القائمة الرئيسية

الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود (6/4)

الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود (6/4)
ملخص الدراسة

يؤكد الفصل الرابع الدور الحيوي للصناعات الثقافية والإبداعية كمحرك رئيسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة حول العالم، حيث تساهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي وتوفر ملايين فرص العمل، وتمكّن من التنوع الاقتصادي والتماسك الاجتماعي. ومع ذلك، يواجه هذا القطاع تحديات منهجية تعيق إمكاناته الكاملة، أبرزها هشاشة ظروف العمل، وعدم المساواة بين الجنسين في القيادة والأجور، وصعوبة الوصول إلى التمويل، والطابع غير الرسمي المنتشر، بالإضافة إلى تحديات التجارة العالمية وحماية الملكية الفكرية في العصر الرقمي وتأثير الذكاء الاصطناعي. للخروج من هذا الوضع، يدعو الفصل إلى نهج شامل يرتكز على الاستثمار في بيانات ثقافية قوية، وتعزيز الأطر القانونية لضمان الأجر العادل والحماية الاجتماعية والحرية الفنية والمساواة، وتوفير استثمار عام وخاص مستدام في البنية التحتية الثقافية، مع التأكيد على أن الثقافة ليست مجرد محرك للنمو الاقتصادي، بل هي أساس للتنمية المستدامة الشاملة والعدالة الاجتماعية. لذلك، يجب إدراج الثقافة كهدف مستقل في خطة التنمية المستدامة القادمة لضمان ازدهارها ودفعها للتقدم البشري.

الفصل الرابع

تمكين منظومة ثقافية شاملة ومستدامة ودفع عجلة التنمية الاقتصادية

دوروتا إيلتشوك، أستاذة في جامعة إس دبليو بي إس للعلوم الاجتماعية والإنسانية، بولندا

آنا كاربينسكا، باحثة في جامعة إس دبليو بي إس للعلوم الاجتماعية والإنسانية، بولندا

أصوات مبدعة: مو أبودو

تمكين منظومة اقتصادية مستدامة للثقافة

المؤسِّسة والرئيسة التنفيذية لمجموعة «إيبوني لايف».

تُعدّ الصناعات الثقافية والإبداعية من أكثر قطاعات الاقتصاد العالمي حيوية، إذ تولّد فرص عمل كبيرة وتسهم في الناتج المحلي الإجمالي. غير أن إمكاناتها الكاملة لا تزال غير مستثمرة بسبب عوائق منهجية، ولا سيما أمام النساء في الأدوار القيادية. فعلى الرغم من إسهاماتهن الهائلة، لا تزال النساء في هذه الصناعات يواجهن فجوات في الأجور بين الجنسين، ومحدودية في النفاذ إلى التمويل، وتمثيلاً ناقصاً في مواقع صنع القرار. ومعالجة هذه التفاوتات ليست ضرورة أخلاقية فحسب، بل ضرورة اقتصادية أيضاً، لأن القيادة المتنوعة تعزّز الابتكار والصمود.

ومن التحديات الرئيسية في تحقيق المساواة بين الجنسين في الصناعات الثقافية والإبداعية النفاذ إلى التمويل. فكثيراً ما تكافح المنشآت الثقافية التي تقودها النساء لتأمين الاستثمار، ما يحدّ من قدرتها على التوسع واستدامة أعمالها. ولسد هذه الفجوة، ينبغي تطبيق آليات تمويل موجّهة وبرامج إرشاد تضمن للنساء فرصاً منصفة للازدهار رائداتِ أعمال وقائداتٍ في القطاع. وستكون السياسات التي تعزّز الموازنة المراعية للنوع الاجتماعي والنفاذ المنصف إلى الموارد المالية حاسمة في بناء منظومة ثقافية متوازنة.

وإلى جانب ذلك، يُعدّ إضفاء الطابع الرسمي على المنشآت الإبداعية، ولا سيما المنشآت المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، أمراً أساسياً للاستدامة الاقتصادية. فكثير من المنشآت الثقافية يعمل بصورة غير رسمية، ما يفضي إلى انعدام الأمن الوظيفي وغياب الحماية الاجتماعية للعاملين الثقافيين. ويجب على الحكومات أن تضع سياسات تحفّز على إضفاء الطابع الرسمي بتقديم مزايا ضريبية ومنح ودعم لتطوير الأعمال. ومن خلال تقوية البنية التحتية لريادة الأعمال الإبداعية، يمكننا أن نضمن حصول المهنيين الثقافيين على أجور عادلة وفرص عمل مستقرة.

وتُعدّ السياحة الثقافية وصون التراث كذلك ركيزتين أساسيتين لاقتصاد ثقافي مزدهر. فمع أن مواقع التراث والمعالم الثقافية تدرّ منافع اقتصادية كبيرة، يجب إدارتها على نحو مستدام لمنع الإفراط في تسليعها وتدهورها. وينبغي أن تشجع السياسات السياحة المسؤولة، بحيث تستفيد المجتمعات المحلية اقتصادياً مع الحفاظ على سلامة تراثها الثقافي. ومن شأن هذا النهج أن يسهم في الاستدامة الاقتصادية الطويلة الأمد مع صون أصالة الأصول الثقافية.

ويجب أن تعكس سياسات التجارة العالمية أيضاً الطبيعة الفريدة للسلع والخدمات الثقافية. فمع تحويل الرقمنة للمشهد الإبداعي، تتزايد الحاجة إلى حماية البيانات الثقافية والسلع الثقافية الرقمية. ومن شأن تعزيز حقوق الملكية الفكرية، وضمان التعويض العادل للفنانين في الأسواق الرقمية، وتشجيع تصدير المنتجات الثقافية عبر اتفاقات تجارية تفضيلية، أن يساعد على استدامة الاقتصاد الثقافي العالمي.

وبالنظر إلى المستقبل، تتطلب المنظومة الثقافية المستدامة نهجاً متعدد أصحاب المصلحة يشمل الحكومات والمستثمرين من القطاع الخاص والمنظمات الثقافية والمجتمعات المحلية. ومن خلال تعزيز سياسات شاملة تدافع عن المساواة بين الجنسين والنفاذ إلى التمويل وحماية التجارة العالمية، يمكننا إطلاق الإمكانات الاقتصادية الكاملة للثقافة محرّكاً للتنمية المستدامة.

لمحة عامة

أولاً، تشكّل الصناعات الثقافية والإبداعية جزءاً رئيسياً من الاقتصاد العالمي، إذ توفّر ملايين فرص العمل، وتسهم في الناتج المحلي الإجمالي والقيمة المضافة الإجمالية، وتمكّن الدول والمناطق من تنويع اقتصاداتها وإتاحة مسارات للمواهب والمنشآت الإبداعية. ويحفّز كثيرَ من هذه الصناعات التقنياتُ الرقمية، التي توسّع نطاقها وحضورها، وتقلّل حواجز الدخول، وتعزّز التعاون المتعدد التخصصات والدولي. غير أن عدم المساواة في النفاذ إلى هذه التقنيات، وضعف التنظيم والإنفاذ، والطبيعة السريعة التطور لهذه التقنيات، تعني أن فرص المشاركة غير متكافئة. لكن الصناعات الثقافية والإبداعية تسهم عموماً، بتضخيمها التراث الثقافي وتوليدها منتجات وخدمات وتجارب جديدة، في الرفاه الجماعي والتنمية المستدامة.

ثانياً، كثيراً ما يُقلَّل من تقدير الإسهام الاقتصادي للصناعات الثقافية والإبداعية، بسبب تحديات القياس الفعّال، وارتفاع مستويات الطابع غير الرسمي، والصعوبة المستمرة في الإدارة الفعالة للملكية الفكرية. وتقوّض هذه القضايا الجهود الرامية إلى جعل الثقافة مساهماً في اقتصاد أكثر شمولاً وإنتاجية وأساساً للتنمية المستدامة.

ثالثاً، تعمل الصناعات الثقافية والإبداعية جزءاً من اقتصاد مختلط أو منظومة، لا بوصفها صناعة تقليدية. فهي شديدة التنوع، تمتد عبر جميع أشكال الفن، وتتغذى من الأنشطة غير الرسمية والتطوعية، وتدعمها مجموعة من إسهامات الدولة والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص في التمويل وسائر عوامل التمكين كالبنية التحتية والتنظيم. ونتيجة لذلك، تتطلب هذه الصناعات دعماً سياساتياً متطوراً يتيح ازدهار أشكال التعبير الثقافي المتنوعة، وييسّر النفاذ العادل والشامل إلى العمل الثقافي والوظائف الإبداعية، ويفتح الطريق أمام الابتكار والنمو.

رابعاً، تولّد الصناعات الثقافية والإبداعية آثاراً غير مباشرة أو متعدية في الاقتصاد كله، وكذلك عبر إسهامها في الرفاه والتماسك والاعتزاز. وهي تؤدي دوراً محورياً في حماية التراث وتعزيزه وتجديده، وتدعم نمو السياحة الثقافية، وتغذّي عمليات الابتكار في تصميم المنتجات والتجارب والعمران الإبداعي ومواجهة حالة الطوارئ المناخية. وتوفّر هذه الصناعات ناقلاً للتنمية المستدامة يساعد البشرية على مواجهة التحديات العالمية.

خامساً، تتيح الصناعات الثقافية والإبداعية فرصاً للإدماج الاقتصادي في كل منطقة من مناطق العالم، إذ يملك كل مجتمع، عبر أشكال التعبير الثقافي المتنوعة، القدرة على المشاركة. غير أن هذه الصناعات تعكس في الممارسة العملية أيضاً أوجه عدم المساواة، ولا سيما بالنسبة للنساء والأقليات والأشخاص المنحدرين من خلفيات اجتماعية واقتصادية محرومة. وثمة عوائق كبيرة جداً أمام المشاركة المتكافئة في الأنشطة الثقافية، ولا سيما في المنشآت الإبداعية الرسمية. كما تُكبح إمكانات هذه الصناعات بتحديات مستمرة مثل هشاشة العمل الإبداعي، والرقابة والرقابة الذاتية، والعنصرية والتمييز الجنسي البنيويين. ومن دون جهود مخصصة لمعالجة عدم المساواة، سيقل أداء هذه الصناعات ويضعف إسهامها في التنمية المستدامة.

مقدمة

يُبرز هذا الفصل الدور الحاسم للبعد الاقتصادي للثقافة في الدعوة إلى إدراجها هدفاً مستقلاً في خطة التنمية المستدامة المقبلة. فالاعتراف بالثقافة ضمن أهداف التنمية المستدامة أمر أساسي، لأنها تسهم إسهاماً كبيراً في نتائج التنمية المستدامة والتنمية البشرية، بما فيها النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي وإشراك الشباب. ويؤكد الفصل أن الثقافة، عبر التراث والإبداع معاً، محرّك ديناميكي للابتكار ومحورية لبناء مجتمعات شاملة وصامدة. كما يتناول الحوكمة المتطورة للثقافة، التي تشكّلها الابتكارات المؤسسية وتحوّل الأولويات السياسية وإدماج الصناعات الثقافية والإبداعية في البرامج الوطنية، بما في ذلك صلاتها بعناصر ثقافية أوسع كالتراث الثقافي. ومن خلال ربط الثقافة بالتنويع الاقتصادي والصمود الاجتماعي والاستدامة البيئية، يُبيّن الفصل أن أي إطار للتنمية المستدامة يجب أن يضع الثقافة في صميمه.

وعلى مدى العقدين الماضيين، تطورت السياسات الثقافية تطوراً كبيراً لتعكس دور الثقافة في التنمية المستدامة. ومن المحطات الرئيسية في ذلك جميع الاتفاقيات الثقافية لليونسكو، بما فيها اتفاقية عام 2005 لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، وخطة التنمية المستدامة لعام 2030. وقد شددت هذه الصكوك، بدرجات متفاوتة، على أهمية الثقافة في مواجهة التحديات المجتمعية كالإدماج الاجتماعي وعدم المساواة الاقتصادية والمساواة بين الجنسين والاستدامة البيئية.

اقتصاد مختلط للثقافة؟

من التطورات المهمة في نماذج السياسات الثقافية التحول في مناطق كثيرة من النُّهج القائمة على الإعانات إلى استراتيجيات أكثر توجهاً نحو السوق، تسعى إلى إطلاق الإسهام الاقتصادي للثقافة وتيسير الشراكات بين القطاعين العام والخاص في التمويل والتطوير. وكثيراً ما يحرّك ذلك طموحٌ إلى جعل الصناعات الثقافية والإبداعية محفّزاً للنمو ومصدراً للعمالة، انطلاقاً من افتراض أن الثقافة ناقل لقاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً وإنتاجية. وعلى نطاق أوسع، يتشكّل هذا البرنامج السياساتي أيضاً بفعل مفهوم أكثر ضبابية هو الاقتصاد الإبداعي، الذي يضع الثقافة في قلب احتضان أوسع للإبداع أساساً لاقتصاد أكثر كثافة في المعرفة وقائم على الابتكار. وبذلك تُقدَّم الصناعات الثقافية والإبداعية بوصفها محفّزات لآثار غير مباشرة في الاقتصاد كله، إلى جانب قيمتها الجوهرية. وينطوي هذا التحول السياساتي، الذي يقدّم القيمة الاقتصادية للثقافة ويفترض نموذجاً صناعياً لها، على افتراضين رئيسيين: أولهما أنه يجب على الثقافة أن تحقق قيمة اقتصادية وتُثبتها كي تكون أولوية سياساتية، وثانيهما أنه ينبغي أن تكون المنظمات والمنشآت الثقافية قادرة على تطوير نماذج أعمال تولّد قيمة اقتصادية، ومن ثم لا ينبغي أن تعتمد كلياً أو حتى جوهرياً على الإعانات العامة.

غير أن هذين الافتراضين يستحقان إعادة النظر. فمن الواضح أن الثقافة مساهم رئيسي في الاقتصاد العالمي، وهو ما يتناوله هذا الفصل، وأن منظمات ثقافية كثيرة أظهرت نجاحاً في تنويع مصادر دخلها وتحقيق الربح. لكن جزءاً كبيراً من القطاع الثقافي يحتاج إلى مزيج من الإعانات العامة والدعم العيني وبعض التمويل والإيرادات الخاصة ليبقى صامداً، دون أن يحقق نمواً بالضرورة. وبالنظر إلى هشاشة العمل الإبداعي وعدم تكافؤ الفرص وارتفاع مستويات الممارسة غير الرسمية، من التبسيط المُخل افتراض أن السوق قادرة على استدامة الثقافة بجميع أشكالها، لأن القطاع الثقافي المتنوع والشامل والمؤثر تحرّكه مجموعة من العوامل لا تعظيم الربح وحده. وعلاوة على ذلك، تسهم أشكال التعبير الثقافي المتنوعة في مجتمع مدني سليم وشامل، باعتبار الثقافة منفعة عامة. وهذا ما يرتكز عليه أي نهج للتنمية الاقتصادية، لأن الاقتصاد يعتمد على أناس منخرطين وأصحاء ومنتجين.

وتبعاً لذلك، ستظل الأنشطة الثقافية دائماً بحاجة إلى الإعانة والدعم كي تتطور بما يكفي لتوليد قيمة اقتصادية، إن كان ذلك هدف المشاركين فيها كالفنانين. ومن خلال تخصيص هدف مستقل للثقافة، يمكن النظر إلى التنمية الاقتصادية الشاملة والصامدة بوصفها نتيجة إيجابية لقطاع ثقافي سليم، تدعمه سياسات ملتزمة تُعلي من شأن الثقافة أساساً لعدد لا يحصى من النتائج، بما فيها تلك المرتبطة بالاقتصاد.

ويتناول هذا الفصل هذه القضايا وغيرها لفهم مسوّغات السياسات التي تربط الثقافة بالتنمية الاقتصادية، ويصف واقعاً قائماً مفاده أن الثقافة أرجح ازدهاراً بتنوعها عبر نموذج الاقتصاد المختلط، القائم على مزيج من آليات التمويل، مع بقاء الاستثمار من القطاع العام ضرورياً بالنظر إلى القيم الاجتماعية والجوهرية للثقافة بوصفها منفعة عامة وأساساً للتنمية المستدامة.

تنشيط المشاركة: الثقافة محفّزاً للتنمية المستدامة

من الاتجاهات البارزة في السياسات الثقافية العمل التشاركي، الذي تحرّكه مبادرات تؤكد دور الثقافة في تعزيز الإدماج الاجتماعي والتنوع. ويُبرز هذا النهج، الذي تناوله الفصل الأول، كيف تؤدي المشاركة الفاعلة للمواطنين في الأنشطة الثقافية دور المحفّز لتعزيز المشاركة المدنية والديمقراطية والتماسك الاجتماعي. وهو مبدأ مهم لضمان أن تظل التنمية الاقتصادية عبر الثقافة منصفة وشاملة، ومن ثم مستدامة. ومع أن الممارسات التشاركية طالما روّجت لها الأطر القانونية الدولية، كاتفاقيات اليونسكو الثقافية، منذ خمسينيات القرن الماضي، فقد نمت النُّهج التشاركية نمواً كبيراً في السنوات الأخيرة. ويتجلى هذا الاتجاه العالمي في السياسات الداعية إلى الإبداع المشترك والمشاريع التي تقودها المجتمعات وإشراك أصحاب المصلحة في عمليات صنع القرار الثقافي. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك الاعتماد الواسع لنماذج الحوكمة التشاركية للتراث الثقافي، ولا سيما التراث غير المادي كما تشجعه اتفاقية عام 2003، واستخدام الموازنة التشاركية للمشاريع الثقافية في مناطق مختلفة. وتُبرز هذه التطورات اعترافاً متزايداً بالمنافع الاجتماعية الأوسع التي تولّدها السياسات الثقافية، وبالحاجة إلى صنع سياسات شامل يعكس الأصوات والتجارب المتنوعة في عالم سريع التغير.

وقد أصبح إدماج الثقافة في أهداف التنمية المستدامة جانباً رئيسياً من السياسات الثقافية المعاصرة، رغم غياب هدف مستقل للثقافة في إطار هذه الأهداف. غير أن تنفيذ الأهداف كشف عن ثغرات في استثمار إمكانات الثقافة لدفع التنمية المستدامة. فالتقدم كثيراً ما كان مجزّأً، واقتصرت المبادرات الثقافية في الغالب على إجراءات معزولة بدلاً من الإدماج المنهجي عبر جميع الأهداف. ويُبرز ذلك الحاجة إلى هدف مستقل للثقافة في خطة ما بعد عام 2030، يوفّر إطاراً واضحاً لتسخير القوة التحويلية للثقافة. ومن شأن هدف مخصص أن يضمن إعطاء الأولوية للثقافة في صنع السياسات، بما يدعم دورها في تعزيز الاستدامة الإيكولوجية والشمول الاقتصادي والإنصاف الجنساني والاجتماعي على الصعيد العالمي.

ويتجاوز ضمان الاستدامة الاقتصادية للقطاعات الثقافية الاستراتيجيات القائمة على السوق، إذ يتطلب معالجة ظروف عمل الفنانين والمهنيين الثقافيين وحقوقهم، والتصدي لأوجه عدم المساواة الكبيرة بين مناطق العالم. فمع أن النُّهج المدفوعة بالسوق وسّعت مصادر الإيرادات، فإنها تنطوي أيضاً على خطر تسليع الثقافة وتهميش أشكال التعبير غير التجارية. وفي الوقت ذاته، ومع أن الرقمنة سرّعت توزيع المحتوى الإبداعي، فقصّرت سلاسل الإمداد وأتاحت ظهور المحتوى في طائفة من الأسواق، تظل ظروف العمل الهشة، ولا سيما في المجال الرقمي، مصدر قلق رئيسي. وتتعلق التحديات بالأجر العادل وحق المؤلف والحماية الاجتماعية وتحقيق الدخل من المحتوى الرقمي الذي بات يُنتج ويُستهلك بكميات كبيرة. وتؤكد أطر مثل توصية اليونسكو بشأن وضع الفنان لعام 1980 ومبادرات منظمة العمل الدولية الحاجة إلى سياسات تكفل الحقوق الاقتصادية والمهنية للعاملين في المجال الثقافي.

وعلاوة على ذلك، أصبحت مبادئ الأجر العادل والاستهلاك الأخلاقي في الآونة الأخيرة موضوعاً متزايد الحضور في النقاش العام، مدفوعاً بأنشطة الجمعيات والنقابات والروابط الإبداعية. وتستند هذه المبادئ في الصناعات الثقافية والإبداعية في الغالب إلى أطر دولية تعزّز العمل اللائق والشفافية والاستدامة، إذ يشمل الأجر العادل، وفقاً لليونسكو ومنظمة العمل الدولية، أجراً كافياً يُدفع في موعده ويعكس القيمة الحقيقية للعمل الإبداعي، في حين يشدد الاستهلاك الأخلاقي على الخيارات المستنيرة التي تدعم ممارسات العمل العادلة والتنوع الثقافي والمسؤولية البيئية.

ويتطلب بناء قطاعات ثقافية صامدة ومستدامة مواءمة الأطر الدولية مع السياسات المحلية لتحقيق التوازن بين التنوع الثقافي والصمود الاقتصادي على الصعيدين المحلي والعالمي. فلا يزال ثمة خلل مستمر في الفرص تحرّكه عوامل مثل الجغرافيا والنفاذ إلى الموارد والبيئات التنظيمية والقدرة المالية. وتؤثر هذه التفاوتات في التداول العالمي للسلع والخدمات الثقافية، وفي النفاذ إلى الموارد والفرص الثقافية داخل البلدان وفيما بينها. وتتجذر أوجه عدم المساواة هذه عميقاً في التمييز المنهجي والعوائق البنيوية التي لا تزال تستبعد الفئات المهمّشة والممثّلة تمثيلاً ناقصاً وسائر الفئات الضعيفة من المشاركة الكاملة في الحياة الثقافية. ومعالجة أوجه الإجحاف هذه أساسية لتعزيز الإدماج الاجتماعي والإنصاف والأهداف الأوسع للتنمية المستدامة.

دور الثقافة في التنمية الاقتصادية

يستكشف هذا القسم من الفصل الرابع المنظومة الاقتصادية للثقافة. وقد أُدرجت البيانات على مستوى المدن أو البلدان حيثما أمكن، غير أن ثغرات كبيرة في البيانات لا تزال قائمة. ويعكس التقسيم بين الشمال العالمي والجنوب العالمي، كما يُستخدم في هذا التقرير، اتجاهات تحليلية أوسع وتفاوتاً في توافر البيانات المصنّفة بين المناطق.

إسهام الثقافة في الناتج المحلي الإجمالي وسوق العمل

تعمل الثقافة بوصفها منظومة متعددة الأوجه تتشابك فيها القيم الاقتصادية والثقافية تشابكاً عميقاً، وإدراك ذلك أساسي لفهم إسهامها الفريد في التقدم المستدام. فمن الفنون والترفيه إلى التصميم والسياحة والتراث والمتاحف، تسهم الأنشطة الثقافية إسهاماً كبيراً في خلق فرص العمل ونمو الناتج المحلي الإجمالي والازدهار العام. وتستأثر الصناعات الثقافية والإبداعية بحصة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع تباينات بين المناطق ومستويات الدخل، إذ يُقدَّر إسهامها بنسبة 3.39% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفق تحليل إسهام مرجّح لعيّنة من 85 بلداً، ما يُبرز أثرها الاقتصادي الكبير في أنحاء العالم.

وتتفاوت حصة هذه الصناعات من الناتج المحلي الإجمالي تفاوتاً كبيراً بين المجموعات الإقليمية. فشرق آسيا وجنوب شرقها يسجلان أعلى حصة إقليمية بنسبة 4.11%، مدفوعين بصناعات ثقافية وإبداعية قوية في بلدان مثل الصين وجمهورية كوريا. وتليهما أوقيانوسيا عن كثب بنسبة 3.50%، بما يعكس تكاملاً بين الاقتصادات الثقافية التقليدية والحديثة. وفي المقابل، لم تتوافر بيانات إلا عن بلد واحد في منطقة آسيا الوسطى والجنوبية، سجّل 0.30%، ما يدل على نقص البيانات التمثيلية لهذه المنطقة. وتسجّل أوروبا وأمريكا الشمالية، وهما منطقتان ذواتا بنى تحتية ثقافية راسخة منذ زمن طويل، متوسطاً قدره 2.66%، في حين تُظهر أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي إسهامات متقاربة تبلغ 2.51%، ويسجّل غرب آسيا وشمال أفريقيا حصة قدرها 2.48%. ويبلغ المتوسط العالمي 2.74%، علماً بأن هذه الأرقام متوسطات غير مرجّحة لجميع الدول الأعضاء المتوافرة عنها بيانات، لا تراعي حجم الاقتصادات المبلّغة، وأن طرق قياس المتوسط تتباين، ما يُبرز أهمية اعتماد أدوات قياس مشتركة، ومن ثم فإن هذا المتوسط لا يمثّل الحصة الإجمالية للاقتصاد العالمي التي تولّدها هذه الصناعات. وتؤكد هذه الأرقام التطور غير المتكافئ للصناعات الثقافية والإبداعية في العالم، والحاجة إلى تحسين جمع البيانات والاستثمار الموجّه لسد الفجوات الإقليمية وتحقيق الإمكانات الاقتصادية الكاملة للقطاع.

وتُظهر البلدان التجريبية لمؤشرات اليونسكو للثقافة|2030 تبايناً كبيراً في إسهام الإنتاج الثقافي الخاص والرسمي في الناتج المحلي الإجمالي، ويُقصد به الأنشطة الثقافية القائمة على السوق التي يمارسها أفراد أو منشآت أو منظمات تعمل في الاقتصاد الرسمي، أي المسجّلة والمنظّمة رسمياً والمدرجة في الحسابات القومية، والتي تحوّل المدخلات من عمل وسلع ورأس مال إلى سلع وخدمات ثقافية مدفوعة الأجر ضمن ميادين ثقافية معترف بها. فمن بين البلدان التجريبية، تتصدر البرتغال بنسبة 5.7%، تليها الفلبين بنسبة 4.1% وبوركينا فاسو بنسبة 3.3%، في حين تسجّل بلدان مثل المكسيك 3.0% وكوستاريكا 1.9% وفييت نام 0.6%.

وتُبرز المراكز الحضرية كذلك القوة التحويلية للصناعات الثقافية والإبداعية، إذ تسهم هذه الصناعات في بكين وتشنغدو وواغادوغو بنسب 11.0% و10.9% و10% على التوالي من الناتج المحلي، وإن كان تقدير الناتج المحلي على مستوى المدن صعباً لاحتمال تدخّل عوامل إنتاج من خارج الحدود الحضرية. وتؤكد مدن مثل شنتشن بنسبة 7.6% ونانجينغ بنسبة 6.6% دور الاستثمارات الاستراتيجية والسياسات المحلية في تعزيز النمو والابتكار، مُبرزةً المناطق الحضرية مراكز رئيسية للإنتاج والاستهلاك الثقافيين.

والأثر الوظيفي للقطاع الثقافي كبير كذلك، إذ مثّلت الصناعات الثقافية والإبداعية في عام 2025 متوسطاً قدره 3.55% من العمالة في البلدان الواحد والستين المتوافرة عنها بيانات. وترتفع هذه النسبة قليلاً في الشمال العالمي، حيث تشكّل وظائف هذه الصناعات نحو 3.67% من إجمالي العمالة، مقابل 3.39% في الجنوب العالمي. وتشمل هذه العمالة طيفاً واسعاً من الأنشطة، من الفنون والحرف التقليدية إلى الإعلام الرقمي والترفيه، وتشمل تقديرات العمالة الثقافية عادة جميع العاملين في هذه الصناعات، كالمحاسب في مسرح، والعاملين في وظائف ثقافية في قطاعات غير ثقافية، كالمصمم العامل في شركة لصناعة لوازم الحمامات.

وتتفاوت العمالة في الصناعات الثقافية والإبداعية بين مدن اليونسكو المبدعة تفاوتاً إقليمياً ملحوظاً. فمدن أوروبا وأمريكا الشمالية تُظهر متوسطاً قدره 11470 عاملاً لكل مئة ألف نسمة وحصة من العمالة تبلغ 5.8%، بما يعكس اقتصادات ثقافية ناضجة تدعمها سياسات وبنى تحتية متينة. غير أن ثمة تباينات في منهجيات جمع البيانات وفي موثوقية بيانات العمالة بالنظر إلى الطابع غير الرسمي الكبير للقطاع، وهو ما يشير مجدداً إلى الحاجة إلى نهج موحّد للقياس وجمع البيانات. ويسجّل شرق آسيا وجنوب شرقها 2758 عاملاً وحصة قدرها 2.9%، ما يدل على قطاعات إبداعية متنامية لكنها أقل طابعاً رسمياً. وتتبع أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي اتجاهاً مماثلاً بـ2032 عاملاً وحصة قدرها 3.4%، في حين تُظهر أوقيانوسيا 1893 عاملاً وحصة قدرها 4.3%، ما يوحي بحضور قوي لهذه الصناعات في الاقتصادات الحضرية الأصغر. واللافت أن غرب آسيا وشمال أفريقيا يُظهران أعلى نسبة عمالة بواقع 8.7%، رغم متوسط متواضع قدره 897 عاملاً، ما يؤكد أهمية القطاع في أسواق العمل الأصغر. ويبلغ المتوسط العالمي 6627 عاملاً وحصة قدرها 4.9%.

وتُبرز هذه التفاوتات الحاجة إلى استراتيجيات خاصة بكل منطقة لإضفاء الطابع الرسمي على الصناعات الثقافية والإبداعية وتوسيعها، ومعالجة ثغرات البنية التحتية، وتعظيم إمكاناتها محرّكات رئيسية للتنمية الاقتصادية الحضرية الشاملة. وقد تشوّه الثغرات في الإحصاءات الثقافية واستخدام منهجيات مختلفة المقارنات الإقليمية والوطنية، ما يُبرز أهمية تعزيز جمع البيانات الثقافية وإدارتها لضمان نهج متماسك في صنع السياسات القائم على الأدلة والمقارنة المعيارية الدولية.

التعامل مع التبادل العالمي للسلع والخدمات الثقافية

تُعدّ الاتفاقات التجارية التي تعترف بالوضع الخاص للسلع والخدمات الثقافية حيوية لتعزيز التبادل الثقافي. فقد وقّعت بلدان كثيرة اتفاقات تمنح معاملة تفضيلية للسلع الثقافية أو تتفاوض بشأنها، بما ييسّر نقلها دولياً ويعزّز قيمتها الاقتصادية. وكثيراً ما تتضمن هذه النُّهج أحكاماً لحماية حقوق الملكية الفكرية، وهي حاسمة لضمان حصول المبدعين والممارسين الثقافيين على تعويض عادل عن عملهم. غير أن التجارة العالمية تظل غير متكافئة في جوهرها، وتعكس التجارة الثقافية هذه التفاوتات الأوسع. فالنظام الحالي، الذي تهيمن عليه الاحتكارات وسلاسل إمداد تتحكم فيها قلة من اللاعبين الأقوياء، كثيراً ما يقوّض القدرة التفاوضية لبلدان الجنوب العالمي، مديماً اختلالات تحابي الاقتصادات الراسخة والسبّاقين إلى الأسواق. وكثيراً ما تُغفل التجارة الثقافية في المفاوضات التجارية الأوسع، ما يفاقم تهميشها. وعلاوة على ذلك، ومع وجود جزء كبير من التجارة الثقافية اليوم في عالم «غير المرئيات»، كالمحتوى والخدمات الرقمية، تظل هذه التجارة قاصرة التنظيم وضعيفة التوثيق.

وقد أعاد التحول الرقمي الجاري تشكيل تبادل السلع والخدمات الثقافية تشكيلاً كبيراً، فجعلها أيسر نفاذاً عبر منصات مثل خدمات البث والأسواق الإلكترونية. ومع أن هذه التطورات تتيح فرص إيرادات جديدة للفنانين ورواد الأعمال الثقافيين، فإنها تجلب أيضاً تحديات كبيرة. فمنصات البث تهيمن على سلسلة القيمة في الموسيقى، وتستحوذ على حصة غير متناسبة من الإيرادات، وتديم فجوات القيمة. وتميل أنظمة تقاسم الإيرادات السائدة فيها إلى محاباة أشهر الفنانين، تاركةً المبدعين الأصغر أو المستقلين في وضع غير موات. ويقوّض هذا التركّز السوقي التنوع والأجر العادل في القطاع. ومن القضايا الأخرى الطريقة التي تيسّر بها المنصات الرقمية الاتجار غير المشروع بالسلع الثقافية، إذ تكافح الدول لمواكبة العملية السريعة والعابرة للترويج للمنتجات الثقافية غير المشروعة والمسروقة في الغالب وتوزيعها.

وفي حالة السلع الثقافية المادية، يهيمن المجمّعون المحليون والوسطاء الدوليون على المعاملات. ومن النتائج الإيجابية لذلك أن هذه المواقع قادرة على وضع المنتجات في سياقها عبر مقاطع فيديو للفنانين في مجتمعاتهم، ما يزيد قيمتها. وفي المقابل، قد تكون استغلالية أيضاً، إذ تقتطع نسباً كبيرة من المبيعات ومن حقوق الملكية الفكرية.

ومن التحديات الأخرى الانتهاكات الواسعة الانتشار لحق المؤلف، واضطراب نماذج الأعمال التقليدية، والممارسات الاستغلالية كعقود الشراء التي تنال من حقوق المبدعين. وعلاوة على ذلك، ثمة فجوة واضحة بين الجنسين في نظام الملكية الفكرية، إذ وجد بحث أجرته المنظمة العالمية للملكية الفكرية أن عدد النساء اللواتي يستخدمن نظم الملكية الفكرية أقل بكثير من عدد الرجال، ومن ثم تحظى النساء بحماية ومكافأة أقل بوصفهن مبدعات ومبتكرات، ما يقلّل بدوره حافزهن على الإبداع. ويلخّص تقرير المنظمة ذلك بقوله إن «جميع المعلومات المتاحة توحي بأن النساء متخلفات عن نظرائهن من الرجال في الصناعات الإبداعية».

ويزيد صعود الذكاء الاصطناعي هذه القضايا حدة، إذ يتيح الاستخدام غير المصرّح به للأعمال الإبداعية ويطرح تهديدات جديدة للملكية الفكرية. ويجب على الحكومات والسياسات الثقافية معالجة إخفاقات السوق هذه عبر أطر تنظيمية متينة وآليات منصفة لتقاسم الإيرادات ودعم موجّه للمبدعين الأصغر.

وتهيمن المناطق المرتفعة الدخل، كأوروبا وأمريكا الشمالية وشرق آسيا، على التجارة الثقافية عبر استراتيجيات تصدير متينة نسبياً وبنى تحتية رقمية متقدمة، مستثمرةً أصولها الثقافية لتأمين اتفاقات تجارية مواتية وتوسيع نفوذها العالمي. وفي المقابل، تواجه المناطق الناشئة، ولا سيما المناطق الريفية، تحديات مثل محدودية الموارد والبنية التحتية، لكنها تُظهر جهوداً متنامية لتطوير صادراتها الثقافية، ولا سيما في الحرف وطائفة من المنتجات القائمة على التراث.

وتؤدي اتفاقات المعاملة التفضيلية دوراً حيوياً في تنمية القطاع، إذ تفيد 83% من بلدان الجنوب العالمي بالاستفادة منها مقابل 14% في الشمال العالمي. وتساعد هذه التدابير على تعزيز الصادرات الثقافية وخلق فرص العمل وتنويع الاقتصادات، بما يتيح لبلدان الجنوب العالمي فرصاً للنفاذ إلى أسواق جديدة وتعزيز ظهور منتجاتها الثقافية. غير أن ارتفاع الرسوم الجمركية العالمية يهدد هذه المكاسب.

تنمية السياحة الثقافية المستدامة القائمة على المجتمع

تتكامل السياحة الثقافية، التي يحرّكها الاهتمام بالتراث والفنون والتقاليد، تكاملاً عميقاً مع الثقافة عبر أشكال متنوعة كسياحة التراث والسياحة الإبداعية وسياسات السياحة المستدامة. ويتيح التنويع المتزايد للسياحة الثقافية مسارات نحو تنمية اقتصادية أكثر شمولاً واستدامة، لكن المجال لا يزال رحباً للابتكار والتقدم في هذا الميدان. فسياحة التراث تركّز على المواقع الثقافية والتاريخية والمتاحف، في حين تشدد السياحة الإبداعية على التجارب التشاركية كالورش. وتسعى نماذج السياحة المستدامة إلى معالجة تحديات مثل السياحة المفرطة وتدهور التراث والبيئة، مشجعةً ممارسات كالسفر خارج مواسم الذروة وتحديد أعداد الزوار في المواقع الهشة.

وفي عام 2023، ولّدت السياحة الثقافية في 250 مدينة ما يقدَّر بـ752.2 مليار دولار من الزوار الذين أقاموا ليلة واحدة على الأقل، محليين ودوليين. وليس من المستغرب أن الصين والولايات المتحدة، أكبر اقتصادين في العالم، تصدّرتا الإنفاق على السياحة الثقافية، مدفوعتين إلى حد بعيد بسوقيهما المحليتين الكبيرتين. ويتشكّل الأثر الاقتصادي للسياحة عبر شبكات إمداد معقدة تربط النقل والإقامة والمطاعم والأماكن الثقافية والمتاحف وورش الحرفيين. غير أن هذه الشبكات يجب أن توازن بين المنافع الاقتصادية وصون الثقافة وحماية البيئة، بما يتطلب استراتيجيات تُشرك أصحاب المصلحة المحليين في التخطيط وتعطي الأولوية للممارسات المستدامة لحماية الأصول الثقافية وتعزيزها أيضاً. ويشمل ذلك الاهتمام بالأبعاد الجنسانية في السياحة الثقافية، حيث تزيد احتمالات عمل النساء في أدوار غير رسمية دون أمان بدرجة غير متناسبة، وحيث تكون مخاطر الاستغلال أشد وضوحاً وأقل رقابة.

وتمثّل السياحة الثقافية المستدامة سبيلاً حاسماً يمكّن الثقافة من دفع تنمية اقتصادية مستدامة وشاملة. فالاستراتيجيات السياحية المرتبطة بها تعمل على صون التراث الثقافي وتعزيز الإبداع للأجيال الحالية والقادمة، مع رعاية النمو الاقتصادي وتعزيز الإدماج الاجتماعي عبر تمكين حقيقي في صنع القرار. وقد اعتمدت البلدان استراتيجيات متنوعة لتعزيز السياحة الثقافية المستدامة، منها خطط إدارة التراث، وتدريب المجتمعات المحلية، وتطبيق سياسات تشجع ممارسات السياحة المسؤولة. فمواقع التراث العالمي مثلاً تتبع عادة مبادئ توجيهية محددة لإدارة الأنشطة السياحية، تحافظ على أهميتها الثقافية والطبيعية والتاريخية مع تعظيم المنافع الاقتصادية. وتُبيّن حملات التوعية، كتلك المنفّذة في المطارات التركية لتنبيه المسافرين إلى مخاطر الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، الجهود المبذولة لحماية التراث من الاستغلال.

وتشمل السياحة الثقافية المستدامة أولويات متعددة: الحد من الأثر البيئي بتحديد أعداد الزوار في مواقع التراث وتشجيع السفر المسؤول؛ وتعزيز التنمية الاقتصادية بخلق فرص العمل ودعم الحرفيين المحليين وتشجيع العروض والمهرجانات التقليدية؛ وتحقيق منافع اجتماعية بصون هوية المجتمع وتعزيز الاعتزاز المحلي وضمان استفادة السكان من السياحة بقدر استفادة الزوار.

وتمثّل سياسة بوتان للسياحة «عالية القيمة منخفضة الأثر» مثالاً على السياحة الثقافية المستدامة. فمن خلال تحديد أعداد السياح عبر رسوم يومية واشتراط الاستعانة بمرشدين محليين، تحمي بوتان تراثها الثقافي والطبيعي وتوجّه إيرادات السياحة إلى الاقتصاد المحلي. ويدعم هذا النهج الحرف والمهرجانات التقليدية، ويعزّز صون الثقافة، ويضمن استفادة السكان من السياحة دون معاناة سلبياتها كالاكتظاظ أو التدهور البيئي. وفي المناطق الحضرية التاريخية، يمكن للسياسات المطبّقة بعناية أن تفضي إلى تعزيز صون الثقافة وزيادة إيرادات السياحة. وهذه الإيرادات حاسمة للتنمية الاقتصادية المحلية، ولا سيما حين تُشرك نماذج الحوكمة التشاركية المجتمعات المحلية في رعاية تراثها ومشاهدها الطبيعية.

ويتيح إدماج المنظورات الإيكولوجية في الصناعات الثقافية والإبداعية فرصاً إضافية لمواءمة هذه الصناعات مع أهداف الاستدامة الأوسع.

إذ يتزايد الاعتراف بالممارسات الواعية بيئياً، ككفاءة استخدام الموارد والحد من النفايات والتوريد المستدام للمواد، بوصفها حاسمة لتقليص البصمة البيئية للصناعات الثقافية والإبداعية. ويُبرز تقرير «الاقتصاد الإبداعي 2030» اتساق هذه الممارسات مع أطر أوسع كأهداف التنمية المستدامة.

ومن الأمثلة التوضيحية على ذلك مشروع «دوي تونغ» للتنمية في تايلند، الذي يُبيّن نهجاً مبتكراً في الجمع بين صون التراث الثقافي والحفاظ على البيئة. فالمشروع، الواقع في منطقة كانت قد جُرّدت من غاباتها، أعاد تأهيل النظم الإيكولوجية عبر إعادة التشجير والزراعة المستدامة، مع إحياء الحرف التقليدية كالنسيج والفخار. ومن خلال توظيف المجتمعات المحلية، ولا سيما النساء، تعزّز المبادرة الاستمرارية الثقافية وتوفّر سبل عيش مستدامة. وقد نجح المشروع خصوصاً بفضل منهجيته المتكاملة التي تعالج الأبعاد الاجتماعية والثقافية والبيئية للتنمية في آن واحد، ويشمل أثره تحسّن التنوع البيولوجي والحد من الفقر وصون التراث الثقافي، ما جعله نموذجاً معترفاً به على نطاق واسع للتنمية المستدامة في الصناعات الثقافية والإبداعية. وتؤكد هذه الأمثلة قدرة القطاع على الإسهام في الاستدامة لا عبر التعبير الفني فحسب، بل بترسيخ المبادئ الإيكولوجية في عملياته واستراتيجياته لإشراك المجتمع أيضاً.

الاستثمار المستدام في القطاع الثقافي: تدابير مباشرة وغير مباشرة

كما أبرز علماء الاقتصاد الثقافي، مثل ويليام بومول وآندي برات ودوروتا إيلتشوك، كثيراً ما يظل إنتاج السلع الثقافية وتوزيعها كثيف الاستخدام للموارد وهشاً اقتصادياً، بسبب الطلب المعقد وغير المضمون، وعوائق التمويل، وارتفاع مستويات الطابع غير الرسمي. ومع أن بلداناً كثيرة، ولا سيما في الشمال العالمي، تملك سجلاً طويلاً في دعم الأنشطة الثقافية بالإعانات وبناء نموذج اقتصاد مختلط للثقافة، فإن هذا النهج ليس مطبّقاً عالمياً في جميع المناطق. ففي بلدان كثيرة، تحوّل تمويل الثقافة من نماذج مدعومة من الدولة إلى إطار أكثر ليبرالية جديدة، يتسم بتقليص الاستثمار العام والتشديد على الاكتفاء الذاتي عبر المشاريع التجارية والعمل الخيري والشبكات غير الرسمية. بل لا يوجد في بعض البلدان، ولا سيما في الجنوب العالمي، نموذج للإعانات العامة أصلاً، إذ يأتي معظم التمويل الثقافي من القطاع الخاص أو المنظمات غير الحكومية الدولية أو عبر أنشطة ذاتية التمويل أو عينية.

ويطرح هذا التحول تحديات كبيرة. فمع نمو القطاع الثقافي التجاري، فإنه يعتمد اعتماداً كبيراً، وإن كان غير مرئي في الغالب، على القطاعين غير الربحي وغير الرسمي اللذين تقوم عليهما استدامته. وتستلزم هذه التحولات عقلية ريادية داخل القطاع الثقافي، تدفع الفنانين والمؤسسات إلى البحث عن مصادر تمويل متنوعة، من الرعاية والتمويل الجماعي إلى الاستراتيجيات المدفوعة بالسوق. غير أن هذا النموذج ينطوي على خطر تهميش المبادرات الثقافية التي تفتقر إلى الجاذبية التجارية لكنها أساسية للتنوع الثقافي وصون التراث.

وتكمن المعضلة في الطريقة التي تنظر بها الدول إلى الثقافة وتقدّرها. فنموذج دولة الرفاه أو الاستثمار الاجتماعي أطّر دعم الثقافة بوصفه منفعة عامة مرتبطة بالتماسك الاجتماعي والهوية، في حين يتعامل النموذج الليبرالي الجديد على نحو متزايد مع الثقافة بوصفها سلعة تحركها السوق، ما يثير تساؤلات حول النفاذ والإنصاف والاستدامة الثقافية على المدى الطويل. ويستدعي هذا التحول المستمر نقاشاً دولياً حول دور الثقافة في المجتمع، وآليات تمويلها، وكيف يمكن للدول والفاعلين العالميين تحقيق التوازن بين الدعم العام والتجاري والخيري لضمان أهمية الثقافة في اقتصاد سريع التغير.

ويُعدّ الاستثمار العام في القطاع الثقافي أساسياً لاستدامة التراث الثقافي وتعزيز صناعات ثقافية وإبداعية شاملة. فالتمويل حاسم للمؤسسات التي لا تدرّ إيرادات كافية من بيع التذاكر أو التبرعات الخاصة. فحكومة نيوزيلندا مثلاً دعمت مؤسساتها الثقافية عبر مخصصات سنوية من ميزانية التاج لضمان إتاحة الفنون لجميع النيوزيلنديين.

وتتوقف التنمية المستدامة للثقافة على نظم مالية متنوعة، لكل منها مزاياه وحدوده. ففي أوروبا، يعطي النموذج الأكثر انتشاراً الأولوية للتمويل العام، بما يضمن النفاذ ويدعم طائفة واسعة من الأنشطة الثقافية. ومع أن هذا النموذج يعزّز الشمول والاستقرار، فإنه كثيراً ما يعتمد على ميزانيات حكومية كبيرة قد تتأثر بالتراجعات الاقتصادية أو التحولات السياسية. وفي المقابل، يركّز النموذج المستخدم في بعض البلدان التي لا تملك تاريخاً من الاستثمار ذي الدافع الاجتماعي في الفنون على المنظمات غير الربحية والعمل الخيري، مشجعاً التبرعات والرعاية الخاصة. وقد يعزّز هذا النهج مشاركة المجتمع والابتكار، لكنه ينطوي على خطر الإفراط في الاعتماد على قوى السوق، التي قد تحابي في بعض الحالات المشاريع المجدية تجارياً على حساب مبادرات أقل ربحية لكنها ذات أهمية ثقافية.

وتكشف الانعكاسات الأوسع لهذه النماذج عن استنتاجات حاسمة للاستثمار الثقافي. فالنظم المعتمدة على قوى السوق الحرة وحدها كثيراً ما تعجز عن استدامة تنوع العروض الثقافية وإتاحتها، ما يؤكد الحاجة إلى استثمارات عامة أو مختلطة. ويمكن لنهج متوازن يجمع بين دعم الدولة والإسهامات الخاصة أن يضمن الاستقرار والحيوية معاً في القطاعات الإبداعية. فالاستثمار العام الاستراتيجي أساسي لمعالجة إخفاقات السوق ودعم الأنشطة الثقافية غير التجارية وصون التراث الثقافي، في حين يمكن لمشاركة القطاع الخاص أن تضيف المرونة وموارد إضافية. وفي نهاية المطاف، تتطلب استدامة القطاع الثقافي نموذجاً مالياً هجيناً مصمّماً وفق السياقات الإقليمية، يمزج الجهود العامة والخاصة لضمان الصمود والشمول والتنوع على المدى الطويل.

ويكشف متوسط الميزانية المخصصة للثقافة لكل فرد، مقاساً بالدولار الأمريكي بحسب المجموعات الإقليمية، عن تفاوتات كبيرة في الاستثمار الثقافي حول العالم. فأوروبا وأمريكا الشمالية تتصدران بفارق كبير، بمتوسط ميزانية ثقافية للفرد يبلغ 418.56 دولاراً، بما يعكس أطراً مؤسسية قوية، وإيلاء الأولوية للثقافة مكوّناً رئيسياً للتنمية والهوية، وبطبيعة الحال حجم اقتصادات أوروبا وأمريكا الشمالية. غير أنه بالنظر إلى حجم العينة المستخدمة لقياس المتوسط، حيث يمكن للبلدان الشاذة ذات الاستثمار المرتفع جداً أو المنخفض جداً في الثقافة أن تحرف المتوسط العام، من المهم أيضاً النظر في القيم الوسيطة.

فالقيمة الوسيطة للميزانية العامة للثقافة لكل فرد تبلغ 0.15 دولار في البلدان المنخفضة الدخل، و2.74 دولار في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و11.79 دولاراً في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و349 دولاراً في البلدان المرتفعة الدخل، في حين تبلغ عالمياً 6.32 دولارات، بحد أدنى قدره 0.07 دولار وحد أقصى قدره 1400.98 دولار. وإلى جانب هذا التحليل، تكتسي العلاقة بين الناتج المحلي الإجمالي الوطني والإنفاق الثقافي أهمية أيضاً. فالحد الأدنى للإنفاق في البلدان المرتفعة الدخل يزيد على عشرين ضعفاً عن الحد الأقصى في البلدان المنخفضة الدخل، ويقارب ضعف ما هو عليه في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى. ويُبيّن ذلك التفاوت الهائل في الميزانيات الثقافية حول العالم، ويوضح الفروق في القدرة على الاستثمار.

وتُبرز هذه التفاوتات الحاجة إلى مزيد من الإنصاف العالمي في تمويل الثقافة. فالمناطق ذات الاستثمارات المنخفضة للفرد ستستفيد من التعاون الدولي وتقاسم المعارف لبناء القدرات وتعزيز دور الثقافة في التنمية المستدامة. وتؤكد البيانات أيضاً أهمية إعطاء الأولوية للثقافة في الإنفاق العام لتعزيز الابتكار والتماسك الاجتماعي والنمو الاقتصادي في جميع المناطق.

وتؤكد الالتزامات الأخيرة هذه الأهمية. فميثاق المستقبل يُبرز محورية الثقافة في التنمية المستدامة والإدماج الاجتماعي، مشدداً على الحاجة إلى استمرار التمويل العام. وبالمثل، يعيد أحدث إعلان لمجموعة العشرين بشأن الثقافة تأكيد تفاني الدول الأعضاء في صون الثقافة والابتكار والنفاذ المنصف، مؤطّراً الثقافة منفعةً عامة لا تنفصل عن الحوار والتعاون العالميين. وتعكس هذه المبادرات اعترافاً متزايداً بمسؤولية الدولة عن استدامة المنظومات الثقافية وتسخير إمكاناتها للنهوض الاجتماعي والاقتصادي والدبلوماسي.

تمويل التراث

يمثّل صون التراث جانباً مهماً من الاستثمار العام في القطاع الثقافي، ويشمل حفظ التراث المادي والحي وصونه وعرضه، على النحو المبيّن في اتفاقيات اليونسكو الثقافية. ولا تقتصر هذه الجهود على ضمان حماية مواقع التراث الثقافي وممارساته للأجيال القادمة، بل تقوّي أيضاً دورها محرّكات رئيسية للسياحة الثقافية وهوية المجتمعات.

ويتطلب الصون الفعّال للتراث استثماراً مالياً وإدارة استراتيجية معاً، وقد طبّقت بلدان كثيرة خطط إدارة شاملة للتراث لتوجيه جهود الحفظ. فعلى سبيل المثال، مع أن إدراج موقع ما على قائمة اليونسكو للتراث العالمي يجلب اعترافاً دولياً، فإنه يقترن أيضاً بمسؤوليات إدارية وتكاليف مالية أكبر على السلطات الوطنية والمجتمعات المحلية. ففي تنزانيا مثلاً، يوضح صون منطقة نغورونغورو المحمية هذه الديناميكية، إذ يتطلب صون الموقع ورصد المؤشرات البيئية والثقافية وإدارة التدفقات السياحية موارد محلية كبيرة. ولمواجهة هذه التحديات، تشدد خطط كثيرة على بناء القدرات، كتدريب المجتمعات المحلية على تقنيات الحفظ وإشراكها في عمليات صنع القرار، وكثيراً ما يجري ذلك بنهج مراعٍ للنوع الاجتماعي. ولا يقلّل هذا النهج التكاليف فحسب، بل يضمن أيضاً استدامة جهود الصون عبر تعزيز الملكية والخبرة المحليتين. وتُبرز هذه الاستراتيجيات أهمية المواءمة بين الاستثمار وإشراك المجتمع لتحقيق التوازن بين المتطلبات المالية والعملية لإدارة التراث.

ويتفاوت متوسط النسبة المئوية من إجمالي الإنفاق العام السنوي المخصصة لتحديد التراث الثقافي والطبيعي وحفظه وحمايته وعرضه تفاوتاً كبيراً بين المجموعات الإقليمية وفئات الدخل، بما يعكس اختلاف أولويات السياسات ومستويات توافر الموارد.

فعلى مستوى العالم، يبلغ متوسط حصة الإنفاق العام 0.67% للتراث الثقافي و0.69% للتراث الطبيعي. وعند التحليل بحسب المجموعات الإقليمية، تسجّل أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي أعلى متوسط حصة للتراث الثقافي بنسبة 0.87%، في حين تتصدر أوقيانوسيا الاستثمار في التراث الطبيعي بتخصيص 1.95% من الإنفاق العام له، إلى جانب 0.86% للتراث الثقافي.

ويخصص غرب آسيا وشمال أفريقيا 0.73% للتراث الثقافي و0.79% للتراث الطبيعي، ما يدل على التزام متوازن نسبياً. وتُظهر أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حصة استثمار أدنى قليلاً لكنها مماثلة، تبلغ 0.69% للتراث الثقافي و0.70% للتراث الطبيعي. وتنفق آسيا الوسطى والجنوبية 0.58% و0.60% على التوالي، في حين يخصص شرق آسيا وجنوب شرقها 0.48% للتراث الثقافي و0.79%، وهي نسبة أعلى بشكل ملحوظ، للتراث الطبيعي، ما يوحي بتركيز متنامٍ على الحفاظ على البيئة في المنطقة. وبحسب فئات الدخل، تبلغ الحصص 0.57% و0.59% في البلدان المرتفعة الدخل، و0.74% و0.57% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و0.53% و0.55% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و0.81% و0.95% في البلدان المنخفضة الدخل، في حين تبلغ 0.56% و0.50% في الشمال العالمي مقابل 0.74% و0.75% في الجنوب العالمي.

وتستثمر أوروبا وأمريكا الشمالية 0.58% في التراث الثقافي و0.49% فقط في التراث الطبيعي، ما يضعهما دون متوسط الحصة العالمية، ويعود ذلك أساساً إلى ارتفاع مستوى إنفاقهما العام الإجمالي لا إلى نقص الاستثمار في التراث الثقافي والطبيعي.

وتؤكد هذه التفاوتات الإقليمية الحاجة إلى دعم موجّه في المناطق التي تعاني نقص التمويل لصون التراث الثقافي والطبيعي. ويمكن لمزيد من التعاون الدولي وبناء القدرات والتمويل أن يساعد على سد الفجوة، بما يمكّن المناطق ذات موارد التراث الغنية والهشة في آن معاً من ضمان صونها واستثمارها على المدى الطويل من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

الاستثمار في البنية التحتية الثقافية

تشمل البنية التحتية الثقافية طيفاً واسعاً يتجاوز المباني المادية، ليضم المرافق والبرامج والمنظمات والمؤسسات التي تدعم الحياة الثقافية. وقد أكد جاستن أوكونور في كتابه «الثقافة ليست صناعة» الصادر عام 2024 الطبيعة المتعددة الأوجه للبنية التحتية الثقافية. فهذه البنية تدعم السياحة، بما تشمله من فنادق وطرق ومطارات تربط التجارب الثقافية بالنشاط الاقتصادي الأوسع. وإضافة إلى ذلك، تشمل البنية التحتية عناصر «صلبة» كالمراكز الثقافية وأماكن العروض، ومكوّنات «ناعمة» كبرامج التدريب ومبادرات بناء الجمهور التي تعزّز الخبرة وتزيد التفاعل الثقافي. ومع أن المشاريع الكبيرة ذات الطابع التفاخري كثيراً ما تهيمن على الاستثمار، تؤدي الفضاءات الأصغر وغير الرسمية، كالاستوديوهات والأماكن المجتمعية، دوراً حاسماً في دعم الإنتاج الثقافي القاعدي. وكثيراً ما يُغفل ذلك في السياسات الثقافية التي تميل إلى إعطاء الأولوية للبنية التحتية الظاهرة على حساب العناصر الأقل بريقاً لكنها ضرورية لاستدامة الإبداع والتفاعل المحلي. وعلاوة على ذلك، لا تتطلب البنية التحتية الثقافية الفعالة فضاءات مادية فحسب، بل نظم إدارة متينة أيضاً تربط البنية «الناعمة» بالبنية «الصلبة». وقد اعتُرف بهذا التمييز في مؤشرات اليونسكو للثقافة|2030، التي تجمع البيانات عن المراكز الثقافية والفضاءات المجتمعية كلاً على حدة.

ويضفي تقاطع السياسات الثقافية مع الاستراتيجية الصناعية والتجديد الحضري مزيداً من الدقة على النقاش والتحليل. فالمراكز الثقافية يمكن أن تدفع التنمية الاقتصادية، لكن ذلك يتطلب استراتيجية صناعية تواءم بين السياسات الثقافية والأهداف الاقتصادية الأوسع. فمؤشر البنية التحتية الثقافية لعام 2023 الصادر عن شركة «إيه إي إيه» للاستشارات مثلاً يُبرز الاتجاهات العالمية في الاستثمار الثقافي، مشدداً على الحاجة إلى نُهج متوازنة تدمج البنية الصلبة والناعمة مع معالجة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للتنمية الحضرية. وهذه الاستراتيجيات المتكاملة أساسية لتعظيم أثر البنية التحتية الثقافية في التجديد والإنتاج ورفاه المجتمع.

ويُعدّ الاستثمار في البنية التحتية الثقافية جانباً حاسماً من الإنفاق العام والخاص على حد سواء، يشمل إنشاء المرافق وصيانتها، كالمراكز الثقافية وفضاءات العروض والمراكز الإبداعية. ومع أن الاستثمار العام كثيراً ما يوفّر دعماً أساسياً للفضاءات الموجّهة إلى المجتمع، فقد أصبح الاستثمار الخاص ذا أهمية متزايدة في تشكيل البنية التحتية الثقافية عالمياً. فبحسب المؤشر ذاته، تؤدي إسهامات القطاع الخاص اليوم دوراً رئيسياً في تمويل المشاريع الثقافية الكبيرة، وكثيراً ما يجري ذلك عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص.

وتتيح هذه الشراكات تطوير أماكن بارزة ومراكز إبداعية ذات طابع تجاري أكبر، مع تقاسم المسؤوليات المالية والتشغيلية بين الحكومات والجهات الخاصة. فهي يمكن أن تدعم لا إنشاء الفضاءات المادية فحسب، بل الإدارة والبرمجة المستمرتين اللازمتين لضمان بقاء هذه المرافق نابضة بالحياة ومتاحة. وتُبرز هذه الاستثمارات الديناميكيات المتطورة لتمويل البنية التحتية الثقافية، حيث يجب أن يعمل القطاعان العام والخاص جنباً إلى جنب لتلبية الاحتياجات المتنوعة للإنتاج الثقافي وإشراك المجتمع والتنمية الاقتصادية.

وفي السنوات الأخيرة، اعترفت الحكومات على نحو متزايد بدور البنية التحتية الثقافية في دفع التفاعل الثقافي، واتبعت نهجاً أكثر شمولاً في التنمية الاقتصادية. فخطة سنغافورة للفنون للفترة من 2018 إلى 2023 مثلاً خصصت 1.2 مليار دولار سنغافوري، وهي زيادة كبيرة مقارنة بمستويات التمويل السابقة، لتحسين الفضاءات الثقافية وتعزيز المواهب الفنية المحلية وإدماج الثقافة في استراتيجيات التنمية الحضرية. وتشير النتائج الأولية إلى تحسّن النفاذ إلى المرافق الثقافية، وزيادة مشاركة المجتمع في البرامج الفنية، وتعزيز ظهور الفنانين المحليين على المنصات الدولية. وتُبيّن هذه الاستثمارات كيف يمكن للتمويل الاستراتيجي في البنية التحتية الثقافية أن يحقق منافع ثقافية واقتصادية معاً، ليكون نموذجاً لصانعي السياسات في أنحاء العالم. وتؤدي الصناديق الهيكلية للاتحاد الأوروبي، ولا سيما الصندوق الأوروبي للتنمية الإقليمية، دوراً محورياً في تطوير البنية التحتية الثقافية في الدول الأعضاء، بما فيها البنية التحتية الرقمية. فإلى جانب دعم إنشاء المتاحف والمسارح ومراكز الفنون والمكتبات وتحديثها، تتيح هذه الصناديق استثمارات كبيرة في المنصات الرقمية ورقمنة المجموعات الثقافية والأدوات المتقدمة لإدارة الموارد الثقافية وتقاسمها.

فمن خلال رقمنة المجموعات وإنشاء المنصات الإلكترونية، تستطيع المؤسسات الثقافية الوصول إلى جماهير أوسع وأكثر تنوعاً، بما فيها تلك الموجودة في المناطق النائية أو المحرومة من الخدمات. وفي الظروف المثلى، يعزّز هذا النفاذ الموسّع الشمول والمشاركة الثقافية، ويتيح لأناس من خلفيات مختلفة التفاعل مع السلع والتجارب الثقافية. وعلاوة على ذلك، تحفّز هذه الاستثمارات الابتكار في القطاع الثقافي، بما يتيح تطوير صيغ تفاعلية وغامرة كالمعارض الافتراضية والأرشيفات الرقمية التي تُثري التفاعل الثقافي وتجتذب جماهير جديدة. فمتحف اليونسكو الافتراضي للممتلكات الثقافية المسروقة، الذي تناوله الفصل الثاني أيضاً، يذكي الوعي العام بالاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وأثره في المجتمعات المحرومة من تراثها الثقافي. وعلى المستوى الوطني، تستخدم مشاريع مبتكرة مثل «تكبير المنمنمات» التعلم الآلي المتقدم والتصوير الروبوتي لتمكين المستخدمين من استكشاف التفاصيل الدقيقة للأعمال الفنية، فيصبح التراث الثقافي أكثر حيوية ويسراً. وتُبرز هذه المبادرات كيف تعزّز البنية التحتية الرقمية إتاحة العروض الثقافية وتنوعها معاً، فتضاعف أثرها الاجتماعي والاقتصادي وتعزّز صون الثقافة والابتكار على نطاق عالمي.

الشمول والاستدامة أساسين لتنمية الصناعات الثقافية والإبداعية

ليس الشمول في الصناعات الثقافية والإبداعية مسألة إنصاف فحسب، بل هو أيضاً حجر زاوية للديمقراطية والمساءلة والإعمال الكامل للإمكانات الإبداعية والاقتصادية. فالإخفاق في دعم الفئات المهمّشة لا يقوّض فرصها فحسب، بل يقوّض أيضاً الإمكانات الأوسع للمنظومة الثقافية على الابتكار والنمو. ويكتسي ذلك أهمية خاصة في الجنوب العالمي، حيث يمثّل الشباب أغلبية السكان وهم مفتاح مستقبل التنمية الثقافية والاقتصادية. فإعطاء الأولوية لإدماجهم يضمن أن تسهم طاقتهم الإبداعية ومنظوراتهم في تشكيل قطاعات ثقافية أكثر إنصافاً وحيوية، وهو ما يشكّل بدوره أساساً لاقتصاد أكثر شمولاً واستدامة تكون فيه هذه الصناعات مساهماً مهماً ومتنامياً. وفي هذا الصدد، تعترف خطة أنتيغوا وبربودا للدول الجزرية الصغيرة النامية صراحة بالثقافة رافعةً لتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين الشباب وعدم ترك أحد خلف الركب، إذ تسهم في إتاحة فرص لسبل عيش بديلة وضمان الإدماج المالي والاقتصادي والاجتماعي.

وكما يُبرز تقرير اليونسكو «تمكين الإبداع»، يمكن لتعزيز التنوع والمساواة والإدماج في النظم الثقافية أن يُحدث أثراً تحويلياً، يقوّي المشاركة الديمقراطية والاقتصاد الثقافي معاً. ويوضح التقرير كيف يمكن للسياسات الثقافية أن تعالج أوجه عدم المساواة البنيوية. ففي توغو، تحدد السياسة الوطنية للإنصاف والمساواة بين الجنسين العوائق الاجتماعية والثقافية أمام تمكين المرأة، وتحدد إصلاحات مؤسسية لمعالجتها. وفي كوستاريكا، أسهمت موائد مستديرة مع فنانين شباب بدعم من برنامج اليونسكو أشبيرغ في مراجعة السياسة الوطنية للحقوق الثقافية، مستفيدة من مدخلات أكثر من 300 مشارك لتحديد ما يشكّل العمل اللائق في الفنون. وتُبيّن كلتا الحالتين كيف يمكن لصنع السياسات الثقافية الشامل أن يمنح صوتاً للمجتمعات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً ويعزّز الإنصاف.

وتملك الصناعات الثقافية والإبداعية إمكانات كبيرة لتعزيز شمول الفئات الضعيفة كالشباب وكبار السن والأقليات والشعوب الأصلية. فمن خلال إشراك هذه الفئات في الأنشطة الإبداعية، يمكن لهذه الصناعات أن توفّر منبراً للتعبير وتنمية المهارات والفرص الاقتصادية. وعبر البرمجة الشاملة والنفاذ إلى الفرص الإبداعية، تصبح هذه القطاعات منصات للتعبير عن الذات والتمكين الاقتصادي والاعتراف الثقافي.

فكبار السن مثلاً حرّاس أساسيون للمعارف والقصص والممارسات التقليدية. وإشراكهم بنشاط في المبادرات الثقافية، كورش رواية القصص والإرشاد الثقافي والفنون التشاركية، لا يصون التراث غير المادي فحسب، بل يعزّز أيضاً التبادل بين الأجيال، فيُثري العمليات الإبداعية ويتيح التعبير عن الذات ويقوّي الروابط المجتمعية. والاعتراف بكبار السن وتمكينهم في هذه الصناعات يضمن بقاء حكمتهم قوة فاعلة في تشكيل الحياة الثقافية المعاصرة.

وفي المقابل، يمكن للمبادرات الثقافية الموجّهة إلى الشباب أن تسخّر إبداعهم وطاقتهم، وتعزّز شعورهم بالانتماء والتمكين، وتسهم في التماسك الاجتماعي والصمود الاقتصادي في المستقبل. فمن خلال تنمية المهارات والمشاركة الثقافية، لا تلبي هذه المبادرات تطلعات الشباب فحسب، بل توجّه إمكاناتهم أيضاً نحو إسهامات مجتمعية بنّاءة. وفي المناطق ذات الأعداد الكبيرة من الشباب، ولا سيما في الجنوب العالمي، تؤدي هذه البرامج دوراً حاسماً في تزويد الجيل القادم بالأدوات اللازمة لتشكيل السرديات الثقافية ودفع الابتكار. وعلاوة على ذلك، يساعد إشراك الشباب في المبادرات الثقافية على بناء تقدير أعمق للتراث الثقافي والتنوع، بما يعزّز المجتمعات الشاملة ويضمن استدامة الممارسات الثقافية للأجيال القادمة.

وتجسّد مشاريع مثل مركز «أماغوغو» الدولي للتراث في زيمبابوي إمكانات الصناعات الثقافية والإبداعية في صون المعارف والممارسات التقليدية مع الإسهام في التنمية الاقتصادية. فالمركز، الواقع في تلال ماتوبو المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، يركّز على صون تراث الشعوب الأصلية عبر ورش ومعارض وبرامج تعليمية تُشرك المجتمعات المحلية والزوار معاً، ويشكّل منصة للحرفيين والمؤدين لعرض مهاراتهم، فيولّد الدخل ويعزّز الاعتزاز الثقافي. ومن خلال إشراك الشباب في هذه الأنشطة، يضمن المركز انتقال المعارف التقليدية إلى الأجيال القادمة، فيخلق أوجه تآزر بين صون الثقافة وتنمية المهارات والفرص الاقتصادية.

ومن الأمثلة الأخرى مبادرة «تمكين الشباب عبر الفنون والإعلام»، التي تُشرك الشباب في أفريقيا في توثيق تراثهم الثقافي وتقاسمه عبر مشاريع إبداعية كصناعة الأفلام ورواية القصص. ولا يقتصر هذا البرنامج على صون الممارسات التقليدية، بل يمكّن الشباب أيضاً بتزويدهم بالأدوات والمنصات للتعبير عن إبداعهم، بما يعزّز النمو الشخصي والانخراط المجتمعي معاً.

غير أن معالجة أوجه عدم المساواة في الصناعات الثقافية والإبداعية تتطلب ما هو أكثر من التمثيل، إذ تستلزم تغييراً بنيوياً. فيجب معالجة أوجه عدم المساواة المستمرة في النفاذ والأجور والأدوار القيادية وطريقة التصوير. ويجب أن تقترن زيادة التمثيل بمعالجة طريقة تصوير الفئات المهمّشة في المخرجات الثقافية، بما يضمن ألا ترسّخ التحيزات المجتمعية. ويُظهر صون التراث كذلك عدم مساواة، إذ كثيراً ما تُستبعد المجتمعات المهمّشة من عمليات صنع القرار رغم كونها حاملة رئيسية للمعارف. وتتطلب صناعات ثقافية وإبداعية شاملة حقاً معالجة هذه التحديات المتشابكة لإيجاد فرص وسرديات منصفة تعكس جميع الأصوات وتمكّنها.

(عدم) المساواة بين الجنسين في الصناعات الثقافية والإبداعية

تُعدّ المساواة بين الجنسين قضية محورية لكنها لا تزال عصيّة على الحل في الصناعات الثقافية والإبداعية. فعلى الرغم من بعض التقدم، لا تزال النساء يواجهن عوائق كبيرة، منها عدم المساواة في النفاذ إلى الموارد والأدوار القيادية والأجر العادل. ووفقاً لتقرير اليونسكو «إعادة تشكيل السياسات من أجل الإبداع»، تشغل النساء أقل من 30% من المناصب القيادية في المنظمات الثقافية حول العالم، ما يؤكد استمرار أوجه عدم المساواة البنيوية. وإضافة إلى ذلك، تُبرز بيانات تقرير «النوع الاجتماعي والإبداع: تقدم على حافة الهاوية» أن النساء ممثّلات تمثيلاً ناقصاً في قطاعات رئيسية كالسينما والموسيقى، حيث تنخفض معدلات المشاركة بشكل خاص. وتتطلب معالجة هذه التفاوتات سياسات ومبادرات موجّهة تتصدى للعوائق المنهجية وتعزّز التوازن بين الجنسين. وقد حققت البلدان التي تملك استراتيجيات شاملة للمساواة بين الجنسين في القطاع الثقافي، كالسويد وفرنسا، نتائج أفضل في مشاركة المرأة وقيادتها، وكثيراً ما تتضمن هذه السياسات حوافز تمويلية وبرامج إرشاد وحصصاً وأطر تقييم مراعية للنوع الاجتماعي. ولإحداث تغيير حقيقي، يجب أن تدمج السياسات الثقافية نُهجاً قائمة على البيانات، وأن تعطي الأولوية للتمثيل المتكافئ، وأن تعالج أوجه عدم المساواة المتقاطعة. واستناداً إلى استنتاجات اليونسكو، فإن تعزيز المساواة بين الجنسين في هذه الصناعات ليس مسألة إنصاف فحسب، بل أمر أساسي لإطلاق الإمكانات الكاملة للقطاع.

وتُظهر العمالة في الصناعات الثقافية والإبداعية تقدماً في المساواة بين الجنسين وتفاوتات مستمرة معاً، مع فروق دقيقة إقليمية ومهنية تكشفها البيانات. فعلى مستوى العالم، تشكّل النساء حصة كبيرة من القوى العاملة في المهن الثقافية. ففي مدن مثل شكي في أذربيجان وباغيو في الفلبين، تشكّل النساء 81% و55% من القوى العاملة الثقافية على التوالي، ما يُظهر تمثيلاً قوياً في سياقات حضرية محددة. وبالمثل، تمثّل النساء في بلدان مثل كرواتيا وصربيا 56% و55.7% من القوى العاملة الثقافية.

غير أن هذه الأرقام تخفي تفاوتات كامنة، ففي الأدوار التقنية والإدارية كثيراً ما يهيمن الرجال، بما يعكس عوائق بنيوية تحدّ من نفاذ النساء إلى الفرص الأعلى مستوى. وفي مناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأجزاء من آسيا، لا تزال مشاركة الرجال في المهن الثقافية تفوق مشاركة النساء، مع فجوات كبيرة في المجالات القيادية والتقنية. ولا يزال النفاذ إلى رعاية الأطفال عائقاً رئيسياً أمام التقدم المهني للنساء ومقدّمي الرعاية في القطاع. وهذا أيضاً نتيجة صعبة لعدم المساواة في النفاذ إلى ظروف عمل مرضية، إذ يقل احتمال شغل النساء وظائف رسمية ومدفوعة الأجر بعدالة مع نُهج حساسة ومنصفة لجوانب مثل الضمان الاجتماعي والإجازات المدفوعة وغيرها.

وفي المراكز الحضرية ضمن شبكة اليونسكو للمدن المبدعة، تكشف الصورة الجنسانية للصناعات الثقافية والإبداعية عن مشهد دقيق. فالنساء كثيراً ما يفقن الرجال في التمثيل الإجمالي، لكنهن يعانين تمثيلاً ناقصاً في المناصب الأعلى أجراً ومواقع صنع القرار. ففي مدن مثل جينجو في جمهورية كوريا وبورتوفييخو في الإكوادور، تعكس القوى العاملة الثقافية تكافؤاً أقرب بين الجنسين، لكن البيانات توحي بأن الأدوار الجنسانية التقليدية لا تزال تؤثر في أنواع الوظائف المشغولة.

وتُبرز هذه النتائج الإنجازات ومجالات التحسين معاً في الإنصاف بين الجنسين في هذه الصناعات. فمع أن النساء يؤدين دوراً محورياً فيها، تستمر عوائق التقدم وفوارق الأجور. ومعالجة هذه القضايا عبر سياسات تعزّز تكافؤ الفرص والتمثيل في الأدوار القيادية والتقنية أمر حاسم لتعزيز اقتصاد ثقافي أكثر شمولاً وإنصافاً.

وكثيراً ما تشمل السياسات الداعمة للمساواة بين الجنسين في هذه الصناعات طائفة من التدابير الموجّهة، صُمّم كل منها لمعالجة عوائق محددة تواجهها النساء. فبرامج التمويل، كمبادرة التكافؤ بين الجنسين في الفنون في كندا، توفّر دعماً مالياً مخصصاً للفنانات ورائدات الأعمال الإبداعية، بما يضمن النفاذ المنصف إلى الموارد. وبالمثل، يقدّم برنامج إرشاد النساء في الموسيقى في أستراليا تدريباً مراعياً للنوع الاجتماعي يزوّد النساء بمهارات في الإدارة والقيادة والابتكار الرقمي للازدهار في صناعة الموسيقى التنافسية.

وتُعدّ زيادة التمثيل في المناصب القيادية محوراً حاسماً آخر للمساواة بين الجنسين في هذه الصناعات. فميثاق المساواة في الصناعات الثقافية والإبداعية في فرنسا مثلاً يفرض التكافؤ بين الجنسين في المجالس الثقافية وأدوار صنع القرار، بما يعزّز التغيير المنهجي داخل المؤسسات الثقافية. وإضافة إلى ذلك، أدخل اتفاق السينما في السويد حصصاً جنسانية لضمان تمويل متكافئ للمشاريع التي تقودها النساء، ما أسهم في زيادة تمثيل صانعات الأفلام وإثراء تنوع السرديات في صناعة السينما.

وتؤدي البرامج العامة ومبادرات منظمات المجتمع المدني أدواراً متمايزة لكنها متكاملة في تعزيز المساواة بين الجنسين. فمنظمة «نساء في السينما» منظمة عالمية مكرّسة لتحقيق التكافؤ بين الجنسين في صناعة السينما عبر الدفاع عن المسارات المهنية للنساء في السينما والتلفزيون والإعلام الرقمي والنهوض بها. ويوفّر برنامج اليونسكو «تمكين المبدعات» ظهوراً عالمياً وموارد وشبكات للمبدعات بهدف سد الفجوات في التمثيل والنفاذ. وتضخّم جهود إقليمية، كالشبكة الأوروبية للنساء في القطاع السمعي البصري وجوائز آسيا والمحيط الهادئ للشاشة، هذه الأهداف بتقديم الإرشاد والتمويل والمناصرة للارتقاء بأدوار النساء في السينما والتلفزيون. ويدافع برنامج «كي تشينج» في الاتحاد الأوروبي عن دور النساء في صناعة الموسيقى ويعمل على تحقيق توازن بين الجنسين بنسبة 50% في القوى العاملة في هذه الصناعة. وكثيراً ما تعالج المبادرات القاعدية والمجتمعية سياقات ثقافية وفئات مهمّشة بعينها، فمبادرة «هي تقود أفريقيا» مثلاً تمكّن النساء الأفريقيات في الصناعات الثقافية والإبداعية عبر التدريب والتمويل وفرص بناء الشبكات. وهذه الجهود أساسية لمعالجة أوجه عدم المساواة المتقاطعة بين النوع الاجتماعي والإثنية والطبقة.

ومع أن 2% فقط من البلدان تفتقر إلى هيئات حكومية أو برلمانية مخصصة للمساواة بين الجنسين، فإن ما يقارب الثلث يفيد بأن هذه الهيئات لا تمسّ الفنانين والمهنيين الثقافيين. وعلاوة على ذلك، لا تملك نحو 24% من البلدان آليات مخصصة تعالج المساواة بين الجنسين في القطاع الثقافي تحديداً. ومع ذلك، تجمع 84% من الدول بعض البيانات على الأقل عن المساواة بين الجنسين، وهي علامة مشجعة على الإرادة السياسية وأساس لتقدم السياسات.

ويكشف تحليل السياسات الداعمة للمرأة بوصفها فنانة ومهنية ثقافية ورائدة أعمال إبداعية عن تفاوتات إقليمية كبيرة في الإبلاغ عن السياسات وتنفيذها. فأوروبا وأمريكا الشمالية تتصدران بنسبة 82% من البلدان التي تفيد بوجود سياسات وتدابير للنهوض بالاعتراف بالمرأة في القطاعات الثقافية، بما يعكس دعماً مؤسسياً قوياً وتركيزاً طويل الأمد على الإنصاف بين الجنسين. وتفيد أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بانخراط معتدل، إذ تنفّذ تدابير مماثلة 56% و68% من البلدان على التوالي. ومع أن هذه الجهود واعدة، فإنها تظل غير متكافئة وتُبرز الحاجة إلى التزام مستدام، مؤكدةً صعوبة إعطاء الأولوية للإنصاف بين الجنسين في ظل قيود اقتصادية واجتماعية أوسع.

وشملت جهود سد هذه الثغرات سياسات تعزّز المساواة بين الجنسين في التوظيف وسلالم الأجور وفرص الترقي المهني، إلى جانب مبادرات لضمان النفاذ المنصف للنساء إلى الموارد والتطوير المهني. غير أن التقدم يظل غير متكافئ، مع تباينات إقليمية كبيرة تؤثر فيها الأطر المؤسسية وتوافر الموارد والمواقف المجتمعية. وإضافة إلى ذلك، ثمة فوارق بين الجنسين في طريقة استجابة الفنانين والمهنيين الثقافيين للوائح والإرشادات القائمة، فلا يمكن افتراض أن وجود لائحة ما يعني تكافؤ الجنسين في الاستفادة منها. ففي الولايات المتحدة مثلاً، تُظهر البيانات أن المؤلفين الرجال يسجّلون حقوق المؤلف بمعدل يبلغ ضعف معدل المؤلفات.

وفي البلدان الأعلى دخلاً، طُبّقت سياسات جنسانية متينة لدعم المساواة، منها الحصص والحوافز التمويلية لزيادة تمثيل النساء في أدوار القيادة الثقافية. غير أنه على الرغم من هذه التدابير، تظل تحديات كبيرة قائمة، تتجلى في استمرار الفوارق بين الجنسين والمخاوف المتعلقة بالسلامة التي كشفتها حركات مثل حركة «أنا أيضاً». وفي مناطق فرعية من أفريقيا وأمريكا اللاتينية، حققت برامج مجتمعية تقدماً حقيقياً بتعزيز المساواة بين الجنسين على المستوى القاعدي، غير أن العوائق البنيوية، ومنها محدودية التمويل والدعم المؤسسي، لا تزال تعوق التقدم الأوسع. ولا غنى عن نهج دقيق مصمّم وفق كل منطقة لمعالجة هذه التفاوتات مع الاعتراف بالإنجازات والتحديات المستمرة معاً.

ويُعدّ جمع البيانات والرصد المنهجيان حاسمين للنهوض بالمساواة بين الجنسين في الصناعات الثقافية والإبداعية. فمع أن هذه النظم أكثر انتشاراً في بعض المناطق، تواجه اقتصادات كثيرة تحديات بسبب تنافس الأولويات ومحدودية الموارد، ما يؤكد الحاجة إلى تنمية القدرات والدعم الدولي. وتوفّر المساواة بين الجنسين، بوصفها محور الهدف 5 من أهداف التنمية المستدامة، إطاراً يمكن تكييفه مع القطاعات الثقافية. غير أن هذه الصناعات تتطلب نُهجاً مصمّمة خصيصاً بسبب ديناميكياتها الفريدة، كانتشار العمل غير الرسمي وبدوام جزئي، ونماذج الأعمال الهجينة، وقلة تمثيل النساء في أدوار القيادة وصنع القرار.

ولمعالجة هذه التحديات المحددة، ينبغي أن تشمل المبادرات تمويلاً موجّهاً للمشاريع الثقافية التي تقودها النساء، وبرامج لبناء القدرات في جمع البيانات ووضع السياسات، وأشكالاً من التعاون بين القطاعات تدمج السياسات الثقافية في استراتيجيات أوسع للمساواة بين الجنسين. وفي هذا الصدد، ستوفّر مجموعة أدوات اليونسكو المرتقبة «الثقافة للجميع: مجموعة أدوات للمساواة بين الجنسين في صنع السياسات» إرشادات مفصّلة خطوة بخطوة حول كيفية إدماج المساواة بين الجنسين في السياسات الثقافية. ومن خلال الاعتراف بهذه الخصوصيات وتوسيع الجهود في المناطق الممثّلة تمثيلاً ناقصاً، يمكن للصناعات الثقافية والإبداعية أن تسهم إسهاماً حقيقياً في أهداف المساواة بين الجنسين العالمية.

النهوض بمعايير العمل اللائق

كثيراً ما يواجه العاملون في المجال الثقافي ظروفاً هشة، منها تدني الأجور والأدوار غير الدائمة ومحدودية النفاذ إلى الحماية الاجتماعية كالتأمين الصحي وخطط التقاعد أو انعدامه. ويعكس ذلك الطبيعة الفريدة للصناعات الثقافية والإبداعية التي تتسم بترتيبات عمل غير نمطية وعقود قائمة على المشاريع واعتماد على الاقتصادات غير الرسمية. وللاتساق مع الهدف 8 من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، تحتاج هذه الصناعات إلى آليات دعم مصمّمة خصيصاً تعالج هذه التحديات مع الحفاظ على المرونة الضرورية للإنتاج الإبداعي. وإضافة إلى ذلك، يجلب صعود الذكاء الاصطناعي فرصاً ومخاطر معاً، كأتمتة تحل محل الأدوار الإبداعية أو تعيد تشكيل سلسلة القيمة، على النحو المبيّن في الفصل الثاني. وسيتطلب الانتقال العادل للعاملين الثقافيين في هذا المشهد المتطور سياسات تكفل الأجر العادل ورفع المهارات والنفاذ إلى التقنيات الجديدة، بما يصون استدامة العمل الثقافي وكرامته.

وقد أعاد التحول الرقمي للقطاع الثقافي تشكيل كل مجال من مجالات السياسات العامة، بما فيها النُّهج الثقافية. وكما نوقش في الفصل الثاني، يُنظر إلى التقنيات الرقمية بوصفها محرّكات للابتكار والنمو في القطاع الثقافي، تيسّر التوسع عبر قنوات ومنصات جديدة ومتنامية. وتركّز السياسات على نحو متزايد على تعزيز البنية التحتية للتنمية الرقمية والإلمام بالمهارات الرقمية وحماية الملكية الفكرية وتحقيق الدخل العادل من السلع الثقافية. غير أن السياسات في سياقات كثيرة تحتاج إلى إصلاح لضمان ملاءمتها للتحول الرقمي، مع تحديات شائعة في القدرات والخبرات. ويزيد الذكاء الاصطناعي حدة التحديات المتعلقة بالأجور والأخلاقيات واستغلال الموارد وحقوق الملكية الفكرية. وتسعى أطر وتوصيات سياساتية، كتوصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وقانون الخدمات الرقمية الأوروبي، إلى تنظيم هذه القضايا، وإن واجهت مخاطر وتحديات كبيرة، ولا سيما أن الذكاء الاصطناعي يوشك أن يزعزع جذرياً النظم القائمة لإدارة الملكية الفكرية. ويظل الإقصاء الرقمي أيضاً قضية حاسمة، إذ يشير الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن 2.6 مليار شخص لا يزالون غير متصلين بالإنترنت، وأن النساء يتحملن حصة غير متناسبة من هذه الفجوة، إذ يفوق عدد الرجال المستخدمين للإنترنت عدد النساء بـ189 مليوناً. فضلاً عن ذلك، ثمة خطر أن يستبعد التحول الرقمي النساء فعلياً أو حتى أن يفضي إلى عواقب ضارة، كخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي الميسَّر بالذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، فإن فوائد التحول الرقمي واضحة، إذ يفتح فرصاً للإنتاج والتوزيع الثقافيين الشاملين في كل منطقة من مناطق العالم. وكما يُبيّن تقرير «الرقمنة: عامل تغيير جذري للحكومات والمجتمعات المحلية» الصادر عام 2023، تجني البلدان الأكثر تقدماً في الرقمنة منافع اقتصادية أكبر بنسبة 20% مقارنة بتلك التي لا تزال في المراحل الأولى من التطور الرقمي. ومع أن الرقمنة يمكن أن تدعم تنويع مصادر الدخل وتولّد قيمة اقتصادية، تلزم نُهج شاملة لمعالجة الثغرات في النفاذ والأجر المنصفين، ولدعم الفنانين والعاملين الثقافيين في الابتكار بالأدوات الرقمية بدلاً من أن يُهمَّشوا في مواجهة تحولها السريع.

الإطار 6: تعزيز الحقوق والحماية: دور النقابات وإصلاح السياسات

ضمان التعويض الاقتصادي العادل وحماية حقوق الملكية الفكرية

أثار التوسع السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما منذ عام 2022، تحديات كبيرة للفنانين والمهنيين الثقافيين والإبداعيين، كما أكدت نقابات عمالية متعددة. فهذه التقنيات، المستخدمة إما لإنتاج مخرجات إبداعية جديدة أو لأداء مهام محددة في العملية الإبداعية، تُدرَّب على مجموعات بيانات ضخمة تتضمن أحياناً أعمالاً محمية بحق المؤلف، إلى جانب محتوى ينشئه المستخدمون ومواد مفتوحة المصدر. غير أن هذه البيانات كثيراً ما تُجمع وتُعالج دون موافقة مؤلفيها الأصليين أو ترخيص منهم، ما يُنشئ خطراً كبيراً لانتهاك حق المؤلف، ولا سيما في صناعتي الموسيقى والسمعي البصري. ويُبرز هذا الوضع الحاجة الملحّة إلى مزيد من الشفافية في استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي للأعمال الإبداعية.

ويهدد صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي كذلك مصادر القيمة التقليدية في الصناعات الثقافية والإبداعية، إذ قد يعاني مبدعو المحتوى السمعي البصري، في ظل اللوائح الحالية، تراجعاً في إيراداتهم بنسبة 21% بحلول عام 2028، يصل إلى 24% لدى الموسيقيين. ويعود هذا الوضع الحرج إلى المنافسة غير العادلة بين المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي والمحتوى الذي يبدعه البشر، وإلى غياب آليات متينة للتعويض العادل عن استخدام الأعمال المحمية بحق المؤلف في مخرجات الذكاء الاصطناعي.

ومن الشواغل الرئيسية الأخرى للنقابات في القطاع الثقافي، فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفنانين، الهيمنة المتزايدة لعقود شراء حقوق المؤلف دفعة واحدة، ولا سيما في القطاع السمعي البصري وعلى منصات البث. فهذه العقود تُلزم المبدعين بالتنازل عن حقوقهم مقابل مبالغ تُدفع مرة واحدة، فتحرمهم من العائدات المستقبلية. ويغذّي اختلال موازين القوى، مقترناً بنقص المعلومات والوعي لدى المبدعين بالمخاطر الطويلة الأمد، هشاشة سبل عيش الفنانين الاقتصادية أصلاً ويقوّض استقرار دخلهم.

النهوض بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمهنيين الثقافيين: ما الاستجابات السياساتية؟

رحّبت النقابات بعدد من التطورات السياساتية البارزة الرامية إلى معالجة التحديات البنيوية التي يواجهها الفنانون والمهنيون الثقافيون، ولا سيما فيما يتعلق بحماية حق المؤلف والأجر العادل ووضع الفنان في البيئة الرقمية. فعلى المستوى الوطني، أدى تعزيز التشريعات دوراً محورياً في كبح تآكل حماية حق المؤلف. ولمعالجة انتشار عقود الشراء دفعة واحدة، سنّت بلدان أوروبية عدة، منها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، قوانين تضمن حصول المبدعين على أجر متناسب مع الإيرادات المتأتية من أعمالهم. وفي بلدان أخرى، كبلجيكا والمجر وبولندا، تتيح التشريعات مراجعة العائدات حين تثبت عدم كفاية الاتفاقات الأولية، وتمنح الفنانين الحق في إلغاء الحقوق أو حجبها في حالات قصور الاستغلال.

وعلى المستوى الإقليمي، يمثّل توجيه الاتحاد الأوروبي لعام 2019 بشأن حق المؤلف في السوق الرقمية الموحدة إنجازاً سياساتياً مهماً، إذ يُلزم مقدّمي خدمات تقاسم المحتوى على الإنترنت بالامتثال لقواعد حق المؤلف والحصول على تراخيص من المبدعين، من أجل توزيع أكثر إنصافاً للقيمة الاقتصادية التي يولّدها المحتوى الرقمي.

وتظل الاتفاقات الجماعية حيوية في تأمين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمهنيين الثقافيين، إذ ترسي إطاراً متيناً للأجر العادل والحماية الاجتماعية عبر تحديد حدود دنيا للأجور وجداول للدفع والعائدات وآليات لتسوية النزاعات واشتراكات الصحة والتقاعد وغيرها. وفي جميع هذه المجالات، يظل التعاون بين أصحاب المصلحة المتعددين، بما في ذلك الشراكات بين النقابات والمنظمات الدولية كاليونسكو والمنظمة العالمية للملكية الفكرية ومنظمة العمل الدولية، أساسياً لتعزيز وضع الفنان وتكييف أطر السياسات مع مشهد رقمي متطور.

وقد أُعدّ هذا الإطار بإسهامات من الاتحاد الدولي لجمعيات المؤلفين والملحنين والاتحاد الدولي لنقابات الكتّاب.

وفيما يتعلق بالعمالة، تُعدّ الصناعات الثقافية والإبداعية وافداً جديداً نسبياً، وكثيراً ما تقصر التشريعات القائمة عن معالجة ظروفها الفريدة، كترتيبات العمل غير النمطية والأدوار القائمة على المشاريع. وكثيراً ما يقلّل التصور العام وقرارات السياسات من قيمة العمل الثقافي، فلا تعترف بالعمل الثقافي والإبداعي عملاً مشروعاً. ويعطي السياسيون وصانعو السياسات في الغالب الأولوية لمواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات على التدريب والتعليم الثقافيين، رغم تزايد الاعتراف بأهمية الفنون، كما يدل على ذلك إدراجها في اختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلاب التابع لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.

ويُظهر اتساع العمالة في هذه الصناعات، من فنون الأداء والفنون البصرية إلى الإعلام الرقمي وإدارة التراث الثقافي، تعدد استخداماتها وقدرتها على التكامل مع صناعات مختلفة. غير أنه، كما تلاحظ لورانس كوني في تقرير الاتحاد الدولي لمجالس الفنون ووكالات الثقافة «أزمة المسارات المهنية المستدامة؟»، يظل غياب الدعم المنهجي والأجر العادل والاعتراف بالعمل الثقافي عملاً حقيقياً عائقاً حاسماً أمام نموه المستدام. وتتطلب معالجة هذه القضايا سياسات مصمّمة خصيصاً تعترف بهذه الصناعات قطاعَ عمالة مهماً، بظروف عادلة واعتراف متكافئ في أطر التعليم والسياسات.

وكثيراً ما تشمل العمالة في هذه الصناعات، عند رسم خريطة الدخل عبر المهن الثقافية، مزيجاً من الترتيبات الرسمية وغير الرسمية، مع انخراط عدد كبير من العاملين في عمل لحسابهم الخاص أو قائم على العقود. ويطرح هذا التباين في أشكال العمالة تحديات في ضمان دخل مستقر وحماية اجتماعية لجميع العاملين، إذ يواجه كثير من العاملين الثقافيين هشاشة اقتصادية بسبب الطبيعة المتقطعة لعملهم وغياب تدابير شاملة للضمان الاجتماعي.

ويطرح إضفاء الطابع الرسمي على العمالة في هذه الصناعات تحديات معقدة وخاصة بكل سياق تتطلب نُهجاً دقيقة. فالاقتصاد غير الرسمي يهيمن عالمياً، والقطاع الثقافي ممثّل فيه بصورة غير متناسبة. ومع أن توسيع الحماية الاجتماعية، كالمزايا الصحية وخطط التقاعد والتأمين ضد البطالة، أساسي لتحسين ظروف العمل، فإن مسارات إضفاء الطابع الرسمي محفوفة بالتحديات، ولا سيما في هذه الصناعات. ومن هذه التحديات تحقيق التوازن بين الضرائب والتنظيم من جهة والطبيعة المرنة والقائمة على المشاريع في الغالب للعمل الإبداعي من جهة أخرى، ومعالجة أوجه الإجحاف المنهجية دون الإضرار بسبل عيش العاملين في ترتيبات غير رسمية.

ويجب أن توفّق جهود إضفاء الطابع الرسمي بين الاقتصادين الرسمي وغير الرسمي، إدراكاً لأن الطابع غير الرسمي ليس مجرد حالة مؤقتة، بل سمة متأصلة في كثير من الاقتصادات الثقافية. ومن نُهج إدارة هذه العلاقة النماذج الهجينة التي توسّع الحماية لتشمل العاملين غير الرسميين دون اشتراط إضفاء الطابع الرسمي الكامل. فقد طبّقت بعض البلدان مثلاً نظماً للضمان الاجتماعي تستوعب العاملين المستقلين والعاملين بعقود، بما يتيح لهم الحصول على مزايا مقصورة عادة على العمل الرسمي.

وتُبرز أمثلة، كتقرير زيمبابوي عن الطابع غير الرسمي في الصناعات الثقافية والإبداعية وتقرير اليونسكو «تمكين الإبداع»، استراتيجيات تجسر الهوّة بين الرسمي وغير الرسمي. ففي زيمبابوي، استُحدثت برامج لتمكين العاملين الثقافيين غير الرسميين من الحصول على التمويل ومبادرات بناء القدرات، مع الإدماج التدريجي لأطر تنظيمية تحمي حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. وبالمثل، تؤكد بحوث منظمة العمل الدولية أهمية السياسات الشاملة التي تعالج عوائق الضرائب والتنظيم مع صون سبل عيش العاملين غير الرسميين.

ويجب أن تعترف الحلول المستدامة بالدور البنيوي للطابع غير الرسمي في القطاع، وأن تركّز على إدارة العلاقة بين الاقتصادين الرسمي وغير الرسمي. وكما تُبرز البحوث الحديثة، يمكن لتعزيز الأجر العادل وتوسيع الحماية الاجتماعية، مع احترام الطبيعة المرنة والقائمة على المشاريع للعمل الثقافي، أن يفضيا إلى نتائج أكثر إنصافاً وصموداً للمهنيين المبدعين.

خطط دعم الفنانين والمبدعين

يتباين تعريف الفنان أو العامل الإبداعي تبايناً واسعاً، ويشكّل طريقة تطبيق الحقوق والحماية في الصناعات الثقافية والإبداعية. فمع أن التشريعات، كقوانين حق المؤلف، كثيراً ما تحمي الأدوار التقليدية كالمؤلفين والفنانين، يظل كثير من المساهمين المبدعين الآخرين، كالمصممين والفنيين ومديري المشاريع، غير معترف بهم في الأطر القانونية. وتستبعد هذه النظرة الضيقة إلى القوى العاملة الثقافية أدواراً أساسية في عملية الإنتاج، ما يفضي إلى عدم المساواة في النفاذ إلى الحقوق والحماية.

وتؤكد هذه الديناميكية تعقيد فهم القوى العاملة الثقافية، حيث تتعايش المفاهيم التقليدية للفنان مع منظومة أوسع من العاملين المبدعين. وتُبرز النقاشات حول الحقوق والحماية وآليات الدعم على نحو متزايد الحاجة إلى مراعاة الأدوار المتنوعة وواقع العمالة في هذه الصناعات، فضلاً عن العوائق البنيوية التي تديم أوجه عدم المساواة، ولا سيما بالنسبة للنساء.

ولتنظيم سوق العمل أثر مباشر في جودة ظروف عمل الفنانين. ففي بلدان كثيرة، تؤدي النقابات والروابط المهنية دوراً حاسماً في الدفاع عن أعضائها عبر التفاوض على اتفاقات جماعية والضغط من أجل مصالحهم الجماعية وتقديم الدعم لأنشطة مهنية متنوعة. وتنعكس درجة احترافية السوق كذلك في دور المؤسسات الوسيطة، كوكالات التوظيف والمديرين الفنيين، التي تشكّل جسراً بين الإبداع الفني والسوق.

ولا يقل أهمية تزويد خريجي مدارس الفنون في المستقبل بمهارات السوق الأساسية. فمواءمة التعليم الفني مع متطلبات السوق يمكن أن تهيّئ الفنانين الشباب على نحو أفضل لدخول سوق العمل أو إدارة أعمالهم الخاصة أو التعاون بفعالية مع القطاع الخاص. كما تسهم فرص التدريب الإضافي في ريادة الأعمال الثقافية في إرساء أساس لمسارات مهنية مستدامة في هذه الصناعات.

ويُعدّ دعم الفنانين الأفراد بالمنح والإعانات تدبيراً مباشراً تستخدمه الحكومات لتعزيز الإبداع واستدامة القطاع الثقافي. وقد صُمّمت خطط الدعم هذه لتقديم مساعدة مالية للفنانين تمكّنهم من متابعة مساعيهم الإبداعية بعيداً عن الضغط الفوري لتحقيق النجاح التجاري. ففي أيرلندا، تدعم خطة «الدخل الأساسي للفنون»، التي أطلقتها الوزيرة كاثرين مارتن، الفنانين والعاملين المبدعين في إطار الخطة الوطنية للتعافي الاقتصادي. وتهدف الخطة التجريبية، الممولة بـ25 مليون يورو على مدى ثلاث سنوات، إلى الاسترشاد بها في السياسات المستقبلية عبر توفير دخل مستقر للفنانين. وجاءت النتائج الأولية إيجابية، إذ تلقّى 2000 فنان 325 يورو أسبوعياً، ما أدى إلى زيادة الوقت والموارد المخصصة لفنهم، وارتفاع رضاهم عن الحياة، وتراجع الاكتئاب والقلق لديهم. فالمستفيدون يقضون 8 ساعات إضافية أسبوعياً في العمل الإبداعي، وينفقون 550 يورو شهرياً إضافية على ممارستهم الفنية مقارنة بغير المستفيدين. ويعالج استحداث دخل أساسي للفنانين في أيرلندا تحديات حاسمة يواجهها العاملون في القطاع الثقافي. فإلى جانب مسألة ضعف استعداد المستهلكين للدفع مقابل السلع الثقافية، تفاقم عوامل بنيوية، كتجزؤ العمل الثقافي والاعتماد على العمل المؤقت أو القائم على المشاريع، عدم استقرار الدخل. وإضافة إلى ذلك، يفتقر كثير من الفنانين إلى دخل تكميلي من حقوق الملكية الفكرية كان يمكن أن يوازن أرباحهم من العمل الإبداعي.

وكما يُبرز تقريرا اليونسكو «تمكين الإبداع» و«إعادة تشكيل السياسات من أجل الإبداع»، فإن إدماج الأطر القانونية مع سياسات تدعم الأجر العادل والحقوق الاجتماعية والحرية الفنية أمر أساسي لقطاع ثقافي صامد. فهذه التدابير لا تحمي المبدعين الثقافيين فحسب، بل تضمن أيضاً تمثيل الأصوات وأشكال التعبير المتنوعة، بما يسهم في منظومات ثقافية نابضة ومستدامة. وللقراء المهتمين بهذه الترابطات، توفّر مناقشة الحقوق الثقافية في هذا السياق فهماً أعمق لكيفية تلاقي الأطر القانونية والسياساتية لصون الإنصاف والحرية الثقافيين.

وتقدّم حكومة الهند طائفة من خطط دعم الفنانين في إطار برنامج «كالا سانسكريتي فيكاس يوجانا» وبرنامج الانخراط العالمي. وعلى المستوى الوطني، يتمثّل أحد المكونات الرئيسية في «منحة الفرقة» القائمة على التقليد المعروف بـ«غورو شيشيا بارامبارا»، أي تقليد المعلم والتلميذ، حيث يتلقى كبار الفنانين في فنون الأداء مكافأة شهرية قدرها 15 ألف روبية هندية، أي نحو 175 دولاراً، في حين يتلقى تلاميذهم ما بين ألفين وعشرة آلاف روبية، أي ما بين 23 و116 دولاراً تقريباً بحسب أعمارهم. ويمكن للفنانين أيضاً التقدم بطلب مساعدة مالية لتنفيذ المشاريع الفنية والعروض والفعاليات الثقافية عبر «منحة الوظائف والإنتاج الثقافي» التي توفّر تمويلاً يتراوح بين 500 ألف ومليوني روبية، أي ما بين 5810 و23246 دولاراً تقريباً، لكل مبادرة. وإضافة إلى ذلك، تتاح منح لتطوير بنية تحتية فنية صغيرة كالمسارح التجريبية أو فضاءات العرض. ويُقدَّم شكل منفصل من الدعم للفنانين المخضرمين الذين تجاوزوا الستين، إذ يحق لهم الحصول على مخصص شهري يصل إلى 6000 روبية، أي نحو 70 دولاراً، لضمان حد أدنى من الضمان الاجتماعي لأصحاب الإرث الفني المهم. وعلى الصعيد الدولي، وفي إطار مبادرة «مهرجان الهند»، يُدعى الفنانون للمشاركة في فعاليات تروّج للثقافة الهندية في الخارج، وتتكفل الحكومة بجميع تكاليف السفر والإقامة، ويتلقى المؤدون الرئيسيون 35 ألف روبية، أي نحو 407 دولارات، عن كل عرض، والفنانون المرافقون 7000 روبية، أي نحو 81 دولاراً. وتعكس هذه البرامج نهجاً مكرّساً من الدولة الهندية لدعم الفنانين الناشئين والمخضرمين على حد سواء، مع تعزيز الظهور العالمي للتراث الثقافي الهندي.

ولا يقل أهمية الحفاظ على الحرية الفنية، بما يتيح للمبدعين استكشاف رؤاهم دون قيود غير مبررة. ولتحقيق ذلك، يجب إعطاء الأولوية للنفاذ المنصف إلى فرص التمويل، بما يضمن استفادة الفنانين من خلفيات متنوعة من الدعم المالي. ومن خلال معالجة العوائق المنهجية وتعزيز الشمول، لا تُثري هذه الخطط التنوع الثقافي فحسب، بل تصون أيضاً مبدأ الحرية الإبداعية، فتمكّن الفنانين من إنتاج أعمال تعكس طيفاً واسعاً من التجارب والمنظورات. وهذا التوازن بين النفاذ والاستقلالية أساسي لتنمية قطاع ثقافي نابض وشامل.

وتؤدي مؤسسة رعاية الفنانين الكورية، المنشأة في إطار وزارة الثقافة والرياضة والسياحة، دوراً حاسماً في دعم الفنانين في جمهورية كوريا، وتهدف إلى تحسين رفاههم عبر برامج وسياسات متنوعة. ومن مبادراتها الرئيسية «مشروع دعم الفنانين الجدد» الذي يقدّم مساعدة مالية للفنانين الناشئين لمساعدتهم على تثبيت مساراتهم المهنية ومواصلة أنشطتهم الإبداعية. وإضافة إلى ذلك، استحدثت المؤسسة التأمين ضد البطالة للفنانين، بما يضمن حصولهم على مزايا الضمان الاجتماعي حتى في فترات البطالة.

الاستنتاجات والدروس الرئيسية

تقع سياسات الثقافة عند نقطة التقاء مجموعة أوسع من اعتبارات السياسات، بما فيها نُهج التنمية الاجتماعية والتعليم والاقتصاد. ويُنظر إلى الثقافة على نحو متزايد بوصفها ناقلاً لتحقيق الأثر، ولا سيما في الدفع نحو التنويع الاقتصادي والنمو.

غير أنه، كما يوضح هذا الفصل، لا يمكن تحقيق الأثر الاقتصادي واقعياً إلا إذا كان جزءاً من نهج أوسع يعدّ الثقافة أساساً للتنمية المستدامة. فإذا كان الفنانون والعاملون الثقافيون يكافحون لكسب عيشهم، ويُخنقون عند لحظة التعبير الإبداعي، ولا يحظون بالدعم لتطوير ممارستهم وتنميتها، فإن الاقتصاد الإبداعي سيخدم حفنة من الكيانات التجارية الكبرى لا المجتمع ككل. واستجابة لهذا الواقع من عدم المساواة، تحتاج السياسات الثقافية على نحو متزايد إلى التركيز على الشمول والاستدامة والإنصاف، بدلاً من أن تحركها معايير التنمية الاقتصادية وحدها. فالصناعات الثقافية والإبداعية تشكّل منصات للفئات المهمّشة، تعزّز التعبير عن الذات وتنمية المهارات والفرص الاقتصادية، ولا سيما في المناطق النامية. ولا تزال معالجة العوائق المنهجية، كعدم المساواة في الأجور ومحدودية الأدوار القيادية للنساء والأقليات، أمراً حاسماً. ويؤدي إدماج الاستدامة في عمليات هذه الصناعات، إلى جانب الاعتبارات الإيكولوجية في السياحة وإدارة الموارد، إلى مواءمة القطاعات الثقافية مع الأهداف البيئية الأوسع.

وعلاوة على ذلك، يمكن لتعزيز التعاون العابر للحدود أن يعزّز تقاسم المعرفة والتنمية المنصفة، بما يضمن إسهام الثقافة في التقدم المستدام ورفاه المجتمع. وينعكس ذلك في ميثاق المستقبل وإعلان مجموعة العشرين بشأن الثقافة، كما أن التنقل الثقافي والتجارة والتبادل المنصفين عوامل أساسية لدعم وضع الفنان وضمان حماية تنوع أشكال التعبير الثقافي وتعزيزه.

وفي ضوء استنتاجات هذا الفصل، تُقترح أربعة دروس شاملة:

الاستثمار في بيانات ثقافية متينة وصنع سياسات قائم على الأدلة. فالسياسات الثقافية القائمة على الأدلة هي أنجع الأدوات لتحقيق الأهداف المستدامة. ويلزم توسيع نطاق البيانات المجمّعة لسد الثغرات المستمرة وتوجيه صنع القرار الفعّال. ولم يعد مقبولاً التعامل مع ندرة الإحصاءات الثقافية بوصفها أمراً محتوماً، إذ ثمة حاجة ملحّة إلى استثمار عالمي في نظم بيانات ثقافية منسّقة. ويجب على صانعي السياسات والسياسيين إعطاء الأولوية لتحسين الأطر الإحصائية لفهم النمو الديناميكي للصناعات الثقافية والإبداعية في أنحاء العالم ودعمه على نحو أفضل، والجمهور المستهدف بهذه التوصية هو الأجهزة الإحصائية. وتلزم آليات تمويل مستدامة لدعم إحصاءات ثقافية موحّدة وموثوقة وقابلة للمقارنة عالمياً. وإضافة إلى ذلك، لا تلتقط التقسيمات الثنائية كالشمال العالمي والجنوب العالمي تعقيد السياقات الوطنية، ويجب أن توجّه السياسات بيانات مصنّفة ودقيقة تعكس ديناميكيات القطاع الثقافي في البيئات المتنوعة على نحو أفضل.

تعزيز الأطر القانونية من أجل صناعات ثقافية وإبداعية مستدامة وشاملة. فعلى الرغم من النمو السريع لهذه الصناعات، كثيراً ما تعمل في بيئات غير رسمية أو قائمة على المشاريع، وتظل مقلَّلاً من قيمتها في أطر التعليم والسياسات التي تحابي مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. والتشريعات القائمة، التي تركّز عادة على التراث أو الملكية الفكرية، تقصر عن معالجة ظروف العمل الأوسع للفنانين والمهنيين الثقافيين. وتلزم أطر قانونية شاملة وتنفيذها لضمان الأجر العادل وحقوق العمل والحماية الاجتماعية والحرية الفنية والإنصاف بين الجنسين، وينبغي أن تدمج هذه الأطر أيضاً الاستدامة الإيكولوجية وأن تُرسَّخ معاييرَ قياسية في تمويل المشاريع الدولية.

الاعتراف بالثقافة ودعمها أساساً للتنمية المستدامة لا مجرد محرّك مباشر للنمو الاقتصادي. فمن خلال سياسات وإجراءات تدعم حماية تنوع أشكال التعبير الثقافي وتعزيزه وتيسّر بيئة تمكينية للفنانين والمهنيين الثقافيين، ستتحقق مجموعة أوسع من النتائج، كمجتمعات أكثر شمولاً وتشاركية، وابتكار اجتماعي وثقافي، وتعزيز الثقة والتماسك. وهذه النتائج هي أساس اقتصاد أكثر شمولاً واستدامة يعود بالنفع على جميع المجتمعات ويدعم ازدهار كل صناعة ثقافية وإبداعية. وبدوره، سيعزّز التركيز على الإنصاف والعدالة والشمول في هذه الصناعات وضعَ الفنان ويهيّئ الظروف لازدهار الثقافات، بما يشكّل أساساً لصناعات ثقافية وإبداعية تسهم في اقتصاد أكثر استدامة وإنصافاً.

مواءمة الاستثمار الثقافي مع أولويات التنمية الأوسع. فتعزيز الاستثمار والدعم المالي للقطاع الثقافي أمر حاسم لبناء منظومة ثقافية شاملة ومستدامة قادرة على دفع الابتكار وتنوع أشكال التعبير والتماسك الاجتماعي والتنمية الطويلة الأمد المتمحورة حول الإنسان. ويمثّل تعزيز الاستثمار العام وحشد مشاركة القطاع الخاص ومواءمة تمويل الثقافة مع أولويات التنمية الأوسع فرصة، وسيكون ذلك مفتاحاً لصون الحقوق الثقافية وتمكين الفنانين والمؤسسات والمنشآت الإبداعية من الازدهار وضمان الإسهام الكامل للثقافة في الصمود والنمو المستدام.

موجز سياسات: سيمون برو

يجب أن تكون الصناعات الثقافية والإبداعية قادرة على تشكيل العالم الذي نصبو إليه

مستشار فني مستقل.

باتت الصناعة الثقافية والإبداعية اليوم من أكثر محرّكات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الواعدة في كل منطقة من مناطق العالم. فهي تسهم بنسبة 3.39% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتمثّل متوسطاً قدره 3.55% من العمالة، تشغل النساء نصفها، ويشكّل الشباب دون الثلاثين نسبة كبيرة من قوتها العاملة، ولا سيما في الجنوب العالمي.

ويعتمد هذا القطاع الواسع والمجزّأ، الذي تتشابك فيه الديناميكيات التجارية وغير التجارية، على تعدد القرارات والتدفقات المالية الصادرة عن فاعلين ذوي سلوكيات متمايزة، كالشركات والمؤسسات الخاصة والمستهلكين والحكومات، الذين يتصرفون وفق سياساتهم الثقافية والصناعية، أو يتركون كل شيء ببساطة لقوى السوق.

وقد كشفت جائحة كوفيد 19 التناقض بين ظروف العيش والعمل الهشة لمعظم الفنانين والعاملين المبدعين والنمو الحالي والمتوقع للقطاع. فنحو 45% من المهن الثقافية قائمة في الاقتصاد غير الرسمي، دون أي شبكة أمان اجتماعي.

وتؤدي الفنون والثقافة دوراً في سرديات الهوية للأفراد والمجتمعات والأمم. غير أن السبل الكثيرة التي يمكن للثقافة أن تسهم بها في نمو رأس المال الاجتماعي وتعزيز الصالح العام لا تحول دون الخصخصة العالمية لعوائدها الاقتصادية، ولا دون السيطرة المتزايدة لعمالقة التكنولوجيا الرقمية على آليات الإنتاج والتوزيع في أنحاء العالم. فالتقدم المذهل للذكاء الاصطناعي يهدد بالفعل وظائف كثيرة في القطاع الإبداعي، فضلاً عن تشكيكه في مفاهيم الأصالة والحصرية والحرية الفنية والقيمة الجوهرية، بتوظيفه التراث الفني والثقافي والبصري والأدبي للبشرية، لا لاستنساخه فحسب، بل لإبداع أعمال أو تجارب أو سلع جديدة سعياً وراء أهداف تجارية أو غايات أيديولوجية وسياسية.

إن الوزن المتنامي للصناعة الثقافية والإبداعية في اقتصادات جميع المناطق، وإسهامها في خلق وظائف مجزية، وقدرتها على إنتاج محتوى رمزي قادر على التأثير في القيم والسلوكيات الفردية والمجتمعية، بما في ذلك ما يتعلق بحقوق الإنسان والبيئة والحوكمة الشاملة والديمقراطية، وأثرها في الابتكار في جميع مجالات النشاط الإنساني، كلها أمور تجعل من غير المتصور عدم إدراجها في استراتيجيات التنمية المستدامة العالمية والمحلية.

ولهذا يجب على الحكومات الوطنية والمحلية أن تأخذ في الحسبان القضايا والتحديات الآنية التي تواجه الصناعة الثقافية والإبداعية، ولا سيما الوضع الاجتماعي والمهني الهش لقوتها العاملة، والدفاع عن الحرية الإبداعية بجميع أبعادها، وحماية الثقافات المحلية الأصيلة بكل تنوعها. وعليها أن تضع سياساتها الثقافية وقوانينها الخاصة بالعمل والملكية الفكرية أو تحدّثها، وأن تجري الاستثمارات اللازمة في البنية التحتية، وأن تدعم نمو منشآت القطاع مع ضمان تحسين ظروف العاملين فيه.

وينبغي إدراج الثقافة هدفاً مستقلاً في خطة التنمية المستدامة المقبلة، اتساقاً مع الأهداف العالمية المهمة. فهي تظل أحد الشروط الأساسية لمنع مجتمعاتنا من التداعي وكوكبنا من الفناء.

دراسة ذات صلة