قائماً على صاحب العمل في المهارات الأساسية ومهارات مكان العمل، مدعوماً بمنح حكومية. وتكتسب هذه المقاربات أهمية خاصة في أسواق العمل التي تتسم بكثرة التنقل بين الوظائف وتغيير المسارات المهنية.

الاقتراب من التقاعد (من 55 إلى 65 عاماً): التكيف والمساهمة والبقاء على تواصل. مع اقتراب البالغين من التقاعد، يكتسب التعلم مدى الحياة أهمية جديدة، إذ يستعدون لمراحل انتقالية داخل العمل ونحو التقاعد. وفي ظل تزايد مخاطر الانفصال عن التعلم وتقادم المهارات والإقصاء من سوق العمل، يستفيد الأكبر سناً من فرص تعلم تعزز قدرتهم على التكيف، وتعيد بناء إحساسهم بالغاية وثقتهم بأنفسهم، وتمكّنهم من توظيف خبراتهم ومهاراتهم بطرق جديدة وذات معنى. وإلى جانب اكتساب مهارات جديدة، يساعد التعلم في المراحل المتأخرة من الحياة الأفراد على الحفاظ على الشعور بالرضا والمشاركة الاجتماعية والإسهام في مجتمعاتهم. وتتناول السياسات هذه العناصر على النحو التالي: في جانب الإرادة، تشجيع استمرار الانخراط والاعتراف بقيمة الخبرة؛ وفي جانب المهارات، تعزيز رفع المهارات وإعادة التأهيل والإدماج الرقمي والتعلم بين الأجيال؛ وفي جانب الوسائل، توسيع الوصول عبر أماكن عمل مراعية للعمر، وحوافز مصممة بحسب الاحتياجات، وخدمات منسقة في مجالات الصحة والعمل والتعليم.

وتشمل أولويات السياسات تمكين الأكبر سناً عبر الاعتراف بخبراتهم وتعزيز انخراطهم في التعلم طوال حياتهم. ويمكن لمبادرات التعلم المجتمعي أن تمكّن الأكبر سناً من إدارة تعلمهم وتقاسم معارفهم وتقوية التماسك الاجتماعي. وتؤدي أماكن العمل دوراً رئيسياً عبر تقدير الخبرة وترسيخ ممارسات شاملة لجميع الأعمار ضمن الثقافة التنظيمية، كالإرشاد المهني وترتيبات العمل المرنة ونقل المعرفة بين الأجيال. ويمكن دعم ذلك بالحوافز وبتصميم مدروس لسياسات الموارد البشرية.

إن إيجاد ثقافة للتعلم مدى الحياة يعني تنمية العادات والمؤسسات التي تجعل التعلم أمراً متوقعاً ومقدّراً في آن واحد. وتحتاج الدول إلى الجمع بين معايير واضحة وفاعلية فردية وتقديم تعاوني للخدمات، بما يُظهر أن التعلم مدى الحياة يزدهر حين تتعاضد الدافعية والقدرة والفرصة.

دراسات ذات صلة