القائمة الرئيسية

الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود (6/6)

الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود (6/6)
ملخص الدراسة

يؤكد هذا الفصل على الأهمية الحيوية لحماية الفنانين والتراث الثقافي لتعزيز صمود المجتمعات وبناء السلام والأمن، مشدداً على أن الثقافة والفنانين هما "روح المجتمع" وأساس هويته وذاكرته الجماعية. غالباً ما يستهدف التراث والفنانون في النزاعات بهدف محو هوية الشعوب، كما يواجهون تحديات متزايدة من الضغوط الاقتصادية، والرقابة، ونقص التمويل في أوقات السلم، مما يهدد حرية التعبير والتنوع الثقافي. وعلى الرغم من وجود أطر قانونية دولية كافية، مثل اتفاقيات اليونسكو، لحماية التراث المادي وغير المادي ومكافحة الاتجار غير المشروع، إلا أن تطبيقها يعاني من ثغرات في الإنفاذ والتمويل والتنسيق. يدعو التقرير إلى جعل حماية الفنانين والمهنيين الثقافيين أولوية عالمية من خلال تعزيز الحماية القانونية، وتوفير التمويل الطارئ والمستدام، والاستفادة من التكنولوجيا الرقمية (مع ضمان العدالة في الوصول إليها)، ودعم الفنانين كـ"مدافعين عن حقوق الإنسان". ويخلص إلى ضرورة إدماج الثقافة كهدف مستقل وواضح في خطط التنمية العالمية المستقبلية، لضمان الاعتراف الكامل بدورها التحويلي ورصد إسهاماتها وضمان استدامتها لمستقبل أكثر شمولاً وعدلاً.

الفصل السادس

حماية الفنانين والثقافة المعرّضين للخطر: تعزيز الصمود والسلام والأمن

باتي غيرستنبليث، أستاذة باحثة متميزة في كلية الحقوق بجامعة ديبول، الولايات المتحدة الأمريكية

أصوات مبدعة: آية طارق

الروح التي لا تنكسر: لماذا تُعدّ حماية الفنانين أساسية لمجتمع سليم

رسامة وفنانة متعددة التخصصات.

لا يمكن ببساطة تخيّل مجتمع سليم ومستدام دون حماية الفنانين وصون التراث الثقافي، فالأمر أشبه بمحاولة تصوّر جسد بلا روح. وحتى في أوقات عدم اليقين والنزاع، حين تصبح الثقافة هدفاً، يملك الناس والمجتمعات طريقة مذهلة في المقاومة. فالخطوة الأولى التي كثيراً ما يتخذها من يسعون إلى محو هوية شعب ما هي استهداف تاريخه، ومحاولة إسكات فنانيه، وإغلاق الأماكن التي تزدهر فيها ثقافته.

لكن الأمر اللافت أن الفنانين يواصلون الإبداع حتى في أحلك الظروف. فيصبح فنهم شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة، وتمنح أصواتهم الناس قوة وشجاعة، وبمجرد عرض أعمالهم يُظهرون القوة المذهلة للتعبير الإنساني. ولذلك حين نتحدث عن إبقاء الفنانين في أمان، فإننا لا نتحدث عن حماية حرية فرد واحد فحسب، بل نتحدث في جوهر الأمر عن إبقاء ذاكرتنا الجماعية حية وتشكيل ما ستبدو عليه مجتمعاتنا في المستقبل.

انظروا إلى أي حركة تغيير كبرى عبر التاريخ، وستجدون الفنون والثقافة في صميمها. ففي المدن التي مزّقتها الحرب، ترى الثقافة مرسومة بالرذاذ على الجدران، وتسمعها في الأغاني التي يرددها الناس، وتشعر بها في العروض التي تنبثق في أماكن غير متوقعة، فيصبح الإبداع حبل نجاة للمجتمعات التي تحاول البقاء. وتساعد أشكال التعبير الإبداعي الناس على التعامل مع الصدمات، واستعادة قصصهم ممن يحاولون إعادة كتابتها، والمطالبة بالعدالة والتعافي والمصالحة. وبسبب هذه القوة التحويلية والصمود تحديداً، كثيراً ما يصبح الفنانون أهدافاً. فإسكات أصوات الفنانين إسكات لشعب بأكمله، ولهذا فإن حماية الفنانين حماية لفكرة الحرية ذاتها. ولا ينبغي لأي فنان أن يضطر يوماً إلى الاختيار بين التعبير عن نفسه والبقاء آمناً، ولا يستطيع أي مجتمع أن يتحمل خسارة الأصوات التي تتحدانا وتجعلنا نفكر بطرق جديدة وتُلهمنا.

غير أن الثقافة تواجه تهديدات تتجاوز مناطق النزاع. فالضغوط الاقتصادية تعرّض الفضاءات الإبداعية للخطر على نحو متزايد، وكثيراً ما تختزل قوى السوق أشكال التعبير الفني في مجرد سلع، فتجرّدها من جوهرها ومعناها الأصليين المتصلين بقيمنا الإنسانية المشتركة. وحين يجبر الاستطباق الحضري الفنانين على مغادرة مراكز المدن، نفقد ما يجعل مدننا مثيرة للاهتمام ونابضة بالحياة في المقام الأول. ويهدد تجانس الثقافة الأشكال الفريدة والمتمردة والمحلية حقاً للثقافة، التي يجب الاعتراف بقيمتها الاجتماعية العميقة.

ويعوق النقص المنهجي في تمويل الفنون والثقافة، من المؤسسات الثقافية إلى برامج الإقامة والفضاءات الإبداعية المستقلة، التطور الثقافي. فالفنانون لا يستطيعون العيش على الشغف وحده، بل يحتاجون إلى سبل لدعم معيشتهم وإلى موارد للإبداع، وهذا استثمار حيوي في مجتمعنا. وعلينا أن نبدأ في النظر إلى الثقافة بوصفها مورداً أساسياً، فمن دونها تركد مجتمعاتنا وتفقد تلك الشرارة من الخيال اللازمة لبناء مستقبل أفضل.

وليس هذا مجرد طلب مهذب، بل دعوة حقيقية إلى العمل. فحماية الفنانين والفضاءات الثقافية وتراثنا المشترك يجب أن يُعترف بها أولوية عالمية. ويحتاج الفنانون، كالصحفيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، إلى الحماية، ويجب وقاية العاملين الثقافيين من الأذى، ودعم الفضاءات الفنية المستقلة والعامة مالياً. ونحتاج إلى مزيد من التمويل الطارئ حين تقع الأزمات، وحماية قانونية أقوى للفنانين، وشبكات دولية متينة حقاً يدعم فيها الناس بعضهم بعضاً.

ففي نهاية المطاف، الحق الأساسي في الإبداع، وفي رواية قصصنا، وفي تخيّل طرق مختلفة للعيش، أمر علينا أن نحميه بلا ريب. فالثقافة ليست مجرد شيء آخر يُباع ويُشترى، والفنانون ليسوا قابلين للاستغناء عنهم. والوقت قد حان الآن للنهوض والعمل.

لمحة عامة

أولاً، الثقافة تحت التهديد: فالنزاعات المسلحة والإرهاب والتهديد به والعنف في كل منطقة من مناطق العالم تقترن بأزمة المناخ وتراجع قدرة الحكومات والمجتمع المدني على العمل. ويفضي ذلك إلى تدمير مواقع التراث، وكثيراً ما تتعرض ثقافات المجتمعات المنحدرة من أصحاب هذا التراث والمجتمعات التي تعيش في مناطق النزاع أو بالقرب منها للقمع والتدمير المتعمد من جانب المعتدين.

ثانياً، توفّر اتفاقيات اليونسكو الثقافية إطاراً لحظر هذه الأنواع من التهديدات للثقافة والحد منها، ولتشجيع الدول على الالتزام بمنعها. ومع أن هذه الاتفاقيات ليست حلولاً مثالية لمنع هذه الأنواع من تدمير التراث المادي وغير المادي، فإنها معتمدة على نطاق واسع وترسي المبادئ الأساسية لحماية التراث الثقافي العالمي. وتفرض قوانين ومعاهدات دولية أخرى كذلك حماية التراث الثقافي، بما في ذلك حظر الاتجار غير المشروع. غير أن افتقار الدول وشركائها إلى القدرة على العمل، وحجم تدمير التراث الثقافي ونهبه، يعنيان ضياع الكثير، حتى إن استُعيد بعضه أو أُعيد بناؤه في نهاية المطاف.

ثالثاً، تمثّل التهديدات التي يتعرض لها التراث الثقافي غير المادي وخسائره مأساة عالمية، إذ تكون الأقليات على وجه الخصوص عرضة للقمع الثقافي وإنكار الحقوق الثقافية. وتبلغ هذه التهديدات ذروتها في أوقات الأزمات، لكنها تستمر في كل منطقة من مناطق العالم، إذ تواجه ثقافات الأقليات وفئات محددة كالنساء ومجتمعات الميم والأشخاص ذوي الإعاقة التمييز وعوائق مستمرة أمام التعبير الثقافي، سواء أكانوا فنانين ومهنيين في مجال التراث الثقافي أم مشاركين عاديين في ثقافاتهم. ويشمل ذلك تهديدات تستمر في أوقات السلم، حيث يتعرض صمود الفنانين والمهنيين الثقافيين، على ما يتسم به في الغالب من قوة لافتة، للتهديد كل يوم. غير أنه ليست جميع أشكال التعبير عن التراث غير المادي تحترم الحقوق الثقافية، كالترويج لأفعال تضر بالنساء أو الأقليات. ولا يمكن لحماية تنوع أشكال التعبير الثقافي وتعزيزه أن يديما تقاليد تضر بحقوق الآخرين وكرامتهم الإنسانية.

رابعاً، الثقافة قوة دافعة للإدماج الاجتماعي والحوار والصمود، ومن ثم فهي أساسية للتعافي والمصالحة وبناء السلام. ويمكن للثقافة والإبداع أن يعزّزا سلاماً مستقراً ودائماً. غير أنه حيثما تستمر أوجه عدم المساواة، ولا سيما فيما يتعلق بالنساء والأقليات والأطفال والشباب، يضعف الحوار الثقافي ويغدو التعافي بعد النزاع أمراً بعيد المنال. ويستدعي ذلك تعميم مراعاة النوع الاجتماعي في جهود التعافي، واتباع نُهج شاملة ومنصفة تدعم المجتمعات بوصفها حارسة فاعلة للتراث الثقافي.

خامساً، تولّد التكنولوجيا الرقمية طرقاً جديدة لصون التراث الثقافي وحمايته. فالاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية والواقع المعزّز والواقع الافتراضي، ومؤخراً الذكاء الاصطناعي، تُسخَّر على نحو متزايد لتوثيق التراث الثقافي المعرّض للخطر ورصده. غير أن النفاذ إلى هذه التقنيات غير متكافئ، والصون الرقمي ليس بديلاً عن المعالم والقطع التراثية المفقودة، ولا عن أشكال التعبير الثقافي المفقودة.

مقدمة

في عام 2025، احتفلت اليونسكو بمرور ست سنوات على عملها في حملة كبرى هي «إحياء روح الموصل»، الداعمة لتعافي مدينة الموصل العراقية بعد تحريرها من تنظيم داعش عام 2017. فالموصل، من أقدم مدن العالم، وهي ومنطقتها المحيطة موطن لمجتمعات متنوعة. وتقع المدينة عند ملتقى الثقافات، وهي بوتقة للمجتمع العراقي التعددي حيث تعايشت جماعات إثنية ولغوية ودينية متنوعة على مدى آلاف السنين. غير أنه في ظل حكم داعش، دُمّرت عمداً مساجد وكنائس ومقابر وأضرحة ومتاحف ومواقع أثرية، في حين استُهدف الفنانون تحديداً، ولا سيما الموسيقيون. وبتمويل قدره 115 مليون دولار أمريكي وشراكات مع 15 داعماً دولياً، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي، نجح مشروع «إحياء روح الموصل» في ترميم معالم تاريخية رئيسية، منها جامع النوري الأيقوني ومنارته الحدباء، ودير سيدة الساعة، وكنيسة الطاهرة، وجامع الأغوات. وأُتيح أكثر من 7700 فرصة عمل في إطار جهود إعادة الإعمار، مع تركيز قوي على الشباب والنساء، وكان تعميم مراعاة النوع الاجتماعي محورياً في عملية التوظيف لجميع الوظائف المرتبطة بإعادة الإعمار. وشاركت أكثر من 500 امرأة في برنامج اليونسكو للتعليم والتدريب التقني والمهني، فوصل التدريب أثناء العمل إلى 44% من النساء في البناء و30% من النساء في الهندسة.

وبعيداً عن الترميم المادي لعمارتها التراثية، ركّز المشروع على إحياء النسيج الثقافي والاجتماعي للمدينة. فقد أُعيد بناء أكثر من 100 منزل تراثي للأسر العائدة. وباتت فضاءات الإبداع جزءاً من مدرسة الإخلاص المعاد بناؤها في المدينة القديمة، ويدرّب مختبر للأفلام في معهد الفنون الجميلة صانعي الأفلام الشباب، وافتُتح مركز «المحطة» الإبداعي للمهنيين الثقافيين عام 2021، وأُقيم مهرجان الموصل للموسيقى التقليدية، وهو أول إنتاج له منذ تحرير المدينة، في مارس 2022، مع التخطيط لدورة أخرى عام 2025. ويقف إحياء الموصل، المدفوع بالتراث والحياة الثقافية والتعليم، منارةً للأمل. ويُبيّن هذا الإحياء الدور التحويلي للثقافة في الاستقرار بعد النزاع والصمود والتنمية الاجتماعية والاقتصادية وبناء السلام، فضلاً عن قوة التعاون الدولي في الاستجابة للأزمات.

وتضم هذه المنطقة مواقع ثقافية مهمة، منها ممتلكات للتراث العالمي ومواقع مدرجة على القوائم التمهيدية، والقائمة التمهيدية جرد لما تعدّه كل دولة طرف من مواقع في أراضيها صالحاً للترشيح لقائمة التراث العالمي. ومن هذه المواقع مدينة نينوى القديمة ونمرود، وقد تعرضتا كلتاهما للاعتداء. كما دُمّر مرقد النبي يونس، المقدس لدى المجتمعين المسيحي والمسلم. وكان داعش مسؤولاً أيضاً عن نهب واسع النطاق للمواقع الأثرية في الجمهورية العربية السورية والعراق. ففي عام 2015 في سوريا، أفادت التقارير بمقتل خالد الأسعد، الحارس الثقافي المحترم لموقع تدمر القديم، لدفاعه عن كنوز تدمر وإرثها في وجه متطرفين عسكريين عنيفين. وتقع في هذه المنطقة أديرة ومجمّعات كنسية مسيحية عديدة، ولالش، أقدس مقامات الإيزيديين. وقد بنت مجتمعات هذه المنطقة جانباً كبيراً من هويتها الثقافية على التراث الرافديني، بما فيه الأغاني والحكايات الشعبية ووصفات الطعام، فضلاً عن لغتها الآرامية المهددة بالاندثار. وقد عرّض النزوح الواسع لهذه الأقليات منذ عام 2003 تراثها غير المادي للخطر، عبر فقدان الصلوات والأغاني والسرديات التاريخية وسائر الممارسات التقليدية التي كثيراً ما ترتبط بالتراث الثابت والمشهد الثقافي للمنطقة.

وتوفّر اتفاقيات اليونسكو الثقافية إطاراً لحظر هذه الأنواع من التهديدات للثقافة والحد منها ولتشجيع الدول على الالتزام بمنعها. ومع أن هذه الاتفاقيات ليست حلولاً مثالية لمنع هذا التدمير للتراث المادي وغير المادي، فإنها معتمدة على نطاق واسع وترسي المبادئ الأساسية لحماية التراث الثقافي العالمي. وتُبيّن إجراءات أخرى لليونسكو، كحملة «متحدون من أجل التراث»، أن السبل غير القانونية يمكن أن توفّر دفعة إضافية لصون التراث وتعزيز حمايته وضمانها. وتُبيّن أهمية التراث لدى الجماعات الثقافية المتنوعة في العراق أن صون الثقافة والتراث الثقافي عنصر أساسي في تكوين الهوية، وتعزيز المنافع النفسية والاجتماعية، ولا سيما خلال الأحداث الصادمة، وبناء أسس الصمود والسلام والأمن واستدامة المجتمعات.

وكما يتجلى في إحياء الموصل، فإن الثقافة قوة دافعة للإدماج الاجتماعي والحوار والصمود، ومن ثم فهي أساسية للتعافي والمصالحة وبناء السلام، ويمكن للثقافة والإبداع أن يعزّزا سلاماً مستقراً ودائماً. لكن كما يُظهر مثال الموصل بوضوح أيضاً، فإن التراث الثقافي عرضة بشكل خاص للضرر والتدمير، العمدي منه والعرضي، وللنهب والسرقة خلال النزاعات. وكثيراً ما تقترن هذه التهديدات للتراث الثقافي باضطهاد الأفراد بسبب هويتهم الثقافية أو الإثنية أو الدينية. ويتزايد الاعتراف بالفنانين والمهنيين الثقافيين، بمن فيهم المدافعون عن التراث الثقافي كخالد الأسعد، بوصفهم فئة ضعيفة تحتاج إلى تدابير حماية مصمّمة وفق احتياجاتها الخاصة ونوع عملها. ونتيجة هذه التهديدات والأضرار ليست محو التاريخ فحسب، بل تشكّل أيضاً تهديداً مباشراً للتنوع الثقافي والحقوق الثقافية، بما فيها صون أشكال التعبير الثقافي المتنوعة. ومما يثير القلق بشكل خاص تزايد الاستهداف المنهجي والمتعمد للتراث الثقافي في نزاعات عديدة حول العالم في السنوات الأخيرة، منها أوكرانيا والسودان. ويتفاقم نهب التراث المنقول والاتجار به بفعل النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي والأزمات كالكوارث الطبيعية التي يشدّدها تغيّر المناخ وجائحة كوفيد 19. كما كثيراً ما تحدث في أوقات الأزمات جهود لقمع أشكال التعبير الثقافي، تزيد بدورها المخاطر والتحديات التي يواجهها الفنانون والمهنيون الثقافيون، ومنها العقبات القانونية والاعتداءات والقتل والنزوح والصدمات وتعطّل سبل العيش.

ومع أن حماية التراث الثقافي في النزاعات المسلحة تحظى بأطر قانونية راسخة لصونه، يتزايد الاعتراف اليوم بأن الثقافة تؤدي دوراً حيوياً في الترابط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام. فقد اعترفت قرارات ومقررات تاريخية داخل اليونسكو وهيئات مختلفة للأمم المتحدة بأن تدمير التراث الثقافي يهدد الحقوق الثقافية ويساعد الإرهاب ويشكّل تهديداً حرجاً للسلام والأمن. ونتيجة لذلك، باتت حماية التراث الثقافي، بما فيها مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، تُعدّ جزءاً لا يتجزأ من جهود الأمن العالمي وبناء السلام.

وقد دعا إعلان موندياكولت 2022 إلى حماية التراث الثقافي المادي وغير المادي وأشكال التعبير الثقافي، ولا سيما في أوقات الأزمات. ودعا الإعلان أيضاً إلى الحوار بشأن إعادة الممتلكات الثقافية واستردادها بوصفه ضرورة أخلاقية لصون حقوق الشعوب والمجتمعات في التمتع بتراثها الثقافي. ويعكس ذلك توافقاً عالمياً كبيراً، ولا سيما بشأن التراث الثقافي المعرّض للخطر. وأكد ميثاق المستقبل لعام 2024 كذلك أهمية الثقافة للتنمية المستدامة، والحاجة إلى زيادة الاستثمار، وتعزيز التعاون الدولي بشأن إعادة القطع الثقافية. ويبرز برنامج دولي جديد لحماية الثقافة المعرّضة للخطر وفي حالات الطوارئ، مع دعوة واضحة لا لبس فيها إلى الإدماج الكامل للثقافة في التنمية الاجتماعية وفي السياسات والعمليات الإنسانية والأمنية وعمليات حفظ السلام وحقوق الإنسان. ويؤكد هذا البرنامج أيضاً الدور الحيوي للثقافة في تعزيز الحوار بين الثقافات واتباع نُهج مراعية للنوع الاجتماعي تضمن تعميم مراعاته.

التراث الثقافي المعرّض للخطر بسبب النزاعات والعنف وتغيّر المناخ

يتعرض التراث الثقافي المادي، الثابت منه والمنقول، للخطر من النزاعات المسلحة، الدولية منها وغير الدولية، ومن أشكال العنف الأخرى كالاضطرابات المدنية، ومن الكوارث الطبيعية التي كثيراً ما يشدّدها تغيّر المناخ. ففي السنوات الأخيرة، أدت الكوارث الطبيعية إلى فقدان التراث وإلحاق الضرر به في بلدان مثل ميانمار وجزر سليمان وتايلند. وأسفرت النزاعات الجارية في بوركينا فاسو وجمهورية الكونغو الديمقراطية وقطاع غزة ولبنان ومالي وميانمار والسودان والجمهورية العربية السورية وأوكرانيا واليمن عن تدمير التراث الثقافي، بما في ذلك المواقع الأثرية والمعالم والمباني التاريخية والمواقع الدينية والمتاحف والمكتبات والأرشيفات والمناظر الحضرية التاريخية. وقد تصاعدت هذه الاعتداءات من الأضرار الجانبية إلى الاستهداف المنهجي. ومنذ عام 2016، أدان مكتب المقرر الخاص المعني بالحقوق الثقافية التدمير المتعمد للتراث الثقافي ونهب التراث المنقول والاتجار به، ودعا إلى «الاعتراف بحماية التراث الثقافي عنصراً مهماً من عناصر المساعدة الإنسانية».

ومع أن الضرر اللاحق بالتراث الثقافي وتدميره كانا زمناً طويلاً نتيجة جانبية للنزاعات المسلحة، تُبيّن النزاعات الحالية أن التراث الثقافي قد يكون أيضاً هدفاً لاعتداء متعمد يرمي إلى محو التراث الثقافي والذاكرة المميزين للشعوب والمجتمعات. وفي الوقت ذاته، يساعد استخدام التطورات التكنولوجية لرصد هذه الاعتداءات وتحديد آثارها بدقة على تحديد الجناة، بما قد يُستخدم لاحقاً في تحقيق المساءلة، وقد عزّز آفاق إعادة الإعمار بعد النزاع.

الأطر القانونية وحماية التراث الثقافي من التهديدات الناجمة عن النزاعات المسلحة والعنف والكوارث الطبيعية

إقراراً بأن «الأضرار التي تلحق بممتلكات ثقافية يملكها أي شعب كان تمسّ التراث الثقافي الذي تملكه الإنسانية جمعاء، فكل شعب يسهم بنصيبه في الثقافة العالمية»، ترسي اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، وبروتوكولاها لعامي 1954 و1999، الإطار القانوني الدولي الأساسي لحماية التراث الثقافي المادي خلال النزاعات المسلحة. ومع أن هذه الصكوك القانونية تنطبق على النزاعات الدولية وغير الدولية، فإنها لا تتناول إلا حالات النزاع المسلح، ولا تشمل أشكال العنف الأخرى أو تغيّر المناخ، التي قد تكون لها أيضاً آثار سلبية كبيرة.

وتحظر اتفاقية لاهاي لعام 1954 ارتكاب أعمال عدائية ضد الممتلكات الثقافية، ما لم تبررها الضرورة العسكرية، كما تحظر سرقة الممتلكات الثقافية أو إساءة استخدامها. وتتمثّل المتطلبات الأساسية للاتفاقية في وقاية الممتلكات الثقافية واحترامها، وتعرّفها بأنها تشمل المنشآت والمواقع الثابتة والقطع الثقافية المنقولة ومستودعات القطع الثقافية. ويحظر البروتوكول الأول لعام 1954 تصدير القطع الثقافية من الأراضي المحتلة ويوجب إعادتها، في حين يعزّز البروتوكول الثاني لعام 1999 الإنفاذ بتضييق مفهوم الضرورة العسكرية، وتحديد المسؤولية الجنائية ومسؤولية القيادة، واستحداث وضع الحماية المعززة للمواقع الثقافية المهمة، وإرساء تدابير للتعاون الدولي في حماية التراث. وتشكّل هذه الصكوك مجتمعةً الإطار القانوني الدولي الأساسي لحماية التراث الثقافي في مناطق النزاع. وحتى يوليو 2025، صادقت على اتفاقية عام 1954 نحو 138 دولة، منها 115 دولة طرفاً في البروتوكول الأول و92 دولة طرفاً في البروتوكول الثاني.

وتنص المادة الثالثة من اتفاقية عام 1954 على أن تتعهد الأطراف المتعاقدة بالاستعداد في وقت السلم لوقاية الممتلكات الثقافية الكائنة في أراضيها من الأضرار المتوقعة للنزاع المسلح. وكما يفصّل البروتوكول الثاني، يتمثّل أحد التدابير الرئيسية للتأهب في إعداد جرود وقوائم وسجلات لمختلف أنواع القطع الثقافية المنقولة وخطط لحمايتها ونقلها المحتمل في حالة النزاع. وقد أنشأت أغلبية الدول هذه الجرود، إذ لا تتجاوز نسبة البلدان التي تفيد بعدم امتلاكها 5%. غير أن ثلثي البلدان يفيد بالاستخدام المتكرر لهذه الجرود والقوائم والسجلات لحماية التراث الثقافي والطبيعي. وثمة ثغرات كبيرة في البلدان المنخفضة الدخل وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأوقيانوسيا، ما يشير إلى ثغرات مستمرة في التنسيق والتمويل والقدرات. وتبرز رقمنة الجرود والمجموعات والأرشيفات والصور والخرائط وسائر الأصول الثقافية أولويةً للتأهب، بوصفها وسيلة لمنع الفقدان الذي لا رجعة فيه للمعلومات الثقافية القيّمة إذا فُقدت هذه القطع في أزمة ما، ولضمان استمرار نفاذ الخبراء والجمهور إليها في مواجهة حالات الطوارئ كجائحة كوفيد 19.

وقد دفعت حالة الطوارئ الصحية العامة الممتدة وما رافقها من إغلاقات بين عامي 2020 و2022، التي شهدت فيها مواقع التراث الثقافي فقداناً لإيرادات السياحة وتزايداً في النهب وتأخيراً في أعمال الحفظ وفقداناً للوظائف، بلداناً كثيرة إلى وضع استراتيجيات جديدة للتأهب لحالات الطوارئ. وأشار أحدث مؤشر لشدة النزاعات إلى زيادة بمقدار الثلثين خلال السنوات الثلاث الماضية في نسبة مساحة العالم الخاضعة للنزاع، ما يستدعي مزيداً من التأهب. ويتزايد الاعتراف بخطط الطوارئ والاستعداد للمخاطر بوصفها أساسية لتعزيز صمود التراث الثقافي واستدامته الطويلة الأمد في مواجهة حالات الطوارئ الطبيعية والبشرية. فعلى سبيل المثال، وضع المركز الوطني لإدارة الأزمات في ليتوانيا عام 2024 خطة لحماية التراث الثقافي في زمن الحرب للاستعداد للهجمات المفاجئة، حدّد فيها 100 ألف قطعة تراثية منقولة ذات قيمة خاصة تُعطى الأولوية، وخطّط لتدريبات للتعبئة.

وفي أوكرانيا، اشتدت التهديدات التي تواجه ممتلكات التراث العالمي، ولا سيما في المدن الكبرى مثل كييف ولفيف وأوديسا. ففي عام 2023، أُدرجت ثلاثة ممتلكات للتراث العالمي في أوكرانيا على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر: المركز التاريخي لأوديسا، الذي أُدرج في الوقت ذاته على قائمة التراث العالمي خلال الدورة الاستثنائية الثامنة عشرة للجنة في يناير 2023؛ وكاتدرائية القديسة صوفيا ومبانيها الرهبانية ودير كييف بيتشيرسك لافرا في كييف؛ ومجمّع المركز التاريخي في لفيف، اللذان أُدرجا في الدورة الخامسة والأربعين في الرياض في سبتمبر 2023. ووفقاً للفقرة الرابعة من المادة الحادية عشرة من اتفاقية عام 1972، يجوز للجنة التراث العالمي إدراج ممتلك ما على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، وهي قائمة صُمّمت لإبلاغ المجتمع الدولي بالظروف التي تهدد الخصائص ذاتها التي أُدرج الممتلك على أساسها في قائمة التراث العالمي، وللتشجيع على اتخاذ إجراءات تصحيحية. وحتى يوليو 2025، يوجد 53 ممتلكاً على هذه القائمة.

وإلى جانب النزاعات المسلحة، تؤكد حالات الطوارئ الناجمة عن الاضطرابات المدنية وعدم الاستقرار السياسي والكوارث الطبيعية والاضطرابات الاجتماعية، التي قد تُتلف الأصول التراثية أو تدمّرها، الحاجة الماسة إلى تأهب شامل لحالات الطوارئ على نطاق أوسع. فعبر تعاون عام 2022 بين اليونسكو ومكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث وشركة «إيكوم» العالمية للاستشارات في مجال البنية التحتية، أُضيف ملحق للتراث الثقافي إلى «بطاقة قياس صمود المدن أمام الكوارث»، بهدف تحسين إدماج التراث الثقافي في الاستراتيجيات الوطنية والمحلية للحد من مخاطر الكوارث بما يتسق مع إطار سنداي للفترة من 2015 إلى 2030، وتعالج هذه البطاقة الثغرات التشغيلية والسياساتية في هذا الإدماج. واستناداً إلى التقارير الدورية لتوصية اليونسكو لعام 2011 بشأن المناظر الحضرية التاريخية، أشار ما يزيد قليلاً على نصف المجيبين، أي 55%، إلى امتلاكهم خطط للحد من مخاطر الكوارث تشمل تعميم التنمية المستدامة في المناطق الحضرية التاريخية. وأشار المجيبون من غرب آسيا وشمال أفريقيا إلى مستوى مرتفع من هذه الخطط بلغ 78%، وكانت فئة الدخل ذات أعلى معدل استجابة في هذا الشأن هي فئة البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى بنسبة 71%.

ومن الآليات المهمة في إطار البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954 الحماية المعززة الممنوحة للمواقع المسمّاة والمؤقتة. فحتى عام 2024، كان 29 ممتلكاً مدرجاً على القائمة الدولية للممتلكات الثقافية المشمولة بالحماية المعززة، وكان 25 ممتلكاً في أوكرانيا وممتلك واحد في دولة فلسطين تحت الحماية المؤقتة. وفي نوفمبر 2024، وضعت اليونسكو 34 ممتلكاً إضافياً في لبنان تحت الحماية المعززة المؤقتة. وعلاوة على ذلك، يعتزم خُمس البلدان المقدّمة للتقارير على مستوى العالم، أي 18%، طلب هذه الحماية لمواقعها المدرجة على قائمة التراث العالمي خلال السنوات الثلاث المقبلة، ما يشير إلى أن الدول تستخدم هذا الإجراء التخفيفي بنشاط لتأمين مستوى أعلى من الحماية القانونية في النزاعات المسلحة، مع توقع شمول 83 ممتلكاً بها، منها 79 في الجنوب العالمي و4 في الشمال العالمي.

وتفرض اتفاقية عام 1954 تدريب الأفراد العسكريين على حماية التراث الثقافي خلال النزاعات المسلحة. وتشمل برامج التدريب الموسّعة للأفراد العسكريين وقوات الأمن على حماية الممتلكات الثقافية استخدام الدليل العسكري لليونسكو وتكييفاته الوطنية. فبوتسوانا مثلاً تعدّ ورشاً لقوات الدفاع لديها، ورشّحت ضابطاً عسكرياً لفريقها العامل المواضيعي المعني بالاتفاقية. وتراعي أستراليا حماية التراث بوصفها جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجيات المستدامة لبناء السلام والأمن، وقد أدمجت منذ عام 2021 تقييمات المخاطر الثقافية في عمليات وقت السلم عبر مستشار ثقافي مخصص للقيادة، يتولى تقديم التوجيه المتخصص بشأن آثار الأنشطة العسكرية في المسائل الثقافية للشعوب الأصلية في شمال أستراليا، ولا سيما فيما يتعلق بالتدريبات والأنشطة العسكرية المنفّذة خارج مناطق التدريب العسكري المحددة. وعلى الرغم من هذا التقدم، لم تُدخل سوى 58% من البلدان أحكاماً في لوائحها العسكرية تضمن احترام الممتلكات الثقافية. ولا تزال أغلبية البلدان تواجه تحديات في تنفيذ هذا التدريب تنفيذاً فعالاً، منها نقص المواد التعليمية الملائمة. والدول المصادقة على البروتوكول الثاني ملزمة بسنّ أحكام جنائية مقابلة، بما في ذلك تعريف الانتهاكات الجسيمة للبروتوكول الثاني بوصفها جرائم في قوانينها الوطنية، وضمان المعاقبة عليها بعقوبات ملائمة. وقد أفادت 85% من البلدان المجيبة بإدخال تدابير جزائية على السلوك المخالف للالتزامات الواردة في الاتفاقية، في حين أشارت 75% إلى أنها جرّمت الانتهاكات الجسيمة للبروتوكول الثاني، بواقع 93% في الشمال العالمي و52% في الجنوب العالمي.

ومن الناحيتين السياسية والعملية، يُعدّ اعتماد التشريعات التنفيذية، ولا سيما فيما يتعلق بتجريم سلوك القوات العسكرية، أمراً صعباً، إذ كثيراً ما تفتقر هذه التدابير إلى الشعبية السياسية. وحتى حين تُعتمد هذه التدابير في القانون، نادراً ما تُتخذ إجراءات الملاحقة القضائية على الانتهاكات. وثمة أمثلة على قوات عسكرية استولت على قطع ثقافية خلال النزاعات المسلحة أو الاحتلال بوصفها تذكارات، لكن لا توجد أمثلة ظاهرة على الملاحقة القضائية في هذا الشأن.

أطر قانونية تكميلية لحماية التراث الثقافي

تدين أحكام لاحقة في القانون الدولي، منها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الاستهداف والتدمير المتعمدين للممتلكات الثقافية المادية أو تجرّمهما. فهذا النظام، الذي دخل حيز النفاذ عام 2002 وصادقت عليه 125 دولة، يعدّ جريمة حرب «تعمّد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية، والآثار التاريخية... شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية»، في المادة 8(ب)(9) المنطبقة على النزاعات المسلحة الدولية والمادة 8(هـ)(4) المنطبقة على النزاعات المسلحة غير الدولية. ومع أن هذا الإطار القانوني قد لا يمنع التدمير، فإنه يوفّر وسيلة للمعاقبة على الانتهاكات بعد وقوعها.

ففي عام 2016، لاحقت المحكمة الجنائية الدولية أحمد الفقي المهدي بتهمة ارتكاب جريمة حرب تتمثّل في تدمير أضرحة ومسجد في تمبكتو، وقد أقرّ بذنبه لاحقاً. وكانت هذه أول ملاحقة قضائية أمام محكمة دولية، والوحيدة حتى الآن، يكون فيها تدمير الممتلكات الثقافية الانتهاك الوحيد. وفي يونيو 2021، نشر مكتب المدعي العام للمحكمة سياسة شاملة بشأن التراث الثقافي، تفرض، مع إقرارها بمحدودية ولاية المحكمة، إجراءات تحقيق مصمّمة خصيصاً لجرائم التراث الثقافي، وتشجع إشراك خبراء متخصصين، كعلماء الآثار ومؤرخي الفن ومهنيي الحفظ، في جميع مراحل التحقيق والملاحقة. والأهم أنها تشدد على أهمية إدراج منظورات الضحايا في التحقيقات، وضمان ألا تقتصر التعويضات على الخسائر المادية، بل تشمل الضرر الثقافي والمجتمعي أيضاً. غير أن التحديات لا تزال قائمة، ومنها محدودية الولاية القضائية، والاعتماد على تعاون الدول في الاعتقال والإنفاذ، وحصر جرائم التراث الثقافي في الاعتداءات على فئة ضيقة من الممتلكات الثقافية، بما في ذلك قصرها على التراث المادي الثابت وعلى الاعتداءات خلال النزاعات المسلحة، ما يترك ثغرة في القانون الجنائي الدولي فيما يتعلق بتدمير الممتلكات الثقافية في وقت السلم.

وقد عزّز أمر التدابير المؤقتة الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2021 في قضية أرمينيا ضد أذربيجان، بموجب الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، الفهمَ بأن تدمير المواقع الثقافية قد يشكّل انتهاكاً تمييزياً للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويساعد استخدام هذه الاتفاقية على التحول نحو الاعتراف بهذه الأفعال بوصفها انتهاكات للحقوق الأساسية للشعوب والمجتمعات التي تحمل لها هذه المواقع أهمية ثقافية وتاريخية. كما يتيح مساراً لحماية التراث الثقافي حتى حين يكون السلوك موضع المساءلة شأناً داخلياً بحتاً في بلد ما، لا قضية دولية.

صون التراث غير المادي في أوقات الأزمات

يرتبط التراث المادي وغير المادي بعلاقة تكافلية، إذ يوفّر التراث الثقافي المادي أطر المواقع والمنشآت، في حين يمنحها التراث غير المادي، أي التقاليد والعادات والممارسات والمعتقدات الروحية والفولكلور واللغات وأشكال التعبير الفني، معناها. وكلاهما عنصر أساسي ومتميز يمكن من خلاله إعمال الحق في الثقافة. وقد أدت الأحداث المأساوية التي تعرّض لها المجتمع الإيزيدي في العراق عام 2014، بما فيها العنف الجماعي والنزوح، إلى تدمير مواقع ومزارات دينية أيضاً، ما أضعف الهوية الثقافية للمجتمع. فالحياة الدينية والاجتماعية للإيزيديين متجذرة بعمق في هذه الفضاءات المقدسة، حيث تُنقل الطقوس والتقاليد الشفهية عبر الأجيال. وقد استهدف داعش السكان وتراثهم الثقافي والديني معاً، ولذلك فإن صون الثقافة وإعادة تأهيلها أساسيان لتعافي المجتمع، إلى جانب المساعدة الإنسانية والتعليم واستعادة الخدمات والبنية التحتية والدعم النفسي والاجتماعي. ولدعم صون الثقافة والتعافي النفسي، أُطلق «الأرشيف الثقافي الإيزيدي» في أكتوبر 2022، وهو متاح بالإنجليزية والعربية، ويضم أربعة معارض إلكترونية دائمة تعرض أعمالاً وصوراً فوتوغرافية وأفلاماً أبدعتها 16 امرأة إيزيدية من الناجيات. وتبني هذه المبادرة، التي طوّرتها بصورة تعاونية منظمة «يزدا» للمجتمع المدني ومؤسسة «مجتمع جميل» والأمم المتحدة و«كالتشر رانرز» وبرنامج الفنون والصحة التابع لمنظمة الصحة العالمية ومشروع «العقل المنفتح» ومبادرة «لا أحد يصغي»، على بحوث ما بعد الإبادة الجماعية في رواندا، مؤكدةً دور التعبير الفني المراعي للنوع الاجتماعي والأرشفة المجتمعية في معالجة الصدمات وتعزيز التعافي.

ويؤدي التراث الثقافي غير المادي أيضاً دوراً حاسماً في التعافي بعد النزاعات، بتقوية الهوية الثقافية وتعزيز التماسك الاجتماعي وتزويد المجتمعات بأدوات للتعافي والتنمية المستدامة. ففي عام 2023، دعمت اليونسكو مبادرة مجتمعية في كولومبيا تهدف إلى إحياء ممارسات النسج والمنسوجات التقليدية في المناطق التي عانت عقوداً من النزاع المسلح. وركّز المشروع، المنفّذ بالتعاون مع التعاونيات والجمعيات الثقافية المحلية، على صون المعارف الموروثة عن الأسلاف لدى الناسجات من الشعوب الأصلية والكولومبيات المنحدرات من أصل أفريقي، اللواتي نقلن تاريخياً عبر حرفتهن السرديات والرموز والقيم الاجتماعية الثقافية. ونُظّمت ورش لتدريب الأجيال الأصغر على تقنيات النسج، جامعةً بين استعادة الممارسات التقليدية وفرص توليد الدخل. ووُثّقت القصص والتواريخ الشفهية الكامنة في التصاميم وجرى تقاسمها في إطار جهد أوسع لتقوية الهوية الثقافية والتعافي والمصالحة. وتُبيّن هذه المبادرة كيف يمكن للتراث الحي أن يؤدي دوراً حيوياً في التعافي بعد النزاع، بمنح المجتمعات المتضررة إحساساً بالاستمرارية ومساراً نحو سبل عيش مستدامة معاً، وتقدّم نموذجاً لإدماج صون التراث الثقافي في استراتيجيات بناء السلام والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

تسخير التكنولوجيا: عامل تغيير جذري للتراث المعرّض للخطر

من الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية إلى الواقع المعزّز والواقع الافتراضي، ومؤخراً الذكاء الاصطناعي، تُسخَّر التكنولوجيا على نحو متزايد آليةً رقمية لتوثيق التراث الثقافي المعرّض للخطر ورصده.

فقد استُخدم الاستشعار عن بُعد، أي جمع البيانات من مسافة باستخدام تقنيات متنوعة، لأول مرة على نطاق واسع لتوثيق نهب المواقع الأثرية في جنوب العراق عقب غزو عام 2003. ومنذ ذلك الحين، باتت هذه التقنيات حيوية على نحو متزايد للرصد والترميم. ففي عام 2022، استخدم الصندوق العالمي للمعالم بيانات الأقمار الصناعية لبرنامج كوبرنيكوس الأوروبي لتقييم أثر الزلزال القوي الذي وقع في أغسطس 2021 في بلدة جاكميل الساحلية التاريخية في هايتي، وهي موقع مدرج على قائمة تمهيدية. وعقب زلزال عام 2019 في ألبانيا، استُخدمت تقنية الكشف والتحديد بالضوء لتقييم الاستقرار الإنشائي لمواقع التراث الثقافي، كقلعة جيروكاسترا، بإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لتحليل المخاطر. واستُخدم المسح الليزري الثلاثي الأبعاد لالتقاط بيانات دقيقة عن بنية كاتدرائية نوتردام بعد الحريق المدمّر عام 2019، ما أتاح أعمال ترميم أكثر دقة. واستُخدم رادار الفتحة الاصطناعية، القادر على اختراق السحب والعمل ليلاً والتقاط البيانات في جميع الأحوال الجوية، لرصد تدمر حين كانت منطقة نزاع نشط وكان النفاذ إليها محدوداً.

وإلى جانب تقنيات الاستشعار عن بُعد، تُستخدم بانتظام أدوات مثل نظم المعلومات الجغرافية، المستخدمة في تحليل البيانات المكانية وتخزينها وتصويرها. فقد استُخدمت في تيمور الشرقية عام 2021 لتقييم أثر الإعصار «سيروجا» ومساعدة السلطات على التخطيط لحماية مواقع التراث الهشة وإعادة تأهيلها. ويساعد الواقع المعزّز والواقع الافتراضي على إنشاء تجارب غامرة لمواقع تاريخية في الجمهورية العربية السورية، كالجامع الأموي الكبير في حلب، ما يتيح للخبراء والجمهور تصوّر الموقع قبل التدمير وبعده.

وكثيراً ما تُنشر تقنيات عدة معاً، كما هو الحال في عمل مشروع «رصد التراث من أجل التعافي» الذي أُنشئ عام 2022 لإعداد قاعدة بيانات شاملة. وسيساعد هذا التوثيق جهود الترميم، ويوفّر تحليلاً جنائياً للإجراءات القانونية المتعلقة بانتهاكات التراث الثقافي، مقترناً بالتوثيق الميداني الذي يجريه المهنيون الثقافيون الأوكرانيون. ويتيح المشروع وسيلة للتحقق ميدانياً من البيانات المستمدة من الصور عن بُعد، بفضل شجاعة أعضائه ومثابرتهم في توثيق التدمير خلال وقت قصير من وقوع الهجمات.

وتثبت التطورات الجديدة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي فائدتها كذلك في رصد التراث الثقافي المدمَّر أو المتضرر وإعادة بنائه. ففي عام 2023، وفي أعقاب زلزالي تركيا وسوريا، تعاونت غوغل مع اليونسكو لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الأقمار الصناعية ورصد الأطلال القديمة في غازي عنتاب والمناطق المحيطة بها. وفي الموصل، استُخدم الذكاء الاصطناعي لإعادة بناء نماذج ثلاثية الأبعاد لمواقع التراث التي دمّرها داعش في العراق، إذ يعيد الذكاء الاصطناعي، عبر صور يقدّمها الجمهور وخوارزميات التعلم الآلي، إنشاء نسخ رقمية للمعالم الثقافية المفقودة، بما يساعد على التخطيط للترميم مستقبلاً.

الإطار 8: النهوض بالتقنيات الرقمية لصالح التراث في أفريقيا

ينعكس الانخراط الاستباقي لليونسكو في ورشتي عمل عُقدتا مؤخراً في المنطقة الأفريقية: «المرأة والتراث والتكنولوجيا الرقمية» في مارس 2025، و«التقنيات الرقمية لتمكين التراث العالمي في أفريقيا» في يونيو 2025. وجمعت هاتان الفعاليتان 300 من أصحاب المصلحة في مجال التراث، منهم مديرو مواقع التراث العالمي وصانعو السياسات والنساء والشباب وسائر الفاعلين الرئيسيين. وأبرزت الملاحظات والتقييمات الإمكانات التحويلية للتقنيات الرقمية لصالح التراث، ولا سيما في أفريقيا، إذ قدّر المشاركون التعرف العملي على أدوات مثل النمذجة الثلاثية الأبعاد والمسح بالليزر والواقع الافتراضي وكاميرات الرصد ورسم الخرائط الرقمية.

غير أن الاعتماد الكامل لهذه التقنيات لا يزال مقيّداً بمحدودية النفاذ إلى المعدات وعدم كفاية التمويل ونقص الخبرة التقنية أو التدريب. وكشفت التقييمات أن 81% من المشاركين حدّدوا التدريب التقني وبناء القدرات أولويةً قصوى، يليهما تمويل البنية التحتية الرقمية بنسبة 74%، في حين أُشير أيضاً إلى أطر السياسات بنسبة 33%، والإرشاد ودعم الخبراء بنسبة 30%، والنفاذ إلى البرمجيات والمنصات بنسبة 26%، بوصفها عناصر أساسية.

والجدير بالذكر أن ثمة اهتماماً قوياً بإنشاء «مجتمع ممارسة إقليمي للتراث الرقمي في أفريقيا»، إذ أبدى جميع المجيبين تأييدهم له. وأكد المشاركون قيمة دورات التدريب وبناء القدرات المنتظمة بنسبة 22%، والأدوات والموارد الرقمية المشتركة بنسبة 20%، ضمن هذه المنصة. ويدل الاستعداد المعلن للإسهام في المبادرات المستقبلية على مجتمع ملتزم ومنخرط، مستعد لقيادة التحول الرقمي في صون التراث وتعزيزه في أنحاء أفريقيا.

وتُعدّ الشراكات العالمية المتعددة أصحاب المصلحة أساسية لحماية التراث المعرّض للخطر. فمنذ عام 2022، دعم صندوق اليونسكو لطوارئ التراث 40 مشروعاً في 36 بلداً، بتمويل قدره 3 ملايين دولار للاستجابة للطوارئ ووضع السياسات في حالات النزاع. ومن الآليات الرئيسية الأخرى «التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع»، وهو شراكة بين القطاعين العام والخاص تجمع إسهامات الحكومات والمانحين من القطاع الخاص والمنظمات الدولية لتقديم المساعدة الطارئة وتمويل مشاريع الترميم وتقوية استراتيجيات الصمود بتسخير الخبرات المحلية لصون التراث الثقافي في أنحاء العالم. وقدّم التمويل للتوثيق والترميم والإصلاح الناجمة عن النزاعات المسلحة كل من صندوق جي. إم. كابلان ومؤسسة ميلون ومؤسسة وايتينغ وحكومات عدة، منها المملكة المتحدة وألمانيا، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي. وعملت مبادرة التعافي الثقافي التابعة لمؤسسة سميثسونيان على توثيق متحف الموصل وترميمه، ولديها مشاريع جارية لتوثيق التدمير في أوكرانيا. ونظّمت منظمة «الدرع الأزرق الدولية»، وهي منظمة دولية من منظمات المجتمع المدني تضم أكثر من ثلاثين لجنة وطنية، دورات تدريبية عدة للعسكريين والمدنيين، وساعدت في توثيق التدمير في أوكرانيا.

ومع أن الأضرار الجانبية بالتراث الثقافي ليست جديدة، فإن ثمة اتجاهاً مقلقاً يتمثّل في تصاعد التدمير المتعمد والموجّه لمواقع التراث الثقافي في مناطق النزاع. ولا يمكن المبالغة في تقدير الحاجة إلى حماية قانونية أقوى وتأهب أكبر لحالات الطوارئ. فاتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكولاها توفّر إطاراً قانونياً دولياً أساسياً لصون التراث الثقافي في النزاعات المسلحة، مع مشاركة عالمية متزايدة. وعلى وجه الخصوص، يلزم أن تصادق مزيد من الدول على البروتوكول الثاني، الذي يتميّز باشتراط اعتماد أحكام محددة للإنفاذ الجنائي.

وتستمر الثغرات في الإنفاذ والتمويل والتنسيق: فمع وجود آليات للتمويل الطارئ، تظل محدودة، ولا تزال مناطق متضررة كثيرة تفتقر إلى الموارد المالية والتقنية الكافية لحماية التراث وتعافيه. وقد تحقق تقدم مشجع في الحفاظ على الجرود والسجلات، لكن دولاً كثيرة لا تزال تفتقر إلى الموارد الكافية والتنفيذ المنهجي. وتكتسب الحماية المعززة بموجب البروتوكول الثاني زخماً، مع حصول عدد متزايد من مواقع التراث على وضع الحماية الخاص. ولعل أكبر مواطن الضعف هو الإخفاق في محاسبة الجناة، فعلى الرغم من قضية المهدي أمام المحكمة الجنائية الدولية، تمر معظم حالات التدمير المتعمد دون عقاب، ما يدل على غياب الأثر الرادع. وسيكون تعزيز التعاون العالمي وضمان التمويل المستدام وإدماج التراث الثقافي في استراتيجيات أوسع للحد من مخاطر الكوارث مفتاحاً لمعالجة هذه التحديات المستمرة. وبالمثل، يمكن لإدماج السياحة المراعية للثقافة في خطط التعافي والتنمية أن يخدم أهدافاً متعددة، منها دعم الإنعاش الاقتصادي، وتعزيز جهود حماية التراث، وتشجيع الحوار بين المجتمعات بما يسهم في السلام المستدام والصمود.

مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية

نُفّذت عملية «باندورا التاسعة»، التي نسّقها الحرس المدني الإسباني، خلال عام 2024، وأفضت إلى 80 عملية اعتقال واستعادة أكثر من 37727 قطعة ثقافية في أنحاء أوروبا، مع 258 قضية معلقة في البلدان المشاركة. وتُبيّن العملية النتائج التي يمكن تحقيقها عبر تنسيق أجهزة إنفاذ القانون والجمارك في ثلاثة وعشرين بلداً. ومن بين القطع المضبوطة عدد كبير من القطع الأثرية، منها قطع نُهبت من حطام سفن غارقة. وتُبرز هذه المضبوطات البارزة تصاعد سرقة الممتلكات الثقافية ونهبها والاتجار غير المشروع بها، وأكثرها شيوعاً العملات والمعادن والقطع الأثرية، تليها اللوحات والمنحوتات والقطع الدينية والتاريخية. وكما دعا ميثاق المستقبل الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي، ثمة طلب متزايد باستمرار على إعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة والمسروقة إلى بلدانها ومجتمعاتها الأصلية. ففي يوليو 2024، أعاد متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك أربع عشرة منحوتة منهوبة إلى كمبوديا، في حين أُعيد تمثال برونزي للإلهة دورغا من حضارة تشامبا من لندن إلى فييت نام. وكان تاجر الفن دوغلاس لاتشفورد، الذي وُجّه إليه الاتهام لاحقاً، قد اتّجر بهذه المنحوتات. ومثّلت عمليات الإعادة هذه مواجهة أخرى مع الماضي، إذ رحّب وزير الثقافة الكمبودي بعودتها بوصفها «استقبالاً لأرواح الأسلاف في وطنها»، وصرّح مدير المتحف الوطني للتاريخ في فييت نام، الدكتور نغوين فان دوان، بأن تمثال دورغا «قطعة أثرية نادرة ذات قيمة عظيمة للثقافة والفنون الجميلة الفيتنامية عبر الحقب التاريخية».

والمواقع المغمورة بالمياه، ولا سيما حطام السفن التاريخية الغارقة، معرّضة كذلك للنهب وللكوارث الطبيعية. ويزيد تغيّر المناخ هذه الهشاشة بكشفه المواقع وتعريتها، ولا سيما قرب الشواطئ. كما تشكّل البنية التحتية المشيّدة على امتداد السواحل واستغلال المعادن في قاع البحر تهديدات أيضاً. فالسفن الغارقة التي تعود إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر كثيراً ما كانت تحمل معادن ثمينة كالذهب والفضة من المناطق المستعمَرة في أمريكا الجنوبية إلى إسبانيا، وهي اليوم فريسة لشركات الانتشال، رغم أن هذا الحطام مقابر أيضاً وأحياناً ممتلكات عسكرية سيادية. كما عانى حطام السفن في بحر البلطيق، ولا سيما قبالة سواحل السويد، من النهب على يد الهواة ومن يسعون إلى بيع القطع الأعلى قيمة في السوق الدولية. وقد رُصد النهب في سياقات أحدث أيضاً، كما حين اتهمت السلطات الماليزية عملية انتشال صينية بنهب حطام سفينتين أيقونيتين من الحرب العالمية الثانية. وتهدف اتفاقية اليونسكو لعام 2001 بشأن التراث الثقافي المغمور بالمياه إلى الحد من هذه المخاطر، أساساً عبر إرساء أفضل الممارسات في الملحق المرفق بها.

وقد ألحقت سرقة الممتلكات الثقافية من المؤسسات الثقافية والدينية والمدنية، ونهب القطع الثقافية من المواقع الأثرية ومن مجتمعات الشعوب الأصلية، آثاراً ضارة جسيمة بالمجتمعات والبلدان الأصلية وبالفهم العالمي الأوسع لماضينا. ويمكن تلخيص الآثار الضارة لهذه الأنشطة غير المشروعة فيما يلي: أولاً، تحرم هذه الأفعال البلدان والمجتمعات الأصلية أو المجتمعات المنحدرة منها من النفاذ إلى تراثها الذي قد تتشكّل حوله هوياتها وإحساسها بالانتماء الجماعي. ثانياً، تحرم السرقة والنهب البلدان والمجتمعات الأصلية من فرص التعليم والتدريب على المهارات التي كانت ستتاح لها لو ظلت هذه التجليات المادية لهويتها الثقافية في متناولها، كما تُحرم هذه المجتمعات، عبر السرقات من المؤسسات كالمتاحف وتدمير المواقع الأثرية، من مصادر الاعتزاز ومن دعم اقتصادي مستدام عبر السياحة الثقافية. ثالثاً، يدمّر نهب المواقع الأثرية لتوفير قطع قابلة للبيع في السوق الدولية سياقاتها الأصلية، ما يقلّص تقليصاً كبيراً قدرتنا على إعادة بناء الماضي وفهمه. وأخيراً، اعتُرف في السنوات الأخيرة بأن السرقات والنهب قد توفّر أموالاً للنزاعات المسلحة والإرهاب، وقد ترتبط بأشكال أخرى من النشاط الإجرامي كغسل الأموال. فالاتجار بالممتلكات الثقافية من أكبر الأسواق السوداء إلى جانب الاتجار بالأسلحة والمخدرات والبشر، مع تقاطعات متزايدة بين تجارة الآثار غير المشروعة والجريمة المنظمة وتمويل الإرهاب والنزاعات. وتستخدم الشبكات الإجرامية المهيمنة على هذه التجارة غير المشروعة وسطاء لبيع القطع عبر صالات العرض وجامعي التحف من القطاع الخاص والمزادات الإلكترونية. ويُعدّ منع الاتجار بالممتلكات الثقافية عنصراً أساسياً في تحقيق الأمن، كما اعترف بذلك قرار مجلس الأمن 2347 عام 2017، وأعاد تأكيده قرار الجمعية العامة لعام 2024 بشأن إعادة الممتلكات الثقافية أو ردها إلى بلدانها الأصلية، الذي أبرز أثر النهب والتهريب في المناطق المتأثرة بالنزاعات.

وتشكّل هذه الخسائر خطراً جسيماً على الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة، وتُضعف في الوقت ذاته آفاق السلام والتماسك الاجتماعي والمصالحة بعد النزاع. والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية قضية عالمية تمسّ جميع المناطق، إذ تؤدي البلدان أدوار نقاط المنشأ والوسطاء في السوق وأسواق المقصد. وتتفاقم هذه الخسائر بفعل النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي وحالات الطوارئ كالكوارث الطبيعية وجائحة كوفيد 19. ولا تزال مناطق النزاع، ولا سيما في غرب آسيا وأفريقيا وأوروبا الشرقية، بؤراً حالية للنهب. والنزاع في أوكرانيا مثال على ذلك، إذ تزايدت محاولات تهريب قطع دينية ومخطوطات وقطع أثرية مسروقة من المتاحف والمواقع التاريخية الأوكرانية، اعتُرض كثير منها على الحدود الدولية. وفي عام 2023، أدى تدمير سد كاخوفكا في أوكرانيا إلى تجفيف البحيرة وكشف مواقع أثرية، فأصبحت هذه المواقع في المتناول، وتنافس الباحثون عن الكنوز والناهبون مع علماء الآثار ليكونوا أول من يستخرج القطع. وحين استعادت القوات الحكومية المتحف القومي السوداني من قوات متمردة في مطلع عام 2025، تبيّن أن مجموعة المتحف، ولا سيما مجموعته من القطع الذهبية، قد سُرقت.

وتُعدّ اتفاقية اليونسكو لعام 1970 بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة الصك القانوني الدولي الأول لتنظيم الحركة الدولية للممتلكات الثقافية. وحتى سبتمبر 2025، صادقت عليها 148 دولة، واعتمدت معظم الدول تشريعات محلية لتنفيذ أحكامها عبر القانون المدني أو القانون الجنائي أو كليهما. فلدى فرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا مثلاً قوانين صارمة تحظر استيراد الممتلكات الثقافية المصدَّرة بطرق غير مشروعة من بلدانها الأصلية. ويشترط قانون حماية الممتلكات الثقافية في اليابان موافقة الدولة على تصدير السلع الثقافية المصنّفة. ويشترط قانون تنفيذ الاتفاقية بشأن الممتلكات الثقافية في الولايات المتحدة إبرام اتفاق ثنائي تكميلي بموجب المادة التاسعة من الاتفاقية لمنع استيراد المواد الأثرية والإثنوغرافية المصدَّرة بطرق غير مشروعة. وبالمثل، تشترط سويسرا أيضاً اتفاقاً ثنائياً إضافياً لتقييد استيراد الممتلكات الثقافية. وعقب إعلان موندياكولت 2022، اكتسب الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية بروزاً بوصفه قضية مرتبطة بالأزمات، ما دفع بلداناً عدة إلى تحديث قوانينها بما يتسق مع اتفاقية عام 1970 لتعزيز المنع والملاحقة القضائية.

ومن السبل الفعالة الأخرى للحد من حوافز نهب المواقع الأثرية آلية إسناد ملكية القطع غير المكتشفة إلى الدولة. وقد اعتمدت اليونسكو والمعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص عام 2011 قانوناً نموذجياً لملكية الدولة. فحين تسند دولة ما ملكية القطع الأثرية غير المكتشفة إليها وتُؤخذ هذه القطع دون إذن، تُصنَّف بوصفها ممتلكات مسروقة في بلد سوق المقصد. وقد بات هذا التصنيف مقبولاً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا، ومؤخراً في فرنسا حيث أُدين تاجر بالاتجار في قطع مسروقة من مصر.

ومن مواطن الضعف الكبيرة في قوانين وطنية كثيرة غياب عقوبات جنائية قوية على جرائم الممتلكات الثقافية. فكثيراً ما يواجه المتّجرون مخاطر قانونية ضئيلة، ما يجعل التجارة غير المشروعة جريمة قليلة العواقب. غير أن بعض البلدان اتخذت خطوات لمعالجة ذلك. ففي مارس 2022، سنّت إيطاليا القانون رقم 22 بشأن أحكام الجرائم ضد التراث الثقافي، الذي نفّذ مصادقة إيطاليا على اتفاقية مجلس أوروبا بشأن الجرائم المتعلقة بالممتلكات الثقافية، المعروفة باتفاقية نيقوسيا، واستحدث عقوبات أشد على جرائم التراث الثقافي، ووحّد الأحكام القائمة، ووسّع مسؤولية الشركات لتشمل الجهات المتورطة في التجارة غير المشروعة كدور المزادات وصالات العرض والمتاحف. كما شدّدت فرنسا وسويسرا العقوبات على وثائق المصدر المزوّرة استجابةً لقضايا بارزة تتعلق بآثار غير مشروعة.

ولمزيد من مساعدة البلدان على تقوية أطرها القانونية، تقترح اليونسكو مشروع أحكام نموذجية بشأن منع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية ومكافحته. وتقدّم هذه الأحكام، وإن لم تكن ملزمة، مجموعة أدوات قانونية تدمج مبادئ من اتفاقية لاهاي لعام 1954، واتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص لعام 1995 بشأن الممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدَّرة بطرق غير مشروعة، التي تعالج إعادتها عبر آلية القانون الدولي الخاص، واتفاقية نيقوسيا، المعاهدة الوحيدة التي تجرّم صراحة الاتجار بالممتلكات الثقافية. ومع أن هذه الأحكام النموذجية لم توضع في صيغتها النهائية بعد، فإنها تمثّل خطوة مهمة في الاعتراف أيضاً بتراث الشعوب الأصلية الثقافي جزءاً من الممتلكات الثقافية، إذ يعرّف الحكم الرابع منها تراث الشعوب الأصلية الثقافي بأنه يشمل الممتلكات ذات الأهمية الثقافية أو الروحية لهذه الشعوب.

وتنظّم دول كثيرة استيراد الممتلكات الثقافية وتصديرها، وتكون ضوابط التصدير عموماً أقوى من قيود الاستيراد. فاليونان مثلاً تصدر تراخيص للتصدير المؤقت لمدة سنتين لسلع ثقافية محددة. وللمرة الأولى، فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تصدير المواد الثقافية للأمريكيين الأصليين والقطع الأثرية المحصّلة بطرق غير مشروعة عبر قانون صون القطع القبلية التراثية لعام 2022. وسينظّم لائحة الاتحاد الأوروبي 2019/880، التي دخلت حيز النفاذ الكامل في 28 يونيو 2025، لأول مرة استيراد السلع الثقافية الداخلة إلى الاتحاد من دول غير أعضاء فيه، وتفرض هذه اللوائح تراخيص استيراد أو إقرارات للسلع الثقافية للتحقق من قانونية تصديرها من بلد المنشأ.

وتُعدّ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، النافذة منذ عام 2003، الأداة القانونية الأساسية لمكافحة الجريمة العابرة للحدود، بما فيها تهريب الأعمال الفنية على نطاق واسع ووثائق المصدر المزوّرة. وهي، بمصادقاتها الواسعة، من أكثر معاهدات الأمم المتحدة اعتماداً، وتوفّر آلية إنفاذ قوية ضد شبكات الاتجار. وإقراراً بالصلات بين تمويل النزاعات والتجارة الثقافية غير المشروعة، اعتمدت الدول الأطراف في الاتفاقية القرار 11/4 في أكتوبر 2022، معزّزةً جهود منع الجريمة لحماية الممتلكات الثقافية خلال الأزمات، بما فيها النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية.

وقد أُنشئت أجهزة متخصصة في التراث الثقافي لحماية الممتلكات الثقافية في جميع الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير تقريباً. ومن الأمثلة الرائدة وحدة الكارابينييري لحماية التراث الثقافي في إيطاليا، ووحدة الفنون والآثار في الحرس المدني الإسباني، وفريق حماية التراث الثقافي في هولندا. كما طوّرت بلدان في شرق آسيا وجنوب شرقها، كمنغوليا وتايلند وكمبوديا، وحدات تحقيق مخصصة.

وكثير من سرقات الممتلكات الثقافية ونهبها يجري لتحقيق منفعة اقتصادية عبر بيع القطع في سوق الفن الدولية. وتُعدّ طريقة استجابة سوق الفن للتدابير القانونية والطوعية عنصراً رئيسياً في التصدي الفعّال لهذه المشكلة. فقد واجهت سوق الفن العالمية تدقيقاً متزايداً بشأن دورها في الاتجار غير المشروع، إذ سمح ضعف التحقق من المصدر بدخول قطع مسروقة أو غير مشروعة بأشكال أخرى إلى المتاحف والمجموعات الخاصة. ومن عمليات الإعادة البارزة مؤخراً حالات تتعلق بمتحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، الذي أعاد قطعاً منهوبة إلى كمبوديا وإيطاليا ومصر عقب تحقيقات في سجلات مصدر مزوّرة، ومتحف اللوفر في باريس الذي أعاد قطعاً مرتبطة بشبكات دولية للاتجار بالآثار من الشرق الأوسط. واستجابةً لذلك، طبّقت مؤسسات فنية رئيسية وجامعو تحف من القطاع الخاص تدابير للتنظيم الذاتي، إذ أنشأ كل من متحف متروبوليتان ومعهد شيكاغو للفنون عام 2023 فرقاً للبحث في المصدر لمراجعة المقتنيات الجديدة والقطع الموجودة في مجموعاتهما القائمة. ووضعت مدونة قواعد السلوك لجامعي الفن المعاصر لعام 2022 مبادئ توجيهية أخلاقية للمشترين. ويتزايد اعتماد تقنيات سلسلة الكتل وتتبّع المصدر القائم على الذكاء الاصطناعي لضمان الشفافية في المعاملات.

وقد غيّر صعود المنصات الرقمية ملامح التجارة غير المشروعة تغييراً كبيراً. فالأسواق الإلكترونية، بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع التجارة الإلكترونية ومنصات الشبكة المظلمة، أتاحت معاملات مجهولة الهوية وسريعة وقائمة على العملات المشفّرة، ما يجعل تنظيمها أمراً عسيراً. وتتعقّب جهود الرصد بيع القطع المنهوبة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحلّل اليونسكو والإنتربول واليوروبول المنصات الإلكترونية وترصدها بحثاً عن القطع المسروقة. وعلى الرغم من هذه المبادرات، يظل ضعف تنظيم المبيعات الإلكترونية في معظم المناطق ثغرة كبرى تنفذ منها التجارة غير المشروعة.

ويبعث غياب الرصد الفعّال للاتجار على القلق بوجه خاص في أثناء النزاعات والكوارث الطبيعية. إذ تعيق القيود المالية جهوداً مثل إعداد جرود وطنية للممتلكات الثقافية، ورقمنة السجلات وضمان أمنها، ووضع خطط إخلاء طارئة لمواقع التراث. ومع أن لدى معظم البلدان المقدّمة للتقارير تشريعات أو سياسات أو مبادئ توجيهية تشترط إعداد جرود للممتلكات الثقافية، فإن ثلثيها فقط يطبّق نظاماً وطنياً موحّداً، علماً بأن هذه النتائج تستند إلى عينة صغيرة نسبياً من الردود. وحتى حيث توجد الجرود، تظل تغطية القطع المحمية غير متسقة. ويلزم مزيد من تدريب موظفي إنفاذ القانون، ولا سيما المدعين العامين، على كيفية بناء الملاحقات القضائية وتنفيذها. ولما كانت السرقة والنهب جرائم عابرة للحدود، فإن الحاجة قائمة إلى مزيد من التنسيق بين الأطر الوطنية المختلفة، والتعاون بين أجهزة إنفاذ القانون الوطنية والحكومية الدولية على السواء.

تحويل الوعي إلى عمل لمكافحة الاتجار غير المشروع وتعزيز التعاون الدولي

يُعدّ رفع الوعي العام، بما في ذلك عبر التغطية الإعلامية، استراتيجية رئيسية في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية. وقد أعلنت اليونسكو يوم 14 نوفمبر يوماً دولياً لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية عام 2020 لتعزيز الوعي العالمي. ومن المقرر أن تطلق عام 2025 متحفاً افتراضياً للقطع الثقافية المسروقة، يعرض نماذج ثلاثية الأبعاد وتواريخ مفصّلة للقطع المسروقة، برسالة فريدة هي «إفراغ مجموعاته» كلما أُعيدت القطع المستردة إلى أصحابها الشرعيين. وانسجاماً مع إعلان موندياكولت 2022، شدّدت بلدان كثيرة على الحاجة إلى مبادرات تثقيفية مستمرة تستهدف مختلف أصحاب المصلحة، بمن فيهم المجتمعات المحلية والمشترون وجامعو التحف والمؤسسات، للحد من الطلب على القطع المحصّلة بطرق غير مشروعة. ففي عام 2021 مثلاً، أجرت ألمانيا إصلاحات كبرى على قانون حماية الممتلكات الثقافية الصادر أصلاً في 31 يوليو 2016، ومن أبرز التعديلات إلزام مؤسسات التراث الثقافي وجامعي التحف من القطاع الخاص بوسم الأعمال الفنية التي نهبها النازيون عند عرضها. ويعزّز هذا الإجراء الشفافية ويرفع الوعي العام بمصدر القطع الثقافية. غير أن التحديات لا تزال قائمة، ولا سيما في رفع الوعي داخل القطاع الخاص بالمخاطر المرتبطة بالاتجار بالممتلكات الثقافية.

ويؤدي تدريب أجهزة إنفاذ القانون وحملات التثقيف العام دوراً حاسماً. وتُعدّ حملة الإنتربول العالمية للتواصل عام 2022، التي نُفّذت بالتعاون مع أجهزة الشرطة الوطنية في هولندا ورومانيا وفرنسا، مثالاً على جهود التوعية المنسّقة بين أجهزة إنفاذ القانون. وإلى جانب الإبلاغ عن القطع المسروقة، تؤدي المجتمعات المحلية دوراً حاسماً في حماية المواقع. فقد غذّى عدم الاستقرار السياسي والضائقة الاقتصادية النهب تاريخياً، إذ لجأت المجتمعات الريفية إلى الحفر غير المشروع وسيلةً للبقاء. ففي أفغانستان مثلاً، تفاقم الحفر غير المشروع منذ عام 2018، متحولاً من حفريات يدوية صغيرة إلى نهب بالآليات، ما يدل على قدر أكبر من التنظيم والدعم المالي.

وقد أثبتت مشاركة المجتمعات والبدائل الاقتصادية فعاليتها في الحد من النهب. ففي أفغانستان، نجحت اتفاقات مع الوجهاء المحليين والزعماء الدينيين في كبح الحفر غير المشروع مقابل مشاريع تنموية كالمدارس. وبالمثل، وفّرت برامج التوظيف في علم الآثار ومصادر الدخل المستدامة من السياحة وتطوير المتاحف بدائل عن النهب. وقد شوهد تحدٍّ مماثل في مواقع العصر البرونزي المبكر في الأردن، العائدة إلى الفترة الممتدة بين عامي 3600 و2000 قبل الميلاد، على امتداد سهل البحر الميت، حيث دفعت الضائقة الاقتصادية السكان المحليين إلى الانخراط في شبكات الحفر غير المشروع. وحاولت دائرة الآثار العامة الأردنية تطبيق برنامج لإعادة شراء القطع المنهوبة، غير أن هذا الإجراء وحده لم يوقف الحفر غير المشروع. كما أخفق تسييج المواقع ونشر الحراس، ما يبرز الحاجة إلى نهج يتمحور حول المجتمع. وتُظهر الأبحاث أن رفع الوعي وتعزيز الاعتزاز المحلي بالتراث الثقافي يحدّان من النهب على نحو أكثر فعالية من الإنفاذ وحده.

وعلى الرغم من هذه النجاحات، يظل إدماج المجتمعات في استراتيجيات حماية التراث تحدياً، ولا سيما في البلدان ذات الموارد والخبرات المحدودة. ولا بد من نهج متعدد المسارات يشمل تثقيف المجتمعات، وإدماج الأولويات الثقافية في سياسات التعليم والتوظيف والتنمية، إلى جانب إنفاذ القانون والرصد التكنولوجي. ويؤكد ذلك كذلك أهمية التعاون الدولي والمساعدة الإنمائية الرسمية والتعاون مع منظمات المجتمع المدني الإقليمية والمحلية في صون التراث الثقافي.

والتعاون الدولي المستمر أساسي في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وهو يتطلب شراكات مع منظمات كاليونسكو والإنتربول، وتبادل أفضل الممارسات، وإبرام اتفاقات ثنائية وإقليمية. ومع تكيّف شبكات الجريمة المنظمة عبر الوطنية مع جهود الإنفاذ والتحولات الجيوسياسية، توفّر المبادرات المشتركة مثل عملية باندورا نموذجاً قوياً. ولا تزال أوروبا أكبر منطقة متلقية للسلع الثقافية المتّجر بها، وكثيراً ما تؤدي دور مركز لإعادة التوزيع.

وإلى جانب تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية ومراقبة الحدود وإنفاذ القانون عبر الحدود، أثبت الرصد الرقمي أنه أداة رئيسية في الحد من التجارة غير المشروعة. فتطبيق «آي دي آرت» للهواتف المحمولة التابع للإنتربول، الذي أُطلق في 6 مايو 2021، يتيح للمستخدمين النفاذ المباشر إلى قاعدة بيانات الأعمال الفنية المسروقة، التي أُنشئت أول مرة عام 1995 بالتزامن مع اعتماد اتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص بشأن الممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدَّرة بطرق غير مشروعة. غير أن تكامل قواعد البيانات على الصعيد العالمي لا يزال غير متسق، إذ يحتفظ حالياً 38% من البلدان المقدّمة للتقارير بقواعد بيانات مستقلة غير مرتبطة بنظام الإنتربول، ولدى 18% منها قواعد بيانات مترابطة معه، في حين يعتمد 21% على قاعدة بيانات الإنتربول وحدها.

وتساعد القوائم الحمراء للمجلس الدولي للمتاحف، التي تستخدمها اليونسكو والاتحاد الأوروبي، أيضاً في التحقق من المصدر ورفع الوعي بالممتلكات الثقافية المعرّضة للخطر، وإن كانت لا تدرج القطع المسروقة بعينها، بل تُبرز فئات السلع الثقافية المعرّضة للخطر. ولما كانت الممتلكات المتّجر بها كثيراً ما تعاود الظهور بعد عقود من نهبها، فإن جمع المعلومات الاستخبارية على المدى الطويل والرصد المستمر أمران حاسمان. وقد أبرمت بلدان كثيرة اتفاقات تعاون رسمية، لكن التفاوتات الإقليمية لا تزال قائمة. ففي أفريقيا، يظل التعاون الدولي بشأن التجارة غير المشروعة محدوداً، مع قلة الاتفاقات الثنائية بين الدول. ولما كانت أفريقيا لا تزال منطقة رئيسية مثيرة للقلق فيما يخص الاتجار بالممتلكات الثقافية، فإن تقوية الشراكات بين الأجهزة الأفريقية والأوروبية باتت ملحّة على نحو متزايد. وسيكون توسيع التعاون الإقليمي والدولي حيوياً في كبح التجارة غير المشروعة وضمان رد التراث الثقافي المسروق إلى مجتمعاته الشرعية.

وتُعدّ إعادة الممتلكات الثقافية ذات الدلالة الروحية والسلفية والتاريخية والثقافية وردّها أولوية متنامية في التعاون الدولي، كما ورد في ميثاق المستقبل، بما يمكّن بلدان المنشأ من استعادة تراثها وصونه. ففي عام 2021، أدخلت ألمانيا إصلاحات مهمة على قانون حماية الممتلكات الثقافية الصادر أصلاً عام 2016، لتعزيز حماية الممتلكات الثقافية وتبسيط إجراءات الرد. وبحلول عام 2023، كانت ألمانيا قد وسّعت سياساتها في مجال الرد، فأعادت مزيداً من القطع إلى بلدانها الأصلية، ولا سيما تلك التي أُخذت خلال الحكم الاستعماري، ووُضعت اتفاقات منظّمة مع ناميبيا والكاميرون وتنزانيا لتيسير إعادة التراث المسروق من المؤسسات العامة.

واتخذت فرنسا بدورها خطوات في هذا الاتجاه، فأطلقت عام 2023 إطاراً قانونياً جديداً لرد القطع الثقافية. ويبسّط هذا القانون الوطني إجراءات الإعادة، إذ يلغي الحاجة إلى موافقة تشريعية لكل حالة على حدة، وهي موافقة كانت مطلوبة سابقاً لكل طلب رد. ويبني هذا الإصلاح على إعادة فرنسا كنوز أبومي إلى بنين عام 2021، مرسياً سابقة لعمليات الرد المستقبلية. غير أن هذه الإصلاحات التشريعية لم تعالج بعد رد الممتلكات الثقافية العائدة إلى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين من الحكم الاستعماري. وفي الأثناء، أجرت الصين تحولاً مهماً في سياستها عام 2023 بنشر مسودة منقحة لقانون حماية الآثار الثقافية تتضمن بنداً للرد، يؤكد حق الدولة في إعادة الآثار الثقافية المفقودة في الخارج بسبب السرقة أو التصدير غير المشروع، دون تقادم.

وفي أنحاء أفريقيا، ارتفعت كذلك أهمية الرد مع الاعتراف بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية. فقد عزّز الاتحاد الأفريقي جهود استعادة التراث الثقافي، في حين وفّرت خطة عمل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا للفترة من 2019 إلى 2023 إطاراً للتعاون الإقليمي في إعادة القطع المنهوبة.

وتستجيب متاحف ومؤسسات خاصة كثيرة حول العالم لهذه التطورات بإعادة تقييم مجموعاتها ومعالجة المقتنيات العائدة إلى الحقبة الاستعمارية، ومراجعة ما في حوزتها، والانخراط في مطالبات الرد. فمنذ عام 2021، أعادت مؤسسات مثل جامعة أبردين وكلية يسوع في كامبريدج ومؤسسة سميثسونيان قطعاً عدة إلى نيجيريا. واتخذت متاحف في ألمانيا وهولندا إجراءات مماثلة، في تحول مهم نحو الرعاية الأخلاقية والرد الاستباقي للقطع ذات الأهمية الثقافية إلى أصحابها الشرعيين. كما يجري إدماج النظر في إعادة القطع الثقافية المقتناة خلال حقب الاستعمار والإمبريالية في سياسات الإعادة الأخلاقية والرعاية الأخلاقية. ومن هذه السياسات أفضل الممارسات بشأن التعاون والمجموعات والرد للمتاحف الأمريكية التي تحتفظ بقطع أفريقية، التي اعتمدها مجلس الفنون التابع لرابطة الدراسات الأفريقية، وسياسة الرعاية المشتركة والإعادة الأخلاقية التي اعتمدتها مؤسسة سميثسونيان عام 2022، وتوصيات تشينغداو. وتتضمن مسودة جديدة لمدونة أخلاقيات المجلس الدولي للمتاحف أحكاماً بشأن العلاقات مع مجتمعات المنشأ، وتدعو إلى «التداول والحوار بشأن رد التراث وإعادته إلى وطنه وإرجاعه».

وتتطلب مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية نهجاً منسّقاً متعدد أصحاب المصلحة، مع تعاون أقوى بين أجهزة إنفاذ القانون والجمارك وسوق الفن. وعلى الرغم من الإصلاحات القانونية الأخيرة والمضبوطات البارزة، يظل الاتجار بالممتلكات الثقافية جريمة كبرى ضعيفة التنظيم وقليلة الملاحقة، كثيراً ما ترتبط بالجريمة المنظمة وغسل الأموال. ومع أن العمليات المتعددة الجنسيات مثل باندورا والتشريعات الناشئة تشير إلى تقدم، فإن ضعف تنظيم السوق وثغرات الإنفاذ وثغرات التجارة الإلكترونية لا تزال تيسّر الأنشطة غير المشروعة. وتتطلب معالجة هذه القضية أطراً قانونية أقوى، ونظماً رقمية للتتبع، واشتراطات أشد للمصدر لتحسين رصد معاملات الممتلكات الثقافية. كما سيكون تعزيز التعاون الدولي والوعي العام واعتماد التقنيات المتقدمة أمراً حاسماً في تفكيك شبكات الاتجار وضمان حماية التراث الثقافي ورده على النحو الصحيح في أنحاء العالم.

صون الإبداع والتنوع: تعزيز الدعم للمهنيين الثقافيين المعرّضين للخطر

لم يحظ الحق في الثقافة بالاعتراف داخل الإطار الدولي لحقوق الإنسان إلا تدريجياً. ويجعل بطء الاعتراف بالحقوق الثقافية حماية الفنانين وسائر المنتجين المبدعين والعاملين في التراث الثقافي المعرّضين للخطر أكثر صعوبة ضمن نظام منح الحماية للمدافعين عن حقوق الإنسان. ويتعين كذلك الاعتراف بأن الفنانين والمنتجين المبدعين لا يبدعون التراث المادي فحسب، بل التراث غير المادي أيضاً. ومنذ اعتماد اتفاقية اليونسكو لعام 2003 بشأن صون التراث الثقافي غير المادي، واتفاقية اليونسكو لعام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، أضاف التقاطع بين الثقافة والتراث الثقافي وحقوق الإنسان تركيزاً جديداً على التراث غير المادي وأشكال التعبير الثقافي. وكثيراً ما يتعرض حاملو أشكال التعبير والممارسات الثقافية المادية وغير المادية ومنتجوها لمخاطر كبيرة من مصادر متعددة، لكنهم يحظون أيضاً بحماية متزايدة لأنفسهم ولحقهم في مواصلة إبداعهم. وثمة فروق كبيرة بين الفنانين والمنتجين المبدعين المعرّضين للخطر من جهة، ومهنيي التراث الثقافي من جهة أخرى. فقد يتعرض المنتجون المبدعون للخطر بسبب طبيعة إنتاجهم الذي كثيراً ما ينتقد التطورات السياسية وغيرها. أما حين تُطرح مسألة النقل لدواعٍ أمنية، فإن مهنيي التراث الثقافي أقل قدرة على التنقل بكثير، لارتباطهم في الغالب بالمواقع والمعالم والمجموعات المادية التي يرعونها. وقد يكون الفنانون والمنتجون المبدعون أكثر قدرة على التنقل، لكنهم أكثر عرضة لفقدان هويتهم في أثناء عملية النقل. ولهذه الأسباب، جعل إعلان موندياكولت 2022 حماية الفنانين ومهنيي التراث الثقافي المعرّضين للخطر أولوية.

ويشمل ذلك التركيز على البعد الجنساني للفنانين ومهنيي التراث الثقافي المعرّضين للخطر، إذ تواجه النساء مخاطر غير متناسبة، منها ارتفاع خطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وفقدان سبل العيش، والفجوات في الأجور، وتراجع النفاذ إلى التمويل، وانعدام الأمن الاقتصادي، وغير ذلك من التحديات ذات الصلة. ويعطي نداء اليونسكو للعمل «الفن للجميع في صميم السياسات الثقافية للغد» الأولوية للمساواة بين الجنسين عبر الدعوة إلى حماية الفنانات والمهنيات الثقافيات وتعزيزهن في حالات الطوارئ. ويشمل ذلك دعم سلامتهن وسبل عيشهن ورفاههن النفسي والاجتماعي وقدرتهن الإبداعية عبر آليات التضامن، وتدابير النقل التي تشمل المعالين عند الحاجة، والمنح التي تديم أشكال التعبير الثقافي الحاسمة لصمود المجتمعات. وتشدّد المبادرة على إنشاء ممرات دولية آمنة لعرض أعمالهن وبيعها، إلى جانب تعزيز شبكات الدعم وتقديم تدريب على التعامل مع الصدمات مراعٍ للنوع الاجتماعي للمنظمات حتى تحسن مساعدة الفنانات.

وبالمثل، يوفّر إدماج ريادة الأعمال، عبر استراتيجية التراث العالمي في أفريقيا للفترة من 2022 إلى 2029، سبيلاً قوياً لصون الإبداع والتنوع في القارة. فالاستراتيجية تهدف صراحة إلى تقوية قدرات المجتمعات، بما فيها النساء والشباب والشعوب الأصلية، لزيادة انخراطها في العمليات المتصلة بالتراث، وتعزيز الصناعات الإبداعية، وتحسين الصون والممارسات المستدامة في ممتلكات التراث العالمي. كما تسعى إلى وضع سياسات وأطر مستجيبة للنوع الاجتماعي لدعم التنمية الشاملة حول هذه الممتلكات، وتشجيع الاستثمار في الأعمال وريادة الأعمال المستدامة المتصلة بالتراث. ويوفّر هذا النهج منافع اقتصادية مباشرة للمهنيين الثقافيين، فيقلّل مخاطرهم وهشاشتهم، ويحفّز صون معارف التراث ومهاراته ونقلها إلى الأجيال القادمة، محولاً الصون من حماية سلبية إلى مسعى دينامي مجدٍ اقتصادياً تقوده المجتمعات.

تزايد المخاطر على المهنيين الثقافيين في خضم الأزمات العالمية

يشهد العالم حالياً أزمات متفاقمة عدة ناجمة عن الجائحة وتغيّر المناخ وأزمات اللاجئين وتزايد الحكومات الاستبدادية وغير الليبرالية والنزاعات المسلحة المتعددة. وقد فاقمت هذه الأزمات المخاطر التي يواجهها العاملون في الصناعات الثقافية والإبداعية حول العالم، ومنهم الفنانون والعاملون في التراث، كما فاقمت المخاطر على تنوع أشكال التعبير الثقافي التي تُبدَع وتُنتَج ويُستمتع بها. وتمس هذه الأزمات وضع الفنان وجدوى مهنته وسيلةً لكسب العيش. فالمهنيون الثقافيون يفقدون سبل عيشهم، والأعمال الفنية تخضع للرقابة، والفنانون يُحرمون من التمويل ويُقيَّدون ويُراقَبون ويُساء إليهم ويُسكَتون ويُسجنون ويُعذَّبون ويُقتلون أو يُنفَون قسراً. وقد تضيق حياتهم وأعمالهم إلى حد يدفعهم إلى المنفى الطوعي. وفي الوقت ذاته، تُعدّ الثقافة والفنون منافع عامة عالمية تؤدي دوراً حاسماً في بث الأمل وتعزيز التماسك الاجتماعي وتقديم رؤى متنوعة، وهي أمور حاسمة في أوقات الأزمات. ولم تتجلَّ هذه المفارقة في أي وقت بقدر ما تجلّت خلال حالة الطوارئ الصحية العامة لجائحة كوفيد 19. فكما لاحظت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحقوق الثقافية، في الوقت الذي كان فيه الناس يلجؤون إلى الثقافة آليةً للتكيّف خلال الجائحة، كان مبدعو هذه الثقافة أنفسهم يواجهون مخاطر وتحديات غير مسبوقة، مع فقدان ما لا يقل عن 10 ملايين وظيفة في عام 2020 وحده. ومع أن تقرير التجارة العالمية لعام 2024 أشار إلى أن الصادرات الثقافية العالمية قد انتعشت لتبلغ 95% من مستوياتها في عام 2019 بحلول نهاية عام 2023، فإن تعافي التوظيف لا يزال متفاوتاً، مع استمرار فجوات كبيرة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

وقد جرى الاعتراف بفاعلية في الخطة العالمية للثقافة بالحاجة إلى جعل المهنيين الثقافيين أكثر صموداً في مواجهة الكوارث والنزاعات وحالات الطوارئ، إذ جدّد إعلان موندياكولت 2022 الدعوة إلى حماية أشكال التعبير الثقافي، ولا سيما في أوقات الأزمات. وتسير هذه الدعوة جنباً إلى جنب مع اعتراف متزايد بالمخاطر الخاصة التي يواجهها كثير من العاملين في الثقافة، ولا سيما وضعهم الاقتصادي الهش. فكثير من الفنانين يعملون لحسابهم الخاص أو يزاولون أعمالاً متقطعة أو يعملون في القطاع غير النظامي. وتفاقم هذه الجوانب هشاشتهم في أوقات الأزمات، إذ قد لا يستوفون شروط الأشكال التقليدية للحماية الاجتماعية والاقتصادية، ما يفضي إلى أثر غير متناسب مقارنة بالعاملين في قطاعات أكثر تنظيماً. وقد اتضح ذلك خلال جائحة كوفيد 19 التي فاقمت الهشاشة القائمة أصلاً في ظروف عمل الفنانين والمهنيين الثقافيين.

واستجابةً للجائحة، قدّمت الغالبية العظمى من الدول دعماً طارئاً يهدف إلى حماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفنانين والمهنيين الثقافيين، واستفاد بعضها، كالنرويج، من تلك الدروس لإدماج الثقافة في التأهب للطوارئ. واعتمدت بلدان كثيرة طائفة من آليات الدعم المالي للفنانين خلال الجائحة، مع استمرار السياسات المشجّعة للدعم العام والخاص بعدها. وأدخلت معظم البلدان الأوروبية تدابير دعم متنوعة للفنانين والقطاع الثقافي خلال الجائحة، منها تأجيل سداد الضرائب. واستخدمت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كسلوفاكيا، الصندوق الاجتماعي الأوروبي لدعم العاملين لحسابهم الخاص، بمن فيهم الفنانون والعاملون في الثقافة. وعدّلت فرنسا قواعد نظام البطالة الخاص بالفنانين، وأتاحت للفنانين والمؤلفين مدفوعات مقطوعة من صندوق للتضامن. وخصّصت ألمانيا 50 مليار يورو لدعم الفنانين المستقلين والكيانات الثقافية والإبداعية. وأوصت المفوضية الأوروبية بتدابير دعم إضافية عدة. كما فاقمت الجائحة التحديات القائمة أصلاً والهشاشة المالية وأوجه عدم المساواة في وضع الفنانين، ما أفضى إلى سلسلة من المقترحات لتحسين ظروف عمل الفنانين وسائر المبدعين الثقافيين، منها دعم نظم العمل القصير الأجل. فقد أدرجت شيلي وكولومبيا مثلاً حمايات ثقافية وحقوقية في استراتيجياتهما للتعافي بعد الجائحة. واستغل بعض الفنانين وقت الجائحة لإيجاد طرق مبتكرة لجمع الأموال اللازمة، إذ لاحظت منصة «باتريون» أن المبدعين الثقافيين ومعجبيهم فتحوا 30000 حساب جديد خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من مارس 2020، مع بداية الجائحة.

ويتعرض الفنانون وسائر المهنيين الثقافيين لتهديدات علنية وخفية من جهات حكومية وغير حكومية، منها المتطرفون الدينيون والأفراد العاديون والأوساط الفنية نفسها، تسعى إلى خنق المعارضة وقمع التصوير الفني لسلوكيات لا تمتثل للأعراف التي تمليها الاعتبارات الدينية أو السياسية. وتشتد هذه المخاطر خلال حالات الطوارئ، ولا سيما فترات الاضطراب الاجتماعي، أو العنف، أو النزاع المسلح، حين تفرض الحكومات في الغالب قيوداً على التعبير تؤثر تأثيراً كبيراً في سبل عيش الفنانين، بل تعرّض حريتهم للخطر، وهو الأهم. ويؤكد تقرير منظمة «فريميوز» لعام 2024 تزايد المخاطر على الفنانين خلال النزاعات، وتنامي النفوذ السياسي على الفنون، وتوسّع استخدام قوانين العملاء الأجانب لتقييد حرية التعبير.

ويعرّض النزاع المسلح وسائر أشكال العنف المبدعين الثقافيين ومهنيي التراث الثقافي لتهديد كبير. فمنذ تصاعد النزاع في أوكرانيا عام 2022، واجه العاملون في الثقافة، من مبدعين ومهنيين في التراث الثقافي، مخاطر متزايدة، إلى جانب تحول جذري في المشهد الثقافي. فقد أثّرت الحرب في «تنوع الثقافة والتراث الثقافي وثرائهما»، إذ ألحقت أضراراً بالبنية التحتية والأصول الثقافية، وقلّصت سبل عيش المبدعين الثقافيين وحاملي التراث وممارسيه، وحدّت من النفاذ إلى الثقافة، وأعاقت ممارسة الحقوق الثقافية. كما أثّر النزوح الداخلي والخارجي في الإنتاج الثقافي، واستُهدف كذلك العاملون في التراث الثقافي الذين يوثّقون الأضرار والدمار اللاحق بالممتلكات الثقافية. وعلى الرغم من هذه التحديات، استمرت الأنشطة الثقافية في بعض المناطق، إذ أعادت بعض المؤسسات الثقافية فتح أبوابها ورعت معارض مؤقتة. ورغم فقدان التمويل، أظهر القطاع الثقافي الأوكراني صموداً، وأثبت أهميته في «استعادة الإحساس بالحياة الطبيعية والرفاه الجماعي».

وفي أمريكا اللاتينية، يتعرض المهنيون الثقافيون على نحو متزايد للتهجير القسري بفعل ضغوط الجريمة المنظمة التي تمتد إلى بلدان لم يكن فيها عنف عصابات المخدرات موجوداً أو كان قد قُمع. وفي ميانمار، أفادت التقارير بأن هجوماً جوياً على حفل موسيقي أُقيم في ولاية كاشين أسفر عن مقتل المغنية البورمية الشهيرة أورالي لاهباي وما لا يقل عن ثمانين شخصاً آخرين.

وتدل توصية اليونسكو لعام 1980 بشأن وضع الفنان، التي تناولها الفصل الثاني بمزيد من التفصيل، والتقارير اللاحقة لرصد تنفيذها، على استمرار التزام الدول بتعزيز هذه المبادئ. وتنص اتفاقية عام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي على إلزام دولها الأطراف، البالغ عددها 160 دولة حتى يوليو 2025، بصون حرية الفنان في الإبداع ودعم التعبير الثقافي. وتنص مبادئ الاتفاقية التوجيهية تحديداً على أنه «لا يمكن حماية التنوع الثقافي وتعزيزه إلا إذا كفلت حقوق الإنسان والحريات الأساسية، مثل حرية التعبير والإعلام والاتصال، وكذلك قدرة الأفراد على اختيار أشكال التعبير الثقافي». وتعزّز هذه الصكوك الاعتراف بالفنون والثقافة محركاتٍ للقطاع الاقتصادي، وعناصرَ حاسمة في الوقت ذاته لثقافات متنوعة وتعددية.

المهنيون الثقافيون بوصفهم مدافعين عن حقوق الإنسان: سبيل إلى حماية أكبر

من مفاتيح حماية الفنانين والعاملين في التراث الثقافي الاعتراف بوضعهم مدافعين عن الحقوق الثقافية، ومن ثم مدافعين عن حقوق الإنسان. وهذا الاعتراف حاسم لتمكينهم من النفاذ إلى أطر دعم أوسع، منها الحق في طلب اللجوء في البلدان التي تُعدّ آمنة. وقد أدّى مكتب المقرر الخاص في مجال الحقوق الثقافية دوراً محورياً في زيادة الوعي العالمي بقضية حرية التعبير الفني وعلاقتها بسائر حقوق الإنسان. ودعت المقررة الخاصة صراحة إلى الاعتراف بالمدافعين عن الحقوق الثقافية بوصفهم مدافعين عن حقوق الإنسان، أي أولئك الذين يدافعون عن الحقوق الثقافية وفق المعايير الدولية، وهي جزء أساسي من القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويؤدي هؤلاء المدافعون عن الحقوق الثقافية دوراً جوهرياً في الإطار العالمي لحقوق الإنسان، القائم على الحقوق التي يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومنها الحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في المشاركة في الحياة الثقافية للمجتمع والاستمتاع بالفنون. وتمنح صكوك قانونية إضافية، كالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، حماية أكثر تحديداً للفنون بوصفها جزءاً من حرية التعبير والحق في المشاركة في الحياة الثقافية.

ويؤكد منشور اليونسكو «الدفاع عن الأصوات المبدعة: الفنانون في حالات الطوارئ، دروس مستفادة من سلامة الصحفيين» الصادر عام 2023 الحاجة إلى تدابير مخصصة لحماية الفنانين، مشدّداً على أنهم كثيراً ما يواجهون تهديدات مماثلة لتلك التي يواجهها الصحفيون، لكن بضمانات راسخة أقل. ويدعو التقرير إلى شبكات دعم أقوى وآليات للمساعدة الطارئة وتعاون دولي لضمان سلامة الفنانين، مع إبراز أهمية الاعتراف بالتعبير الفني عنصراً أساسياً من الحقوق الثقافية. غير أن ثغرات لا تزال قائمة في الآليات القانونية والمؤسسية الخاصة بحماية الفنانين ضمن أطر حقوق الإنسان، ولا سيما مقارنة بالاعتراف الذي يُمنح للصحفيين بصورة معتادة.

ومن المشجع التركيز المتزايد على التعلم والتعاون بين الصناعات الثقافية والإبداعية وقطاع حقوق الإنسان. فقد عزّز مختبر اليونسكو للفنون من أجل حقوق الإنسان والحوار صلاته بمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، لرفع الوعي بالقوة التحويلية للفن في العمل الإنساني، وتيسير التبادل بين الفنانين والعاملين في الثقافة والعاملين في المجال الإنساني. ويمكن لنماذج التعاون، كإنشاء أطر مشتركة لحماية الفنانين المعرّضين للخطر، أو قيام منظمات فنية بتدريب مجموعات حقوق الإنسان على التعرف على الفنانين المضطهدين ودعمهم، أن تكون نماذج للجهود المستقبلية. وتستخدم شبكة أفلام حقوق الإنسان الوسيط الإبداعي للسينما لعرض النضال من أجل حقوق الإنسان والكرامة على نحو فعّال، وهي شراكة تضم أكثر من 40 مهرجاناً سينمائياً مستقلاً تُقام في أنحاء العالم.

غير أنه لا بد من الإقرار بأن الفنانين جميعاً قد لا يعدّون أنفسهم مدافعين عن حقوق الإنسان أو لا يرغبون في وصفهم بذلك. فمع أن هذا الإطار قد يوفّر حماية ومناصرة قيّمتين، يرى بعض الفنانين أنه يضعهم في دور الناشط كي يستحقوا الحماية، بدلاً من الاعتراف بهم لتعبيرهم الفني وحده، في حين يظل آخرون غير مدركين لجهود المناصرة الجارية باسمهم تحت هذا الوصف. ثم إن توقّع تبنّي هوية سياسية أو نضالية للحصول على الحماية قد يولّد ضغطاً إضافياً، ولا سيما على الفنانين الذين يعملون أصلاً في ظروف هشة.

وتشير الأبحاث إلى أن الفنانين الذين يُنظر إليهم بوصفهم قادة اجتماعيين أو رقباء على السياسات كثيراً ما يواجهون مخاطر متزايدة. ومع ذلك، يمكن للممارسات الفنية والثقافية، حتى حين لا تُقدَّم صراحة بوصفها عملاً في مجال حقوق الإنسان، أن تُحدث أثراً عميقاً في تعزيز حقوق الإنسان وتشجيع الحوار.

حماية حقوق الفنانين والمهنيين الثقافيين المعرّضين للخطر

ثمة ثلاثة نُهج لحماية حقوق العاملين في الثقافة المعرّضين للخطر. يركّز الأول على الإصلاح التشريعي لتقوية الحق في حرية التعبير والحقوق المرتبطة به، ومنها الحرية الفنية، وعلى إدماج الصناعات الثقافية والإبداعية في آليات التأهب للطوارئ والكوارث والاستجابة لها. ويتمثّل النهج الثاني في تقديم الدعم للفنانين والمبدعين في أماكنهم، أي تقديم الدعم الاستشاري واللوجستي والمالي. ويمكن، حيثما اقتضى الأمر، توفير التمثيل القانوني داخل بلدان الفنانين ومجتمعاتهم القائمة، على غرار ما تقدّمه منظمة «محامو الطليعة» التي توفّر استراتيجيات قانونية مبتكرة وتمثيلاً للفنانين الذين يواجهون مخاطر.

أما الآلية الثالثة فتتمثّل في تقديم الدعم والخدمات لمن يتعيّن عليهم مغادرة أماكنهم الحالية. إذ تواصل مبادرات النقل الدولي المؤقت تلبية احتياجات الحماية الفورية للمهنيين الثقافيين المعرّضين للخطر إلى بيئة آمنة تلبيةً فعالة، ومن ذلك النموذج الأكاديمي للنقل إلى جامعة لمتابعة دورات أو تعيينات متخصصة، والنموذج البلدي القائم على الدعم الذي تقوده المدن، كالمدن الأربع والعشرين في هولندا ضمن برنامج «مدن الملاذ»، ونموذج الإقامات الفنية الذي يوفّر فضاءً إبداعياً ومجتمعاً يستطيع الفنانون في كنفه مواصلة الإبداع. وتُعدّ الشبكة الدولية لمدن اللجوء أكبر شبكة عالمية للمدن والمناطق التي توفّر إقامات حماية مؤقتة للكتّاب والفنانين والصحفيين، في 87 مدينة. ولا يمكن التقليل من أهمية زيادة توافر الملاذات الآمنة للمدافعين عن الحقوق الثقافية الذين يواجهون تهديدات.

غير أن النقل المؤقت لا يخلو من التحديات والمساوئ، ولا سيما بالنسبة إلى الفنانين. فالنفاذ إلى فرص النقل متفاوت، والدعم المالي للأسر والمعالين كثيراً ما يكون غير كافٍ حتى حين تتوافر هذه الفرص. وبوصفهم مهنيين انتُزعوا من بيئاتهم الإنتاجية والثقافية والإبداعية، قد يعاني الفنانون تراجعاً في قدرتهم الإبداعية، في حين تفقد مجتمعاتهم الأصلية إمكانات الإبداع الفني. فالفنانون يعتمدون على القدرة على الإبداع والتواصل وعرض أعمالهم، وكثيراً ما يكونون جزءاً من مجتمع إبداعي، وقد يمس تركه قدرة الفنان على مواصلة الإبداع. وقد يضع الانتقال إلى بلد آخر الفنان في حالة من التيه أو يعرّضه لخطر فقدان شرعيته الثقافية، فلا يعود فناناً ينتمي إلى بلده الأصلي أو وسطه. ولأن الفنانين يترددون في المغادرة، فإنهم حين تصبح المغادرة ضرورية يضطرون إلى القيام بها على عجل، ما يطرح عقبات إضافية أمام انتقالهم الآمن.

ومن التطورات الإيجابية الأخيرة في هذا الصدد تزايد عمليات النقل الإقليمية، التي توفّر بدائل مهمة للاتجاه الراسخ منذ زمن طويل نحو النقل إلى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية أساساً. ومن الأمثلة الممتازة عمل مدن «أوبونتو» المحورية للمدافعين الأفارقة التابعة لشبكة المدافعين الأفارقة عن حقوق الإنسان، وبرنامج «مدن الملاذ» التابع لشبكة حقوق الإنسان في أفريقيا، ومنظمة «رابطة الفنانين المعرّضين للخطر» التي دعمت عمليات نقل في مدن مثل أبيدجان وتونس وباماكو. ويدعم التمويل الذي تتيحه مبادرة مارتن روث النقل داخل مناطق الفنانين الأصلية، بما فيها البلدان المجاورة. ومن المبادرات التي يقودها الفنانون «ملجأ الفنانين» في ماي سوت بتايلند، الذي أسّسه فنانون من ميانمار. ولا تزال برامج التمويل والدعم الدولية أساسية، لكن ثمة دعوة متزايدة إلى تنسيق أفضل بينها وإلى وعي أوسع ببرامجها. فالفنانون من أمريكا اللاتينية مثلاً لا يزالون ممثلين تمثيلاً ناقصاً في الملاذات الآمنة في أوروبا وأمريكا الشمالية، ما يبرز أهمية توسيع النفاذ وجهود الوصول.

وقد ثبت أن أمتن نهج للنقل المؤقت هو إطار شامل من التدخلات الطارئة، يشمل إنشاء بيوت آمنة وتأشيرات طارئة لغير المهاجرين. وتظل الجهود الجماعية لجهات الدولة والمجتمع المدني والنُهج الشاملة حاسمة. وتُستكمل هذه الإجراءات الطارئة بدعم منظّم طويل الأجل يتجاوز النقل الأولي، تقدّمه منظمات مضيفة حسنة الإعداد تدرك أن معاناة الفنانين لا تنتهي حين يصبحون في المنفى، بل تطرح تحديات جديدة. ويشمل هذا الدعم النفاذ إلى الشبكات المهنية، والتخطيط المهني، والمساعدات المالية، وخدمات الصحة النفسية، والنفاذ إلى برامج الاندماج الاجتماعي التي تخفّف الحواجز الثقافية واللغوية وتحسّن الوعي المحلي بقيمة الفنانين في مجتمعهم. وتقدّم «مبادرة الحرية الفنية»، المكرّسة لمساعدة الفنانين المعرّضين للخطر، خدمات كثيرة منها التمثيل القانوني والمساعدة في النقل والسكن وفرص العمل والزمالات. وباتت مشاركة المعلومات والتعاون وبناء التحالفات داخل القطاع الثقافي، ومع منظمات حقوق الإنسان، أهم من أي وقت مضى. وتوجد تدفقات تمويل طارئة منتظمة ومستمرة، غير أنه مقارنة بالصحفيين مثلاً، ثمة نقص في آليات الطوارئ المتينة لإجلاء الفنانين المعرّضين للخطر ونقلهم، ما يفضي إلى قصور في الدعم الفوري. ومعالجة فجوة التمويل هذه أمر حاسم في ظل تزايد المخاطر على الفنانين والحرية الفنية.

ويوضّح مثال أفغانستان والجهود المبذولة لإعادة توطين الفنانين ومهنيي التراث الثقافي اللاجئين في ألمانيا ما يمكن تحقيقه عبر الجهود التعاونية. فبعد سقوط الحكومة في أفغانستان عام 2021، كان الفنانون والعاملون في الثقافة معرّضين للخطر بوجه خاص، وباتت جهود نقلهم ملحّة. وتُعدّ برامج تأشيرات اللاجئين إحدى طرق تحقيق إعادة التوطين، وثمة بديل عنها في تأشيرة العمال الموهوبين، غير أنها تتطلب كفلاء كالمؤسسات الأكاديمية والمتاحف، وتميل إلى الأفراد الأكبر سناً. وأدّت ألمانيا دوراً مبتكراً باعتماد برنامج تأشيرات خاص، هو البرنامج الاتحادي الألماني للقبول من أفغانستان، الذي شمل العاملين في الثقافة، وأُعيد بموجبه توطين نحو 120 من الفنانين والعاملين في التراث الثقافي في ألمانيا.

ويُحدَّد الأفغان المعرّضون للخطر بوجه خاص بسبب التزامهم بحقوق الإنسان أو عملهم في مجالات العدالة أو السياسة أو الإعلام أو التعليم أو الثقافة أو الرياضة أو الأوساط الأكاديمية، وفق تقييم منظمات المجتمع المدني الألمانية عبر عملية ترشيح. وانخرط برنامج القبول الإنساني في جهود مناصرة قادتها مجموعات ومنظمات حقوق الإنسان، إذ تعتمد مناصرة «مبادرة الحرية الفنية» لإعادة توطين الأفغان بموجب هذا البرنامج على ضغط منظمات متعددة في ألمانيا على الحكومة. ويعمل معهد غوته على إنشاء «صندوق أفغانستان الثقافي» صندوقاً طويل الأجل مفتوحاً للفنانين والفرق والمنظمات والمبادرات الأفغانية في مجتمعات الشتات والمنفى، مع تشجيع النساء والوافدين الجدد على التقدم بوجه خاص.

وقد استُهدفت الفنانات والموسيقيات الأفغانيات بوجه خاص. وواصلت هؤلاء النساء تحدي القيود المفروضة عليهن، واستخدمن مساعيهن الإبداعية لإعلاء الأصوات المهمّشة، وصون الإرث الموسيقي العريق، وإدامة الجوهر الفني لأفغانستان. وتُعدّ شبكة «باراندا» فضاءً افتراضياً غير رسمي نشطاً للكاتبات الأفغانيات، بمن فيهن من أُعيد توطينهن في ألمانيا منذ عام 2021، وتدعمها مؤسسة «كي إف دبليو» ومنظمة المجتمع المدني «روايات لم تُروَ»، وتتيح للكاتبات مواصلة العمل جماعةً.

وتُجسّد سابينا هاوبت، الكاتبة وأستاذة الأدب في جامعة فريبورغ بسويسرا، كيف يمكن للمناصرة الفردية أن تُحدث فرقاً. فقوانين الهجرة السويسرية مرهقة بوجه خاص، إذ يتعيّن على طالبي التأشيرات الإنسانية إثبات أن «حياتهم وسلامتهم الجسدية معرّضتان للخطر على نحو مباشر وجسيم وملموس في بلدهم الأصلي». ولا يكفي الانتماء إلى فئة معرّضة للخطر، كالفنانين أو العاملين في الثقافة، لاستحقاق التأشيرة الإنسانية السويسرية، إذ يجب أن يكون التهديد فردياً. ومن أصل 1759 طلباً للتأشيرات الإنسانية قدّمها أفغان، لم يُقبل سوى 98 طلباً عام 2022. وعلى الرغم من انخفاض معدل القبول، ساعدت سابينا هاوبت، بمعاونة مركز القلم السويسري الألماني وكتّاب سويسريين آخرين، عشرات المثقفين والفنانين الأفغان في طلبات تأشيراتهم الإنسانية. ففي فبراير 2022، قدّم المركز طلبات تأشيرات إنسانية لثلاثة وأربعين كاتباً أفغانياً وأسرهم، انتقلوا منذ ذلك الحين بأمان إلى سويسرا. ومع أن سابينا هاوبت ليست محامية، فقد أعدّت لكل طلب ملفاً يضم الوثائق والأدلة، وسعت إلى الحصول على دعم مؤسسي من المركز. وتُبيّن هذه المبادرة الفردية الأثر الذي يمكن أن يُحدثه شخص واحد مستعد للتنظيم والمناصرة وبناء التحالفات لصالح الفئات الهشة.

ويتوقف نجاح جهود النقل إلى حد كبير على استعداد المنظمات المضيفة وانخراطها. فكثير من الفنانين يجدون صعوبة في الاندماج بسبب غياب الدعم المنظّم وقصور التوجيه، والإحساس بأنهم يُعامَلون ضيوفاً لا مهنيين متساوين. ثم إن المنظمات المضيفة تحتاج إلى خبرة في تحويل النزاعات، ولا سيما أن مجتمعات الفنانين نفسها قد تكون مستقطبة ومتنوعة. ومن الأساسي ضمان تقدير إسهامات الفنانين في مجتمعاتهم الجديدة.

ومن الأمثلة القوية على ذلك مهرجان «ليمبو» لعام 2024، وهو مشروع فني وثقافي تعاوني بين فنانين من ميانمار وتايلند أُقيم في شيانغ ماي بتايلند. وقد تصدّرته «جماعة ليمبو»، وهي مجموعة من المبدعين من البلدين، ونشأ المهرجان من حوار استمر عاماً كاملاً بين فنانين وناشطين في مجال حقوق الإنسان من البلدين، ليكون منصة لتحويل الغضب واليأس إلى مجتمع متنوع آمن يملؤه الأمل عبر الطعام والفن والثقافة والفكاهة. وعمل «صوت المرأة هو صوت الحرية» تركيب فني أبدعه الفنانان الكرديان خندة حميد ونباز صمد لصون اللغة الكردية والهوية الثقافية في مكان بعيد عن وطنهما في كردستان العراق، ويُعرض في فضاء المعارض التابع لمركز الفن والإعلام في كارلسروه بألمانيا ضمن مشروع «رفاق الدرب» الذي يجمع الفنانين والعلماء والمجتمعات والمواطنين للتعاون والتعلم بعضهم من بعض. ويركّز حميد وصمد على دور المرأة في النضال من أجل صون اللغة الكردية، وعلى الصلات البنيوية بين اضطهاد المرأة واللغة والثقافة، مبرزَين بذلك صمود المرأة الكردية.

ومع أن منظمات كثيرة تساعد في نقل الأفراد المعرّضين للخطر، فإن قلة منها تقدّم الدعم لعودتهم حين يصبح ذلك آمناً. ومن هذه المنظمات «اتجاهات» التي دعمت الفنانين السوريين في الشتات وتنقّلهم، وهي تتجه الآن إلى دعم الفنون والفنانين العائدين إلى الجمهورية العربية السورية بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.

تزايد الجهود لرصد الحرية الفنية في منظومة هشة

يظل رصد انتهاكات الحرية الفنية حاسماً للدعم الطارئ وللمناصرة والتغيير على المدى الأطول. ومن الجوانب الإيجابية تزايد الاعتراف بأن رصد انتهاكات الحرية الفنية يتطلب خبرة متخصصة ونُهجاً منهجية. وتنخرط منظمات المجتمع المدني على نحو متزايد في التوثيق المنظّم. ومن هذه المبادرات قاعدة بيانات الرقابة في جنوب شرق آسيا التابعة لمنصة «آرتس إكواتور»، التي تتتبّع الانتهاكات في أنحاء المنطقة بصورة منهجية اعتماداً على الخبرة المحلية. ومن الأمثلة الأخرى مبادرة «كواليسي سيني» في إندونيسيا التي تمكّن المجتمعات المحلية من توثيق الانتهاكات والإبلاغ عنها. ويبني مشروع «بناء الجسور»، الذي تنفّذه اليونسكو بالشراكة مع «فريميوز»، على المبادرات والتجارب القائمة لتحليل التهديدات التي تواجه الحرية الفنية، بهدف تحسين التوثيق والرصد والمناصرة المشتركة وتطويرها على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية.

غير أن التحديات التي تواجهها منظمات الرصد، ولا سيما حين تعمل في ظل أنظمة تقييدية، لا تزال غير مفهومة بالقدر الكافي، ويفاقمها الاعتماد على نماذج التمويل القائمة على المشاريع بدلاً من الدعم المستدام الطويل الأجل. وقد تناول تقرير لمنتدى العلاقات الثقافية الدولية أوجه القصور في المعرفة والبيانات والوعي بتحديات الحرية الفنية حول العالم. وبات التمويل المستدام، بما في ذلك تمويل التكاليف التشغيلية الأساسية وتكاليف الموارد البشرية، ضرورة ملحّة لضمان استمرار منظمات الرصد على المدى الطويل. وتنطبق هذه الحاجة على المنظمات المكرّسة تحديداً لرصد انتهاكات الحرية الفنية وعلى مراصد السياسات الثقافية الأوسع، كخلاصة السياسات والاتجاهات الثقافية، على السواء. والدعم المستقر حاسم للتصدي بفعالية لنقص الإبلاغ وسد الفجوات المعرفية الكبيرة، ولا سيما في البلدان ذات الأنظمة التقييدية أو الأطر القانونية الضعيفة. ويزيد تصنيف منظمات الرصد عملاءَ أجانب من تعقيد عملها. ولا بد من تعزيز التعاون المنهجي والعالمي بين منظمات الرصد.

الاستنتاجات والدروس الرئيسية

شهدت حماية الفنانين والمهنيين الثقافيين المعرّضين للخطر تقدماً محدوداً على الرغم من تزايد الالتزامات على صعيد السياسات، ومنها تدابير الدعم الطارئ التي استُحدثت خلال جائحة كوفيد 19، واعتراف إعلان موندياكولت 2022 بأهمية حماية المهنيين الثقافيين في حالات الطوارئ. فقد ازداد عدد الملاذات الآمنة، وتحسّن رصد انتهاكات الحرية الفنية، وتنامت الدعوة إلى الاعتراف بالفنانين مدافعين عن الحقوق الثقافية. غير أن تحديات كبيرة لا تزال قائمة، ولا سيما في خضم الأزمات العالمية المستمرة، وحالات النزاع المسلح، وتنامي الأنظمة الاستبدادية والديمقراطيات غير الليبرالية. وقد أدى تقليص التمويل الدولي للمشاريع الإنسانية ومشاريع حقوق الإنسان إلى تراجع الموارد المتاحة للعمليات ذات الصلة، إذ أعاد بعض المستفيدين من المنح توجيه الأموال بعيداً عن الفنون حين لا تكون محورية في ولاياتهم. ويطرح هذا الوضع تحديات أمام استمرار منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الحقوق الفنية والثقافية مستقبلاً. ومن هذه التحديات غياب التمويل المستدام ومحدودية النفاذ إلى تأشيرات الطوارئ. ومن الأساسي، لضمان دعم مستدام للمهنيين الثقافيين المعرّضين للخطر، تقوية التمويل الطويل الأجل لمنظمات المجتمع المدني العاملة في تعزيز الحريات الفنية والثقافية وحمايتها وللتدخلات الشاملة، وتوسيع الملاذات الآمنة الإقليمية، وتعزيز التعاون المنظّم بين المنظمات الثقافية ومنظمات حقوق الإنسان.

ومن النتائج الرئيسية الحاجة إلى دعم النقل وما بعده، فكما أشارت توصية اليونسكو لعام 1980 بشأن وضع الفنان، وكما لا يزال صحيحاً اليوم، تتطلب حماية الفنانين المعرّضين للخطر أو في المنفى مزيداً من الاهتمام والدعم المالي والعمل الجماعي من الحكومات والمنظمات غير الحكومية على السواء. ويمكن للاعتراف بالفنانين والعاملين في التراث الثقافي مدافعين عن حقوق الإنسان أن يساعد في هذه السبل الرامية إلى الحد من المخاطر التي يواجهونها، مع حاجة خاصة إلى تدابير مستجيبة للنوع الاجتماعي.

ويركّز هذا الفصل على أسئلة رئيسية بعينها: هل يحظى الفنانون والعاملون في التراث الثقافي بحماية كافية في ممارسة مهنهم؟ وهل يحظى التراث الثقافي بحماية كافية خلال النزاعات المسلحة والعنف والكوارث الطبيعية التي يغذّيها تغيّر المناخ؟ وهل تُبذل جهود لمنع الاتجار بالقطع الثقافية؟ ويخلص الفصل إلى أن الإطار القانوني الدولي الحالي، الوارد أساساً في اتفاقيات اليونسكو الثقافية، يوفّر إطاراً ملائماً لتحقيق هذه الأهداف. كما يتناول مدى مصادقة الدول على هذه الاتفاقيات وتنفيذها وطريقة ذلك، والخطوات الأخرى التي اتخذتها الحكومات والجهات دون الوطنية ومنظمات المجتمع المدني لتعزيز أهداف حماية الفنانين والمدافعين عن التراث الثقافي والتراث الثقافي المعرّض للخطر من النزاعات المسلحة وسائر أشكال العنف وتغيّر المناخ وتهديدات السرقة والنهب والاتجار بالقطع الثقافية. ويمكن، بل يجب، بذل المزيد وفقاً للتوصيات التالية، مع الإقرار في الوقت ذاته بأن الكثير قد أُنجز بالفعل لتحقيق هذه الأهداف.

دعم الائتلافات النشطة للمنظمات العاملة في مجال الحقوق الثقافية التي من شأنها تنسيق الجهود لحماية الحرية الفنية. ويقوم هذا الائتلاف على الاعتراف بأن الفنانين وسائر المبدعين والعاملين في التراث الثقافي ينبغي أن يحظوا بالمستويات ذاتها من الاعتراف والحماية التي يحظى بها سائر المدافعين عن حقوق الإنسان. وينبغي أن يقترن ذلك بالتزام قوي بالنُهج المستجيبة للنوع الاجتماعي لدعم الحقوق الثقافية، بما في ذلك أنشطة موجّهة مستجيبة للنوع الاجتماعي حيث تكون الفنانات والعاملات في الثقافة أشد تعرضاً للتهديد.

الاعتراف بالاحتياجات الفريدة للمدافعين عن الحقوق الثقافية ضمن إطار حقوق الإنسان، ولا سيما فيما يتعلق بخيار النقل، ووضع نموذج لأفضل الممارسات في التحضير لنقل الفنانين وسائر المدافعين عن الحقوق الثقافية عند الضرورة.

تجسيد التعاون الدولي وتبادل المعارف والاستثمار في التصدي للاتجار غير المشروع بالسلع الثقافية.

تعزيز تنفيذ الصكوك القانونية الدولية الملائمة والمصادقة عليها، ولا سيما البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي، واعتماد تشريعات وطنية فعالة لتنفيذ منظومة لاهاي لعام 1954 واتفاقية اليونسكو لعام 1970، ومواصلة التشجيع على التنفيذ الفعّال لصكوك الأمم المتحدة التي تحمي الحرية الفنية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

يتعيّن على الدول الأعضاء اعتماد وتنفيذ خطط واستراتيجيات شاملة للحد من المخاطر لمواجهة آثار جميع أشكال الكوارث الطبيعية والتأثيرات المناخية والنزاعات المسلحة وسائر أشكال العنف ضد جميع أشكال التراث. وينبغي أن تراعي هذه الاستراتيجيات مواقع مستودعات الثقافة وتحديثها إنشائياً للتخفيف من الأضرار والخسائر المحتملة الناجمة عن الكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة على السواء. ومع أنه لا يمكن تغيير مواقع التراث الثابت، يمكن التخفيف من الضرر بإبعاد الأهداف العسكرية عن المؤسسات الثقافية، والسعي إلى الحصول على وضع الحماية المعززة للمواقع والمباني والمستودعات. كما ينبغي الاعتراف بأهمية إدماج الصناعات الثقافية والإبداعية في آليات التأهب للطوارئ والاستجابة لها.

يحتاج الإطار القانوني الدولي إلى التحديث والتوجيه نحو حل مشكلة البيع الإلكتروني للممتلكات الثقافية. فهذه مشكلة متعددة الأوجه تتطلب حلولاً متعددة الأطراف وابتكاراً كبيراً في تحديد عمليات البيع الإلكتروني للممتلكات الثقافية وتتبّعها والاستجابة لها.

بناءً على الطلب الواضح على القدرات الرقمية، يوصى بإنشاء مجتمع ممارسة إقليمي يركّز على التراث الرقمي، يمكن أن تكون أفريقيا رائدته، لتعزيز التعاون وتبادل الأدوات والموارد. وينبغي لهذا المجتمع أن يعطي الأولوية لدورات التدريب وبناء القدرات، إلى جانب تشجيع تبادل الأدوات والموارد الرقمية واستكشاف فرص المشاريع المشتركة.

وفضلاً عن ذلك، ولمعالجة التحديات المحدّدة في إدماج التكنولوجيا، يلزم استثمار كبير في التدريب التقني وبناء القدرات، إلى جانب تأمين تمويل متزايد للبنية التحتية الرقمية. وينبغي أن يشمل هذا الدعم أيضاً أطر السياسات، والإرشاد وتوجيه الخبراء، وتحسين النفاذ إلى البرمجيات والمعدات الأساسية، بما يضمن نهجاً شاملاً لتمكين مهنيي التراث من الأدوات والخبرات الرقمية اللازمة.

موجز سياسات: أنجيلا مارتينز

حماية الفنانين والثقافة المعرّضين للخطر وتعزيز الصمود والسلام والاستقرار

أنجيلا مارتينز، المديرة بالإنابة للتنمية الاجتماعية والثقافة والرياضة، ورئيسة شعبة الثقافة والرياضة في مفوضية الاتحاد الأفريقي.

ليست الثقافة انعكاساً لهويتنا شعباً فحسب، بل هي أيضاً أداة قوية لبناء الإحساس بالهوية المشتركة والقيم المشتركة والتماسك الاجتماعي وثقافة السلام والفهم الجماعي داخل المجتمع. كما تؤدي دوراً رئيسياً في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والابتكار والصمود والاستقرار.

والفنانون والعاملون في الثقافة مساهمون أساسيون في التنمية المستدامة وفي النسيج الاجتماعي والاقتصادي لمجتمعاتنا. فمواهبهم وإبداعهم ومهاراتهم التقنية والشخصية تمكّنهم من التعبير عن أنفسهم، وإيصال الأفكار، ومخاطبة المجتمع عبر مختلف التخصصات الفنية والممارسات الثقافية. غير أن الفنانين، والقطاع الثقافي عموماً، قد يكونون أحياناً عرضة للخطر بفعل عوامل متعددة، منها هشاشة ظروف العمل، ومحدودية النفاذ إلى الموارد المالية، ونقص التنوع والشمول، واحتمال الرقابة أو تقييد حرية التعبير. ثم إن عدم إعطاء القطاع الأولوية في تخصيص الموارد على مختلف المستويات قد يطرح بدوره تحديات أمام تحقيق كامل إمكاناته.

ومن الأمثلة الواضحة على عناصر الثقافة المعرّضة للخطر بعض لغات العالم المهددة بالانقراض والضياع بفعل عوامل عدة، منها سياسات الاستيعاب، ونزع ملكية الأراضي، والقوانين والأفعال التمييزية، والاستعمار، والسياسات الحكومية.

ومن الأمثلة الأخرى سلب الأصول الثقافية ونهبها في أوقات النزاع، وفي الماضي خلال الحقب الاستعمارية. ويُعدّ رد هذه الموارد التراثية أمراً ملحاً لصالح مجتمعاتها، ولتمكين نقل تاريخ الشعوب وتراثها الغني وثقافتها إلى الأجيال القادمة.

ويقع على عاتقنا، صانعي سياسات وخبراء ثقافيين مستقلين وحكومات، وفي نهاية المطاف على الفنانين والعاملين في الثقافة أنفسهم، أن نعزّز الصمود للحد من أثر المخاطر في القطاع، عبر تهيئة بيئة مثلى ينمو فيها الإبداع والعمل الفني ويزدهران ويحظيان بالحماية، وتعزيز صون لغاتنا وتراثنا. وينبغي تعزيز الصمود على نحو استباقي وتفاعلي معاً، وأن يكون عملية مستمرة من بناء القدرات والتكيّف مع التغيير.

ويمكن لإدراج الثقافة والفنون في المخططات الرئيسية وأطر التنمية الدولية أن يدعم قضيتنا بقوة في حماية ثقافاتنا وفنانينا. وينبغي أن تكون نقطة انطلاقنا الدعوة إلى تعزيز المصادقة على الصكوك الدولية الرئيسية في هذا المجال وإدماجها في التشريعات الوطنية وتنفيذها.

وفيما يلي عناصر رئيسية يمكن أن تدعم هذه القضية المهمة أيضاً:

أولاً: تحسين المشهد العالمي للسياسات في مجال حماية الفنانين والثقافة وتنفيذه على مختلف المستويات.

ثانياً: الدعوة إلى هدف مستقل للثقافة في خطة التنمية العالمية لما بعد عام 2030، بما يعزّز الإبلاغ عن قضايا الثقافة ويسهم في إعطائها الأولوية وإبرازها.

ثالثاً: تقوية المناصرة من أجل المصادقة على الصكوك الدولية وتنفيذها، ومنها توصية اليونسكو لعام 1980 بشأن وضع الفنان، واتفاقية عام 1970 بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، واتفاقية عام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي.

رابعاً: التشجيع على تنمية جميع القيم الدينامية للتراث الثقافي التي تعزّز حقوق الإنسان والتماسك الاجتماعي والتنمية البشرية.

الخاتمة: إدماج الثقافة هدفاً مستقلاً للتنمية المستدامة والسلام والأمن

زخم عالمي متنامٍ للاعتراف بالثقافة

شهد الفهم العالمي للتنمية تحولات عميقة على مدى العقود الخمسة الماضية، وهي تحولات جعلت دور الثقافة محط اهتمام متزايد. فقد أثّر مفهوم التنمية المستدامة المتنامي، الذي عرّفته الأمم المتحدة عام 1987 بأنه التنمية التي «تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها»، تأثيراً عميقاً في النظرية والممارسة على السواء. وعزّز ذلك المنعطف الثقافي في ثمانينيات القرن الماضي، الذي أكد حقيقة جوهرية مفادها أن سياسات التنمية وبرامجها كثيراً ما تخفق حين تتجاهل الثقافات المحلية ونظم المعرفة والقيم لدى الناس الذين تسعى إلى خدمتهم.

ومن مؤتمر اليونسكو الحكومي الدولي الأول بشأن السياسات الثقافية في البندقية عام 1970، إلى مؤتمر موندياكولت التاريخي عام 1982 في مكسيكو، مروراً بالعقد العالمي للتنمية الثقافية الممتد من 1988 إلى 1997، تأكّد مراراً الدور التأسيسي للثقافة في تشكيل التنمية البشرية. ومع ذلك، ومع تطور المشهد العالمي للسياسات بمرور الوقت، وما حمله من أزمات وتعقيدات جديدة، برز توافق عالمي متزايد على أن نماذج التنمية السائدة، التي كثيراً ما تغفل الأبعاد الثقافية، قد رسّخت أوجه عدم المساواة، ومنها عدم المساواة بين الجنسين، وعرّضت الكوكب للخطر.

وفي ظل هذه الخلفية، برز زخم جديد يعترف بأن الثقافة ليست مجرد قطاع من قطاعات المجتمع، بل منظومة للمعنى والانتماء والإبداع والرعاية. فالثقافة تمكّن من تعددية أطراف متنوعة، وتبث الحيوية في عمل مناخي مراعٍ للسياق، وتدعم تحولاً رقمياً تمثيلياً، وتسهم في المساواة بين الجنسين والنمو الاقتصادي الشامل. ولم يعد إدماجها في التنمية المستدامة تطلعاً مفاهيمياً، بل صار ضرورة عملية.

وفي السنوات الأخيرة، جرى التعبير عن هذا الاعتراف بمزيد من الوضوح والإلحاح. ففي عام 2022، وبعد أربعين عاماً من مؤتمر موندياكولت الأصلي، اجتمع مندوبون من 150 دولة عضواً مجدداً في مكسيكو لاعتماد إعلان جديد جريء يؤكد الثقافة منفعةً عامة عالمية، ويدعو إلى إدراجها هدفاً محدداً في أطر التنمية المستقبلية. وحدّد إعلان موندياكولت 2022 ستة مجالات ذات أولوية للعمل، وشكّل نقطة تحول تاريخية، إذ أقرّ بالطرق المتعددة التي تسهم بها الثقافة في مواجهة أشد تحديات العالم إلحاحاً، من تغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي إلى النزاعات المسلحة وأنماط التنمية غير المستدامة. وفضلاً عن ذلك، أكدت ثغرات التنفيذ التي كشفت عنها خطة عام 2030 الحاجة الملحّة إلى نُهج أكثر شمولاً وتوطيناً وقائمة على الحقوق، وهي مجالات تستطيع الثقافة أن تقدّم فيها إسهامات فريدة ومؤثرة.

وقد تسارع هذا الزخم منذ ذلك الحين في أرجاء المشهد المتعدد الأطراف. ففي عام 2023، دعا إعلان قادة مجموعة العشرين في نيودلهي إلى الاعتراف الكامل بالثقافة وحمايتها بوصفها «محركاً تحويلياً وعاملاً تمكينياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة»، وحثّ صراحة على إدراجها هدفاً مستقلاً في مناقشات ما بعد عام 2030. وفي العام التالي، ردّد وزراء الثقافة في مجموعة السبع هذه الدعوة، مؤكدين دور الثقافة والاقتصاد الإبداعي في بناء سياسات تنموية شاملة ومتطلعة إلى المستقبل. وعلى مستوى الأمم المتحدة، أعاد اعتماد ميثاق المستقبل عام 2024 تأكيد هذا التحول، فمع أنه لم يصل إلى حد تسمية الثقافة هدفاً مستقلاً، أقرّ بأن الثقافة والرياضة جزء لا يتجزأ من التنمية المستدامة، وألزم الدول الأعضاء بإدماج الثقافة في الاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وبالمثل، ارتقت الأطر الإقليمية بالثقافة بوصفها قوة تحويلية، من أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 والأجندة الثقافية لجماعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي إلى خطة العمل الأوروبية للثقافة.

واستجابت الحكومات الوطنية والمحلية بإدماج الثقافة في استراتيجيات المناخ وخطط التعافي بعد كوفيد 19 وسياسات المساواة بين الجنسين ومبادرات الإدماج الاجتماعي. وتقيس حكومات كثيرة اليوم إسهام الصناعات الثقافية والإبداعية في الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف والرفاه. ويلتف المجتمع المدني وقادة الشعوب الأصلية والفنانون وشبكات الشباب والمجتمعات المحلية حول مطلب مشترك: أن تكون الثقافة مرئية ومقدّرة ومدعومة هيكلياً، لا بوصفها عاملاً تمكينياً للتنمية فحسب، بل أساساً لازدهار الإنسان. وقد عزّزت منصات جديدة للحوار في مجال السياسات وتبادل المعارف، منها آليات التعاون بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي، الابتكارَ والتضامن بين الدول ذات المنظومات الثقافية المتنوعة.

وكما يُبيّن هذا التقرير العالمي، تُفعَّل الثقافة على نحو متزايد في السياسات العامة، من التجديد الحضري إلى التعافي بعد الكوارث، ومن منع النزاعات إلى النفاذ الرقمي والحقوق الثقافية. غير أن السقالات اللازمة لإدامة هذا العمل لا تزال هشة، إذ لم تواكب الآليات المؤسسية ونظم التمويل والأطر التنظيمية الواقع على الأرض. وتواجه الثقافة كذلك تحدياً في البيانات، فمع التقدم الكبير المحرز في السنوات الأخيرة في رفع جودة البيانات الثقافية واتساقها، وكثير منها معروض في هذا التقرير، لا تزال الحاجة ملحّة إلى تطوير نهج جمع البيانات، ومن ثم صنع السياسات القائم على الأدلة. ويمثّل ذلك تحدياً خاصاً في الدول الأعضاء ذات الموارد المحدودة والخبرة المحدودة في جمع البيانات الثقافية. وستفضي البيانات الأفضل إلى أدوات سياساتية معززة، وستكون حيوية لإطلاق التمويل العام والخاص للثقافة. وفضلاً عن ذلك، ثمة حاجة ملحّة إلى إدماج المساواة بين الجنسين بصورة منهجية في السياسات الثقافية وتنفيذها، وهو أمر حاسم لدفع التحول المجتمعي، ولضمان أن تتمكن الفتيات من الإبداع والمشاركة الكاملة في الحياة الثقافية، عبر حماية سلامتهن وسبل عيشهن ورفاههن النفسي والاجتماعي، ومنحهن فرصاً متكافئة تشمل النفاذ إلى مواقع القيادة الثقافية.

ويشير التقاء الإرادة السياسية والقيادة المجتمعية والرؤى المستندة إلى البيانات حالياً إلى منعطف حاسم. فالاعتراف بالثقافة محركاً وعاملاً تمكينياً للتنمية والمساواة لم يعد نظرياً، بل يجري تفعيله في السياسات العامة واستراتيجيات التمويل حول العالم، وإن كان ذلك على نحو متفاوت وكثيراً ما يفتقر إلى الدعم المؤسسي الكافي.

ولم يعد السؤال هو ما إذا كانت الثقافة تنتمي إلى التنمية المستدامة، بل كيف يمكن الاعتراف بها وقياسها وتوفير الموارد لها بوصفها ركيزة من ركائز الخطة العالمية المقبلة. وكما ستحاجّ هذه الخاتمة، وحده الهدف المستقل قادر على توفير الوضوح والاتساق والطموح التي يحتاج إليها المجال الثقافي على نحو ملحّ.

نسج الثقافة في نسيج السياسات

ينعكس هذا الاعتراف المتطور أيضاً في تزايد إدماج الثقافة في طائفة من مجالات السياسات. فعلى مستوى الأمم المتحدة، اعتُرف بالثقافة شرطاً مسبقاً أساسياً للسلام والأمن، كما يتجلى في «خطة جديدة للسلام» التي قدّمها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في يوليو 2023، وفي قرارات مجلس حقوق الإنسان. وعلى المستويين المحلي والوطني، تُدرج هيئات عامة من خارج القطاع الثقافي الثقافةَ في التخطيط والتنفيذ والتشريع، مردّدةً رؤية اليونسكو للسلام: «لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام».

غير أن هذا الإدماج كثيراً ما يظل مجزّأً. فكثير من التدخلات والسياسات يركّز على جوانب محددة من الصناعات الثقافية والإبداعية، كحماية الممتلكات الثقافية أو صون التراث الثقافي غير المادي، بدلاً من تناول الصناعات الثقافية والإبداعية في مجملها. ثم إن عمق إدماج الثقافة في استراتيجيات التنمية الأوسع ونطاقه يتفاوتان تفاوتاً كبيراً بحسب مجال السياسة والسياق الإقليمي ومستوى التنمية الاقتصادية.

فمثلاً، مع التقدم الملحوظ على المستوى الوطني في ربط الثقافة والتراث والحماية الثقافية بدعم جهود المصالحة بعد النزاعات، بما يبرز دور الثقافة في تعزيز التماسك الاجتماعي، يقل نسبياً التركيز على ربط الثقافة بخطط العمل المناخي. وتؤثر الفوارق الاقتصادية كذلك في حجم المبادرات القائمة على الثقافة وتنفيذها، إذ أفادت 90% من الدول الأعضاء المرتفعة الدخل بتنفيذ مبادرات تجديد تقودها الصناعات الثقافية على المستويات الإقليمية أو الحضرية أو الريفية خلال السنوات الأربع الماضية، مقابل 69% فقط من الدول الأعضاء المنخفضة الدخل.

ويتزايد كذلك الاعتراف بالدور الاستراتيجي للثقافة في خطط التنمية المستدامة الوطنية، إذ تعترف 93% من الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير، البالغ مجموعها 111 دولة، بالثقافة عنصراً رئيسياً في استراتيجياتها التنموية. غير أن عدداً أقل من الدول الأعضاء يعترف بالإسهامات الأكثر تحديداً للصناعات الثقافية والإبداعية بنسبة 80%، وللإبداع والابتكار بنسبة 77%، ما يدل على فجوة بين الاعتراف العام بالثقافة وإدماجها العملي في السياسات القطاعية. وثمة أيضاً فروق دقيقة واختلافات ملحوظة في كيفية ترتيب أولويات جوانب الثقافة المختلفة. ففي مجال التراث مثلاً، يُعدّ هدف «حماية التنوع البيولوجي والثقافي وتوفير خدمات النظم الإيكولوجية ومنافعها» العنصر الاستراتيجي الأوسع إدماجاً في الخطط الوطنية، في حين أن «حماية التراث خلال النزاعات» و«الإسهام في التعافي بعد النزاعات» هما الأقل إدماجاً، ما يكشف عن ثغرات في اهتمام السياسات بدور الثقافة في الاستجابة للأزمات وبناء السلام.

ومع أن غالبية الدول الأعضاء تعترف بأهمية التراث الثقافي غير المادي في التدخلات الإنمائية، بنسبة 88% في الشمال العالمي و87% في الجنوب العالمي، فإن هذا الاعتراف لا يمتد باتساق إلى استراتيجيات التعاون الإنمائي. إذ لا تفيد سوى 58% من الدول الأعضاء في الجنوب العالمي و46% في الشمال العالمي بأن استراتيجياتها للتعاون الإنمائي تعترف بالدور الاستراتيجي للإبداع وتنوع أشكال التعبير الثقافي. وتؤكد هذه الفجوة المستمرة اتجاهاً أوسع: فمع أن الثقافة تحظى بتقدير واسع في خطاب التنمية، تظل ممثلة تمثيلاً ناقصاً في استراتيجيات التعاون الإنمائي وفي أطر تمويل المساعدة الإنمائية الرسمية.

الثقافة: القطعة المفقودة

تستند الحجة الداعية إلى هدف مستقل للثقافة إلى المبدأ والضرورة معاً. فالعالم يجتاز حقبة من عدم اليقين العميق: أزمة بيئية، وتحول رقمي، ونزاعات، وتفاقم عدم المساواة، وتآكل الثقة في المؤسسات. وفي هذا السياق، تقدّم الثقافة أدوات عبر الذاكرة والابتكار، والهوية والحوار، والاستمرارية والخيال، فهي تُعدّ المجتمعات لا لتحمّل التغيير فحسب، بل لتشكيله أيضاً.

وكما بيّن هذا التقرير في مختلف أجزائه، يحقق الإدماج الكامل للثقافة في ممارسات التنمية المستدامة وسياساتها منافع كبيرة. فهو يعزّز الحوكمة المتنوعة ثقافياً والشاملة، ويحسّن توطين التنمية عبر قيم ونظم معرفية خاصة بالسياق، ويعزّز التعايش السلمي بتقوية التفاهم المتبادل والمساواة بين الجنسين والتماسك الاجتماعي. كما تتيح الثقافة نهجاً للتنمية قائماً على الحقوق عبر النهوض بالحقوق الثقافية وحقوق الإنسان، ومعالجة الفوارق كأوجه عدم المساواة بين الجنسين، وتمكين المجتمعات من تشكيل مستقبلها.

وقد كشفت جائحة كوفيد 19 عن مواطن ضعف القطاع الثقافي. فقد أُغلقت الأماكن الثقافية، وضاعت سبل العيش، وتعطّل نقل التراث الحي. وتبيّن أن الدعم الطارئ، على حيويته، كان متفاوتاً وقصير الأمد. وأوضحت الأزمة ما كان كثيرون يعرفونه أصلاً: الثقافة حيوية لكنها هشة، ومن دون أطر سياسات طويلة الأجل، تتعرض إسهاماتها لخطر التجاهل أو الضياع.

وفي الوقت ذاته، أظهرت الأزمة دور الثقافة في الصمود. فقد لجأ الناس إلى الموسيقى والقصص والمحتوى الثقافي الرقمي بحثاً عن المعنى والتواصل، وأتاح الفنانون فضاءً للحداد الجماعي والأمل والنقد، واعتمدت المجتمعات على المعارف التقليدية للتكيّف مع التحديات الجديدة. واستطاعت الثقافة أن تدعم المجتمع لا بوصفها أمراً ثانوياً، بل بوصفها بنية تحتية.

غير أن ضغوطاً جديدة تستدعي اليوم استجابات جديدة. فتغيّر المناخ والنزوح والاحتكارات الرقمية وتقلّص الفضاء المدني تؤثر تأثيراً غير متناسب في النساء والفتيات، كما تهدد الحقوق وأشكال التعبير الثقافية، ولا سيما لدى الشعوب الأصلية والشباب والمجتمعات المهمّشة. ومن دون التزام عالمي منسّق، قد تؤدي هذه التهديدات إلى مزيد من ترسيخ عدم المساواة والخسارة الثقافية.

الإطار 9: الفن للجميع، توصيات لوضع المساواة بين الجنسين في صميم السياسات الثقافية للغد

أولاً: إدماج المساواة بين الجنسين في السياسات الثقافية لدفع التحول المجتمعي، وتصميم سياسات ثقافية تمكّن النساء والفتيات من الإبداع والمشاركة الكاملة في الحياة الثقافية. ويبدأ ذلك بتحليل الحواجز والتحديات النظامية التي يواجهنها، وبحث نفاذهن إلى فرص التمويل والموارد، وإلى الشبكات والمنصات المتاحة للتعبير الفني، وإلى المواقع القيادية ومواقع صنع القرار، وإلى الحماية بالضمان الاجتماعي وظروف العمل اللائق، وإلى المهارات الرقمية ومهارات ريادة الأعمال.

ثانياً: الاستثمار في جمع بيانات متين، ووضع إطار رصد يربط المساواة بين الجنسين بنتائج السياسات الثقافية. وينبغي لهذا النظام أن يضمن بيانات متسقة وقابلة للتحقق ومصنّفة بحسب الجنس لتوجيه قرارات السياسات، ومؤشرات قابلة للقياس لتتبّع التقدم، بما يوجّه تصميم مبادرات مؤثرة للمساواة بين الجنسين في القطاع الثقافي وتنفيذها ورصدها.

ثالثاً: حماية الفنانات والمهنيات الثقافيات المعرّضات للخطر في حالات الطوارئ وتعزيزهن، عبر دعم سلامتهن وسبل عيشهن ورفاههن النفسي والاجتماعي وقدرتهن على الإبداع، ولا سيما عبر آليات التضامن وتدابير النقل لهن ولمعاليهن عند الضرورة. وتقديم الدعم لاستمرار أشكال تعبيرهن الثقافي في حالات الطوارئ، اعترافاً بالدور الذي تؤديه الثقافة والفنون في صمود المجتمعات. وإنشاء ممرات آمنة لعرض أعمالهن وبيعها دولياً، وتقديم منح لدعم مساعيهن الإبداعية في المنفى. ولا غنى عن شبكات دعم قوية على جميع المستويات، إلى جانب تدريب المنظمات على مراعاة النوع الاجتماعي والتعامل مع الصدمات حتى تحسن دعم الفنانات.

رابعاً: وضع برامج شاملة لدعم انتقال النساء إلى مواقع القيادة الثقافية، ولا سيما في الوظائف الإبداعية وفي القطاع الثقافي حيث يكنّ ممثلات تمثيلاً ناقصاً، عبر توفير فرص التقدم المهني، وربط المواهب الناشئة بالقادة الراسخين والقدوات، وتوسيع فرص التمويل، والاعتراف بدورهن الأساسي في الاقتصاد الإبداعي العالمي.

خامساً: تعزيز إبراز مواهب النساء وإسهاماتهن في القطاع الثقافي عبر الجوائز والمعارض والمنصات التي تعترف بمواهبهن الإبداعية وابتكاراتهن، بما يساعد على تغيير السردية المتعلقة بدور المرأة في صون التراث والإسهام في تنمية الصناعات الثقافية والإبداعية واستعادتها. وهذا أمر حيوي لتعزيز التمثيل المتنوع في السرديات الفنية، بما في ذلك في الفضاءات العامة والمجال الرقمي، وتنويع مجموعات المتاحف وتاريخ الفن.

سادساً: تسخير الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لإيجاد مسارات مبتكرة تمكّن صانعات المحتوى من إنتاج أعمالهن الفنية وتوزيعها، مع ضمان الأجر العادل وحماية حقوق الملكية الفكرية، ومكافحة التحرش الإلكتروني والتحيز الجنساني في الذكاء الاصطناعي بفعالية عبر مجموعات بيانات وفرق تطوير متنوعة، ولا سيما في حالات الطوارئ حيث تكون حقوقهن وحرياتهن الرقمية أكثر عرضة للخطر.

سابعاً: توفير بنية تحتية ومرافق آمنة وملائمة للنساء والفتيات داخل فضاءات العرض الثقافي والفني وأماكنه، مع ضمان مساحات وبروتوكولات مخصصة للمبدعات والمؤديات.

ثامناً: تعزيز السلامة والرفاه في القطاع الثقافي، وتطبيق سياسات وتدابير عدم التسامح المطلق للقضاء على التحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي والإساءة داخل المنظمات وأماكن العمل الثقافية والإبداعية، بما في ذلك في البيئة الرقمية.

تاسعاً: الإقرار بالصناعات الثقافية والإبداعية شريكاً والعمل معها للقضاء على نشر الصور النمطية والأفعال والصور العنيفة التي تضر بالنساء والفتيات، وإدخال مناهج التربية الإعلامية في مناهج التعليم الفني والثقافي لتزويد الفتيات والفتيان بأدوات التفكير النقدي اللازمة لفك رموز الصور والرسائل السلبية عن المرأة التي قد ينقلها المحتوى الثقافي.

وتتطلب معالجة هذه التحديات كذلك نظماً أقوى للبيانات وآليات للمساءلة. فكما أبرز مؤلفو هذا التقرير، وأعاد تأكيده أكثر من 50 خبيراً في ورشة عمل اليونسكو بشأن إعادة التفكير في القياس الثقافي التي عُقدت في أبريل 2025 بالتعاون مع معهد اليونسكو للإحصاء ودائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، لا تزال الثقافة تُعرَّف على نحو غير متسق، وتُقاس قياساً ضعيفاً، وتُمثَّل تمثيلاً ناقصاً في مؤشرات التنمية. ومن شأن هدف مستقل أن يحفّز الاستثمار في دراسات الأثر الطولية والمؤشرات ذات الصلة الثقافية، بما يتيح بيئة سياسات أكثر استناداً إلى الأدلة وأكثر إنصافاً.

وفضلاً عن ذلك، سيكون الهدف المستقل رافعة للعمل الوطني والدولي المنسّق. إذ سيضمن إدماج الأبعاد الثقافية إدماجاً ذا معنى في القطاعات الرئيسية، كالتعليم والبيئة والاقتصاد، عبر تعزيز المواءمة والالتزام بين الوزارات. كما سيعزّز الحوار والتعاون الحكوميين الدوليين، مهيئاً فضاءً للاستراتيجيات المشتركة والاستثمار المشترك. والأهم أنه سيحفّز الإدماج المنهجي للثقافة في مجالات السياسات الأوسع، كالحد من مخاطر الكوارث والتنمية الحضرية وبناء السلام والتكيّف مع المناخ، وهي مجالات لا تزال إمكانات الثقافة فيها غير مستغلة إلى حد بعيد رغم الحاجة الملحّة إليها.

والأهم من ذلك أن الهدف المستقل لن يعزل الثقافة، بل سيرسّخ أهميتها الشاملة لمختلف المجالات. فبتحديد أهداف ومؤشرات مشتركة، سيعزّز التعاون بين القطاعات ويرتقي بالأبعاد الثقافية عبر الأهداف الأخرى. وهذا ليس تكراراً، بل التزام استراتيجي بالاتساق والوضوح والشمول.

وكما يُبيّن هذا التقرير، حين تُعطى الثقافة الأولوية تصبح المجتمعات أكثر شمولاً وصموداً واستدامة وإنسانية. لكن هذه الآثار ستظل جزئية، وكثيراً ما تكون غير مرئية، من دون الإرادة السياسية والظهور المؤسسي والاستثمار الطويل الأجل التي لا يوفّرها إلا التزام عالمي مخصص.

والهدف المستقل للثقافة ليس لفتة رمزية، بل ضرورة عملية للعالم الذي يجب أن نبنيه معاً.

الثقافة: هدف جدير بذاته

تجمع فصول هذا التقرير العالمي كافة، من الحقوق الثقافية إلى التحول الرقمي، ومن الاقتصادات المستدامة إلى صون التراث، رسالة موحّدة: الثقافة تقود التنمية المستدامة بالفعل، وما ينقص هو إطار موحّد ومرئي ومزوّد بالموارد الكافية لدعم هذا الزخم على نطاق واسع.

ومن شأن هدف مستقل أن يسد هذه الفجوة بإيجاد الاتساق حيث يسود التجزؤ حالياً، والظهور حيث يقتصر الأمر على اعتراف جزئي، والاستثمار حيث يسود نقص التمويل. ويجمع هذا القسم النتائج والبيانات الرئيسية الواردة في الفصول المواضيعية الستة وفي التقرير التحليلي الموحّد، مقدّماً مسوّغاً شاملاً للارتقاء بالثقافة إلى أولوية إنمائية على قدم المساواة مع الصحة والتعليم والبيئة.

النهوض بالمشاركة الشاملة والمنصفة في الحياة الثقافية

يُبيّن الفصل الأول من هذا التقرير أن الحقوق الثقافية، كالحق في المشاركة في الحياة الثقافية والتعبير عن الهوية والنفاذ إلى التراث، أساسية لبناء مجتمعات شاملة وصامدة. وهذه الحقوق ليست مُثُلاً مجردة، بل عوامل تمكين أساسية للتماسك الاجتماعي والفاعلية الفردية والرفاه الجماعي. ومع ذلك، ورغم الاعتراف الدولي المتزايد، لا تزال مجتمعات كثيرة تواجه حواجز كبيرة أمام ممارسة حقوقها الثقافية. فالنزوح والتمييز وغياب الاعتراف القانوني أو الإنفاذ لا تزال تحديات مستمرة، ولا سيما للفئات المهمّشة والشعوب الأصلية والممارسين الثقافيين. وتُبرز النتائج المعروضة في هذا الفصل الفجوة المستمرة بين الالتزامات المعيارية والواقع العملي.

ومع ذلك، فالتقدم واضح: إذ يتزايد الاعتراف بحقوق المهنيين الثقافيين، مع تركيز متزايد على اعتبارات النوع الاجتماعي والتنوع في السياسات الثقافية. كما تتخذ الدول الأعضاء إجراءات أقوى لمنع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية ودعم ردها وإعادتها إلى أوطانها. ومن المشجع أن مزيداً من الحكومات يضع صكوكاً قانونية لدعم وضع الفنان، اعترافاً بالإسهامات الحيوية للفنانين والعاملين في الثقافة في المجتمع.

غير أن هذه الجهود ليست كافية. فالحماية القانونية للفاعلين الثقافيين لا تزال متفاوتة، والنفاذ إلى الثقافة لا يزال بعيداً عن الإنصاف، ولا سيما لمجتمعات الشعوب الأصلية والنساء والفئات التي تواجه إقصاءً هيكلياً. وحيثما توجد أطر للحقوق الثقافية، كثيراً ما يكون الإنفاذ ضعيفاً، ولا سيما في البيئات الحساسة سياسياً أو المحدودة الموارد.

ومن شأن هدف مستقل للثقافة في خطة التنمية لما بعد عام 2030 أن يكون رافعة حاسمة لمعالجة أوجه القصور هذه. إذ سيوفّر إطاراً واضحاً وقابلاً للقياس لدعم وضع الحماية القانونية التي تصون الحقوق الثقافية وإنفاذها، بما فيها تلك التي تؤكد وضع الفنان وتصون المشاركة الثقافية. كما سيؤكد هذا الهدف الحق في الثقافة حقاً عالمياً من حقوق الإنسان، ينطبق في جميع السياقات الاجتماعية والاقتصادية والجنسانية والجغرافية.

وفضلاً عن ذلك، وبوضع مؤشرات وغايات مشتركة، سيعزّز الهدف المستقل الرصد والمساءلة، بما يساعد على ضمان ترجمة الالتزامات إلى أفعال، وعلى ألا يقتصر الأمر على الاعتراف بالحقوق الثقافية بل يتعداه إلى إعمالها. وبذلك سيزوّد الحكومات بالأدوات والحوافز اللازمة لسد الفجوة بين المبدأ والممارسة، ولضمان أن تظل الثقافة حجر الزاوية في تنمية شاملة قائمة على الحقوق.

تسخير التقنيات الرقمية للحد من أوجه عدم المساواة وتحفيز الابتكار

يعيد التحول الرقمي تشكيل المنظومة الثقافية بأكملها، مغيّراً جذرياً طريقة إبداع الثقافة والنفاذ إليها وتقديرها وحوكمتها. وكما يُبيّن الفصل الثاني، يتيح التحول الرقمي فرصاً عميقة ويطرح مخاطر معقدة في آن واحد للصناعات الثقافية والإبداعية.

فمن جهة، ساعدت التقنيات الرقمية على إشاعة النفاذ إلى الثقافة، ووسّعت الأسواق الإبداعية، وأدخلت أدوات مبتكرة لصون التراث الثقافي ونشره. ويُستخدم الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد في توثيق التراث وتحليل البيانات وتوليد المحتوى الإبداعي. وتستثمر حكومات كثيرة في المنصات والبنية التحتية الرقمية، وبدأ بعضها في وضع مبادئ توجيهية أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في السياقات الثقافية.

ومن جهة أخرى، تقترن هذه التطورات بتحديات كبرى. فقد فاقم التوسع السريع للثقافة الرقمية الفجوة الرقمية، ولا سيما في الجنوب العالمي، حيث لا يزال كثير من الفنانين والمؤسسات والمجتمعات يفتقرون إلى الأدوات والتدريب والبنية التحتية الرقمية الأساسية. وفي سياقات كثيرة، يواجه العاملون في الثقافة حواجز في النفاذ إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، ويحظون بحماية ناقصة فيما يخص الحقوق الرقمية والملكية الفكرية وخصوصية البيانات. وتعزّز هيمنة عدد قليل من المنصات العالمية أوجه اللاتماثل في ظهور المحتوى وتحقيق الدخل منه، ما يهمّش أشكال التعبير الثقافي باللغات غير المهيمنة ويحدّ من تنوع الأصوات الممثلة على الإنترنت.

ومع أن بعض الدول الأعضاء في اليونسكو اعتمدت استراتيجيات رقمية وطنية للثقافة، فإن قلة من الدول الأعضاء تفيد بوجود أي سياسات أو برامج أو خطط تمويل تلبي احتياجات الفنانين العاملين بالذكاء الاصطناعي. ويهدد غياب سياسة رقمية هيكلية، ولا سيما في الجنوب العالمي، بترسيخ أوجه عدم المساواة القائمة والحد من الإمكانات الكاملة للتحول الرقمي في المجال الثقافي.

ومن شأن هدف مستقل أن يساعد على معالجة أوجه اللاتماثل هذه بتوفير إطار حيوي لتوجيه التحول الرقمي في الصناعات الثقافية والإبداعية وتيسيره ورصده، بهدف ضمان الحقوق الرقمية والنفاذ والشمول في المجال الثقافي كله.

ويمكن لهذا الهدف أن يدعم النفاذ المنصف والشامل إلى المنصات الرقمية والمحتوى الثقافي، بما يساعد على مواجهة مخاطر التجانس الثقافي وإقصاء نظم المعرفة المحلية ومعارف الشعوب الأصلية. كما سيدعم حوكمة شفافة وعادلة للمنظومات الثقافية الرقمية، ترتكز على مبادئ حقوق الإنسان والابتكار الأخلاقي والنفاذ المنصف.

والأهم أن هذا الهدف سيتيح إعادة التفكير في البيانات الثقافية بوصفها منفعة عامة، مع الدعوة إلى إعادة توزيع عادلة للقيمة الاقتصادية والمعرفية والثقافية المستمدة من الإنتاج والاستخدام الثقافيين الرقميين. وبذلك سيسهم في بناء مستقبل رقمي أكثر شمولاً وعدلاً، لا يُحمى فيه التنوع الثقافي فحسب، بل يزدهر.

تعزيز التعليم الثقافي والفني

يُبرز الفصل الثالث الدور الحيوي للتعليم القائم على الثقافة ونقل المعارف بين الأجيال في بناء مجتمعات صامدة وشاملة. ويصدق ذلك بوجه خاص على مجتمعات الشعوب الأصلية والمجتمعات الريفية، حيث ترتبط الهوية الثقافية والمعارف التقليدية وتماسك المجتمع ارتباطاً وثيقاً. غير أن نظم التعليم النظامي حول العالم لا تزال تمثّل المعارف الثقافية المحلية والتقاليد الشفهية والتعلم باللغة الأم تمثيلاً ناقصاً أو تقصيها، مفوّتةً فرصة حاسمة لتقوية الهوية وتعزيز بيئات تعلم أكثر إنصافاً وشمولاً.

وكما يُبيّن الفصل الثالث، تتوقع بلدان كثيرة على نحو متزايد أن يعزّز إدماج الثقافة في التعليم والتخطيط الإنمائي التماسك الاجتماعي ويقوّي الهوية الجماعية. لكن هذه النتائج تتطلب أطر سياسات مقصودة واستثماراً مستداماً، ومن دونها تظل نظم المعرفة الثقافية مبخوسة القيمة وناقصة التمويل ومعرّضة لخطر الضياع، ولا سيما في المجتمعات المهمّشة والنائية.

ويشير الفصل الثالث إلى تقدم مشجع في مجالات عدة. فمزيد من البلدان يستحدث سياسات تعزّز التعليم الفني ضمن المناهج الوطنية، وثمة تقارب متزايد بين التخصصات الفنية وتعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. كما تتوسع الشبكات التعاونية التي تربط المؤسسات الثقافية والتعليمية، وتساعد الاستثمارات الجديدة في البنية التحتية الثقافية، كالمراكز الإبداعية ومراكز الفنون، على ترسيخ التعلم الثقافي على مستوى المجتمع.

ومع ذلك، لا تزال تحديات مهمة قائمة. فالتعليم الفني والثقافي لا يزال يتلقى تمويلاً محدوداً مقارنة بالتخصصات الأخرى، والنفاذ إلى هذه الفرص لا يزال شديد التفاوت بين المناطق والفئات الاجتماعية والاقتصادية، وكثيراً ما تكون الكفاءات الثقافية مدمجة إدماجاً ضعيفاً في سياسات التعليم الأوسع. وتبرز هذه الفجوات بوجه خاص في المدارس ونظم التعليم الناقصة الموارد، حيث يظل النفاذ إلى الفنون والتراث والتعلم الإبداعي بعيداً عن أن يكون مضموناً.

ومن شأن هدف مستقل للثقافة في خطة التنمية لما بعد عام 2030 أن يوفّر إطاراً تشتد الحاجة إليه لإدماج البعد الثقافي بصورة منهجية في سياسات التعليم وممارساته. إذ يمكن أن يساعد على الارتقاء بالتعليم بين الثقافات، ودعم إدراج محو الأمية الفنية والثقافية في المناهج الدراسية، وتعزيز استخدام اللغات الأم في التعليم والتعلم. ويمكن لتعريف موحّد لليونسكو ضمن تصنيف مجالات الدراسة أن يساعد على وضع معايير مرجعية عالمية، ويتيح صياغة غايات ومؤشرات صريحة للتعليم الثقافي، بما يضمن ألا يقتصر الأمر على الاعتراف بالثقافة، بل يمتد إلى قياسها وتوفير الموارد لها ضمن نظم التعليم.

كما سيسهم هذا الهدف في صون نظم المعرفة المجتمعية بوصفها منافع عامة، مؤكداً قيمتها في تشكيل تعلم شامل وتقوية الروابط بين الأجيال. وبربط التعليم بالإبداع والهوية والمعارف المحلية، سيعزّز الهدف المستقل الحقوق الثقافية والإنصاف التعليمي معاً، واضعاً الأساس لمستقبل أكثر شمولاً وصموداً وتجذّراً في الثقافة.

تمكين منظومة ثقافية شاملة ومستدامة ودفع التنمية الاقتصادية

يؤكد الفصل الرابع من هذا التقرير الأهمية المتزايدة للثقافة والصناعات الثقافية والإبداعية في دفع التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة. فالثقافة تسهم اليوم بما يُقدَّر بنحو 3.39% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفق تحليل مرجّح لعينة من 85 بلداً، وتدعم سبل عيش قرابة 50 مليون شخص حول العالم. ومن الحرف التقليدية والمهرجانات إلى الابتكار الرقمي، تُعدّ الصناعات الإبداعية من أسرع القطاعات نمواً في اقتصادات كثيرة. ومع ذلك، ورغم هذا الزخم، لا تزال التحديات الهيكلية قائمة: فالاستثمار العام في الثقافة يتراجع في بلدان كثيرة، ولا يزال العاملون في الثقافة، ولا سيما النساء والشباب والأقليات، يواجهون ظروف عمل غير آمنة وغير نظامية.

ومع أن الحكومات تقرّ على نحو متزايد بالقيمة الاقتصادية للثقافة، فإن هذا الاعتراف كثيراً ما لا يقابله دعم سياساتي متين. فكما يتضح من هذا التقرير، لا تمتلك سوى أقلية من الدول الأعضاء أطراً قانونية أو مالية تربط التراث الثقافي غير المادي بريادة الأعمال أو الحماية الاجتماعية. وتدعم بلدان كثيرة الاقتصاد الإبداعي من حيث المبدأ، لكن قلة منها تدمجه في استراتيجيات تنموية طويلة الأجل ذات مخصصات مالية أو آليات مؤسسية مخصصة.

وتشتد الثغرات حدة بالنسبة إلى المشاريع الإبداعية الصغرى والصغيرة، التي تجد صعوبة في النفاذ إلى التمويل، وكثيراً ما تُستبعد من السياسات الاقتصادية الأوسع بسبب النظرة إلى الثقافة بوصفها قطاعاً منخفض النمو أو غير ربحي. كما يستمر الانفصال بين نظم التعليم وأسواق العمل الإبداعي، ما يحدّ من مسارات التوظيف الثقافي، ولا سيما للنساء والأقليات والشباب.

ومن شأن هدف مستقل للثقافة أن يعالج هذه التحديات مباشرة. إذ يمكن أن يساعد على وضع الثقافة لا وسيلةً للتنمية الاقتصادية فحسب، بل غايةً قيّمة في حد ذاتها متجذرة في الحقوق والهوية والتنوع. كما يمكن أن يدعم إنشاء منظومات سياسات متسقة تدمج ريادة الأعمال الثقافية في استراتيجيات التنمية الأوسع، بما فيها تلك التي تركّز على الاقتصاد الدائري والسياحة القادرة على الصمود أمام المناخ والتجديد الحضري والمشاريع الاجتماعية.

والأهم أن الهدف المستقل سيشجّع على قياس أكثر اتساقاً للعمل الثقافي وسلاسل القيمة والاقتصادات غير النظامية، وهي مجالات كثيراً ما تُهمل في الإحصاءات الوطنية وتصميم السياسات. كما سيعزّز وضع نماذج للأجر العادل وتحسين أطر الملكية الفكرية لحماية المبدعين والمنتجين الذين يقودون الاقتصاد الإبداعي على نحو أفضل.

وبإعادة صياغة قيمة الثقافة بما يتجاوز إسهامها في الناتج المحلي الإجمالي، سيؤكد هدف عالمي مخصص دور أشكال التعبير الثقافي المتنوعة في بناء اقتصادات صامدة وعادلة وشاملة، وسيوجّه الاستثمار العام والخاص نحو مستقبل ثقافي أكثر استدامة وإنصافاً.

التصدي لتغيّر المناخ وتعزيز الاستدامة البيئية عبر الثقافة

كما يوضح الفصل الخامس من هذا التقرير، فإن القطاع الثقافي شديد الهشاشة أمام الأزمة المناخية العالمية، وحيوي استراتيجياً في الاستجابة لها في آن واحد. فالممارسات والقيم الثقافية ونظم معارف الشعوب الأصلية أدّت منذ زمن طويل دوراً في رعاية النظم الإيكولوجية وصون التنوع البيولوجي ووضع استراتيجيات التكيّف في مواجهة التغيرات البيئية. ويتزايد الاعتراف بهذه الإسهامات في خطاب السياسات المناخية، لكنها لا تحظى بعد بدعم كافٍ من الآليات الرسمية أو التمويل.

ويكشف الفصل الخامس أنه مع إفادة قرابة 80% من البلدان بوجود سياسات تربط التراث الثقافي غير المادي بالاستدامة البيئية، فإنها لا تزال تعدّ النتائج البيئية أقل النتائج أهمية لإدماج الثقافة في خطط التنمية المستدامة واستراتيجياتها الوطنية.

وتترتب على هذه الفجوة السياساتية عواقب خاصة بالنسبة إلى مجتمعات الشعوب الأصلية والدول الجزرية الصغيرة النامية وغيرها من المناطق المتأثرة على نحو غير متناسب بالمخاطر المرتبطة بالمناخ. ففي هذه السياقات، ليست الثقافة شاغلاً هامشياً، بل رصيد حاسم للصمود والاستمرارية.

وعلى الرغم من التقدم الأخير، الذي يشمل تعزيز السياحة الثقافية المستدامة والاعتراف بالمعارف الإيكولوجية التقليدية في جهود التكيّف، لا تزال تحديات مستمرة عدة قائمة. ومنها عدم كفاية التمويل للاستراتيجيات المناخية القائمة على الثقافة، وضعف التنسيق بين وزارات الثقافة والبيئة، وقصور حماية مواقع التراث المهددة على نحو متزايد بالكوارث المرتبطة بالمناخ. وتواجه النساء ومجتمعات الأقليات حواجز إضافية، من حيث المشاركة في الحوكمة البيئية والنفاذ إلى موارد التكيّف على السواء.

ومن شأن هدف مستقل للثقافة في خطة التنمية لما بعد عام 2030 أن يساعد على سد هذه الفجوات بوضع الثقافة في صميم العمل البيئي المستدام. إذ سيتيح الاعتراف الرسمي بنظم معارف الشعوب الأصلية والمعارف التقليدية موارد حاسمة في استراتيجيات المناخ. كما يمكن أن يسهم في إطلاق استثمارات موجّهة في الصمود الذي تقوده الثقافة، بما في ذلك البنية التحتية والتأهب للمخاطر والتعليم. وفضلاً عن ذلك، يمكن لهذا الهدف أن يعزّز المناصرة من أجل إدماج التراث الثقافي في آليات التمويل المناخي، بما يضمن حماية الأصول الثقافية المادية وغير المادية وتعبئتها في خطط التخفيف والتكيّف.

والأهم أن الهدف المستقل سيقوّي أيضاً قاعدة الأدلة على الدور البيئي للثقافة، بالتشجيع على تطوير بيانات ومؤشرات لتتبّع كيفية إسهام الممارسات الثقافية في تغيير السلوك وحماية التنوع البيولوجي وصمود المجتمعات. وبذلك لن يقتصر أثره على النهوض بسياسات مناخية أكثر اتساقاً وشمولاً، بل سيعيد التأكيد كذلك على أن الثقافة ليست ضحية سلبية للتدهور البيئي، بل قوة فاعلة لاستدامة كوكبنا.

حماية الفنانين والثقافة المعرّضين للخطر وتعزيز الصمود والسلام والأمن

يؤكد الفصل السادس من التقرير الدور الذي لا غنى عنه للثقافة في تعزيز الصمود والتعافي والتماسك الاجتماعي في أوقات الأزمات. ففي سياقات متنوعة، كانت الثقافة طوق نجاة، إذ حفظت الهوية وأدامت الاستمرارية ومكّنت من التعافي. ويتزايد وضع الاستراتيجيات الوطنية والمحلية لحماية التراث الثقافي، وتُنشأ وحدات متخصصة للاستجابة الثقافية للطوارئ. كما تُستخدم التقنيات الرقمية لتوثيق الأصول الثقافية وصونها، في حين يولى اهتمام أكبر للمخاطر الخاصة التي تواجهها النساء وفئات الأقليات.

ومع ذلك، لا تزال تحديات كبرى قائمة. فتمويل تعافي التراث الثقافي بعد الأزمات محدود وكثيراً ما يتعذّر التنبؤ به. وكثيراً ما يكون التنسيق بين الأجهزة في أثناء الاستجابة للطوارئ غير كافٍ، ويفتقر كثير من المؤسسات الثقافية إلى التدريب أو الموارد اللازمة للتأهب للطوارئ أو الاستجابة لها بفعالية. وتشتد هذه الثغرات حدة في السياقات التي تتعرض فيها الثقافة والهوية للتهديد، حيث تواصل النساء والفئات الممثلة تمثيلاً ناقصاً تاريخياً تحمّل العبء الأكبر من الهشاشة.

ويؤكد الفصل السادس أيضاً أن المشاركة الثقافية تسهم إسهاماً كبيراً في الحد من الاستقطاب وإعادة بناء الثقة المدنية وتقوية الصمود الديمقراطي. فالثقافة تمكّن المجتمعات من الحداد والتأمل والتخيّل وإعادة البناء، وهي مكوّنات أساسية للسلام والاستقرار. غير أنه، كما أبرز إعلان موندياكولت 2022 وتقرير الاتحاد الدولي لمجالس الفنون والوكالات الثقافية بشأن الثقافة بوصفها منفعة عامة عالمية، فإن تقلّص الفضاء المدني وتجزؤ المجال الرقمي وإساءة استخدام السرديات الثقافية في سياقات النزاع تهدد بتقويض إمكانات الثقافة في بناء السلام.

وفي هذا السياق، سيكون الهدف المستقل للثقافة أداة قوية. إذ سيوفّر إطاراً واضحاً لصون الفنانين والمؤسسات والممارسات الثقافية المعرّضة للخطر، قبل الأزمات وفي أثنائها وبعدها. ويمكن أن يقوّي آليات الرصد والاستجابة، ولا سيما بدعم تخصيص الموارد البشرية والمالية لإدماج الثقافة في عمليات إعادة الإعمار، وتعزيز النظم التي تحمي الحرية الفنية والنفاذ المنصف إلى الثقافة. ولا يقل عن ذلك أهمية أنه قد يشجّع الحكومات على اعتماد استراتيجيات طويلة الأجل للدبلوماسية الثقافية والحوار بين الثقافات والتعافي بعد النزاعات، بما يرسّخ الثقافة أساساً للسلام بدلاً من أن تكون ضحية للنزاع.

الإطار 10: الثقافة قوة مشتركة

يصوّر فيلم الخيال العلمي «الوصول» أزمة عميقة في المعرفة البشرية. ففي سباق مع الزمن، يتعلم أفضل علمائنا التفاعل مع رسالة من الفضاء الخارجي، وتغدو ترجمتها الدقيقة تهديداً وجودياً للبشرية. وإن كنت قد شاهدت الفيلم، الذي أخرجه دوني فيلنوف عام 2016، أو قرأت الرواية القصيرة «قصة حياتك» التي كتبها تيد تشيانغ عام 1998، فستتذكر النقاشات الدائرة حول كلمات السلاح والأداة والوسيلة والمورد. وإن لم تكن قد شاهدته، فإليك ما سيكشف النهاية: الأمور تنتهي على خير، إذ تُتجاوز الأزمة العميقة بعد مسار من البحث وبناء الثقة.

ويمكن فهم الفيلم استعارةً لأشياء كثيرة، ومنها أيضاً استعارة لهدف الثقافة. غير أن الأزمات الحالية للبشرية ليست خيالاً علمياً، فنحن نواجه فعلاً تهديداً وجودياً، في صراع مع كوكبنا ومع أنفسنا في كل قارة تقريباً. وتشتد الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الالتزام التأسيسي لليونسكو، إذ «لما كانت الحروب تتولد في عقول» البشر، ففي عقولنا «يجب أن تُبنى حصون السلام». وهدف الثقافة اليوم قوة نحتاج إليها. ولنقل «هدف» لا «الهدف». لنقل إطاراً وسقالة. لنقل مكاناً صريحاً وعملياً في الحوار العالمي بشأن مستقبلنا، بغايات ومؤشرات ثقافية قابلة للقياس ومتصلة اتصالاً كاملاً بالأهداف الأخرى التي تعزّز الاستدامة والسلام.

وقد أدى غياب هدف للثقافة في الأهداف الإنمائية للألفية وأهداف التنمية المستدامة إلى إضعاف الحوار العالمي بشأن الاستدامة. فهل سيقول أحفادنا إننا أضعنا قرابة ثلاثة عقود؟ لقد حال هذا الغياب دون النقاش حول معنى التنمية، وخطر الاحتكارات الرقمية وخوارزمياتها المؤذية، والصلة المباشرة بين التراث والإبداع من جهة والاقتصاد الدائري والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى. ولم يتح الربط بين الأدلة العلمية والتنمية البشرية والديمقراطية والحقوق والحريات. ولا يجوز أن يتكرر هذا الغياب.

وعلى المستوى المحلي، بات هدف الثقافة واقعاً بالفعل، ولذلك سببان. يقوم الأول على المبادئ، فالحوار الذي لا ينتهي بين الناس والمكان والتغيير محلي دائماً، وهو يطمس الحدود بين المكوّنات الثقافية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية للتنمية. فعلى المستوى المحلي، يكون المورد أو البنية التحتية أو الفعالية شيئاً من كل ذلك، ولا يكون المكان مستداماً إلا إذا أتاحت حوكمته النقاش حول السلطة والمعنى والملكية والسياق. أما على الصعيدين الوطني والدولي، فحين يتكاثر الفاعلون والمصالح ويزداد التعقيد، لا يكون الحوار بالمباشرة ذاتها، لكنه يجب أن يحدث أيضاً. ويقوم السبب الثاني على الاستراتيجية، وهو ما تطوّره المدن والحكومات المحلية: فالحقوق الثقافية والاستدامة مترابطتان على نحو صريح، عبر أدلة وأطر سهلة الاستخدام، منذ نشأة أجندة 21 للثقافة التابعة للمنظمة العالمية للمدن المتحدة والحكومات المحلية قبل واحد وعشرين عاماً على الأقل. فالسقالة المحلية للتنفيذ الناجح لهدف الثقافة موجودة، وهي تحتاج إلى تعزيز بأطر أفضل متعددة المستويات.

ويكون هدف الثقافة واقعاً أيضاً حين يشارك الفاعلون الثقافيون مشاركة كاملة في عمليات التنمية على المستوى الوطني. فهذه المشاركة تحسّن المساءلة، وتحشد الإرادة السياسية، وتضمن مزيداً من اتساق السياسات. بل الأفضل من ذلك أنه حين تتواءم السياسات الوطنية مع الحقوق الثقافية، كما توصي المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحقوق الثقافية منذ عام 2009 واليونسكو منذ موندياكولت 2022، فإن مشاركة الفاعلين الثقافيين في العمليات الوطنية تسهم إسهاماً هائلاً في تحقيق ضرورة «عدم ترك أحد خلف الركب». فإذا قامت السياسات على الحقوق الثقافية، دُعي الجميع إلى تشكيل المستقبل. ومنذ عام 2015، لدينا بدائل عدة للتنفيذ الوطني لهدف الثقافة، وهي عديدة ومتزايدة، ناقصة لكنها تتحسن.

وقد أفضى هذان المساران إلى تقدم مهم في الحوار العالمي، الذي يشمل الآن اليونسكو ومجموعة العشرين والجمعية العامة. واستنتاجات تقرير اليونسكو هذا واضحة جداً: فالحاجة إلى هدف للثقافة باتت اليوم جلية لكثيرين، ويمكن للمشهد المتعدد الأطراف الجديد أن يصبح فرصة. ولن يكون هدف الثقافة، هذه القوة، واقعاً إلا إذا كان مشتركاً في صياغته وتنفيذه. وكما في مجالات سياساتية كثيرة أخرى، كحقوق الإنسان والإنصاف والبيئة، فإن دور المجتمع المدني حاسم. واليوم، تقود الشبكات الثقافية العالمية الرئيسية، ومنها «أرتيريال» ورابطة الثقافة في أوروبا والمجلس الدولي للمتاحف والمجلس الدولي للمعالم والمواقع والاتحاد الدولي لتحالفات التنوع الثقافي والاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات والمجلس الدولي للموسيقى، حملة «هدف الثقافة 2030» التي نشرت بياناً عام 2012 ومسودة أولية لهدف الثقافة عام 2022. والخطوة التالية مقترح كامل بالغايات والمؤشرات يُنشر في سبتمبر 2025، واقعي وطموح. إنه تحدٍّ للمعرفة البشرية، قابل للتحقيق تماماً إذا استند إلى الأطر القائمة، وصُمّم مساراً يعزّز الثقة، وقام على الأدلة العلمية، وركّز على تخيّل المستقبل في ظل ضرورة السلام. فلنجعله ممكناً.

خوردي باسكوال، منسق لجنة الثقافة في المنظمة العالمية للمدن المتحدة والحكومات المحلية.

إدماج البيانات والسياسات: أدلة تسند الهدف

يُبرز التقرير العالمي تحولاً مهماً في صنع السياسات الوطنية، إذ باتت أكثر من 90% من الدول الأعضاء تشير إلى الثقافة في استراتيجياتها الوطنية للتنمية المستدامة. ويعكس هذا الاتجاه وعياً متزايداً بإسهامات الثقافة في الحيوية الاقتصادية والإدماج الاجتماعي والاستدامة البيئية. غير أن هذه الإشارات، كما تُظهر النتائج، كثيراً ما تكون عامة وطموحة، تفتقر إلى غايات ومؤشرات وآليات تنفيذ واضحة.

وتقصر معظم الاستراتيجيات الوطنية عن تلبية الاحتياجات المحددة والوقائع الدقيقة للمنظومات الثقافية، ولا سيما الصناعات الثقافية والإبداعية ونظم معارف الشعوب الأصلية ووضع الفنانين. وتستمر ثغرات حرجة في مجالات مثل التشريعات المخصصة والتمويل الطويل الأجل والتنسيق بين الوزارات. ولا تزال الثقافة كثيراً ما تطغى عليها أولويات إنمائية أخرى، وتظل ممثلة تمثيلاً ناقصاً في التعاون الإنمائي رغم قيمتها المعترف بها.

ويُبيّن التقرير أن البلدان تربط إدراج الثقافة في خطط التنمية بنتائج مثل تمكين الشباب ورعاية البيئة والتماسك الاجتماعي، وهي أبعاد جوهرية لأهداف التنمية المستدامة. ومع ذلك، ومن دون هدف مستقل، يظل إسهام الثقافة غير مرئي إلى حد كبير في نظم القياس العالمية وهامشياً في المخصصات المالية.

ومن شأن هدف مستقل أن يوفّر البنية اللازمة لتحويل الاعتراف إلى نتائج. إذ سيرسّخ الثقافة ضمن خطة التنمية لما بعد عام 2030، بالبناء على الأدوات القائمة كإطار اليونسكو للإحصاءات الثقافية لعام 2025، وبإتاحة مؤشرات منسّقة عبر مجالات السياسات. كما سيدعم وضع سياسات ثقافية مراعية للسياق وقائمة على الحقوق، ويقوّي القدرات المؤسسية على جمع البيانات، ويعزّز المقارنة المرجعية الإقليمية والدولية للأثر الثقافي.

وفي نهاية المطاف، ليس الهدف المستقل مجرد لفتة رمزية، بل ضرورة استراتيجية. فهو سيتيح إدماج الثقافة إدماجاً كاملاً في تخطيط التنمية المستدامة، لا بوصفها عنصراً ثانوياً، بل قوة تحويلية قائمة بذاتها. وسيؤكد الثقافة وسيلةً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وهدفاً إنمائياً أساسياً معاً، بما يضمن حماية الموارد الثقافية وتقديرها وتعبئتها لصالح الأجيال الحالية والمقبلة.

ونتائج هذا التقرير واضحة: فالثقافة تشكّل بالفعل مستقبل التنمية المستدامة، وكثيراً ما يحدث ذلك في غياب السقالة المؤسسية اللازمة لدعمها وإدامتها. والثقافة ليست مجرد قطاع بين قطاعات أخرى، بل منظومة حية للمعنى والانتماء والإبداع والرفاه، وهي كأي منظومة تتطلب استثماراً وتنسيقاً ورؤية مستدامة. ومن شأن ترسيخ الثقافة بثبات في أطر التنمية الدولية أن يبعث رسالة قوية إلى الحكومات وأصحاب المصلحة مفادها أنه لم يعد جائزاً معاملة الثقافة بوصفها أمراً ثانوياً، بل يجب فهمها ركيزةً أساسية للتنمية المستدامة، لا غنى عنها لتحقيق مستقبل شامل وعادل وصامد.

ومن شأن هدف مستقل أن يؤكد الدور التحويلي للثقافة عبر أهداف التنمية المستدامة، من التعليم الجيد والمساواة بين الجنسين إلى العمل المناخي والعمل اللائق، وأن يضمن في الوقت ذاته ألا تُستخدم الثقافة وسيلةً فحسب، بل أن يُعترف بها غايةً في حد ذاتها. وسيدمج الثقافة إدماجاً شاملاً في خطط السياسات العالمية والوطنية، حيث لن تعود عرضة لأن يطغى عليها غيرها أو تُهمَّش.

وفي جوهر الأمر، سيرتقي هدف مخصص بالقيمة الجوهرية للثقافة، أي بحيوية أشكال التعبير الثقافي والتراث والممارسات الإبداعية التي تحدد من نحن وكيف نتعايش. وسيساعد على تفكيك الحواجز الهيكلية التي يواجهها الفاعلون الثقافيون والمجتمعات، ومعالجة نقص الاستثمار في الثقافة، ودعم الإصلاحات القانونية والمؤسسية والمالية التي تشتد الحاجة إليها، بما فيها حماية أفضل للفنانين والحقوق الثقافية وظروف العمل العادلة. كما سيساعد على توثيق أثر الثقافة والارتقاء به، بما في ذلك إسهامها في التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي. وسيقوّي ذلك بدوره النُهج المتعددة الأطراف والمتعددة الوكالات لتمويل الثقافة، بما فيها الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وفي الوقت ذاته، سيساعد الهدف المستقل على ضمان الاستخدام الطويل الأجل والمستدام للموارد الثقافية، من حماية التراث إلى النفاذ المنصف إلى المحتوى الثقافي والمشاركة فيه. وسيعزّز تنمية ذات معنى على المستوى المحلي، ويشجّع حوكمة متجذرة في الثقافة، ويُعلي أصواتاً كثيراً ما تُقصى من صنع القرار. كما سيضع الأساس لنهج أكثر قياماً على الحقوق في التنمية، مؤكداً الحقوق الثقافية حقوقاً إنسانية، ومعترفاً بنظم معارف الشعوب الأصلية ولغاتها وتقاليدها مكوّنات أساسية لمستقبل مستدام ومنصف.

وبتمكين الفاعلين الثقافيين وتقوية اتساق السياسات، سيعزّز الهدف مشاركة أعمق وملكية ومساءلة أكبر في عملية التنمية. كما سيحشد الإرادة السياسية، دافعاً نحو استثمار أكبر في البنية التحتية والمؤسسات الثقافية، ومقوّياً نظم البيانات الأساسية لصنع السياسات القائم على الأدلة.

وخلاصة القول، إن الأدلة المعروضة في هذا التقرير، من الإحصاءات إلى السرديات، ومن السياسات إلى التجارب المعيشة، تشير إلى استنتاج واحد: يجب الاعتراف بالثقافة لا بوصفها وسيلة قوية فحسب، بل غاية حيوية في حد ذاتها أيضاً.

وليس ترسيخ الثقافة عبر هدف مستقل أمراً آن أوانه فحسب، بل هو ضرورة. فهو سيتيح لنا بناء أطر تنموية أكثر اتساقاً وصموداً وتمحوراً حول الإنسان، تحترم التنوع وتقوّي الإدماج وتتخيّل مستقبلات بديلة. وإذا كان العالم جاداً في عدم ترك أحد خلف الركب، فعليه كذلك ألا يترك أي ثقافة خلف الركب.

والآن هو الوقت المناسب، فيما يجتمع وزراء الثقافة في العالم في موندياكولت 2025 في برشلونة للتأمل وتمهيد الطريق للسنوات الأربع الحاسمة المقبلة، لتأكيد هذه الرؤية والعمل بها، مع شروع المجتمع الدولي في رسم مستقبل التنمية المستدامة لما بعد عام 2030.

الملاحق

المنهجية

الهيكل التنظيمي والعملية التحريرية

أُعدّت طبعة عام 2025 من التقرير العالمي بشأن السياسات الثقافية عبر عملية شاملة وتشاركية وقائمة على الأدلة، ترتكز على التوجيه الاستراتيجي والخبرة الإقليمية وإسهامات أصحاب المصلحة المتعددين. وقد جمع هيكلها فاعلين متنوعين من مختلف أرجاء منظومة الثقافة والتنمية، لضمان الصرامة المنهجية للتقرير وأهميته العالمية وعمقه التحليلي.

وعلى المستوى الاستراتيجي، وجّه العمليةَ مجلسٌ استشاري أُنشئ وفقاً لقرار المجلس التنفيذي لليونسكو 219 م ت/11، وعُهد إليه بالإشراف على المنهجية العامة وإطار جمع المعلومات والبيانات للتقرير العالمي. وضمّ المجلس الاستشاري مساعد المدير العام لليونسكو للثقافة، ومديرة شعبة المساواة بين الجنسين، وممثلين عن معهد اليونسكو للإحصاء والتقرير العالمي لرصد التعليم، وشركاء من منظومة الأمم المتحدة، وخبراء رئيسيين في مجال الثقافة والتنمية المستدامة، وخبراء إقليميين عيّنهم رؤساء المجموعات الانتخابية في اليونسكو. واجتمع المجلس الاستشاري خمس مرات على امتداد عملية الصياغة، وأدّى دوراً رئيسياً في تشكيل البنية العامة للتقرير العالمي، والمصادقة على الإطار المنهجي، وتحديد الأولويات المواضيعية الرئيسية، وضمان الاتساق مع الرؤية الاستراتيجية لليونسكو.

أما هيئة التحرير، التي انعقدت ثلاث مرات، فكُلّفت بتنسيق البحث وصياغة فصول التقرير. وتألفت من المحررين الرئيسيين والمؤلفين العشرة المكلّفين والمساهمين في الفصول، الذين اختيروا بالتشاور مع المجلس الاستشاري وفريق تنسيق التقرير العالمي في اليونسكو. وعملت هيئة التحرير على ضمان الاتساق بين الفصول، وتوحيد النتائج الشاملة لمختلف المجالات، ونسج خيط ناظم يربط السرد والبيانات في أرجاء التقرير. وساندتها مجموعة من سبعة كراسٍ جامعية لليونسكو اختيرت عبر دعوة مفتوحة، قدّمت بحوثاً وبيانات وتحليلات ورؤى إقليمية إضافية دعماً لمؤلفي الفصول.

وانعكاساً للطابع التعاوني والمتعدد التخصصات للتقرير العالمي، شملت الإسهامات أيضاً شهادات وموجزات استشرافية من مجموعة متنوعة من الفنانين والمهنيين الثقافيين وصانعي السياسات وممثلي النقابات في القطاع الثقافي، قدّمت رؤى نابعة من الواقع وتأملات سياساتية من الميدان. ولضمان الصرامة التحليلية للتقرير واتساقه المعياري، استُعين بمجموعة من تسعة خبراء مراجعين متطوعين لمراجعة مسودات الفصول مراجعة مستقلة. وقد جاء هؤلاء المراجعون بخبرة في مجالات رصد رئيسية، منها المساواة بين الجنسين، والتراث الثقافي المادي وغير المادي والمغمور بالمياه، والحرية الفنية، وتنوع أشكال التعبير الثقافي في البيئة الرقمية، والتعليم بين الثقافات، والعمل المناخي، والثقافة في حالات الطوارئ، والشباب والسياسات الثقافية في أفريقيا. وقد عزّزت ملاحظاتهم النقدية الجودة التحليلية للتقرير، وساعدت على ضمان اتساقه مع أهداف الصكوك المعيارية لليونسكو ومبادئها.

مصادر البيانات وتحليلها وتمثيلها

تستند هذه الطبعة الأولى من تقرير اليونسكو العالمي بشأن السياسات الثقافية، «الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود»، إلى مراجعة بيانات نوعية وكمية جُمعت أساساً عبر آليات الإبلاغ في اليونسكو بين يونيو 2019 ويوليو 2024. وتتوافق هذه الفترة مع أحدث دورة إبلاغ في إطار الصكوك المعيارية والبرامج التابعة لليونسكو في مجال الثقافة، ومع إجراءات متابعة إعلان موندياكولت 2022.

وتشمل مصادر البيانات الأساسية أكثر من 1200 تقرير وطني ومحلي وتقرير لأصحاب المصلحة قُدّمت في إطار خمس اتفاقيات وتوصيات ثقافية لليونسكو، فضلاً عن أطر رصد مثل شبكة اليونسكو للمدن المبدعة، ومؤشرات اليونسكو للثقافة 2030، واستقصاءات اليونسكو بشأن متابعة إعلان موندياكولت 2022. وقد شملت هذه الأدوات اتفاقية عام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، واتفاقية عام 1970 بشأن مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، واتفاقية عام 1972 بشأن حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، واتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي، واتفاقية عام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، وتوصية عام 1980 بشأن وضع الفنان، وتوصية عام 2011 بشأن المناظر الحضرية التاريخية، وتوصية عام 2015 بشأن حماية وتعزيز المتاحف والمجموعات وتنوعها ودورها في المجتمع، إلى جانب تقارير المدن المبدعة ومؤشرات الثقافة 2030 واستقصاءات متابعة موندياكولت الموجهة إلى الدول الأعضاء ومنظمات المجتمع المدني والفنانين والمهنيين الثقافيين.

وحين قدّمت البلدان أكثر من تقرير واحد خلال الفترة المرجعية، كما في الدورات الطوعية لتحديث معلوماتها، أُخذ أحدث تقرير مقدّم في الاعتبار عند التحليل. وإجمالاً، حلّل التقرير العالمي إسهامات من 196 بلداً، و116 مدينة، و116 منظمة غير حكومية ومنظمة دولية غير حكومية، و127 فناناً ومهنياً ثقافياً.

وتفاوت التمثيل الإقليمي بين الصكوك المعيارية والبرامج. ففي المتوسط، استأثرت أوروبا وأمريكا الشمالية بالحصة الكبرى من البيانات الوطنية والمحلية بنسبة 33%، تلتها أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بنسبة 19%، ثم أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 17%، ثم غرب آسيا وشمال أفريقيا بنسبة 13%. وكانت شرق آسيا وجنوب شرقها بنسبة 10%، ووسط آسيا وجنوبها بنسبة 5%، وأوقيانوسيا بنسبة 3%، الأقل تمثيلاً. ونتيجة لذلك، لا تزال البيانات الشاملة والطولية متاحة في معظمها من الشمال العالمي، بما يعكس اختلالات أوسع في جمع البيانات الثقافية. غير أن الجنوب العالمي برز على نحو أوضح في معظم الصكوك المعيارية.

ومع أن هذه المصادر تقدّم رؤى قيّمة في اتجاهات السياسات والديناميات الإقليمية، فإن لها حدوداً أيضاً. فجودة البيانات واكتمالها يتفاوتان تفاوتاً كبيراً بين البلدان والصكوك، والإبلاغ ليس شاملاً. ومن ثم، لا ينبغي تفسير نتائج هذا التقرير على أنها شاملة أو ممثلة إحصائياً للواقع العالمي، بل هي ترمي إلى إبراز الأنماط الناشئة والمسارات الإقليمية والممارسات المبتكرة والمجالات التي تتطلب مزيداً من الاهتمام والدعم على صعيد السياسات.

وتزداد هذه البيانات وضوحاً بوضعها في سياقها عبر إسهامات المؤلفين الخبراء والمستشارين الإقليميين والمراجعين المواضيعيين، بما يضمن أن تقترن الاتجاهات الكمية بتحليل تفسيري واستخلاصات استشرافية.

وفيما يخص تمثيل المجالات الثقافية الفرعية، تفاوت مستوى تغطية البيانات بحسب وضع المصادقة على الصكوك المعيارية لليونسكو ومدى الإبلاغ الدوري خلال الدورة الممتدة من 2019 إلى 2024. فقد توافرت البيانات الأشمل لاتفاقية عام 1972 بشأن حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، إذ قدّمت 98% من الدول الأعضاء تقاريرها، تلتها اتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي بنسبة 87%، ثم اتفاقية عام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي بنسبة 78%. وفي المقابل، يظل الإبلاغ في إطار توصيات اليونسكو، كتوصيات وضع الفنان لعام 1980 والمناظر الحضرية التاريخية لعام 2011 والمتاحف لعام 2015، طوعياً وغير ملزم، ما أفضى إلى معدلات تقديم أدنى بكثير من جانب الدول الأعضاء. فقد بلغت نسبة الدول المصادقة التي قدّمت تقارير 53% لاتفاقية عام 1954 و64% لاتفاقية عام 1970، في حين بلغت نسبة الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير 35% لتوصية عام 1980، و32% لتوصية عام 2011، و23% لتوصية عام 2015.

وفضلاً عن ذلك، ومع أن اتفاقية عام 2001 بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه لا تتضمن حالياً آلية رسمية للإبلاغ الدوري، فقد بُذلت جهود لضمان تناول موضوعاتها الرئيسية وأهميتها السياساتية في التقرير العالمي. ولهذا الغرض، دُعي خبير مخصص من أحد مراكز اليونسكو من الفئة الثانية المتخصصة في التراث الثقافي المغمور بالمياه إلى الإسهام بمعلومات أساسية وأمثلة سياساتية ذات صلة وتوجيهات تقنية في صياغة الفصول المعنية.

ونتيجة لذلك، فإن تغطية البيانات عبر المجالات الثقافية الفرعية متفاوتة، وتعكس الطبيعة الملزمة للصك ومدى نضج آليات تنفيذه ورصده على السواء.

ومع وجوب الإقرار بالقيود المتعلقة بتوافر البيانات والتوازن الإقليمي والاتساق بين دورات الإبلاغ، بُذلت جهود موجّهة لسد فجوات البيانات عبر إدماج مصادر بيانات تكميلية، منها معهد اليونسكو للإحصاء، ووكالات الأمم المتحدة كالمنظمة العالمية للملكية الفكرية ومنظمة العمل الدولية ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ومنظمة الأغذية والزراعة ومكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ وتحالف الأمم المتحدة للأزياء المستدامة، ومنظمات دولية كمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ومنظمة الحكومات المحلية من أجل الاستدامة واليوروبول، ومنظمات غير حكومية ودولية غير حكومية كالمنتدى الاقتصادي العالمي ومعهد الموارد العالمية وفريميوز ومنظمة صون الطبيعة وهيومن رايتس ووتش، ومنظمات المجتمع المدني والفاعلين الدوليين في القطاع الثقافي كالاتحاد الدولي لجمعيات المؤلفين والملحنين وجمعية مؤلفي المواد السمعية البصرية والمجموعة الأوروبية لإحصاءات المتاحف والتحالف العالمي للتعليم الفني ومنظمة «جولي بايسكل» ومؤسسة «آكو» ومبادرة الحرية الفنية وقاعدة البيانات العالمية للتعليم العالي، إضافة إلى القطاع الخاص كمنصة «باتريون» ورابطة مشغلي الهواتف المحمولة وشركة «بي أو بي» وشركة ماكنزي.

وقبل تحليل البيانات، وضعت شركة «بي أو بي» للاستشارات، وهي جهة عالمية للبحث والاستشارات في مجال الثقافة والاقتصاد الإبداعي، إطاراً شاملاً لنتائج التقرير العالمي، بالتعاون الوثيق مع معهد اليونسكو للإحصاء والمجلس الاستشاري للتقرير، بهدف رصد تقدم السياسات الثقافية فيما يتعلق بالأولويات التي حدّدها وزراء الثقافة في إعلان موندياكولت 2022. ويتضمن إطار النتائج 6 مجالات للأثر، و12 حصيلة، و19 ناتجاً، ونحو 100 مؤشر تغطي جميع المجالات الثقافية الفرعية وجميع المناطق. كما رُوعي منظور المساواة بين الجنسين بالتعاون مع شعبة المساواة بين الجنسين في اليونسكو، ما أسفر عن إدراج 28 مؤشراً متعلقاً بالمساواة بين الجنسين.

وجرى توحيد البيانات المجموعة من التقارير الدورية المقدّمة في إطار الصكوك المعيارية والبرامج التابعة لليونسكو في مجال الثقافة، وتنقيتها وتحليلها بما يتسق مع إطار نتائج التقرير، بدعم من شركة «بي أو بي» للاستشارات. وهدفت هذه العملية إلى تزويد المؤلفين بأدلة متينة تدعم تحليلاتهم. واتّبعت العملية منهجية منظّمة: إذ روجع كل نموذج إبلاغ لربط الأسئلة ذات الصلة بمؤشرات محددة باستخدام صحائف بيانات مخصصة لكل فصل، تبيّن المصدر ونوع السؤال والعدسة التحليلية. وصُنّفت المؤشرات ذات البيانات المقابلة المحدودة أو المعدومة بوصفها «تطلعية». ثم نُقّحت جميع مجموعات بيانات الردود ووُحّدت لمعالجة التباينات وأوجه عدم الاتساق، ولتطبيق تصنيفات مثل التجميع الإقليمي ومستوى الدخل والشمال العالمي والجنوب العالمي.

وركّز معظم تحليل البيانات على إجابات الدول الأعضاء والدول الأطراف عن الأسئلة المغلقة، سواء أكانت ثنائية بنعم أو لا أم متعددة الخيارات، إلى جانب تحليل عدد أقل من الأسئلة الرقمية. وأُجري تحليل إضافي للبيانات النوعية المستمدة من الردود على الأسئلة المفتوحة. ونظراً إلى حجم النصوص في هذه الأسئلة، مع العدد الكبير من التقارير، حُلّلت بالاستعانة بأداة لمعالجة اللغة هي «داتايكو»، التي وفّرت منصة لتجميع البيانات من جميع صكوك اليونسكو في مكان واحد. واستُخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي في استنطاق قاعدة البيانات المركزية لاستخلاص الموضوعات والتصنيفات الرئيسية من ردود الدول الأعضاء أو الدول الأطراف، حيثما انطبق ذلك.

وقُدّر إسهام الصناعات الثقافية والإبداعية في الناتج المحلي الإجمالي العالمي باستخدام تحليل مرجّح للإسهام لعينة من 85 بلداً، يجمع بين المعلومات التي قدّمتها الدول الأطراف في اتفاقية عام 2005 بشأن تنوع أشكال التعبير الثقافي بين عام 2021 وديسمبر 2024 ومؤشرات اليونسكو للثقافة 2030، وبين بيانات ثانوية مستمدة أساساً من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وإحصاءات وزارات الثقافة والحسابات الفرعية للصناعات الإبداعية. واستند متوسط الحصة المقدّرة للصناعات الثقافية والإبداعية من التوظيف إلى 61 بلداً توافرت عنها بيانات في التقارير الدورية التي قدّمتها الدول الأطراف في اتفاقية عام 2005 خلال الإطار الزمني ذاته، مقترنة ببيانات ثانوية، ولا سيما بيانات يوروستات لعام 2023.

واستخدم التحليل في هذه الطبعة الأولى من التقرير العالمي بشأن السياسات الثقافية نظام التصنيف الإحصائي M49 للأمم المتحدة. واتّبعت التصنيفات الإقليمية نموذج التقرير العالمي لرصد التعليم الصادر عن اليونسكو، القائم على التجميعات الإقليمية لأهداف التنمية المستدامة، باستثناء إدراج أستراليا ونيوزيلندا ضمن أوقيانوسيا بدلاً من معاملتهما منطقة مستقلة. وتماشياً مع ممارسة الأمم المتحدة، اعتمد التقرير مصطلحي «الشمال العالمي» و«الجنوب العالمي» بدلاً من «البلدان المتقدمة» و«البلدان النامية».

واستخدم التحليل ثلاثة نظم تصنيف متمايزة للإبلاغ عن أثر البلدان والدول الأعضاء على مستوى المؤشرات:

أولاً: التصنيف الإقليمي، المستند إلى تكييف التقرير العالمي لرصد التعليم لمناطق أهداف التنمية المستدامة، ويشمل وسط آسيا وجنوبها بأربعة عشر بلداً، وأوروبا وأمريكا الشمالية بتسعة وأربعين بلداً، وغرب آسيا وشمال أفريقيا بأربعة وعشرين بلداً، وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بثمانية وأربعين بلداً، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بأربعين بلداً، وأوقيانوسيا بثمانية عشر بلداً، وشرق آسيا وجنوب شرقها بستة عشر بلداً.

ثانياً: التصنيف بحسب مستوى الدخل، المستند إلى نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي كما نشره البنك الدولي عام 2022، ويشمل البلدان المنخفضة الدخل وعددها 26 بلداً، ويقل فيها نصيب الفرد عن 1135 دولاراً، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى وعددها 54 بلداً، ويتراوح فيها بين 1136 و4465 دولاراً، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى وعددها 53 بلداً، ويتراوح فيها بين 4466 و13845 دولاراً، والبلدان المرتفعة الدخل وعددها 68 بلداً، ويزيد فيها على 13846 دولاراً.

ثالثاً: التصنيف بحسب الشمال العالمي والجنوب العالمي، المستخدم تماشياً مع ممارسة الأمم المتحدة بديلاً عن مصطلحي البلدان المتقدمة والنامية.

مسرد المصطلحات

الأتمتة بالذكاء الاصطناعي: صفة لعملية أو نظام يعمل، في ظل شروط محددة، دون تدخل بشري.

سوق الفن: يشير هذا المصطلح، بحسب السياق الوطني، إلى سوق الممتلكات الثقافية، وتجار الممتلكات الثقافية، وتجار التحف، والمتاحف، وأي مهنيين آخرين يزاولون معاملات تجارية في الممتلكات الثقافية، بما في ذلك عبر الإنترنت.

تنقّل الفنانين: قدرة الفنانين والمهنيين الثقافيين على السفر إقليمياً أو دولياً للنفاذ إلى فرص مهنية وأسواق وجماهير جديدة، والمشاركة في الفعاليات، وتطوير التعاون، والاستفادة من التبادلات الثقافية التي قد تُلهم عملياتهم الإبداعية. ويمكن للتدابير والسياسات أن تدعم التنقل الوافد للفنانين، أي دعوة الفنانين الأجانب إلى زيارة البلد المضيف أو تمكينهم من ذلك، والتنقل الصادر، أي دعم الفنانين الوطنيين في السفر إلى الخارج.

التعبير الفني: حرية الفنانين في تخيّل أشكال التعبير الثقافي المتنوعة وإبداعها وتوزيعها بمنأى عن الرقابة الحكومية والتدخل السياسي وضغوط الجهات غير الحكومية. ويشمل ذلك حق جميع المواطنين في النفاذ إلى هذه الأعمال، وهو أساسي لرفاه المجتمعات.

الحرية الفنية: هي حرية تخيّل أشكال التعبير الثقافي المتنوعة وإبداعها وتوزيعها بمنأى عن الرقابة الحكومية والتدخل السياسي وضغوط الجهات غير الحكومية، وتشمل حق جميع المواطنين في النفاذ إلى هذه الأعمال، وهي أساسية لرفاه المجتمعات.

منظمات الإدارة الجماعية: كيانات غير ربحية في معظم الحالات، قد يكون شكلها القانوني خاصاً أو عاماً. وبحسب المصنّفات التي تمثّلها، قد تُسمّى أيضاً شركات ترخيص الموسيقى، أو منظمات الحقوق الميكانيكية، أو منظمات الإدارة الجماعية لفناني الأداء، أو منظمات حقوق الاستنساخ. وتوجد أنواع مختلفة من نُهج الإدارة الجماعية، منها الإدارة الجماعية القانونية أو الإلزامية، والإدارة الجماعية التعاقدية أو الطوعية.

حق المؤلف: مصطلح قانوني يُستخدم لوصف الحقوق التي يتمتع بها المبدعون على مصنّفاتهم الأدبية والفنية.

الاقتصاد الإبداعي: مفهوم متطور يقوم على إسهام الأصول الإبداعية وقدرتها على الإسهام في النمو الاقتصادي والتنمية. ويشمل جوانب اقتصادية وثقافية واجتماعية تتفاعل مع التكنولوجيا والملكية الفكرية وأهداف السياحة، فهو مجموعة من الأنشطة الاقتصادية القائمة على المعرفة، ومن ثم الأكثر ارتباطاً بالمحلية، ذات بعد تنموي وروابط شاملة على المستويين الكلي والجزئي بالاقتصاد ككل. ولا يوجد تعريف واحد للاقتصاد الإبداعي، وكثيراً ما تتداخل التعريفات المختلفة. ومن سماته المشتركة تعدد أبعاده، وإسهامه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقدرته على الإسهام في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

الأنشطة والسلع والخدمات الثقافية: الأنشطة والسلع والخدمات التي تجسّد أشكال التعبير الثقافي أو تنقلها، حين يُنظر إليها من حيث صفتها أو استخدامها أو غايتها المحددة، بغض النظر عن قيمتها التجارية. وقد تكون الأنشطة الثقافية غاية في حد ذاتها، أو تسهم في إنتاج السلع والخدمات الثقافية.

الصناعات الثقافية والإبداعية: الصناعات التي يتمثل غرضها الرئيسي في إنتاج أو إعادة إنتاج أو ترويج أو توزيع أو تسويق سلع وخدمات وأنشطة ذات قيمة ثقافية أو فنية أو تراثية.

المحتوى الثقافي: المعنى الرمزي والبعد الفني والقيم الثقافية التي تنبع من الهويات الثقافية أو تعبّر عنها.

التنوع الثقافي: الطرق المتعددة التي تعبّر بها ثقافات الجماعات والمجتمعات عن نفسها، وتتناقل هذه التعبيرات داخل الجماعات والمجتمعات وفيما بينها. ولا يتجلى التنوع الثقافي في الأساليب المتنوعة التي يُعبَّر بها عن التراث الثقافي للبشرية ويُثرى ويُنقل عبر تنوع أشكال التعبير الثقافي فحسب، بل يتجلى أيضاً في أنماط متنوعة من الإبداع الفني والإنتاج والنشر والتوزيع والتمتع، أياً كانت الوسائل والتقنيات المستخدمة.

التوظيف الثقافي: مجموع الأشخاص الذين يشغلون مهنة ثقافية أو غير ثقافية في القطاع الثقافي، وجميع الأشخاص الذين يشغلون مهنة ثقافية في قطاع غير ثقافي.

أشكال التعبير الثقافي: التعبيرات الناجمة عن إبداع الأفراد والجماعات والمجتمعات، والتي تنطوي على محتوى ثقافي.

السلع الثقافية: سلع استهلاكية تنقل الأفكار والرموز وأساليب الحياة، كالكتب والمجلات ومنتجات الوسائط المتعددة والبرمجيات والتسجيلات والأفلام ومقاطع الفيديو والبرامج السمعية البصرية والحرف والأزياء.

المهن الثقافية: المهن التي تنطوي على الإنتاج الإبداعي والفني وجمع التراث وصونه، وتشمل مهاماً وواجبات تُؤدّى من أجل توليد المعنى الثقافي أو الرمزي والروحي أو تطويره أو صونه أو عكسه، ومن أجل إبداع سلع وخدمات ثقافية وإنتاجها ونشرها، وهي تنطوي عموماً على حقوق ملكية فكرية، ولأغراض التعبير الفني، كالفنون البصرية والموسيقى والكتابة والرقص والفنون المسرحية.

الحقوق الثقافية: تحمي الحقوق الثقافية حق كل شخص، فرداً ومع غيره في جماعة، وحق جماعات الناس، في تنمية إنسانيتهم والتعبير عنها، وعن رؤيتهم للعالم والمعاني التي يمنحونها لوجودهم وتطورهم، عبر جملة أمور منها القيم والمعتقدات والقناعات واللغات والمعارف والفنون والمؤسسات وأساليب الحياة. وتُعدّ أيضاً حامية للنفاذ إلى التراث الثقافي والموارد التي تتيح حدوث عمليات التماهي والتنمية هذه. وتتصل الحقوق الثقافية بطائفة واسعة من المسائل، منها التعبير والإبداع، بما في ذلك في أشكال الفن المادية وغير المادية المتنوعة، والإعلام والاتصال، واللغة، والهوية والانتماء إلى مجتمعات متعددة ومتنوعة ومتغيرة ذات قيم ثقافية مشتركة، وتطوير رؤى محددة للعالم واتباع أساليب حياة معينة، والتعليم والتدريب، والنفاذ إلى الحياة الثقافية والإسهام فيها والمشاركة فيها، وممارسة الممارسات الثقافية، والنفاذ إلى التراث بتجلياته المادية وغير المادية والطبيعية والمختلطة والتمتع به.

الخدمات الثقافية: خدمات تهدف إلى تلبية اهتمامات أو احتياجات ثقافية، ولا تمثّل في حد ذاتها سلعاً ثقافية مادية، لكنها تيسّر إنتاجها وتوزيعها. ومن أمثلتها أنشطة الترخيص وسائر الخدمات المتصلة بحق المؤلف، وأنشطة التوزيع السمعي البصري، وترويج فنون الأداء والفعاليات الثقافية، وخدمات المعلومات الثقافية، وصون الكتب والتسجيلات والقطع في المكتبات ومراكز التوثيق والمتاحف.

التعليم الثقافي والفني: يشمل التعليم والتعلم عن الفنون والثقافة ومعها ومن خلالها، وجميع أشكال التعبير الثقافي والفني. ويضع هذا المفهوم الثقافة، بما فيها الفنون، أداةً تعليمية ونهجاً ومجالاً للدراسة والبحث والممارسة.

الثقافة: مجموعة السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية المميزة التي تسم مجتمعاً أو فئة اجتماعية، وتشمل، إلى جانب الفنون والآداب، أساليب الحياة، والحقوق الأساسية للإنسان، ونظم القيم، والتقاليد والمعتقدات.

المهنيون الثقافيون: الأفراد الذين يدعمون الأنشطة الثقافية أو يمكّنونها أو يديرونها أو يروّجون لها، وقد لا يكونون فنانين بأنفسهم، لكنهم يؤدون أدواراً أساسية في إدامة القطاع الثقافي.

العمل اللائق: يلخّص العمل اللائق تطلعات الناس في حياتهم المهنية، وينطوي على فرص عمل منتج يدرّ دخلاً عادلاً، والأمان في مكان العمل، والحماية الاجتماعية للجميع، وآفاق أفضل للتطور الشخصي والاندماج الاجتماعي، وحرية الناس في التعبير عن شواغلهم والتنظيم والمشاركة في القرارات التي تمس حياتهم، والمساواة في الفرص والمعاملة بين جميع النساء والرجال.

اللغة المهددة: اللغات التي تستوفي أحد مستويات الخطر الخمسة وفق أطلس اليونسكو للغات العالم المهددة.

الأجر العادل: مبدأ مفاده أن الفنانين والمهنيين الثقافيين ينبغي أن يحصلوا على تعويض ملائم وعادل عن عملهم، ضماناً لاستقلالية العمل الإبداعي واستدامته. ومن أبرز التحديات التي تعترض الأجر العادل قصور حماية حق المؤلف والقرصنة والبث غير المشروع.

التعليم النظامي: تعليم مؤسسي مقصود ومخطط له تقدّمه المنظمات العامة والهيئات الخاصة المعترف بها، وتشكّل في مجموعها نظام التعليم النظامي في البلد. ومن ثم تعترف السلطات التعليمية الوطنية المختصة أو ما يعادلها ببرامج التعليم النظامي بوصفها كذلك، ومن ذلك أي مؤسسة أخرى تتعاون مع السلطات التعليمية الوطنية أو دون الوطنية. ويتألف التعليم النظامي في معظمه من التعليم الأولي، وكثيراً ما يُعترف بالتعليم المهني وتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة وبعض أجزاء تعليم الكبار جزءاً من نظام التعليم النظامي.

إضفاء الطابع النظامي: عملية إدخال العمال غير النظاميين والوحدات الاقتصادية غير النظامية تحت مظلة الترتيبات النظامية، مع ضمان فرص أمن الدخل وسبل العيش وريادة الأعمال.

المواطنة العالمية: مفهوم مفاده أننا لسنا مرتبطين ببلد واحد فحسب، بل بمجتمع عالمي أوسع، وأننا بالإسهام الإيجابي فيه نستطيع أيضاً التأثير في التغيير على المستويات الإقليمية والوطنية والمحلية. والمواطن العالمي يفهم كيف يعمل العالم، ويقدّر الاختلافات بين الناس، ويعمل مع الآخرين لإيجاد حلول لتحديات أكبر من أن يواجهها بلد بمفرده.

الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية: ينطوي الاتجار بالممتلكات الثقافية على أفعال عدة، منها السرقة وسائر أشكال الاستيلاء غير المشروع، والحفر غير المشروع، والنقل والاستيراد والتصدير غير المشروع، والاقتناء غير القانوني، ونقل ملكية الممتلكات الثقافية وطرحها في السوق، وتزوير الوثائق.

معارف الشعوب الأصلية: ينظر مصطلح «المعارف التقليدية».

التعلم غير الرسمي: أشكال من التعلم مقصودة أو متعمدة لكنها غير مؤسسية، ومن ثم فهي أقل تنظيماً وهيكلة من التعليم النظامي أو غير النظامي. وقد يشمل أنشطة تعلم تجري في الأسرة ومكان العمل والمجتمع المحلي والحياة اليومية، بتوجيه ذاتي أو أسري أو اجتماعي.

التراث الثقافي غير المادي: الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية، التي تعدّها المجتمعات والجماعات، وأحياناً الأفراد، جزءاً من تراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلاً عن جيل تبدعه المجتمعات والجماعات من جديد باستمرار بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها، ويمنحها إحساساً بهويتها وبالاستمرارية، ويعزّز من ثم احترام التنوع الثقافي والإبداع البشري.

الملكية الفكرية: حماية إبداعات العقل، كالاختراعات والمصنّفات الأدبية والفنية والتصاميم. ويحمي القانون الملكية الفكرية عبر براءات الاختراع وحق المؤلف والعلامات التجارية، التي تمنح أصحابها الحق الحصري في التحكم في طريقة استخدام إبداعاتهم والانتفاع منها مالياً.

الانتقال العادل: مجموعة من المبادئ والعمليات والممارسات الرامية إلى ضمان ألا يُترك أي من الناس أو العمال أو الأماكن أو القطاعات أو البلدان أو المناطق خلف الركب في الانتقال من اقتصاد عالي الكربون إلى اقتصاد منخفض الكربون. ويلزم اتخاذ تدابير موجّهة واستباقية من الحكومات والوكالات والسلطات لضمان تقليل أي آثار اجتماعية أو بيئية أو اقتصادية سلبية لعمليات الانتقال على مستوى الاقتصاد ككل، مع تعظيم المنافع لمن يتأثرون تأثراً غير متناسب.

الحقوق اللغوية: حقوق إنسان تؤثر في التفضيلات اللغوية لسلطات الدولة والأفراد وسائر الكيانات أو في استخدامهم للغة. واللغة محورية في الطبيعة والثقافة البشرية، وهي من أهم تجليات الهوية، ولذلك تكتسب المسائل المتعلقة باللغة حساسية وأهمية خاصتين لمجتمعات الأقليات اللغوية الساعية إلى الحفاظ على هوياتها الجماعية والثقافية المتمايزة، أحياناً في ظل ظروف من التهميش والإقصاء والتمييز.

التعلم مدى الحياة: يتجذّر في التكامل بين التعلم والحياة، ويشمل أنشطة تعلم للناس من جميع الأعمار، أطفالاً وشباباً وكباراً ومسنين، فتياتٍ وفتياناً ونساءً ورجالاً، في جميع سياقات الحياة، كالأسرة والمدرسة والمجتمع ومكان العمل وغيرها، وعبر طرائق متنوعة نظامية وغير نظامية وغير رسمية، تلبي معاً طائفة واسعة من احتياجات التعلم ومتطلباته. ويتضمن تعريف اليونسكو للتعلم مدى الحياة خمسة عناصر أساسية، إذ يجب أن يشمل جميع الفئات العمرية، وجميع مستويات التعليم، وجميع طرائق التعلم، وجميع مجالات التعلم وفضاءاته، وتنوعاً في الأغراض.

التعدد اللغوي: استخدام أكثر من لغة واحدة في التواصل من جانب الأفراد أو المؤسسات.

التراث الطبيعي: المعالم الطبيعية المتألفة من التشكيلات الفيزيائية أو البيولوجية أو من مجموعات هذه التشكيلات، التي لها قيمة عالمية استثنائية من الناحية الجمالية أو العلمية، والتشكيلات الجيولوجية والفيزيوغرافية والمناطق المحددة بدقة التي تشكّل موطناً للأنواع الحيوانية والنباتية المهددة ذات القيمة العالمية الاستثنائية من وجهة نظر العلم أو الصون، والمواقع الطبيعية أو المناطق الطبيعية المحددة بدقة ذات القيمة العالمية الاستثنائية من وجهة نظر العلم أو الصون أو الجمال الطبيعي.

التعليم غير النظامي: تعليم مؤسسي مقصود ومخطط له من جانب جهة مقدّمة للتعليم، وسمته المميزة أنه إضافة إلى التعليم النظامي أو بديل عنه أو مكمّل له ضمن عملية التعلم مدى الحياة للأفراد. وكثيراً ما يُقدَّم لضمان حق الجميع في النفاذ إلى التعليم، ويخدم الناس من جميع الأعمار، لكنه لا يتبع بالضرورة بنية مسار متصل، فقد يكون قصير المدة أو منخفض الكثافة، ويُقدَّم عادة في صورة دورات قصيرة أو ورش عمل أو حلقات دراسية. ويفضي التعليم غير النظامي في الغالب إلى مؤهلات لا تعترف بها السلطات التعليمية الوطنية المختصة مؤهلاتٍ نظامية، أو لا يفضي إلى أي مؤهلات. ويمكن أن يشمل برامج تسهم في محو أمية الكبار والشباب وتعليم الأطفال غير الملتحقين بالمدارس، فضلاً عن برامج المهارات الحياتية ومهارات العمل والتنمية الاجتماعية أو الثقافية.

الترتيبات التجارية التفضيلية: ترتيبات لأفضليات تجارية، كالتعريفات المنخفضة أو المعدومة، قد يمنحها عضو ما لشريك تجاري من جانب واحد.

إعادة الممتلكات الثقافية وردّها: يُستخدم مصطلح «الرد» في الغالب للممتلكات المنهوبة في أثناء الحروب أو المسروقة من مالكها، في حين يُفضَّل مصطلح «الإعادة» للممتلكات التي نُقلت من بلدها الأصلي ثم أُعيدت إليه، وكذلك لحالات التصدير غير المشروع. ففي حالات التصدير غير المشروع، تُعاد الممتلكات إلى دولة المنشأ دون أن تُثار مسألة الملكية. وتعتمد الإعادة أكثر على مفهوم الإقليم، في حين يفترض الرد بمعناه التقني وجود متلقٍّ محدد. أما مفهوم «الإعادة إلى الوطن»، الشائع الاستخدام أيضاً، فيشير إلى شكل محدد من أشكال الرد قد تختلف وجهته، فقد تكون البلد الذي تنتمي إليه الممتلكات الثقافية أو الجماعة الإثنية التي تملكها.

الصون: التدابير الرامية إلى ضمان استدامة التراث الثقافي غير المادي، بما في ذلك تحديد هذا التراث وتوثيقه وإجراء البحوث بشأنه والمحافظة عليه وحمايته وتعزيزه وإبرازه ونقله، ولا سيما عبر التعليم النظامي وغير النظامي، وإحياء مختلف جوانبه.

الحقوق الاجتماعية والاقتصادية: الحق في العمل، وفي الضمان الاجتماعي، وفي حد أدنى للأجور، وفي حرية التجمع وتكوين الجمعيات، وفي النفاذ الحر إلى العمل.

وضع الفنان: يشير من جهة إلى الاعتراف بدور الفنانين في المجتمع بوصفهم مساهمين مهمين في تنميته عبر الفن والثقافة، ومن جهة أخرى إلى الاعتراف بالحريات والحقوق، ومنها الحقوق المعنوية والاقتصادية والاجتماعية، مع إشارة خاصة إلى الدخل والضمان الاجتماعي، التي ينبغي أن يتمتع بها الفنانون.

التنمية المستدامة: تلبية الاحتياجات الاجتماعية والبيئية والاقتصادية للحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها، في مواجهة قضايا مثل تغيّر المناخ وعدم المساواة وحقوق الإنسان وفقدان التنوع البيولوجي وإزالة الغابات والنفايات والتلوث.

التراث الثقافي المادي: يشمل التراث الثقافي المادي، المنقول والثابت والمغمور بالمياه، القطعَ الأثرية والمعالم ومجموعات المباني والمواقع والمتاحف التي تنطوي على قيم متنوعة، منها الأهمية الرمزية والتاريخية والفنية والجمالية والإثنولوجية أو الأنثروبولوجية والعلمية والاجتماعية.

التعليم العالي: يبني التعليم العالي على التعليم الثانوي، ويقدّم أنشطة تعلم في مجالات تعليمية متخصصة، ويهدف إلى التعلم على مستوى عالٍ من التعقيد والتخصص. ويشمل ما يُفهم عادة بالتعليم الأكاديمي، إلى جانب التعليم المهني أو الحرفي المتقدم. ويتألف من المستويات 5 و6 و7 و8 من التصنيف الدولي الموحّد للتعليم، وهي على التوالي التعليم العالي القصير الدورة، ومستوى البكالوريوس أو ما يعادله، ومستوى الماجستير أو ما يعادله، ومستوى الدكتوراه أو ما يعادله. ومحتوى البرامج في هذا المستوى أكثر تعقيداً وتقدماً من المستويات الأدنى.

المعارف التقليدية: معارف مجتمعات الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في أنحاء العالم وابتكاراتها وممارساتها. وقد تطورت هذه المعارف من خبرة اكتُسبت على مر القرون وتكيّفت مع الثقافة والبيئة المحليتين، وهي تُنقل شفهياً من جيل إلى جيل، وتميل إلى أن تكون ملكية جماعية، وتتخذ شكل القصص والأغاني والفولكلور والأمثال والقيم الثقافية والمعتقدات والطقوس والقوانين المجتمعية واللغة المحلية والممارسات الزراعية، بما في ذلك تطوير أنواع النباتات وسلالات الحيوانات. وتغلب على المعارف التقليدية الطبيعة العملية، ولا سيما في مجالات مثل الزراعة ومصايد الأسماك والصحة والبستنة والحراجة والإدارة البيئية عموماً.

التعليم والتدريب التقني والمهني: جوانب العملية التعليمية التي تنطوي، إلى جانب التعليم العام، على دراسة التقنيات والعلوم المتصلة بها، واكتساب المهارات العملية والمواقف والفهم والمعارف المتعلقة بالمهن في مختلف قطاعات الحياة الاقتصادية.

التراث الحضري: جميع عناصر المناطق الحضرية أو البيئة الحضرية المبنية التي تحمل أهمية للأجيال الماضية أو الحاضرة أو المقبلة.

سلسلة القيمة: العملية أو الأنشطة التي تضيف بها الشركة قيمة إلى منتج ما، بما في ذلك الإنتاج والتسويق وتقديم خدمات ما بعد البيع، بدءاً من المواد الخام وصولاً إلى المنتج النهائي.

التعليم المهني: تعليم مصمم ليكتسب المتعلمون المعارف والمهارات والكفاءات الخاصة بمهنة أو حرفة معينة أو بفئة من المهن أو الحرف. وقد يتضمن التعليم المهني مكوّنات قائمة على العمل كالتلمذة المهنية، ويفضي إتمام برامجه بنجاح إلى مؤهلات مهنية ذات صلة بسوق العمل، تعترف بها السلطات الوطنية المختصة أو سوق العمل بوصفها ذات توجه مهني.

ملاحظة: هذه ترجمة عربية غير رسمية لتقرير اليونسكو «الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود» (2025)، ولم تُعدّها اليونسكو ولا تتحمل مسؤوليتها. والنص الأصلي منشور بموجب ترخيص المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف والترخيص بالمثل 3.0 للمنظمات الحكومية الدولية (CC BY-SA 3.0 IGO)، وتُتاح هذه الترجمة بموجب الترخيص ذاته. 

المصدر

دراسة ذات صلة