القائمة الرئيسية

أجزاء الدراسة

تقرير الشراكات الفعالة بين القطاعين العام والخاص في إصلاح مهارات التعليم والتدريب التقني والمهني: دروس من المملكة العربية السعودية

تقرير الشراكات الفعالة بين القطاعين العام والخاص في إصلاح مهارات التعليم والتدريب التقني والمهني: دروس من المملكة العربية السعودية
ملخص الدراسة

يستعرض التقرير الدور المتنامي للتعليم والتدريب التقني والمهني في معالجة فجوة المهارات وعدم المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، مع التركيز على أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص في تطوير منظومات المهارات. ويقدم نموذج المملكة العربية السعودية، ممثلاً في المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والمركز الوطني للشراكات الاستراتيجية، تجربة بارزة من خلال إنشاء أكثر من 50 أكاديمية متخصصة بالتعاون مع القطاع الخاص وربط التدريب مباشرة باحتياجات القطاعات الاقتصادية وفرص التوظيف. واستناداً إلى زيارات ميدانية لأربع كليات في الرياض ومقابلات مع القيادات والمدربين والمتدربين والخريجين وشركاء القطاع الخاص، يوضح التقرير آليات بناء هذه الشراكات وحوكمتها واستدامتها وأثرها في تنمية المهارات والتوظيف، ويستخلص ثمانية دروس رئيسية تتمثل في وضوح الأدوار بين الشركاء، والاستجابة لمصالح الأطراف المعنية، وإنشاء مراكز تميز عالية الجودة، والانفتاح على الشراكات الدولية، والانتقاء الدقيق للطلبة والمدربين والشركاء، وضمان نتائج توظيف واضحة، والمرونة في الاستجابة لتغيرات سوق العمل، وتعزيز الاعتراف والاعتماد الدولي. ويخلص التقرير إلى أن النموذج السعودي يمكن أن يقدم إطاراً عملياً قابلاً للتوسع للدول الساعية إلى تحديث منظومات التعليم والتدريب التقني والمهني وجعلها أكثر استجابة لاحتياجات السوق وأكثر ارتباطاً بالتوظيف والنمو الاقتصادي.

الملخص التنفيذي

أعاد الاعتراف العالمي بالدور الحيوي الذي يمكن أن تؤديه منظومات تنمية المهارات في النهوض بالاقتصادات وتنويعها تسليطَ الضوء على التعليم والتدريب التقني والمهني. فضلاً عن ذلك، تُظهر الاتجاهات العالمية أن ارتفاع المستوى التعليمي لا يترجم دائماً إلى تحسن في نتائج التوظيف. فعلى الرغم من ارتفاع معدلات الالتحاق بالمدارس والجامعات، يجد كثير من الخريجين صعوبة في الحصول على وظائف تناسب مؤهلاتهم. ومن الأسباب الرئيسية لذلك استمرار عدم المواءمة بين النظم التعليمية واحتياجات سوق العمل، ويصدق هذا بوجه خاص على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويطرح هذا التقرير أن التعليم المهني يؤدي دوراً رئيسياً في النهوض بتنمية المهارات وتصحيح عدم المواءمة فيها. ويركز التقرير على وجه الخصوص على قيمة الشراكات بين القطاعين العام والخاص في التعليم والتدريب التقني والمهني في تصميم تدخلات موجهة لتنمية المهارات. ومن ثم يبيّن كيف يمكن للمقاربات المتنوعة لهذه الشراكات أن تواءم بين عرض المهارات والطلب عليها في سوق العمل، وأن تدفع تطوير الصناعات الرئيسية، وتدعم الإصلاح الشامل لمنظومة المهارات.

ولتوضيح المقاربات الفعالة للشراكة بين القطاعين، يركز التقرير على النموذج الذي طورته المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني في المملكة العربية السعودية، وهي الجهة الوطنية المسؤولة عن التعليم والتدريب التقني والمهني بأكمله. وقد غدت المؤسسة قوة دافعة لجهود المملكة في تحويل رأس المال البشري. فقد أُنشئت لتزويد السعوديين بالمهارات التي يتطلبها اقتصاد يتنوع بسرعة، وهي تشرف على مئات من مزودي التدريب، وتضع المعايير الوطنية للجودة وقابلية التوظيف. ومن خلال المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية، أنشأت المؤسسة أكثر من 50 أكاديمية متخصصة بالتعاون مع كبرى الجهات الفاعلة في الصناعة، تربط التدريب مباشرة بالوظائف وبالقطاعات الاقتصادية الرئيسية. وبالجمع بين الإشراف الحكومي والاستثمار والخبرة من القطاع الخاص، بنت المؤسسة والمركز منظومة مهارات عالمية المستوى وسريعة الاستجابة، تجسد كيف يمكن للشراكات المحكمة التصميم بين القطاعين أن تواءم التعليم مع النمو الاقتصادي، وأن تكون نموذجاً عالمياً لإصلاح تنمية القوى العاملة.

ومما يتصل بهذا التقرير اتصالاً خاصاً نموذج الشراكة الاستراتيجية الذي يعتمده المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية. فكليات الشراكات الاستراتيجية مؤسسات غير ربحية تُنشأ وتُدار بالاشتراك مع أصحاب العمل في الصناعة، وتقدم كل كلية برامج تدريبية خاصة بقطاعها ومرتبطة بالتوظيف، مصممة للشباب السعودي ومستجيبة لاحتياجات سوق العمل. ويضع نموذج المركز في الصدارة بناء الشراكات مع القطاع الخاص وإنشاء أكاديميات أو معاهد متخصصة للنهوض بالمهارات في المجالات الاستراتيجية الرئيسية. وقد أخذ هذا النموذج يغدو بسرعة نموذجاً دولياً لكيفية رعاية هذه الشراكات. كما يجسد نموذج الشراكة الممارسات الجيدة في كيفية تعاون الشركاء، وهم في هذه الحالة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والمركز الوطني للشراكات الاستراتيجية ومنشآت القطاع الخاص، مع احتفاظ كل منهم بمسؤوليات متمايزة.

ولفهم كيفية عمل هذه الشراكات على أرض الواقع، أجرى فريق البحث سلسلة من الزيارات الميدانية إلى كليات التعليم والتدريب التقني والمهني في المملكة، بهدف التواصل مع الأطراف المعنية الرئيسية للوقوف على كيفية عمل هذه الشراكات والعوامل التي تسهم في فاعليتها. وتركز البحث على أربع كليات في الرياض: معهد الخدمات الكهربائية السعودي التقني العالي، وأكاديمية التميز للتمويل والمحاسبة، والمعهد العالي للسياحة والضيافة، والكلية التقنية الدولية للطيران.

وسعت اللقاءات مع الكليات إلى رصد تصميم هذا النموذج وتنفيذه ونتائجه من منظور شمولي. وقد أُجريت نقاشات مع أربع مجموعات رئيسية من الأطراف المعنية: فرق قيادة الكليات، لاستكشاف كيفية تكوين الشراكات واستدامتها، وتوزيع الأدوار بين الجهات العامة والخاصة، وممارسات الحوكمة المؤسسية؛ والمدربين والمنفذين، لدراسة كيفية تقديم التدريب، ومشاركة أصحاب العمل في تصميم المناهج والتقييم، وكيفية رصد جودة البرامج؛ والمتدربين الحاليين والخريجين، لرصد تجاربهم الشخصية، وتنمية مهاراتهم، ونتائج توظيفهم، والفوائد التي يرونها للبرنامج؛ وشركاء القطاع الخاص، لتقييم دورهم في تشكيل التدريب وتقييمه، والجدوى التجارية للشراكة، واستدامة النموذج وقابليته للتوسع.

وقد قدمت هذه المقابلات رؤى نوعية قيّمة حول كيفية تفعيل الشراكات الاستراتيجية على أرض الواقع، وأثرها في تنمية المهارات ونتائج التوظيف. ويتعمق التقرير في هيكل حوكمة هذه الكليات وفي العلاقة الثلاثية بين الكلية وصاحب العمل والجهة الحكومية المشرفة. ويبيّن كيف أُنشئت هذه الكليات، وكيف بُنيت الشراكات، وكيف تحافظ على استدامتها. وتتضمن فصول التقرير شهادات مستقاة من الزيارات توضح التجارب المعيشة إلى جانب التحليل الفني. والهدف من ذلك عرض هذه الدروس تمهيداً لتكرارها داخل المملكة وخارجها.

ومن اللقاءات مع الكليات، يمكن استخلاص ثمانية دروس رئيسية لدعم البلدان أو القطاعات في إقامة شراكات فعالة بين القطاعين العام والخاص في التعليم والتدريب التقني والمهني:

أولاً، تيسير شراكات قوية بين الجهات العامة والخاصة أمر أساسي. فاستثمار الشراكات عبر أدوار ومسؤوليات محددة بوضوح يتيح لكل طرف الإسهام إسهاماً ذا معنى، سواء باستخدام أموال التدريب، أو البنية التحتية المملوكة للحكومة، أو خبرة القطاع الخاص ومعداته. ويعزز إدماج الشركاء من أصحاب العمل مباشرة في المؤسسة، كأن يكون ذلك عبر مجلس أمناء متعدد الأطراف، مستوى أعمق من الانخراط، ويولد شعوراً أقوى بالملكية والالتزام بالنتائج.

ثانياً، الاستجابة لاحتياجات الأطراف المعنية. فالشراكة القوية تدرك أن لكل طرف مصالح متمايزة ينبغي التفاوض بشأنها والسعي إلى تحقيقها من خلال الشراكة.

ثالثاً، النظر إلى الشراكات الناجحة في التعليم والتدريب التقني والمهني بوصفها مراكز تميز، ذات تركيز واضح وممارسات صارمة لضمان الجودة.

رابعاً، مد الشراكات إلى النطاق الدولي لزيادة جاذبية البرنامج للطلبة والمتدربين المحتملين، والارتقاء بجودته والاعتراف به.

خامساً، الانتقاء الصارم للشركاء والطلبة والمتدربين. فاستقطاب الطلبة والمتدربين وقبولهم يجب أن يكون عملية منظمة وقابلة للتكيف في آن، والأمر ذاته ينطبق على اختيار المدربين المناسبين وشركاء القطاع الخاص. فوجود شركاء موثوقين، إلى جانب مدربين ذوي خبرة ومكانة معترف بها، يمكّن الكليات من الازدهار ويدعم سمعتها ونتائج توظيف خريجيها.

سادساً، إتاحة نتائج توظيف واضحة، عبر التوظيف المتفق عليه مسبقاً أو الدعم المهني، تعزز القيمة التي تقدمها هذه المؤسسات، وتستقطب طلبة ومتدربين ذوي دافعية عالية.

سابعاً، ترسيخ المرونة المؤسسية. فالمعاهد الناجحة تتكيف مع تغير متطلبات السوق، سواء بإضافة برامج جديدة، أو تحويل مجالات تركيزها، أو التعامل مع قطاعات مختلفة. ومن هذه المرونة إنشاء معاهد مدفوعة بالطلب قائمة على شراكات تشمل قطاعات كاملة، لا أصحاب عمل منفردين.

ثامناً، التوجه العالمي، كالتركيز على تقديم المقررات باللغة الإنجليزية، أو السعي إلى الاعتماد أو الاعتراف الدوليين.

وتفضي الدروس التي يبرزها هذا التقرير إلى نظرية تغيير مقترحة يمكن أن تقدم إطاراً عملياً قابلاً للتوسع للبلدان الساعية إلى تحديث منظومات التعليم والتدريب التقني والمهني لديها. ويقدم نموذج الشراكة الاستراتيجية في المملكة العربية السعودية مثالاً مقنعاً على كيفية قدرة هذه الشراكات على تحويل التدريب المهني إلى منظومة عالية الأثر مدفوعة بالطلب. فالكليات المنشأة استجابةً مباشرة لاحتياجات سوق العمل، والمدعومة من الحكومة والصناعة، والمقدمة لنتائج توظيف واضحة، يمكن أن تساعد البلدان على التحول نحو منظومة لتنمية القوى العاملة أكثر شمولاً واستجابة وارتباطاً بالطلب.

دراسات ذات صلة