ملخص موجز
صون الحق في التعليم في عالم يتحول
يظل التعليم الوسيلة الأهم لتسريع التقدم المجتمعي وتعزيز التماسك الاجتماعي ودعم النمو الفردي، غير أن الحق في التعليم يقف اليوم عند منعطف حاسم.
يستعرض هذا التقرير ما تحقق على صعيد الحق في التعليم خلال خمسة وعشرين عاماً، فيبرز مكاسب كبرى من قبيل اقتراب الالتحاق بالتعليم الابتدائي من الشمول التام، واتساع نطاق التعليم النظامي ليمتد من الطفولة المبكرة حتى التعليم العالي، وتنامي الاعتراف بالتعلم مدى الحياة بوصفه ركيزة أساسية للتنمية البشرية والاجتماعية.
وفي الوقت ذاته، أدت التحولات الجذرية في أنماط عيشنا وعملنا وتعلمنا إلى وضع النظم التعليمية تحت ضغط غير مسبوق يفرض عليها التكيف في مدة زمنية قصيرة على نحو لافت.
ويتناول التقرير أثر الرقمنة والنزاعات والهجرة والتغير الديموغرافي في الحق في التعليم، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات الهشة. ويؤكد الحاجة الملحة إلى تجديد الالتزامات العالمية من أجل تعزيز الأسس القانونية والمؤسسية للحق في التعليم، وسد فجوات الإنصاف المستمرة، والتكيف مع الحقائق الديموغرافية والتكنولوجية والمجتمعية الناشئة. فتعزيز هذه الأبعاد أمر لا غنى عنه لكي يبقى التعليم قوة حامية ومحوِّلة للجميع.
الوقائع الجديدة تستلزم أطراً معيارية أقوى لضمان الحق في التعليم
"لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام."
تصدير
يمر الحق في التعليم بلحظة مفصلية مع اقتراب العالم من السنة المستهدفة لخطة التعليم حتى عام 2030. فثمة قوى متعددة تعيد تشكيل أسس هذا الحق، منها التقدم المتسارع في الذكاء الاصطناعي، واشتداد تغير المناخ، والتحولات الديموغرافية، وتزايد النزوح البشري. ويتزامن ذلك مع الضغوط التي يتعرض لها التعاون المتعدد الأطراف، وتراجع المعونات الدولية، وتآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية، وهي عوامل تزيد من حدة أزمة التعلم العالمية.
وتستلزم هذه الوقائع الجديدة أطراً معيارية أقوى تضمن بقاء الحق في التعليم وثيق الصلة بالواقع وقادراً على الصمود أمام التغير المتسارع.
ويمثل هذا التقرير محطة مهمة في إطار مبادرة اليونسكو بشأن تطور الحق في التعليم، التي أُطلقت عام 2021 لاستكشاف السبل التي يمكن بها تعزيز صكوك حقوق الإنسان الدولية لتلبية احتياجات اليوم ومواجهة تحدياته. وهو يعكس التقدم المهم الذي أُحرز حتى الآن، ويستند إلى عمل تحليلي واسع، وإلى آراء الخبراء، وإلى مشاورات موسعة مع الدول الأعضاء والشركاء.
لم يكن الحق في التعليم عبر التاريخ مبدأً قانونياً فحسب، بل كان كذلك بوصلة أخلاقية للبشرية. واليوم، وفي خضم التحولات العميقة في طرق التعلم والعمل والعيش، يتعين إعادة تفسير هذا الحق مرة أخرى بحيث يظل الإدماج والكرامة الإنسانية أساساً لمستقبلنا المشترك.
ويحظى التعليم باعتراف متزايد بوصفه مسعى ممتداً طوال الحياة، يتجاوز التعليم المدرسي النظامي إلى تعلم مستمر عبر مراحل العمر، بما يمكّن الأفراد من التكيف مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية السريعة. ويجسد اعتماد اليونسكو مؤخراً للتوصية الخاصة بأخلاقيات التكنولوجيا العصبية وتيرة التغير العلمي والتكنولوجي، إذ يكشف كيف يتحدى التقدم الجديد الفهم الراسخ للحقوق والمسؤوليات، ويؤكد ضرورة تأسيس الابتكار تأسيساً متيناً على الأخلاقيات وحقوق الإنسان.
وفي هذه اللحظة الحرجة التي تجتمع فيها الشكوك والفرص، يقدم هذا التقرير تأملاً في المسار وتوجيهاً استشرافياً في آن واحد. فهو يرسخ ما تحقق من إنجازات، ويحفز في الوقت نفسه حواراً متجدداً حول الأطر اللازمة للمستقبل. ويدعو قبل كل شيء إلى حماية الرؤية العالمية للحق في التعليم مدى الحياة وإحيائها، بوصفه حقاً حياً متطوراً قادراً على توجيه البشرية خلال التحولات الجارية وصياغة مستقبل مشترك.
ستيفانيا جانيني، المديرة العامة المساعدة لليونسكو لشؤون التربية
شكر وتقدير
أُعد هذا التقرير في قسم السياسات التعليمية التابع لقطاع التربية في اليونسكو، بقيادة بُرهان الشكرون وإشراف غوانغ تشول تشانغ. وتولى صياغته فريق برئاسة رلى مومنة بولك، ضم كاثرين نغوين وإليز روندان وحمدي عدو وأغات شارل براي ويليز إنجي ومايا كليريه، بدعم من جوليا موران.
ويعرب الفريق عن خالص تقديره للمراجعين على ما قدموه من رؤى ومدخلات وملاحظات بناءة أسهمت إسهاماً كبيراً في الارتقاء بجودة هذا التقرير. ويخص بالشكر زملاءه في اليونسكو من شعبة مستقبل التعلم والابتكار: مارك ويست وكيث هولمز وإيلينا توكان؛ ومن قسم التعليم العالي: نوا ويبستر وليلى لوبيس وكارميلا سالزانو ومانويل سانشيز ماسفيرير وتيتر ويسلي؛ ومن قسم التعليم من أجل الإدماج والمساواة بين الجنسين: إلسبيث ماكوميش وفلورانس ميجون؛ ومن قسم الشباب ومحو الأمية وتنمية المهارات: كلوديا بومبا؛ ومن قسم تنمية المعلمين: كارلوس فارغاس تاميس وإميليا سوتو إتشيفيري وإلويز دومينيل وماثيو آرون مارتن توماس.
كما يتوجه بالشكر إلى المراجعين النظراء: لجنة حقوق الطفل ممثلة في رئيستها صوفي كيلادزه وعدد من أعضائها؛ ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ممثلة في هيلين غريفيث؛ ومبادرة الحق في التعليم ممثلة في دلفين دورسي وجوليانا ليما وراجاكوماري مايكلسامي؛ وكرسي اليونسكو للتعليم من أجل التنمية البشرية والتضامن بين الشعوب في الجامعة الكاثوليكية بميلانو ممثلاً في ريتا لوكاتيلي؛ ومنظمة أويدل ممثلة في إغناسي غراو.
الصكوك العالمية الرئيسية
اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم (1960)، والتوصية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم (1960)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، وتوصية منظمة العمل الدولية واليونسكو بشأن أوضاع المعلمين (1966)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979)، وإعلان سالامنكا (1994)، واتفاقية حقوق الطفل (1989)، وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية (1992)، وتوصية اليونسكو بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي (1997)، وإطار عمل داكار (2000)، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (2006)، وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية (2007)، والتوصية الخاصة بالتعليم والتدريب التقني والمهني (2015)، والتوصية الخاصة بتعلم الكبار وتعليمهم (2015)، وخطة التنمية المستدامة لعام 2030 (2015)، وإعلان إنشيون وإطار العمل الخاص بالتعليم حتى عام 2030 لتنفيذ الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (2015)، والاتفاقية العالمية للاعتراف بالمؤهلات المتعلقة بالتعليم العالي (2019)، وإعلان ريوايرد العالمي بشأن الاتصال الرقمي من أجل التعليم (2021)، وإطار عمل مراكش الصادر عن المؤتمر الدولي السابع لتعليم الكبار بعنوان "تسخير القوة التحويلية لتعلم الكبار وتعليمهم" (2022)، وإعلان طشقند والتزامات العمل من أجل تحويل الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة (2022)، والتوصية الخاصة بالتعليم من أجل السلام وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة (2023)، وإعلان فورتاليزا الصادر عن الاجتماع العالمي للتعليم (2024).
مقدمة
يمثل عام 2025 نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وهي حقبة اتسمت بتحول تكنولوجي متسارع، وأزمات عالمية متكررة منها نزاعات مدمرة وجائحة كارثية، ووعي متزايد بالآثار العميقة لتغير المناخ، مما أثار تساؤلات وجودية حول مستقبل البشرية. وعلى الرغم من أن كثيرين ينعمون اليوم بحياة أكثر رخاءً من أي وقت مضى، فإن التقدم في الحد من الفقر العالمي قد تباطأ حتى كاد يتوقف، ويعيش نحو خمس سكان العالم في بلدان ترتفع فيها مستويات عدم المساواة. وفي الوقت نفسه، فرضت التحولات الجذرية في أنماط العيش والعمل والتعلم على النظم التعليمية ضغطاً غير مسبوق للتكيف في فترة زمنية وجيزة على نحو لافت.
وفي هذا السياق، يبرز التعليم بوصفه الوسيلة الأهم لتسريع التقدم المجتمعي وتعزيز التماسك الاجتماعي والإسهام في النمو الشامل وتحقيق التنمية الشخصية وازدهار الإنسان. غير أن ضمان استجابة النظم التعليمية بفاعلية للاحتياجات الحالية والمستقبلية يتطلب ما هو أبعد من الابتكار في السياسات، إذ يستلزم وضوحاً في غاياتها الأساسية، ويدعو إلى فهم متجدد لما تتوقعه المجتمعات من التعليم وما تحتاج إليه منه في عصر يتسم بالتعقيد وعدم اليقين والترابط.
ويعد تعميق فهم المرتكزات المعيارية للتعليم، في تطورها التاريخي ومن منظور استشرافي معاً، أمراً جوهرياً لضمان ألا يتخلف أحد عن الركب في التمتع بالحق في التعليم، انسجاماً مع الالتزام الوارد في الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار، يظل الإطار القانوني الدولي للحق في التعليم ذا أهمية أساسية، إذ يكرس مبادئ جوهرية تشمل أهداف التعليم، وحظر التمييز، والتزامات الدول في مختلف مستويات التعليم وأشكاله، وضمان الحد الأدنى من معايير الجودة. بيد أن المعاهدات الأكثر شمولاً في تحديد هذا الحق تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
وقد رعت اليونسكو في السنوات الأخيرة نقاشاً عالمياً حول مراجعة الحق في التعليم لضمان بقائه حامياً ومرناً ومستجيباً للوقائع المعاصرة والتطورات المستقبلية.
ويجري اليوم تأطير هذا الحق وتعزيز موقعه ضمن عقد اجتماعي جديد للتعليم ومنظور التعلم مدى الحياة. فالتعلم يُنظر إليه الآن على أنه عملية متصلة تشمل جميع مراحل الحياة، من الطفولة المبكرة حتى الشيخوخة، وتجري في بيئات متنوعة نظامية وغير نظامية وعرضية، ولأغراض متعددة. كما يُدرس هذا الحق في تقاطعاته مع حقوق الإنسان الأخرى؛ فالحق في التعليم هو الأساس الذي يقوم عليه إعمال جميع حقوق الإنسان، وهو مرتبط ارتباطاً جوهرياً بحقوق الطفل والحق في العمل والحق في الثقافة والحق في الحصول على المعلومات والحق في الصحة وغيرها.
ويسعى هذا التقرير إلى تحقيق ثلاثة أهداف. فهو في قسمه الأول يرصد الإنجازات المتعلقة بالحق في التعليم خلال الخمسة والعشرين عاماً الماضية، مسلطاً الضوء على التقدم المحرز في تحديد إطاره المعياري من خلال استعراض التوافق الدولي الذي عبرت عنه الاتفاقات العالمية الحديثة، مثل إطار عمل مراكش وإعلان طشقند والتوصية المنقحة بشأن التعليم من أجل السلام وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة. ويعرض كذلك الابتكارات والتطورات على المستويين الإقليمي والوطني، متناولاً القوانين والسياسات والممارسات.
ويستعرض التقرير في قسمه الثاني أبرز التطورات السياقية التي تضع موضع التساؤل مدى ملاءمة النظم التعليمية وتعيد تشكيلها، ومنها الرقمنة وتصاعد النزاعات والتنقل البشري والتغير الديموغرافي وغيرها. ويتناول الفجوات المستمرة التي لا تزال تعوق الإعمال الكامل للحق في التعليم، ولا سيما بالنسبة إلى المجتمعات الهشة والمهمشة.
وبعد دراسة الوضع الراهن للحق في التعليم، يخلص القسم الثالث إلى أن بعض جوانب الإطار المعياري الدولي قد تحتاج إلى تعزيز كي تظل حامية وملائمة ومحوِّلة للجميع.
ومن الناحية المنهجية، يستند التقرير إلى طائفة من المصادر والعمليات والنتائج. فقد استرشد تحليله الموضوعي بعمل اليونسكو بشأن مستقبل التعليم وبالقضايا الشاملة مثل الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، والنزوح، والإدماج والإنصاف، والرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة، والتعلم مدى الحياة، وتنظيم الجهات الفاعلة من غير الدول. وتستمد الرؤى المتعلقة بالممارسات الوطنية من المشاورات الأخيرة بشأن اتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في مجال التعليم، ومن أداة "أطلس حقوقها" التي ترصد حق الفتيات والنساء في التعليم في أنحاء العالم وتمثل دليلاً للأطر القانونية الوطنية يلقي الضوء على مدى إنفاذها.
أصوات الشباب (شبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة)
"من خلال إشراك أكثر الفئات تأثراً بإعمال التعليم حقاً أساسياً من حقوق الإنسان أو عدم إعماله وتمكين أصواتها، أصبح الشباب في كل مكان قادرين على التعبير عن رأيهم في الحق الأساسي في التعليم في فضاءات ظل الوصول إليها حكراً في الغالب على أصحاب السلطة." إيلان إنفيرغا، شبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة.
ومن المدخلات الرئيسية الأخرى مبادرة اليونسكو بشأن تطور الحق في التعليم، التي بدأت عام 2021 وأُطلقت رسمياً عام 2024 بعد سنوات من البحث والمشاورات الدولية، بما فيها حوار رسمي مع الدول الأعضاء وغيرها من أصحاب المصلحة الرئيسيين عام 2023، وتحليل السياسات، والانخراط العالمي. وقد استقت هذه المبادرة رؤاها من الخبراء والمربين والناشطين والمتعلمين أنفسهم في دراسة إمكانية توسيع الإطار القانوني الدولي. ومن ثم، يستند هذا التقرير إلى عملية واسعة وتشاركية جرت بين عامي 2021 و2024، جمعت بين مشاورات مكثفة مع فئات متنوعة وبحث رصين. وقد أتاحت هذه المدخلات مجتمعة طيفاً واسعاً من وجهات النظر والتجارب، بما يضمن أن يعكس التقرير أصواتاً من مختلف النظم التعليمية.
وأخيراً، وفي أعقاب حوار جنيف لحقوق الإنسان بشأن الحق في التعليم (2024)، نُشرت سلسلة من مقالات الرأي في عدد خاص من مجلة "فرونتيرز إن إديوكيشن" للسلسلة الناطقة بالإنجليزية، ومجلة "التعليم في النقاش: تحليل مقارن" للسلسلة الناطقة بالفرنسية، بعنوان "الحق في التعليم ومعالجة أوجه عدم المساواة: دراسة الأشكال الجديدة للخصخصة وأثر الرقمنة والتعلم في حالات الأزمات". وقد شكلت هذه الإسهامات منطلقاً لكثير من حجج التقرير، وأُدرجت منها مقتطفات مختارة لإيصال طيف أوسع من أصوات الخبراء من الأوساط الأكاديمية إلى المنظمات الدولية.
وقد استند إعداد التقرير إلى نهج شامل وتشاركي، واسترشد بطيف متنوع من الآراء والأصوات. إذ أُجري عدد كبير من المشاورات مع خبراء من خلفيات متنوعة، ومع ممثلين عن الشباب عبر شبكة الشباب والطلاب للهدف الرابع، ومع أولياء الأمور من خلال الهيئات الممثلة لهم مثل جمعية "الأمهات مهمات"، بما يضمن إدراج وجهات نظر المنخرطين مباشرة في النظم التعليمية.
