الفصل الثالث
تعزيز التربية الثقافية والفنية
فانيسا أشيل، باحثة وميسّرة مستقلة، وقد أسهم كيشور سينغ، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بالحق في التعليم، برؤى قيّمة في المسودات الأولى لهذا الفصل.
أصوات مبدعة: تاوئيلي إيلي ألفا مايافا
كاتب ومخرج ومؤلف موسيقي.
على غرار كثير من ثقافات الشعوب الأصلية في منطقة موانا في المحيط الهادئ، تتمسك ساموا بقيم ومعتقدات أرساها الأسلاف. ومن المفاهيم الأساسية في ساموا أن الطريق إلى المستقبل متجذّر في الماضي، إذ يُنظر إلى المستقبل كأنه قد وقع بالفعل. ومن الأمثال في هذا الصدد «سيو لي إيا آي تاغائي إيلي غالو»، ومعناه على وجه التقريب: «احذر الأمواج العاتية وأنت تصطاد». فهذا القول المأثور المستمد من تقاليد الصيد الساموية القديمة يذكّر الصيادين في رحلاتهم بضرورة الانتباه لأحوال الطقس ولصيدهم معاً. ومن المبادئ الأخرى «أوا لي ناوناو إيلي إيا آي مانومانو إيلي أوبيغا»، الذي يعني أنه مع وفرة السمك في البحر، ينبغي تجنّب إثقال الشبكة. وبالمثل، يعكس قول «أو لي فواتا ما لونا لو» فكرة أن النقص مؤقت وأن مزيداً من الموارد سيتوافر. وتشكّل هذه الأمثال جزءاً لا يتجزأ من ثقافتنا الحية، وتقدّم توجيهاً عبر الحكمة التي نقلها الشيوخ والقادة جيلاً بعد جيل. ويوفّر هذا المستودع من المعرفة المستمدة من تجارب الأسلاف توجيهاً للأجيال القادمة في جميع جوانب الحياة.
وتشكّل هذه الأقوال وغيرها أساس «فالي أوغا»، أي بيت التعلّم، الذي أنشأته لتقاسم ممارستي في إحياء آلات إصدار الأصوات التقليدية. وتدمج هذه المبادرة الأهمية الثقافية لهذه الممارسة مع أثر تغيّر المناخ في الأشجار اللازمة لصنع هذه الآلات، فتهيّئ فضاءً يوائم بين مختلف الأعراف الساموية ويستوعب ثقافات موانا الأخرى في المحيط الهادئ وعلاقتها بمشاهدها الصوتية.
ونفضّل مصطلح التقاسم على التعليم، لأن ممارساتنا الثقافية وُجدت لتُتقاسم فتُثري لقاءات الحياة وتجاربها. فما وصفه الباحثون بفن موانا في المحيط الهادئ كان في الحقيقة لغات للتواصل فيما بيننا ومع عالم الأسلاف. وقد عُبّر عن أدوات التعبّد واستمرار «الفيغايغا»، أي العلاقة، مع آلهة الأسلاف عبر أشكال إبداعية متنوعة كالترانيم والوشم وآلات إصدار الأصوات والعروض والنحت والتحيات الصوتية الشرفية. وقد حلّت محل هذه المعارف تدريجياً منظومات معتقدات وصلت إلى شواطئ موانا في المحيط الهادئ قبل القوى الاستعمارية.
ويبدأ جهد الإحياء باستعادة القصص الكامنة وراء الآلات، بما في ذلك الغرض منها ووضعها الراهن وأسباب ما آلت إليه. ويمضي عمل الإحياء على مراحل لتجنّب انتزاع الناس من نمط حياة بات اليوم غريباً عنهم. وتنطوي هذه العملية على إعادة بناء النقابات الحرفية التي تصنع الآلات، أما القدرة على العزف فتأتي لاحقاً، لأن إتقان شيء غير موجود أمر عسير. فعلى سبيل المثال، ربما ما كان الكمان ليستمر عبر القرون لو توقفت نقابة صانعيه. وأي خطط لاستمرار التجليات الإبداعية ممارسةً حيةً يجب أن تشمل المعرفة الثقافية ورواية القصص والجهود الرامية إلى تقاسم لا المنتج فحسب، بل دور الطبيعة في صنعه أيضاً. فمن دون هذا النهج الشامل، لن يكون الناي الأنفي سوى قطعة خيزران مثقوبة تصفر حين يمر الهواء عبرها.
ويعني القول الساموي «إي لي تاو فائامانااتو سي أغانوئو إي أولا بيا» أن الثقافات الحية تديم نفسها بطبيعتها دون حاجة إلى رعاية أو إحياء من الخارج. ويؤكد هذا القول الغاية الأساسية لأي جهد لإحياء الثقافة، لا بوصفه نقطة نهاية، بل رحلة نحو مستقبل قد تحقق بالفعل.
لمحة عامة
أولاً، يتزايد الاعتراف بالثقافة والتعليم بوصفهما منفعتين مشتركتين وركيزتين تأسيسيتين للتنمية المستدامة، يعزّز كل منهما الآخر لتنمية الإبداع والقدرة على الصمود وبناء مجتمعات شاملة متمحورة حول الإنسان. وفي هذا السياق، يوفّر إطار التربية الثقافية والفنية لعام 2024 مرجعاً حاسماً لصياغة سياسات تعليمية استشرافية تراعي السياق وتضع الثقافة والفنون في صميمها. ويتبنى الإطار، شأنه شأن سياقات تعليمية معاصرة أخرى، فهماً واسعاً للثقافة يشمل التراث المادي والطبيعي والحي وأشكال التعبير الثقافي والصناعات الثقافية والإبداعية. ويؤكد دور التربية الثقافية والفنية في توسيع النفاذ وتعزيز جودة التعلم وتنمية تقدير التنوع الثقافي، ويُبرز الإمكانات التحويلية للتعلم في الثقافة وعبرها ومعها لتجاوز الانقسامات وتعميق التفاهم المتبادل ودعم صون التراث، مع تركيز خاص على الثقافات واللغات ونظم المعارف المحلية ونظم معارف الشعوب الأصلية.
ثانياً، يحاول كثير من البلدان في مختلف المناطق إدماج الثقافة والفنون في نظم التعليم النظامي وغير النظامي لتعزيز ملاءمة المحتوى وتشجيع الإدماج وتنمية التعلم مدى الحياة وفي جميع مناحيها. ويدرك المربّون أن الثقافة والفنون يمكن أن تُثري طيفاً واسعاً من المواد الدراسية، كالرياضيات والعلوم والجغرافيا والتصميم الرقمي، عبر إدماج العناصر الثقافية والفنية في التدريس بطرق هادفة ومرتبطة بالسياق. وتمثّل أشكال التعبير الثقافي ومواقع التراث والممارسات التقليدية مداخل قوية لتعميق فهم المواد وتنمية تقدير التنوع الثقافي وربط التعلم بالتجارب المعيشة. ولا يقتصر إدماج هذه العناصر في المناهج على تعزيز النتائج الأكاديمية، بل يشجع أيضاً على التفاعل المستمر مع الثقافة خارج الفصل الدراسي، ما يعزّز إسهامها في التنمية المستدامة ويدعم صون التراث الثقافي، بما فيه نظم معارف الشعوب الأصلية والتراث اللغوي.
ثالثاً، يتطلب النجاح في تعزيز التربية الثقافية والفنية شراكات شاملة ونهجاً للتعلم مدى الحياة يربط بين نظم التعليم والمؤسسات الثقافية والمجتمعات. فالجهود التعاونية، المدعومة بسياسات تمكينية وتمويل مستدام وتطوير مهني، تعزّز نقل المعارف الثقافية وتنمّي تقدير التنوع وتوسّع النفاذ إلى تعلم تشاركي ذي صلة. ويتوقف ضمان الأثر الطويل الأمد أيضاً على الاعتراف الكامل بأفراد المجتمع والفاعلين الثقافيين شركاء رئيسيين في العمليات التعليمية.
رابعاً، يُعدّ الاستثمار في التعلم الشامل مدى الحياة للمهنيين الثقافيين والإبداعيين أساسياً لتعزيز صمودهم الاقتصادي وتمكينهم من الإسهام الكامل في مجتمعات مستدامة ومبدعة. فالتدريب المصمّم جيداً، سواء عبر النظم الرسمية أو المبادرات المجتمعية، يدعم مسارات مهنية أكثر صموداً ويمكّن المواهب المتنوعة ويهيّئ القطاع لمواجهة التحديات العالمية بفعالية أكبر.
خامساً، تؤدي التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي دوراً تحويلياً متزايداً، إذ توسّع النفاذ إلى التراث والتعلم الإبداعي، وتطرح في الوقت ذاته تحديات وفرصاً معقدة تتعلق بسلامة الثقافة وتعدد اللغات والإنصاف والقيم المتمحورة حول الإنسان في التعليم. ولا غنى عن نهج متوازن وأخلاقي ومراعٍ للثقافة لتسخير إمكاناتها مع الحفاظ على الجودة السياقية للإبداع البشري ومعناه.
مقدمة
«الثقافة والفنون روح أمتنا، تعكس تنوع تقاليدنا ولغاتنا وأشكال تعبيرنا الفني وعمقها. وإدماج هذه العناصر في نظامنا التعليمي لا يُثري تجربة التعلم فحسب، بل يغرس أيضاً في شبابنا إحساساً عميقاً بالهوية والاعتزاز». تجسّد هذه الرسالة من غاجندرا سينغ شيخاوات، وزير الثقافة والسياحة في الهند، الدور الذي لا يُقدَّر بثمن للتعليم في تعزيز الثقافة والفنون.
وفي عالم اليوم الذي يتسم بتفكك اجتماعي عميق وتجانس ثقافي وتغيّر في المناخ واتساع في أوجه عدم المساواة، لم تكن التربية الثقافية والفنية يوماً أشد حيوية مما هي عليه الآن. فهي لا تقتصر على نقل المعرفة بالتراث أو بالتقنيات الفنية، بل تساعد الأفراد والمجتمعات على بناء القدرة على الصمود، وتأكيد هوياتهم، وإشعال شرارة الإبداع، وتقوية التماسك الاجتماعي، وهي قدرات أساسية للتعامل مع التحديات المعقدة في القرن الحادي والعشرين. وبهذه الروح يقدّم إطار اليونسكو للتربية الثقافية والفنية استجابة في أوانها، يرسم مساراً نحو نُهج شاملة وقائمة على الحقوق وملائمة ثقافياً تسخّر القوة التحويلية للثقافة والفنون.
وتعكس السياسة الوطنية للتعليم في الهند لعام 2020 والإطار الوطني لمناهج التعليم المدرسي لعام 2023 التزاماً قوياً بإدماج الثقافة والفنون في التعليم. فالإطار الوطني للمناهج يرفع التربية الفنية إلى مرتبة مساوية لسائر المواد الدراسية، بما يضمن تفاعل الطلاب مع أشكال التعبير الفني وهم ينمّون الإبداع والتفكير النقدي وتقدير الثقافة. وتعزّز المبادرات المتعددة التخصصات، كالتعلم المدمج بالفنون والتعليم المتعدد اللغات والبرامج التجريبية مثل إقامة الفنانين في المدارس، أساليب التدريس المبتكرة والتعلم مدى الحياة. وإضافة إلى ذلك، يربط إدماج المعارف القبلية والمحلية بين الحكمة المحلية والتعليم المؤسسي، بما يعزّز تجربة تعلم متجذرة ثقافياً. ومن خلال إدماج القيم الأخلاقية والتراث وأشكال التعبير الفني في المنهج، تقدّم الهند نموذجاً للتعليم يرعى الإمكانات الإبداعية والإلمام الثقافي معاً.
ويُعدّ هذا النهج الاستشرافي في سياسات التعليم في الهند مثالاً يتّسق اتساقاً وثيقاً مع أحدث الممارسات الجيدة العالمية، ولا سيما مع إطار اليونسكو للتربية الثقافية والفنية. فالإطار يشدد على الحاجة إلى التعلم مدى الحياة في الثقافة والفنون في جميع أنواع البيئات التعليمية، وإلى وضع هذه الموضوعات في صميم سياسات التعليم واستراتيجياته ومناهجه وبرامجه. ويعترف هذا الإطار الجديد بأن التعلم في أشكال التعبير الثقافي المتنوعة وعبرها ومعها، ولا سيما المحلية منها وتلك الخاصة بالشعوب الأصلية، أمر حيوي لتجاوز الانقسامات وتعزيز التفاهم المتبادل.
وللثقافة والتعبير الفني قيمة جوهرية وقيمة أداتية معاً. فهما، بما يتجاوز أبعادهما الجمالية، ينمّيان التفكير النقدي والتعاطف والمشاركة المدنية، ويُلهمان حلولاً مبتكرة للتنمية المستدامة. ويؤكد الإطار أن التربية الفنية ليست مجرد نشاط إثرائي، بل قوة تحويلية من أجل ازدهار الإنسان والتنوع الثقافي وبناء السلام.
غير أن النفاذ إلى تربية فنية وثقافية جيدة لا يزال متفاوتاً تفاوتاً عميقاً. فثمة تفاوتات كبيرة مستمرة بين الشمال العالمي والجنوب العالمي، وبين المجتمعات الحضرية والريفية، وبين الثقافات المهيمنة والمهمّشة، تحرم كثيرين من فوائد التعلم الإبداعي والمشاركة الثقافية. ومعالجة أوجه عدم المساواة هذه محورية في دعوة الإطار إلى نظم تعليمية تعكس التنوع الثقافي وتصون الحقوق الثقافية للجميع. والواقع أن الثقافة وجميع أشكال التراث والفنون ليست هامشية، بل محورية لتحقيق تعليم شامل وجيد وملائم. فالتعليم والثقافة كلاهما منفعة عامة عالمية وحق أساسي من حقوق الإنسان، أساسيان ومشتركان عالمياً، ولكل فرد حق فيهما. ويهدف التعليم إلى تعزيز التمكين الفردي والتقدم الاجتماعي، في حين يمثّل التراث الثقافي والإبداع الفني إرثاً مشتركاً يشكّل الهويات والقيم. ويشكّل التعليم والثقافة معاً ركيزتين تأسيسيتين للتنمية البشرية، يعزّز كل منهما الآخر لتنمية الإبداع وبناء مستقبل صامد وعادل ومستدام.
وفي سبيل النهوض بخطة التنمية المستدامة لعام 2030، تشدد اليونسكو على الدور الاستراتيجي للتعليم والثقافة معاً، معترفةً بهما منفعة عامة عالمية وحقين من حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف. فمن تعزيز التعليم الشامل والجيد وفق الهدف 4، إلى دعم المساواة بين الجنسين وفق الهدف 5، والمدن المستدامة وفق الهدف 11، والمجتمعات المسالمة وفق الهدف 16، تُعدّ التربية الثقافية والفنية مفتاحاً لبناء مستقبل مستدام ومتماسك.
وقد تبنّت سياقات تعليمية معاصرة كثيرة، ومنها الإطار، فهماً واسعاً للثقافة يشمل التراث الثقافي المادي والطبيعي وغير المادي وأشكال التعبير الثقافي والصناعات الثقافية والإبداعية. ولذلك تشمل التربية الثقافية والفنية هنا تعليم جميع أشكال التعبير الإبداعي وتعلّمها، كالفنون البصرية والموسيقى والرقص والمسرح والأدب، فضلاً عن دراسة التراث الثقافي المادي وغير المادي، كما تشجع على إدماج المحتوى والأساليب الثقافية والفنية في جميع التخصصات التعليمية.
ويقترح تقرير اليونسكو لعام 2021 عن مستقبل التعليم، «إعادة تصوّر مستقبلنا معاً: عقد اجتماعي جديد للتعليم»، أنه «ينبغي للمناهج أن تركّز على التعلم الإيكولوجي والمشترك بين الثقافات والمتعدد التخصصات الذي يدعم الطلاب في النفاذ إلى المعرفة وإنتاجها، مع تنمية قدرتهم على نقدها وتطبيقها». وتؤدي التربية الثقافية والفنية دوراً حيوياً في تحويل المناهج عبر تنمية الإبداع والتفكير النقدي والذكاء العاطفي والتفاهم بين الثقافات، كما أكدت استقصاءات عدة أُجريت بين المربّين في أنحاء العالم. فقد جمع تقرير التحالف العالمي للتربية الفنية الذي أُعدّ عام 2023 إسهاماً في وضع إطار اليونسكو إجابات 1361 مربياً من 113 بلداً، ثلثاهم من معلمي الفنون، ورأى أكثر من 56% منهم أن الهدف الرئيسي للتربية الفنية والثقافية هو تنمية المهارات الفنية التي تعزّز الإبداع والابتكار. وجمع استقصاء اليونسكو بشأن التعليم والتعلم مع التراث الثقافي غير المادي وعنه في آسيا والمحيط الهادئ عام 2019 نحو 775 إجابة من 21 بلداً، أقرّ فيها أكثر من 80% من المجيبين بأن التعلم مع التراث الحي مفيد للطلاب، ولم يرَ أي منهم أنه غير مفيد. كما جمع استقصاء تجريبي لليونسكو في العام ذاته إجابات 250 مدرسة ابتدائية وثانوية من مدارس شبكة المدارس المنتسبة لليونسكو في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتمتد هذه التربية عبر بيئات التعلم النظامية وغير النظامية وغير الرسمية، فتمكّن الأفراد من جميع الأعمار والأجناس والخلفيات من التفاعل الحقيقي مع تراثهم الثقافي وتراث غيرهم. وبوصفها عملية تعلم مدى الحياة، تعزّز التربية الثقافية والفنية المراعية للنوع الاجتماعي النمو الشخصي والتماسك الاجتماعي وتقدير التنوع الثقافي. وفي عالم مترابط، يعزّز تجذير التعليم في السياقات المحلية والقيم الشاملة، مع تشجيع احترام الثقافات الأخرى، التعاطف والتفاهم بين الثقافات، فيقلّل الخوف والنزاع، ويعزّز التماسك الاجتماعي، ويسهم في بناء مجتمعات أكثر عدلاً وصموداً. وفي المقابل، يمكن لإدماج الثقافة والفنون على نحو بارز ومتسق في بيئات التعلم أن يثير اهتماماً وتفاعلاً أكبر لدى المتعلمين، بما يسهم في نهاية المطاف في صونها واستمرار أهميتها.
واستناداً إلى قائمة غير حصرية من الأمثلة الحديثة من أنحاء العالم، يستكشف هذا الفصل كيف نُفّذت سياسات ومبادرات لتسخير فوائد تقوية الصلة بين الثقافة والتعليم، ويدرس التحديات والثغرات الراهنة في هذا المجال، ويطرح مجموعة من التوصيات لمعالجتها.
الجسر بين الثقافة والتعليم: التزامات عالمية لإثراء التعلم وتعزيز احترام التنوع الثقافي
يتزايد الاعتراف بأن التعليم لا ينبغي أن يزوّد المتعلمين بالمهارات الأكاديمية فحسب، بل أن ينمّي أيضاً الفهم الثقافي وأشكال التعبير الإبداعي المتنوعة والإحساس بالانتماء. وينعكس هذا الاعتراف في عدد متزايد من الأطر والإعلانات العالمية، ومنها إطار اليونسكو للتربية الثقافية والفنية لعام 2024 المشار إليه آنفاً، التي تدعو إلى إدماج الفنون والثقافة في برامج التعليم والتعلم مدى الحياة الأوسع، وإلى الربط المنهجي والاستراتيجي بين الثقافة والتعليم بوصفهما ركيزتين متعاضدتين للتنمية المستدامة.
وتوفّر اليوم صكوك تقنينية دولية عديدة إطاراً متيناً لتشجيع البلدان وتوجيهها في ربط الثقافة والفنون بالتعليم. ولما كانت الاتفاقيات صكوكاً ملزمة قانوناً، فإنها تنشئ التزامات على الدول الأطراف التي صادقت عليها، كاعتماد السياسات والتدابير ذات الصلة. وفي عدد من اتفاقيات اليونسكو، تشمل هذه الالتزامات أحكاماً لصون الثقافة وتعزيزها في التعليم. فاتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم لعام 1960 تكرّس المبدأ الأساسي لعدم التمييز وتكافؤ الفرص في التعليم، بما يضمن احترام حق المجتمعات المعرّضة لخطر التهميش في التعليم، بما في ذلك التهميش بسبب خلفيتها الثقافية أو العرق أو اللون أو اللغة أو الدين أو المولد. وتُبرز اتفاقية عام 1970 أهمية التعليم في التوعية بالآثار السلبية للاتجار غير المشروع والحد منها. وبموجب اتفاقية التراث العالمي لعام 1972، تسعى الدول الأطراف بجميع الوسائل الملائمة، ولا سيما ببرامج التعليم والإعلام، إلى تعزيز تقدير شعوبها للتراث الثقافي والطبيعي واحترامها له، ويُعدّ برنامج التعليم في مجال التراث العالمي، الموجّه إلى الشباب والمربّين معاً، أحد برامجها الرائدة، وينعكس هذا التركيز بقوة كذلك في استراتيجية بناء القدرات في مجال التراث العالمي. وبالمثل، تذكّر اتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه لعام 2001 بأهمية التثقيف العام في ميدان تطبيقها. ويحتل التعليم كذلك مكانة محورية في اتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي، التي تدعو الدول الأطراف إلى اتخاذ التدابير الملائمة لصون هذا التراث، المسمى أيضاً التراث الحي، ويشمل الصون ضمان نقله، بما في ذلك عبر التعليم النظامي وغير النظامي. ومنذ عام 2017، تعمل اليونسكو على نحو مشترك بين القطاعات مع الفاعلين في مجالي الثقافة والتعليم لتنفيذ مشاريع وأنشطة ومبادرات أخرى تتصل بصون التراث الحي في التعليم النظامي وغير النظامي، وقد اعتمدت اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي صون هذا التراث عبر التعليم النظامي وغير النظامي أولويةً تمويلية مرتين. وحتى عام 2024، اعتمدت 78% من الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير في الجنوب العالمي و76% في الشمال العالمي سياسات أو تدابير قانونية في مجال التعليم لضمان الاعتراف بالتراث الثقافي غير المادي واحترامه وتعزيزه، أو لتقوية نقله وممارسته. وتشجع اتفاقية عام 2005 لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي اتخاذ تدابير تعليمية وتوعوية لتعزيز الإبداع وفهم قيمة التنوع عبر التدريب المهني وبرامج التعليم المؤسسي.
وإلى جانب الاتفاقيات الملزمة قانوناً، اعتمدت اليونسكو ومنظمات دولية أخرى طائفة من الإعلانات والتوصيات التي تحمل، وإن لم تكن واجبة النفاذ قانوناً، ثقلاً أخلاقياً وتقنينياً كبيراً لدى الدول الأطراف، وتشجع الحكومات على إدماج التربية الثقافية والفنية في سياساتها وممارساتها. فتوصية عام 1980 بشأن وضع الفنان تدعو الدول إلى تعزيز احترام الإبداع الفني بتقوية التربية الفنية منذ سن مبكرة. وبالبناء على ذلك، يؤكد إعلان مكسيكو بشأن السياسات الثقافية لعام 1982 دور التعليم في نقل القيم الثقافية الوطنية والعالمية، والحاجة إلى إذكاء الاهتمام بالفن والإبداعات الفكرية وتقديرها.
وتعزيزاً لهذا المنظور، تُبرز التوصية الخاصة بأوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي لعام 1997 دور التعليم العالي في النهوض بالمعرفة الثقافية وصونها. ويؤكد إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي لعام 2001 الحق في تعليم جيد يحترم الهوية الثقافية، عبر تعزيز التنوع اللغوي والوعي الثقافي في التعليم وإدماج طرائق التدريس التقليدية لتحسين التعلم ونقل المعرفة. وأخيراً، تحدد توصية عام 2015 المتعلقة بحماية وتعزيز المتاحف والمجموعات وتنوعها ودورها في المجتمع المتاحف بوضوح فضاءات أساسية للتعلم مدى الحياة.
وقد أعادت الأطر الدولية الحديثة تأكيد الدور الحاسم للثقافة في تحويل نظم التعليم على نحو متسق. فإعلان موندياكولت 2022 يشدد على أهمية التعليم الملائم للسياق، الذي يدمج التراث الثقافي والتاريخ والمعارف التقليدية لتحسين نتائج التعلم والوعي بالتنوع الثقافي. ويتردد صدى هذا المنظور في توصية عام 2023 بشأن التعليم من أجل السلام وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، التي تعترف بدور التربية الفنية والثقافية في تعزيز التعلم الإبداعي والانتماء الاجتماعي وتقدير التنوع الثقافي.
وتعزّزت هذه الرسالة أيضاً عبر قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة بشأن الثقافة والتنمية المستدامة منذ عام 2017، وآخرها القرار 78/161 لعام 2023، التي أعادت تأكيد أن الثقافة تُثري التعليم والتعلم مدى الحياة، وتدعم تحويل النظم التعليمية لتنمية قوى عاملة مبدعة وقادرة على التكيف. ويقرّ ميثاق المستقبل لعام 2024 كذلك بالحاجة إلى المزج بين نظم المعرفة العلمية والتكنولوجية والتقليدية، بما يعزّز صون الثقافة والتنمية المستدامة. ويشجع الإعلان المتعلق بالأجيال القادمة الملحق به حماية التنوع الثقافي والتراث ونقل المعارف بين الأجيال لضمان الاستدامة الثقافية للأجيال القادمة، مع تعزيز الحوار بين الثقافات والأديان. وتعزّز هذه الأطر، إلى جانب الالتزامات بإدماج معارف الشعوب الأصلية والمعارف التقليدية مع العلم والاستثمار في التعليم الشامل مدى الحياة، دورَ الثقافة في تشكيل نظم تعلم مستدامة ومنصفة.
وعلى الصعيد الإقليمي، تقرّ أطر أخرى كذلك بأهمية الربط بين الثقافة والتعليم، منها ميثاق النهضة الثقافية الأفريقية لعام 2006 وأجندة الاتحاد الأفريقي 2063، والخطة الاستراتيجية للثقافة والفنون لرابطة أمم جنوب شرق آسيا للفترة من 2016 إلى 2025، وخطة العمل الثقافي لجماعة دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي للفترة من 2015 إلى 2020، والبرنامج الأوروبي الجديد للثقافة المنفّذ عبر خطة عمل الاتحاد الأوروبي للثقافة للفترة من 2023 إلى 2026، وبرنامج وميزانية منظمة الدول الأيبيرية الأمريكية للتربية والعلم والثقافة للفترة من 2025 إلى 2026.
ومع أن هذه الأدوات التقنينية توفّر إطاراً قيّماً، فإن تنفيذها عملية مستمرة. وتُشجَّع البلدان على تنظيم مشاورات بين أصحاب المصلحة المتعددين لتقييم السياسات الحالية المتعلقة بالتربية الثقافية والفنية ومناقشة السياسات المستقبلية. غير أنه على الرغم من الجهود العالمية الكبيرة، كالمؤتمرين العالميين للتربية الفنية في لشبونة عام 2006 وسيول عام 2010، لا يزال التعاون المتعدد القطاعات يتطلب مزيداً من التشجيع والجهود.
وشكّل اعتماد إطار اليونسكو للتربية الثقافية والفنية في عام 2024 علامة فارقة في النهوض بالبرنامج العالمي لهذه التربية. ويقترح الإطار خمسة أهداف استراتيجية ملموسة تدعمها استراتيجية تنفيذ شاملة، هي: النفاذ والإدماج والإنصاف في التربية الثقافية والفنية وعبرها؛ والتعلم الملائم للسياق والجيد مدى الحياة وفي جميع مناحيها في التربية الثقافية والفنية وعبرها؛ وتقدير التنوع الثقافي والقدرة على التفاعل النقدي؛ والمهارات اللازمة لصياغة مستقبل صامد وعادل ومستدام؛ ومأسسة منظومات التربية الثقافية والفنية وتثمينها. ومن خلال هذا الإطار، التزم وزراء التعليم والثقافة معاً ببناء مستقبل تكون فيه الثقافة والفنون والتعليم، المعترف بها منافع عامة، جزءاً لا يتجزأ من تعزيز السلام والتنمية المستدامة.
وتعزّز هذه المجموعة الواسعة من الأدوات والصكوك الدولية رؤية التعليم والثقافة بوصفهما حقين مترابطين من حقوق الإنسان. لكن الدعم الحقيقي للتربية الثقافية والفنية يتطلب تعاوناً أقوى بين قطاعي التعليم والثقافة. وعلاوة على ذلك، يمكن للتنسيق المتعدد القطاعات بين جميع القطاعات المعنية، بما فيها أصحاب المصلحة العامون وغير العامين، أن يحسّن وضع السياسات ورصدها، بما يضمن بقاء التعلم الثقافي ركيزة محورية للتعليم في أنحاء العالم.
تنمية التنوع الثقافي والتعددية عبر التعليم
إدماج الثقافة والفنون في التعليم النظامي وغير النظامي
يتزايد الاعتراف بفوائد إدماج الفنون والثقافة في صلب التعلم لدعم كفاءات مثل الإبداع والتعاطف والتفكير النقدي والتفاهم بين الثقافات. وتُعدّ طرائق التدريس المستجيبة ثقافياً والموارد المتعددة اللغات والاعتراف بنظم المعرفة المتنوعة عوامل أساسية لجعل التعليم ملائماً ومتاحاً لجميع المتعلمين. وتماشياً مع الإطار، يشمل ذلك النُّهج القائمة على التراث، كالتقاليد والحرف والموسيقى المحلية، والممارسات الإبداعية المعاصرة، كفنون الوسائط والتصميم والسرد الرقمي.
لكن كثيراً من الممارسات الثقافية والفنية يزدهر أيضاً خارج المؤسسات الرسمية، في البيوت والمجتمعات ومنظمات الشباب والمراكز الثقافية والمتاحف والمكتبات والفضاءات الرقمية. ولذلك يوفّر التعليم غير النظامي فرصاً حاسمة لإشراك المتعلمين من جميع الأعمار، ولا سيما المهمّشين منهم أو من هم خارج التعليم المدرسي التقليدي، في المشاركة الثقافية واستكشاف الهوية والتطور الإبداعي. وتمثّل الورش التي تقودها المجتمعات والمهرجانات وبرامج الإرشاد مع الفنانين وتبادل المعارف بين الأجيال منصات قيّمة لاستدامة التراث الثقافي وتعزيز الإدماج الاجتماعي.
وعلاوة على ذلك، ومع تأثير التطورات المجتمعية المتسارعة، بما فيها التطورات التكنولوجية، في طريقة نقل الثقافة والفنون، لم يعد البيت والمجتمع دائماً الفضاءين الأساسيين لتوارث المهارات والمعارف الثقافية والفنية. وتعترف اتفاقية عام 2003 بذلك، وتؤكد دور التعليم النظامي وغير النظامي في ضمان استمرارية التراث الثقافي غير المادي، وهو نهج مطبّق بالفعل في بلدان كثيرة. فقد لاحظت دول عديدة أن التراث الحي يُنقل عبر التعليم النظامي وغير النظامي كليهما، ما يُبرز إمكانية أن تصبح المدارس، والمؤسسات والبرامج التعليمية عموماً، فضاءات محورية لصون التراث الثقافي غير المادي وتجديده. ويمكن لإدماج التراث الحي وسائر أشكال التعبير الثقافي والفني في المدارس أن يجعل المحتوى والأساليب التعليمية أكثر ملاءمة للمتعلمين، وأن يُلهم ممارسات مبتكرة بالاستناد إلى أشكال كلية معيشة لنقل التراث، وأن يقوّي الصلة بين المدارس ومجتمعاتها. ومع التحول نحو التشديد على الجودة والملاءمة والتعاون مع مختلف الفاعلين، تملك المؤسسات التعليمية القدرة على أداء دور أكبر في هذه العملية، بإتاحة سبل جديدة للتعبير والتفاعل الثقافيين.
غير أن النظم التعليمية حول العالم تواجه طائفة من التحديات المستمرة، منها تفاوت النفاذ إلى التعليم الجيد، ونقص التمويل، ونقص المعلمين المؤهلين بسبب قصور التدريب أو عدم ملاءمة ظروف العمل، وافتقار المناهج إلى الملاءمة أو اكتظاظها، والتركيز الشديد على الاختبارات الموحّدة الذي قد يدفع فئات من الطلاب إلى الخروج من النظام. وتقيّد هذه القضايا المنهجية حتماً الحيّز والموارد المتاحة للتربية الثقافية والفنية. ولكي يكون هذا النوع من التعليم فعالاً ومعتمداً على نطاق واسع، لا بد من توافر عدة شروط تمكينية، منها التزام رفيع المستوى من قطاعي الثقافة والتعليم، وتمويل كافٍ، وتصميم مناهج مستجيب يتضمن محتوى ثقافياً، وطرائق تدريس قائمة على الثقافة والفنون، وتدريب ملائم ودقيق للمعلمين، وموارد تعلم ملائمة، وبنية تحتية تعكس تنوع الخلفيات وأشكال التعبير الثقافية للمتعلمين. وعلاوة على ذلك، توفّر التقنيات الرقمية أدوات جديدة لتوسيع النفاذ إلى الفنون والثقافة وتعزيز الإدماج بين الثقافة والتعليم، لكن يجب نشرها على نحو منصف وأخلاقي. ويتطلب تحقيق كل ذلك مواءمة السياسات ودعماً مؤسسياً.
ومن الأهمية بمكان كذلك تناول الثقافة باحترام وعمق، والابتعاد عن التعامل السطحي معها أو تسليع أشكال التراث المختلفة. ولضمان تمثيل حقيقي وتقاسم هادف عبر النظم التعليمية، لا بد من إشراك أفراد المجتمعات المعنية في تصميم البرامج وتقديمها، إما بإحضارهم إلى المدارس أو باصطحاب الطلاب إليهم، بما يضمن سماع أصواتهم وتمثيل تراثهم بطرق تحترمه وتمكّنه، ولا سيما حين يتعلق الأمر بتراث المجتمعات الأقل ظهوراً. وعلاوة على ذلك، يمكن لتقوية الروابط بين المدارس والمجتمعات، وبين وزارات التعليم والثقافة، وبين الفنانين والمربّين، أن يساعد على تفكيك العزلة القطاعية وضمان منظومات تعلم أكثر شمولاً. ويعني ذلك أيضاً تشجيع الشراكات الفنية المجتمعية ودعم مسارات تعلم مرنة مدى الحياة تعترف بالكفاءات الثقافية المكتسبة خارج الفصل الدراسي.
إثراء المناهج العامة في التعليم الابتدائي والثانوي بالتربية الثقافية والفنية
تُدرَّس الثقافة والفنون في بلدان كثيرة بوصفها مواد متخصصة في المدارس الابتدائية أو الثانوية. وقد كشف الاستقصاء العالمي الذي أجراه التحالف العالمي للتربية الفنية عام 2023 بين معلمي الفنون من 113 بلداً أن أكثر من 60% منهم يعملون في المدارس الابتدائية والثانوية وفي مراكز التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة. وبالمثل، تفيد مدن اليونسكو المبدعة بدرجة عالية من الانخراط في هذا المجال، إذ أشارت 87% منها إلى أن مؤسسات تعليمية على مستويات مختلفة، ابتدائية أو ثانوية أو عالية، قدّمت برامج دراسية في مجال الثقافة والإبداع بين عامي 2019 و2022، بواقع 93% في مدن الجنوب العالمي و85% في مدن الشمال العالمي. والجدير بالذكر أن 58% من البلدان تفيد أيضاً بتدريس التراث الثقافي غير المادي مادةً مستقلة في المدارس الابتدائية والثانوية. وتوحي هذه النتائج بأن كثيراً من نظم التعليم النظامي تدمج الثقافة والفنون، وإن كان ذلك يجري بمنظورات وأساليب تدريس ومحتويات شديدة الاختلاف بين المراحل التعليمية. والهدف الأساسي لهذه الأنشطة تنمية المهارات الفنية ورعاية الإبداع، ومن النُّهج الشائعة تدريس الفنون البصرية والموسيقى والمسرح بوصفها أشكالاً تأسيسية للتعبير الفني.
وبالبناء على هذه الأساليب التقليدية، برز ابتكار تربوي رئيسي هو إدماج الفنون في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ما أفضى إلى نهج يضيف الفنون إلى هذه المجالات. ويشجع هذا النموذج المتعدد التخصصات الإبداع لدى الطلاب ذوي الميول العلمية والتقنية. ومن الأمثلة البارزة برنامج «فتيات أصليات يبرمجن» الحائز على جوائز في سياتل بالولايات المتحدة، الذي يمكّن فتيات الشعوب الأصلية الأمريكية بين 12 و18 عاماً بالمزج بين برمجة الحاسوب ومعارف الشعوب الأصلية التقليدية. وتعالج المبادرة الفوارق بين الجنسين في التخصصات العلمية، وتعزّز القيادة والهوية الثقافية والإتقان في هذه المجالات، وتتوّج بمواقع إلكترونية وألعاب فيديو وأدوات سرد رقمي يبدعها الطلاب. وعلى نحو مماثل، أقامت جامعة فيكتوريا في أستراليا شراكة مع مدرسة فوتسكراي الثانوية لإنشاء برنامج مجتمعي من هذا النوع، يهدف إلى أن يرعى المعلمون المتدربون فصولاً دراسية آمنة ثقافياً وأن يسهموا في إنهاء استعمار التعليم عبر إشراك الطلاب إشراكاً فاعلاً في معارف الشعوب الأصلية وممارساتها. وتوضح هذه الأمثلة إمكانية أن يغدو هذا التعليم أداة قوية للإدماج والملاءمة الثقافية مع النهوض بتعلم تحويلي في العلوم والتكنولوجيا.
وبعيداً عن تنمية الإبداع، يؤدي إدماج الثقافة والفنون في المدارس دوراً حيوياً في دعم التنمية البشرية الشاملة. فأغلبية البلدان تفيد بأن مناهجها الوطنية تشجع احترام التراث الثقافي غير المادي في المجتمعات المحلية والتأمل فيه، وهو نهج يتسق مع أهداف اتفاقية عام 2003. وتأكيداً لهذا الاتجاه، كشف استقصاء التحالف العالمي للتربية الفنية لعام 2023 أن معلمي الفنون يدمجون على نحو متزايد أهدافاً تعليمية أوسع في تدريسهم، إذ أفاد 9.5% من المجيبين بإدماج عناصر من التعليم من أجل التنمية المستدامة، وتناول 7.9% التنوع الثقافي، وشجع 8.6% الإدماج الاجتماعي في دروسهم.
وتُظهر البيانات أن تعليم الطلاب احترام التراث الثقافي غير المادي لمجتمعهم أو جماعتهم والتأمل فيه عبر البرامج والمناهج التعليمية يكاد يكون شاملاً في معظم المناطق، إذ يبلغ 100% في أوروبا وأمريكا الشمالية، و97% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، و95% في غرب آسيا وشمال أفريقيا، و82% في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي. كما يُعلَّم الطلاب احترام التراث الثقافي غير المادي للآخرين والتأمل فيه بنسب تبلغ 97% في أوروبا وأمريكا الشمالية، و92% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، و95% في غرب آسيا وشمال أفريقيا، و86% في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي.
غير أنه في حين تشير هذه الإحصاءات إلى أن بلداناً كثيرة تسعى إلى إدماج الثقافة والفنون في برامجها التعليمية، فإنها لا تعكس تماماً نطاق هذه الجهود أو فعاليتها. فأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي مثلاً تسجّل أرقاماً أدنى قليلاً من المناطق الأخرى، وهو تفاوت يصعب تفسيره، وقد لا يكون علامة على محدودية الالتزام بقدر ما هو نتيجة لاختلاف تعريفات الثقافة والفنون وفهمها داخل النظم التعليمية الوطنية.
وعلاوة على ذلك، تتفاوت جودة التربية الثقافية والفنية وعمقها تفاوتاً واسعاً بين المناطق. فقد وجدت المرحلة التجريبية لتطبيق مؤشرات اليونسكو للثقافة|2030، التي شملت 10 دول أعضاء، أن نسبة وقت التدريس المخصص لهذه المواد في المرحلة الإعدادية تراوحت بين 7% و76% بمتوسط قدره 43%. ويُرجَّح أن يعكس هذا التفاوت اختلافات في الأولويات التعليمية الوطنية وفي الطرق المتنوعة لتصور الثقافة والفنون وتطبيقها ضمن المناهج.
ويواجه التعليم في مجال التراث على وجه الخصوص تحديات في التنفيذ، ويُفهم عموماً بوصفه مجالاً يدرس فيه المتعلمون مواقع التراث، التي كثيراً ما تكون مدرجة على قائمة التراث العالمي، وتاريخ ثقافتهم أو ثقافات غيرهم وتقاليدها، والبيئة وحماية التنوع البيولوجي، بهدف فهم التراث الثقافي والطبيعي وتقديره على نحو أفضل، وتعزيز الوعي والالتزام بحفظه وصونه، والحوار بين الثقافات. ولا يرى سوى 21% من البلدان أن برامجها للتعليم في مجال التراث تُنفَّذ على نحو منهجي وفعال. ويُرجَّح أن يعكس هذا الرقم في معظمه المبادرات المرتبطة تحديداً بمواقع التراث، لأنه مستمد من التقارير المقدّمة بموجب اتفاقية التراث العالمي. وينشأ تحدٍّ إضافي من أن النشاط الأكثر شيوعاً في التقارير، أي زيارة مواقع التراث العالمي، يتطلب تخطيطاً لوجستياً وموارد مالية كبيرة، ما يصعّب تنفيذه بصورة متكررة.
وهكذا، في حين تبذل نظم تعليمية كثيرة في العالم جهوداً حقيقية لإدماج الثقافة والفنون في المناهج، تكشف التفاوتات في التنفيذ والعمق والنفاذ عن تحديات مستمرة. وستكون معالجة هذه الثغرات أساسية لضمان استفادة جميع المتعلمين على قدم المساواة من الإمكانات التحويلية لهذا النهج.
ومن السبل الفعالة لتعزيز التربية الثقافية والفنية إدراجها صراحة في المناهج الوطنية، بما يضمن ظهورها لا في أهداف التعلم فحسب، بل في الوقت والاستقلالية الممنوحين للمدارس لتنفيذها أيضاً. ومن الأمثلة على سياسات لافتة من أنحاء العالم تدعم تدريسها: في بنغلاديش، أدخل الإطار الوطني للمناهج لعام 2021 الفنون والثقافة مادةً في المرحلة الثانوية، بهدف تنشئة جيل مبدع ومتسامح ومعتمد على ذاته، وخُصّص لهذه المادة أكثر من 50 ساعة سنوياً، والمشاورات جارية لمواءمة تنفيذها مع إطار اليونسكو للتربية الثقافية والفنية. وفي إندونيسيا، يمنح منهج «ميرديكا» لعام 2022 المدارس مرونة أكبر لإدماج المحتوى الثقافي المحلي في تدريسها، كالفنون والممارسات التقليدية مثل صناعة الباتيك، وهي تقنية صباغة يدوية تعتمد على العزل بالشمع، ويشدد المنهج على الحكمة المحلية والتراث الثقافي والتعلم القائم على المشاريع بوصفها مكونات رئيسية للنمو الشخصي للطلاب. ويتضمن أحدث منهج قائم على الكفاءات في كينيا لعام 2024 أنشطة إبداعية طوال مرحلتي ما قبل الابتدائي والابتدائي، ويقترح مساراً للفنون وعلوم الرياضة يشمل الفنون الجميلة والموسيقى والرقص والمسرح والسينما في المرحلة الثانوية العليا. وفي عام 2024، طبّقت ولاية نيو ساوث ويلز في أستراليا منهجاً مُصلحاً للفنون البصرية للصفوف من السابع إلى العاشر، يركّز على صناعة الفن والدراسات النقدية والتاريخية، ويتضمن محتوى إلزامياً عن فن السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس. وأصدرت البرتغال خطة وطنية للفنون للفترة من 2019 إلى 2029 تعزّز التغيير الاجتماعي بتعبئة القوة التعليمية للفنون والتراث في حياة جميع المواطنين. وأصدرت حكومة تشيلي سياستين حديثتين بشأن التربية الفنية والتعليم في مجال التراث للفترة من 2024 إلى 2029 يمكنهما توجيه تعديلات المناهج. وتُبرز هذه الأمثلة تعدد السبل التي يمكن للبلدان أن تدمج بها التربية الفنية والثقافية، مكيّفةً استراتيجياتها لتلائم مشاهدها التعليمية الفريدة.
غير أنه ليست لدى جميع البلدان سياسات تدعم صراحة التربية الثقافية والفنية أو جميع أبعادها. فقد كشف استقصاءان يركّزان على التراث الثقافي غير المادي أن العقبة الرئيسية التي يواجهها المعلمون في إدراج هذه الموضوعات في فصولهم هي غياب مرجعيات واضحة أو كافية في المناهج الوطنية. ففي الاستقصاء الأوروبي لعام 2021، أشار 40% من المعلمين إلى غياب التراث الثقافي غير المادي عن المنهج سبباً رئيسياً لعدم إدراجه في دروسهم، وفي استقصاء آسيا والمحيط الهادئ أشار 33% إلى السبب ذاته، في حين لم يُشر إلى ضعف اهتمام الطلاب سوى 3.81% من المعلمين، ما يوحي بأن المشكلة تكمن في الدعم المنهجي أكثر مما تكمن في انخراط المتعلمين.
وخلاصة القول، إنه في حين اتخذت بلدان عديدة خطوات لإدماج الثقافة والفنون في نظمها التعليمية، فإن نجاح التنفيذ يتوقف على مدى وضوح هذه العناصر واتساق إدراجها في المناهج الوطنية وفي إعداد الكتب المدرسية. فلكي يدمج المعلمون الثقافة والفنون في تدريسهم بثقة وفعالية، يجب أن توفّر المناهج توجيهاً واضحاً ومرونة كافية معاً، أي أهداف تعلم دقيقة، ووقتاً كافياً للتدريس، واستقلالية لإجراء تكييفات ملائمة للسياق المحلي. وعلاوة على ذلك، تُعدّ الكتب المدرسية، بوصفها جزءاً أساسياً من المناهج المطبّقة، حاسمة أيضاً في تعزيز التنوع الثقافي والتعددية والإدماج، عبر استخدام لغة شاملة وتمثيل هويات متنوعة وإدماج حقوق الإنسان.
التربية الفنية في المدارس الثانوية المهنية
صُمّم التعليم المهني، بوصفه جزءاً من التعليم والتدريب التقني والمهني الذي يشمل التعليم والتدريب وتنمية المهارات المتصلة بطائفة واسعة من الميادين المهنية والإنتاج والخدمات وسبل العيش، ليكتسب المتعلمون المعارف والمهارات والكفاءات الخاصة بمهنة أو حرفة معينة. ويركّز بعض هذه البرامج على الثقافة والفنون، فيهيّئ الطلاب لمسارات مهنية في هذه المجالات. ففي فرنسا مثلاً، ثمة شهادتا بكالوريا تكنولوجيتان في المرحلة الثانوية تركّزان على الفنون، إحداهما في التصميم والفنون التطبيقية والأخرى في المسرح والموسيقى والرقص، وتتولى وزارتا التعليم والثقافة إدارة الأخيرة بصورة مشتركة، ما يجعلها مثالاً قوياً على التعاون بين القطاعات. ومع أن معدلات الالتحاق لا تزال منخفضة نسبياً، فإن معدلات الإتمام مرتفعة وتتجاوز 97%، مقابل معدل نجاح عام يبلغ 89.8% في شهادات البكالوريا التكنولوجية. وفي عام 2024، حصل 1727 طالباً على بكالوريا الفن والتصميم، بعد أن كان عددهم يتجاوز 3000 في عام 2018، في حين أتمّ أقل من 200 طالب برنامج المسرح والرقص. وفي المكسيك، يُعدّ مركز التربية الفنية «لويس سبوتا سافيدرا» واحداً من 12 مركزاً من هذا النوع في أنحاء البلاد، ويقدّم برنامجاً للمرحلة الثانوية يدمج التعليم العام بمقررات في خمسة تخصصات فنية هي الرقص والموسيقى والمسرح والفنون البصرية والأدب. ومع أن البرنامج لم يُصمَّم لتخريج فنانين محترفين، فإنه يوفّر منهجاً رصيناً يهيّئ للتعليم العالي في مجالي الفنون والعلوم الإنسانية. وتقترح ألمانيا برامج متخصصة في الموسيقى، وأنشأت تركيا مدارس ثانوية للفنون الجميلة للطلاب المهتمين بالرسم والموسيقى. وتقدّم الإكوادور شهادة ثانوية تكميلية في الفنون، تُعرف عموماً بمدارس الفنون، تسير بالتوازي مع التعليم العام وتتيح للطلاب التخصص في الرقص والموسيقى والفنون البصرية، إلى جانب شهادة ثانوية تقنية في الفنون تتيح التخصص في الموسيقى والرسم والخزف والنحت والفنون الغرافيكية والتصميم الغرافيكي والنجارة والحفر. ويهيّئ كلا البرنامجين الطلاب لدخول سوق العمل، في حين تتيح الشهادة التكميلية أيضاً مواصلة الدراسة في التعليم العالي.
وتوضح هذه النماذج الوطنية السبل المتنوعة التي يدمج بها التعليم المهني في المرحلة الثانوية الفنونَ عبر السياقات المختلفة. ولا تزال مقارنة معدلات الالتحاق الفعلية صعبة لاختلاف طريقة تجميع المواد بين البلدان. وعموماً، ووفقاً لمقارنة بيانات عابرة للقارات، تظل نسبة الطلاب في المدارس المهنية الثانوية العليا المتخصصة في الفنون منخفضة نسبياً ولا تشهد تقلبات تُذكر.
وباختصار، مع أن الالتحاق بالبرامج المهنية والتقنية المركّزة على الفنون والثقافة لا يزال متواضعاً نسبياً على مستوى العالم، فإن تنوع النُّهج الوطنية يُبرز الاعتراف بهذه المجالات مساراً مهنياً قابلاً للتطبيق ومنظّماً.
نهج مبتكر: التعليم والتعلم عبر الثقافة والفنون
ينطوي التعليم والتعلم عبر الثقافة والفنون على استخدامهما أداةً أو منهجاً لاستكشاف مواد أخرى متنوعة. فبدلاً من النظر إلى الفنون والثقافة بوصفهما مادتين منفصلتين، يضعهما هذا النهج أداتين ديناميكيتين للتعلم عبر المنهج بأكمله، ولتنمية القيم والمهارات والمعارف بطرق مشوّقة وشاملة وهادفة. فأنماط الحرف أو العمارة المحلية مثلاً يمكن أن تساعد على فهم المفاهيم الهندسية، والمعرفة بالممارسات الزراعية التقليدية ترتبط بالجغرافيا أو الأحياء، والموسيقى ترتبط بخصائص الصوت في الفيزياء، ومواقع التراث تعكس سياقات جغرافية وتاريخية ومجتمعية. ومن ثم ثمة إمكانات كبيرة لإدماج الثقافة والفنون في الأنشطة الصفية أو اللاصفية، بوصفها بوابات لتدريس المواد بطريقة مرتبطة بالسياق ومشوّقة. ويستثمر هذا النهج أشكال التعبير الثقافي والفني وسائل وأدوات لإثراء التعلم، رابطاً إياها مباشرة بالدروس لتعزيز فهم المادة ووعي الطلاب بالقيم الثقافية وتقديرهم لها معاً. ولا يدعم ذلك النتائج الأكاديمية فحسب، بل ينمّي أيضاً الاهتمام بالثقافة خارج الفصل، فيسهم في صونها. فعلى سبيل المثال، مع أن التراث الثقافي غير المادي لا يزال يُدرَّس أساساً مادةً مستقلة، فإنه يدعم تعلم تخصصات أخرى في 45 بلداً على الأقل.
وتُبيّن أمثلة عدة أن جميع المواد الدراسية يمكن تدريسها بهذا النهج، وأن كل شكل من أشكال التراث أو التعبير الفني يمكن أن يسهم في مادة واحدة على الأقل. ومن ذلك منصات مثل مركز اليونسكو لتبادل المعلومات بشأن التراث الحي والتعليم، و«غوغل للفنون والثقافة»، ومختبرات التعلم التابعة لمؤسسة سميثسونيان، ومعهد إدماج الفنون في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وفي كندا، تقدّم مدارس ثانوية عدة في تورونتو برنامج «سايبر آرتس»، وهو برنامج متخصص متعدد التخصصات يدمج الفنون والتكنولوجيا. ومنذ عام 2019، اختبرت مشاريع عدة لليونسكو في أوروبا وأفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ بنجاح منهجية شاملة لإدماج التراث الثقافي غير المادي في الأنشطة المدرسية. وتتضمن مجموعات الأدوات وسائر وسائل دعم التعليم والتعلم التي أنتجتها هذه المشاريع مئات الأمثلة على خطط الدروس والأنشطة في طائفة واسعة من المواد من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية. وفي إطار هذه المشاريع التجريبية، استكشفت مدرسة في اليونان نوع «الريبيتيكو» الموسيقي لمناقشة الصور النمطية الجنسانية عبر كلمات الأغاني في مادة الأدب، وتعلّم الطلاب خطوات الرقص في التربية البدنية، وطوّروا تطبيقاً لتعليم الرقص في مادة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. واستجاب الطلاب والمعلمون بحماسة، ما دفع وزارتي الثقافة والتعليم إلى مزيد من التعاون لتطبيق المنهجية على نطاق أوسع في المدارس والمناطق. وبحلول عام 2024، وصلت الدورات التدريبية ودراسات الحالة وفعاليات النشر إلى مئات المربّين، فألهمتهم تطوير مزيد من الدروس المرتبطة بالممارسات المحلية، بما يعكس اهتماماً متنامياً بالتعليم القائم على الثقافة. ومن الأمثلة الأخرى حقيبة «التراث العالمي في أيدي الشباب» التي أُطلقت عام 1998 ويجري إعداد نسخة جديدة منها، وهي تعتمد نهجاً متعدد التخصصات لإشراك المعلمين من مختلف المواد، وتوظّف التراث العالمي وسيلةً لتدريس المواد الأساسية والموضوعات الشاملة كالهوية والسياحة والبيئة وثقافة السلام، فتستكشف الموضوعات الشاملة والتحديات العالمية من منظور التراث العالمي.
والفنون كذلك أداة تربوية قوية لتحدي الأعراف الجنسانية، بما يعود بالنفع على المجتمع وعلى جودة الفنون ذاتها. ويشمل البعد الجنساني للتربية الفنية دراسة كيف يشكّل النوع الاجتماعي النفاذ والمشاركة والتمثيل والنتائج في سياقات التعلم الرسمية وغير الرسمية معاً. فمن يدرس الفن ومن يدرّسه؟ وكيف تعكس المناهج الفنانات والفنانين المتنوعين جنسانياً أو تتجاهلهم؟ وهل تتحدى الممارسات والمحتويات التعليمية الصور النمطية الجنسانية أم ترسّخها؟
ويمكن للتعليم مع الثقافة أو عبرها أن يسهم أيضاً في إبراز الأقليات الثقافية على نحو أكبر في البيئات التعليمية بإدماج ممارساتها في تجارب التعلم. وقد بيّن ذلك مشروعان تجريبيان لليونسكو بشأن التعليم والتعلم مع التراث الثقافي غير المادي. ففي بلجيكا، نظّمت مدرسة معرضاً متعدد الثقافات كشف عن تنوع ثقافي غير متوقع بين الطلاب. وفي نيبال، صمّم المعلمون دروساً عدة حول التراث الثقافي غير المادي لجماعة التامانغ الإثنية، وأشركوا فيها فصولاً يغلب عليها طلاب من جماعة النيوار. ومن خلال إدماج أشكال تعبير تراثية مرتبطة بالسياق في التدريس، تتجاوز هذه المبادرات بالتعليم المدرسي النموذج الثقافي المهيمن، مقدّمةً محتوى أكثر شمولاً وملاءمة للسياق المحلي يعكس الهويات والتجارب المعيشة المتنوعة. ويعزّز هذا النهج مبدأ الإبداع المشترك بين المربّين والمتعلمين، إذ يشعر المتعلمون بالتمكين لتقاسم ممارساتهم الثقافية مع أقرانهم. ويمكن الجمع بين ذلك بفعالية ونهج المدرسة ككل، الذي يعني عملاً جماعياً وتعاونياً من جميع أفراد المجتمع المدرسي لتحسين تعلم الطلاب وسلوكهم ورفاههم وبيئة التعلم عموماً.
ويتيح التعلم عبر الثقافة والتراث كذلك سبيلاً راسخاً لمعالجة التحديات الاجتماعية والبيئية، رابطاً التعليم بالثقافة والإبداع المحليين. فشبكة اليونسكو للمدن المبدعة مثلاً تعزّز التعليم بشأن تغيّر المناخ عبر طائفة واسعة من أنشطة التوعية والورش الإبداعية التي كثيراً ما تدمج التقاليد المحلية. وقد عزّزت المدن الأعضاء التعاون بين المؤسسات التعليمية والمنظمات البيئية، ونظّمت مسابقات مدرسية ومشاريع مجتمعية وفعاليات تركّز على الاستدامة.
وتغطي هذه المبادرات قضايا حضرية مثل إدارة النفايات والتقنيات الخضراء والحلول المبتكرة للمشكلات البيئية. ففي سيدني، مدينة اليونسكو للسينما، يزوّد برنامج «فيلم باي» التابع لوحدة الفنون في نيو ساوث ويلز المعلمين والطلاب بمهارات صناعة الأفلام لتقاسم سردياتهم الخاصة، بما فيها القصص البيئية. ويتضمن البرنامج مهرجانات وورشاً وموارد تعليمية تدمج السينما في المنهج، وقد احتفت نسخة عام 2023 منه بفيلم قصير يتناول مشكلة إلقاء النفايات. وتوفّر هذه المبادرات، الواقعة عند مفترق الإبداع والتراث والوعي البيئي، وسيلة مشوّقة ومؤثرة لإشراك الطلاب في جهود التنمية المستدامة.
وتُبيّن هذه الأمثلة تزايد الاعتراف بالإمكانات القوية لإدماج الثقافة والفنون في الإطار التعليمي الأوسع، لا بوصفهما مادة معزولة أو إضافية، بل نهجاً ديناميكياً ووجيهاً للنهوض بأهداف تعلم متعددة. ومن شأن عرض مزيد من الحالات التي تتقاطع فيها الفنون والثقافة مع مختلف المواد والموضوعات المدرسية، كالوعي البيئي والمساواة بين الجنسين والإلمام بالمهارات الرقمية، واستكشافها، أن يوضح كيف تتسق هذه النُّهج مع الأولويات التعليمية القائمة. ولا بد من ترسيخ فكرة أن التربية الثقافية والفنية ليست مجرد برنامج عام، بل سبيل هادف لإثراء الأهداف التعليمية والمجتمعية الأوسع وتعزيزها مع صون أشكال التعبير الثقافي.
التعليم باللغة الأم وتعدد اللغات بوابةً إلى الوعي الثقافي
اللغة جانب رئيسي من جوانب الهوية الثقافية ووسيط أساسي للتعليم. واللغات كثيرة منها مهددة بالاندثار، بما فيها لغات الشعوب الأصلية. ويُبرز العقد الدولي للغات الشعوب الأصلية من 2022 إلى 2032 الحاجة الملحّة إلى صون هذه اللغات وإحيائها. ويؤدي التعليم باللغة الأم، ولا سيما في السنوات المبكرة، دوراً فريداً في دعم التعلم الفعّال ونقل القيم الثقافية، وبخاصة للمجتمعات التي تختلف لغتها عن لغة أغلبية السكان. ويمكّن تعدد اللغات المتعلمين من خلفيات ثقافية مختلفة من المشاركة الكاملة في المجتمع، ويعزّز التفاهم والاحترام المتبادلين، ويساعد على صون ثروة التراث الثقافي والتقليدي الكامنة في كل لغة في العالم. وهو نقطة الانطلاق نحو الوعي الثقافي، الذي يمثّل أساس تقدير التنوع الثقافي.
وعلى مستوى العالم، يفتقر نحو 40% من الناس إلى التعليم بلغة يتحدثونها في البيت، وكثيراً ما يعود ذلك إلى استمرار هيمنة اللغات الاستعمارية على نظم التعليم الوطنية، وهي مسألة لها آثار سلبية واضحة على نتائج التعلم. ويشتد هذا التحدي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث لا يتحدث ما يصل إلى 80% من الأطفال لغة التدريس في بيوتهم. وقد برزت مؤخراً تحديات مماثلة في مناطق مثل أوروبا وأمريكا الشمالية وأوقيانوسيا والدول العربية بسبب تزايد الهجرة. وخلال العقد الماضي، شهد التدريس بلغات المتعلمين الأم في الصفوف الأولى تراجعاً طفيفاً كذلك.
ويفيد ما لا يقل عن 116 بلداً من أصل 135، أي 86%، بأن التراث الحي ينعكس في التعليم باللغة الأم، ولدى 109 بلدان من أصل 134، أي 81%، سياسات تعزّزه. غير أن بعض هذه السياسات قد يشير إلى اللغات الوطنية، التي كثيراً ما تكون اللغة الأم لأكبر فئة سكانية، وهو ما يفسّر التفاوت في الإحصاءات. ومن اللافت أنه على الرغم من التفاوتات الإقليمية، ثمة ارتباط قوي بين امتلاك هذه السياسات وتطبيق التدريس باللغة الأم في المدارس.
ويتجلى التركيز على التعليم باللغة الأم وتعدد اللغات في سياسات التعليم والثقافة في بلدان ومناطق مختلفة. ففي كندا، تدعم جمعية الأمم الأولى إعادة ربط الشيوخ الطلقين في لغاتهم بالمدارس وتعزيز تدريب المعلمين دعماً لإحياء لغات الشعوب الأصلية. وفي منطقة البحر الكاريبي، أصدرت سانت لوسيا سياسة وخطة لغوية لضمان إتقان الطلاب لغة الكويول والإنجليزية معاً، بما يدعم الإلمام بالقراءة والكتابة باللغتين منذ سن مبكرة. أما السياسة الوطنية للتعليم في الهند لعام 2020 فتشدد بقوة على التدريس باللغة الأم واللغات الإقليمية، وتوصي باستخدامها وسيطاً للتدريس حتى الصف الخامس على الأقل، ويفضَّل حتى الصف الثامن. وتعزّز السياسة التنوع اللغوي والثقافي عبر استمرار صيغة اللغات الثلاث، وتُبرز الحاجة إلى موارد ثنائية اللغة عالية الجودة وتعلم تجريبي ودعم كافٍ للمعلمين. غير أن فرض الهندية بوصفها إحدى اللغات الإلزامية يثير جدلاً في بعض الولايات.
وتدعو خطة العمل الإقليمية لأفريقيا إلى الإدماج التدريجي للغات الشعوب الأصلية في التعليم العام. وقد بذلت جنوب أفريقيا جهوداً كبيرة لتعزيز التراث اللغوي والنفاذ المنصف إلى التعليم بالاعتراف بإحدى عشرة لغة رسمية في نظامها التعليمي. ومع أن السياسة اللغوية للتعليم العالي لعام 2002 واجهت في بدايتها تحديات، فإن إطاراً منقحاً يُلزم المؤسسات الآن بتعزيز تعدد اللغات عبر اعتماد الدعم اللغوي لجميع الطلاب وضمانه، مع مزيد من التشديد على ذلك في الخطة الوطنية للتعليم والتدريب ما بعد المدرسي للفترة من 2021 إلى 2030.
وكانت منطقتا أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي نشطتين بشكل لافت في النهوض بالتعليم الثنائي اللغة للشعوب الأصلية، إذ نفّذ أكثر من 17 بلداً برامج من هذا النوع منذ عام 2000، وإن بنماذج ومستويات تقدم متفاوتة. وإدراكاً لأن نحو نصف الأطفال الملتحقين ببرامج التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة لا يتلقون التعليم بلغتهم الأم، تحدد السياسة الوطنية لغواتيمالا للفترة من 2024 إلى 2028 هدفاً استراتيجياً لسد هذه الفجوة، يعطي الأولوية لتقوية تدريب المعلمين في لغات متعددة للشعوب الأصلية وتوسيع النفاذ إلى التعليم الثنائي اللغة المشترك بين الثقافات في مرحلتي ما قبل الابتدائي والابتدائي، بما يضمن لجميع الأطفال فرصة التعلم بلغتهم الأم منذ السنوات الأولى من الدراسة.
وبُذل جهد مماثل في خطة عمل كمبوديا للتعليم المتعدد اللغات للفترة من 2019 إلى 2023، التي تسعى إلى توسيع برامج شاملة ومنصفة ومستدامة للتعليم المتعدد اللغات لصالح الشعوب الأصلية، ولا سيما الأطفال، عبر تحسين النفاذ إلى تعليم جيد متجذّر في لغاتهم الأم وثقافاتهم وتقاليدهم، وتعزيز التعاون بين مجتمعات الشعوب الأصلية وأصحاب المصلحة الرئيسيين.
وهذا التقدم إيجابي. غير أن دراسات أُجريت بعد جائحة كوفيد 19 أبرزت أنه على الرغم من الجهود التي بذلتها الحكومات والمجتمع المدني لتنظيم التعلم عن بُعد وتوزيع المواد التعليمية، كان الطلاب الناطقون بلغات الأقليات في وضع أسوأ بكثير. ومع أن ترسيخ التعليم باللغة الأم وتعدد اللغات في الخطط والاستراتيجيات أمر أساسي، فإن رصد التنفيذ لا يقل أهمية لضمان استفادة المتعلمين منها فعلاً وحصولهم على تعليم مرتبط حقاً بسياقهم الثقافي. ويتطلب ذلك استثماراً مستداماً في تدريب المعلمين وتطوير المناهج وإشراك المجتمعات، ولا سيما في المناطق المهمّشة، كي لا يُعترف بالحقوق اللغوية على الورق فحسب، بل تُعمَل في الممارسة، بما يعزّز بيئات تعلم منصفة وشاملة ومؤكِّدة للهوية الثقافية للجميع.
تمكين المربّين عبر أنشطة بناء القدرات في مجال التربية الثقافية والفنية
يعتمد التعليم الجيد على معلمين أكفاء، وظيفتهم الأساسية إشعال حب التعلم ورعاية الإمكانات الإبداعية لدى العقول الناشئة. ولا يتحقق ذلك إلا حين يحظى جميع المعلمين، أياً كانت المواد التي يدرّسونها، بظروف عمل ملائمة وآمنة، منها أحجام فصول يمكن إدارتها، ورواتب عادلة تُدفع في مواعيدها، وبيئات مدرسية داعمة. وهذه الظروف أساسية لا لرفاه المعلمين والاحتفاظ بهم فحسب، بل لضمان حصول المتعلمين على تدريس عالي الجودة أيضاً. وتكتسي هذه الاحتياجات الأهمية ذاتها لدى العاملين في التربية الثقافية والفنية، الذين كثيراً ما يحتاجون إلى مزيد من الوقت والمكان والمرونة لتنمية الإبداع والتعبير الثقافي. ويؤدي المعلمون دوراً لا غنى عنه في تشكيل التربية الثقافية والفنية، ولا سيما عبر تنفيذ المناهج. غير أنهم كي يكونوا فعالين حقاً، يجب أن يُدرَّبوا لا على طرائق التدريس فحسب، بل على العلاقة المعقدة بين المدرسة والمجتمع والثقافة أيضاً، وأن تتاح لهم موارد تربوية ملائمة.
وعلى مستوى العالم، يُقدَّر أن ثمة حاجة إلى 44 مليون معلم إضافي في المرحلتين الابتدائية والثانوية لتحقيق الهدف 4 من أهداف التنمية المستدامة، أي ضمان تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة. ويمسّ نقص المعلمين الشمال العالمي والجنوب العالمي على حد سواء. والبيانات المحددة عن معلمي الفنون في نظم التعليم العام والتقني والمهني شحيحة في معظم البلدان، لكن بعض الدراسات تُبرز نقصاً واسع الانتشار في المربّين المؤهلين في هذا المجال، ولا سيما في الجنوب العالمي. غير أن تقرير الوضع العالمي للمعلمين لعام 2024 يقدّر أن نقص معلمي مادة الفن معتدل، مع تحديات أشد في أفريقيا وأمريكا الشمالية والبحر الكاريبي. وتشترط بلدان عدة، منها الأرجنتين ومصر والهند وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أن يحمل معلمو الفنون شهادة جامعية في الفنون يكمّلها تدريب على التدريس. وقد أنشأت السلفادور مؤخراً مثلاً نظاماً لتأهيل معلمي الموسيقى في التعليم غير النظامي، بما يضمن تدريباً ومعايير أفضل في هذا المجال. ومع ذلك، تتفاوت جودة التدريب بين البلدان، إذ كشف استقصاء عالمي أجراه التحالف العالمي للتربية الفنية عام 2023 في 113 بلداً أن أقل من ثلث معلمي الفنون تلقوا تدريباً متخصصاً أثناء الخدمة أو تدريباً رسمياً في التخصصات الفنية.
وتحاول بعض البلدان معالجة هذا النقص بتقديم تدريب قصير الأمد لمعلمي التخصصات الأخرى وللفنانين والمهنيين الثقافيين لتأهيلهم لتدريس الفنون، وإن ظلت هذه المبادرات محدودة وتفتقر إلى حوافز كافية. وفي التعليم والتدريب التقني والمهني، يُستقدم معلمو الفنون عادة من خريجي هذا التعليم أو من قلة من خريجي التعليم العالي، مع حد أدنى من الاستقطاب من الممارسين المهرة كأساتذة الحرف والمطورين والفنيين. وعموماً، تظل مسارات أن يصبح المرء معلماً للفنون ضيقة وغير كافية لتلبية احتياجات القطاع.
وتدعم مبادرات حكومية وغير حكومية عدة التدريب قبل الخدمة وأثناءها في مجال التربية الفنية لتعزيز كفاءات المعلمين. فمبادرة «المدرسة المكسيكية الجديدة» لعام 2024، وهي تعاون بين وزارة التعليم العام في المكسيك والمركز الوطني للفنون واليونسكو، أشركت نحو 500 معلم في إعادة التفكير في منهجيات تدريس الفنون، وتشجع المبادرة النُّهج المتعددة التخصصات والتجارب الجمالية مع التركيز على المجتمع والتغيير الاجتماعي، بما ينمّي التفكير النقدي والإبداعي لدى الطلاب. وفي مصر، أنشأ مشروع «إعادة تأطير التعليم في مجال التراث في مصر» جيلاً من المتخصصين المصريين المؤهلين في التعليم في مجال التراث وفي إعداد المواد التعليمية المتصلة به، ويقترح شهادات عدة تستهدف معلمي المدارس قبل الخدمة وأثناءها والعاملين في مؤسسات التعليم والثقافة. وأطلقت جمعية السدو الكويتية ووزارة التربية في الكويت برنامج «تدريب المدربين في فن النسيج»، الذي اختير عام 2022 لسجل اليونسكو لممارسات الصون الجيدة، وتدرّب في إطاره أكثر من 60 معلماً للفنون، واستفاد منه منذ ذلك الحين أكثر من 30 ألف طالب تعلّموا هذه الحرفة التقليدية.
وتسعى بلدان قليلة كذلك إلى إدماج التربية الثقافية والفنية في برامج إعداد المعلمين. ففي بنغلاديش، ومع إدراج الفنون والثقافة الآن في المنهج الوطني حتى المرحلة الثانوية، تتضمن برامج تدريب المعلمين نُهجاً تربوية مبتكرة لإدماج التعليم الثقافي في مواد مختلفة.
ومن المهم التمييز بين تدريب المعلمين المتخصصين في الفنون والثقافة، كما سبق تفصيله، وتأهيل معلمي التخصصات الأخرى لإدماج الفنون والثقافة في طرائق تدريسهم. ففي عام 2023، نظّمت المنظمة غير الحكومية الأوكرانية «الديمقراطية عبر الثقافة» تدريباً لمعلمي 15 مدرسة، منها 10 مدارس أعضاء في شبكة المدارس المنتسبة لليونسكو، مكّن المعلمين من إدماج التراث الحي في أنشطتهم المدرسية، وساعد الطلاب على تأكيد هويتهم الثقافية رغم المحن. وأظهر هذا المشروع قوة الثقافة في تقوية التماسك الاجتماعي، حتى في سياقات الطوارئ. وفي الولايات المتحدة، يدعم فريق «التعلم المحلي» المربّين في إدماج الفولكلور وأشكال الفن المحلية في المناهج، وقد درّبت ورشه للتطوير المهني أكثر من 250 مربياً وباحثاً في الفولكلور وفناناً على توظيف أشكال الفن المجتمعية لتحسين التعلم. وحتى الآن، كثيراً ما تعتمد هذه المبادرات على معلمين يسعون طوعاً إلى التدريب، فتزوّدهم بأساليب وأدوات لإدماج الثقافة والفنون في تدريسهم، ويتوقع هؤلاء أن يعزّز هذا النهج صلات أعمق مع طلابهم، ويهيّئ بيئات تعلم أكثر تشويقاً وإلهاماً يتردد صداها على المستويين الشخصي والثقافي.
لكن على الرغم من المبادرات الواعدة في أنحاء العالم، لا يزال نقص المربّين المؤهلين في الفنون ومحدودية فرص التدريب يعوقان التقدم. ولتحقيق الإمكانات الكاملة للتربية الفنية، يجب إدماج الثقافة والفنون على نحو منهجي في برامج إعداد المعلمين، بوصفهما مادتين وأداتين تربويتين معاً، لضمان مسارات أوسع وأكثر شمولاً إلى المهنة. ولا يقتصر ذلك على توسيع النفاذ إلى المؤهلات الرسمية والتدريب أثناء الخدمة، بل يشمل أيضاً الاعتراف بخبرة الممارسين المجتمعيين والفنانين وحملة التقاليد وتقديرها. ويجب أن تتجاوز السياسات المشاريع التجريبية والجهود الطوعية لتوفير دعم مستدام وحوافز مهنية واعتراف مؤسسي لمن يعلّمون مع الثقافة والفنون وعبرهما.
تمكين المربّين بتوفير الموارد التربوية
يُعدّ توافر الموارد التربوية الملائمة أمراً حاسماً لدعم عمل المعلمين. فقد طوّرت اليونسكو مثلاً مجموعات أدوات ومواد سمعية بصرية ودورات إلكترونية لمساعدة المربّين على إدماج الفن والثقافة في فصولهم. وتستخدم حقيبة الموارد التعليمية للمعلمين «التراث العالمي في أيدي الشباب» منذ عام 1998 من قِبل المربّين في أنحاء العالم، وهي متاحة بأكثر من 40 لغة، ويجري إعداد نسخة محدّثة منها تتضمن دورات إلكترونية للمعلمين والطلاب. ويجمع مركز اليونسكو لتبادل المعلومات بشأن التراث الحي والتعليم مختارات من الأدوات ودراسات الحالة التي تركّز على استخدام التراث الحي مادةً تعليمية وأداةً تربوية. وقد وُضعت منهجية مفصّلة في الدليل «التعليم والتعلم مع التراث الحي: حقيبة موارد للمعلمين» لمساعدتهم على إعداد محتوى ملائم لسياق فصولهم.
ويُبرز دليل المعلمين «الفنون من أجل التعليم التحويلي» مبادرات متنوعة تدعم التربية الفنية في شبكة المدارس المنتسبة لليونسكو، ويزوّد المربّين بأدوات لإدماج الثقافة والفنون في الفصول، بما ينمّي التعبير الإبداعي والتفاهم بين الثقافات. أما الأدلة المواضيعية، كدليل «العيش مع الماء والتراث والمخاطر: مجموعة أدوات للمربّين من أجل المواطنة العالمية»، فتوفّر للمربّين محتوى وأدوات وأفكاراً للدروس تساعد طلابهم على إدراك الصلة بين الثقافة والطبيعة في حفظ التراث.
غير أن هذه الجهود لم تُمأسس بعد على نطاق أوسع. فلكي يكون لها أثر حقيقي، لا يكفي إعداد الموارد التربوية، بل يجب إتاحتها بلغات متعددة وتكييفها مع سياقات ثقافية وتعليمية متنوعة. فالمواد الشاملة لغوياً والملائمة ثقافياً تمكّن المربّين من التواصل مع طلابهم على نحو أفضل، وتضمن أن يجد المحتوى صدى محلياً. ولذلك لا يقل أهمية أن يُزوَّد المعلمون بالمنهجيات والمهارات اللازمة لإعداد مثل هذه المواد المرتبطة بالسياق بأنفسهم. ويلزم كذلك نشر أوسع عبر المنصات التعليمية الوطنية وبرامج إعداد المعلمين والشبكات المحلية، لتجاوز الاستخدام المعزول وترسيخ هذه الأدوات في ممارسات التدريس اليومية. ولا يمكن أن تتاح الإمكانات الكاملة للتربية الثقافية والفنية للمعلمين والفصول في أنحاء العالم إلا عبر نُهج شاملة واستراتيجية من هذا القبيل.
استكشاف الأولويات التعليمية المرتبطة بالثقافة والفنون
تتّسق أولويات تعليمية عالمية عدة مع التربية الثقافية والفنية ويمكن أن تدعمها هذه التربية. ومن أمثلة هذه النُّهج التعليم من أجل المواطنة العالمية، والتعليم من أجل التنمية المستدامة، والتعليم من أجل السلام، والتعليم من أجل التفاهم بين الثقافات، والتعلم الاجتماعي العاطفي. وتهدف هذه النُّهج إلى الإنصاف والإدماج، والإبداع والابتكار، والرفاه والصحة النفسية، فضلاً عن إنهاء استعمار التعليم وتوطينه، وهي كلها أساسية لتعزيز الحوار والاحترام والتفاهم المتبادلين. ويعزّز كل نهج منها التعلم التحويلي، إذ يشجع الطلاب على التفاعل مع منظورات متنوعة وتنمية التعاطف والتفكير النقدي والإحساس بالمسؤولية الاجتماعية. ولذلك يمكن أن تكون هذه النُّهج التعليمية مداخل فعالة لإدماج التربية الثقافية والفنية في المناهج والبرامج القائمة، كما توضح بعض الأمثلة التالية.
فقد أقامت اليونسكو شراكة مع منظمة «أريغاتو الدولية» عبر برنامج زمالة التعليم الأخلاقي في شرق أفريقيا، الذي ركّز على طرائق التدريس التحويلية لتعزيز التنوع الثقافي والتماسك الاجتماعي في كينيا وموريشيوس وسيشل. واستثمرت المبادرة التقاطع القوي بين الثقافة والتعليم لتنمية التفاهم والاحترام المتبادلين بين أناس من ثقافات وأديان ومعتقدات مختلفة. كما ربط مشروع التبادل الرقمي بين الثقافات التابع لمعهد اليونسكو مهاتما غاندي للتعليم من أجل السلام والتنمية المستدامة طلاباً ومعلمين من بلدان وخلفيات ثقافية مختلفة.
وكان الهدف الانخراط في حوار بين الأقران حول قضايا عالمية تتصل بالسلام والتنمية المستدامة، بما يعزّز التعلم التعاوني والمهارات الاجتماعية العاطفية وتقدير التنوع الثقافي.
ولتناول هذه الأولويات التعليمية العالمية بفعالية، يحتاج المعلمون إلى تدريب متخصص وتطوير مهني مستمر. وتقدّم بيرو مثالاً على ذلك، إذ يتضمن منهجها للإعداد الأولي للمعلمين مكوّناً في العلوم الاجتماعية والمواطنة الفاعلة. وفي عام 2025، أطلقت الجامعة التربوية الوطنية في كولومبيا، بالتعاون مع وزارة الثقافات والفنون والمعارف، برنامجاً للدبلوم يهدف إلى تعزيز الممارسات الفنية في الموسيقى والرقص بوصفها أدوات أساسية لتعزيز السلام والعدالة الاجتماعية والحوار بين الثقافات، وقد درّب البرنامج 1368 معلماً وفناناً ومدرباً وحاملاً للمعارف الثقافية في أنحاء البلاد، بهدف تقوية المبادرات المحلية المركّزة على أشكال التعبير الفني والثقافي في كل منطقة. وعلى مستوى العالم، قاس 62 بلداً في إطار رصد أهداف التنمية المستدامة، وتحديداً المؤشر 4.7.1، أن التعليم من أجل المواطنة العالمية مدمج بصورة جيدة نسبياً في إعداد المعلمين، إذ تتجاوز جميع هذه البلدان عدا واحداً درجة 0.5 على مقياس من صفر إلى واحد، ويتجاوز أكثر من نصفها 0.9. ومع أن هذه البيانات تُظهر نتائج إيجابية، فإنها لا تشمل سوى ثلث بلدان العالم. ويمكن لكثير من المعلمين أيضاً الحصول على تدريب إلكتروني أو حضوري عبر منصات مثل الموقع الإلكتروني لمعهد مهاتما غاندي، والحرم الإلكتروني للتعليم من أجل المواطنة العالمية الذي يركّز 15% من دوراته على الفنون والثقافة، ومبادرة ميثاق الأرض.
ولا يقتصر أثر إدماج الثقافة والفنون في الأطر التعليمية الأوسع، كالتعليم من أجل المواطنة العالمية والتعليم من أجل التنمية المستدامة والتعليم من أجل السلام، على جعل الإدماج أيسر، بل يضاعف أيضاً القوة التحويلية للتعليم في بناء مجتمعات شاملة وعادلة ومسالمة. ومن خلال مواءمة التربية الفنية مع هذه الأولويات العالمية، ودعم المعلمين بتدريب كافٍ وموارد مرتبطة بالسياق وإسناد مؤسسي، يمكن للنظم التعليمية أن تضمن استفادة جميع المتعلمين من تجارب تعلم غنية متجذرة ثقافياً، وهو ما يقوّي بدوره دور التعليم في صون التنوع الثقافي وتعزيز التنمية المستدامة ورعاية مواطنين عالميين فاعلين ومتعاطفين.
وخلاصة هذا القسم المتعلق بتمكين المربّين أن المعلمين حجر الزاوية في تربية ثقافية وفنية فعالة وشاملة. فقدرتهم على الإلهام والتوجيه ووضع تجارب التعلم في سياقها أمر حيوي لرعاية الهوية الثقافية للطلاب وإبداعهم وتفكيرهم النقدي. غير أن هذه الإمكانات لا تتحقق كاملة إلا إذا حظي المعلمون بالدعم الكافي، عبر ظروف عمل لائقة وتدريب ملائم وميسّر وموارد عالية الجودة مرتبطة بالسياق ومتاحة بلغات متعددة. وتحتاج البلدان إلى الاستلهام من المبادرات الناجحة والبناء على ثروة الموارد القائمة لتعزيز إعداد المعلمين قبل الخدمة وأثناءها. والأهم أن الأولويات التعليمية العالمية، كالتعليم من أجل المواطنة العالمية، تتيح مداخل استراتيجية لإدماج التربية الثقافية والفنية في المناهج القائمة. فحين يُهيَّأ المعلمون للتعامل مع هذه الأولويات المترابطة، يصبحون أقدر على تهيئة بيئات تعلم تحويلية تعزّز التعاطف والحوار والقيم الشاملة، وتنهض بالتربية الثقافية والفنية.
وعلاوة على ذلك، يجب التركيز على التعليم من أجل التحول لا من أجل النقل. فتمكين المربّين في هذا المجال يعني تأهيلهم لا للتعليم عن الثقافة والفنون فحسب، بل للتعليم عبرهما، بوصفهما نُهجاً تربوية إبداعية تعزّز التفكير النقدي والتعاطف والتعاون وحل المشكلات. ويجب دعم المعلمين للنظر إلى الفنون سبيلاً للتعامل مع التحديات العالمية كتغيّر المناخ وعدم المساواة والنزاعات، بما يساعد المتعلمين على ربط القضايا المجردة بواقعهم المعيش وسياقاتهم الثقافية. لكن على الرغم من تزايد الاعتراف بقيمة الفنون والثقافة في التعليم، لا تولي برامج كثيرة لإعداد المعلمين هذه المجالات سوى اهتمام محدود. ولذلك يدعو الإطار إلى الإدماج المنهجي للتربية الثقافية والفنية في إعداد المعلمين قبل الخدمة، بما يضمن أن يكون جميع المربّين في المستقبل، لا متخصصو الفنون وحدهم، واثقين وأكفاء ثقافياً؛ وفي التطوير المهني أثناء الخدمة، بإتاحة فرص تعلم مستمرة والتعرف على أدوات ووسائط وطرائق تدريس جديدة؛ وفي منصات التعلم بين الأقران والمنصات التعاونية، حيث يمكن للمربّين أن يشاركوا الفنانين والممارسين الثقافيين وقادة المجتمعات في إعداد المناهج. وأخيراً، يجب تعزيز دور المعلمين بوصفهم عوامل تغيير ووسطاء ثقافيين يربطون المدرسة بالمجتمع وبالقضايا العالمية.
تعزيز التربية الثقافية والفنية عبر الشراكات والتعلم مدى الحياة
يُعدّ التعاون بين المؤسسات التعليمية والثقافية والقطاعات ومجالات التدخل والفئات السكانية المرتبطة بها، كالاقتصاد والسياحة والرياضة والصحة والإدماج والشباب والنساء والشعوب الأصلية، أساسياً لإثراء التربية الثقافية والفنية وتنمية تقدير التنوع الثقافي. فالفنانون وممارسو التراث والمهنيون الثقافيون يحملون معارف قيّمة ويقدّمون منظورات متنوعة تُثري تجارب التعلم. أما قطاع السياحة فيمكنه أداء دور تكميلي بإتاحة تجارب عملية وعرض التراث الثقافي بطرق تمدّ التعلم الصفي إلى سياقات واقعية، مع دعم التعليم الثقافي والتنمية المحلية معاً عبر التعاون مع مبادرات السياحة المستدامة والمجتمعية. وتشدد الأطر الدولية، ومنها اتفاقيات اليونسكو، على إشراك أصحاب مصلحة متعددين في التعليم الثقافي، مُبرزةً دور المجتمعات والمجتمع المدني ومؤسسات التراث في تعزيز الوعي الثقافي. فاتفاقية عام 1972 تدعو الدول الأطراف إلى اعتماد سياسة عامة تمنح التراث الثقافي والطبيعي وظيفة في حياة المجتمع، وتشجع مبادئها التوجيهية التنفيذية على وضع برامج تعليمية ولبناء القدرات تعزّز المنافع الاقتصادية المستدامة والشاملة للمجتمعات المحلية والشعوب الأصلية. وتؤكد اتفاقية عام 2003 مشاركة المجتمعات والجماعات والأفراد في جهود الصون، في حين تُبرز اتفاقية عام 2005 الدور الأساسي للمجتمع المدني في حماية تنوع أشكال التعبير الثقافي وتعزيزه. ويتناول هذا القسم على نحو أكثر تحديداً سبل التعاون الممكنة بين المؤسسات التعليمية والمجتمعات والمؤسسات الثقافية.
الجسر بين المؤسسات التعليمية والمجتمعات
تقدّر بلدان كثيرة أن ثمة مستوى مرتفعاً من إسهام المجتمعات في التربية الثقافية والفنية. وهذا الإسهام حاسم، لأن أفراد المجتمع يملكون معرفة عميقة ببيئاتهم الثقافية وممارساتهم الفنية، بما في ذلك معانيها ودلالاتها. وتضمن مشاركتهم الفاعلة في المبادرات التعليمية نقل هذه المعرفة باحترام، فتقلّل خطر التمثيل السطحي أو غير اللائق في بيئات التعلم.
فقد حددت 98% من بلدان الشمال العالمي و90% من بلدان الجنوب العالمي مؤسسات تراثية ومنظمات غير حكومية ومجتمعات محلية ناشطة في المبادرات التعليمية المتصلة بالتراث الحي. غير أنه في حين تُبيّن هذه الأرقام أهمية الشراكات، لا تزال البيانات محدودة بشأن الأثر الطويل الأمد لهذا التعاون واستدامته. وإضافة إلى ذلك، دعا أكثر من 85% من المربّين المجيبين إلى تعزيز التعاون مع الفنانين والممارسين والمؤسسات الثقافية.
وتعرض مبادرات عدة نماذج ناجحة للشراكات بين المدارس والمجتمعات، ترتبط بأنشطة صفية أو لاصفية. ففي بعض الحالات، يأتي أفراد المجتمع إلى المدرسة للمشاركة في أنشطة أو حصص ثقافية أو فنية، أو تزور الفصول المجتمعَ. وفي حالات أخرى، تندمج المدرسة اندماجاً لا ينفصم في حياة القرية.
كما تُبذل جهود للتواصل مع أفراد المجتمع على نحو أكثر منهجية في إطار المناهج المدرسية. ففي أستراليا مثلاً، تُبرز أحدث خطة استراتيجية لمجلس تراث السكان الأصليين في ولاية فيكتوريا للفترة من 2021 إلى 2026، لأول مرة منذ إنشاء المجلس، أهمية تعزيز ثقافة السكان الأصليين عبر التعليم المدرسي، ويُتوقع أن يعزّز إشراك شيوخ المجتمعات في مناهج المرحلتين الابتدائية والثانوية فهماً وتقديراً أعمق لتقاليد الشعوب الأصلية ومعارفها وتراثها.
وبالمثل، عزّز مشروع النمسا لعام 2022 الخاص بإدماج التراث الثقافي غير المادي في شبكة المدارس المنتسبة لليونسكو التعاون بين حملة التراث ومعلمي المرحلة الثانوية لإعداد خطط دروس تدمج المعارف التقليدية. وأثبتت المبادرة قيمة هذا التعاون، وأكدت أيضاً أهمية التواصل الواضح والتوقعات الواقعية والدعم المالي واللوجستي الكافي لضمان شراكات هادفة ومستدامة، إذ يُخشى من دون هذه العناصر أن يقصر التعاون بين المعلمين وحملة التراث عن بلوغ أهدافه وتحقيق أثر دائم.
وتُبيّن هذه الأمثلة إمكانات الشراكات بين المدارس والمجتمعات في إثراء التربية الثقافية والفنية عبر التفاعل الهادف مع المعارف والممارسات المحلية. ومع انتشار التعاون، يتطلب ضمان استدامته دعماً مخصصاً وأطراً واضحة وإدماجاً أقوى في النظم المدرسية. وهذه الشراكات مفيدة للطرفين: فالمجتمعات تحظى بفرصة قيّمة لنقل معارفها الثقافية والفنية وصونها، وكثيراً ما تكون معارف لا يملكها المعلمون أنفسهم، بينما تستفيد المدارس من تجارب تعلم أغنى وأكثر ملاءمة ورسوخاً. ويمكن لتقوية هذه الشراكات عبر التزام طويل الأمد وموارد ملائمة واحترام متبادل أن يحوّل التعليم إلى مسعى ثقافي مشترك متجذر في حياة المجتمع.
دور المؤسسات الثقافية في التعلم مدى الحياة
بعيداً عن التعليم النظامي، تؤدي طائفة من المؤسسات، كالمتاحف والمكتبات والفضاءات المجتمعية التي يُمارس فيها التراث الحي والجمعيات الثقافية، دوراً حيوياً في التعلم غير الرسمي والتعلم مدى الحياة. ويرتبط هذا النوع من التعلم بالحياة اليومية، ويشمل جميع الأعمار والبيئات وصيغ التعلم لتلبية احتياجات متنوعة طوال حياة الإنسان. ومن خلال تقديم برامج تعليمية مرنة وتفاعلية ومبتكرة، تستطيع المؤسسات الثقافية إشراك جماهير متنوعة في التأمل في ثقافتها أو ثقافة غيرها، مكمّلةً التعلم الذي يجري في المؤسسات التعليمية.
البرامج التعليمية في المؤسسات
على الرغم من تفاوت الأرقام في أنحاء العالم، تحتل المتاحف موقعاً متميزاً لإذكاء الوعي بالثقافة والفنون. ويوظّف كثير منها مسؤولين تربويين يقودون البرامج في المواقع وفي المدارس وفي المجتمعات المحلية. فالمكسيك مثلاً تفيد بأن 523 متحفاً وموقعاً تراثياً تنفّذ مبادرات تعليمية، في حين توثّق رومانيا 113 منها، أي ما يعادل 4.1 و5.9 منشأة لكل مليون نسمة على التوالي. وكثيراً ما تستثمر المؤسسات الواقعة في أماكن تحظى باعتراف دولي أو وطني، كممتلكات التراث العالمي والمدن المبدعة وعواصم الثقافة الأوروبية، هذا الوضع لدعم الأنشطة التعليمية ذات الصلة وتعزيز تفاعل الجمهور مع تراثه الثقافي. وعلاوة على ذلك، تؤدي المؤسسات المرتبطة بالسياحة، كمراكز التفسير ومسارات التراث والمهرجانات المحلية، دور بيئات تعليمية غير رسمية تساعد على تنمية تقدير التنوع الثقافي لدى السياح والسكان على حد سواء.
وتوضح أمثلة من أنحاء العالم النُّهج المتنوعة التي تتبعها المؤسسات الثقافية لتعزيز التعلم. ففي المكسيك، أُشرك الشباب في تراث مدينتهم عبر ورش تفاعلية من خلال برنامج «حيّي تراثي» في بويبلا، العضو في شبكة اليونسكو للمدن المبدعة منذ عام 2022، والتي يُعدّ مركزها التاريخي من ممتلكات التراث العالمي. ومن الأمثلة الأخرى متحف أسترا في رومانيا، الذي يستضيف أولمبياد الأطفال للحرف الفنية التقليدية. وفي جنوب أفريقيا، تدير متاحف إيزيكو 11 متحفاً ولديها إدارة تعليمية مخصصة تقدّم برامج مدرسية مرتبطة بالمناهج و«متحفاً متنقلاً على عجلات» للوصول إلى المجتمعات المحرومة من الخدمات.
استراتيجيات مبتكرة للوصول إلى الفئات المهمّشة
يمكن للهياكل القائمة أيضاً أن تستخدم الشراكات لزيادة نفاذ المتعلمين المحرومين وإدماجهم. فمشروع «التعليم عبر الإذاعة: تعزيز التعلم عبر الإذاعة في المناطق المعزولة في باكستان»، الذي أطلقته اليونسكو وإذاعة باكستان عام 2024، يستخدم التدريس الإذاعي التفاعلي لإدماج التراث الثقافي المادي وغير المادي والتعليم من أجل المواطنة العالمية والتعليم من أجل التنمية المستدامة والتوعية البيئية في محتواه التعليمي، بهدف تعزيز التعلم والنفاذ لدى المجتمعات والشباب في المناطق النائية من البلاد. وتطبّق المتاحف والأرشيفات الحكومية في إسبانيا تدابير لتيسير النفاذ، منها أدلة قراءة مكيّفة ومحطات لمس وتسهيلات للتنقل ومترجمون للغة الإشارة. وتعاونت وزارة الثقافة والسياحة في تركيا مع شركاء مختلفين لإنشاء منصة للتعليم في مجال التراث تتيح للمعلمين والطلاب موارد رقمية تفاعلية من المؤسسات والمواقع الثقافية، وتعزّز المنصة إمكانية النفاذ إلى التعلم، بما في ذلك مواد مسجّلة بلغة الإشارة.
ربط الثقافة بالتحديات العالمية والحوار
يمكن للمؤسسات الثقافية أيضاً أن تبني على برامجها الثقافية والفنية لإذكاء الوعي بموضوعات إنمائية رئيسية. ومن الأمثلة على ذلك «الحديقة السيمفونية» في معرض الحدائق الاتحادي الألماني لعام 2023، حيث تفاعل الزوار مع الطبيعة عبر الموسيقى، رابطين الوعي البيئي بالتعبير الفني. وفي كينيا، يقترح أسبوع كيتالي السينمائي برنامجاً للسينما في التعليم، يقيم شراكات مع المدارس والمنظمات المحلية ويصل إلى آلاف الطلاب، ويستخدم الأفلام لاستكشاف موضوعات مثل تغيّر المناخ والتراث الثقافي والعدالة الاجتماعية بهدف تعزيز التعاطف والتفكير النقدي والإدماج، ولا سيما عبر صيغ ميسّرة كالترجمة المرئية ولغة الإشارة. وفي سياقات أخرى، يمكن للتعليم عبر الثقافة أن يفتح حواراً يعزّز التماسك الاجتماعي، فقد أظهر مشروع اليونسكو المتعدد الشركاء «مسارات نحو التماسك الاجتماعي والحوار بين الثقافات» كيف يمكن للثقافة أن تكون أداة قوية لتعزيز الاندماج بين المهاجرين واللاجئين والمجتمعات المضيفة في بيرو، وذلك عبر مشاريع مجتمعية في بيئات تعليمية مختلفة، تراوحت بين التدريب الموسيقي على الآلات التقليدية للمجتمعات المهاجرة والمضيفة والمعارض الفنية.
عوامل التمكين السياساتية والمؤسسية
تدعم أطر السياسات القوية على المستويين المحلي والوطني المؤسسات الثقافية في رسالتها التعليمية. فعلى المستوى المحلي، تفيد 94% من مدن اليونسكو المبدعة بوجود سياسات تدعم التعليم الثقافي، تشمل التمويل والبنية التحتية وإمكانية النفاذ وإثراء المناهج. وتؤدي الحكومات الوطنية أيضاً دوراً حيوياً، إذ تدعم الاستراتيجية الثقافية لأرمينيا للفترة من 2023 إلى 2027 التعليم المتحفي عبر المعارض والورش. ومنذ عام 2022، يخصّص برنامج «الحقائب الثقافية» في إستونيا تمويلاً لضمان نفاذ جميع طلاب المرحلة الابتدائية إلى تجارب ثقافية مرتبطة بالمناهج المدرسية.
وتختار بعض البلدان إنشاء إدارات مخصصة للإشراف على إدماج الثقافة والفنون في نظامها التعليمي، كما هو الحال في وحدة التعليم الثقافي في غانا المكلّفة بصون التراث الثقافي الغاني. وأنشأت أوروغواي مراكز ثقافية وطنية في أنحاء أراضيها لإضفاء اللامركزية على التنمية الثقافية وتعزيز أشكال التعبير الفني المحلية، وتهدف هذه المراكز، التي تنفّذها المديرية الوطنية للثقافة بالشراكة مع الإدارات المحلية والشركاء التعليميين، إلى تحسين النفاذ الثقافي والتداول الثقافي مع إدماج المبادرات الفنية الوطنية والدولية. ومع أنه لا يمكن تعميم هذه النتائج على بقية العالم، فمن المعقول الاعتقاد بأن البيئة السياساتية التمكينية تسهم في كثرة المؤسسات التي تقدّم برامج للتوعية أو التعلم.
التطوير المهني من أجل الفعالية المؤسسية
لكي تظل المؤسسات فعالة، يجب تدريب موظفيها في مجالي التعليم والتفاعل مع الجمهور. وتقدّم منظمات مثل المجلس الدولي للمتاحف و«إيبيرموسيوس» ورشاً ودعماً استراتيجياً لبناء القدرات التعليمية وتعزيز الإدماج. وقد ركّزت خطة «إيبيرموسيوس» للفترة من 2020 إلى 2023 على تقوية الدور الاجتماعي للمتاحف، ولا سيما للوصول إلى الفئات المستبعدة تاريخياً.
التغلب على التحديات لاستدامة الأثر
على الرغم من الجهود الكبيرة لتعزيز التعليم الثقافي عبر الشراكات، تظل التحديات قائمة. فقد واجهت مؤسسات كثيرة، ولا سيما المتاحف، قيوداً مالية حادة خلال أزمة كوفيد 19، وأفادت بتراجع قدرتها على تقديم البرامج، إذ أشار 50% من المجيبين في استقصاء أُجري عام 2021 في 56 بلداً إلى تقليص المنح. ويُعدّ ضمان الاعتراف الكافي بالمؤسسات والأفراد الشركاء وحصولهم على التمويل أمراً حاسماً للتصميم والتنفيذ الفعالين لبرامج التربية الثقافية والفنية. ويُبرز ذلك الحاجة إلى سياسات داعمة وآليات تمويل مستدامة وحملات مناصرة ترفع من تقدير التعليم الثقافي ودوره وتؤكد أثره الواسع. وعلاوة على ذلك، في حين تُبيّن أمثلة عديدة فوائد التعاون في توسيع فرص التعلم، تظل ثمة ثغرة حاسمة في تقييم منظورات الشركاء المساهمين. فغياب جمع منهجي ومنسّق للبيانات، ومؤشرات، وتقييمات للأثر الطويل الأمد للشراكات، يحدّ من قدرة البلدان على تحسين هذا التعاون واستدامته بفعالية. كما يمكن لهيكل الحوكمة والقيود اللوجستية والمالية أن تخلق عقبات إضافية، ولا سيما حين تتبع المؤسسات التعليمية والثقافية وزارات أو إدارات منفصلة. ولمعالجة هذه التحديات، يُعدّ الحوار بين الشركاء التعليميين والثقافيين حيوياً لنهج مستدام في التعليم الثقافي ومأسسة الفنون.
رعاية المواهب وتوسيع المهارات: إشراك الصناعات الثقافية والإبداعية وتعليمها وإضفاء الطابع المهني عليها
تنشئة أجيال جديدة من محبّي الثقافة ومبدعيها
يُعدّ إشراك الناس، ولا سيما الشباب، في الثقافة والفنون أساسياً لتنشئة أجيال مقبلة من الممارسين والمهنيين الثقافيين ومستهلكي السلع والخدمات والمحتوى الثقافي. ويجب بذل الجهود لضمان مشاركة جميع المجتمعات في الثقافة والفنون بكامل اتساعها، سواء التقاليد التي ترثها أو تلك التي تصادفها من ثقافات أخرى. ويجب أن تغرس السياسات والمبادرات احتراماً عميقاً لأشكال التعبير الثقافي والهوية الخاصة، وأن تنمّي تقدير الإسهامات الفنية للآخرين إثراءً لمنظومة ثقافية متنوعة وشاملة. فنحو 90% من مدن اليونسكو المبدعة مثلاً وضعت سياسات لدعم إدماج الشباب في الصناعات الثقافية والإبداعية، ما يدل على التزام واسع بهذا الهدف.
ومن أنجع استراتيجيات الإبراز لزيادة المشاركة تنظيم المهرجانات وأسابيع التراث والأشهر الثقافية، ومن أمثلة ذلك مهرجانات التراث في مدن عدة في نيوزيلندا، وأيام التراث الأوروبي، وشهر الثقافة في زيمبابوي. وتتضمن هذه الفعاليات، التي تتصدرها الحكومات عادة بالتعاون مع شركاء قطاعيين، فرصاً للتعلم عبر الورش وتقاسم المعارف غير الرسمي، وتعزّز هذه الاحتفالات إحساساً قوياً بالملكية المجتمعية والاعتزاز الثقافي والتفاعل العام الشامل.
ومن الاستراتيجيات الأخرى تقديم حوافز مالية للشباب للنفاذ إلى التجارب والمنتجات الثقافية. ومن أمثلة ذلك «بطاقة الثقافة» في فرنسا، التي أُطلقت عام 2021 وتوفّر مختارات من الأنشطة الثقافية ورصيداً للإنفاق لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و21 عاماً. وثمة مبادرات مماثلة، مثل «بطاقة الثقافة» في ألمانيا، وبطاقة الهوية البلدية في نيويورك بالولايات المتحدة، وقسائم الثقافة لطلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية ومعلميهم في جمهورية سلوفاكيا، وتطبيق «18 آب» وبطاقتا الثقافة والجدارة الجديدتان في إيطاليا، وبرنامج «باربيكان الشباب» في لندن بالمملكة المتحدة، وتمنح هذه المبادرات دخولاً مخفّضاً أو مجانياً إلى الفضاءات الثقافية، فترعى تفاعلاً طويل الأمد مع الفنون. ومن خلال خفض الحواجز المالية، تجعل هذه البرامج الثقافة أيسر نفاذاً وتساعد على ترسيخ المشاركة الثقافية في الحياة اليومية للشباب.
وتُثري مراكز الشباب المشاركة الثقافية أكثر، إذ توفّر فضاءات للتعبير الفني والورش والعروض. فقبيل الألعاب الأولمبية والبارالمبية، أطلقت حكومة العاصمة طوكيو ومجلس فنون طوكيو مشاريع إبداعية أصبحت أساس «مهرجان طوكيو» الذي يدمج البرامج الثقافية التي يقودها الشباب في المشهد الفني الأوسع. وأُنشئ «مركز التراث الرواندي»، وهو مبادرة مشتركة بين المركز الدولي لدراسة صون الممتلكات الثقافية وترميمها وأكاديمية التراث الثقافي الرواندي، مركزاً للمعرفة والتدريب يركّز على تعزيز التراث الثقافي والصناعات الثقافية والإبداعية بوصفها قطاعات لتشغيل الشباب وخلق فرص العمل. ولا تقتصر هذه المبادرات على تعزيز الإبداع والتفاعل الثقافي، بل تدعم أيضاً تنمية المهارات وتفتح فرصاً اقتصادية للشباب.
وبعيداً عن الاستهلاك والمشاركة، تشجع بعض المبادرات الشباب على الإسهام الفاعل في صون التراث الثقافي والطبيعي. فمبادرة «متطوعو التراث العالمي» ضمن برنامج اليونسكو للتعليم في مجال التراث العالمي تحشد الشباب للانخراط في أنشطة التوعية والحفظ في ممتلكات التراث العالمي أو المواقع المدرجة على القوائم التمهيدية. وتعزّز هذه المشاريع، التي تنظّمها منظمات غير حكومية ومؤسسات، التعاونَ بين أصحاب المصلحة والمجتمعات المحلية والمتطوعين، بما يرسّخ رعاية الثقافة. وقد ارتفعت المشاركة في الحملة بعد جائحة كوفيد 19، ما يعكس حماسة متجددة لحماية التراث، إذ ارتفع عدد مشاريع المخيمات العملية من 68 مشروعاً في عام 2019 إلى 81 مشروعاً في عام 2024، وارتفع عدد المواقع المشاركة من 62 إلى 77 موقعاً، وعدد المنظمات المعنية من 55 إلى 64، وعدد البلدان المشاركة من 36 إلى 38 بلداً.
وإدراكاً لأن التعلم عملية مستمرة مدى الحياة تجري في بيئات متنوعة، تُعدّ السياسات والبرامج الموجّهة إلى الأطفال والشباب خارج التعليم النظامي أساسية لتنمية تقدير الثقافة وإلهام مسارات مهنية مستقبلية في الفنون. وتكون هذه المبادرات مؤثرة بشكل خاص حين تتيح فرصاً للتبادل بين الأجيال، تمكّن الشباب من التفاعل مع بالغين يستمدون منهم الإلهام ويستفيدون من تجاربهم المشتركة. ومن خلال دعم مسارات التعلم المتنوعة هذه، لا يضمن القطاع الثقافي استدامته فحسب، بل يمكّن الجيل القادم أيضاً من الإسهام الفاعل في تطوره.
رعاية مبدعي المستقبل عبر التعليم العالي في الثقافة والفنون
يمثّل التعليم العالي في الثقافة والفنون، بما فيه برامج التعليم والتدريب التقني والمهني، مساراً مهماً للاحتراف أو لرفع المهارات في هذه الميادين. وتقدّم مؤسسات التعليم العالي في أنحاء العالم طائفة واسعة من التخصصات الثقافية، منها المقررات النظرية كنظرية الموسيقى والتأليف، والحصص التطبيقية كترميم الأعمال الفنية، والمهارات التقليدية كالحرف اليدوية، والتقنيات الحديثة كالرسم والتصميم الهندسيين، والتخصصات البينية. ويُظهر تحليل بيانات المقررات العالمية لعام 2022 من قاعدة بيانات التعليم العالي العالمية أن 15.3% من جميع مقررات التعليم العالي مرتبطة بالصناعات الثقافية والإبداعية. وتتبع نسبة المقررات المقدّمة اتجاهات الدخل، إذ تقترح البلدان المنخفضة الدخل 11.2% من مقرراتها في هذا المجال، بينما ترتفع النسبة إلى 17.1% في البلدان المرتفعة الدخل. ويُرجَّح أن يُفسَّر ذلك بأن عدداً أقل من الطلاب في البلدان المنخفضة الدخل يواصلون التعليم العالي، إذ بلغت نسبة الالتحاق به 79.35% في البلدان المرتفعة الدخل عام 2020 مقابل 9.36% في البلدان المنخفضة الدخل، ولا سيما في الصناعات الثقافية والإبداعية حيث يُرجَّح أن يدخلوا سوق العمل مبكراً ويتعلموا أثناء العمل.
وفي معظم البلدان، تزيد احتمالات التحاق النساء بمقررات التعليم العالي عموماً عن الرجال. وينعكس هذا الاتجاه في مجالي الثقافة والفنون في أوروبا، حيث شكّلت النساء 64.6% من جميع الطلاب الملتحقين بالدراسات المرتبطة بالثقافة عام 2022، متفوقات عددياً بفارق كبير على نظرائهن من الذكور. ويلزم مزيد من التحليل لقياس المشاركة المحددة على مستوى العالم ودراسة كيف تُترجم هذه المشاركة المرتفعة إلى فرص مهنية.
ومع أن المقررات المقدّمة أقل مما في البرامج المرتبطة بالأعمال أو بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فإن التطوير المستمر لمناهج الفنون والثقافة يعكس اهتماماً أكاديمياً قوياً وإمكانات نمو للمجال. وهذا ما نجده في المغرب، حيث تؤخذ الثقافة والعلوم الإنسانية في الحسبان في خارطة الطريق الجديدة للتعليم العالي، كما ازداد عدد البرامج الجديدة في الفنون البصرية والتصميم في بلدان عدة مثل مصر والهند وجنوب أفريقيا. وفي بلدان أخرى، تنشئ مؤسسات التعليم العالي صلات تدعم صون التراث وسبل عيش المجتمعات معاً. ففي الأرجنتين، نفّذت جامعة كاتاماركا برنامجاً للتعليم والتدريب التقني والمهني يركّز على تقنيات النسج التقليدية المحلية على النول، ودعمت دفعته الأولى أكثر من 300 طالب، معظمهم حرفيات من مجتمعات في أنحاء المقاطعة، حصل 144 منهم على شهادات، فتحسّنت سبل عيشهم باكتساب مؤهل متخصص. لكن عدد المقررات المتاحة لا يعكس بالضرورة مدى تلبية النظام التعليمي لاحتياجات المبدعين. ولا تشمل هذه الإحصاءات المواد أو برامج التعليم والتدريب التقني والمهني المقدّمة عبر الحاضنات والمراكز الإبداعية التي تدرّب المبدعين وتدعمهم في إدارة منشأة ثقافية أو إبداعية بكفاءة لتأمين عيشهم، كالتسويق والمحاسبة والإدارة. كما قد تكون بعض المقررات جزءاً من برامج أخرى غير مصمّمة للصناعات الثقافية والإبداعية، كتكنولوجيا المعلومات وهندسة البرمجيات، ويمكنها الوصول إلى جمهور أوسع.
وبالنظر على نحو أكثر تحديداً إلى برامج التعليم العالي الموجّهة إلى المبدعين، تفيد 78% من البلدان بوجود مؤسسات للتعليم العالي وشهادات جامعية في قطاعات الفنون والصناعات الثقافية والإبداعية. وعلى الرغم من التفاوتات الإقليمية، يتيح ثلثا البلدان على الأقل في كل منطقة هذه الفرصة.
وعلى الرغم من تنوع البرامج المتاحة، يظل التوفيق بين اختيار التخصص وتوقعات الأفراد ومهاراتهم تحدياً كبيراً للطلاب. ففي فرنسا، يمكن الالتحاق بمدارس الفن والثقافة بعد شهادة البكالوريا، أو عبر القبول الموازي بعد دراسة عليا لمدة سنتين أو ثلاث أو أربع سنوات في مجال آخر، أو عبر التلمذة المهنية المزدوجة. ويقدّم التعليم الفني العالي شبكة من 150 مؤسسة شريكة في مجالات الفنون البصرية وفنون الأداء والسمعي البصري والتصميم والتراث والعمارة. ولمساعدة الطلاب المهتمين على التوجه على النحو الملائم، تعاونت وزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي والبحث والابتكار ووزارة أوروبا والشؤون الخارجية والرابطة الوطنية لمدارس الفنون على إطلاق بوابة معلومات غنية ودليل إرشادي. ولا يقتصر هذا النوع من الإرشاد على تزويد الطلاب بأدوات لتحديد المسار التعليمي الأنسب لاهتماماتهم وتطلعاتهم، بل يوفّر أيضاً لمحة واضحة وشاملة عن الفرص المتنوعة المتاحة في المجالات الثقافية والفنية.
ولا يضمن وجود برامج الشهادات انتقال الخريجين تلقائياً إلى سوق العمل المهنية. ففرص العمل وريادة الأعمال يولّدها الاقتصاد، ولا تقتصر على الوظائف في قطاعي الثقافة والتعليم، والشهادة لا تضمن توافر الوظائف ولا نجاح المبادرات الريادية. وتشير بيانات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي لعام 2021 إلى أن العاملين في المجالين الثقافي والإبداعي يميلون إلى حمل مؤهلات أكاديمية أعلى، إذ يحمل 62% منهم شهادة جامعية مقابل 40% من إجمالي القوى العاملة في البلدان الأعضاء في المنظمة. ويلمّح هذا الرقم إلى أن المهنيين الثقافيين في البلدان المرتفعة الدخل أرجح حصولاً على تعليم رسمي، لكنه لا يعكس كفاءاتهم في مجالات ثقافية محددة، ولا ما إذا كانت المهارات التي اكتسبوها عبر التعليم الرسمي ملائمة لاحتياجات السوق.
وقد بذلت بعض مؤسسات التعليم العالي جهداً مفيداً لإقامة صلات بسوق العمل المهنية، وهو أسلوب شائع جداً في التعليم والتدريب التقني والمهني. ففي برشلونة بإسبانيا مثلاً، تتيح مؤسسات عدة، كمعهد نو باريس للتكنولوجيا في مجال ألعاب الفيديو والواقع الافتراضي، ومعهد فنون الأداء والسمعي البصري، والمدرسة البلدية للسمعي البصري، ومدرسة ماسانا للتصميم، ومدرسة باو، للطلاب تواصلاً مباشراً مع منظمات الصناعات الثقافية والإبداعية لتحسين فرص توظيفهم. ولدى ألمانيا التزام قوي بالشراكة بين الأوساط الأكاديمية والصناعة، ومن ذلك نظام الدراسة المزدوجة الذي يمنح الطلاب نسبة متساوية من التدريب الأكاديمي والتدريب في الصناعة، وهو نهج متاح في قطاعات عديدة منها مجالات الحرف المتنوعة والإعلام. وإلى جانب اكتساب الخبرة العملية، كثيراً ما يتلقى الطلاب تعويضاً مالياً خلال تدريبهم، وتزداد فرصهم زيادة كبيرة في الحصول على عمل لدى الشركة التي أمضوا فيها تدريبهم العملي.
ويمكن لمؤسسات التعليم العالي كذلك أن تتبنى نُهجاً متعددة التخصصات وعابرة للتخصصات، بإدراج مواد ثقافية وفنية في مناهج غير ثقافية، لإثراء عملية البحث وتنشئة جيل من المهنيين المستقبليين القادرين على التفكير النقدي والإبداعي لاقتراح حلول للتحديات المعقدة في عالم اليوم. والجدير بالذكر أن كراسي اليونسكو وشبكات التوأمة الجامعية تسهم إسهاماً كبيراً في تعميق التفكير في طيف واسع من الموضوعات. فمن بين نحو 1000 كرسي لليونسكو، تبحث قرابة 200 مؤسسة في موضوعات مرتبطة بالثقافة والفنون، متنوعة تنوعَ التعليم والثقافة الأفرو إسبانية الأمريكية في غينيا الاستوائية، والإبداع والتنمية المستدامة في المناطق الريفية في الصين، وتصميم التكنولوجيا الرقمية مع الشعوب الأصلية في ناميبيا. ومن خلال حشد خبرات مؤسسات التعليم العالي والبحث، ولا سيما عبر الشراكات بين الشمال والجنوب، تعزّز هذه الشبكات الحوار المتعدد التخصصات والبحث التعاوني ونُهج التدريب المبتكرة. وتعمل مراكزَ فكر وجسوراً بين الأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني وصنع السياسات، وتسهم أنشطتها في إثراء البرامج التعليمية وتشجيع وضع مناهج جديدة وتعزيز نظم تعليمية شاملة ومتجذرة ثقافياً.
وخلاصة القول، إنه في حين تتوافر طائفة واسعة من برامج التعليم العالي في الفنون والثقافة في أنحاء العالم، يلزم بذل مزيد من الجهد لضمان اتساقها مع واقع الصناعات الثقافية والإبداعية، بما في ذلك الفرص والتحديات المتغيرة التي تفرزها التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. ويمكن لتقوية الصلات بين المؤسسات التعليمية والعالم المهني أن يحسّن قابلية توظيف الخريجين وإمكاناتهم الريادية. ومن شأن تشجيع التقييمات المنتظمة لفجوات المهارات أن يساعد على تكييف المناهج مع الاحتياجات المتطورة للقطاع، في حين يمكن لجمع البيانات المصنّفة بحسب الجنس أن يدعم وضع سياسات شاملة ومنصفة. ويُعدّ جعل التعليم العالي أكثر استجابة وشمولاً وملاءمة للسوق أمراً أساسياً لإطلاق الإمكانات الكاملة للمهنيين الثقافيين والإبداعيين.
تمكين المبدعين: بناء المسارات المهنية وتعزيز الثقافة ودفع النمو المستدام
تُعدّ الصناعات الثقافية والإبداعية محرّكات قوية للنمو الاقتصادي والتحول الاجتماعي، غير أن كثيراً من الفنانين والمهنيين الثقافيين يكافحون لتأمين سبل عيش مستدامة. ولإطلاق الإمكانات الكاملة لهذا القطاع، يجب إضفاء الطابع المهني على المسارات الثقافية والفنية ورفع مهاراتها بتقوية الخبرة التقنية ومهارات الأعمال الأساسية معاً، بما يمكّن المهنيين الثقافيين من التعامل بنجاح مع سوق متغيرة. ولا تدعم فرص التعلم مدى الحياة التطور المهني للأفراد فحسب، بل تجعل ميادين الفنون والثقافة أيضاً قوةً لمعالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية الأوسع.
ومن الجوانب الرئيسية لجهود إضفاء الطابع المهني ورفع المهارات هذه ضمان تكافؤ الفرص للجميع، ولا سيما للنساء اللواتي لا يزلن يواجهن عوائق في القطاع. فعلى مستوى العالم، تفيد 77% من البلدان، بواقع 84% في الشمال العالمي و73% في الجنوب العالمي، بأنها نفّذت سياسات لدعم المرأة فنانةً ومهنيةً ثقافية ورائدة أعمال إبداعية. وتشمل هذه التدابير بناء القدرات في الإنتاج الثقافي وإدارة الأعمال، وبرامج ريادة الأعمال الطلابية، والشراكات مع المؤسسات التعليمية. وعلاوة على ذلك، استُحدثت مبادرات للدعم المالي والترويجي وإقامة الشبكات لتعزيز إدماج أكبر. ومع أن تزايد عدد هذه السياسات المبلغ عنها بموجب اتفاقية عام 2005 يعكس تنامي الاهتمام بقضايا النوع الاجتماعي، يلزم مزيد من البيانات المصنّفة لتقييم التقدم وتحديد التحديات المستمرة ووضع حلول موجّهة من أجل اقتصاد إبداعي أكثر إنصافاً.
صقل المهارات التقنية للمهنيين في مجالي الثقافة والفنون
طالما أدى التعلم بين الأجيال، كنموذج المعلم والمتدرب، دور منهج تأسيسي لنقل المعارف الثقافية والمهارات الفنية عبر الإرشاد العملي والتوجيه الشخصي الوثيق. واليوم، تُستكمل هذه النُّهج التقليدية ببرامج ومقررات وورش قصيرة الأمد تقدّمها المؤسسات التعليمية والمنظمات غير الحكومية والمراكز المجتمعية والجهات الخاصة والمنصات الإلكترونية. وتتيح فرص التعلم هذه سبلاً لبناء المهارات وإعادة التأهيل والتعلم مدى الحياة، وتساعد في الوقت ذاته على تقوية أشكال الإرشاد والنقل القائم على الممارسة. وكثيراً ما تكون هذه البرامج متّسقة مع الجمعيات المهنية والقطاعات الإبداعية، فتؤهل المشاركين لدخول سوق العمل أو التقدم فيها، بحيث تظل معارفهم التقنية محدّثة وملائمة.
وتُعدّ دورات التطوير المهني المستمر وسيلة معتمدة على نطاق واسع لدى المهنيين الثقافيين في جميع تخصصات قطاع الفنون والثقافة لتجديد معارفهم واكتساب مهارات جديدة، وهي الشكل الأكثر شيوعاً لبناء القدرات بين المهنيين في المتاحف. وقد أشارت كولومبيا وحدها إلى أكثر من 100 برنامج تدريبي في مجال التراث المادي وغير المادي. وتُقدَّم برامج بناء القدرات للعاملين الثقافيين والإبداعيين في 94 مدينة مبدعة على الأقل. فعلى سبيل المثال، نفّذت اليونسكو، عبر مكتبها الإقليمي للعلوم والثقافة في أوروبا وبالشراكة مع منظمة «إنتربريت يوروب»، المبادرة الإقليمية «مشاهد التعلم» لتدريب مدربي تفسير التراث وموظفي الهيئات المديرة لمواقع مختارة تحمل تسميات اليونسكو، بما فيها ممتلكات التراث العالمي ومحميات المحيط الحيوي والحدائق الجيولوجية العالمية، على تطوير نهج تفسير التراث القائم على القيم وتجريبه، بما يحوّل هذه المواقع إلى «مشاهد للتعلم». ويقدّم المركز الدولي للآثار المغمورة بالمياه في زادار بكرواتيا دورات قصيرة الأمد في علم الآثار المغمورة بالمياه وترميم اللقى المغمورة، مصمّمة للطلاب والمهنيين من أنحاء العالم الساعين إلى تعزيز مهاراتهم وخبراتهم في هذا المجال. وتُبيّن مبادرات بناء القدرات المتنوعة والواسعة الانتشار هذه التزاماً عالمياً قوياً بتقوية مهارات المهنيين الثقافيين ومعارفهم في هذه المجالات.
وتُصدر المؤسسات المتخصصة كذلك أدلة لدعم المؤسسات التعليمية في تقييم برامجها وتطويرها. ففي ماليزيا مثلاً، أطلق معهد «ثينك سيتي» خلال السنوات الثلاث الماضية دورتين إلكترونيتين تستندان إلى إطار اليونسكو للكفاءات في إدارة التراث الثقافي. غير أن هذا التدريب لا يلبي احتياجات المهنيين في مجالي الثقافة والفنون. ففي مجال التراث المادي مثلاً، لا يرى سوى نحو ثلث الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير على مستوى العالم أن الخدمات التي تقدّمها أجهزتها أو مؤسساتها تملك القدرة الكافية لحماية ممتلكات التراث العالمي وحفظها وعرضها وإدارتها، ولا تتجاوز هذه العتبة سوى البلدان المرتفعة الدخل بنسبة 57%. وقد يعود هذا التفاوت جزئياً إلى أن نحو نصف ممتلكات التراث العالمي المدرجة يقع في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تندرج معظم البلدان في فئة الدخل المرتفع. وتؤكد هذه الإحصاءات الحاجة الملحّة لا إلى التدريب المهني في القطاع فحسب، بل إلى التحديد المنهجي للمهارات الناقصة تحديداً للإدارة الفعالة للمواقع وإدارة التراث الثقافي بجميع أشكاله. ويجب وضع برامج تدريبية مصمّمة لسد هذه الثغرات، ولا سيما في مجالات مثل البحث في قضايا التراث العالمي، حيث لا ترى سوى 13% من الدول الأعضاء المقدّمة للتقارير أنها تملك القدرة المؤسسية على إجراء البحوث.
وقد تُفسَّر أوجه القصور هذه بأن بناء القدرات المتخصصة نادراً ما يُصمَّم من منظور استراتيجي. فلا تفيد سوى 13.7% من الدول الأطراف بامتلاكها استراتيجية وطنية للتدريب أو التعليم مطبّقة بفعالية لتعزيز تنمية القدرات في مجال حفظ التراث المادي وحمايته وعرضه وإدارته، في حين تفيد 36.3% بامتلاك مثل هذه الاستراتيجيات مع بعض أوجه القصور في تنفيذها.
وأفضت التحولات التكنولوجية الكبرى أيضاً إلى نشوء مهن جديدة كلياً في الصناعات الثقافية والإبداعية، كمتخصصي سوق الفن الإلكترونية ومتخصصي التصنيع الرقمي باستخدام الطابعات الثلاثية الأبعاد. فعلى سبيل المثال، ولّد صعود صناعة ألعاب الفيديو طلباً قوياً على فناني الألعاب، ما أدى إلى تطوير برامج تدريبية متخصصة. ففي الهند، استجاب مجلس مهارات الإعلام والترفيه لهذه الحاجة بإصدار «حزم المؤهلات» التي تحدد معايير تدريب فناني الألعاب ومتطلباته، وتتّسق اليوم برامج تدريبية عدة في أنحاء البلاد مع هذه المعايير، فتزوّد الطلاب بالمهارات اللازمة للمسارات المهنية الناشئة في قطاع الفنون الرقمية. وفي الوقت ذاته، أحدث ظهور أدوات جديدة للمونتاج في السينما والموسيقى تحولاً كبيراً في الأدوار التقليدية في الصناعات الثقافية والإبداعية، ما أوجد حاجة متزايدة إلى مهارات وكفاءات محدّثة. وفي بعض المناطق، كأفريقيا مثلاً، تظل البرامج التعليمية المتاحة حالياً غير كافية وتحدّ من قدرة المهنيين على النمو. وفي هذا السياق، كثيراً ما تكون جهات القطاع الخاص من أوائل من يقدّمون التدريب في المجالات الناشئة والمبتكرة، بفضل مرونتها وسرعة استجابتها. ومن الأمثلة على ذلك «أكاديمية تريغرفيش»، وهي مبادرة لاستوديو أفريقي رائد في الرسوم المتحركة، تقدّم دورات إلكترونية مجانية في الرسوم المتحركة والتخصصات المرتبطة بها يقدّمها مهنيون ذوو خبرة في القطاع. غير أنه على الرغم من حيوية هذه المسارات والمهن الناشئة، يُخشى أن تعيد إنتاج الاختلالات القائمة بين الجنسين. فمع أن النساء لا يشكّلن سوى 35% من خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وهي مجالات وثيقة الصلة بالمسارات المهنية القائمة على التكنولوجيا، فإن احتمالات نفاذهن إلى هذه الفرص أقل. ويُبرز القسم التالي برامج موجّهة تدعم المرأة تحديداً، غير أن القطاع الأوسع سيستفيد من سياسات أكثر شمولاً ومسارات تدريب أوسع.
ومع وجود برامج تدريب تقني متنوعة ومبتكرة، فإنها لا تلبي احتياجات القطاع الثقافي والفني من الموارد البشرية التقنية، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ويتفاقم هذا النقص بسبب غياب أطر استراتيجية لتقديم التدريب وتفاوت النفاذ إلى الفرص الناشئة، ولا سيما بالنسبة للنساء. وللوفاء بالمتطلبات المتطورة للقطاع ودعم المسارات المهنية المستدامة، تلزم استراتيجيات تدريب أكثر اتساقاً وشمولاً واستشرافاً، مصمّمة وفق السياقات المحلية ومستندة إلى احتياجات محددة بوضوح.
من الشغف إلى الازدهار: تزويد المبدعين بمهارات ريادة الأعمال والمهارات المساندة لاستدامة سبل العيش والتنمية
إلى جانب الحفاظ على الخبرة الأساسية في مهنهم، يستفيد المهنيون في مجالي الثقافة والفنون من اكتساب مهارات تكميلية تساعدهم على التعامل مع التحديات اليومية، ومنها مثلاً الكفاءات في إدارة الأعمال وبناء الشبكات والإلمام الإعلامي وفهم القضايا العالمية ذات الصلة بعملهم الثقافي والإبداعي.
ويُعدّ نقص مهارات ريادة الأعمال من أكثر التحديات شيوعاً التي يذكرها الفنانون والمهنيون الثقافيون. واستجابة لذلك، تنظّم مؤسسات مثل الحاضنات والمراكز الإبداعية المصمّمة خصيصاً لدعم المبدعين في تطوير أعمالهم ورشاً أو دورات قصيرة بانتظام، حضورياً أو عبر الإنترنت، لدعم القطاع. ويستهدف كثير من هذه البرامج تحديداً الأشخاص في أوضاع هشة، كالمبدعين في البلدان ذات فرص التعليم المحدودة والنساء والشعوب الأصلية. وقد صُمّمت هذه البرامج لسد الفجوة بين الممارسة الإبداعية والكفاءة في الأعمال، بما يمكّن الفنانين من استدامة مساراتهم المهنية وتنميتها بفعالية. واكتسبت برامج التدريب والتطوير المهني أهمية أكبر منذ جائحة كوفيد 19 لمساعدة المهنيين الثقافيين والإبداعيين على البقاء مرنين وتطوير المهارات والمعارف اللازمة للتكيف مع تغيرات السوق والظروف الصعبة. غير أن معظم الفعاليات والورش قصيرة الأمد ولا تصل إلا إلى مجموعة محدودة من المشاركين ذوي الدافعية الذاتية.
وتشير إحصاءات متنوعة إلى أن هذا النوع من التعلم مدى الحياة مطبّق في معظم البلدان. فما يصل إلى 83% من البلدان المقدّمة لتقارير عن تنفيذ توصية عام 1980 بشأن وضع الفنان تفيد بامتلاكها سياسات وتدابير لبناء القدرات تساعد الفنانين على تحقيق الدخل من أعمالهم. وترتفع هذه النسبة إلى 93% لدى مدن اليونسكو المبدعة فيما يتعلق بتدريب المربّين والعاملين الثقافيين على بناء القدرات، وقد يعود ذلك إلى أن الإدارات المحلية على صلة وثيقة بالمهنيين الثقافيين المحليين وتتبادل معهم الحديث عن احتياجاتهم بصورة أكثر تواتراً. وكثيراً ما تقدّم مجالس الفنون هذا النوع من البرامج، ومن ذلك برنامج «ريادة الأعمال للمبدعين والفنانين والمديرين الثقافيين» في مالطا، و«القيادة الإبداعية» في المملكة المتحدة، و«برنامج رواد الأعمال الفنيين» في ولاية مونتانا بالولايات المتحدة، و«برنامج تسريع الفنون» في سنغافورة، و«قمة أعمال الصناعات الإبداعية» في زامبيا.
وتؤكد مبادرات عدة قوة التعاون وبناء الشبكات، بين المؤسسات العامة والخاصة والبلدان والأفراد، في تحقيق نتائج هادفة في بناء القدرات. فمنذ عام 2019، تعمل «أكاديمية رائدات الأعمال» في الولايات المتحدة على تمكين النساء في أكثر من 100 بلد بتزويدهن بالمعارف والشبكات والموارد لإطلاق المشاريع وتنميتها، بما في ذلك في مجال الثقافة. وكشف تقييم أُجري عام 2021 عن الأثر الإيجابي لعملية الإرشاد هذه، إذ حقّقت 74% من الخريجات أرباحاً أعلى وتمكّنت 29% منهن من توظيف عاملين جدد. وبالمثل، ترسّخ المراكز الإبداعية، مثل «كانكس أفريقيا» الذي يروّج له مصرف التصدير والاستيراد الأفريقي، بناء القدرات في بناء شبكات نشطة واستراتيجية إلى جانب دورات مصمّمة حسب الاحتياجات. ومن أحدث مشاريع مؤسسة «الأعمال والفنون في جنوب أفريقيا» برنامج «البداية» الممتد على ثلاث سنوات، الذي أُطلق بالتعاون مع شركاء حكوميين وخاصين لمساعدة المبدعين على تنمية أعمالهم، وقد بدأ بـ450 مشاركاً، نحو 40% منهم نساء، واختُتم بمرحلة مكثفة احتضنت 24 شركة ناشئة وحوّلتها إلى مؤسسات مستدامة. وفي منطقة البحر الكاريبي، رافق برنامج «ترانسكولتورا» التابع لليونسكو أكثر من 3000 مهني ثقافي، نصفهم نساء، عبر برنامج طموح يعزّز ريادة الأعمال ويوسّع النفاذ إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
ويُعدّ الإلمام بوسائل الإعلام والمعلومات، الذي يمكّن الناس من التعامل النقدي مع المعلومات والتنقل في البيئة الإلكترونية بأمان ومسؤولية وضمان الثقة في منظومتنا المعلوماتية، كفاءة حاسمة للجميع، بمن فيهم المهنيون في قطاع الثقافة والفنون. فتنمية هذه المهارة تمكّن الأفراد من التقييم النقدي للمحتوى الإلكتروني، والحد من مخاطر المعلومات المضللة، والوقاية من الإساءة الإلكترونية. وكما أبرز التقرير العالمي لرصد التعليم لعام 2023، فإن تعزيز هذا الإلمام أساسي لضمان مشاركة منصفة ومستنيرة في البيئة الرقمية. فعلى سبيل المثال، واستجابة للنزعة الواسعة الانتشار لدى مبدعي المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي لتقاسم المعلومات دون التحقق من دقتها، إذ أقرّ 62% من 500 مبدع للمحتوى الرقمي في 45 بلداً شملهم استقصاء بأنهم لا يتحققون من دقة المعلومات قبل تقاسمها مع جمهورهم، أطلق مركز نايت للصحافة في الأمريكتين دورة إلكترونية مجانية تهدف إلى مساعدة مبدعي المحتوى الرقمي والصحفيين على أن يصبحوا أصواتاً موثوقة على الإنترنت. ويُبرز الإقبال الهائل عليها، بأكثر من 9000 مشارك من 172 بلداً، الطلب العالمي على تعزيز الإلمام الإعلامي والمصداقية في الفضاء الرقمي. كما يمثّل تعزيز الإلمام الإعلامي أحد مكونات خطة عمل تمكين المرأة في تركيا للفترة من 2018 إلى 2023، التي تنسّقها وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية بالتعاون مع وزارات أخرى، وتحدد تدابير سياساتية لتعزيز مشاركة المرأة في قطاعي المعلومات والإعلام. وتشدد الخطة أيضاً على التدريب المهني وتنمية المهارات لتعزيز عمالة المرأة، وتقدّم برامج في قواعد البيانات وتطوير البرمجيات وتقنيات الشبكات والتسويق الرقمي وتصميم الألعاب والتطبيقات وأمن المعلومات، بهدف زيادة حضور النساء المؤهلات في الاقتصاد الرقمي.
والتعلم مدى الحياة نهج يمكّن المهنيين في قطاع الثقافة والفنون من تنمية مهارات وكفاءات لا تعزّز سبل عيشهم الفردية فحسب، بل تدمج ممارساتهم أيضاً في التحديات البيئية والاجتماعية والاقتصادية الأوسع، فيتمكنون من التفاعل الحقيقي مع القضايا المجتمعية مع استدامة مساراتهم المهنية. فعلى سبيل المثال، استكشف مشروع نُفّذ في تايلند بين عامي 2021 و2022، عبر قنوات التعليم غير النظامي وغير الرسمي، كيف يمكن لصون التراث الحي أن يكون محفّزاً لمعالجة القضايا المحلية. ففي أحد المجتمعات، أفضت جهود صون تقليد إعداد الحلويات المحلية إلى إعادة تصميم مدروسة لتغليفها، باتت تعرض القصص المحلية والهوية الثقافية وطريقة الإعداد. وإلى جانب تعزيز جاذبية المنتج وتقوية مصدر دخل المجتمع، تساعد هذه المبادرة أيضاً على تحدي الصورة العنيفة التي روّجتها وسائل الإعلام عن المقاطعة، مقدّمةً سردية أغنى. وحين يكون تبادل المعرفة مندمجاً في مبادرات يقودها المجتمع، يكون أكثر فعالية في النهوض بأهداف التنمية لهذا المجتمع. وتجسّد تعاونية «إيريبي» للحرف البيئية في رواندا هذه الديناميكية، إذ تعزّز في آن واحد تمكين المرأة عبر تنمية المهارات المهنية، فتصون تقاليد الحرف الأصلية وتعزّز الاستدامة البيئية. وعلى نطاق أوسع، ومع اعتماد «التزام الجبيل بالعمل المناخي في مدن التعلم» عام 2024، تعهّدت شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم بتقوية التعلم مدى الحياة من أجل العمل المناخي عبر إدماج المعارف التقليدية والمنظورات الثقافية المتنوعة في الاستراتيجيات المحلية. وتوضح هذه الأمثلة كيف يصبح التعلم مدى الحياة، حين يتجذر في الملاءمة الثقافية والمشاركة المجتمعية، محرّكاً قوياً للتنمية الشاملة والمستدامة.
وخلاصة القول، إن التعلم الشامل مدى الحياة، من ريادة الأعمال والإلمام الإعلامي إلى المبادرات المجتمعية، يبني الصمود الاقتصادي لدى المهنيين في مجالي الثقافة والفنون، ويمكّنهم بوصفهم مساهمين رئيسيين في معالجة التحديات العالمية وتشكيل مجتمعات أكثر استدامة وإبداعاً. وعلى مستوى العالم، تُتاح جهود بناء القدرات عبر طائفة واسعة من القنوات غير النظامية وغير الرسمية. وفي البلدان التي توجد فيها نظم مؤسسية للتعليم والتدريب التقني والمهني أو هيئات مخصصة للفنانين، يكون تحديد فرص التدريب أيسر وتنسيقها أفضل. غير أن تشتت مبادرات بناء القدرات في سياقات كثيرة، بين المؤسسات العامة والخاصة وعبر أنماط التقديم النظامية وغير النظامية وغير الرسمية، يخلق عوائق أمام الفنانين الباحثين عن مسارات تعليمية ملائمة ومتسقة. وعلاوة على ذلك، فإن الطابع القصير الأمد لمعظم برامج التدريب، التي كثيراً ما لا تصل إلا إلى مجموعة صغيرة من المشاركين ذوي الدافعية العالية، يحدّ من قابليتها للتوسع ومن أثرها الدائم. ويُعدّ الاستثمار المنهجي بدرجة أكبر في التطوير المهني للفاعلين الثقافيين والإبداعيين أمراً أساسياً لبناء مسارات مهنية أكثر صموداً، وتمكين طيف أوسع من المواهب، وإطلاق الإسهام الكامل للقطاع في التنمية المستدامة.
احتضان القفزة الرقمية: التعليم من أجل مستقبل آمن في قطاعي الفنون والثقافة
تتقدم الثورة الرقمية بسرعة كبيرة، حاملةً تحولات مجتمعية عميقة تعيد تشكيل قطاعي التعليم والثقافة معاً. وهي تتيح فرصاً غير مسبوقة لتوسيع النفاذ وتنمية الإبداع وتعزيز التطوير المهني، على النحو الذي نوقش في الفصل الثاني. غير أن تقدم التقنيات الرقمية يطرح أيضاً تحديات كبيرة، منها تفاوت النفاذ، والثغرات في الإلمام بالمهارات الرقمية، والحفاظ على الأصالة والمعنى الثقافيين، وضمان جودة المحتوى وصدق المعلومات، والجرائم الإلكترونية، والتحرش الإلكتروني، والخصوصية وحماية البيانات، والاعتماد المفرط على التكنولوجيا. وبالنظر إلى تزايد استخدامها، ولا سيما من قِبل الأجيال الأصغر سناً، يجب التعامل مع الرقمنة والذكاء الاصطناعي على المستويات السياسية والاستراتيجية والتشغيلية لضمان مستقبل مستدام وشامل للتربية الثقافية والفنية.
التقنيات الرقمية: أدوات للتعلم بها وأدوات للتعلم عنها
تحوّل التقنيات الرقمية التربية الثقافية والفنية، إذ توفّر للجمهور سبلاً مبتكرة للتفاعل مع التراث الثقافي المادي وغير المادي. فهي، بوصفها أدوات تعليمية ديناميكية، تتيح تجارب تفاعلية، وتعزّز تقاسم المعرفة مع المؤسسات والمواقع الثقافية، وتوسّع خيارات تقدير التراث. وتعيد نماذج التعلم الهجين التي تدمج البرمجة الإبداعية والطباعة الثلاثية الأبعاد وسائر الأدوات الرقمية تشكيل إمكانات التربية الفنية. ويؤكد التقرير العالمي لرصد التعليم لعام 2023 دور التقنيات الرقمية في توسيع النفاذ إلى التعليم، وتعزيز بيئات تعلم شاملة، وتزويد المتعلمين بالمهارات الرقمية والإبداعية اللازمة للمشاركة الثقافية في القرن الحادي والعشرين.
ومع أن المجموعات كانت تُرقمن بالفعل قبل الجائحة، فقد سرّعت أزمة كوفيد 19 هذا التطور تسريعاً كبيراً. فقد أصبحت تقنيات الاتصال الرقمي جسراً أساسياً بين المربّين والفنانين والمهنيين الثقافيين والمتعلمين في أنحاء العالم. واستجابةً لتدابير الحجر ومحدودية التفاعل الحضوري، توسّعت مبادرات الرقمنة الواسعة النطاق بسرعة، ما أتاح للمتاحف والمكتبات والمؤسسات الثقافية عرض مجموعاتها عبر المنصات الإلكترونية والتجارب الافتراضية الغامرة. ووسّع هذا التطور أثرها التعليمي توسيعاً هائلاً، فوصل إلى من لا يستطيعون الحضور شخصياً. ويُبرز استقصاء عالمي حديث أجرته جامعة غلاسكو في المملكة المتحدة نجاح هذا النهج، إذ كشف أن 79% من المجيبين مهتمون باستخدام التكنولوجيا الرقمية، و77% باستخدام الواقع الافتراضي، للنفاذ إلى مجموعات ثقافية كانت ستظل بعيدة المنال لولا ذلك.
ويؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً متزايد الأهمية في التربية الثقافية والفنية، إذ يعزّز التعلم عبر التوصيات المخصصة والإنشاء الآلي للمحتوى والأدوات التفاعلية. ففي عام 2023 مثلاً، شارك 900 ألف شخص في التجربة الإلكترونية «أقرب إلى يوهانس فيرمير» التي قدّمها متحف رايكس، وهو معرض افتراضي لقي رواجاً كبيراً. كما طوّر المتحف منصة قائمة على الذكاء الاصطناعي تحلّل الأعمال الفنية التاريخية، وتساعد الطلاب والباحثين على إنشاء صالات عرضهم الخاصة واستكشاف التقنيات الفنية ودراسة لوحات الألوان وتتبّع التأثيرات عبر الحقب المختلفة. وتجعل هذه الابتكارات التربية الفنية أيسر نفاذاً وأكثر تشويقاً، وتدعم التعلم الأعمق والاستكشاف الإبداعي.
ولتعظيم إمكانات هذه التقنيات الجديدة، ينبغي دعم المربّين وتدريبهم لتحسين محتوى مقرراتهم فيما يتعلق بالميادين الثقافية والفنية. وإضافة إلى ذلك، ينبغي توعيتهم بالأبعاد الأخلاقية والسياسية لاستخدام التكنولوجيا، بما في ذلك المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي وحق المؤلف والشمول والاستدامة.
سد الفجوة الرقمية من أجل نفاذ منصف وتنمية المهارات
مع أن التقنيات الرقمية تعد بمشاركة أوسع في التعلم الثقافي والفني، تستمر التفاوتات في النفاذ إلى الموارد والبنية التحتية الرقمية. فنحو 2.6 مليار شخص، أي 32% من سكان العالم، لا يزالون يفتقرون إلى النفاذ إلى الإنترنت، ويعيش 1.8 مليار منهم في المناطق الريفية، ولا تزال 60% من المدارس الابتدائية ونصف المدارس الإعدادية وثلث المدارس الثانوية العليا غير متصلة. وحيث يتوافر الاتصال، تتفاوت المهارات الرقمية تفاوتاً هائلاً، ففي البرازيل مثلاً لا يملك سوى 31% من البالغين مهارات رقمية أساسية، وتبلغ النسبة في المناطق الحضرية ضعف ما هي عليه في المناطق الريفية، مع فجوة تبلغ تسعة أضعاف بين الفئات الاجتماعية والاقتصادية العليا والدنيا. ويتركّز المحتوى المتاح على الإنترنت في الغالب في عدد محدود من اللغات، مستبعداً نظم المعرفة المهمّشة غير المهيمنة. ويثير ذلك مخاوف خاصة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، إذ يتعلم من هذا المحتوى المتاح وسيستبعد أشكال التعبير الثقافي غير الممثّلة رقمياً، ما يفضي إلى تحيزات. وتواجه مناطق كثيرة، ولا سيما أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، عوائق كبيرة بسبب محدودية الاتصال بالإنترنت وقصور البنية التحتية التكنولوجية، إذ لم يتجاوز النفاذ إلى الإنترنت فيها 37% من الأفراد و28% فقط من النساء، مقابل 97% في أمريكا الشمالية.
ويتطلب سد هذه الثغرات استثمارات موجّهة في البنية التحتية والأدوات الرقمية وأطر السياسات واستراتيجيات التعلم الشاملة. ووفقاً لملفات التقرير العالمي لرصد التعليم، تطمح 90% من الدول الأعضاء في اليونسكو إلى وضع أطر وطنية للمهارات الرقمية، وقد وضعت 54% منها بالفعل معايير للمهارات الرقمية للطلاب والمعلمين، وإن تفاوتت التغطية من 25% فقط في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى 80% في أوروبا وأمريكا الشمالية. وإضافة إلى ذلك، تُدرج 77% من البلدان المنخفضة الدخل ربط المدارس بالإنترنت في خططها وسياساتها الوطنية، ما يدل على التزام قوي بسد الفجوة الرقمية. وقد اتخذت دول أعضاء ومدن مبدعة عديدة قدّمت تقاريرها، بنسب تتجاوز 78% و92% على التوالي، تدابير لتعزيز المهارات والكفاءات الرقمية للمهنيين الثقافيين، بواقع 90% من مدن الشمال العالمي و95% من مدن الجنوب العالمي، في حين تفيد 76% من دول الجنوب العالمي و80% من دول الشمال العالمي بوجود دورات أو برامج تعليمية تمكّن الفنانين من تعميق معارفهم ومهاراتهم في مجال التقنيات الرقمية الجديدة. وتجسّد مبادرات عدة جهود سد هذه الفجوات.
فمشروع «ديجي كالتشر»، الرامي إلى تحسين الكفاءات الرقمية والإدماج الاجتماعي للبالغين في الصناعات الثقافية والإبداعية، قدّم دورات إلكترونية مجانية بلغات متعددة لأكثر من 24 ألف شخص في أوروبا، واختير تقديراً لأثره مثالاً على الممارسة الجيدة في تعليم الكبار ضمن برنامج «إيراسموس بلس» الأوروبي. وبالمثل، يدمج برنامج التعليم والتدريب التقني والمهني في «أكاديمية أفريقيا للإعلام الرقمي» في رواندا مهارات الإعلام الرقمي لتعزيز قابلية التوظيف في مجالات مثل الرسوم المتحركة الثلاثية الأبعاد وصناعة الأفلام والبرمجة، واحتفلت الأكاديمية عام 2019 بتخريج أول دفعة مؤلفة بالكامل من النساء، ضمن برنامج يركّز على التصوير الفوتوغرافي وإنتاج الفيديو والسرد بالوسائط المتعددة. ومنذ عام 2023، بدأت خمس دول جزرية صغيرة نامية في المحيط الهادئ، هي فيجي وجزر سليمان وتونغا وتوفالو وفانواتو، بدعم من اليونسكو، تفكيراً في كيفية تسخير الإنترنت والأدوات الرقمية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي إطار هذه المبادرة، تلقى فنانون وموسيقيون تدريباً على إنشاء الفن الرقمي وبيعه عبر الإنترنت، بما يمكّنهم من الوصول إلى جمهور عالمي مباشرة دون الاعتماد على وسطاء في بلدان أخرى.
وتستثمر المتاحف والمكتبات والمؤسسات الثقافية كذلك التقنيات الرقمية لتوسيع رسالتها التعليمية. فقد أتاحت مشاريع الرقمنة الواسعة النطاق، كالبرنامج التجريبي للمتحف الافتراضي للمحيط الهادئ، نفاذاً أوسع إلى التراث الثقافي للمحيط الهادئ، إذ جمع البرنامج أكثر من 900 مؤسسة في أنحاء العالم لإنشاء مستودع رقمي يضم أكثر من 500 ألف قطعة ثقافية. وتوضح هذه المبادرات إمكانات المنصات الرقمية في إتاحة المحتوى الثقافي على نطاق واسع مع تعزيز تفاعل أكبر للجمهور. وبهذه الطريقة يستطيع أيضاً الأشخاص ذوو الإعاقة ومن لا يستطيعون زيارة المتاحف وصالات العرض الوطنية أن يعيشوا تجربة الأعمال المهمة في ثقافتهم، بما يقوّي الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي.
غير أنه، كما أُكد في الفصل الثاني، لا ينبغي أن تأتي جهود توسيع النفاذ على حساب جودة المحتوى أو احترام الحقوق الثقافية وحقوق الملكية الفكرية. فسد الفجوة الرقمية في قطاع الفنون والثقافة يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع وضع أطر تنظيمية شاملة تصون حقوق جميع المجتمعات وهوياتها. ولا غنى عن سياسات واضحة وقابلة للإنفاذ لصون الموافقة وضمان التعويض العادل ومنع الاستيلاء على المحتوى الإبداعي أو استغلاله، ولا سيما محتوى الفئات المهمّشة والشعوب الأصلية. ومن دون هذه التدابير، يُخشى أن تعيد جهود سد الفجوة الرقمية إنتاج اختلالات القوة القائمة وأن تقوّض التنوع ذاته الذي تسعى هذه التقنيات إلى تضخيمه. ولضمان أن تكون هذه الحماية ذات معنى في الممارسة العملية، يجب تزويد المهنيين في مجالي الثقافة والفنون بالمعارف والمهارات اللازمة لفهم المشاهد التنظيمية القائمة والناشئة والتعامل معها.
الرقمنة والتعلم مدى الحياة في الاقتصاد الإبداعي
أحدثت المنصات الرقمية ثورة في طريقة تقاسم المعارف والممارسات الفنية، فجعلت التعلم مدى الحياة أكثر حيوية ويسراً. وفي إطار التعلم مدى الحياة، أصبحت فضاءات التعلم غير النظامي وغير الرسمي، مثل «سكيلشير» و«دومستيكا» و«يوتيوب» و«تيك توك» و«إدكس» و«كورسيرا»، منابر واسعة الانتشار للتربية الفنية، تتيح للفنانين الوصول إلى جماهير جديدة وتنويع مصادر دخلهم والتجريب بالتقنيات الناشئة. وعلاوة على ذلك، يفتح الذكاء الاصطناعي وتقنيات الواقع الافتراضي سبلاً جديدة للتدريب والتعاون المبتكرين، تتيح فرصاً لتجارب تعلم غامرة وتفاعلية. غير أنه لا تزال ثمة فروق كبيرة في تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والنفاذ إليها واستخدامها بين المناطق الجغرافية المختلفة.
كما تثير هذه التطورات التكنولوجية اعتبارات أخلاقية وسياسية، على النحو المبيّن بمزيد من التفصيل في الفصل الثاني. فالاعتماد المتزايد على المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي يثير نقاشات حول حقوق الملكية الفكرية والشمول والإبداع والاستدامة، ويحتاج المبدعون إلى اكتساب مهارات جديدة للتعامل مع هذه العمليات الجديدة وحماية أنفسهم. وعلاوة على ذلك، فإن هيمنة نماذج التعليم الرقمي الموحّدة تنطوي على خطر تهميش التقاليد الفنية والسرديات الثقافية المحلية. ولمواجهة هذه الآثار، يجب على المؤسسات أن تعزّز نُهجاً للتعلم الرقمي تراعي السياق وتحترم التنوع الثقافي، وأن تدعم الصناعات الثقافية والإبداعية في وضع استراتيجياتها الرقمية الخاصة.
النوع الاجتماعي والإدماج في التعليم الثقافي الرقمي
لا تزال النساء العاملات في القطاع الثقافي والفني ممثّلات تمثيلاً ناقصاً في الأدوار القيادية، ويحظين بنفاذ أقل إلى التمويل العام، وتحظى أعمالهن بظهور أقل مقارنة بنظرائهن من الرجال. ويمتد هذا الانقسام إلى الفضاء الرقمي، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث لا يزال احتمال استخدام النساء للإنترنت المحمول أقل بنسبة 15% من الرجال. ومن المرجح أن تحدّ المستويات المتدنية من الطلاقة الرقمية، أي مدى تبنّي الناس للتقنيات الرقمية واستخدامها، من قدرة النساء على النفاذ إلى التعليم وإلى فرص الاقتصاد الرقمي الجديدة. ولذلك يظل التعليم الثقافي الرقمي للنساء ضرورة لسد الفجوة بين الجنسين في التقنيات الناشئة والمضي نحو مزيد من الإدماج والفرص للنساء في المجالات الإبداعية الرقمية.
وقد أُطلقت مبادرات متنوعة لبناء قدرات النساء وتشجيعهن على تطوير شبكاتهن دعماً لنموهن المهني. ففي جمهورية كوريا، يعزّز «مختبر التكنولوجيا المفتوح للنساء» بنشاط مشاركة النساء في التكنولوجيا عبر الورش ومجموعات البحث والمعارض، ويدعو إلى نُهج نسوية في التعلم الرقمي. وفي صربيا، مكّنت مبادرة «ألف امرأة» النساء في المناطق الريفية بتزويدهن بمهارات رقمية وريادية، ما أفضى إلى توظيف أكثر من 1600 امرأة في الصناعة الثقافية منذ انطلاقها عام 2017. وركّزت مبادرة «مختبر الإبداع الرقمي» التابعة لليونسكو بين عامي 2022 و2023 على تحسين المهارات الرقمية لدى النساء في الصناعات الثقافية والإبداعية في آسيا الوسطى، ولا سيما في السينما والموسيقى وتنظيم الفعاليات الثقافية. ومن خلال معالجة تحديات مثل محدودية البنية التحتية وضعف الانخراط الرقمي، حدّد المشروع الثغرات الرئيسية في المهارات الرقمية، وأكد الحاجة إلى مزيد من التواصل وإنشاء منصات تعلم إلكترونية ميسّرة باللغة الروسية لتزويد المهنيين الثقافيين بالكفاءات الرقمية الأساسية.
وإلى جانب تزويد المشاركات بمهارات قيّمة، تؤدي هذه البرامج أيضاً دوراً حاسماً في زيادة ظهور النساء في القطاع الثقافي والفني. غير أن كثيراً من هذه المبادرات تقودها منظمات المجتمع المدني وتظل محدودة النطاق والمدة. ولضمان أثر دائم ومنهجي، لا بد أن تصمّم الحكومات والمؤسسات استراتيجيات شاملة للتعليم الرقمي تتجاوز التدخلات القصيرة الأمد، وتعالج صراحة أوجه عدم المساواة البنيوية بين الجنسين، وتهدف إلى توفير نفاذ منصف إلى الأدوات الرقمية والتدريب والفرص لجميع المهنيين المبدعين.
دور السياسات والاعتبارات الأخلاقية في التنمية الثقافية الرقمية
على الصعيد العالمي، توفّر خريطة الطريق المفتوحة لليونسكو لتنفيذ اتفاقية عام 2005 في البيئة الرقمية إرشادات للبلدان وأصحاب المصلحة، وتوصي بإجراء تدقيقات لفجوات المهارات الرقمية، ووضع برامج تدريبية موجّهة، وتحويل المؤسسات الثقافية إلى فضاءات تعلم لمحو الأمية الرقمية. وقد طرح الاتفاق الرقمي العالمي الملحق بميثاق المستقبل مفهوم «بيئة رقمية منصفة للجميع» لتجاوز الفجوة الرقمية وأوجه الإجحاف السائدة، ويشجع الحكومات على ضمان أن يعزّز الذكاء الاصطناعي تنوع الثقافات واللغات.
وعلاوة على ذلك، تدعو توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لعام 2021، التي اعتمدتها جميع الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة، البلدان إلى تعزيز التعليم في مجال الذكاء الاصطناعي للشباب وللمهنيين في قطاعي التعليم والثقافة حيثما كان ذلك ملائماً، مع تقييم أثر تقنيات الذكاء الاصطناعي لضمان ألا تسهم في تركيز الأسواق الثقافية في أيدي قلة من الفاعلين أو في تآكل التنوع اللغوي. وتدعم «إرشادات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث» البلدان في تنفيذ إجراءات فورية، والتخطيط لسياسات طويلة الأمد، وتنمية القدرات البشرية لضمان رؤية متمحورة حول الإنسان لهذه التقنيات الجديدة.
وعلى مستوى التنفيذ، تقدّم بلجيكا مثالاً رائداً على نهج منظّم في السياسات الثقافية الرقمية. فإطار سياساتها للثقافة الرقمية مبني على استراتيجية ثلاثية المحاور: تطوير البنية التحتية، وإتاحة المحتوى الرقمي للجميع، وتحقيق النضج الرقمي عبر نشر المعرفة وتنمية القيادة. كما عُدّل المرسوم المتعلق بالتعليم الثقافي والاقتصاد الإبداعي للتأكيد على الإلمام بالمهارات الرقمية مكوّناً رئيسياً في التعليم الثقافي. وتشجع استراتيجية الاتحاد الأفريقي للتحول الرقمي في أفريقيا للفترة من 2020 إلى 2030 على إعداد مواد تعليمية غير رسمية ملائمة للسياق المحلي واستخدام الإذاعة والتلفزيون لرفع مستويات التعليم غير الرسمي. وتدعم السياسة الوطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كينيا إنشاء محتوى رقمي يصون اللغات والمعارف والثقافة المحلية ونشره، وتهدف، بجعل هذا المحتوى أيسر نفاذاً على الإنترنت، إلى إلهام الكينيين، ولا سيما المبدعين منهم، للتعلم وإنتاج أعمال فريدة، وتتضمن كذلك خططاً لبرنامج شهادات لتعزيز صناعة الألعاب.
وعلى الرغم من تكاثر المبادرات الرقمية، لا تزال السياسات الطويلة الأمد التي توجّه نهجاً مستداماً للرقمنة في قطاعي الثقافة والفنون في مراحلها الأولى. فكثير من الاستراتيجيات الرقمية الوطنية لا يراعي الاحتياجات الخاصة للصناعات الثقافية والإبداعية، تاركاً المؤسسات والمهنيين دون أطر واضحة للتعامل مع التحولات الرقمية.
نحو مستقبل رقمي أكثر شمولاً واستدامة
ينطوي توسيع النفاذ إلى التربية الثقافية والفنية عبر التقنيات الرقمية على إمكانات كبيرة لتوسيع الفرص الإبداعية وتعزيز الاستدامة الاقتصادية وجعل المشاركة الثقافية أكثر شمولاً. غير أن التطور غير المنظّم حالياً للتقنيات الرقمية ينطوي على خطر ترسيخ أوجه عدم المساواة القائمة أو تقويض ثراء التقاليد والثقافات الفنية ونقلها. وبالنظر إلى الوتيرة المتسارعة للتغير التكنولوجي، من الضروري التقييم المستمر للقيمة المضافة الفعلية للأدوات الرقمية الناشئة في السياقات التعليمية أو لعيوبها المحتملة.
ولبناء مستقبل رقمي مستدام لقطاع الثقافة والفنون، يجب على صانعي السياسات والمؤسسات إعطاء الأولوية للاستثمار في البنية التحتية الرقمية وبرامج محو الأمية الرقمية لضمان نفاذ منصف إلى الموارد الرقمية لجميع المتعلمين. وينبغي استكمال هذا الجهد بتوفير محتوى رقمي متنوع وملائم للسياق المحلي يحترم التنوع الثقافي ويتيح للمربّين والمتعلمين التفاعل الحقيقي مع تراثهم وتراث غيرهم. وإضافة إلى ذلك، ينبغي دعم مبادرات التعلم مدى الحياة التي تدمج التعليم الرقمي النظامي وغير النظامي وغير الرسمي، مع تعزيز التطوير المستمر للمهارات في مشهد رقمي متغير. كما يُعدّ التصدي للشواغل الأخلاقية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وحق المؤلف والشمول أمراً حاسماً لضمان ممارسات ثقافية رقمية مسؤولة. وعلاوة على ذلك، يجب تنفيذ سياسات موجّهة لتعزيز قدرات النساء والفئات المهمّشة في الصناعات الثقافية والإبداعية الرقمية، بما يعزّز قطاعاً ثقافياً أكثر شمولاً وتمثيلاً. ومن خلال نهج متوازن يحتضن الابتكار ويصون التنوع الثقافي، يمكن للرقمنة أن تكون أداة قوية لتعزيز التربية الثقافية والفنية وتمكين الفنانين والممارسين والمهنيين الثقافيين وتعزيز اقتصاد إبداعي أكثر شمولاً واستدامة.
الاعتراف بالثقافة هدفاً إنمائياً مستقلاً بعد عام 2030
في مؤتمر موندياكولت 2022، أطلقت الدول الأعضاء في اليونسكو دعوة مدوّية للاعتراف بالثقافة منفعةً عامة عالمية، وحثّت على إدراج هدف مستقل للثقافة في خطة التنمية المستدامة لما بعد عام 2030. وينبع هذا المطلب من اعتراف متزايد بأن الثقافة ليست عاملاً تمكينياً رئيسياً للتنمية المستدامة فحسب، بل ركيزة أساسية قائمة بذاتها، حاسمة لبناء مجتمعات شاملة وصامدة ومتماسكة.
وفي أهداف التنمية المستدامة الحالية، وإلى جانب الإشارة الصريحة إلى التراث الثقافي والطبيعي في الغاية 11.4، تندرج الثقافة ضمنياً في الغاية 4.7 من الهدف 4 المتعلق بالتعليم، التي تلتزم بضمان اكتساب جميع المتعلمين المعارف والمهارات اللازمة لتعزيز التنمية المستدامة، بما في ذلك تقدير التنوع الثقافي والمواطنة العالمية وإسهام الثقافة في التنمية المستدامة. وقد أكد تفسير اليونسكو للهدف 4 دور الثقافة والفنون في النهوض بالتعليم الجيد، ولا سيما عبر التعليم من أجل التنمية المستدامة والتعليم من أجل المواطنة العالمية والتعلم القائم على اللغة الأم.
غير أنه في حين يعترف الهدف 4 بقيمة الثقافة، يظل هذا الاعتراف محدود النطاق وغير متسق عبر الغايات والمؤشرات. فالثقافة تُعامل إلى حد بعيد عاملاً تمكينياً ثانوياً لا بُعداً محورياً في سياسات التنمية وقياسها، ومن ثم لا يتحقق دورها التحويلي في التعليم تحققاً كاملاً ضمن أطر الرصد العالمية، ولا سيما في تعزيز الإبداع والهوية والإدماج والتفكير النقدي.
ومن شأن هدف مستقل للثقافة أن يتيح إدماجاً أمتن وأكثر منهجية للأبعاد الثقافية في التعليم وسائر مجالات التنمية. فاشتراط تعريف موحّد لمجالات الدراسة وفق تصنيف اليونسكو سيتيح وضع غايات ومؤشرات صريحة للتربية الثقافية والفنية، بما يضمن أن تكون التربية الفنية والتعلم القائم على التراث والمشاركة الثقافية ظاهرة وقابلة للقياس ومزوّدة بالموارد. ومن شأن هدف كهذا أن يعزّز الحقوق الثقافية والإدماج، بتشجيع التعليم بلغات المتعلمين الأم، والمناهج الملائمة ثقافياً والمرتبطة بالسياق، وصون نظم معارف الشعوب الأصلية، ولا سيما للمجتمعات المهمّشة.
وعلاوة على ذلك، فإن الاعتراف بالثقافة مكوّناً أساسياً للتعلم مدى الحياة سيرتقي بفضاءات التعليم غير الرسمي وغير النظامي، كالمتاحف والمكتبات والمراكز الثقافية ومواقع التراث، بوصفها ساحات مشروعة ومؤثرة للتعلم. ومن شأن ذلك أن يعزّز ظهور إسهام المجتمعات والمؤسسات والشبكات التي تعكس هويات الأفراد وتطلعاتهم، وأن يساعد على ترسيخ فرص تعلم مرنة قائمة على الهوية في نظم التعلم القائمة. كما سيعزّز هدف مستقل للثقافة التعاون بين القطاعات، مشجعاً المواءمة بين سياسات التعليم والثقافة والعمل لدعم مسارات تعلم كلية متجذرة محلياً. وأخيراً، ومن خلال جعل التعلم الثقافي من المهارات التأسيسية للقرن الحادي والعشرين، سيساعد هدف مستقل للثقافة على إطلاق الإمكانات الكاملة للنظم التعليمية في تنمية التعاطف والإبداع والتفكير النقدي والمشاركة المدنية، وهي مهارات أساسية لا لتحقيق الذات الفردية فحسب، بل للتماسك الاجتماعي والعمليات الديمقراطية أيضاً. وخلاصة القول، إن ترسيخ الثقافة على نحو أعمق في إطار التنمية المستدامة عبر هدف مخصص ليس مناسباً في توقيته فحسب، بل ضروري، إذ سيضمن ألا تبقى الثقافة هامشية، بل محورية في بناء مستقبل أكثر شمولاً وإبداعاً واستدامة.
الاستنتاجات والدروس الرئيسية
تستند التربية الثقافية والفنية إلى إطار تقنيني دولي متين يضم اتفاقيات وإعلانات وتوصيات دولية، غير أن التنفيذ الفعّال يظل جهداً ديناميكياً ومستمراً.
وكما تُبيّن أمثلة عديدة من مختلف المناطق، تُدرج البلدان على نحو متزايد الثقافة والفنون في نظم التعليم النظامي وغير النظامي وغير الرسمي. وتُثري هذه الجهود ملاءمة التعليم، وتعزّز التعلم مدى الحياة وفي جميع مناحيها في الثقافة والفنون وعبرهما، وتقوّي الصلات بين الهوية الثقافية والتعلم، وتسهم في بناء منظومة تعلم كلية وشاملة تعكس ثراء أشكال التعبير الثقافي والفني المتنوعة. فالمبادرات التي تشدد على نقل التراث، بما فيه نظم معارف الشعوب الأصلية والتقاليد المحلية والتنوع اللغوي، تبرز مكوّنات أساسية للتعليم المستجيب ثقافياً، وتدعم هذه الإجراءات المجتمعات الشاملة والتنمية المستدامة بتجذير التعلم في التجارب المعيشة والسياقات الثقافية للمجتمعات.
وقد بُذلت جهود للنهوض بالتعاون بين القطاعات، بلغت أحياناً أعلى مستويات الحكومة، وأسهمت في تطوير المناهج والأدوات والأساليب التربوية ومبادرات بناء القدرات التي شملت طيفاً من المتعلمين من الشباب إلى المعلمين. كما أدت هذه المبادرات دوراً في دعم إضفاء الطابع المهني على الفاعلين في مجالي الثقافة والفنون، بمساعدتهم على الحفاظ على مهارات ملائمة والتكيف مع السياقات التعليمية والثقافية المتطورة وتحسين سبل عيشهم.
وأدّت الحكومات المحلية أيضاً دوراً رئيسياً في دفع هذه المبادرات. فشبكة اليونسكو للمدن المبدعة مثلاً توفّر منصة مهمة لإدماج الثقافة والإبداع والتعليم بطرق تتناغم مع الأولويات والهويات المحلية. وتمكين المدن وأصحاب المصلحة المحليين يسد الفجوة بين التطلعات السياساتية العالمية وممارسات التعلم المحلية المتجذرة ثقافياً. وعلاوة على ذلك، تواصل طائفة واسعة من نظم التعلم المجتمعية والقائمة على الأقران، التي طوّرها الفنانون وحملة التقاليد والفاعلون الثقافيون المحليون، إثراء التعليم عبر التفاعلات اليومية.
وعلى الرغم من هذا التقدم، تستمر ثغرات كبيرة، كثيراً ما تكون غير موثّقة، منها التنفيذ غير المنهجي لسياسات التربية الثقافية والفنية، والطابع المؤقت والقائم على المشاريع لكثير من المبادرات، وتشتت جهود بناء القدرات ونقص مواردها في أحيان كثيرة، ولا سيما في القطاع غير الرسمي. وفي حالات كثيرة، تظل جهود إضفاء الطابع المهني على الفاعلين الثقافيين غير متسقة أو غير مدعومة في استراتيجيات طويلة الأمد. وعلاوة على ذلك، يصعّب عدم اتساق فئات البيانات وأطرها إجراء رصد وتقييم منهجيين، ما يعوق صنع السياسات القائم على الأدلة والاستثمار المستدام.
وفي الوقت ذاته، تعيد التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيل مشهد التعلم الثقافي والإبداعي. فمع ما تتيحه من نفاذ موسّع وإمكانات جديدة، تثير أيضاً أسئلة ملحّة حول سلامة الثقافة وتعدد اللغات والإنصاف والقيم المتمحورة حول الإنسان في التعليم. ولا غنى عن نهج متوازن وأخلاقي ومراعٍ للثقافة لتسخير فوائدها دون المساس بالثراء السياقي للإبداع البشري.
ومع تزايد الاعتراف بالثقافة والتعليم منافع مشتركة عالمية، والاعتراف بالثقافة ركيزةً أساسية للتنمية المستدامة، تتنامى المسؤولية عن الارتقاء بالتربية الثقافية والفنية محفّزاً لتحول شامل ومستدام ومتمحور حول الإنسان. وفي هذا السياق، يوفّر إطار اليونسكو للتربية الثقافية والفنية لعام 2024 مرجعاً حاسماً لصياغة سياسات استشرافية تراعي السياق وتوسّع النفاذ وتعزّز الإدماج وتنهض بجودة التعلم وتعمّق تقدير التنوع الثقافي وصون التراث بجميع أشكاله في جميع البيئات التعليمية. وبالبناء على استراتيجية تنفيذ الإطار، ترمي التوصيات التالية إلى دعم تحقيق هذا الهدف الطموح:
تشجيع البلدان على مراجعة التزاماتها القانونية والأخلاقية بالاعتراف بالثقافة والتعليم منافع عامة مشتركة وحقوقاً أساسية من حقوق الإنسان وتعزيزها، وتنفيذ مبادرات ملموسة تدعم التربية الثقافية والفنية. ولما كان الوفاء بهذه الالتزامات عملية مستمرة، ينبغي تكثيف العمل التقنيني على المستوى الوطني. وينبغي استخدام المراجعة والتقييم المنتظمين للسياسات والمناهج والبرامج القائمة سبيلاً لتقييم أثرها وتحديد الثغرات وتوجيه التحسينات توجيهاً استراتيجياً بما يضمن التنفيذ الكامل والفعّال لهذه الالتزامات.
تعزيز الحوار والتعاون بين أصحاب المصلحة المتعددين عبر إرساء آليات فعالة للتواصل والتنسيق تثمّن الشراكات الشاملة الطويلة الأمد وترعاها بين قطاعي الثقافة والتعليم وسائر القطاعات ذات الصلة. وينبغي أن تُشرك هذه الآليات جميع الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين المعنيين، بمن فيهم المؤسسات والأفراد والمجتمعات والقطاع الخاص، وأن تهيّئ بيئات مواتية للتعاون المستدام، وأن تعزّز تبادل المعارف والتعلم المتبادل، وتضمن الإدماج الحقيقي لمنظورات جميع أصحاب المصلحة واحتياجاتهم وتوقعاتهم في تصميم مبادرات التربية الثقافية والفنية وتنفيذها وتقييمها.
التخطيط للمدى الطويل، وتعزيز المأسسة، وتخصيص موارد كافية، ولا سيما الموارد المالية، لضمان استدامة السياسات والمبادرات الداعمة للتربية الثقافية والفنية وأثرها الدائم، بما في ذلك بناء القدرات، وإعداد المواد التعليمية، ووضع السياسات ورصدها، والبحث، وجمع البيانات، والبنية التحتية، وتعزيز مشاركة أصحاب مصلحة متنوعين من قطاعات الثقافة والتراث والتعليم وغيرها.
تشجيع البحث وتطوير آليات متينة ومنهجية لجمع البيانات والرصد في مجال التربية الثقافية والفنية، مع إعطاء الأولوية لتقييم أثر السياسات والإجراءات القائمة لتحديد الثغرات والتحديات المحتملة في تنفيذها، وتقييم فعاليتها، والاسترشاد بذلك في إجراء التعديلات اللازمة، مع مراعاة المعايير الدولية والاحتياجات الوطنية معاً. وينبغي للبلدان على وجه الخصوص، بدعم من معهد اليونسكو للإحصاء، أن تعتمد تعريفاً واضحاً للتربية الثقافية والفنية وفق مجالات التصنيف الدولي الموحّد للتعليم، بما يساعد على وضع نهج موحّد لجمع بيانات جيدة والإبلاغ المتسق. وينبغي تصنيف جميع البيانات بحسب الجنس والإثنية وسائر العوامل ذات الصلة لتحديد الاحتياجات الخاصة للفئات المعرّضة لخطر الإقصاء من النظام التعليمي ومعالجتها، ولا سيما المتأثرة بعوائق مرتبطة بلغتها أو خلفيتها الثقافية. وهذه الجهود أساسية لدعم صنع سياسات وممارسات شاملة وقائمة على الأدلة في منظومة التربية الثقافية والفنية.
تصميم نظام أو منصة مركزية وإنشاؤها للتوثيق المنهجي لطائفة شاملة من السياسات والمبادرات والممارسات التي تنهض بتربية ثقافية وفنية متعددة الثقافات واللغات، ونشرها وإتاحتها. وينبغي أن تعرض هذه المنصة السياسات والبرامج الفعالة والمشاريع المبتكرة، وأن تعزّز في الوقت ذاته التقاسم الشفاف للمبادرات الأقل نجاحاً. ومن شأن هذا النهج الشامل في تبادل المعارف أن يمكّن أصحاب المصلحة في مختلف القطاعات والمناطق من فهم دقيق للاستراتيجيات الفعالة والتحديات المواجَهة، فيسترشدوا بذلك في وضع سياساتهم ومبادراتهم وتحسينها.
الاعتراف بتنوع المربّين والاحتفاء به، داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، بما في ذلك في المؤسسات الثقافية والمجتمعات، والإقرار بالدور الحاسم الذي يؤدونه في نقل طيف واسع من المنظورات والممارسات الثقافية والفنية، والإسهام في تنمية الإبداع والتفكير النقدي والتعاطف والتفاهم المتبادل لدى الأفراد في جميع مراحل الحياة، من الطفولة المبكرة إلى الرشد. ولذلك لا بد من تنويع قاعدة المربّين، مع تركيز خاص على إدماج النساء والأقليات والفئات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً، بما يضمن انعكاس جميع الأصوات ونظم المعرفة والتجارب في العملية التعليمية من الطفولة المبكرة إلى تعليم الكبار، وتثمين إسهامهم في بناء مجتمع مبدع ومتنوع وتعددي ومتسامح وصامد، يكون فيه التعليم محفّزاً للإدماج والتفاهم المتبادل.
إعادة التفكير في فرص بناء قدرات جميع المربّين والمهنيين الثقافيين وتوسيعها لتعزيز سبل هادفة للتعلم عن الثقافة والفنون ومعهما وعبرهما، وتصميم التعليم العالي والتدريب لتزويدهم بمهارات ملائمة ومتّسقة مع الاحتياجات النفسية والاجتماعية والاقتصادية الخاصة بكل سياق، بما في ذلك احتياجات سوق العمل وفرص ريادة الأعمال في الاقتصاد الإبداعي والحاجة إلى صون التراث بجميع أشكاله. وضمان أن تعالج هذه البرامج بفعالية أوجه عدم المساواة الراسخة، كتلك المتصلة بالنوع الاجتماعي أو الإثنية، لمنع إدامة هذه التفاوتات في النظم الثقافية ونظم العمل.
اعتماد نهج واعٍ ومعايير أخلاقية في تسخير التقنيات الرقمية للتربية الثقافية والفنية، مع المراعاة الكاملة لما تتيحه من فرص تحويلية وما تنطوي عليه من مخاطر محتملة. ويشمل ذلك تعزيز الإلمام الرقمي والإعلامي لدى المهنيين في قطاعي التعليم والثقافة لتشجيع الاستخدام الإبداعي والأخلاقي للأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وضمان تأهيل جميع الفاعلين للتعامل مع هذا المشهد المتطور والتعرف على المحتوى الضار بنماء الأطفال والشباب. وينبغي أن تركّز الجهود أيضاً على معالجة أوجه عدم المساواة في البنية التحتية التي تفضي إلى إقصاء الأفراد الضعفاء والمجتمعات المحرومة من الخدمات. ويجب أن تُصمَّم الاستراتيجيات الرقمية بما يحترم التنوع الثقافي والإدماج ويعزّزهما، مشجعةً تطوير منصات تعليمية تعكس أشكال التعبير الثقافي واللغات المتنوعة واستخدامها. ولتحقيق ذلك، لا بد من البناء على الأطر والصكوك القائمة ودعم بحوث الأثر القادرة على توجيه التحولات الرقمية نحو الإسهام الحقيقي في نظم تعليمية غنية ثقافياً وشاملة.
موجز سياسات: ليوناردو غارنييه
تعلّم كيف نستمتع بالفن ونقدّره ونفهمه ونعبّر عن أنفسنا من خلاله
وزير التعليم الأسبق في كوستاريكا.
يجب أن يعدّ التعليم الأفراد للحياة بمعناها الشامل. فعلينا أن نعلّم لا من أجل مشاركة فعالة ومفيدة وعملية في عالم الإنتاج والتجارة والاستهلاك فحسب، بل من أجل عيش حياة كاملة وذات معنى تنبع من التضامن والمواطنة الفاعلة والمودة المنزّهة عن الغرض والمسؤولية تجاه البيئة الطبيعية والعدالة المناخية.
نريد أن يتعلم الطلاب ما هو مهم وأن يتعلموه جيداً: فكل شخص يحتاج إلى اكتساب المعارف والحساسية والمهارات العلمية والرياضية والتاريخية والاجتماعية والتواصلية واللغوية التي تتطلبها الحياة في المجتمع وتنميتها. وكل ذلك أساسي، لكنه لا يكفي. فإلى التعليم الذي يعدّ للبحث العملي عن «الحق» و«النافع»، يجب أن نضيف دائماً التعليم الذي يكوّن للبحث المتسامي عن «الخير» و«الجمال»، أي تعليماً في الأخلاق والجماليات بوصفهما معيارين أساسيين، ولا ينتهيان أبداً، للتعايش الإنساني.
وفيما يتعلق بالتربية الفنية، يجب أن نسعى إلى تحقيق أربعة أهداف كبرى على الأقل. أولاً، يجب أن يتعلم الطلاب الاستمتاع بالفن، أي أن يتذوقوه ببساطة. وقد يبدو قول ذلك سهلاً بل بديهياً، لكننا اعتدنا إلى حد بعيد أن نجعل الطلاب يعانون في حصص الفنون وأن نلزمهم بمهام جامدة ومتكررة، حتى بات من الصعب أحياناً العودة إلى ذلك الهدف البسيط: تعلّم الإحساس العميق بما أُبدع ليُحسّ به بعمق.
ثانياً، يجب أن نكمّل الاستمتاع بالتقدير. فتقدير الفن ينطوي على عناصر من التقييم ومعايير للجودة والذوق، ينبغي، وإن لم تكن جامدة أو مطلقة، أن تمكّن الأفراد من تقييم خصائص الأعمال الفنية والتمييز، داخل كل نوع فني، بين أسباب اعتبار بعض أشكال التعبير الفني أرفع قدراً أو أدنى من غيرها. والمهم هنا ليس الاستمتاع بالفن أو أثره العاطفي فحسب، بل المعايير المتطورة التي نقيّم بها كل عمل فني أو عملية فنية ونقدّرها.
ثالثاً، يجب أن يتعلم الطلاب فهم الفن بمعنى مزدوج. فمن جهة، يجب أن يفهموا العناصر التقنية والمفاهيمية للعمل الفني، من التقنيات المحددة المستخدمة في إبداعه إلى الجوانب العلمية والتكنولوجية الكامنة وراء درجة لون معينة أو سطوعها، أو حركات الجسد، أو توازن منحوتة، أو جرس جملة موسيقية. ومن جهة أخرى، يتصل فهم الفن أيضاً بالسياق التاريخي للعمل ومبدعه، ويربطنا حتماً بالعوامل الفردية والاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة بالعمل والمفسّرة له. ومع أن هذه العوامل لا تفرض على كل شخص طريقة تفسيره للعمل، فإنها تؤطّر العمليات الاجتماعية الكثيرة التي تمنح العمل الفني هويته وقت إبداعه، والمعاني الكثيرة التي قد يحملها بحسب اللحظة التاريخية التي نلتقيه فيها.
وأخيراً، في التعليم الفاعل والتشاركي، لا يكفي أن يستمتع الطلاب بالفن ويقدّروه ويفهموه، بل نطمح إلى أكثر من ذلك: نريد أن يمكّن كل هذا الأفراد من التعبير عن أنفسهم فنياً، أن يرسموا أو يُلقوا أو يغنّوا أو يرقصوا أو يكتبوا ما يريدون أو ما يحتاجون إلى التعبير عنه. والهدف ليس أن يصبح كل طالب «فناناً» بالمعنى التقليدي، أي بارعاً في وسيط أو آلة بعينها، بل أن يجرؤ كل شخص على التعبير عن اهتماماته وشواغله، وشغفه وقلقه، وما يحب وما يحبطه، وعواطفه وأفكاره، عبر أشكال فنية، وأن يقدر على ذلك. وهم بذلك يسعون إلى تحريك مشاعر الآخرين لا إلى إقناعهم، لأن الفن إن كان يسعى إلى شيء، فهو ذلك تحديداً: أن يحرّك الآخرين.
إن الجماليات والفنون عناصر حيوية في أي تعليم يطمح إلى أن يكون ذا معنى للحياة وللتعايش الإنساني ولهويتنا الفردية والجماعية.
