القائمة الرئيسية

الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود (6/1)

الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود (6/1)
ملخص الدراسة

يعتبر الفصل أن الحقوق الثقافية أساسية لكرامة الإنسان، والتنمية المستدامة، والتنوع البيولوجي للكوكب، مؤكداً أنها تشمل حرية الوصول إلى الحياة الثقافية والتراث والمشاركة فيها، وحق الإسهام الفني. وعلى الرغم من الاعتراف الدولي المتزايد بهذه الحقوق وتطور أطر قانونية متعددة، لا تزال هناك تحديات كبيرة في تطبيقها الفعال، أبرزها هشاشة وضع الفنانين، والقيود على الحرية الفنية، والفجوات الرقمية التي تحد من الوصول والمشاركة العادلة، والتمييز ضد النساء والشعوب الأصلية والأقليات. ويشدد الفصل على ضرورة تعزيز الحوكمة الثقافية الشاملة والتشاركية، وضمان حقوق الفنانين الاقتصادية والاجتماعية وحماية الملكية الفكرية، وتيسير استعادة الممتلكات الثقافية، وتحسين آليات الرصد والتقييم التي تتجاوز البيانات الرسمية. ويدعو إلى اعتبار الثقافة هدفاً إنمائياً مستقلاً ضمن خطة التنمية العالمية لما بعد عام 2030، لضمان إعمال كامل للحقوق الثقافية كركيزة لمستقبل أكثر عدلاً ومساواة واستدامة.

الفصل الأول

النهوض بالمشاركة الشاملة والمنصفة في الحياة الثقافية

سيزار أوغوستو غوادالوبي منديثابال، أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة المحيط الهادئ، بيرو

جميل سلمي، خبير عالمي في التعليم العالي

أصوات مبدعة: دايارا توكانو

فنانة تشكيلية وناشطة ومربّية.

الثقافة تعبير عن الحياة وعن علاقتنا بالكون المحيط بنا. وضمان الحقوق الثقافية هو السبيل الوحيد لضمان التنوع الثقافي القائم على هذا الكوكب وفي جميع بيئاته الحيوية، بما فيها من درجات حرارة وجبال ووديان وصحارى وأنهار وبحار وغابات. فكما يبذر الكوكب الثقافات، تعود الثقافات لتزرع الكوكب، مغذّيةً منظومات للعالم وللفكر تكون فيها المبادلات والتفاعلات ضرورية للحفاظ على منظومات الحياة أو تحويلها.

إن ضمان الحقوق الثقافية ضمانة أساسية للعالم، بل هو كذلك بدرجة تفوق ما هو عليه للبشرية ذاتها. فالثقافات، بوصفها أنماطاً للعيش، تحفظ التنوع البيولوجي للكوكب وتنوّع الأغذية التي تغذّي الأجساد والنفوس والأرواح. نحن ثقافات حية كما أن أقاليم وجودنا حية، وحماية أشكال التعبير الثقافي المتنوعة والحرية الفنية وتعزيزها ورعايتها تمنحنا فرصة الإصغاء بمزيد من الانتباه إلى أصوات العالم، البشرية منها وغير البشرية. فالثقافة التي تموت نبتة تموت، وغذاء يختفي، ومشهد يتلاشى، وضمان حياة الثقافات المتنوعة ووجودها هو ضمان لبقاء الحياة ذاتها على هذا الكوكب.

لا يوجد شعب بلا ثقافة، كما لا يوجد شعب بلا ذاكرة. وتتفتّح ثقافات الشعوب الأصلية متجذّرة في المعرفة العميقة لأسلافنا، معرفة أقاربنا، ونحن جميعاً أقارب: فالنهر ابن الغابة، والقوس شقيق السهم، والطريدة قريبة الصياد، والقريب يرعى قريبه، والسياسات، شأنها شأن أشجار الغابة، لا تزدهر إلا بثقافة الرعاية.

ولهذا بات ملحّاً أن تسعى الحكومات بصورة جماعية إلى وضع سياسات ثقافية يمكن بناؤها وتعزيزها من منظور حقوق الإنسان. فإن كانت الثقافات حية، فلها أيضاً الحق في حرية التعبير والمساواة والأمن والملكية الفكرية، فردية كانت أم جماعية. وإن كانت الثقافات حية، فينبغي أن تنال حق الاعتراف بها على قدم المساواة مع التعليم والصحة والغذاء والعمل، لأنها بالفعل مأوى لمن يعيشون في الثقافة ويعيشون منها. ولا ينبغي أن تتعرض أي ثقافة للتمييز أو الانتقاص أو الاضطهاد أو التجريم، بل ينبغي الاعتراف بالجرائم المرتكبة بحق الثقافة كما يُعترف بالجرائم المرتكبة بحق الحياة، حتى تُعامل الثقافات دائماً باحترام وكرامة.

ومن يزرع الثقافة ويرعاها إلى جانب مجتمعه يجني ثمار الفنون والفكر، ويقدّر نكهة الذاكرة الكامنة في التراث الثقافي المادي وغير المادي، ويثمّن التنوع الثقافي كما يثمّن تنوع الغذاء، ويجعل من الزراعة ممارسة كونية بتطوير أفضل الأدوات لتقاسمها مع الجميع. ولهذا فإن النفاذ الديمقراطي إلى السلع الثقافية والتقنيات ووسائل الإنتاج والنشر الثقافيين أمر أساسي كذلك لهذه الزراعة. فالثقافات، مثل الحياة ومثل كراماتنا، متمرّدة، تقاوم الصمت والمحو والنسيان، لأن الثقافة هي فن العيش والبقاء على قيد الحياة.

لمحة عامة

أولاً، على الرغم من الاعتراف الرسمي بالحقوق الثقافية، لا يزال ثمة قصور خطير في حمايتها وتعزيزها على نحو فعّال. ويمثّل ذلك تحدياً عالمياً بالغ الأهمية للثقافة، إذ تتعرض الحقوق الثقافية للتهديد ويظل وضع الفنان هشاً في كثير من البلدان. ولا يزال الفنانون يواجهون صعوبات في نيل الاعتراف وإعمال حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، إما لافتقارهم إلى وضع رسمي وإما لعدم تنفيذ الإطار القانوني. ومع أن عدداً متزايداً من البلدان عزّز التزامه بالحرية الفنية، فإن قيوداً كثيرة لا تزال قائمة في أنحاء العالم، منها الأعراف الاجتماعية التمييزية والرقابة والملاحقة القضائية والعنف، بل وقتل الفنانين في أسوأ الحالات.

ثانياً، تواصل منذ آخر استقصاء عالمي أُجري عام 2019 الاتجاه العالمي نحو تعزيز الوضع القانوني للفنانين وغيرهم من المهنيين الثقافيين. ولكن في حين يجري الاعتراف بالحقوق الثقافية وتعريفها على نحو يزداد شمولاً في منظومة حوكمة حقوق الإنسان العالمية، فإن آليات الإبلاغ القائمة المرتبطة باتفاقيات محددة للأمم المتحدة لا تكفي لقياس التقدم المحرز ولمساءلة الدول الأعضاء في اليونسكو عن إجراءاتها في حماية الحقوق الثقافية وتعزيزها. ومن ثم يلزم بذل جهود محددة ومنهجية لتوليد البيانات على المستوى الدولي لرصد التقدم على النحو السليم.

ثالثاً، تُظهر أطر حماية اللغات تقدماً في الاعتراف بالتنوع الثقافي، ولا سيما بالنسبة للغات الأقليات ولغات الشعوب الأصلية. غير أن فعالية التنفيذ تتفاوت تفاوتاً كبيراً، ما يُبرز الحاجة إلى تعزيز آليات الدعم.

رابعاً، تواجه النساء والفئات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً، كالشعوب الأصلية والأقليات الثقافية، عوائق غير متناسبة أمام المشاركة الثقافية. وهذه الفئات هي الأكثر عرضة للخطر عند ممارسة حقوقها الثقافية وما يرتبط بها من حقوق اجتماعية واقتصادية. ويمكن للدول الأعضاء التي تُجري تقييمات للأثر على النوع الاجتماعي وعلى الأقليات بوصفها جزءاً لا يتجزأ من سياساتها الثقافية، وتخصّص مسارات تمويل مكرّسة للمبادرات الثقافية التي تقودها النساء والأقليات، أن تكون نماذج يُحتذى بها.

خامساً، تُعدّ المنصات الرقمية أدوات حاسمة لتوسيع نطاق النفاذ الثقافي والمشاركة الثقافية، وإن كانت فعاليتها محدودة بسبب عوائق قانونية وأخلاقية وتكنولوجية واجتماعية واقتصادية مستمرة. وقد تُستغل المنصات الرقمية في الاتجار غير المشروع والاحتيال وانتهاك الملكية الفكرية والتحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي الميسَّر بالتكنولوجيا وغير ذلك. كما أن الذكاء الاصطناعي، وإن كان يشكّل مخاطر اقتصادية كبيرة على الفنانين من خلال خفض دخولهم وإضعاف حماية حق المؤلف وزيادة انعدام الأمن الوظيفي، يمكن أن يسهم أيضاً في تيسير الممارسات الثقافية وتعزيزها، كحماية التراث الثقافي وترميمه وتتبّع العائدات ورسم خرائط القطاع.

مقدمة

تشكّل الثقافة الأساس الذي يقوم عليه وجودنا الإنساني المشترك وذاكرتنا الجماعية. فمن خلال الثقافة نصوغ هوياتنا الفردية والجماعية، ونبني روابط عميقة تتجاوز الزمان والمكان. وكما عرّفها إعلان موندياكولت لعام 1982 وأعاد إعلان عام 2022 تأكيده، فإن الثقافة هي «جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات». ويغذّي هذا النسيج الغني من التعبير الإنساني رفاهنا عبر المشاعر المشتركة والروابط الاجتماعية، ويُثري حياتنا بالإبداع والمعنى والقيم. وكثير من الثقافات يعمّق علاقة الإنسان بالطبيعة، فيعزّز الوعي البيئي والاستدامة والقدرة على الصمود. والثقافة، بوصفها ركيزة لبناء مجتمعات مزدهرة ومسالمة، تقع في قلب أنشطة نابضة تمتد عبر الفنون والترفيه والسياحة. وتتجلّى الثقافة في أشكال لا تُحصى، من خلال الكلمات والأصوات والصور والحركة والمعالم والأشياء ونظم المعارف التقليدية، واليوم عبر الوسائط الرقمية، لتشكّل جسراً حيوياً بين التراث والابتكار، يتيح للمجتمعات أن تكرّم ماضيها وهي تتكيّف مع التطورات والتحديات المعاصرة.

وبعض الممارسات الثقافية وأشكال التعبير ذات طابع كوني، إذ نجدها في جميع المجتمعات البشرية بصرف النظر عن الجغرافيا أو التاريخ، في حين يقتصر بعضها الآخر على مجتمعات أو مناطق بعينها. ومن أمثلة أشكال التعبير الثقافي الكونية: الموسيقى والرقص للتعبير عن المشاعر، ورواية القصص لتناقل المعارف والقيم والتاريخ، والطقوس والاحتفالات للاحتفاء بمحطات الحياة المهمة، والفنون البصرية للتعبير عن المعتقدات والمشاعر، والطهي والوجبات المشتركة لتوطيد الروابط الأسرية والاجتماعية، والأزياء وزينة الجسد لتحديد الهوية الثقافية، والفكاهة واللعب للتفاعل الاجتماعي والتخفيف من التوتر، والممارسات الدينية أو الروحية. وفي المقابل، تتحدد الأشكال السياقية للأنشطة الثقافية بخلفيات تاريخية وبيئية واجتماعية محددة، ومن أمثلتها أنواع الموسيقى وأساليب الرقص والأزياء التقليدية وتقاليد الطهي والمهرجانات والاحتفالات والعادات الاجتماعية وطرائق التحية والأساليب المعمارية. غير أن ثمة أيضاً أشكالاً من التعبير الثقافي قائمة على تقاليد بعينها تتعارض مع حقوق الإنسان العالمية، كتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، ومن هذا المنطلق لا يجوز استخدام الثقافة لإضفاء الشرعية على العنف القائم على النوع الاجتماعي أو عدم المساواة أو التمييز.

وتميل البلدان التي تتمتع بمؤسسات وتقاليد ديمقراطية راسخة إلى أن تكون أكثر تسامحاً مع التنوع في التعبير والأنشطة الثقافية وأكثر دعماً له، خلافاً للأنظمة الاستبدادية التي تميل إلى تشجيع أشكال التعبير الثقافي ضمن حدود توجهاتها السياسية والأيديولوجية، وكثيراً ما تفضّل الامتثال على التنوع الثقافي. وتبرز هذه الفوارق بشكل خاص في حقوق الأقليات وحرية التعبير والاستقلالية الثقافية.

ويتخذ دعم الثقافة شكل سياسات محددة وموارد مالية تُسخَّر لصالح الأنشطة الثقافية والفنية. ففي أوروبا الغربية مثلاً، تشتهر فرنسا وألمانيا وهولندا بسخاء التمويل العام الذي تقدّمه للفنانين والمؤسسات الثقافية والصناعات الثقافية والإبداعية. أما بلدان الشمال الأوروبي فهي «البطلة الأوروبية» في الاستثمار في الفنون والموسيقى والأدب، وحماية ثقافة الشعوب الأصلية، والسياسات الداعمة للتنوع اللغوي والإثني، لا داخل حدودها فحسب، بل في الجنوب العالمي أيضاً، حيث تدعم الحرية الفنية بسخاء عبر وكالاتها الإنمائية، كالوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي والوكالة النرويجية للتعاون الإنمائي.

وبعد انتهاء نظام الفصل العنصري في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كرّست جنوب أفريقيا حماية الحقوق الثقافية في دستورها الجديد، واعتمدت سياسات تدعم مجتمعات الشعوب الأصلية والمجتمعات المهمّشة، واستثمرت منذ ذلك الحين بسخاء في الفنون والموسيقى والأدب. وفي أمريكا اللاتينية، يعترف دستور بوليفيا بالأمة «دولةً متعددة القوميات»، مؤكداً حق الشعوب الأصلية في تقرير المصير والهوية الثقافية والحفاظ على لغاتها. ونفّذت كولومبيا إطاراً شاملاً لحماية الحقوق الثقافية وتعزيزها، يركّز على تراثها المتنوع وعلى إدماج الشعوب الأصلية والكولومبيين المنحدرين من أصل أفريقي وسائر المجتمعات المهمّشة. وتتميّز كوستاريكا بارتفاع مستوى استثمارها في التعليم الثقافي وحماية التراث، وبتشجيعها النشط للتعبير الفني والأدبي، وبإطارها القانوني المتين الداعم لحقوق الشعوب الأصلية والحفاظ على الثقافة.

وفي أمريكا الشمالية، تنتهج كندا سياسة للتعددية الثقافية تحمي التنوع الإثني واللغوي، وتوفّر تمويلاً وفيراً للمبادرات الفنية والثقافية، وقد سنّت تشريعات قوية لتعويض ثقافات الأمم الأولى والإنويت والميتيس وحمايتها.

وفي آسيا، أظهرت اليابان التزاماً طويل الأمد بحماية التراث الثقافي، وتقديم دعم متين للفنون والحرف التقليدية وفنون الأداء، وتنظيم مهرجانات ثقافية مدعومة حكومياً بصفة منتظمة. وفي منطقة المحيط الهادئ، طالما عُدّت نيوزيلندا في طليعة الدول التي تعترف بالحقوق الثقافية واللغوية للشعوب الأصلية، إذ تعزّز تراث الشعوب الأصلية بنشاط في التعليم ووسائل الإعلام، وتقدّم دعماً حكومياً قوياً للصناعات الثقافية والإبداعية. وقد أثارت النقاشات السياسية الأخيرة حول تفسير معاهدة وايتانغي جدلاً عاماً واستقطبت اهتماماً دولياً، وأبرزت هذه التطورات الأهمية المستمرة للحوار البنّاء ونُهج السياسات الشاملة في الحفاظ على السمعة الطيبة التي تتمتع بها نيوزيلندا في مجال الحقوق الثقافية والتعامل مع الشعوب الأصلية.

وتجدر الإشارة إلى أن الأطر القانونية، بما فيها المعاهدات التأسيسية كمعاهدة وايتانغي، ليست جامدة، فتفسيرها قد يتطور مع مرور الزمن، وقد يتأثر في بعض الحالات أو يُتلاعب به على نحو يقوّض المبادئ والمقاصد ذاتها التي أُرسيت من أجلها في الأصل.

وتُظهر بيانات عام 2022 الصادرة عن معهد اليونسكو للإحصاء أن الإنفاق على دعم الثقافة يتفاوت تفاوتاً كبيراً بين المناطق والبلدان، بما يعكس مستوى تنميتها الاقتصادية ودرجة التزامها في آن معاً. ومن المهم أيضاً ملاحظة أن بيانات المعهد بشأن الإنفاق على التراث لا تشمل الإنفاق الأوسع في القطاع الثقافي، كالإنفاق على المهرجانات والتعليم الثقافي وسائر الأنشطة الإنمائية. ويتراوح متوسط الإنفاق العام للفرد على التراث الثقافي والطبيعي، محسوباً بدولارات تعادل القوة الشرائية الثابتة لعام 2017، بين 75 و365.9 دولاراً في أوروبا وأمريكا الشمالية، في حين يبلغ 12.5 دولاراً في شمال أفريقيا وغرب آسيا، و10.5 دولارات في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، و4.6 دولارات في شرق آسيا وجنوب شرقها، ويقل عن دولار واحد في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وتقدّم كولومبيا ممارسة جيدة في هذا الصدد، إذ استثمرت حسابها الفرعي للثقافة لإدماج منظور المساواة بين الجنسين في تمويل القطاع الثقافي. ففي عام 2020، استخدمت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في بوغوتا هذه البيانات لإجراء «تحليل نوعي وكمي للحساب الفرعي للثقافة من منظور المساواة بين الجنسين»، تناول ظروف عمل المرأة، بما فيها الأجور واستقرار المسار المهني والحماية الاجتماعية والطابع غير الرسمي للعمل، وحدّد العوائق البنيوية التي تواجهها. ويبيّن هذا المثال كيف تجاوزت كولومبيا مجرد تتبّع النفقات الثقافية إلى تقييمها وفق إطار يراعي النوع الاجتماعي.

ومع أن الكرامة الإنسانية العالمية وحقوق الإنسان تظل غايات أساسية، فإن إعمالها الكامل يتفاوت بين بلدان العالم. فبحسب مؤشر الديمقراطية لعام 2023 الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية، يقيم 7.8% من سكان العالم في بلدان تتسم بحوكمة ديمقراطية مكتملة الرسوخ، وعددها 24 دولة، بعد أن كانت النسبة 12.3% في عام 2010. ويقيم بقية سكان العالم في بلدان ذات أنظمة حكم متنوعة، منها بلدان ذات مؤسسات ديمقراطية تواجه تحديات أو قيوداً، وبلدان تجمع بين سمات ديمقراطية وسمات حكم أخرى، وبلدان ذات هياكل حكم مركزية تحدّ من التعددية السياسية.

وفي بعض السياقات السياسية التي تكون فيها هياكل الحكم أكثر مركزية، قد تعكس السياسات الثقافية تركيزاً أكبر على التماسك الوطني وسرديات الدولة. وفي مثل هذه البيئات، قد تواجه الأطر القانونية والمؤسسية لصون التنوع الثقافي تحديات، منها صعوبة تنفيذ سياسات المساواة بين الجنسين، والقيود المفروضة على استقلال القضاء، وضعف الحماية الرسمية لأشكال التعبير الثقافي للشعوب الأصلية وللحرية الفنية، وتراجع دعم التعددية في الهوية.

ويمكن أن تفضي هذه الظروف إلى فرض الرقابة على الفن والأدب ووسائل الإعلام، وإضعاف ثقافات الأقليات والشعوب الأصلية، وتهميش المرأة، وتشويه السرديات التاريخية، وتقييد النفاذ إلى التبادل الثقافي الدولي، وتضييق المساحة المتاحة للابتكار الإبداعي.

تعريف حقنا في الثقافة

في ظل هذه الخلفية، رأى المجتمع الدولي أنه لا غنى عن حماية الممارسات الثقافية وأشكال التعبير وتعزيزها من خلال سلسلة من الصكوك التي تعرّف الحقوق الثقافية بوصفها فئة أساسية ومتميزة في آن واحد ضمن الإطار الدولي لحقوق الإنسان. فالحق في المشاركة في الحياة الثقافية والتمتع بالفنون مكرّس في المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، والمادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر عام 1966. وقد فصّلت اتفاقات دولية وإقليمية أكثر تحديداً الأبعاد المختلفة للحقوق الثقافية، ومعظمها بإلهام من اليونسكو وبدفع منها. وقد تطور الإطار التقنيني لليونسكو بشأن الحقوق الثقافية عبر عدد من الصكوك الرئيسية، يتناول كل منها جوانب محددة من حماية الحقوق الثقافية وقياسها.

الإطار 3: تطور الحقوق الثقافية في الأطر الدولية

في عام 1948، صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فكان أول اعتراف دولي بالحقوق الثقافية جزءاً من حقوق الإنسان. وتنص مادته الثانية والعشرون على أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية «لا غنى عنها لكرامة الإنسان»، وتشير مادته السابعة والعشرون إلى حق كل شخص في «أن يشترك اشتراكاً حراً في حياة المجتمع الثقافية، وأن يستمتع بالفنون، ويسهم في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه». كما يؤكد الإعلان حق المؤلف في «حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني».

وفي عام 1954، اعتُمدت اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح وبروتوكولاها الصادران عامي 1954 و1999. وتؤدي هذه المعاهدات الدولية الثلاث دوراً حاسماً في منع النزاعات والمساعدة على التعافي والحفاظ على الممتلكات الثقافية المنقولة والثابتة للبشرية جمعاء في أوقات السلم وأثناء النزاع المسلح وبعده.

وفي عام 1966، اعتُمد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي تشير مادته الخامسة عشرة صراحة إلى الحقوق الثقافية، بما فيها الحق في المشاركة في الحياة الثقافية والتمتع بفوائد التقدم العلمي والاستفادة من حماية الملكية الفكرية. ويشدّد العهد على التزامات الدول بصون الحياة الثقافية وتعزيزها وإتاحتها للجميع.

وفي العام نفسه، اعتُمد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يكمّل العهد السابق من خلال أحكامه المتعلقة بحماية الأقليات.

وفي عام 1970، اعتُمدت اتفاقية اليونسكو بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، وهي تركّز على حماية التراث الثقافي، إذ إن الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية يحرم الشعوب من ذاكرتها وتاريخها ومن التمتع الكامل بحقوقها الثقافية.

وفي عام 1972، اعتُمدت اتفاقية اليونسكو للتراث العالمي التي تحمي الممتلكات الثقافية والطبيعية ذات القيمة العالمية الاستثنائية.

وفي عام 1979، اعتُمدت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تسعى إلى وضع نصف البشرية في صميم اهتمامات حقوق الإنسان، وإلى إعادة تأكيد حقوق الإنسان الأساسية وكرامة الفرد وقدره وتساوي الرجال والنساء في الحقوق.

وفي عام 1980، اعتُمدت توصية اليونسكو بشأن وضع الفنان، التي تسعى إلى تحسين الوضع المهني والاجتماعي والاقتصادي للفنانين من خلال تنفيذ سياسات وتدابير تتعلق بالتدريب والضمان الاجتماعي والعمالة والدخل والأوضاع الضريبية والتنقل وحرية التعبير.

وفي عام 1982، صدر إعلان مكسيكو بشأن السياسات الثقافية، الذي عرّف الثقافة بأنها «جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية المميزة للمجتمع»، وربط الحقوق الثقافية بالتنمية والهوية الإنسانية.

وفي عام 2001، صدر إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، الذي جعل التنوع الثقافي تراثاً مشتركاً للإنسانية، وأكّد دوره في تعزيز التنمية المستدامة.

وفي العام ذاته، اعتُمدت اتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، التي تهدف إلى صون هذا التراث والحفاظ عليه ومنع نهبه من خلال تعزيز التعاون الدولي.

وفي عام 2003، اعتُمدت اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي، التي تؤكد أهمية صون التراث الحي، كالمعارف التقليدية والتقاليد الشفهية وفنون الأداء والطقوس، عبر الحماية الواجبة لحقوق المجتمعات والجماعات والأفراد الذين يبدعون هذه التقاليد ويحملونها وينقلونها.

وفي عام 2005، اعتُمدت اتفاقية اليونسكو بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، التي تسعى إلى ضمان النفاذ المنصف إلى الموارد الثقافية وحماية أشكال التعبير الثقافي، ولا سيما لدى الفئات المهمّشة.

وفي العام نفسه، اعتُمدت اتفاقية مجلس أوروبا الإطارية بشأن قيمة التراث الثقافي للمجتمع، التي تعترف بالتراث الثقافي حقاً من حقوق الإنسان، وتؤكد أن المشاركة في التراث الثقافي عنصر أساسي للديمقراطية، إذ تتناول مادتها الرابعة تحديداً الحق في المشاركة فيه والاستفادة منه، ومسؤولية الدول عن حماية هذه الحقوق.

وفي عام 2007، صدر إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، الذي يعترف صراحة بالحقوق الثقافية لهذه الشعوب، بما فيها الحق في الحفاظ على تراثها الثقافي ولغاتها وتقاليدها والتحكم فيها وحمايتها وتطويرها.

وفي العام ذاته، صدر إعلان فريبورغ بشأن الحقوق الثقافية، الذي يسعى إلى تعريف الثقافة بأنها تشمل القيم والمعتقدات والقناعات واللغات والمعارف والفنون والتقاليد والمؤسسات وأنماط العيش التي يعبّر بها الشخص أو الجماعة عن إنسانيتهما وعن المعاني التي يضفيانها على وجودهما وتطورهما. ويؤكد الإعلان أيضاً أهمية مشاركة المجتمع المدني، ويدعو إلى توضيح مكانة الحقوق الثقافية بوصفها غير قابلة للتجزئة عن حقوق الإنسان، وإلى التأكيد على وجوب احترامها عالمياً.

وفي عام 2009، أصدرت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التعليق العام رقم 21، الذي يقدّم تفسيراً مفصّلاً للفقرة الفرعية (أ) من الفقرة الأولى من المادة الخامسة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تعترف بحق كل فرد في أن يشارك في الحياة الثقافية.

وفي العام ذاته، أنشأ مجلس حقوق الإنسان ولاية المقرر الخاص للأمم المتحدة في مجال الحقوق الثقافية، بهدف النهوض بالحقوق الثقافية بوصفها مكوّناً أساسياً من مكونات حقوق الإنسان.

وفي عام 2011، اعتُمدت توصية اليونسكو بشأن المناظر الحضرية التاريخية، التي تشجّع نهجاً كلياً في إدارة المناطق الحضرية التاريخية والحفاظ على التراث الثقافي.

وفي عام 2015، اعتُمدت توصية اليونسكو المتعلقة بحماية وتعزيز المتاحف والمجموعات وتنوعها ودورها في المجتمع، التي تؤكد الدور المحوري للمتاحف في المجتمع، لا بوصفها حارسة للتراث فحسب، بل فضاءات حيوية للتعلم والحوار بين الثقافات والسلام والتبادل الثقافي والتماسك الاجتماعي، وهي في الوقت نفسه مؤسسات ثقافية وعلمية وتعليمية.

وفي العام ذاته، اعتُمدت أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. ومع أن الثقافة لم تُخصَّص لها غاية مستقلة، فقد اعتُرف بها في الغاية 11.4 التي تدعو إلى حماية التراث الثقافي والطبيعي وصونه، وفي الغاية 4.7 التي تشير إلى المواطنة العالمية وتقدير التنوع الثقافي وإسهام الثقافة في التنمية المستدامة. وبالمثل، يمكن للمبادرات التي تعزّز حقوق الفنانين والمبدعين في الاستفادة المنصفة من أعمالهم أن تسهم في العمالة والنمو الاقتصادي والحد من أوجه عدم المساواة، وفقاً للهدفين 8 و10.

وفي عام 2019، أطلقت اليونسكو مؤشرات الثقافة|2030، المصمّمة لقياس إسهام الثقافة في خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 وتقييمه. ويزوّد هذا الإطار الحكومات وصانعي السياسات والمؤسسات الثقافية بأدوات لتقييم أثر الثقافة في الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

وفي عام 2022، صدر إعلان موندياكولت الذي يدعو إلى هدف ثقافي مستقل في خطة التنمية لما بعد عام 2030، ويؤطّر الثقافة بوصفها منفعة عامة عالمية محورية لتعزيز السلام والشمول والتنمية المستدامة.

وبالبناء على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهد الدولي لعام 1966، أسهمت اتفاقيات اليونسكو الثقافية إسهاماً كبيراً في تعميق فهم الحقوق الثقافية وتطبيقها. ومع تعيين مقرر خاص للأمم المتحدة في مجال الحقوق الثقافية عام 2009، أكد المجتمع الدولي التزامه الراسخ بالنهوض بالحقوق الثقافية بوصفها مكوّناً أساسياً من مكونات حقوق الإنسان. وقد أُنشئ هذا المنصب تحديداً لتحقيق ثلاثة أغراض: معالجة قضايا النفاذ إلى الحياة الثقافية والمشاركة فيها، والدعوة إلى حماية التنوع الثقافي بما فيه حقوق المجتمعات المهمّشة والشعوب الأصلية، ودراسة أثر العولمة والتنمية والتقنيات الرقمية في الحقوق الثقافية. وقد مُدّدت ولاية المقرر الخاص مرات عدة، آخرها في عام 2024 بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان 55/5.

وفي تقريرها الأول المقدّم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، اقترحت المقررة الخاصة الأولى تعريفاً عملياً للحقوق الثقافية بغرض توضيح خصائصها ونطاقها. فالحقوق الثقافية ترمي إلى حماية ما يلي: الإبداع الإنساني بكل تنوعه والظروف اللازمة لممارسته وتطويره وإتاحته؛ وحرية اختيار الهويات والتعبير عنها وتطويرها، بما في ذلك الحق في اختيار عدم الانتماء إلى جماعات بعينها، والحق في الخروج من جماعة ما، والمشاركة على قدم المساواة في عملية تعريفها؛ وحق الأفراد والجماعات في المشاركة أو عدم المشاركة في الحياة الثقافية التي يختارونها وفي ممارسة شعائرهم الثقافية الخاصة؛ والحق في التفاعل والتبادل بصرف النظر عن الانتماء الجماعي وعن الحدود؛ والحق في التمتع بالفنون والمعرفة، بما فيها المعرفة العلمية، والنفاذ إليها، وإلى التراث الثقافي للفرد نفسه وتراث غيره؛ والحق في المشاركة في تفسير التراث الثقافي وإعداده وتطويره وفي إعادة صياغة الهويات الثقافية.

وكما أكدت المقررة الخاصة، فإن الثقافة أبعد بكثير من أن تكون مجموع المنتجات الفنية والثقافية، فهي عملية ونمط حياة يتغلغل في جميع مجالات التجربة الإنسانية. إنها تجسّد الطريقة التي يضفي بها الناس، أفراداً وجماعات، معنى على حياتهم، وكيف يفهمون بيئتهم البشرية والطبيعية والمصنوعة. وبهذا تؤدي الثقافة دور عامل تمكيني ومحرّك حاسم للتقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ تشمل الحقوق الثقافية استحقاقات فردية وجماعية لا غنى عنها لكرامة الإنسان وللتنمية الاجتماعية.

ويتمحور هذا الفصل حول ثلاثة أبعاد مترابطة تعمل الحقوق الثقافية في إطارها. يتعلق البعد الأول بالنفاذ إلى الحياة الثقافية والتراث وإتاحة الفرصة لعيشهما، أي حرية الأفراد في التمتع بتراثهم الثقافي وبتراث غيرهم من الشعوب والمجتمعات. ويتعلق البعد الثاني بالمشاركة في الأنشطة الثقافية، أي القدرة على الانخراط الفاعل في الممارسات الثقافية، ونقد التقاليد، واختيار الانتماءات الثقافية بحرية. أما البعد الثالث فيتعلق بالإسهام الفني، ويجسّد الحق في الإبداع والتأثير في الممارسات والأعراف والتراث الثقافي، فضلاً عن حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على الإبداعات.

والنوع الاجتماعي عنصر أساسي في صميم هذه الأبعاد الثلاثة. فكما أكدت المقررة الخاصة، يتقاطع النوع الاجتماعي والثقافة والحقوق بطرق معقدة ومتشابكة، ما يؤدي في أحيان كثيرة إلى تعرّض المرأة لأشكال متعددة من التمييز. ويجعل واقع كون الهويات الفردية «متعددة ومعقدة» النساء عرضة بشكل خاص لأشكال متداخلة من الإقصاء، لا سيما وهن يتنقلن بين مجتمعاتهن الثقافية والمشاركة المجتمعية الأوسع. وكثيراً ما ينطوي ذلك على مواجهتهن معارضة غير متناسبة حين يطالبن بحقهن في المشاركة في ممارسات ثقافية محددة أو الامتناع عنها. وعلاوة على ذلك، وكما تؤكد مبادرة «ريزيلي آرت»، يجب أن نحمي الحقوق الثقافية للجميع بصرف النظر عن هويتهم الجنسانية، بما في ذلك مجتمعات الميم.

وفي هذا السياق، يُعترف بالحقوق الثقافية بوصفها حقوقاً تمكينية، تمنح الأفراد السيطرة على مسار حياتهم وتيسّر تمتعهم بالحقوق الأخرى. ويكتسي هذا الجانب التحويلي أهمية خاصة بالنسبة للمرأة، إذ يمكّنها من تحدي الأدوار الجنسانية المفترضة وقلبها، وهي أدوار كثيراً ما تقيّد أنشطتها وفرصها.

وفي عام 2016، تناول تقرير المقررة الخاصة بشأن التدمير المتعمد للتراث الثقافي في حالات النزاع وغيرها، على يد جهات حكومية وغير حكومية، أثر هذا التدمير في طيف واسع من حقوق الإنسان، بما فيها الحق في المشاركة في الحياة الثقافية. وأبرز التقرير ضرورة النظر إلى التراث ككل، بما يتجاوز الفصل بين التراث المادي والتراث الحي غير المادي، مؤكداً أن الاعتداءات على أحد شكلي التراث كثيراً ما تقترن بالاعتداء على الآخر، وأن الاعتراف بالتراث مورداً حياً ذا معنى عميق للناس يفسّر لماذا يُحدث تدميره ضرراً بالغاً يتجاوز الضرر المادي. وشدّد التقرير كذلك على الاستمرارية والترابط بين اتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكوليها من جهة، وصكوك حقوق الإنسان المنطبقة على ميدان التراث من جهة أخرى، وعلى مجالات عمل بين فروع القانون الدولي من شأنها أن تستفيد من مزيد من التآزر. وقد مهّد ذلك الطريق لاعتماد سلسلة من قرارات مجلس حقوق الإنسان بشأن الحقوق الثقافية وحماية التراث الثقافي، هي القرارات 33/20 و37/17 و49/7.

وفي ضوء ذلك، قررت لجنة حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، المنشأة بموجب البروتوكول الثاني لعام 1999 الملحق باتفاقية لاهاي لعام 1954، إقامة حوار منتظم مع المقرر الخاص في مجال الحقوق الثقافية بهدف تعزيز احترام الحقوق الثقافية في أوقات السلم وفي حالة النزاع المسلح، باتّباع نهج قائم على حقوق الإنسان. وشكّل المؤتمر العالمي لليونسكو بشأن السياسات الثقافية والتنمية المستدامة، موندياكولت 2022، منعطفاً تاريخياً، إذ دعت 150 دولة بالإجماع إلى الاعتراف بالثقافة هدفاً مستقلاً في خطة التنمية لما بعد عام 2030. وكان الدافع إلى هذا الإنجاز إدراك أن حماية الحقوق الثقافية تتطلب وضع سياسات وتنفيذها ورصدها على نحو منهجي، في وقت تمضي فيه المجتمعات عبر تغيّر تكنولوجي متسارع، وتتلاحق عليها الأزمات العالمية، وتسعى إلى معالجة أوجه عدم المساواة المستمرة في المشاركة والتعبير الثقافيين.

وقد جاء في ديباجة إعلان موندياكولت 2022، في النقطة الخامسة، إعادة تأكيد ضرورة حماية حقوق الإنسان والتنوع الثقافي وتعزيزهما، في ضوء التهديدات المتزايدة التي تواجه الثقافة واستخدامها لأغراض يُرجَّح أن تعرّضها للتدمير أو الضرر في سياق النزاعات المسلحة، وما ينجم عن ذلك من تدمير متعمد أو عرضي للتراث الثقافي، وتسارع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وانتهاك حقوق الإنسان والحقوق الثقافية بما في ذلك عبر التمييز، واضطراب الممارسات الثقافية الحية، وتفاقم هشاشة الفاعلين والمؤسسات والمواقع والأسواق الثقافية.

كما جاء في النقطة العاشرة من الدعوة إلى العمل في الإعلان ذاته التزام بتهيئة بيئة مواتية لاحترام جميع حقوق الإنسان وممارستها، ولا سيما الحقوق الثقافية الفردية والجماعية، في جميع مجالات الثقافة، من التراث الثقافي إلى القطاعات الثقافية والإبداعية، بما في ذلك البيئة الرقمية، من أجل بناء عالم أكثر عدلاً وإنصافاً والحد من أوجه عدم المساواة، بما يشمل النساء والشباب والأطفال والشعوب الأصلية والمنحدرين من أصل أفريقي والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الضعيفة.

وقد أتاحت الصكوك التقنينية لليونسكو للمجتمع الدولي إرساء آليات إبلاغ محسّنة تعكس التقدم المحرز في إعمال الحقوق الثقافية، أفضت إلى المجموعة الحالية من المؤشرات التي تقيّم ثلاثة جوانب: النفاذ إلى الحياة الثقافية والمشاركة فيها، مع تركيز رئيسي على النفاذ والمشاركة المنصفين، وحماية التراث الثقافي والنفاذ إليه، والتنوع الثقافي واللغوي؛ والحرية الفنية ووضع الفنان وتنقّله؛ والحوكمة الثقافية وصنع السياسات.

غير أن التحديات المستمرة في مجال الرصد تؤكد الحاجة إلى هدف ثقافي مخصص، وإلى جهود لتطوير منظومة شاملة من المؤشرات الكمية والنوعية المتفق عليها، والتي تُنتج بانتظام استناداً إلى التزام سياسي واضح بتوليد المعلومات اللازمة. فالتقارير المقدّمة من الدول الأعضاء تكشف عن نقص البيانات اللازمة لصنع السياسات القائمة على الأدلة، ومحدودية القدرة على تقييم أثر السياسات، وقصور التعاون بين الحكومات والمجتمع المدني. ولهذه الثغرات عواقب سلبية على حماية الحقوق الثقافية، فهي تحجب أوجه التفاوت في المشاركة الثقافية، وتخفي العوائق التي تعترض التعبير الفني، وتعرقل وضع سياسات ثقافية فعالة وشاملة. ومن المرجح أن تستمر هذه التحديات ما لم تُحدَّد في إطار التنمية العالمي غايات محددة وقابلة للقياس والتحقق لحماية الحقوق الثقافية وتعزيزها. فضلاً عن ذلك، فإن إبراز أهمية الحقوق الثقافية ينسجم مع فهم واسع للوضع الإنساني، يكون فيه الوسط الرمزي مكوّناً محورياً.

ويتّسق هذا النهج اتساقاً وثيقاً مع ميثاق المستقبل، وهو الاتفاق العالمي الذي اعتُمد في قمة الأمم المتحدة للمستقبل في سبتمبر 2024. فبهدف إعادة تنشيط التعاون المتعدد الأطراف ومعالجة التحديات العالمية وتعزيز مستقبل مستدام ومسالم، يمثّل الميثاق التزاماً متجدداً من المجتمع الدولي بتسريع التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة. والجدير بالذكر أنه يؤكد أهمية الحقوق الثقافية، معترفاً بالدور الأساسي للثقافة في تعزيز التماسك الاجتماعي والهوية الفردية والمجتمعية. ويحدد الميثاق مجموعة من الالتزامات الشاملة، هي: إدماج الثقافة في سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتعزيز التعاون الدولي لإعادة الممتلكات الثقافية إلى بلدانها الأصلية، وضمان استثمار عام كافٍ في حماية الثقافة وتعزيزها. وتؤكد هذه الالتزامات دور الثقافة مكوّناً لا يتجزأ من التنمية المستدامة، وتعترف بطبيعتها الديناميكية في المجتمع المعاصر.

وفي هذا السياق، يمكن لهدف ثقافي مستقل أن يوفّر الإطار اللازم لتعزيز توليد بيانات متينة، ووضع مؤشرات موحّدة، وتنفيذ سياسات ثقافية أكثر فعالية، وإن كان ثمة توتر بين توافر البيانات وصياغة أهداف قابلة للتحقيق. ويركّز التحليل المعروض هنا على دراسة المشاركة المنصفة في الحياة الثقافية، وحماية الحرية الفنية، والحوكمة الثقافية الشاملة، ويبيّن جدوى الرصد المنهجي للحقوق الثقافية وضرورته في آن معاً. وتشكّل هذه الأبعاد مكوّنات أساسية للحقوق الثقافية كما تعترف بها الأطر الدولية لحقوق الإنسان. ويسلّط هذا النهج القائم على الأدلة، المتّسق مع اعتراف إعلان موندياكولت 2022 بالثقافة منفعةً عامة عالمية، الضوء على الكيفية التي يمكن بها لغايات ثقافية محددة أن تعزّز حماية الحقوق ونتائج التنمية المستدامة معاً في خطة ما بعد عام 2030.

ويشكّل النفاذ إلى الحياة الثقافية والمشاركة فيها بُعدين أساسيين من أبعاد الحقوق الثقافية، يرتبط كل منهما بسمات متمايزة لكنها متكاملة: فالنفاذ يعني ضمان توافر السلع والخدمات والتجارب الثقافية وإتاحتها دون تمييز، في حين تتيح المشاركة الانخراط الفاعل في الممارسات الثقافية وفي صنع القرار والتطوير.

وفي إطار آليات الرصد والإبلاغ المرتبطة باتفاقيات اليونسكو الثقافية وتوصياتها، تفيد الدول الأعضاء بتحقيق تقدم في خمسة مجالات رئيسية تتصل بالحقوق الثقافية، هي: السياسات الوطنية والأطر التقنينية، وتحسين النفاذ إلى الثقافة، والاعتراف بالتنوع الثقافي، وصون حقوق الفنانين، ومعالجة مسألة إعادة الممتلكات الثقافية. وتشير هذه التقارير إلى تقدم في إرساء أطر سياسات داعمة، إذ أعلنت 95% من الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير أن لديها تدابير لتيسير النفاذ إلى مرافق وأشكال تعبير ثقافية متنوعة، وفقاً للتقارير الدورية لاتفاقية عام 2005.

ويكشف التحليل عن تقدم في أطر التنفيذ من جهة، وعن تفاوتات مستمرة في المشاركة الثقافية بين المناطق والفئات السكانية من جهة أخرى. وتعكس البيانات الحديثة هذا التطور، بما في ذلك زيادة إدماج التنوع في النوع الاجتماعي والتوجه الجنسي والهوية في السياسات الثقافية، وتكثيف الجهود لمنع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية. وقد جدّدت الدول التزامها بهذا التقدم من خلال ميثاق المستقبل، الذي يضمن أن تسهم السياسات والاستراتيجيات الثقافية في تنمية أكثر فعالية وشمولاً وإنصافاً واستدامة، عبر إدماجها في الأطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

ومع ذلك، لا يزال الإعمال والحماية الشاملان للحقوق الثقافية لجميع المواطنين يمثّلان تحدياً، ولا سيما حين يتعلق الأمر بضمان النفاذ والمشاركة المنصفين عبر مختلف السياقات الاجتماعية والاقتصادية.

المشهد المتغيّر للمشاركة الثقافية بعد جائحة كوفيد 19

تتسم الأنماط العالمية لتعافي المشاركة الثقافية منذ جائحة كوفيد 19 بالتعقيد. فالتحليل المقارن لاتجاهات المشاركة بين عامي 2015 و2022 يكشف عن تغيّرات كبيرة في مختلف الأنشطة الثقافية، تتفاوت آثارها بحسب الجنس، علماً بأن البيانات المتاحة حالياً لا تصنّف النوع الاجتماعي إلا إلى نساء ورجال. وفي الوقت ذاته، تفيد الدول الأعضاء بأن المنصات الرقمية والصيغ الافتراضية أصبحت أدوات حاسمة لتوسيع نطاق النفاذ، إذ اعتمد كثير منها نُهجاً مبتكرة تجمع بين الحضور الفعلي والنفاذ عن بُعد. غير أن فعالية تدابير التعافي هذه تتفاوت تفاوتاً كبيراً بين المناطق والسياقات الاجتماعية والاقتصادية.

وبالنسبة للفعاليات الثقافية المنظّمة رسمياً في أماكن مخصصة كالمسارح والصالات الكبرى، ترتبط المشاركة ارتباطاً وثيقاً بعوامل اجتماعية واقتصادية أوسع، ولا سيما المستوى التعليمي، وهي عوامل مرتبطة بدورها بتفاوت الفرص. وتعكس هذه الأنماط أوجه عدم مساواة بنيوية أوسع تؤثر بشكل خاص في قدرة المجتمعات المهمّشة على الحفاظ على حياتها الثقافية وتطويرها.

ويبدو توسّع مبادرات النفاذ الرقمي واعداً من نواحٍ عدة، منها تعزيز الحوار بين مختلف الجماعات الوطنية والدولية. كما تعمل دول أعضاء كثيرة على وضع استراتيجيات رقمية وطنية وإنشاء منصات للمبادرات الثقافية. بيد أن ثمة تحديات كبيرة مرتبطة باستمرار الفجوة الرقمية، التي تمسّ بشكل خاص المجتمعات الريفية والمنخفضة الدخل. والفجوة الرقمية وثيقة الصلة بمدى توافر بنية تحتية ملائمة للاتصالات الرقمية، وهو أمر يتوقف بدوره على السياسات الوطنية وطريقة تعاملها مع ديناميكيات السوق. وحتى مع توافر هذه البنية التحتية، تبقى قضايا أخرى قائمة، كالحصول على الأجهزة الرقمية، والحواجز اللغوية، والأنماط غير المتكافئة لاستهلاك الخدمات الرقمية.

ومن المهم كذلك الإشارة إلى أن التقنيات الرقمية لا تعمل في فراغ، بل هي مندمجة في الأطر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأوسع التي تستخدمها فيها جهات فاعلة مختلفة. فما يُعرف بشبكات التواصل الاجتماعي الرقمية والتطبيقات الهاتفية على وجه الخصوص قد يكون لها أثر قوي في الصحة النفسية، ولا سيما لدى الأجيال الأصغر سناً، وفي ممارسات القراءة والتفكير، وفي التنظيم العام للتجارب الإنسانية. وفي الوقت نفسه، قد ينطوي تزايد التعرض للفضاء الإلكتروني على مخاطر ناجمة عن تداول محتوى ضار يقوّض القيم الثقافية ويغذّي التمييز ويمكّن من ممارسة العنف والتحرش القائمين على النوع الاجتماعي ضد النساء والأقليات.

النفاذ إلى التراث والمشاركة فيه

من الجوانب الأساسية للحقوق الثقافية النفاذ إلى التراث بأشكاله المادية وغير المادية والطبيعية والمشاركة فيه. ويُبرز ذلك أهمية تمكين الأفراد والمجتمعات من التفاعل مع تراثهم الثقافي ومع التراث الثقافي الأوسع، بوصفه شكلاً من أشكال الهوية ووسيلة لتعزيز التنوع الثقافي في آن معاً. والأهم أن التراث الثقافي، كما أكدت المقررة الخاصة، يتجاوز المعالم والمجموعات والمتاحف والمؤسسات الثقافية ليشمل التقاليد وأشكال التعبير الحية الموروثة عن الأسلاف والمنقولة إلى الأحفاد. وفي هذا السياق، تفيد الدول الأعضاء بتحقيق تقدم مهم في إرساء أطر لصون التراث الثقافي من خلال حماية قانونية شاملة وإنشاء مؤسسات متخصصة. ويتجلى هذا التقدم بوضوح في إدماج اعتبارات التراث في أطر السياسات الأوسع، إذ تُدرج وزارات متعددة، من التعليم إلى البيئة، حماية التراث في ولاياتها على نحو متزايد.

التراث المادي والطبيعي

تتباين المناطق في نُهجها لحماية الحقوق العرفية للمجتمعات في النظم الإيكولوجية البرية والبحرية والحرجية. وتُظهر البيانات التي أبلغت عنها الدول الأعضاء أن 95% من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نفّذت سياسات لحماية هذه الحقوق، مقابل 74% في أوروبا وأمريكا الشمالية، وفقاً للتقارير الدورية لاتفاقية عام 2003.

ويدل هذا المعدل المرتفع للاعتماد على تنامي الوعي بالعوامل البيئية في حماية الحقوق الثقافية. وتفيد الدول الأعضاء بتكثيف جهودها لإدماج الثقافة في السياسات المناخية، ولا سيما في حماية التراث الثقافي من التهديدات المرتبطة بالمناخ. ولتحقيق ذلك، تحافظ على بعض جوانب السلع الثقافية من خلال إنشاء وحدات متخصصة للاستجابة لحالات الطوارئ، والتوثيق الرقمي، وأرشفة الأصول الثقافية تحسّباً لفقدان الأصل. وكما هو الحال في مجالات أخرى، يتمثّل جزء من المشكلة في سنّ السياسات والأطر التقنينية، بينما يتمثّل جزء آخر في تنفيذها تنفيذاً فعالاً، وهو ما يتطلب أيضاً جهداً منهجياً لتوليد البيانات.

ويُنفَّذ الحفاظ على التراث الحضري بطرق شديدة التباين بحسب السياقات الاقتصادية. وتُظهر المبادرات الأخيرة تقدماً في إرساء التنسيق بين القطاعات، ولا سيما في إدماج الحفاظ على التراث مع تخطيط السياحة وحماية البيئة والتنمية الحضرية. غير أن التحديات لا تزال قائمة في الإدماج الكامل للاعتبارات الثقافية في خطط العمل المناخي وفي ضمان الموارد اللازمة للتكيّف والتخفيف. ومن الأمثلة البارزة على هذا الإدماج مبادرة «برشلونة مدينة التراث»، التي تجدّد المفهوم التقليدي للتراث بإدماج رؤية تراعي في آن معاً التراث المرتبط بهوية الأحياء والعمل المناخي، وقد أنشأت لهذا الغرض فريقاً متخصصاً في المشهد والتراث للإشراف على هذه الجهود.

وثانياً، تموّل مدينة إدنبرة، عبر استراتيجيتها لحالة الطوارئ المناخية، أعمالاً موجّهة لتحسين كفاءة الطاقة والتكيّف مع تغيّر المناخ في موقعها المدرج على قائمة التراث العالمي، بهدف إثبات أن «الصيانة المنتظمة والحفاظ العالي الجودة وتدابير كفاءة الطاقة المراعية لطبيعة المكان» قادرة على وضع البيئات التاريخية في قلب العمل المناخي. وأخيراً، تقدّم استراتيجية روتردام المتكاملة للتكيّف مع تغيّر المناخ نموذجاً ثالثاً يركّز على تكييف الفضاءات الحضرية لتجمع بين ثلاث وظائف حيوية: الامتصاص عبر الساحات المائية والمساحات الخضراء، والحماية عبر السدود والحواجز الساحلية، والحد من الأضرار عبر طرق الإخلاء والمباني المقاومة للمياه.

وتُنفَّذ السياسات الداعمة لتنوع التراث بطرق مختلفة جداً بحسب السياق، وتتراوح هذه الأطر بين الحماية القانونية لمواقع التراث المتعدد الثقافات وبرامج تضمن تمثيل مجتمعات الأقليات في تفسير التراث. وفيما يتعلق بالسرديات التراثية الشاملة، تفيد الدول الأعضاء بمبادرات ناجحة تعترف بتعدد المنظورات التاريخية والإسهامات الثقافية وبدور المرأة في حماية التراث. فعلى سبيل المثال، ظهرت برامج متحفية تعاونية تُشرك مجتمعات متنوعة إشراكاً فاعلاً في تنظيم المعارض وتفسيرها. ومع ذلك، تظل التحديات قائمة في ضمان التمثيل المنصف، ولا سيما للمجتمعات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً. فكثيراً ما تؤثر محدودية الموارد في القدرة على توثيق أشكال التعبير التراثية المتنوعة والحفاظ عليها، في حين قد تؤثر اختلالات موازين القوى في تحديد السرديات التي تحظى بالصدارة في تفسير التراث. وعلى الرغم من هذه التحديات، يمثّل التراث المتنوع مورداً حاسماً لتعزيز التفاهم والتقدير بين الثقافات، ويسهم في التماسك الاجتماعي من خلال الاعتراف المشترك بتعدد التقاليد الثقافية والتجارب التاريخية.

التراث غير المادي والتقاليد الحية

يكشف مؤشر «ملاح الشعوب الأصلية» عن تفاوتات في مستويات الاعتراف القانوني بالتراث غير المادي وتطبيقه العملي. وقد أسفر جمع البيانات على المستويين الوطني والمجتمعي عن مجموعة بيانات غنية وواسعة النطاق. فعلى سبيل المثال، في حين تُظهر أغلبية البلدان المقدّمة للتقارير، أي 18 من أصل 24 بلداً، مستويات أعلى من الاعتراف بحق الشعوب الأصلية في إنشاء وسائل إعلامها الخاصة، تظل مشاركتها في وضع الاستراتيجيات الوطنية للحد من الفقر محدودة للغاية، إذ أفاد 17 بلداً من أصل 24 بمستويات مشاركة متدنية أو منعدمة تماماً. ويُظهر هذان المثالان التنوع العميق في الأوضاع، حتى في الأماكن التي تشارك في هذا المؤشر.

وفي سياق العولمة واختلالات القوة العميقة، كثيراً ما يفضي التبادل بين الثقافات إلى ترويج الثقافات المهيمنة على حساب الثقافات المحلية وثقافات الشعوب الأصلية والأقليات. وقد تسرّع هذه العملية تآكل الممارسات التقليدية واللغات وأنماط العيش. ولذلك تميل الثقافات المهيمنة في أنحاء العالم إلى تبنّي عناصر من ثقافات الأقليات أو تسليعها أو تشويه صورتها دون إذن أو فهم، فتجرّدها من سياقها ومعناها الأصليين. ويقتضي تجنّب الإفراط في تسليع التراث الحي أو انتزاعه من سياقه أو الاستيلاء عليه أو تشويه صورته التوعيةَ بمسؤوليات المجتمعات في رعايته وصونه. كما يتطلب تعميق الفهم للحقوق الثقافية والملكية الفكرية والممارسات الأخلاقية، وما يرتبط بذلك من عمل مسؤول. وقد يستلزم ضمان تمثيل الممارسات والمعارف الثقافية بدقة واحترام، واستفادة المجتمعات المعنية استفادة منصفة من المنتجات والخدمات المتصلة بتراثها الثقافي، تقديم دعم إضافي لهذه المجتمعات وللممارسين، وتنظيماً حكومياً متأنياً، وتعاملاً أخلاقياً من جانب الأطراف الثالثة.

ويزداد صنع السياسات المشترك بين الوزارات لحماية التراث تطوراً. إذ تفيد الدول الأعضاء بتعاون نشط بين سلطات التراث الثقافي والإدارات الحكومية الأخرى: فوزارات البيئة تؤدي دوراً حاسماً في دمج الحفاظ على التراث مع التخطيط للقدرة على الصمود أمام تغيّر المناخ، ووزارات التعليم تُدرج التوعية بالتراث في المناهج الوطنية، ووزارات السياحة وضعت أطراً توازن بين إتاحة المواقع ومتطلبات الحفاظ عليها، وإن ظلت التحديات قائمة في إدارة آثار الزوار.

ومن الأمثلة الناجحة أنظمة الإدارة المتكاملة التي تُدرج فيها إدارات التخطيط الحضري الاعتبارات التراثية والتاريخية والأثرية في لوائح التنمية، وتعدّل فيها وزارات النقل مشاريع البنية التحتية لحماية المناظر الثقافية. وفي المقابل، كثيراً ما يولّد تسليع المواقع التراثية توتراً بين الأهداف الاقتصادية ومقتضيات الحفاظ، رغم ما يوفّره من موارد ضرورية للصون والترميم. كما يثير جدلاً حول الدرجة المرغوبة من التدخل في أعمال الترميم، وكيفية التمييز بين ما يُفترض أنه أصلي وما جرى ترميمه.

وخلاصة القول، إنه في حين تبدو نُهج الحكومة الشاملة واعدة في حماية التراث بجميع أشكاله، مع ارتفاع معدلات التعاون بين الوزارات، تظل ثمة تحديات كبيرة في التوفيق بين الحفاظ على التراث والضغوط المتزايدة للسياحة والمصالح التجارية. وفي الوقت نفسه، من المهم التشديد على دور المجتمعات المحلية في صون التراث الحي. ويتوقف النجاح على آليات تنسيق متينة وعلى تحديد واضح لأولوية أهداف التراث الحي في جميع القطاعات الحكومية.

وتُظهر النُّهج المراعية للنوع الاجتماعي في إدارة التراث مستويات متفاوتة من التقدم. إذ تشير البيانات إلى أن 82% من الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير تعلن امتلاكها سياسات إيجابية تدعم مشاركة المرأة في الأنشطة الثقافية، وفقاً للتقارير الدورية لاتفاقية عام 2005. ويشمل التقدم الأخير كذلك إدماج التنوع في النوع الاجتماعي والتوجه الجنسي والهوية في السياسات الثقافية. غير أن المقررة الخاصة تلاحظ استمرار الفجوات بين أطر السياسات والنتائج العملية، ولا سيما ما يمسّ منها المجتمعات المهمّشة. وتُظهر التقارير الوطنية أن سد هذه الفجوات يتطلب تحسين التنسيق بين أصحاب المصلحة وتعزيز القدرات المؤسسية.

وتشكّل الملكية أو الرعاية أو الوصاية، والاستفادة المنصفة، والإعادة والاسترداد، محاور متكررة للنقاش في مجال الحماية والإدارة الفعالتين للتراث الثقافي. وتعكس هذه القضايا مبادئ أساسية للحقوق الثقافية والعدالة، ولا سيما في معالجة أوجه الإجحاف التاريخية في توزيع الممتلكات الثقافية وإدارتها. وقد أكدت الدول الأعضاء أن نجاح حماية التراث لا يتطلب أطراً متينة لمعالجة مطالبات الاسترداد فحسب، بل يتطلب أيضاً أطراً قانونية وتنظيمية معزّزة وخطط تنفيذ تضمن الرعاية الأخلاقية للأصول الثقافية. ويشمل ذلك وضع استراتيجيات شاملة تجمع بين التأهب لحالات الطوارئ وبناء القدرات وتدابير أو أدوات لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.

وقد قادت المدن برامج النفاذ إلى التراث المادي، وهي تبرز بوصفها جهات مبتكرة رئيسية. فمبادرات التراث الحضري تجمع على نحو متزايد بين تحسين النفاذ المادي وأدوات التفسير الرقمية، كما تُبيّن البحوث الحديثة. غير أن التنفيذ يتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب المنطقة وتوافر الموارد. وقد أثبتت الشراكات بين القطاعين العام والخاص فعاليتها في توسيع النفاذ، إذ يدعم تمويل القطاع الخاص الابتكارات التكنولوجية في تفسير التراث ومنصات النفاذ الافتراضي.

وتُظهر برامج النفاذ إلى التراث الطبيعي مشاركة قوية من المجتمع المدني، إذ تؤدي مبادرات الحفاظ التي تقودها المجتمعات أدواراً حاسمة في إدارة المواقع وتفسيرها. غير أن التحديات تظل قائمة في ضمان النفاذ المنصف للمجتمعات المهمّشة، ولا سيما في المناطق النائية. وتبدو برامج إشراك الشباب واعدة، إذ تشير 95% من الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير إلى أنها تنفّذ برامج للتعليم في مجال التراث تهدف إلى تحسين فهم الشباب للتراث وتعزيز التنوع والحوار بين الثقافات، سواء عبر برامج رسمية أو على نحو مخصص، وفقاً للتقارير الدورية لاتفاقية عام 1972. وللمساعدة في ذلك، تؤكد مجموعة أدوات اليونسكو لسياسات الشباب وبرامجهم أن الشباب صنّاع تغيير فاعلون، وتقدّم إطاراً تشاركياً لتصميم السياسات. ونظراً إلى أن 50% من سكان العالم تبلغ أعمارهم 30 عاماً أو أقل، يدعو التقرير إلى نُهج شاملة ومشتركة بين القطاعات، ويؤكد أن 69% من الناس يرون أنه ينبغي أن يكون للشباب صوت أقوى في صنع السياسات.

وأصبح التعاون الدولي حيوياً على نحو متزايد في النهوض بالنفاذ إلى التراث والمشاركة فيه على الصعيد العالمي. وقد أثبتت البرامج الثنائية والمتعددة الأطراف قيمتها الكبيرة لبلدان الجنوب العالمي، إذ مكّنت من نقل المعارف في مجالات مثل إدارة المواقع وتقنيات الحفاظ والتوثيق الرقمي. كما يوفّر تنفيذ اتفاقيات اليونسكو إطاراً متيناً للحماية التعاونية للتراث، وقد أفضى تركيز الغاية 11.4 من أهداف التنمية المستدامة على حماية التراث الثقافي والطبيعي وصونه إلى زيادة الدعم الدولي.

ولا يزال التمويل يمثّل تحدياً كبيراً، ولا يزال تفاوت الموارد يؤثر في القدرة على التنفيذ. ومع وجود آليات دعم دولية، فإنها كثيراً ما تعجز عن الوفاء بالحجم المطلوب، ولا سيما في مشاريع الحفاظ الواسعة النطاق وتطوير البنية التحتية الرقمية. وتؤكد الدول الأعضاء على الصعيد العالمي أن الحماية المستدامة للتراث تتطلب مسارات تمويل دولية أكثر انتظاماً وأكبر حجماً، إلى جانب دعم معزّز لبناء القدرات.

ويتقاطع المشهد المتغير للنفاذ إلى التراث والمشاركة فيه مع عدة مجالات ناشئة بالغة الأهمية تستحق مزيداً من الدراسة. فأولاً، تحوّل البيئات الرقمية طريقة التفاعل مع التراث بإتاحتها فرصاً جديدة للنفاذ والأرشفة. ومع تزايد استخدام التقنيات الرقمية لبيانات التراث الثقافي، فإنها تعيد تشكيل طريقة تفاعل الناس مع الأصول التاريخية وتجربتهم لها، من الجولات الافتراضية في المتاحف إلى إعادة البناء التاريخي بالواقع المعزّز. ومع أن هذه التقنيات توسّع النفاذ، فمن المهم إدراك أن الأرشفة الرقمية لعناصر التراث تختلف اختلافاً جوهرياً عن الحفاظ على سلامتها المادية، ويكتسي هذا التمييز أهمية بالغة مع تزايد التهديدات البيئية التي تواجه مواقع التراث. وثانياً، يشكّل تغيّر المناخ مخاطر كبيرة على التراث المادي من خلال الظواهر الجوية المتطرفة وارتفاع منسوب سطح البحر وتغيّر أنماط درجات الحرارة، وهو ما سيستلزم استراتيجيات تكيّف مبتكرة وتدابير للتأهب لحالات الطوارئ.

وبعيداً عن الاعتبارات البيئية، يؤدي التراث أيضاً أدواراً معقدة في السياقات الاجتماعية. فيمكن أن يكون أداة قوية لبناء السلام والمصالحة بعد النزاعات حين يؤدي دور نقطة وساطة بين منظومات قيم مختلفة، بما يُبرز أهميته الأوسع في تعزيز التماسك الاجتماعي والتفاهم المتبادل. غير أنه تجدر الإشارة أيضاً إلى أن بعض عناصر التراث تتحول إلى بؤر لتفسيرات متنافسة، إذ قد تجسّد القطع أو المواقع معاني مختلفة تمثّل مسارات تاريخية وقيماً ثقافية متباينة. وستُتناول هذه الموضوعات بالتفصيل في الفصول اللاحقة، مع دراسة انعكاساتها المحددة على الحقوق الثقافية وإدارة التراث.

الإعادة والاسترداد

تمثّل إعادة الممتلكات الثقافية واستردادها بُعداً حاسماً من أبعاد الحقوق الثقافية، إذ تعالج مظالم تاريخية متجذرة في الاستعمار وتؤكد الهوية الجماعية. فالممتلكات والقطع الثقافية ليست مهمة بوصفها مجرد مصنوعات، بل بوصفها «عناصر من الهوية الفردية والجماعية» تربط المجتمعات بماضيها وحاضرها ومستقبلها. ومن ثم، شكّل الاستيلاء القسري على القطع الثقافية خلال الحقب الاستعمارية جزءاً من نمط منهجي للهيمنة لا يزال يشكّل اختلالات القوة في النفاذ إلى التراث حتى اليوم.

ولمعالجة ذلك، يوفّر مبدأ تقرير المصير الثقافي إطاراً حاسماً لفهم الاسترداد بوصفه قضية من قضايا حقوق الإنسان. فهو يدعم مطالبات استعادة الشعوب نفاذها الأساسي إلى تراثها الثقافي بوصفها «فعلاً من أفعال العدالة التاريخية» يسهم في معالجة أوجه الإجحاف التي خلّفها الاستعمار. ولذلك اعترفت الأمم المتحدة بهذه الصلة في قرارات عدة، مقرّرةً التزامات خاصة على البلدان التي حازت قطعاً ثقافية ثمينة خلال الاحتلال الاستعماري.

وتُبيّن حالات الاسترداد الناجحة الأخيرة تقدماً ملموساً في معالجة المظالم التاريخية، مع إتاحة فرص لعلاقات ثقافية متجددة. ومن الأمثلة البارزة إعادة جامعة مانشستر 174 قطعة إلى مجتمع أنينديلياكوا في الإقليم الشمالي بأستراليا، وإعادة فرنسا 26 قطعة من الكنوز الملكية لأبومي إلى بنن. ومن الحالات التاريخية الأخرى تسوية النزاع الذي دام قرناً كاملاً بين بيرو وجامعة ييل بشأن قطع ماتشو بيتشو الأثرية، الذي أفضى في عام 2010 إلى اتفاق على إعادة ما يزيد على 35 ألف قطعة أثرية نقّب عنها هيرام بينغهام بين عامي 1911 و1916. وأنشأ هذا الاتفاق مركز كوسكو ييل الدولي لدراسة ماتشو بيتشو وثقافة الإنكا في جامعة سان أنطونيو أباد، الذي أُسّس إطاراً تعاونياً للبحث والتبادل التعليمي والمعارض العامة، ويُعدّ نموذجاً لاتفاقات الاسترداد.

وقد روعي في هذا الاتفاق استمرار التعاون العلمي. وعلى نحو مماثل، شهدت قضية برونزيات بنن تقدماً كبيراً، إذ وقّعت ألمانيا اتفاقاً للاسترداد يشمل نحو 1100 عمل، ونقلت مؤسسة سميثسونيان ملكية 29 قطعة برونزية، ووافق متحف هورنيمان في المملكة المتحدة على إعادة 72 قطعة. وستجد هذه الكنوز المستعادة موطناً دائماً في متحف إيدو لفن غرب أفريقيا الجديد في مدينة بنن، حيث ستتيح للمواطنين المحليين نفاذاً دائماً إلى تراثهم الثقافي.

وقد جرى تعزيز أطر التعاون الدولي في مجال إعادة الممتلكات الثقافية واستردادها من خلال آليات ومبادرات عديدة. فاللجنة الحكومية الدولية لليونسكو لتعزيز إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلدانها الأصلية أو ردها في حالة الاستيلاء غير المشروع، المنشأة عام 1978، هيئة دائمة تسعى إلى إيجاد «الوسائل المناسبة لتيسير المفاوضات الثنائية من أجل رد الممتلكات الثقافية أو إعادتها إلى بلدانها الأصلية» عبر الوساطة والتوفيق والمساعدة التقنية. وعلاوة على ذلك، توفّر قواعد النظام الداخلي للجنة بشأن الوساطة والتوفيق، الموضوعة وفق مبادئ الإنصاف والحياد وحسن النية، إطاراً قانونياً لتسوية النزاعات دون التدخل في الإجراءات الأخرى. كما توسّعت المبادرات الإقليمية في السنوات الأخيرة، إذ استضافت اليونسكو حوارات ومناقشات مفتوحة عرضت «أشكالاً جديدة من الاتفاقات والشراكات بشأن طلبات الإعادة والاسترداد» في مناطق مختلفة. وبالمثل، شهدت المشاورة الإقليمية الأفريقية بشأن السياسات الثقافية لعام 2022 «تعهداً قوياً وبالإجماع بضمان استرداد الممتلكات الثقافية بوصفه حجر الزاوية في الهوية الثقافية»، والتزاماً بموقف موحّد على الساحة الدولية.

ووسّعت اليونسكو كذلك دعمها للإعادة والاسترداد من خلال المساعدة التقنية، وأنشطة بناء قدرات المهنيين، وتطوير المتاحف، وحملات التوعية العامة، ولا سيما من خلال مبادرة «تعزيز التراث الثقافي وتنمية القدرات» في إطار أولويتها العالمية لأفريقيا. وجدير بالذكر أن ميثاق المستقبل يتضمن التزاماً محدداً بتيسير إعادة الممتلكات الثقافية ذات القيمة الروحية أو المتصلة بالأسلاف أو التاريخية أو الثقافية إلى بلدانها الأصلية. وتعكس هذه الالتزامات عمل اليونسكو في مجال المناصرة الثقافية، إذ حضرت المنظمة سلسلة من المناقشات المتعددة الأطراف وأسهمت فيها شريكاً مميزاً، بالبناء على إعلان موندياكولت 2022. وتعبّر هذه المجموعة من الصكوك عن توافق دولي متزايد على أهمية استرداد الممتلكات الثقافية بوصفه مسألة عدالة تاريخية وأساساً للتعاون المستقبلي في آن معاً.

وفيما يتعلق بأوجه التعارض القضائي التي تعوق جهود الاسترداد، أفادت 25% من الدول بوجودها، من بين 77 دولة قدّمت تقريراً وطنياً عن تنفيذ اتفاقية عام 1970. وتبلغ هذه النسبة 29% لدى البلدان الأوروبية وبلدان أمريكا الشمالية المقدّمة للتقارير وعددها 28 بلداً. غير أن من المهم ملاحظة أن هذه الأرقام قد لا تعكس تماماً الحجم الحقيقي للتحديات. فقد يعود العدد المنخفض نسبياً للبلدان التي تبلّغ عن مثل هذه المشكلات إلى أن عدداً محدوداً فقط من الدول يحوز مجموعات كبيرة ذات منشأ أجنبي، ومن ثم لا تبلّغ الدول الأخرى عن التحديات المتصلة بذلك، ما يحصر الآثار العملية للاسترداد في مجموعة فرعية أصغر من الدول المقدّمة للتقارير.

وعلى الصعيد الوطني، لا تتناول التقارير بالضرورة كيفية التعامل مع الممتلكات الثقافية المنحدرة من المجتمعات المحلية أو مجتمعات الشعوب الأصلية ضمن المجموعات الوطنية. ومع تزايد الاهتمام بتعزيز الأطر القانونية والتنظيمية لحماية التراث الثقافي، بما في ذلك تدابير محددة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، تظل القدرة على الرصد محدودة في مناطق كثيرة، ما يؤثر في القدرة على تتبّع هذا الاتجار ومنعه. وعلى صعيد البنية التحتية، تؤكد الدول الأعضاء الحاجة إلى تدريب متخصص وبناء القدرات في مجال تأهب المواقع التراثية والمتاحف لحالات الطوارئ بما يعزّز حماية التراث الثقافي.

كما أكدت المقررة الخاصة أن عمليات الاسترداد الفعالة تتطلب تواصلاً حقيقياً مع المجتمعات المصدر، لا مجرد أطر قانونية. ويكتسي هذا التواصل أهمية بالغة في الحالات المتعلقة بالشعوب الأصلية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي، حيث يؤدي السياق الثقافي وحقوق المجتمع أدواراً أساسية في عملية الاسترداد.

وكثيراً ما يتوقف نجاح الدول في جهود الاسترداد على العمل المنسّق بين إدارات حكومية متعددة. وتؤدي المؤسسات الثقافية المحلية دوراً حيوياً في تنفيذ سياسات الاسترداد الوطنية، إذ تنخرط المتاحف البلدية على نحو متزايد في حوار مباشر مع المجتمعات المصدر، وتشجّع إشراك الشعوب والمجتمعات الأصلية التي عادة ما تشارك في حملات الاسترداد. وفي هذا الصدد، تشير البيانات الحديثة إلى أن سبعاً من كل عشر دول أعضاء أنشأت آليات تنسيق متعددة المستويات من هذا القبيل.

وبالمثل، تعترف أطر تنفيذ الإعادة والاسترداد على نحو متزايد بأهمية عمليات التشاور الشاملة. وتتوقف فعالية هذه العمليات جزئياً على ضمان تمثيل متنوع، بما في ذلك مشاركة المرأة في صنع القرار المتعلق بإدارة الممتلكات الثقافية وإعادتها. وتبعاً لذلك، أبرزت التقارير الوطنية أن التنفيذ الناجح يتطلب تعزيز آليات الحوار واتّباع نُهج تعاونية في معالجة عمليات الحيازة التاريخية.

وفي حين تُظهر الدول الأعضاء تقدماً كبيراً في وضع أطر قانونية ومؤسسية لإعادة الممتلكات الثقافية واستردادها، إذ أنشأ معظمها آليات تنسيق متعددة المستويات، تظل فعالية التنفيذ مقيّدة بعوامل عدة، منها أوجه التعارض القضائي ومحدودية القدرة على الرصد، فضلاً عن التحديات التي أُبرزت خلال الحوار الأفريقي بشأن إعادة الممتلكات الثقافية واستردادها في يناير 2025، ولا سيما نقص البيانات والشفافية بشأن الأماكن التي قد تُحفظ فيها القطع، وعدم كفاية التمويل لإجراء أنشطة البحث في مصدر القطع. وتُبرز هذه القضايا مجتمعةً الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي وبرامج التدريب المتخصصة لسد الفجوة بين أطر السياسات والنتائج العملية.

حماية تنوع أشكال التعبير الثقافي المعاصرة وتعزيزه

في حين تعالج حماية التراث واسترداده الأبعاد التاريخية للحقوق الثقافية، فإن صون أشكال التعبير الثقافي المعاصرة وتعزيزها يعكسان الطرق الديناميكية والمتطورة التي تبدع بها المجتمعات الثقافة وتتقاسمها وتشارك فيها اليوم. وتمثّل هذه الأشكال استمراراً للأشكال التقليدية وابتكاراً في الممارسة الثقافية في آن معاً، ما يبيّن أن الحقوق الثقافية تشمل الصون والتطوير الإبداعي على حد سواء.

وكثيراً ما تتحدى أشكال التعبير الثقافي المعاصرة عن قصد التقاليد والقواعد والأعراف الراسخة أو تقطع معها، فهي لا تمثّل استمراراً للتراث فحسب، بل قطيعة مقصودة أيضاً توسّع حدود الممارسة الثقافية. ويُبرز هذا التوتر بين التقليد والابتكار أهمية حماية حرية التعبير بوصفها حقاً ثقافياً أساسياً. ويعترف ميثاق المستقبل بهذه الديناميكية، مؤكداً دور الثقافة محفّزاً للتنمية المستدامة والتحول الاجتماعي. غير أنه تجدر الإشارة إلى أن أشكال التعبير الثقافي، سواء المستمدة من التراث أو الإبداع المعاصر، قد تكون إقصائية أيضاً وتتعارض مع الحقوق الثقافية للآخرين، كما هو الحال بالنسبة لمجتمعات الميم.

وتلاحظ المقررة الخاصة أن المشاركة الحقيقية في الحياة الثقافية المعاصرة تتطلب أطراً تدعم بنشاط أشكال التعبير الثقافي المتنوعة. ويكتسي ذلك أهمية حاسمة في معالجة التحديات المتقاطعة التي تواجهها المجتمعات المهمّشة في النفاذ إلى الأنشطة الثقافية والمشاركة فيها. وفي إطار هذه الأطر الداعمة، تؤكد الدول الأعضاء أهمية حماية حقوق العاملين في المجال الثقافي، بما في ذلك ظروف العمل اللائقة والأجر العادل والقضاء على الفجوة في الأجور بين الجنسين.

وقد حققت هذه الأطر درجات متفاوتة من النجاح في الممارسة العملية، إذ تُظهر البيانات المتعلقة بالبنية التحتية وإمكانية النفاذ تقدماً وتحديات مستمرة في آن معاً. فقد أفادت 96% من الدول الأعضاء بوجود سياسات وتدابير تيسّر المشاركة في الحياة الثقافية والنفاذ إلى مرافق وأشكال تعبير ثقافية متنوعة، غير أن هذه البيانات لا تأخذ صراحة في الحسبان مجالات محددة لإمكانية النفاذ. وتوجد تفاوتات كبيرة لا بين المناطق الحضرية والريفية فحسب، بل أيضاً في الطريقة التي تتصور بها المجتمعات المختلفة النفاذ الثقافي الحقيقي. فقد تتمتع مجتمعات الشعوب الأصلية والمجتمعات التقليدية بنفاذ قوي إلى ممارساتها وأشكال تعبيرها الثقافية الخاصة، في حين تواجه في الوقت نفسه عوائق مادية أو اقتصادية أو اجتماعية في النفاذ إلى الفضاءات الثقافية المؤسسية. ويُبرز هذا الوضع أهمية التمييز بين السياسات التي تركّز على النفاذ المؤسسي وتلك التي تدعم أشكالاً متنوعة من التفاعل الثقافي تعدّها المجتمعات نفسها ذات قيمة.

وتتفاوت فعالية البرامج الموجّهة لتيسير المشاركة في الأنشطة الثقافية بين الفئات السكانية، ومنها مبادرات إشراك الشباب، وبرامج نفاذ الأقليات الثقافية، والبرامج المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، ومبادرات نفاذ الشعوب الأصلية، وبرامج نفاذ اللاجئين والمهاجرين. وتُظهر خطط التمويل العام الداعمة للتنوع الثقافي مستويات متفاوتة من التنفيذ. وعلى الرغم من محدودية البيانات المتاحة، إذ لا تتجاوز العيّنة 41 بلداً على مستوى العالم، تكشف تدابير الدعم الموجّهة عن توزيع غير متوازن بين الفئات السكانية: فـ19% من التدابير تستهدف إشراك الشباب، و15% تستهدف الأقليات الثقافية، و14% تستهدف الفنانين ذوي الإعاقة، في حين تحظى الشعوب الأصلية بنسبة 8% واللاجئون والمهاجرون بنسبة 10% فقط، وهو دعم أقل بكثير. وقد تحكم عوائق النفاذ عوامل تتراوح بين الأعراف الاجتماعية والقدرة العملية على تحمّل التكاليف، وعلى البلدان أن تقرر السياسات المناسبة لذلك.

وتفيد الدول الأعضاء بنجاح متزايد في تطوير منصات رقمية توسّع النفاذ إلى المحتوى الثقافي، وإن ظلت الفجوة الرقمية تمسّ المجتمعات الريفية والمنخفضة الدخل بشكل غير متناسب. وعلى الرغم من التقدم المحرز، تظل تحديات كبيرة قائمة فيما يتعلق بتفاوت الموارد الذي يؤثر في استدامة البرامج، ولا سيما في المناطق الريفية، واستمرار الفجوة الرقمية في تقييد النفاذ إلى المحتوى الثقافي على الإنترنت، والتفاوتات الديموغرافية في معدلات المشاركة التي تعكس أوجه عدم مساواة اجتماعية أوسع وعوائق ثقافية أخرى تحول دون النفاذ، ومحدودية التنسيق بين المجال الثقافي وسائر مجالات السياسات، وهو ما يؤثر في فعالية البرامج.

ومن الأهمية بمكان كذلك معالجة الحق في محتوى ثقافي يعكس تنوع المجتمعات بصدق. فالمنصات الرقمية ليست وسيطاً محايداً، بل تؤدي دوراً قوياً في تشكيل السرديات الثقافية، فتضخّم أصواتاً بعينها وتهمّش أخرى. وبعيداً عن مجرد النفاذ، ثمة حاجة ملحّة إلى سياسات تضمن إنتاج سرديات متنوعة تمثّل مختلف الثقافات والأجناس والهويات والمنظورات، وإبرازها على هذه المنصات. ولذلك يجب التعامل مع المنصات الرقمية لا بوصفها أدوات للنفاذ فحسب، بل بوصفها منظومات ثقافية تتطلب الحوكمة والمساءلة والاستثمار في الإبداع والتوزيع الثقافيين المتنوعين. ويتّسق ضمان الظهور المنصف للسرديات واللغات المتنوعة مع الحقوق الثقافية الأساسية للمجتمعات في المشاركة في المشهد الثقافي الرقمي والإسهام فيه.

وكما سيأتي بيانه لاحقاً، تشكّل النُّهج المراعية للنوع الاجتماعي في دعم أشكال التعبير الثقافي المعاصرة شاغلاً رئيسياً آخر فيما يتعلق بعمل الفنانين وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية.

ويؤدي التفاعل مع أشكال التعبير الثقافي المعاصرة وظائف مجتمعية متعددة. فبينما يعزّز كثير من هذه الأشكال التماسك الاجتماعي عبر التجارب المشتركة، يتحدى بعضها الآخر الأعراف المجتمعية ويخلخلها عن قصد، مسائلاً المعايير وهياكل السلطة الراسخة. وتعكس هذه الطبيعة المزدوجة، أي بناء الروابط وإتاحة الفحص النقدي في آن معاً، الدور المعقد للمشاركة الثقافية، سواء بوصف المشاركين مبدعين أو جمهوراً. فحين يبدع الناس أشكالاً من التعبير الثقافي، يسهمون في التنوع والابتكار الثقافيين، وحين يتلقون بوصفهم جمهوراً أشكال التعبير الثقافي للآخرين، ينفتحون على منظورات مختلفة. ويمكن لكلا نمطي المشاركة أن يعزّز التفاهم بين المجتمعات المتنوعة مع احترام الاختلافات الثقافية، وإن لم يخلُ ذلك من توترات وخلافات مثمرة هي في حد ذاتها ضرورية للتطور الثقافي.

أصوات الثقافة: اللغة حقاً

اللغة مكوّن محوري من مكونات الثقافة، وهي وسيط للتعبير الثقافي ومفتاح للتراث الثقافي في آن معاً. وكما أكدت المقررة الخاصة، تتطلب المساواة الفعلية أن تحمي الدول الأطر اللغوية المتنوعة، ولا سيما لمجتمعات الأقليات والشعوب الأصلية. وتتقاطع هذه الحماية تقاطعاً كبيراً مع آليات التعبير الثقافي الأوسع، لأن الحقوق اللغوية أساسية للمشاركة الثقافية وتشكّل الهوية. واللغة كذلك مكوّن رئيسي في تكوين الهويات الجماعية، وقد كانت في صميم توترات وخلافات اجتماعية متنوعة تؤكد الأهمية البالغة لتعزيز تعدد اللغات والاحترام المتبادل بين المجتمعات اللغوية المختلفة.

وتُظهر البيانات الحديثة مستويات متفاوتة من تنفيذ السياسات بين المناطق. إذ يرتفع معدل اعتماد سياسات التعليم باللغة الأم والتعليم المتعدد اللغات في مختلف المراحل التعليمية، فقد نفّذت هذه التدابير 95% من دول أوروبا وأمريكا الشمالية، و78% من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، و61% من دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي المقدّمة للتقارير، وفقاً للتقارير الدورية لاتفاقية عام 2003. وتفيد الدول الأعضاء بتقدم كبير في الاعتراف بالتنوع الثقافي من خلال أطر تحمي لغات الأقليات والشعوب الأصلية، مع تعزيز التعليم بشأن التنوع الثقافي لبناء مجتمعات أكثر شمولاً واحتراماً. غير أن فعالية التنفيذ تتفاوت تفاوتاً كبيراً بين مختلف جوانب حماية الحقوق اللغوية. ويتطلب وضع سياسات أفضل في القطاعين الثقافي والتعليمي وضوحاً بشأن الفرق بين السجل الفصيح لأي لغة وأهميته من جهة واستخدامها العامي من جهة أخرى. كما يتطلب فهماً للفروق بين الفضاءات التي تُستخدم فيها اللغات، كالبيوت والأسر والمجتمعات المحلية والتعليم والأغراض الرسمية واللغات العالمية، وللحاجة إلى لغات تواصل مشتركة على الصعيدين الوطني والدولي. ومن المهم تأكيد القيمة الجوهرية للتنوع اللغوي، بما في ذلك حماية اللغات المهددة بالاندثار والتنويعات المحلية للغات. وفي الوقت نفسه، ثمة فجوة بين امتلاك الأطر التنظيمية وامتلاك القدرات المهنية وسائر الموارد اللازمة لتنفيذ هذه السياسات. وتشكّل فجوات التنفيذ هذه تحديات كبيرة، إذ كثيراً ما تبقى السياسات مجرد تطلعات في غياب وسائل وضعها موضع التطبيق.

ويكشف البث الإعلامي عن تباينات إقليمية كبيرة في دعم التنوع اللغوي. ففي حين أفادت 92% من دول أوروبا وأمريكا الشمالية المقدّمة لتقارير اتفاقية عام 2005 بوجود سياسات تدعم التنوع اللغوي في وسائل الإعلام، تنخفض هذه النسبة إلى 83% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ولا تتجاوز 45% في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، من إجمالي 112 مجيباً في جميع المناطق. وتُبرز هذه التفاوتات مجالات تتطلب دعماً موجّهاً لتعزيز التنوع اللغوي في التعبير الثقافي. ومع ذلك، تُظهر التطورات الأخيرة في السياسات اهتماماً متزايداً بإدماج المنظورات المتنوعة في المؤسسات الثقافية والأطر القانونية، بما يضمن الاعتراف بالتنوع اللغوي والثقافي حقاً ثقافياً أساسياً.

تعزيز التماسك الاجتماعي والحوار بين الثقافات

بالبناء على المناقشة السابقة لأشكال التعبير الثقافي المعاصرة، يتناول هذا القسم كيف يؤدي التماسك الاجتماعي والحوار بين الثقافات دور جسرين أساسيين بين المشاركة في الحياة الثقافية والإسهام فيها. فمع أن أشكال التعبير الثقافي المتنوعة قد تتحدى أحياناً الأعراف الاجتماعية، فإنها تسهم في نهاية المطاف في بيئة ديناميكية تؤدي فيها الحقوق الثقافية دوراً حيوياً في تمكين الانخراط الفاعل والتجارب المشتركة التي تعزّز الروابط الاجتماعية. وتماشياً مع ذلك، تشير البيانات إلى أن 92% من الدول الأعضاء المقدّمة لتقارير اتفاقية عام 2005 أنشأت آليات للحوار بين السلطات العامة والمجتمع المدني في صنع السياسات الثقافية.

وتُظهر برامج المشاركة الثقافية نجاحاً في بناء التماسك الاجتماعي من خلال مبادرات تهيّئ فضاءات آمنة للقاء والتفاعل. ومن ذلك المهرجانات المجتمعية التي تجمع أشخاصاً من خلفيات مختلفة، ومشاريع الفنون التشاركية التي تجمع السكان متجاوزةً الانقسامات الاجتماعية، ودعم المبادرات القاعدية التي تشجّع الحوار الوطني والمحلي. ويؤكد ميثاق المستقبل أهمية هذه النُّهج، معترفاً بأن الثقافة تمنح الأفراد والمجتمعات إحساساً قوياً بالهوية وتعزّز في الوقت ذاته التماسك الاجتماعي.

وتتفاوت فعالية التنفيذ تفاوتاً كبيراً بين المناطق. فعلى الرغم من صغر حجم العينات في بعض المناطق، يكشف تحليل المشاركة المجتمعية الرسمية في صنع السياسات الثقافية عن مستويات متباينة جداً من الانخراط الوطني بين المناطق، ما يدل على وجود مجال واسع للتحسين حتى في المناطق الأفضل أداءً. وتوحي هذه التباينات بتنوع القدرات المؤسسية ونُهج التنفيذ. وعلى نحو مماثل، تُظهر مشاركة المنظمات غير الحكومية في صون التراث الثقافي غير المادي تباينات إقليمية قوية، إذ أفادت 58% من الدول المقدّمة للتقارير على مستوى العالم بمستوى مشاركة مرتفع، و34% بمستوى مشاركة جزئي. كما تفيد الدول الأعضاء بنجاح برامج تُشرك فئات سكانية متنوعة عبر مشاريع الفنون التشاركية ودعم المبادرات الثقافية القاعدية.

وتُظهر النُّهج المراعية للنوع الاجتماعي في الحوار بين الثقافات مستويات متفاوتة من التنفيذ. فعلى الصعيد الإقليمي، يتباين تنفيذ السياسات الداعمة للمرأة بوصفها فنانة أو مهنية ثقافية أو رائدة أعمال إبداعية تبايناً كبيراً، إذ تتراوح معدلات الاعتماد بين 56% في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي و93% في دول غرب آسيا وشمال أفريقيا، وفقاً للتقارير الدورية لاتفاقية عام 2005. وتُظهر التقارير الوطنية تقدماً ملحوظاً في إدماج التنوع في النوع الاجتماعي والتوجه الجنسي والهوية في السياسات الثقافية. غير أن المقررة الخاصة تؤكد أن فجوات التنفيذ المستمرة تؤثر في قدرة النساء والمجتمعات المهمّشة على المشاركة الكاملة في سياقات الحوار الثقافي.

ويؤدي التنسيق بين الجهات الحكومية دوراً حاسماً في تعزيز مبادرات الحوار بين الثقافات. وتتوقف فعالية هذه المبادرات إلى حد كبير على جودة التنسيق بين أطر السياسات الوطنية وآليات التنفيذ المحلية. وتفيد الدول الأعضاء بأن التنفيذ الناجح كثيراً ما يعتمد على شبكات تعاونية تيسّر تبادل المعارف وتعزّز الجهود الجماعية لترسيخ التماسك الاجتماعي، وإن ظلت قيود الموارد تؤثر في التنفيذ في سياقات كثيرة.

ويعمل دور الحقوق الثقافية في هذا السياق على بُعدين مترابطين: التماسك الاجتماعي، أي تقوية الروابط داخل المجتمعات من خلال التجارب الثقافية المشتركة، والحوار بين الثقافات، أي التبادل والتفاهم المتبادل بين المجتمعات الثقافية المختلفة. ويتجاوز كلا البعدين المشاركة السلبية ليشملا الإسهام الفاعل في الحياة الثقافية. وكما سنستكشف في القسم التالي، يتجلى ذلك في الإبداع المشترك للبرامج الثقافية، وآليات التمويل التشاركي، والتطوير التعاوني للمبادرات الثقافية التي تقوّي الروابط الاجتماعية داخل المجتمعات وتيسّر في الوقت نفسه حواراً حقيقياً بين الهويات الثقافية المختلفة.

الفنانون في قلب الحياة الثقافية

يتوقف حق المهنيين الثقافيين والإبداعيين في الإسهام في الحياة الثقافية إلى حد كبير على ظروف عملهم. ولحقوق الفنانين هذه مكونات كثيرة تعكس تعقيد عملهم وتنوّعه، منها الحق في إبداع الفن وإنتاجه وصياغته والتأثير فيه وتحويله وتوزيعه والتنظير لصناعته، والحق في الابتكار في الممارسات الثقافية وأنماط التعبير، والحق في الدفاع عن السياسات الثقافية، وفرص تولّي المناصب القيادية في المؤسسات الثقافية. ويؤدي الفنانون كذلك دوراً أساسياً في الحياة الثقافية، إذ يلتقطون قيم مجتمعاتهم وتقاليدها وسردياتها الاجتماعية ويفسّرونها ويعبّرون عنها. ومع أن عمل كثير من الفنانين قد تحرّكه في جوهره مشاعر شخصية تُترجم إلى إبداع جمالي خالص، فإنهم قد يكونون أيضاً حرّاساً للثقافة التقليدية يساعدون المجتمعات على الحفاظ على هوياتها الفريدة، أو قد يسهمون بوصفهم مبتكرين في تطوير الثقافة أو تحويلها في ظل واقع متغيّر.

وكان من أوائل الفنانين الشعراء الجوّالون، ومحرّكو الدمى، والشعراء، والموسيقيون، والراقصون، والكتّاب، ومزخرفو المخطوطات، والرسامون، والنحاتون، والبنّاؤون بالحجر، والصاغة، وصانعو الزجاج المعشّق، ورسامو المنمنمات، ومطرّزو النسيج المزدان. وقد تغيّرت المهن الفنية وظهرت أدوار جديدة على مرّ القرون الماضية، منها المهنيون في العمارة والرقص والسينما والإذاعة والتلفزيون والأزياء. وفي عالمنا الرقمي اليوم، برزت أنواع جديدة من العاملين في الصناعات الثقافية والإبداعية، منهم مصممو المواقع الإلكترونية، ومتخصصو الصوت والوسائط المتعددة، والرسامون الرقميون، ومتخصصو التصميم الثلاثي الأبعاد والواقع الافتراضي، وفنانو الذكاء الاصطناعي التوليدي، والفنانون البيئيون، والمؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي. والواقع أن التطورات الرقمية أحدثت اضطراباً في بعض المهن والعمليات الإبداعية الثقافية، ما أثار نقاشات حول حقوق المبدعين والملكية الفكرية.

ولا يعمل معظم الفنانين اليوم في عزلة، فإبداع الثقافة ونشرها ينطويان على تعاون مهنيين كثيرين على امتداد سلسلة القيمة بأكملها، من الإنتاج إلى التسويق والتوزيع. كما يرتبط عمل الفنانين بالجهات الفاعلة الثقافية وييسّره هؤلاء، كمديري المتاحف وأمناء المعارض وأصحاب صالات العرض وأمناء المكتبات والأرشيفيين.

وفي ضوء ذلك، يتناول هذا القسم أربعة أبعاد مرتبطة بعمل الفنانين والمهنيين الثقافيين، تماشياً مع الصكوك التقنينية لليونسكو في مجال الثقافة، هي: الاعتراف القانوني والتنظيمي بوضع الفنانين، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وفرص التطوير المهني والتنقل، وحماية الحرية الفنية.

النهوض بوضع الفنانين والاعتراف بهم

«إذا كان للفن أن يغذّي جذور ثقافتنا، فعلى المجتمع أن يطلق حرية الفنان في اتباع رؤيته أينما قادته». جون ف. كينيدي

تعرّف توصية اليونسكو بشأن وضع الفنان لعام 1980 الفنان بأنه «كل شخص يبدع أعمالاً فنية أو يضفي عليها تعبيراً إبداعياً أو يعيد إبداعها، ويعدّ إبداعه الفني عنصراً أساسياً في حياته، ويسهم بذلك في تطوير الفن والثقافة، ويُعترف به أو يطلب الاعتراف به فناناً، سواء أكان مرتبطاً بأي علاقة عمل أو انتساب أم لم يكن». ومع أن المصطلحات المستخدمة للإشارة إلى الفنانين تتباين عالمياً، من العامل الثقافي إلى المهني الإبداعي، فإن مصطلح المهني الثقافي يشمل على نطاق أوسع الأفراد الذين يدعمون الأنشطة الثقافية أو يديرونها أو يمكّنونها أو يروّجون لها. وقد لا يكون هؤلاء المهنيون فنانين بأنفسهم، لكنهم يؤدون أدواراً حيوية في استدامة المنظومة الثقافية، ومنهم الفنيون والمنتجون وأمناء المعارض والصحفيون الثقافيون والمصممون والمربّون والنقاد. وقد ارتفع عدد المهنيين الثقافيين الناشطين في مختلف القطاعات الثقافية الفرعية ارتفاعاً سريعاً، ويُقدَّر عددهم بثلاثين مليوناً في أنحاء الكوكب. ويتباين وضعهم الوظيفي من بلد إلى آخر، وقد يشمل فئات مثل المهني المسجّل، والمهني بدوام جزئي، والعامل بعقد.

وقد وضعت بلدان كثيرة أطراً قانونية تعترف رسمياً بوضع الفنانين وتعرّفهم بوصفهم مهنيين ضمن القوى العاملة الوطنية. ففي حين اعتمدت بعض البلدان تشريعات شاملة تتناول صراحة جميع التدابير المتعلقة بوضع الفنان، اختارت بلدان أخرى تشريعات موجّهة تسعى إلى وضع أحكام خاصة بالفنانين والمهنيين الثقافيين في مجالات رئيسية كالحماية الاجتماعية والضرائب وحقوق الملكية الفكرية وظروف العمل.

وبين يوليو 2022 ويناير 2023، أجرت اليونسكو المشاورة العالمية الخامسة بشأن تنفيذ توصية عام 1980 المتعلقة بوضع الفنان، فقدّمت تحديثاً مفيداً للتقدم المحرز في السنوات الأخيرة. وأفادت أغلبية كبيرة، أي 67% من الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير، بوجود قوانين أو لوائح لتعريف وضع الفنان وحمايته. ولا تتسنى المقارنة بالبيانات التاريخية، إذ لم تقدّم المشاورة العالمية الرابعة التي أُجريت عام 2019 بيانات عن نسبة الدول الأعضاء التي لديها أطر قانونية أو تنظيمية لدعم وضع الفنانين. غير أن مصادر أخرى تشير إلى تقدم مطّرد في مختلف المناطق.

وقد أجرى عدد من البلدان في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا إصلاحات قانونية مهمة في السنوات الأخيرة. ففي كوت ديفوار، منح مرسوم صدر عام 2021 وضعاً قانونياً للفنانين في جميع الميادين الثقافية. وهدف هذا الإصلاح إلى هيكلة قطاع طالما عمل بصورة غير رسمية وإضفاء الطابع المهني عليه، وكان من أبرز تدابيره تحديد حد أدنى لأجور الخدمات الفنية وإصدار بطاقات الفنان المهني.

وفي موزمبيق، يجري إعداد مشروع قانون بشأن وضع الفنان بدعم من اليونسكو، بهدف إضفاء الطابع الرسمي على حقوق الفنانين وحمايتها، سبيلاً إلى تحفيز نمو القطاع الثقافي والاعتراف به. وعلى نحو مماثل، تضع تونس اللمسات الأخيرة على أول قانون لها بشأن وضع الفنان وتعدّ نصوصه التطبيقية، في مسعى إلى توفير إطار قانوني شامل يصون حقوق الفنانين ويشجع أنشطتهم المهنية.

وفي جمهورية كوريا، سنّت الحكومة عام 2021 قانون حماية وضع الفنانين وحقوقهم، مكمّلةً به قانون رعاية الفنانين الصادر عام 2011. ويعزّز القانون الجديد حماية الحرية الفنية، ويدعم الحقوق المهنية للفنانين، ويسعى إلى تهيئة بيئة إبداعية قائمة على المساواة بين الجنسين.

وفي المكسيك، صدر قانون عام 2022 لحماية التراث الثقافي لمجتمعات الشعوب الأصلية والمكسيكيين المنحدرين من أصل أفريقي. ويتصدى القانون لمسائل الاستيلاء الثقافي، ويسعى إلى ضمان احتفاظ هذه المجتمعات بالتحكم في استخدام أشكال تعبيرها الثقافي وتسويقها، مع توفير إطار قانوني للاعتراف بتراثها الثقافي غير المادي وصونه.

وفي أمريكا الوسطى، أقامت منظومة التنسيق التعليمي والثقافي لأمريكا الوسطى شراكة مع اليونسكو عام 2024 لإطلاق جهد إقليمي يرمي إلى وضع إطار سياسات إقليمي لحماية حقوق الفنانين وتعزيزها في بليز وكوستاريكا والجمهورية الدومينيكية والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس ونيكاراغوا وبنما.

وحققت بلدان أوروبية عدة خطوات مهمة كذلك. ففي رومانيا، أرسى مرسوم صدر عام 2023 نظاماً قانونياً وضريبياً للعاملين في المجال الثقافي، بهدف «تعظيم إمكاناتهم الإبداعية».

وفي بلجيكا، أفضى إصلاح عام 2024 إلى إنشاء لجنة العمل الفني، التي ستصدر «شهادات العمل الفني» لمنح الفنانين وضعاً وظيفياً وتحسين حمايتهم الاجتماعية والاعتراف بهم. ويعترف الإصلاح بالفنانين وبأدوار الدعم التقني على حد سواء. ثم تبعتها إسبانيا بلوائح جديدة عام 2024 أدخلت «عقد العمل الفني»، ووسّعت تعريف الأداء العام ليتجاوز الأنشطة المسرحية، وشملت الأدوار التقنية والمساعدة لتعكس الممارسة الثقافية المعاصرة. وتهدف هذه التدابير إلى تحسين ظروف عمل المهنيين الثقافيين، بمن فيهم الممثلون والكتّاب وصانعو الأفلام والمؤلفون الموسيقيون والراقصون.

وعلى الرغم من هذا التقدم، لا تزال تحديات كبيرة قائمة، ولا سيما أمام الفنانات اللواتي تضررن على سبيل المثال من جائحة كوفيد 19 بدرجة غير متناسبة. وفيما يتعلق بالحماية العامة لوضع الفنانين، تفيد الدول الأعضاء الثلاث والستون المقدّمة للتقارير من جميع المناطق بمستوى مرتفع نسبياً من تنفيذ الأطر القانونية. وعلاوة على ذلك، سنّت 87% من البلدان الأوروبية وبلدان أمريكا الشمالية المجيبة، وعددها 23 بلداً، تشريعات أو سياسات خاصة تتناول الحرية الفنية. أما أرقام النفاذ الشامل والمنصف إلى الحياة الثقافية فتتراوح بين 75% و92% على مستوى العالم، دون احتساب المناطق التي لا تتوافر عنها بيانات تمثيلية كافية، كآسيا الوسطى والجنوبية وأوقيانوسيا، وفقاً للتقارير الدورية لتوصية عام 1980. غير أنه ينبغي استكمال هذه النتائج باستنتاجات تقريري اليونسكو لعامي 2023 و2024 بشأن تنفيذ توصية عام 1980، اللذين يبرزان أن بلداناً كثيرة في الجنوب العالمي تواجه قيوداً منهجية، منها محدودية البنية التحتية القانونية والمؤسسية وعدم كفاية الموارد المخصصة للأنشطة الثقافية.

وتمثّل السجلات الوطنية للمهنيين الثقافيين أدوات أساسية لجمع البيانات المتعلقة بالأفراد والمنظمات العاملين في الصناعات الثقافية والإبداعية وإدارتها وتحليلها. وتهدف هذه السجلات إلى توفير فهم شامل للقوى العاملة، ودعم وضع السياسات الثقافية، وتعزيز ظهور المهنيين الثقافيين ودعمهم. وكثيراً ما تتضمن معلومات مفصّلة عن المهنيين الثقافيين والفنانين أفراداً، كالبيانات الديموغرافية من عمر وجنس ومستوى تعليمي وموقع جغرافي، والتفاصيل المهنية من تخصص فني ونوع الممارسة والوضع الوظيفي. ومع أن هذه الأنظمة قد تؤدي دوراً رئيسياً في إضفاء الطابع المهني على القطاع وتيسير الحصول على المزايا، فإنها قد تُستخدم في بعض السياقات الوطنية لأغراض أكثر تقييداً، كتنظيم الإنتاج الفني أو التحكم فيه بالسماح للعاملين أو الممارسين المسجّلين رسمياً وحدهم بمزاولة النشاط، ما قد يحدّ من الحرية الفنية.

ضمان الأجر العادل والحماية الاجتماعية للفنانين

من المهم أن يوجد وضع قانوني رسمي للفنانين يضمن الاعتراف الكامل بإسهاماتهم وإسهامات سائر المهنيين الثقافيين وتقديرها تقديراً منصفاً. فهذا الوضع يتيح لهم إبداع أعمالهم وإنتاجها وتوزيعها والتمتع بها في ظل الاحترام والحماية الكاملين لحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية. ومن المهم كذلك ضمان منفعة اقتصادية منصفة لممارسي التراث الحي ومجتمعاته. وتشمل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفنانين وسائر المهنيين الثقافيين الأبعاد التالية: الأجر العادل، والحصول على الدعم المالي، والحماية الاجتماعية، وحماية حقوق الملكية الفكرية، والحق في تنظيم أنفسهم في جمعيات مهنية ونقابات.

ويعني الأجر العادل للفنانين والمهنيين الثقافيين توفير تمويل ودعم كافيين، مع أجر يعادل معايير سوق العمل الوطنية. وتوفّر بلدان كثيرة حماية قانونية، في حين تساعد منظمات الإدارة الجماعية الفنانين على إنفاذ حقوقهم والترخيص باستخدامها. ووفقاً لتقرير اليونسكو «تمكين الإبداع»، وضعت نحو 60% من الدول الأعضاء قوانين تحدد حداً أدنى لأجور العاملين ينطبق على الفنانين أيضاً. وفي بلدان الجنوب العالمي ذات القطاعات غير الرسمية الواسعة، يظل إرساء أنظمة تعويض عادلة تحدياً كبيراً، غير أن مبادرات واعدة تُظهر تقدماً في هذا الاتجاه. ففي الهند، يستهدف برنامج «أتال بنشن يوجانا» العاملين في القطاع غير الرسمي والعاملين لحسابهم الخاص الذين لا يسهمون في برامج تقاعد أخرى ولا يدفعون ضريبة الدخل، ويوفّر خيارات اشتراك مرنة ويهدف إلى إتاحة شبكة أمان للعاملين في القطاع غير الرسمي، بمن فيهم الفنانون. وفي توغو، يمثّل نظام الحماية الاجتماعية التعاضدية للعاملين في القطاع غير الرسمي مبادرة تعاضدية صحية طُوّرت بالتعاون مع جمعيات العمال، ومنها جمعيات الحرفيين والفنانين، ويوفّر التغطية الصحية والحماية الاجتماعية للعاملين غير الرسميين الذين كثيراً ما يُستبعدون من الأنظمة الرسمية.

غير أن الواقع على الأرض قد يبقى أقل تفاؤلاً بكثير، فمن بين المنظمات غير الحكومية المشاركة في المشاورة، لم تؤكد سوى 22% وجود حد أدنى لأجور الفنانين في بلدانها. وحتى حيث توجد مثل هذه التشريعات، نادراً ما تنطبق على الفنانين العاملين لحسابهم الخاص أو المستقلين، وتقل احتمالات انطباقها أكثر على العاملين في القطاع غير الرسمي، وهي ظاهرة شائعة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وأمريكا الوسطى والجنوبية. واستناداً إلى بيانات منظمة العمل الدولية، يُقدَّر أن ما بين 40% و60% من العاملين في الصناعات الثقافية والإبداعية في الجنوب العالمي يعملون لحسابهم الخاص، مقابل ما بين 30% و50% في أوروبا. ويعرّض غياب علاقات العمل الرسمية الفنانين للهشاشة الاقتصادية ويفاقم عدم استقرار عملهم. وخلافاً للعاملين في قطاعات أخرى، يفتقر كثير من الفنانين إلى نقابات أو آليات للمفاوضة الجماعية تدافع عن حقهم في الأجر العادل.

وتواجه فئتان من الفنانين عوائق بنيوية إضافية. أولاهما الفنانون ذوو الإعاقة، الذين كثيراً ما يصطدمون بعقبات كبيرة أمام المشاركة الكاملة في الصناعات الثقافية والإبداعية، ما يستلزم تدابير موجّهة من السلطات الوطنية لضمان إدماجهم. وثانيتهما الفنانون والمهنيون الثقافيون المنتمون إلى أقليات إثنية، الذين قد يواجهون عقبات لغوية وثقافية واجتماعية تحدّ من فرص نفاذهم وتحول دون ممارستهم الكاملة لحقوقهم الثقافية.

ويواجه الفنانون تحديات إضافية في الاقتصاد الرقمي القائم على المنصات. إذ يخضع كثير منهم لممارسات صعبة تفضي إلى تدني الأجور، فالموسيقيون مثلاً كثيراً ما يحصلون على عائدات زهيدة عن كل استماع عبر المنصات الرقمية. وتسعى مبادرات للمناصرة، مثل حملة «الأسطوانة المكسورة» في المملكة المتحدة وحملة «التجارة العادلة في الموسيقى» العالمية، إلى معالجة هذه الاختلالات بالمطالبة بتعويض أكثر إنصافاً عن البث، ومكافحة الممارسات التمييزية التي تحرم مبدعي الموسيقى من غير أهل البلد من عائداتهم.

ويُعدّ الحصول على الدعم المالي أمراً حيوياً لكثير من الفنانين، ولا سيما في المراحل الأولى من مسيرتهم المهنية. وإلى جانب التمويل المباشر، تسهم المبادرات التي تشجع أنشطة ريادة الأعمال في الصناعات الثقافية والإبداعية في الحقوق الاقتصادية للفنانين عموماً، إذ تهيّئ بيئة مواتية للمشاريع الإبداعية، وتساعد على خلق فرص العمل ودعم المساعي المبتكرة. ولسوء الحظ، كثيراً ما تواجه هذه المبادرات عوائق كبيرة، ينبع كثير منها من التحديات البنيوية ذاتها التي سبق تحديدها، وهي ارتفاع مستويات الطابع غير الرسمي، ووضع كثير من الفنانين بوصفهم عاملين لحسابهم الخاص أو مستقلين، والتصورات السلبية لدى الممولين بشأن الجدوى المالية للعمل الثقافي. وكما أشارت نتائج استقصاء اليونسكو لعام 2024 بشأن إجراءات متابعة إعلان موندياكولت، تواجه المنشآت الثقافية والإبداعية عقبات إضافية في الحصول على التمويل بسبب نماذج أعمال لا تتوافق دائماً مع المخططات المالية التقليدية. ولفهم هذه القيود في السياق الأفريقي فهماً أفضل، نشر المكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية في أفريقيا عام 2023 دراسة شاملة عن وضع الفنانين في الصناعات الثقافية والإبداعية، في إطار مبادرة مشتركة جارية بين منظمة العمل الدولية واليونسكو تسعى إلى تحسين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفنانين والمهنيين الثقافيين.

وعلى الرغم من هذه الصعوبات، نفّذ عدد متزايد من البلدان أنظمة واستراتيجيات لتحسين التمويل وتقديم الدعم للفنانين في صورة إعانات ومساعدات مالية. وقد يكون هذا الدعم حاسماً في مساعدة الفنانين على بدء مسيرتهم وتوفير تمويل أساسي لتحسين بنيتهم التحتية وتوسيع نطاق أنشطتهم. وتميل الدول الأعضاء ذات الاقتصادات المتقدمة إلى امتلاك وكالات مخصصة لتعزيز البرامج الفنية والثقافية. ويدعم الاتحاد الدولي لمجالس الفنون ووكالات الثقافة البرامج ذات الصلة المنفّذة في الشمال العالمي والجنوب العالمي ويساعد على إبرازها.

وتقل فرص التمويل من هذا القبيل في الجنوب العالمي، غير أن ثمة مبادرات واعدة عدة تستحق الذكر. ففي شرق أفريقيا، يُعدّ صندوق «هيفا» أول برنامج تمويلي في أفريقيا مخصص صراحة للفنانين في الصناعات الثقافية والإبداعية. وفي أوروغواي، يستثمر «الصندوق التنافسي للثقافة» في مشاريع الإبداع الفني والثقافي التي يقدّمها الفنانون والمهنيون الثقافيون الناشئون. وفي سنغافورة، تقدّم مؤسسة آسيا وأوروبا منذ عام 2020 منحاً تأسيسية للفنانين الشباب من جنوب آسيا، ولا سيما في الفنون البصرية، ويحظى المستفيدون، إلى جانب المساعدة المالية، بمرشدين وأمناء معارض يساعدونهم على تطوير ممارستهم الفنية.

ويتزايد كذلك عدد الجوائز والمنح والإعانات المباشرة التي تقدّمها جهات حكومية وغير حكومية، وهي من جهة غير كافية بالنظر إلى الحاجة إلى تعزيز قطاع مزدهر، ومن جهة أخرى لا تُصمَّم دائماً بهدف بناء منظومة متكاملة مستدامة تعزّز التواصل والتعاون والتبادل بين الثقافات، وتنشئ شبكات فنية متينة تتجاوز الحدود الوطنية أو التخصصية.

وتؤدي الحماية الاجتماعية دوراً حيوياً في منح الفنانين الاستقرار والأمان اللذين يحتاجون إليهما، ويمكنها، إذا أُحسن تصميمها، أن تحررهم ليكرّسوا طاقتهم كاملة لعملهم الإبداعي بعيداً عن انعدام الأمن المالي.

ومع أن آليات الضمان الاجتماعي لا تأخذ دائماً خصوصيات وظائف الفنانين وأنشطتهم في الحسبان، فقد أفادت أغلبية الدول الأعضاء المقدّمة لتقارير توصية عام 1980 بوجود برامج أو سياسات أو أطر تنظيمية للحماية الاجتماعية للفنانين وسائر المهنيين الثقافيين. ولا تزيد النسبة في بلدان الشمال العالمي إلا قليلاً عنها في بلدان الجنوب العالمي، إذ تبلغ 88% و76% على التوالي.

غير أن نطاق هذه المزايا يتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب مستوى دخل البلدان. فنحو 89% من البلدان المرتفعة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى توفّر تغطية اجتماعية شاملة، مقابل 62% فقط من البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى والبلدان المنخفضة الدخل. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه العيّنة قد لا تكون ممثّلة على الصعيد العالمي، نظراً إلى نقص البيانات المتينة عن المجموعة الأخيرة.

وعلاوة على ذلك، تشير إجابات الفنانين والمهنيين الثقافيين في الاستقصاء إلى صعوبات خطيرة في ضمان الإنفاذ الفعلي للأحكام القانونية القائمة. فلا تتجاوز نسبة من يفيدون بحماية كافية أو قوية لحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية 9%، في حين يفيد 62% بأنهم يحظون بحماية ضعيفة أو منعدمة تماماً، وفقاً لاستقصاء موندياكولت لعام 2024. وعلى نحو مماثل، تُظهر الحماية في مجال التنقل الدولي تفاوتات صارخة، إذ توفّر 76% من بلدان الشمال العالمي حماية اجتماعية للفنانين العاملين في الخارج، مقابل 25% فقط في الجنوب العالمي. وكما سبقت الإشارة، يواجه الفنانون والمهنيون الثقافيون الناشطون في الجنوب العالمي تحديات إضافية مرتبطة بارتفاع مستوى الطابع غير الرسمي في الاقتصادات التي يعملون فيها. ولضمان استفادة الفنانين من تغطية الحماية الاجتماعية، يجب إرساء آليات تكفل انتقالاً سلساً من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي. كما تحتاج الفنانات إلى اهتمام خاص في مجال الحماية الاجتماعية، بما في ذلك الحصول على رعاية الأطفال وإجازة الأمومة المدفوعة الأجر والتأمين الصحي.

وتُظهر المشاورة العالمية الخامسة بشأن تنفيذ توصية عام 1980 مجدداً صعوبة حصول الفنانين على الحماية الاجتماعية. فالترتيبات التعاقدية الخاصة التي تميّز وضعهم بوصفهم فنانين كثيراً ما تعني أنهم لا يستوفون بسهولة الشروط اللازمة للاستفادة منها، كما هو الحال حين يتنقلون باستمرار بين ترتيبات تعاقدية مختلفة تشمل العمل المنتظم والعمل لحسابهم الخاص والعقود القصيرة الأجل. ويقدّم مثالان جديران بالذكر من جمهورية كوريا وإسبانيا نموذجين واعدين قد يساعدان في توجيه الجهود في الجنوب العالمي.

ففي جمهورية كوريا، وسّعت التعديلات على قانون التأمين ضد البطالة، التي اعتمدها البرلمان في مايو 2020، نطاق إعانات البطالة لتشمل ما يُقدَّر بـ75 ألف فنان. وتعترف هذه التعديلات بالطبيعة غير المستقرة لعملهم، وتجعل الفنانين مؤهلين لتلقي إعانات بطالة تعادل نحو 60% من متوسط الدخل الشهري الوطني.

وفي إسبانيا، يكفل مرسوم ملكي صدر عام 2023 حصول الفنانين على إعانات البطالة اعترافاً بالطبيعة المتقطعة لعملهم. كما ينص على جواز الجمع بين المعاش التقاعدي الحكومي والنشاط الفني للفنانين الموظفين والعاملين لحسابهم الخاص على حد سواء، ويخفّض الاشتراك الشهري للعاملين لحسابهم الخاص من ذوي الدخل المنخفض. فضلاً عن ذلك، يستحدث المرسوم إعانة بطالة خاصة للعاملين في القطاع الثقافي والفني الذين لا يحق لهم الحصول على إعانة البطالة القائمة على الاشتراكات في إطار النظام العام. ويتيح المرسوم كذلك الجمع بين المعاش التقاعدي والإيرادات المتأتية من النشاط الفني الممارَس بصفة موظف أو لحساب الفنان الخاص.

وأخيراً، أرسى المجتمع الدولي إطاراً قانونياً شاملاً لحماية حقوق الملكية الفكرية للفنانين بهدف تعزيز مشهد ثقافي حيوي ومتنوع. ومن أبرز الاتفاقات في هذا الشأن اتفاقية برن لعام 1886، التي تعترف بحماية حق المؤلف في المصنفات الأدبية والفنية في أكثر من 180 بلداً، واتفاق الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية لعام 1994، الذي يكفل حداً أدنى من معايير إنفاذ حقوق الملكية الفكرية في أنحاء العالم عبر منظمة التجارة العالمية، ومعاهدة الويبو بشأن حق المؤلف لعام 1996، التي تعزّز حماية الحقوق في البيئة الرقمية. وإلى جانب ذلك، استحدثت بلدان كثيرة تشريعات وسياسات تكمّل هذه الاتفاقات العالمية. ومن خلال صون حقوق الملكية الفكرية، تضمن الدول الأعضاء حماية الأعمال الإبداعية للفنانين من الاستخدام أو الاستغلال غير المصرّح به. وينطبق ذلك أيضاً على أهمية أشكال محددة من الحماية الفكرية ونظم الوسم الخاصة بالتراث غير المادي في الدول العربية وأفريقيا.

وتتفاوت فعالية أطر حماية الملكية الفكرية تفاوتاً كبيراً بين المناطق ومستويات الدخل، بحسب القوانين الوطنية وآليات الإنفاذ. ومع أن مركز البحوث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية يقيس حقوق الملكية على الصعيد الدولي سنوياً، لا توجد أداة مماثلة لقياس إنفاذ حقوق الملكية الفكرية في الأعمال الفنية. وتُعدّ أوروبا المنطقة التي تتمتع بأفضل حماية لحقوق الملكية الفكرية للفنانين، في حين توفّر الولايات المتحدة حماية قوية لحق المؤلف لكنها لا تعترف بحق التتبّع، أما في آسيا فتملك اليابان وجمهورية كوريا قوانين قوية لحق المؤلف تُطبّق على نطاق واسع. غير أن الإنفاذ ضعيف في أجزاء كثيرة من الجنوب العالمي، حيث يعاني الفنانون من القرصنة والاستخدام غير المصرّح به لأعمالهم.

وفي إطار حقوق الملكية الفكرية، يتمتع الفنانون بحقوق اقتصادية محددة تحميها عادة قوانين حق المؤلف، منها: حق الاستنساخ، أي الحق الحصري في استنساخ العمل بأي صيغة كانت، كالمطبوعات والنسخ الرقمية والسلع؛ وحق التوزيع، أي الحق في التحكم في طريقة توزيع العمل بيعاً أو تأجيراً؛ وحق الأداء العلني، أي الحق في التحكم في طريقة أداء العمل في الحفلات الموسيقية والمسرحيات وعروض الأفلام؛ وحق العرض العلني، أي الحق في التحكم في العرض العام للعمل في صالات العرض والمتاحف والمنصات الرقمية؛ وحق المصنفات المشتقة، أي الحق في الإذن بتحويرات العمل الأصلي أو تعديلاته، كالترجمات وإعادة المزج والاقتباسات السينمائية؛ وحق التأجير والإعارة، أي الحق في تلقي تعويض عند تأجير الأعمال أو إعارتها؛ وحق التتبّع، أي الحق في الحصول على نسبة مئوية من ثمن إعادة البيع عند بيع الأعمال في الأسواق الثانوية كالمزادات؛ والحقوق المعنوية، أي الحق في نسبة العمل إلى مؤلفه والاعتراض على أي تحريف أو تعديل قد يضر بسمعة الفنان.

وفيما يتعلق بحق التتبّع، يُعدّ توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن حق إعادة البيع، الذي بدأ تطبيقه عام 2006، من أشمل الأطر في هذا المجال، إذ يتيح للفنانين الحصول على عائدات عند إعادة بيع أعمالهم في سوق الفن. ويوفّر هذا الحق المبتكر منافع مالية للفنانين بمنحهم نسبة صغيرة من ثمن إعادة البيع، بما يضمن استفادتهم من ارتفاع قيمة أعمالهم بمرور الوقت. ويعود هذا القانون بفائدة خاصة على الفنانين الناشئين الذين قد تزداد قيمة أعمالهم في مراحل لاحقة من مسيرتهم.

ومع أن نحو 80 بلداً يعترف بحق التتبّع للفنان، فإن تطبيقه يتفاوت، ولم تعتمد جميع الدول تشريعات من هذا القبيل. ومن أمثلة البلدان التي طبّقت هذه التشريعات الكونغو والسنغال وتونس. وتواصل المنظمة العالمية للملكية الفكرية مناقشة اعتماد هذا الحق والترويج له لمساعدة الفنانين في أنحاء العالم على الاستفادة من ارتفاع القيمة الاقتصادية لأعمالهم.

ويتنامى القلق من أن الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي في الإنتاج الثقافي قد ينتهك الحقوق الاقتصادية للفنانين، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوّض قدرة الفنانين على التحكم في أعمالهم وتحقيق الدخل منها والحصول على تعويض عادل عنها. كما تُنتهك حقوقهم لأن نماذج الذكاء الاصطناعي، من مولّدات الصور إلى مولّدات الموسيقى والنصوص، تُدرَّب على مجموعات بيانات ضخمة تتضمن أعمالاً محمية بحق المؤلف دون موافقة مباشرة أو تعويض. ولا تحظى الأعمال المولّدة بالذكاء الاصطناعي بحماية واضحة بموجب قوانين حق المؤلف، ما يصعّب على الفنانين المطالبة بملكية الإبداعات المنجزة بمساعدة الذكاء الاصطناعي أو التحكم فيها. بل إن أطر حق المؤلف الناشئة الرامية إلى مواكبة التطور السريع للأعمال المولّدة بالذكاء الاصطناعي أو المنجزة بمساعدته تثير نقاشات مستمرة حول أفضل السبل لتحقيق التوازن بين حقوق المبدعين من البشر ومصالحهم من جهة والابتكار التكنولوجي من جهة أخرى. ومما يدعو إلى القلق أن أول دراسة عالمية تقيس الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي في قطاعي الموسيقى والسمعي البصري، الصادرة في ديسمبر 2024، تنبأت بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيُثري شركات التكنولوجيا في حين يهدد دخل الفنانين تهديداً كبيراً خلال السنوات الخمس المقبلة. وتسعى إحاطة حديثة لمنظمة العمل الدولية إلى التخفيف من ذلك بتقديم توصيات بشأن جهود تعاونية تشارك فيها الحكومات وأصحاب المصلحة في القطاع ومنظمات أصحاب العمل والنقابات للحد من المخاطر وحماية الصناعة الثقافية وتعزيز منظومة حوكمة للذكاء الاصطناعي تتمحور حول الإنسان. وقد اعتمدت اليونسكو توصيتها لعام 2021 بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لمساعدة البلدان على معالجة بعض المعضلات المرتبطة بالتكنولوجيا الجديدة.

ومع عدم وجود قاعدة بيانات دولية بشأن إعمال حقوق الملكية الفكرية للشعوب الأصلية، تبرز نيوزيلندا بوصفها من البلدان القليلة التي كانت سبّاقة إلى سنّ قوانين للحماية الثقافية تتجاوز حقوق الملكية الفكرية التقليدية. ومن ذلك مثلاً علامة «ماوري توي إيهو» التجارية التي تشهد بأن المنتجات الفنية من إبداع فنانين ماوريين أصيلين. وفي جنوب شرق آسيا، استحدثت الفلبين أيضاً تدابير ترمي إلى حماية أشكال التعبير الثقافي للشعوب الأصلية، وإن كانت فعالية هذه الجهود قد تتقيد بتحديات مثل التسليع السريع. وبالمثل، أبرز تقييم لحقوق الملكية الفكرية للشعوب الأصلية أجراه معهد الموارد العالمية بوركينا فاسو وجنوب السودان وتنزانيا وأوغندا في أفريقيا، وبوليفيا وكولومبيا وبيرو في أمريكا اللاتينية، بوصفها بلداناً وضعت تدابير مهمة للاعتراف بحقوق مجتمعات الشعوب الأصلية في معارفها التقليدية وأشكال تعبيرها الثقافي وحمايتها.

وتتفاوت منظمات الإدارة الجماعية، وهي خيار يتيح لأصحاب الحقوق في إطار نظام حق المؤلف إدارة حقوقهم إدارة جماعية بدلاً من إدارتها فردياً، تفاوتاً كبيراً بين المناطق من حيث توافرها وفعاليتها. ويُظهر توزيع هذه المنظمات تركّزاً واضحاً: فلدى دول أوروبا وأمريكا الشمالية 108 منظمات، ولدى أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي 46 منظمة، في حين لا تملك أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى سوى 26 منظمة، ما يُبرز تفاوتات كبيرة في القدرة على إدارة الحقوق.

وتتفاوت فعالية أطر حماية الملكية الفكرية تفاوتاً كبيراً بين المناطق ومستويات الدخل، إذ تشير بيانات أنظمة الإدارة الجماعية العاملة إلى أن البلدان المرتفعة الدخل أرجح بكثير في امتلاك أنظمة نشطة لتحصيل العائدات وتوزيع الدخل المتصل بالملكية الفكرية، إذ تعمل 121 منظمة للإدارة الجماعية في البلدان المرتفعة الدخل، مقابل 67 في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و28 فقط في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى.

وتدل الأحكام المراعية للنوع الاجتماعي في هذه الأطر على تزايد اعتمادها وإن كان توزيعها غير متكافئ بين المناطق والبلدان. إذ تُظهر البيانات أن 84% من بلدان الشمال العالمي و73% من دول الجنوب العالمي المقدّمة للتقارير نفّذت سياسات محددة لدعم الفنانات والمهنيات الثقافيات، وفقاً للتقارير الدورية لاتفاقية عام 2005. وتشمل هذه التدابير المساواة في الحصول على التمويل، وبرامج الإرشاد، وأحكام مكافحة التمييز. غير أن فجوات التنفيذ لا تزال قائمة، فـ82% من البلدان المرتفعة الدخل تفيد بوجود سياسات نشطة للنهوض بالفنانات، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 55% في البلدان المنخفضة الدخل، أي بفارق 27 نقطة مئوية.

ولا تزال الفوارق بين الجنسين في الأجور مصدر قلق كبير، وإن كانت البيانات الشاملة عن الفجوة في الأجور بين الجنسين في الصناعة الثقافية شحيحة في آليات الإبلاغ الحالية. وتوحي الأدلة المتاحة من منظمات الإدارة الجماعية باستمرار أوجه عدم المساواة بين الجنسين في توزيع العائدات، وإن تعذّر تحديد حجمها بدقة من أطر الإبلاغ القائمة. ويبدو أيضاً أن الفنانات أقل حظاً من الفنانين الرجال في الحصول على التمويل العام وعلى الدعم المالي عموماً.

ولا بد من عمل فعّال لمعالجة العوائق التي تواجهها الفنانات على جميع المستويات: القانونية والمؤسسية والمالية والمجتمعية. فأولاً، يمكن للحكومات أن تعمّم مراعاة النوع الاجتماعي في السياسات الثقافية بالاستخدام المنهجي للبيانات المصنّفة بحسب الجنس والتحليل الجنساني خلال التخطيط والتقييم. ويمكنها كذلك أن تفرض غايات للمساواة بين الجنسين في الاستراتيجيات الثقافية الوطنية وإرشادات التمويل والمواثيق المؤسسية. وتُعدّ كندا والسويد مثالين على بلدان تُدرج صراحة أهدافاً للمساواة بين الجنسين في أطر التمويل الثقافي.

وتتمثّل الخطوة الثانية في تقديم تمويل ودعم اقتصادي موجّهين، في صورة منح وإقامات فنية وزمالات مخصصة للفنانات ورائدات الأعمال الثقافية. ففي رواندا مثلاً، تتلقى التعاونيات التي تقودها النساء في مجالي الحرف والتصميم دعماً خاصاً من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص.

تعزيز مهارات المهنيين المبدعين وتنقلهم

يكتسي التطوير المهني والتنقل أهمية حاسمة للفنانين، لأنهما يعزّزان الإبداع وفرص العمل والاستدامة المالية. فلتوسيع مهاراتهم وإبداعهم، يتعين على الفنانين أن يجرّبوا باستمرار وسائط جديدة وأن ينفتحوا على ثقافات وأساليب فنية مختلفة. ولتحقيق هذا الانفتاح، توسّع المشاركة في الفعاليات الدولية وبرامج تبادل الفنانين آفاقهم وتفتح لهم فرصاً جديدة. وإلى جانب ذلك، توفّر برامج مثل الإقامات الفنية داخل البلد أو في بلد آخر تجارب معمّقة تساعد الفنانين على النمو مهنياً وإبداعياً. وتدعم اليونسكو والاتحاد الأوروبي هذه المساعي مباشرة عبر برامج مثل «أوروبا المبدعة» للتعاون العابر للحدود بهدف تعزيز التبادل الثقافي.

وتتيح المنصات الرقمية فرصاً جديدة عن بُعد للمشاركة في المعارض والحفلات الافتراضية، والاستفادة من الدورات الإلكترونية وبرامج الإرشاد، والانخراط في التعاون الافتراضي. فعلى سبيل المثال، يجمع برنامج «الإرسالات الرقمية» فنانين أردنيين وبريطانيين افتراضياً. وتقدّم إقامة «سوموس برلين» الافتراضية للفنانين تجربة إلكترونية مدتها ثلاثة أشهر تهدف إلى دعم تقدم أعمال الفنانين، وتعود بفائدة خاصة على فناني الجنوب العالمي. أما زمالات الفنون بين بلدان الجنوب، التي أطلقتها منظمة «ليفينغ آرتس إنترناشونال» عام 2022، فتهدف إلى رعاية روابط طويلة الأمد في مجالات الفنون والتراث والثقافة داخل الجنوب العالمي، وتقدّم الدعم للفنانين للانخراط في مشاريع تعاونية وأنشطة تطوير مهني في أنحاء الجنوب العالمي.

كما قادت اليونسكو جهوداً لحشد الدعم لتنقل الفنانين في الجنوب العالمي. فالمادة 16 من اتفاقية عام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي تشجع بلدان الشمال العالمي على منح معاملة تفضيلية للفنانين المقيمين في الجنوب العالمي. غير أن بيانات التنقل المهني تكشف عن تفاوتات واضحة بين الجانبين. ففي حين تفيد جميع بلدان الشمال العالمي بتقديم دعم عام لتنقل الفنانين إلى الخارج عبر منح وإعانات عامة، تنخفض النسبة إلى 76% في الجنوب العالمي. ويتسع التفاوت في دعم التنقل الوافد عبر التدابير والسياسات والبرامج والمخططات، إذ تحتفظ 96% من بلدان الشمال العالمي بتدابير محددة لدعم الفنانين الوافدين، مقابل 56% في الجنوب العالمي. وهكذا تستهدف برامج الشمال العالمي فنانين من الجنوب العالمي، بينما تظل البرامج بين بلدان الجنوب أندر بكثير وتفتقر إلى التمويل.

وإلى جانب ذلك، أبرزت المقررة الخاصة كيف تمسّ قيود التنقل هذه بشكل خاص المهاجرين والسكان النازحين، فتؤثر في قدرتهم على الحفاظ على صلاتهم الثقافية بتراثهم.

ويتباين نوع الدعم المقدّم للتنقل بين المناطق. فبحسب إجابات الاستقصاء بشأن أنواع المنح والإعانات، توزّع بلدان الشمال العالمي دعمها بنسبة 29% لدعم التصدير و39% للتنقل الفردي و33% لتدويل المسارات المهنية للفنانين، في حين تبلغ هذه النسب في بلدان الجنوب العالمي 30% و41% و29% على التوالي. وتفرض سياسات التأشيرات غير المواتية تحديات إضافية على فناني أفقر الدول، إذ تؤثر مباشرة في قدرتهم على المشاركة في التبادل الثقافي الدولي وفي جهود صون التراث. كما يمثّل التنقل مشكلة أكبر للفنانات بسبب عوامل مثل مسؤوليات الرعاية والأعراف الاجتماعية التمييزية، التي قد تؤثر في حصولهن على فرص متكافئة.

وتُظهر آليات الدعم طيفاً واسعاً من مستويات الفعالية بين المناطق. فخطط التمويل العام الداعمة للمبادرات الثقافية لمنظمات المجتمع المدني تسجّل معدلات اعتماد مرتفعة تبلغ 98% في الشمال العالمي و82% في الجنوب العالمي، استناداً إلى البيانات المتاحة من التقارير الدورية لاتفاقية عام 2005. غير أن تطبيق أطر الحد الأدنى للأجور يكشف عن تفاوتات كبيرة، إذ تفيد 91% من بلدان الشمال العالمي بوجود أطر للحد الأدنى للأجور ذات صلة بالفنانين، في حين لم تطبّق هذه السياسة سوى 59% من البلدان المقدّمة للتقارير في الجنوب العالمي.

الحرية الفنية

الحرية الفنية حق ثقافي أساسي يمكّن الفنانين من التعبير عن أفكارهم وتحدي الأعراف المجتمعية والإسهام في التقدم الثقافي والفكري دون خوف من الرقابة أو الضغط السياسي أو الاضطهاد. وهي مكرّسة في إطار ضمان حرية التعبير للجميع في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتعزّزها المادة 27 التي تعيد تأكيد حق كل فرد في المشاركة في الحياة الثقافية والتمتع بالفنون، مع حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على الإنتاج الفني. وتفصّل هذه المبادئ كذلك المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والحرية الفنية تشجع الابتكار والإبداع، وتدفع التغيير الاجتماعي والسياسي، وتحفظ التنوع الثقافي. فالفنانون من الشعوب الأصلية يستخدمون الرقص والموسيقى ورواية القصص للحفاظ على اللغات والتقاليد المهددة بالاندثار. وفي مطلع القرن العشرين، نشأت حركات مثل السريالية والدادائية والفن التجريدي لأن الفنانين كانوا أحراراً في استكشاف أشكال تعبير جديدة. وفي سبعينيات القرن الماضي، أصبحت موسيقى الهيب هوب محورية في احتجاجات الحقوق المدنية في أنحاء العالم، وتؤدي موسيقى الراب دوراً مماثلاً اليوم. ويستخدم فنانون ذائعو الصيت عالمياً، مثل دوريس سالسيدو من كولومبيا، وكارا ووكر من الولايات المتحدة، وتانيا بروغيرا من كوبا، وزانيلي موهولي من جنوب أفريقيا، وألفريدو جار من تشيلي، وإل أناتسوي من غانا، وآي ويوي من الصين، وبانكسي من المملكة المتحدة، الفنَّ لتسليط الضوء على المظالم الاجتماعية.

ونظراً لأهميتها، ينبغي حماية الحرية الفنية حيثما واجهت تهديدات مثل القيود الاقتصادية والرقابة والقمع السياسي. وترصد منظمة «فريميوز» غير الحكومية، في تقريرها السنوي عن حالة الحرية الفنية الصادر منذ عام 2019، أعداد وحالات الفنانين الذين يتعرضون للعقوبات أو السجن بل والقتل. ففي عام 2021 مثلاً، وُثّق ما يزيد على 1200 انتهاك للحرية الفنية، بما في ذلك مقتل 39 فناناً. ويقدّم تقرير المنظمة لعام 2024 تحليلاً مفصّلاً لنطاق الانتهاكات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في كثير من الدول الأعضاء في اليونسكو.

وكثيراً ما تواجه الفنانات مخاطر أشد مما يواجهه الرجال فيما يتعلق بالحرية الفنية. فقد وثّق تقرير أصدرته المنظمة ذاتها عام 2018 بعنوان «الإبداع المظلوم: كيف يُحرم حق المرأة في الحرية الفنية ويُهمَّش» أكثر من 90 حالة انتهاك بحق فنانات في أنحاء العالم. وأبرز التقرير أنماطاً من عدم المساواة والإقصاء والتحرش تتعرض لها الفنانات، مؤكداً الحاجة إلى حماية أكبر.

ولا تتهدد الحرية الفنية من قِبل الحكومات وسلطات الدولة وحدها، بل قد تقيّدها أيضاً طائفة من الجهات غير الحكومية، منها الشركات الخاصة والجماعات الدينية والحركات الاجتماعية، بل والمنظمات الإجرامية في بعض الحالات. وقد تمارس هذه الجهات سيطرتها على التعبير الفني عبر الضغط الاقتصادي أو الأعراف الثقافية أو النشاط أو الترهيب أو السياسات الداخلية، فتشكّل ما يستطيع الفنانون إبداعه أو تقاسمه أو الاستمرار فيه مالياً. وفي بعض الحالات، تعرّضت جهات فاعلة من القطاع الخاص، منها شركات في صناعة الترفيه، للانتقاد بسبب استجابتها لمطالب الرقابة. وفي الآونة الأخيرة، واجه فنانون الرقابة على خلفية تصريحاتهم العلنية المنتقدة للأثر الإنساني للنزاع الدائر في قطاع غزة على المدنيين الفلسطينيين.

والمفارقة أن البيانات التي أبلغت عنها الدول الأعضاء تؤكد وجود ضمانات رسمية قوية للحرية الفنية في بلدان كثيرة. فمن بين الدول الأعضاء المقدّمة لتقارير توصية عام 1980، أفادت 85% في الجنوب العالمي و84% في الشمال العالمي بوجود سياسات وقوانين لتعزيز الحرية الفنية. غير أن ما ليس واضحاً هو مدى الإنفاذ الفعلي للأحكام القانونية القائمة. فلا تفيد سوى 61% من الدول الأطراف في اتفاقية عام 2005 المجيبة بوجود هيئات مستقلة مكلّفة بتلقي الشكاوى أو رصد الانتهاكات والقيود المفروضة على الحرية الفنية، ما يكشف عن فجوة كبيرة بين الأطر القانونية والممارسة الفعلية.

وبالنظر إلى التآكل المستمر للحوكمة الديمقراطية في أجزاء كثيرة من العالم، كما أُشير في مطلع الفصل، يُرجَّح أن يكون لتراجع الحريات السياسية آثار سلبية على الفنانين، الذين كثيراً ما يسعى عملهم إلى إذكاء الوعي بالقضايا الاجتماعية وتحفيز التفكير النقدي. واستجابةً لهذه التحديات، يمكن أن يتحقق تعزيز الحرية الفنية بمبادرات تقودها الحكومات وبإجراءات يتخذها المجتمع المدني على حد سواء، كما تبيّن أمثلة حديثة عدة. ففي آسيا، دعمت اليونسكو منظمة المجتمع المدني الإندونيسية «ائتلاف الفنون» التي أنشأت نظاماً لرصد الحرية الفنية عام 2023. وفي أوروبا، أقرّت مالطا عام 2023 قانون تعزيز حرية التعبير الفني، وأصدرت عام 2024 ميثاقاً لوضع الفنان عزّز الحرية الفنية أكثر، ويهدف هذا التشريع إلى حماية الفنانين من الملاحقة القضائية المتصلة بما يُعدّ إهانات أو تهديدات تنقلها أعمالهم. وفي أفريقيا، تهدف مبادرة «إيكيرينغا» للحرية الفنية، التي أُطلقت في رواندا عام 2024 بالتعاون مع اليونسكو، إلى تعزيز بيئة مواتية للحرية الفنية.

وكما تُظهر مبادرتا إندونيسيا ورواندا، يمكن لليونسكو ومنظمات المجتمع المدني أن تقيم شراكات قوية لتحسين إنفاذ قوانين الحرية الفنية. ومن استراتيجيات التعاون الفعّال الرصد والإبلاغ المشتركان، بما يشمل جمع البيانات التعاوني وتقارير الظل ونظم الإنذار المبكر، والدعوة إلى إصلاح السياسات والقوانين، والحملات العامة، وبناء القدرات، وآليات المساءلة المستقلة. وعلى الصعيد العالمي، يعمل برنامج اليونسكو أشبيرغ، المدعوم من الحكومة النرويجية، بنشاط على تعزيز الحرية الفنية ووضع الفنان في أنحاء العالم، مع اهتمام خاص ببلدان الجنوب العالمي، بما فيها أفريقيا والدول الجزرية الصغيرة النامية، وذلك من خلال البحث والمناصرة والرصد، وبناء القدرات بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، وتقديم المساعدة التقنية والمالية عند الطلب.

تعزيز الحوكمة الثقافية الشاملة والتشاركية

تمثّل الحوكمة التشاركية في صنع السياسات الثقافية بُعداً أساسياً من أبعاد الحقوق الثقافية، إذ تجسّد الحق في المشاركة في الحياة الثقافية والإسهام فيها، وتعكس المعايير الدولية لصنع القرار الشامل في الشؤون الثقافية. ويتطلب هذا النهج في الحوكمة أطراً متينة، وهياكل مؤسسية شاملة، وعمليات تشاركية فعالة تُشرك أصحاب مصلحة متنوعين في جميع مستويات وضع السياسات وتنفيذها. وتؤثر فعالية هذه العناصر مباشرة في قدرة المجتمعات على صياغة السياسات الثقافية التي تمسّ حياتها. وتؤكد التقارير الوطنية أن السياسات الثقافية تكون أكثر فعالية حين تنبثق من احتياجات المجتمعات وتطلعاتها وتستجيب لها، مع ضمان حماية الحقوق الثقافية للجميع وتعزيزها.

ومع أن التقييمات الأخيرة توحي بتقدم في إرساء الآليات التشاركية، فإن فعالية التنفيذ تتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب المنطقة ومستوى الدخل، بما يعكس تحديات أوسع في ضمان مشاركة حقيقية عبر مختلف السياقات الاجتماعية والاقتصادية. وتُبرز هذه التباينات أهمية وضع نُهج تراعي السياق مع الالتزام بالمعايير الدولية للحوكمة التشاركية. وتفيد الدول الأعضاء بأن التنفيذ الناجح كثيراً ما يتوقف على التواصل الواضح والجهود المنسّقة لتحديد أهداف مشتركة بين الجهات الفاعلة الوطنية والإقليمية والبلدية والأكاديمية والاجتماعية.

ومع أن مشهد الحوكمة الثقافية التشاركية قد تطور تطوراً كبيراً في السنوات الأخيرة، متأثراً بالاعتراف المتزايد باحتياجات أصحاب المصلحة المتنوعين وحقوقهم، لا تزال المرأة ممثّلة تمثيلاً ناقصاً في عمليات صنع القرار ومناصبه، وهو ما يسهم في ترسيخ أوجه عدم المساواة البنيوية بين الجنسين في القطاع الثقافي. وعلاوة على ذلك، تؤكد المقررة الخاصة أن الحوكمة التشاركية الفعالة لا تتطلب آليات تشاور رسمية فحسب، بل سلطة فعلية في صنع القرار للمجتمعات المتأثرة. ويكتسي ذلك أهمية بالغة في الحالات المتعلقة بالشعوب الأصلية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي، حيث تؤدي حقوق المجتمع والسياق الثقافي أدواراً أساسية في وضع السياسات وتنفيذها.

وقد وسّعت التقنيات الرقمية فرص المشاركة في عمليات الحوكمة الثقافية، وإن تفاوتت الأدلة على فعاليتها بحسب السياقات. فمنصات المؤتمرات المرئية مثلاً تمكّن المجتمعات النائية من المشاركة في مناقشات السياسات الثقافية الوطنية، بما قد يعالج حواجز جغرافية قديمة. وفي بلدان جزر المحيط الهادئ، حيث قد تفصل بين المجتمعات مسافات محيطية شاسعة، يتيح الاتصال الرقمي إمكانات جديدة للإدماج، وإن كان اشتراط توافر اتصال موثوق بالإنترنت يُبرز استمرار فجوات رقمية قد ترسّخ أوجه عدم المساواة القائمة.

ويتناول التحليل التالي ثلاثة أبعاد حاسمة للحوكمة الثقافية التشاركية هي: أطر السياسات، والهياكل المؤسسية، وعمليات التنفيذ. وكما وثّق استقصاء اليونسكو لمتابعة موندياكولت، تتوقف فعالية الآليات التشاركية على طريقة تفاعل هذه الأبعاد لإتاحة فرص حقيقية للانخراط عبر مجتمعات وسياقات متنوعة.

ولدى بلدان كثيرة أطر قانونية وسياساتية للحوكمة الثقافية التشاركية، تعكس الالتزام بمواءمة صنع السياسات الثقافية مع المعايير الدولية مع ضمان مشاركة مجتمعية حقيقية. غير أن تطورها وفعاليتها يتفاوتان تفاوتاً واسعاً بين المناطق. فخطط التمويل العام الداعمة لإسهام المجتمع المدني في تعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي موجودة في 75% من البلدان المنخفضة الدخل المقدّمة للتقارير، مقابل 93% من البلدان المرتفعة الدخل في مختلف المناطق. وتعكس هذه التباينات اختلافات في تخصيص الموارد وفي القدرة المؤسسية على دعم الآليات التشاركية. وتفيد الدول الأعضاء بأن التنفيذ الفعّال يتطلب استراتيجيات تحوّل شاملة تعترف بالثقافة ثروة وطنية وتوائم الأهداف الثقافية مع أهداف التنمية المستدامة الأوسع.

ويكشف إدماج الأطر التشاركية في منظومات الحوكمة الأوسع عن إمكانات صنع السياسات الثقافية الشاملة وتحدياته في آن معاً. فالتنفيذ الناجح يتطلب آليات تضمن بقاء أصوات المجتمعات، ولا سيما أصوات الشعوب الأصلية وحاملي التراث الحي، في صميم عمليات صنع القرار المتعلقة بالإدارة الثقافية والصون والتعزيز والنقل. وتؤكد الدول الأعضاء أهمية إرساء آليات لإدماج السياسات الثقافية الوطنية ومواءمتها مع معالجة التحديات الآنية والطويلة الأمد.

ويبرز التنسيق بين الجهات الحكومية مكوّناً أساسياً للتنفيذ الفعّال للأطر. فمع أن 92% من الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير أنشأت آليات لتنسيق السياسات بين مختلف المستويات الحكومية في مجال حفظ التراث الثقافي والطبيعي وحمايته وعرضه، وفقاً للتقارير الدورية لاتفاقية عام 1972، فإن جودة جهود التنسيق هذه واتساقها يتفاوتان تفاوتاً كبيراً. وتعكس هذه التباينات التحدي المعقد المتمثل في مواءمة الحوكمة الثقافية على المستويات الوطنية ودون الوطنية ومستوى المدن، مع ضمان المساواة بين الجنسين والانخراط الحقيقي لأصحاب مصلحة متعددين، منهم الهيئات العامة والمنظمات غير الحكومية والشعوب الأصلية والشباب. وتفيد الدول الأعضاء بأن التنفيذ الناجح يتطلب التغلب على محدودية الموارد وثغرات السياسات، ولا سيما في السياقات التي يتعين فيها على أطر الحوكمة الثقافية أن تنافس أولويات إنمائية أخرى.

ويمكن لتدابير محددة عدة أن تحمي نظم المعارف التقليدية من الاستحواذ عليها أو الاستيلاء عليها في عمليات وضع السياسات، منها وضع بروتوكولات رسمية للموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة، وإنشاء أطر قانونية تعترف بحقوق الملكية الفكرية الجماعية، وتخصيص تمويل لمبادرات التوثيق والنقل التي تقودها المجتمعات، وإنشاء هيئات رقابية ذات تمثيل كبير للشعوب الأصلية. ومن ثغرات السياسات التي تستحق اهتماماً خاصاً قصور الاعتراف بنظم المعارف غير الغربية، ومحدودية آليات التنسيق بين القطاعات، وعدم كفاية نماذج التمويل الطويلة الأمد. ويتطلب سد هذه الثغرات إدماج الاعتبارات الثقافية في خطط التنمية الوطنية، وتخصيص بنود في الميزانية لتنفيذ السياسات الثقافية عبر القطاعات، ووضع استراتيجيات مناصرة قائمة على الأدلة تُبيّن إسهامات الثقافة في نتائج التنمية المستدامة الأوسع.

وتعمل المؤسسات الداعمة للحوكمة الثقافية التشاركية على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية من خلال طائفة واسعة من الكيانات والآليات. ويعتمد التنفيذ الفعّال للحوكمة الثقافية التشاركية على هياكل مؤسسية متينة تعمل عبر مستويات حكومية متعددة. وقد أنشأت دول أعضاء كثيرة إدارات أو مراكز متخصصة للإشراف على التحول الثقافي، توفّر الخبرة والموارد والدعم لضمان ممارسات تنفيذ فعالة. وتهدف هذه الأطر المؤسسية إلى تيسير انخراط مستدام بين الهيئات الحكومية وأصحاب المصلحة المتنوعين، ومنهم المنظمات الثقافية وممثلو المجتمعات ومجموعات المجتمع المدني.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن 92% من البلدان المقدّمة للتقارير أرست هياكل للحوار بين السلطات العامة ومنظمات المجتمع المدني. وتتراوح هذه الهياكل بين مجالس ثقافية وطنية وهيئات استشارية محلية، وإن تفاوتت فعاليتها تفاوتاً كبيراً. وتؤكد الدول الأعضاء أن الفعالية المؤسسية لا تتوقف على وجود هياكل رسمية فحسب، بل على قدرتها على تيسير مشاركة حقيقية في عمليات صنع القرار.

وتُظهر الآليات المؤسسية المراعية للنوع الاجتماعي مستويات متفاوتة من التطور والفعالية بين المناطق، ومن ذلك ضمان تمثيل منتظم في عمليات صنع القرار، ومعالجة العوائق البنيوية أمام المشاركة، والحفاظ على نظم رصد فعالة. وتلاحظ التقارير الوطنية أن فجوات التنفيذ لا تؤثر في النساء فحسب، بل في قدرة المجتمعات المهمّشة أيضاً على المشاركة في العمليات المؤسسية. ولمعالجة ذلك، يؤكد صانعو السياسات أهمية وضع استراتيجيات موجّهة تعزّز مشاركة المرأة وقيادتها في الحوكمة الثقافية عبر أطر مؤسسية متينة. وفي المقابل، قد تعوق الأعراف الثقافية ذاتها هذه المشاركة، فمجتمعات الشعوب الأصلية مثلاً قد تتوقع أن يكون التواصل مباشراً بين زعمائها أو شيوخها ورأس الحكومة الوطنية أو قادتها، لا مع موظفين مفوّضين.

ويطرح التوفيق بين مبادئ المساواة بين الجنسين وهياكل الحوكمة التقليدية تحديات معقدة تتطلب نُهجاً دقيقة. ومن الاستراتيجيات الناجحة لمعالجة هذه التحديات: التنفيذ المرحلي الذي يتيح تحولاً تدريجياً، وإيجاد فضاءات مخصصة لمشاركة المرأة تعمل إلى جانب الهياكل التقليدية، والاستثمار في قيادات نسائية ثقافية قادرة على التحرك في السياقين المؤسسي والمجتمعي معاً، ووضع برامج للتوعية بالنوع الاجتماعي ملائمة للسياق المحلي ومصمّمة بمدخلات مجتمعية، وإرساء آليات مساءلة واضحة بمؤشرات خاصة بالنوع الاجتماعي، وضمان مشاركة نساء من المجتمعات المهمّشة في تصميم السياسات الرامية إلى زيادة تمثيلهن. ومن الأمور الحاسمة لهذه الجهود إدراك أن المساواة بين الجنسين واحترام الثقافة لا يتعارضان بالضرورة حين تقود المجتمعات نفسها عملية فحص ممارسات الحوكمة وإصلاحها عند الاقتضاء.

وتؤدي الهياكل المؤسسية المحلية دوراً متزايد الأهمية في الحوكمة التشاركية، وكثيراً ما تُظهر قدرة أكبر على التكيّف مع السياقات الثقافية المحددة. فالهيئات البلدية والإقليمية كثيراً ما تكون نقاط الاتصال الأولى بين المجتمعات ومنظومات الحوكمة الثقافية. وتفيد الدول الأعضاء بأن فعالية هذه الهياكل المحلية تتوقف على عوامل عدة، منها الاتساق مع الأطر الوطنية، وكفاية الموارد، واستدامة الانخراط المجتمعي، والتكامل مع منظومات الحوكمة التقليدية.

وتتطلب الحوكمة التشاركية الفعالة في صنع السياسات الثقافية منظومات تيسّر مشاركة أصحاب المصلحة مشاركة حقيقية في صنع القرار. فمع أن الأطر والمؤسسات الرسمية توفّر أسساً ضرورية، فإن آليات الانخراط الفعلية هي التي تحدد الأثر الحقيقي للحوكمة التشاركية. وتؤكد التقارير الوطنية أن التنفيذ الناجح يتطلب معالجة التحديات المتعلقة بالقدرات المؤسسية ومحدودية الموارد والتنسيق بين مختلف القطاعات.

وتُبيّن أمثلة عالمية عدة التحديات والنُّهج الناجحة في التنفيذ. ففي برشلونة، تُظهر «خطة الثقافة وحقوق المواطنة» تنسيقاً فعالاً متعدد المستويات بربط السياسات البلدية بالمشاركة على مستوى الأحياء، ولا سيما في مجتمعات المهاجرين. وفي سيول، يتميّز «إعلان الحقوق الثقافية للمواطنين» باستخدامه الموازنة التشاركية التي تمكّن المواطنين من تخصيص الموارد الثقافية مباشرة. أما في كولومبيا، فقد نجحت خطط التنمية الثقافية في إدماج منظومات الحوكمة التقليدية لمجتمعات الشعوب الأصلية، باستخدام نماذج هجينة لصنع القرار تحترم سلطة الأسلاف وترتبط في الوقت ذاته بالأطر الوطنية. وتكشف هذه الحالات أن التنفيذ الناجح ينطوي عادة على تكييف خاص بالسياق بدلاً من نُهج موحّدة، مع اهتمام خاص بديناميكيات السلطة وتوزيع الموارد ومواءمة مصالح أصحاب المصلحة المتنوعين.

ويمثّل التنسيق المتعدد المستويات جانباً حاسماً من فعالية التنفيذ في صنع السياسات الثقافية، وإن تفاوتت جودة الانخراط واتساقه تفاوتاً كبيراً. وتفيد الدول الأعضاء بأن التنسيق الفعّال كثيراً ما يتطلب معالجة تحديات من قبيل العقبات البيروقراطية وعدم اتساق الأهداف بين مختلف أصحاب المصلحة. ولهذا الغرض، يمكن للمجتمع المدني أن يكون وسيطاً فعالاً بين المؤسسات الوطنية والمجتمعات المحلية، وإن أظهرت عمليات الانخراط تباينات إقليمية كبيرة. وتُظهر المشاركة في صون التراث غير المادي مستويات انخراط مرتفعة تتراوح بين 44% في الجنوب العالمي و61% في الشمال العالمي، وتعكس هذه الفروق تفاوت القدرات على استدامة انخراط المجتمع المدني. وتؤكد التقارير الوطنية أن المشاركة الفعالة تتطلب دعماً مستمراً على امتداد دورة السياسات.

وتُظهر النُّهج المراعية للنوع الاجتماعي في العمليات التشاركية مستويات متفاوتة من نجاح التنفيذ بين المناطق والسياقات. وتشير البيانات إلى أنه في حين توجد آليات رسمية لإدماج النوع الاجتماعي في سياقات كثيرة، يفيد صانعو السياسات بأن التنفيذ العملي يواجه تحديات مستمرة عدة، منها ضمان تمثيل منتظم في عمليات صنع القرار، ومعالجة العوائق البنيوية أمام المشاركة، والحفاظ على نظم رصد وتقييم مراعية للنوع الاجتماعي. ويُظهر التقدم الأخير في إدماج منظورات النوع الاجتماعي في السياسات الثقافية مسارات ممكنة للمضي قدماً، وإن تطلّب الأمر جهداً مستداماً لضمان ترجمة هذه الآليات إلى مشاركة حقيقية على جميع مستويات الحوكمة الثقافية.

ويجب أن يضمن تنفيذ العمليات التشاركية على وجه الخصوص انخراطاً حقيقياً للشعوب الأصلية في إدارة التراث الثقافي. فعلى الرغم من الإنشاء الواسع للهيئات الاستشارية، تتطلب المشاركة الفعالة إدماج عمليات صنع القرار ونظم المعارف التقليدية.

وتفيد الدول الأعضاء بتحقيق نتائج أفضل حين تشارك مجتمعات الشعوب الأصلية مباشرة في عمليات الإدارة، ولا سيما حين تُحترم ممارسات الحوكمة التقليدية وتُدمج في الأطر المؤسسية.

وتعتمد فعالية العمليات التشاركية اعتماداً كبيراً على آليات الرصد والتقييم المؤسسية التي سبقت مناقشتها، إذ تتيح إجراء تعديلات وتحسينات قائمة على الأدلة في ممارسات الانخراط. وبالبناء على الآليات المؤسسية المراعية للنوع الاجتماعي الموصوفة آنفاً، يجب أن تضمن العمليات التشاركية ترجمة هذه الأطر إلى فرص انخراط حقيقية للنساء والمجتمعات المتنوعة جنسانياً. وبعيداً عن إنشاء الآليات المؤسسية، يتطلب التنفيذ العملي تغيير طريقة تصميم فرص المشاركة وتيسيرها. فيجب أن تعالج العمليات التشاركية المراعية للنوع الاجتماعي عوائق عملية مثل توقيت الاجتماعات وأماكنها وتوفير رعاية الأطفال وصيغ الانخراط الملائمة ثقافياً، وأن تتصدى في الوقت ذاته لقضايا بنيوية أعمق، منها تراتبيات صنع القرار وطريقة تقييم أشكال المعرفة والإسهام المختلفة.

ويكشف التحليل أن الحوكمة التشاركية الناجحة في القطاع الثقافي تتطلب نهجاً شاملاً يعالج أبعاداً متعددة في آن واحد. وتفيد الدول الأعضاء بأن التنفيذ الفعّال يتوقف على أطر مؤسسية قوية وموارد كافية والتزام مستدام بالممارسات الشاملة. ويشمل ذلك وضع آليات لانخراط حقيقي لأصحاب المصلحة، وضمان تمثيل كافٍ للمجتمعات المتنوعة، والحفاظ على نظم رصد وتقييم متينة قادرة على تتبّع التقدم وتحديد مجالات التحسين.

سد الثغرات في الرصد والتقييم

يشمل رصد الحقوق الثقافية نُهجاً متكاملة متعددة على المستويات العالمي والإقليمي والوطني، منها آليات الإبلاغ الدوري لليونسكو، وتحقيقات المقررين الخاصين للأمم المتحدة، والأطر الإقليمية لحقوق الإنسان، وتقارير الظل التي يعدّها المجتمع المدني، ومبادرات البحث الأكاديمي، والمراصد الثقافية الوطنية. ومع أن لكل منها دوراً قيّماً، يمثّل نظام الإبلاغ الدوري لليونسكو الإطار العالمي الأشمل والأكثر منهجية لتتبّع إعمال الحقوق الثقافية في سياقات متنوعة، إذ يوفّر بنية موحّدة للتحليل المقارن، ويتيح للدول الأعضاء منصة لتوثيق التقدم والتحديات.

ويمثّل رصد إعمال الحقوق الثقافية وتقييمه تقييماً فعالاً في ظل الإطار العالمي الحالي تحدياً كبيراً. فمع أن التحليل المعروض في هذا التقرير يستند إلى بيانات قيّمة من التقارير الدورية للدول الأعضاء ومن المشاورات العالمية لليونسكو، ثمة قيود حاسمة عدة ينبغي معالجتها لإتاحة تقييم شامل لحالة الحقوق الثقافية في العالم.

فالإبلاغ الدوري من جانب الدول الأعضاء، على قيمته، يطرح تحديات أساسية عدة. أولها أن معدلات الاستجابة تتفاوت تفاوتاً كبيراً بين المناطق وفئات الدخل، ما يُحدث ثغرات كبيرة في فهم إعمال الحقوق الثقافية، ولا سيما في المناطق ذات معدلات الاستجابة المنخفضة. فعلى سبيل المثال، كشفت المشاورة العالمية للفترة 2022 و2023 بشأن تنفيذ توصية عام 1980 المتعلقة بوضع الفنان عن تفاوتات واضحة في معدلات المشاركة، مع انخراط أقل بكثير من جانب البلدان المنخفضة الدخل.

وحتى حين تقدّم الدول الأعضاء تقاريرها، كثيراً ما يتفاوت مضمون المعلومات المقدّمة وعمقها وجودتها تفاوتاً كبيراً، ما يجعل التحليل المقارن المنهجي بالغ الصعوبة. ويعكس هذا التباين اختلافات في القدرات الوطنية على الرصد ومنهجيات جمع البيانات وتفسير المعلومات المطلوبة. فبينما تقدّم بعض البلدان بيانات شاملة مدعومة بأدلة متينة، تقدّم بلدان أخرى تقييمات أكثر عمومية بمؤشرات كمية محدودة. ومن المجالات التي تطرح تحديات الإبلاغ عن المهنيين الثقافيين المشاركين في برامج التبادل، إذ قد لا تقدّم التحليلات المقارنة بين البلدان قيمة تفسيرية تُذكر في غياب ربط هذه الأرقام بأحجام السكان الوطنية، بل قد تفضي إلى استنتاجات مضللة.

وعادة ما يركّز الإبلاغ الدوري على أطر السياسات الرسمية والأحكام القانونية، التي قد لا تعكس دائماً فعالية التنفيذ أو النتائج على أرض الواقع. وهنا تتجلى العلاقة الجوهرية بين الحقوق الثقافية والسياسات الثقافية، ولا سيما في الحالات التي يوجد فيها إطار قانوني لا يترجم فعلياً إلى حماية للحقوق الثقافية، وهو ما يستدعي نهجاً قائماً على الحقوق في صنع السياسات الثقافية. فعلى سبيل المثال، لا تتعلق البيانات الخاصة بأجور المهنيين الثقافيين المستفيدين من مدفوعات منظمات الإدارة الجماعية إلا بنسبة ضئيلة من الفنانين، فتقدّم صورة منقوصة عن أوضاعهم الاقتصادية. وينشأ عن ذلك فجوة مستمرة بين الالتزامات المعلنة والواقع العملي الذي يعيشه الممارسون الثقافيون والمجتمعات.

ولا تزال آليات الرصد والتقييم التي تقيس الفعالية المؤسسية تمثّل تحدياً حاسماً في الحوكمة التشاركية. فمع أن دولاً أعضاء كثيرة تفيد بامتلاكها نظم تقييم رسمية، يلاحظ صانعو السياسات أن جودة الرصد واتساقه يتفاوتان تفاوتاً كبيراً بين المناطق والسياقات المؤسسية. ويؤثر هذا التفاوت في القدرة على تقييم الأداء المؤسسي وتحسينه، ولا سيما في قياس فعالية الآليات التشاركية وأثرها في وضع السياسات الثقافية. ويمتد هذا التحدي إلى تقييم عمليات التنفيذ، فيؤثر في القدرة على إجراء تعديلات قائمة على الأدلة في الممارسات التشاركية. وتزيد محدودية القدرة على توليد البيانات وتحليلها في سياقات كثيرة هذه التحديات تعقيداً، ما يُبرز الحاجة إلى أطر مؤسسية معزّزة قادرة على دعم ممارسات رصد وتقييم متينة في جميع جوانب الحوكمة التشاركية. ولا بد من التذكير أيضاً بأن هذا الإبلاغ يمثّل في العادة تقييماً ذاتياً تجريه الحكومات المعنية، وينبغي تفسيره في ضوء أصوات أخرى كأصوات المجتمع المدني ومجموعات الشعوب الأصلية.

ويطرح رصد الحرية الفنية تحديات خاصة في السياقات التي تُقيَّد فيها الحقوق الأساسية أو التي يعوق فيها النزاع أو عدم الاستقرار التعبير الثقافي المفتوح. ففي مثل هذه البيئات، قد تكون آليات الإبلاغ الرسمية محدودة أو منقوصة، وعادة ما تأتي المعلومات الأكثر موثوقية من منظمات المجتمع المدني والأفراد، الذين قد يتعرضون لمخاطر شخصية أو مهنية حين يوثّقون الانتهاكات. وتمثّل الرقابة الذاتية تهديداً خفياً بشكل خاص يظل إلى حد بعيد غير قابل للقياس بنُهج الرصد التقليدية، إذ قد يتجنب الفنانون إبداع أعمال بعينها كلياً بدلاً من مواجهة العواقب المحتملة. وتتطلب هذه التحديات منهجيات رصد متخصصة تحمي المصادر، وتلتقط المؤشرات غير المباشرة للتقييد، وتضع الامتثال الظاهري للمعايير الدولية في سياقه مقارنةً بالتجارب المعيشة للممارسين الثقافيين. ومع أن هذه القضايا قد تُعالج على نحو أشمل في منشورات تركّز تحديداً على الحرية الفنية، فإنها تمثّل ثغرة حاسمة في أطر الرصد الحالية.

ولا غنى عن نظام أكثر متانة وتوحيداً وانتظاماً لجمع البيانات للتغلب على هذه القيود. وينبغي أن يؤدي معهد اليونسكو للإحصاء دوراً محورياً في تطوير هذا الإطار وتنفيذه، بالتعاون مع مكاتب الإحصاء الوطنية والمراصد الثقافية وسائر المؤسسات المعنية. وينبغي أن يشمل نظام الرصد الموحّد هذا أبعاداً رئيسية عدة:

أولها إطار شامل للمؤشرات يبني على المؤشرات القائمة ويتوسع لمعالجة الثغرات الحالية. فالأطر الحالية مثلاً تفتقر إلى مؤشرات محددة لتقييم الفجوات في الأجور بين الفنانين والفنانات، وكذلك بين فناني الشعوب الأصلية وفناني التيار السائد. وبالمثل، لا يوجد مؤشر لقياس مدى استفادة مجتمعات الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية استفادة منصفة من الاستخدام التجاري لتراثها الثقافي وملكيتها الفكرية، وهو إغفال كبير بالنظر إلى التحديات المستمرة في حماية أشكال التعبير الثقافي والمعارف التقليدية.

وثانيها دورات منتظمة لجمع البيانات، إذ من شأن تحديد أطر زمنية متسقة لجمع البيانات في جميع الدول الأعضاء أن ييسّر تحليلاً أجدى للاتجاهات ويتيح تحديد التحديات الناشئة في الوقت المناسب. وينبغي أن تتواءم هذه الدورات مع الإبلاغ الأوسع عن تنفيذ الاتفاقيات الثقافية لليونسكو وسائر الصكوك الدولية ذات الصلة.

وثالثها منهجيات موحّدة، عبر وضع مبادئ توجيهية ومنهجيات واضحة لجمع البيانات تضمن الاتساق وقابلية المقارنة بين السياقات الوطنية المختلفة. وينبغي أن يراعي هذا التوحيد تفاوت القدرات الوطنية مع الحفاظ على معايير أساسية مشتركة، ولا سيما في وضع البيانات في سياقها، كربط عدد الفنانين المتنقلين بحجم السكان. وسيكون وضع تعريفات واضحة متفق عليها دولياً وملائمة لمختلف السياقات الثقافية واللغوية مهمة رئيسية.

ورابعها بناء القدرات في مجال جمع البيانات، عبر تقديم الدعم التقني والموارد لتعزيز القدرات الوطنية في الإحصاءات الثقافية، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وينبغي أن يشمل هذا الدعم برامج تدريبية ومجموعات أدوات منهجية ومساعدة موجّهة لتطوير نظم المعلومات الثقافية الوطنية.

وخامسها التثليث بين مصادر مستقلة، باستكمال البيانات الحكومية بمعلومات من منظمات المجتمع المدني والبحوث الأكاديمية والمراصد الثقافية المستقلة، لتوفير فهم أشمل وأدق لإعمال الحقوق الثقافية.

وسادسها دعم الرصد الذي تجريه منظمات المجتمع المدني، إذ ينبغي، بما يتجاوز الآليات الحكومية والحكومية الدولية، بذل جهود لزيادة إدماج قضايا الحقوق الثقافية في آليات رصد حقوق الإنسان القائمة، ولا سيما بتشجيع إدراجها في التقارير الدولية وتعزيز التواصل بين منظمات المجتمع المدني المتخصصة والأمم المتحدة، بما في ذلك المقرر الخاص المعني بالحقوق الثقافية والمقرر الخاص المعني بحرية التعبير. ومن شأن هذه النُّهج المتكاملة أن تعزّز منظومة الرصد ككل وتضمن تمثيل منظورات متنوعة في التقييمات العالمية للحقوق الثقافية.

ومع أن المؤشرات الكمية الموحّدة ضرورية، فيجب أن تكون ملائمة للغرض ومُنتجة بصورة متينة، وأن تُستكمل بتقييمات نوعية تلتقط الأبعاد الدقيقة للحقوق الثقافية. وينبغي أن تشمل هذه العناصر النوعية، التي كثيراً ما تُعرض في التقارير الدورية للدول الأعضاء ومنظمات المجتمع المدني، دراسات حالة معمّقة تُبرز الممارسات الناجحة والتحديات المستمرة معاً، وتحليل تجارب مجتمعات ثقافية بعينها ولا سيما الفئات المهمّشة، وتقييم أثر التقنيات الناشئة في الحقوق الثقافية، وتوثيق النُّهج المبتكرة في الحوكمة والمشاركة الثقافيتين.

وتوفّر هذه المعلومات النوعية سياقاً حاسماً لتفسير المؤشرات الكمية وفهم العوامل المعقدة المؤثرة في إعمال الحقوق الثقافية. ويكتسي ذلك أهمية خاصة للجوانب التي يصعب قياسها كمياً، كالمكافأة الكافية عن الملكية الفكرية الثقافية للشعوب الأصلية أو جودة السياسات الثقافية المراعية للنوع الاجتماعي.

ومع أن نُهج الرصد الموحّدة توفّر بيانات مقارنة قيّمة، فيجب أن تُستكمل باعتبارات خاصة بكل منطقة تعالج التحديات السياقية الفريدة. فنظم المعارف التقليدية ونُهج توليد البيانات التي تقودها المجتمعات تمثّل موارد قيّمة كثيراً ما تُغفل في رصد إعمال الحقوق الثقافية. فكثير من المجتمعات الأفريقية مثلاً يحتفظ بممارسات غير رسمية متطورة لتتبّع النقل الثقافي وحيوية اللغات وحماية التراث، وهي ممارسات قائمة خارج الأطر المؤسسية الرسمية. ومن شأن إدماج هذه النُّهج المجتمعية في الرصد إلى جانب المقاييس الكمية التقليدية أن يوفّر فهماً أشمل لإعمال الحقوق الثقافية.

وفي الوقت ذاته، تتطلب عوامل سياقية محددة عدة اهتماماً خاصاً. فقد أثّر التدمير الثقافي المرتبط بالنزاعات المسلحة تأثيراً كبيراً في المجتمعات في بلدان مثل جنوب السودان ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، حيث تواجه الممارسات التقليدية التآكل بسبب النزوح وعدم الاستقرار. كما تعيد أنماط الهجرة، القسرية منها والطوعية، تشكيل منظومات النقل الثقافي بطرق عميقة نادراً ما تلتقطها المقاييس التقليدية. فضلاً عن ذلك، تفرض العولمة ضغوطاً معقدة على أشكال التعبير الثقافي التقليدية، إذ توفّر منصات جديدة للظهور في حين قد تسرّع التجانس. وتُبرز هذه العوامل أهمية إدماج حماية الحقوق الثقافية في أطر أوسع لبناء السلام والتنمية والحوكمة الرقمية.

وتستوجب ديناميكيات السلطة في عمليات الرصد اهتماماً خاصاً، ولا سيما في السياقات التي تتسم بمحدودية القدرة الحكومية أو الشفافية. فالاعتماد أساساً على البيانات الحكومية ينطوي على خطر إدامة أوجه عدم المساواة القائمة، ولا سيما في البلدان ذات معدلات الاستجابة المنخفضة لآليات الإبلاغ الدولية. ويمكن لمنظمات المجتمع المدني وممثلي المجتمعات أن يكونوا شركاء أساسيين في توليد البيانات وتفسيرها، بما يوفّر مساءلة حاسمة ويساعد على تحديد الثغرات في الإبلاغ الرسمي. وسيكون النهج الأكثر فعالية هو الجمع بين الرصد الإحصائي الموحّد الذي ينسّقه معهد اليونسكو للإحصاء والمعلومات السياقية الغنية التي يوفّرها الإبلاغ الدوري. ومن شأن هذا النظام المتكامل أن يوفّر أساساً أشمل لصنع السياسات القائم على الأدلة، وأن ييسّر تدخلات أدق استهدافاً وتعاوناً دولياً أكثر فعالية في النهوض بالحقوق الثقافية.

وفي نهاية المطاف، ليس تعزيز أطر الرصد والتقييم مجرد تمرين تقني، بل هو شرط أساسي لحماية الحقوق الثقافية حماية فعالة. فلا يمكن للمجتمع الدولي أن يقيّم التقدم بدقة ويحدد التحديات المستمرة ويضع الاستجابات الملائمة للنهوض بالحقوق الثقافية للجميع إلا ببيانات متينة وقابلة للمقارنة وشاملة. وإذا كان للثقافة أن تجد مكانها هدفاً إنمائياً مستقلاً إلى جانب مجالات كالتعليم والصحة والحد من الفقر، فسيتطلب ذلك من الدول الأعضاء أن تلتزم برأس مال سياسي وموارد مالية من أجل تطبيق قوي للحقوق الثقافية ونظام رصد قوي لتقييم إعمالها.

الاستنتاجات والدروس الرئيسية

الحقوق الثقافية عناصر تأسيسية لكرامة الإنسان والتنمية المستدامة، تتقاطع مع جميع أبعاد حقوق الإنسان وتمكّنها. ويكشف الاستعراض الذي أجراه هذا الفصل عن تقدم كبير وتحديات مستمرة معاً في الأبعاد الأساسية الثلاثة لإعمال الحقوق الثقافية.

فالحقوق الثقافية ليست اعتبارات هامشية، بل هي محورية في الطريقة التي يعيش بها الأفراد والمجتمعات المعنى ويعبّرون عنه وينقلونه. وتعزّز الأدلة المتاحة اعتراف إعلان موندياكولت 2022 بالثقافة منفعةً عامة عالمية تستحق اعترافاً صريحاً بها هدفاً مستقلاً في خطة التنمية لما بعد عام 2030.

وتؤكد استنتاجات هذا الفصل تحقيق تقدم كبير في إرساء أطر سياسات داعمة للحقوق الثقافية. فقد وسّع الابتكار الرقمي نطاق النفاذ، إذ طبّقت بلدان كثيرة صيغاً ومنصات افتراضية. وثمة أدلة على تطورات مشجعة في الاعتراف القانوني بوضع الفنانين، وإن تفاوتت فعالية التنفيذ تفاوتاً كبيراً بين السياقات المرتفعة الدخل والمنخفضة الدخل.

غير أن فجوات التنفيذ المستمرة تقوّض إعمال الحقوق الثقافية في الممارسة العملية. فالفجوة الرقمية لا تزال تحدّ من المشاركة الحقيقية، ولا سيما في المجتمعات الريفية والمنخفضة الدخل. وتوجد تفاوتات إقليمية في دعم التنوع اللغوي رغم الاعتماد الواسع للتعليم باللغة الأم. ومع أن الحقوق الثقافية معرّفة تعريفاً شاملاً في الأطر العالمية، تظل آليات الرصد قاصرة عن ضمان إعمالها الفعال.

وتستمر تفاوتات واضحة في إعمال الحقوق الثقافية بين المناطق والفئات السكانية. وتبرز الفجوة بين الاعتراف الرسمي والحماية العملية بوصفها تحدياً حاسماً. كما تستمر أوجه عدم المساواة بين الجنسين في جميع المنظومات الثقافية، في حين تواجه الشعوب الأصلية والأقليات الثقافية عقبات كبيرة رغم الاعتراف الرسمي بحقوقها.

وكثيراً ما تطبّق الحكومات المحلية نُهجاً أكثر فعالية في الحوكمة الثقافية مما تطبّقه السلطات الوطنية. ويتبيّن أن التنسيق المتعدد المستويات أمر أساسي، وإن تطلّب مواءمة السياسات الوطنية والإقليمية والمحلية مع ضمان انخراط حقيقي لأصحاب المصلحة. وتبدو الشراكات بين القطاعات وانخراط المجتمع المدني واعدة في توسيع المشاركة الثقافية، وإن كانت تحديات التنسيق تؤثر في استدامتها.

ولا تزال أطر الرصد الحالية لتقييم إعمال الحقوق الثقافية قاصرة. فمع التحسينات المحققة في تتبّع الأطر القانونية، تظل النظم ضعيفة في تقييم التباين بين الحماية الرسمية والضمانات العملية، ويعكس إطار الرصد النوايا المعلنة في السياسات الرسمية أكثر مما يعكس الممارسة الفعلية.

وتؤكد تحديات الرصد المستمرة هذه الحاجة إلى هدف مخصص للثقافة في خطة التنمية لما بعد عام 2030. فمن شأن هدف كهذا أن يوفّر الإطار اللازم لتعزيز توليد البيانات ووضع مؤشرات موحّدة وتنفيذ سياسات ثقافية أكثر فعالية، وأن يعزّز قدرة المجتمع الدولي على رصد التقدم وتحديد التحديات وتنفيذ الحلول في جميع أبعاد الحقوق الثقافية، معترفاً بها مكوّنات أساسية لكرامة الإنسان وتعبيره.

واستناداً إلى تحليل إعمال الحقوق الثقافية على الصعيد العالمي الذي أجراه هذا الفصل، يوصى بالاستراتيجيات التالية لتعزيز حماية الحقوق الثقافية وتعزيزها في جميع أبعادها:

المساواة بين الجنسين والإدماج: ينبغي للدول الأعضاء أن تفرض تقييمات إلزامية للأثر على النوع الاجتماعي لجميع السياسات الثقافية، وأن تخصّص مسارات تمويل للمبادرات الثقافية التي تقودها النساء. ويجب إيلاء اعتبار خاص للعوائق المتقاطعة، إدراكاً لأن عدم المساواة بين الجنسين كثيراً ما يتقاطع مع أشكال أخرى من التمييز على أساس الإثنية أو الإعاقة أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي. وينبغي للمؤسسات الثقافية أن تضع جداول زمنية واضحة لتنفيذ التدابير المراعية للنوع الاجتماعي، مع معايير محددة لزيادة مشاركة المرأة في المناصب القيادية والإبداعية.

إدارة التراث الثقافي للمجتمعات والشعوب الأصلية: ينبغي للحكومات أن تعترف بالنُّهج المتنوعة في إدارة التراث الثقافي وتدعمها، إقراراً بأن المجتمعات، ولا سيما الشعوب الأصلية، كثيراً ما تملك نظماً فعالة للحكم الذاتي في إدارة أشكال تعبيرها الثقافي وتراثها الحي. وحيثما تكون الهياكل المؤسسية معنية، ينبغي لأطر الحوكمة المشتركة أن تدمج نظم المعارف التقليدية مع احترام استقلالية المجتمعات. وتماشياً مع اتفاقية التراث العالمي لعام 1972 واتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، ينبغي لهذه النُّهج أن تؤكد دور المجتمعات بوصفها الحارسة الأولى لتراثها، صاحبةَ سلطة القرار في أشكال تعبيرها الثقافي، سواء أدارتها باستقلال أو بالشراكة مع المؤسسات. وينبغي أن يشمل الدعم موارد ملائمة وبرامج لبناء القدرات، مع احترام حق المجتمعات في تحديد نظم الإدارة التي تفضّلها.

الحرية الفنية ووضع الفنان: تتطلب حماية الحرية الفنية آليات إنفاذ معزّزة، منها هيئات رصد مستقلة وحماية قانونية من الرقابة والاضطهاد. وتحتاج برامج التطوير المهني إلى اهتمام خاص، يجمع بين نُهج الإرشاد التقليدية وشبكات مبتكرة للتعلم من الأقران تدعم الفنانين طوال مسيرتهم. وينبغي توسيع مبادرات دعم التنقل، مع تركيز خاص على معالجة الخلل بين الشمال والجنوب في فرص التبادل الفني.

التعاون الإقليمي والدولي: ينبغي تعزيز التعاون بين بلدان الجنوب عبر آليات مثل شبكة اليونسكو للمدن المبدعة وسائر المنصات الإقليمية. وينبغي أن تُدعم آليات التعاون الإقليمي بأطر تمويل مستدامة، وأن تركّز على تقوية شبكات المؤسسات الثقافية بما يمكّنها من تقاسم الموارد والخبرات على نحو أكثر فعالية. كما ينبغي للتعاون الدولي أن يعطي الأولوية لبناء القدرات في المناطق ذات الموارد المحدودة، ولا سيما في مجالي القدرة على إدارة الحقوق وتطوير البنية التحتية الرقمية.

الحوكمة والتنسيق المتعددا المستويات: ينبغي للبلدان على الصعيد الوطني أن تنشئ هيئات تنسيق مشتركة بين الوزارات بولايات صريحة وأطر مساءلة واضحة، على غرار نماذج ناجحة مثل اللجنة الوزارية المشتركة للشؤون الثقافية للدولة في فرنسا. وينبغي لهذه الهيئات أن تضمن إدماج الاعتبارات الثقافية في جميع مجالات السياسات، من التعليم إلى التخطيط الحضري. ويجب تعزيز آليات الحوكمة التشاركية على جميع المستويات، مع اهتمام خاص بضمان انخراط حقيقي للمجتمعات المهمّشة في عمليات صنع القرار.

معالجة التحديات والفرص التكنولوجية في التعبير الثقافي: ينبغي للحكومات والصناعات الثقافية والإبداعية ومجموعات المناصرة أن تعمل معاً على نهج مزدوج إزاء التكنولوجيا: الحد من المخاطر عبر لوائح أقوى ونماذج للتعويض وممارسات أخلاقية في تدريب الذكاء الاصطناعي تصون حقوق الفنانين، ووضع برامج في الوقت نفسه تمكّن الفنانين من تسخير التقنيات الجديدة أدواتٍ إبداعية. ويشمل ذلك مبادرات للتعليم والتدريب على إنشاء المحتوى الرقمي، وتمويل مشاريع الفن الرقمي المبتكرة، ومنصات لتبادل أفضل الممارسات في استخدام الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية للتعبير الثقافي. ويجب إيلاء اهتمام مماثل لتعزيز المحتوى الرقمي المتنوع ثقافياً، بما يضمن أن تدعم التقنيات أشكال التعبير الثقافي لا أن تجانسها. وينبغي توسيع مبادرات النفاذ الرقمي مع معالجة الفجوة الرقمية المستمرة عبر تطوير بنية تحتية شاملة وبرامج لمحو الأمية الرقمية تمكّن المبدعين والجمهور على حد سواء. وفي صميم كل هذه التطورات والمبادرات، لا بد من مكافحة مشتركة للاتجار غير المشروع والاحتيال وانتهاك الملكية الفكرية والتحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي الميسَّر بالتكنولوجيا.

تحسين الرصد وإنتاج البيانات: ينبغي لمعهد اليونسكو للإحصاء أن يؤدي دوراً قيادياً في وضع منهجيات موحّدة لجمع البيانات الثقافية وتقديم الدعم التقني لمكاتب الإحصاء الوطنية. ولا غنى عن التنسيق الدولي لمواءمة نُهج القياس، مع استكماله بمبادرات لبناء القدرات في البلدان ذات الموارد الإحصائية المحدودة. وينبغي أن تجمع أطر الرصد بين المؤشرات الكمية والتقييمات النوعية لالتقاط الطبيعة المعقدة لإعمال الحقوق الثقافية.

هدف مستقل للثقافة: ينبغي للمجتمع الدولي أن يجعل الثقافة هدفاً مستقلاً في خطة التنمية لما بعد عام 2030، بغايات محددة تتناول النفاذ إلى الحياة الثقافية والمشاركة فيها، وحماية التنوع الثقافي، والحرية الفنية، والحوكمة الثقافية. ومن شأن هذا الهدف أن يوفّر الإطار اللازم لتعزيز توليد البيانات ووضع مؤشرات موحّدة وتنفيذ سياسات ثقافية أكثر فعالية، اعترافاً بالثقافة بُعداً أساسياً من أبعاد التنمية المستدامة والتعبير الإنساني.

موجز سياسات: لوسينا خيمينيث

الحقوق الثقافية من أجل الحرية والاستدامة والمساواة

دكتورة في العلوم الأنثروبولوجية، وخبيرة في السياسات الثقافية والتنمية المستدامة.

أثرى البحث عن سياسات ثقافية عامة قادرة على التأثير تأثيراً ذا معنى ووجاهة في التنمية المستدامة، مع احترام حقوق الطبيعة وجميع الكائنات الحية، نُهجَ الحقوق الثقافية. ويمكن لضمان هذه الحقوق أن يسهم في تضييق فجوات عدم المساواة وبناء جسور بين الثقافات من أجل فهم أفضل، بحيث تصبح الثقافة السبيل الذي يسعى به الأفراد والشعوب والمجتمعات إلى أن يكونوا جزءاً من عالم متنوع ومنصف ومسالم.

إن تصميم السياسات العامة للقطاع الثقافي من منظور الحقوق الثقافية، في مجالات الفنون والتراث والقراءة والكتابة والسينما والوسائط الرقمية، يتيح لنا إعطاء الأولوية لأبعادها الإقليمية والمشتركة بين القطاعات والمستدامة. ويمكن لهذه السياسات أن تعظّم الأثر في الاستجابة لتغيّر المناخ والتنمية الشاملة والتعايش المتناغم، وهي موضوعات محورية في خطة ما بعد عام 2030.

ويتطلب تحقيق هذه النقلة الاستراتيجية التمييز بين سياسات النفاذ التي تركّز على العلاقة بين المواطنين والمنتجات أو السلع أو الخدمات الثقافية واستخدام المنصات التكنولوجية، وبين السياسات التي تعزّز المشاركة في الحياة الثقافية والفنية. ويعني هذا التحول في النموذج التشديد على الاعتراف بالممارسات الثقافية والفنية وتطويرها، وتيسير مشاركة المواطنين في السياسات الثقافية، وحرية كل شخص في تحديد أشكال التعبير والذاكرات والتراث والهويات التي يرغب في الارتباط بها أو التي لا يريد الانتماء إليها، وتعزيز الديمقراطية الثقافية وأخلاقيات المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتنويع إنتاج المحتوى، وحماية الإبداع الفني والحرفي وحق المؤلف والحقوق الجماعية، واستعادة التراث المنتزع تاريخياً أو المتأتي من التجارة غير المشروعة، والتشديد على الاستدامة الثقافية.

والمشاركة في الحياة الثقافية تُلزمنا بالدفاع عن حرية التعبير والإبداع الملازمة للديمقراطية، وتعزيز احترام الاختلاف، والتصدي لخطاب الكراهية والرقابة والأدلجة. فنحن نحتاج إلى الحرية الفنية لتنمية التفكير النقدي، والتجريب في اللغات الفنية، وإقامة الحوار بين التقليد والابتكار، والإسهام في مجالات أخرى. ويدعو العمل من أجل الحياة الثقافية الحكومات والمجتمع المدني وقطاع الأعمال إلى الاعتراف بحقوق الفنانين في العمل اللائق والأجور الأفضل والحصول على التمويل والضمان الاجتماعي واستقلالية الإدارة، في ظل استراتيجيات دولية لا تزال قيد التشكل.

وفي المجتمعات المتنوعة، يجب أن تكون لغات الشعوب الأصلية حاضرة في وسائل الإعلام وإقامة العدل والرعاية الطبية وأشكال التعبير المعاصرة. ويجب الاعتراف بالشعوب والمجتمعات الأصلية والمنحدرة من أصل أفريقي لا في تنوعها الثقافي فحسب، بل بوصفها كيانات قانونية وأصحاب حقوق يتمتعون بالفاعلية والقدرة على إدارة مواردهم الخاصة، كما حدث مؤخراً في المكسيك. ويتطلب الانفصال عن البنى الأبوية والمجتمعات المعيارية الغيرية، وعن جميع أشكال العنصرية والتمييز ضد المهاجرين، والقضاء على العنف ضد المرأة، ورعاية الأطفال والشباب، اعتماد منظور جنساني شامل، ونهج بين الأجيال وبين الثقافات يحترم جميع الذاتيات.

ويتطلب تعزيز الديمقراطية الثقافية الاستثمار في تدريب المواطنين من مختلف الفاعلين الاجتماعيين في المنطقة، بمن فيهم صانعو القرار في السياسات الثقافية. ويتطلب بناء المواطنة الثقافية التعليم في مجالات الفنون والرقمنة والإدارة الثقافية والفنية والتنقل والوساطة بين الثقافات والاقتصاد الثقافي وبناء المؤشرات والابتكار، لإثراء القدرات المؤسسية وقدرات المواطنين، واستكشاف مخططات جديدة للحوكمة والمشاركة على جميع مستويات الحكم والمجتمع المدني والفنانين وقطاع الأعمال والأوساط الأكاديمية والناشطين والمجتمعات والمواطنين.

وتمثّل خطة ما بعد عام 2030 فرصة لتضييق أوجه عدم المساواة بين الشمال العالمي والجنوب العالمي، ولتبادل التجارب الدولية في نظم التمويل والمؤشرات والممارسات الجيدة. وسيسهم تحقيق هدف ثقافي في الخطة الجديدة للتنمية المستدامة العالمية في ترسيخ حقوق ثقافية مترابطة وغير قابلة للتراجع تساعد على تعزيز المنظومات، بمنهجيات وأدوات للسياسات العامة قائمة على التحليل المقارن والاستشراف، من أجل مستقبل ديمقراطي ومتكافئ ومسالم.

دراسة ذات صلة