الموجز التنفيذي
إن التعلم مدى الحياة ليس مفهوماً جديداً، غير أنه لم يسبق أن كان بهذه الأهمية. ففي مواجهة الابتكار التكنولوجي المتسارع، والتحول الأخضر، والتحولات الديمغرافية، وأنماط العولمة والعمل المتغيرة، تشكل قدرة الأفراد والمجتمعات على مواصلة التعلم والتكيف مع الواقع الجديد ركيزة أساسية للاندماج والصمود. ويرى هذا التقرير أنه ينبغي الارتقاء بالتعلم مدى الحياة إلى مرتبة أولوية استراتيجية في مجال السياسات، لا بوصفه أداة لزيادة الإنتاجية وتيسير النمو المستدام فحسب، بل أيضاً بوصفه عاملاً نُظُمياً ممكِّناً للنهوض الفردي والمجتمعي والإنصاف والعمل اللائق في القرن الحادي والعشرين.
غير أنه على الرغم من تزايد اهتمام السياسات بالتعلم مدى الحياة وتنمية المهارات، لا تزال هناك فجوة لافتة في البحوث الشاملة والموثوقة والحديثة التي تلمّ بكامل نطاق التعلم مدى الحياة. ولا يزال كثير من الأدلة المتاحة متناثراً ومفرطاً في التركيز على التعليم الرسمي الأولي، متجاهلاً الطرق المتنوعة والمتغيرة التي يكتسب بها الأفراد المهارات ويطبقونها طوال حياتهم.
ويؤكد ذلك ضرورة إعادة النظر في التعلم مدى الحياة بما يتجاوز التعليم والتدريب الرسميين. فالتعلم يحدث في سياقات عديدة، منها الفصول الدراسية وأماكن العمل والمجتمعات المحلية والأسر، وغالباً من خلال وسائل غير نظامية أو غير رسمية أو غير تقليدية أخرى. ومع ذلك، تتراجع في هذا السياق نسب المشاركة في التعلم مدى الحياة خارج الفصول الدراسية وتظل متفاوتة، كما أن النظم الداعمة له كثيراً ما تكون مجزأة وتفتقر إلى الموارد الكافية وضعيفة التنسيق.
واستناداً إلى بيانات جديدة من الاستقصاءات والمصادر المؤسسية، وتحليل البيانات الضخمة، وتقييمات الأثر، يقدم هذا التقرير خارطة طريق شاملة لتمكين البلدان من تحويل نظم التعلم مدى الحياة واستخدامها لبناء أسواق عمل شاملة وقادرة على الصمود. ويتألف التقرير من ثلاثة أجزاء. يرسي الجزء الأول الأسس المفاهيمية، إذ يعرّف التعلم مدى الحياة ويرسم مسار تطوره عبر مجالات التعليم والعمل والمجتمع. ويركز الجزء الثاني على عالم العمل، فيبحث في المهارات الأكثر أهمية لتحقيق نتائج توظيف أفضل وقدرة أكبر على التكيف، مستعيناً بالبيانات الضخمة وأساليب مبتكرة. ويجمع الجزء الثالث بين هذه الرؤى، مبيناً الشروط السياساتية اللازمة لجعل نظم التعلم مدى الحياة أكثر فعالية وبرامج المهارات ناجحة. وإذا أُخذت هذه النتائج مجتمعة، فإنها تشكل دعوة قوية إلى العمل: يجب أن يحتل التعلم مدى الحياة الشامل والعالي الجودة والمتجاوب مكانة محورية في صميم سياسات سوق العمل، وكذلك في استراتيجيات النمو والتنمية بمعناها الأوسع، في زمن يشهد تحولاً جوهرياً.
الجزء الأول: نظرة شاملة إلى التعلم مدى الحياة
إعادة التفكير في التعلم مدى الحياة: نحو رؤية أوسع وأكثر تكاملاً
لقد تطورت فكرة التعلم مدى الحياة من مثال فلسفي إلى مبدأ أساسي للتعامل مع تعقيدات أسواق العمل والتحولات المجتمعية الراهنة. وفي حين يمكن إرجاع جذور التعلم مدى الحياة إلى مفكرين وتقاليد قديمة في مجتمعات مختلفة، فإن صورته الحديثة حديثة العهد نسبياً. وقد اكتسب هذا المفهوم زخماً في النصف الثاني من القرن العشرين، وحلّ مصطلح التعلم مدى الحياة تدريجياً محل مصطلح التعليم مدى الحياة في أواخر تسعينيات القرن الماضي، مع تحول التركيز من التعليم الرسمي إلى رؤية أكثر شمولاً تستوعب التعلم في جميع مجالات الحياة.
ومع مرور الوقت، اتسع نطاق هذه الرؤية لتعكس ليس فقط الأهداف الاقتصادية، بل أيضاً الأهداف الاجتماعية والمدنية والبيئية. ومع ذلك، لا تزال سياسات التعلم مدى الحياة والخطاب المتعلق به، من الناحية العملية، تركز في الغالب على قابلية التوظيف والمسؤولية الفردية، مع اهتمام أقل بالأبعاد الجماعية والمجتمعية. ويظل هذا التوتر بين الرؤية المفاهيمية الواسعة والتطبيق الأضيق نطاقاً في صميم النقاشات الحالية حول كيفية بناء نظم تعلم مدى الحياة شاملة ومتوازنة.
وقد أسهمت منظمة العمل الدولية منذ أمد بعيد في هذا النقاش، إذ تدعو إلى إتاحة التعلم مدى الحياة للجميع باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الحق في التعليم والتدريب، وركيزة من ركائز العمل اللائق والعدالة الاجتماعية. غير أنه يلزم بذل مزيد من الجهود الجماعية للانتقال من المبدأ إلى الممارسة، ولتعزيز الإطار المعياري حتى يصبح الحق في التعلم مدى الحياة واقعاً ملموساً للجميع.
وهذا التفسير الواسع والشامل ضروري في عالم أصبح فيه الارتقاء المستمر بالمهارات وإعادة تأهيلها أمراً بالغ الأهمية للأفراد والمؤسسات على حد سواء. بيد أنه ينبغي أيضاً أن يخدم الاحتياجات الأوسع للمجتمعات والاقتصادات التي تتجاوز مصالح الجهات الفاعلة الفردية. ولاستيعاب هذا النطاق الكامل، يقترح هذا التقرير تعريفاً شاملاً يتسق مع معايير العمل الدولية، ويتجاوز مجرد إتاحة التعليم ليشمل جميع أنشطة التعلم الرسمية وغير النظامية وغير الرسمية التي تجري طوال الحياة.
ويشمل هذا التعريف جميع أنشطة التعلم التي تجري طوال الحياة، سواء بشكل فردي أو جماعي، وسواء كانت في سياقات تعليمية أو مهنية أو أسرية أو اجتماعية أخرى. ويشدد على تنمية المعارف والمهارات والمواقف أو السلوكيات المواتية للتعلم التي تستجيب للتطلعات والاحتياجات الفردية والجماعية على حد سواء، بصرف النظر عن نتائج الاعتماد الرسمي.
ولتفعيل هذا التعريف عملياً، يقدم التقرير إطاراً يقوم على ثلاث ركائز:
▶ التعليم أو الدراسة النظامية: وهو أساس نظم التعلم واكتساب المهارات؛
▶ التعلم في عالم العمل: أي التنمية المستمرة للكفاءات من خلال العمل وفي أثنائه؛
▶ التعلم المجتمعي الأوسع نطاقاً: وهو التعلم الذي يحدث في المجتمعات المحلية والأسر والمجتمع المدني.
ويشكل هذا الإطار عدسة عملية لتحديد الثغرات وتتبع التقدم المحرز ومواءمة جهود السياسات. ويؤكد أن التعلم مدى الحياة ليس مسؤولية جهة فاعلة أو قطاع بعينه، بل يستلزم نهجاً متكاملاً يشمل الحكومات وأصحاب العمل والعمال ومقدمي خدمات التعليم.
غير أنه لكي تصبح هذه الرؤية واقعاً، لا بد من وجود نظم داعمة لها، منها هياكل حوكمة شاملة، وتمويل منصف، وآليات لضمان الجودة، ونظم بيانات، وحوار اجتماعي متين. وبدون هذه العوامل الممكِّنة، يظل التعلم مدى الحياة عرضة لأن يصبح مجرد شعار خطابي بدلاً من أن يكون قوة تحويلية فعلية.
ويكشف واقع التعلم مدى الحياة عن إحراز تقدم، لكن الثغرات العامة في إتاحته لا تزال قائمة، ولا سيما في عالم العمل. فلا تزال فرص التعلم طوال الحياة متفاوتة، وتتحدد وفقاً لمستويات دخل البلدان والقدرة المؤسسية والفئة السكانية المعنية. وتميل البلدان المرتفعة الدخل إلى الاستثمار بقدر أكبر وتحقيق نتائج تعليمية ونتائج في سوق العمل أفضل، في حين تواجه العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تحديات مستمرة في توسيع فرص التعلم أمام الكبار والنساء والعمال في القطاع غير النظامي أو في الوظائف المنخفضة المهارة. ومع ذلك، تظهر أيضاً تطورات مشجعة في عدد من سياقات البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث تسهم مبادرات مبتكرة في مجال التعليم والتدريب التقني والمهني (TVET)، وبرامج التلمذة الصناعية التقليدية، والحلول الرقمية، في توسيع نطاق الإتاحة ومساعدة العمال على بناء مهارات ذات صلة رغم القيود المفروضة على الموارد.
وتتفاقم هذه التفاوتات بسبب محدودية البيانات والأدلة المتعلقة بمن يتعلم، وكيف يتعلم، وما هي النتائج المحققة. ومن دون صورة أوضح لهذه الأنماط التعليمية، تظل السياسات عرضة لأن تخطئ هدفها. ولمعالجة هذه الفجوة، يشدد التقرير على ضرورة توفير بيانات مفصلة ومصنفة، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، لرصد المدى الكامل للتعلم الذي يجري من خلال التعليم وعالم العمل والمجتمع الأوسع نطاقاً، بما في ذلك المسارات غير الرسمية وغير النظامية، ودوافع المتعلمين، والعوائق التي تحول دون مشاركتهم.
وفي هذا السياق، يمثل استقصاء منظمة العمل الدولية بشأن التعلم مدى الحياة خطوة حاسمة نحو سد هذه الفجوات المعرفية في عالم العمل. وقد جرى اختبار هذا الاستقصاء في بنغلاديش وفيجي وجمهورية تنزانيا المتحدة، وهو متاح للجمهور بوصفه أداة جديدة لجمع البيانات، إذ يجمع بيانات مباشرة عن تجارب الأفراد في التعلم مدى الحياة عبر مختلف السياقات وأنواع العمالة، مما يتيح رؤية غير مسبوقة لكيفية حدوث التعلم فعلياً.
وتكشف النتائج أنه على الرغم من أن أنشطة التعلم يمكن أن تعزز التطور المهني للأفراد، فإن أنواع التعلم والفوائد الناتجة عنه تتباين بشكل ملحوظ بين الفئات المختلفة. فالعمال في القطاع النظامي هم الأكثر استفادة من فرص التعلم المنظم، في حين يواجه من هم أقل تحصيلاً تعليمياً، أي من يعملون في القطاع غير النظامي وفي مهن ذات متطلبات دخول متدنية، محدودية في إمكانية الوصول إلى أنشطة تعلم منظمة، بما في ذلك عبر المسارات غير النظامية. ويعتمد هؤلاء العمال بشكل كبير على التعلم غير الرسمي، الذي كثيراً ما يقتصر على التعلم بالممارسة بدلاً من التعلم من الزملاء أو المشرفين.
ومن بين أنشطة التعلم المنظم، يظل التعليم والتدريب التقني والمهني والتدريب الذي يوفره أصحاب العمل (مثل التلمذة الصناعية والتدريب الداخلي) عنصرين محوريين، إذ كثيراً ما يفيد المشاركون بتحقيق مكاسب في المؤهلات والأداء الوظيفي والتقدم الوظيفي. غير أن الفجوات بين الجنسين لا تزال قائمة، ولا تزال نسب المشاركة منخفضة في العديد من البلدان.
وإجمالاً، تؤكد هذه النتائج الحاجة الملحة إلى بناء نظم بيانات أقوى توجه السياسات المنصفة القائمة على الأدلة. وتدعو هذه النتائج إلى تجديد الالتزام بإتاحة فرص تعلم مدى الحياة شاملة، ولا سيما للنساء والعمال في القطاع غير النظامي وسائر الفئات التي لا تزال على هامش نظم التعلم.
الجزء الثاني: المهارات من أجل التحول والصمود
أي المهارات أكثر أهمية لتحقيق وظائف أفضل؟
يشكل تحديد المهارات الأكثر أهمية للأفراد في مختلف السياقات عنصراً محورياً في تصميم برامج تنمية المهارات، وفي نهاية المطاف، نظم التعلم مدى الحياة القادرة على تعزيز تنمية تلك المهارات المرتبطة بتحقيق نتائج أفضل للعمال والمؤسسات.
ويستلزم ذلك فهم المهارات الأكثر طلباً وكيفية تغير هذا الطلب. ويلقي تحليل البيانات الضخمة الأصلي الذي أجراه التقرير، والذي يغطي ثمانية بلدان متوسطة ومرتفعة الدخل من مناطق مختلفة، وهي البرازيل، وجنوب أفريقيا، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، والاتحاد الروسي، وأوروغواي، ومصر، والمغرب، ضوءاً جديداً على المهارات ومجموعات المهارات التي تدفع نحو تحقيق نتائج توظيف أفضل، وكيفية تفاعلها في الممارسة العملية. وفي إطار هذا العمل، يقدم التقرير تصنيفاً ومنهجية جديدين لتصنيف المهارات وتحليلها في البيانات المتاحة عبر الإنترنت، وهو نهج يمكن تطبيقه في بلدان أخرى لتوليد رؤى قابلة للمقارنة بشأن تطور الطلب على المهارات.
وتشمل أبرز النتائج ما يلي:
▶ تحتل المهارات الاجتماعية الوجدانية والمهارات المعرفية باستمرار مرتبة من بين الأكثر طلباً عبر مختلف البلدان.
▶ ورغم أن المهارات اليدوية أقل طلباً، فإنها تظل بالغة الأهمية للعديد من المهن، وتحقق نتائج توظيف أقوى عند اقترانها بالمهارات المعرفية أو الاجتماعية الوجدانية.
وتستلزم أسواق العمل المعاصرة تنمية مجموعات متكاملة من المهارات. والمهم أن أصحاب العمل يبحثون عن توليفات تمتد عبر مجالات متعددة، مثل الجمع بين المهارات الرقمية الأساسية والعمل الجماعي، أو بين القدرات المعرفية والمعرفة اليدوية العملية. وكثيراً ما تؤدي المهارات الاجتماعية الوجدانية دور الجسر الذي يدعم انتقال العمال من المهن التي تغلب عليها المهام اليدوية نحو أدوار أكثر تعقيداً. وعندما تُضاف المهارات المعرفية، يتسع نطاق إمكانات الانتقال الوظيفي التصاعدي أكثر فأكثر.
وترتفع علاوات الأجور مع زيادة تعقيد المهارات، وإن كانت العوائد تتفاوت بين البلدان والمهن وتوليفات المهارات. ويرتبط ارتفاع مستوى تعقيد المهارات أيضاً بخصائص وظيفية أفضل، مثل إمكانية الحصول على عمل ذي معنى، والاستقرار، والتقدم الوظيفي.
وترتبط المهارات المعرفية باستمرار بأجور أعلى في مختلف البلدان، في حين أن المهارات الاجتماعية الوجدانية كثيراً ما تكون موضع تقدير أقل من قيمتها الحقيقية من جانب أسواق العمل والمجتمعات على حد سواء. ومع ذلك، تؤدي هذه المهارات الاجتماعية الوجدانية دوراً تمكينياً بالغ الأهمية، إذ تدعم تنمية الكفاءات الأعلى تعقيداً (مثل إدارة المشاريع) والمهارات الرقمية المتقدمة (بما في ذلك التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي (AI)).
وتؤكد هذه النتائج مجتمعة الحاجة إلى استراتيجيات تدريب وتعلم مدى الحياة لا تركز على كفاءات معزولة فحسب، بل على حافظات مهارات متوازنة تتلاءم مع أسواق العمل المحلية وتنوع فئات العمال. ويسلط التحليل الضوء أيضاً على أهمية استكمال مختلف أنواع الأدلة بعضها ببعض: فبيانات الوظائف الشاغرة المتاحة عبر الإنترنت توفر رؤى قيّمة وآنية بشأن تطور الطلب على المهارات، لكنها تميل إلى إبراز المهارات القابلة للنقل بشكل أوضح من المهارات التقنية الخاصة بمهنة أو صناعة بعينها. ويمكن أن يوفر الربط بين نهج البيانات الضخمة هذا ومصادر أدلة أخرى، مثل استقصاءات أصحاب العمل والأطر التحليلية التي تربط المهن بالمهارات والكفاءات الكامنة وراءها، صورة شاملة وراسخة لاحتياجات المهارات.
وفيما يشهد عالم العمل تحولاً عميقاً، تحدد المهارات من يستفيد من هذا التحول ومن يواجه خطر التخلف عن الركب. وإلى جانب الظروف الممكِّنة التكميلية اللازمة أيضاً، تساعد المهارات العمال والمؤسسات على التكيف، وتحدد الطريقة التي تحوّل بها الاقتصادات الاضطرابات إلى فرص.
ويتطور الطلب على المهارات في سياق جميع التحولات الكبرى. ويركز التقرير على ثلاث قوى تحويلية بالغة التأثير في إعادة تشكيل أسواق العمل اليوم، هي: التحول الديمغرافي، والتحول الأخضر، والرقمنة. وتوفر هذه التحولات الثلاثة مجتمعة عدسة لدراسة طيف شامل من تحديات المهارات التي يجب معالجتها لتعزيز الاندماج وبناء القدرة على الصمود، وهي: الاعتراف بالمهارات وتقديرها على النحو المناسب، وتنوع حافظات المهارات وقدرتها على التكيف، وقدرة المهارات على مساعدة العمال والمؤسسات على التعامل مع التغيرات المفاجئة.
▶ لا تقتصر التحولات الديمغرافية، ولا سيما شيخوخة السكان، على تأكيد الحاجة إلى التعلم مدى الحياة، بل تؤدي أيضاً إلى زيادة حادة في الطلب على أعمال الرعاية في أنحاء عديدة من العالم. ومع ذلك، لا تزال مهارات عمال الرعاية، ولا سيما المهارات الاجتماعية الوجدانية منها، تحظى باعتراف محدود وتقدير أقل من قيمتها وأجور متدنية. ويثني ذلك العمال عن الالتحاق بقطاع الرعاية أو البقاء فيه، ويغذي حالات النقص المستمرة فيه. ولا بد من الاعتراف بمهارات الرعاية ومكافأتها، من خلال أجور مناسبة، وظروف عمل أفضل، ومنح الشهادات، والاستثمار العام، لبناء اقتصاد رعاية أكثر إنصافاً وصموداً. وبمعنى أعم، يجسد اقتصاد الرعاية حقيقة أن تنمية المهارات لا تفضي إلى وظائف ونتائج مجتمعية أفضل إلا عندما تقدّر أسواق العمل والمجتمعات على النحو الملائم المهارات التي يكتسبها العمال ويستخدمونها.
▶ ويعيد التحول الأخضر تشكيل أسواق العمل في مختلف أنحاء العالم من خلال خلق مزيد من الوظائف الخضراء التي تتطلب مجموعات مهارات متنوعة ومتكاملة، منها المهارات الأساسية والتقنية والخاصة بالمجال الأخضر، عبر المجالات المعرفية والاجتماعية الوجدانية واليدوية. ويخلص التقرير إلى أن الوظائف الشاغرة الخضراء كثيراً ما توفر ظروف عمل وأجوراً أفضل، لكن هذه المزايا موزعة بشكل غير متكافئ. وتتفاوت علاوات الأجور والجودة تفاوتاً كبيراً، مما يدل على أن المهارات الخضراء وحدها لا تضمن وظائف جيدة. ولذلك يجب أن تتجاوز استراتيجيات المهارات التدريب الخاص بالمجال الأخضر لمعالجة أوجه التفاوت وضمان تحولات عادلة لجميع العمال.
▶ وتعيد الرقمنة تصميم الوظائف، إذ تُؤتمت بعض المهام بينما تُستحدث مهام جديدة أخرى. ويتوقف أثر التكنولوجيات الرقمية إلى حد بعيد على المهارات المتاحة في القوى العاملة. وتُعد المهارات المعرفية والاجتماعية الوجدانية، مثل محو الأمية الرقمية، وحل المشكلات، وإدارة الأفراد، ضرورية لتسخير التحول الرقمي لتحقيق نمو شامل. غير أن التركيز الضيق على المهارات التقنية المتقدمة (مثل الذكاء الاصطناعي) لا يكفي. فالتكيف الناجح يتطلب حافظات مهارات تكميلية تتوافق ليس فقط مع القدرة التكنولوجية المحلية واستعداد القوى العاملة، بل أيضاً مع إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا والاتساق مع السياسات الصناعية وسياسات العمالة الأوسع نطاقاً.
وعبر هذه التحولات، تتضح الرسائل التالية:
▶ تعزز المهارات المتعددة الاستخدامات والقابلة للنقل القدرة على التكيف، لكن عوائد هذه المهارات تتفاوت بين السياقات المختلفة. فكثيراً ما توفر الأدوار الخضراء أجوراً أعلى وظروف عمل أفضل، ويمكن للأدوار الرقمية أن تحسن آفاق التوظيف. غير أن حجم هذه المكاسب يختلف باختلاف المهنة والتحصيل التعليمي وسياق البلد.
▶ تشكل المهارات رافعة بالغة الأهمية للصمود والاندماج وإتاحة الفرص، لكن يجب تنميتها والاعتراف بها وتقديرها واستخدامها بطرق تعكس تطور أسواق العمل والاحتياجات المجتمعية. ويجب أن يحتل التعلم مدى الحياة موقعاً محورياً في استراتيجيات التحول لضمان عدم ترك أي أحد خلف الركب، من خلال توسيع نطاق عروض مهارات شاملة وتطلعية تتلاءم مع عالم عمل سريع التغير.
الجزء الثالث: جعل نظم التعلم مدى الحياة تحقق نتائجها
كيف يمكن لنظم التعلم مدى الحياة أن ترقى إلى مستوى التحدي؟
بعد تحديد المهارات الأكثر أهمية في مختلف السياقات، ينتقل هذا الجزء الأخير من التقرير إلى مسألة الكيفية التي يمكن بها لنظم التعلم مدى الحياة وبرامج المهارات أن تعزز هذه المهارات بفعالية، وأن تضمن لجميع العمال إمكانية الحصول على فرص تنمية هذه المهارات واستخدامها طوال حياتهم.
واستناداً إلى استقصائي منظمة العمل الدولية الجديدين بشأن التعلم مدى الحياة، أي الاستقصاء الفردي والاستقصاء المؤسسي، إضافة إلى تحليل تجميعي عالمي لبرامج التدريب، يحدد التقرير العناصر الأساسية التي تجعل نظم التعلم مدى الحياة فعالة وشاملة ومستدامة.
النظم التمكينية أساسية
إن الحوكمة القوية، والتنسيق، والتمويل، والحوار الاجتماعي، تشكل لبنات أساسية لا غنى عنها. وتساعد الولايات الواضحة، والتنسيق بين المؤسسات، والمشاركة الفاعلة للشركاء الاجتماعيين، بما في ذلك الهيئات القطاعية المعنية بالمهارات، على ضمان ملاءمة توفير المهارات وتماسكه وخضوعه للمساءلة. وتعتمد النظم التمكينية أيضاً على البنية التحتية للتعلم الرقمي، والحوافز المالية الفعالة، وضمان الجودة، ودعم التطور الوظيفي الميسّر الوصول، وهي عناصر تجعل التعلم مدى الحياة واقعاً عملياً للجميع. وحيثما تتعاون الوزارات والمؤسسات والشركاء الاجتماعيون معاً، تميل النظم إلى أن تكون أكثر تكاملاً واستجابة. غير أن التجزؤ وضعف القدرة على التنفيذ لا يزالان يشكلان عقبات واسعة الانتشار.
يجب أن يكون التعلم متاحاً للجميع
وتحول عوائق عديدة، مثل التكلفة، وضيق الوقت، ومحدودية المعلومات، وأشكال التدريب الجامدة، دون مشاركة الأفراد من مختلف الفئات الديمغرافية. ويستلزم توسيع نطاق الإتاحة توفير دعم مالي موجه، واتخاذ تدابير للتخفيف من قيود الوقت (مثل الإجازة التعليمية المدفوعة الأجر والاستثمار في اقتصاد الرعاية)، والاعتراف بالتعلم السابق (RPL)، وتعزيز التوجيه الوظيفي والتواصل مع الفئات المعنية.
تكامل البرامج هو ما يحدد مدى فعاليتها
وتحقق برامج التدريب المتكاملة والمصممة تصميماً جيداً أكثر نتائج التوظيف استدامة. وتعزز البرامج التي تنمي المهارات التقنية والمعرفية والاجتماعية الوجدانية من خلال التعلم داخل الفصول الدراسية والخبرة القائمة على العمل قابلية التوظيف وجودة الوظائف، ولا سيما عندما تتيح مسارات نحو الحصول على المؤهلات وتتضمن تدابير تكميلية، مثل السياسات الفعالة لسوق العمل أو الحماية الاجتماعية. وتظهر الأدلة أن النساء، على وجه الخصوص، يستفدن باستمرار من هذه النهج المتكاملة، مما يبرز إمكاناتها في الحد من الفجوات بين الجنسين في أسواق العمل.
ويكتسي التمويل المستدام والمنصف أهمية بالغة، شأنه في ذلك شأن تقاسم التكاليف بين الجهات الفاعلة الرئيسية. وينبغي أن يعطي الاستثمار العام الأولوية للفئات الضعيفة والمهارات الأساسية، في حين يكتسي التمويل المشترك من أصحاب العمل أهمية حيوية في تشكيل عروض تدريبية تتلاءم مع احتياجات سوق العمل. ولا بد من أدوات مبتكرة، مثل الرسوم والإعانات المصممة تصميماً جيداً، وحسابات التعلم الفردية المشفوعة بعروض دورات كافية، والتمويل القائم على النتائج، وتوفير التدريب للمستفيدين من مزايا الحماية الاجتماعية، لتحفيز أصحاب العمل والعمال ومقدمي التدريب على المشاركة في أنشطة التعلم غير النظامي. وتحسّن برامج التدريب المصممة تصميماً جيداً فرص الحصول على العمل، وترفع الأجور، وتعزز الإنتاجية والنمو الشامل على نحو مستدام. غير أن الأثر يتفاوت باختلاف السياق، مما يؤكد الحاجة إلى تكييف التدخلات مع الواقع المحلي، وجمع بيانات أكثر تفصيلاً وشمولاً بشأن آليات التمويل، وتقييم آليات الحوافز المالية الفعالة وأسباب فعاليتها بمزيد من المنهجية.
وتؤكد هذه النتائج مجتمعة أن بناء نظم تعلم مدى الحياة فعالة يستلزم التماسك، وإمكانية الوصول، والجودة، والاستدامة. ويتطلب تحقيق هذه الرؤية ما يلي: أولاً، التزاماً طويل الأجل؛ وثانياً، حواراً اجتماعياً بين الحكومات وأصحاب العمل والعمال؛ وثالثاً، فهماً مشتركاً مفاده أن التعلم مدى الحياة منفعة عامة لا غنى عنها لتحقيق الصمود والاندماج والعمل اللائق في عالم سريع التغير.
التوصيات الرئيسية
واستناداً إلى الأدلة المتاحة، يحدد التقرير خمسة توجهات استراتيجية للعمل.
1. تبني رؤية شاملة للتعلم مدى الحياة: يجب أن تتجاوز السياسات مجرد توفير التدريب لتشمل نظم دعم تكميلية (مثل الحماية الاجتماعية وخدمات التشغيل)، إضافة إلى سياسات تشجع على خلق الوظائف ومشاركة أصحاب العمل.
2. بناء مسارات تعلم شاملة ومرنة: إزالة عوائق الالتحاق، والاعتراف بالتعلم غير الرسمي وغير النظامي (على سبيل المثال من خلال الاعتراف بالتعلم السابق)، وضمان الانتقال السلس بين التعليم والتدريب والعمل.
3. الاستثمار في الإنصاف والجودة: استهداف الفئات والمناطق التي تعاني من نقص الخدمات، وتعزيز ضمان الجودة، وضمان أن يفضي كل تدريب إلى نتائج توظيف ذات معنى.
4. مواءمة التعلم مع تحولات سوق العمل وتغير الطلب: إدماج تنمية المهارات وتدابير ضمان أجور وظروف عمل مناسبة في سياسات التحول نحو الاقتصادين الأخضر والرقمي، واستراتيجيات الرعاية، وخطط التنمية الإقليمية.
5. إرساء مسؤولية ومساءلة مشتركتين: يجب أن تشارك الحكومات ومنظمات أصحاب العمل والعمال ومقدمو التدريب في تصميم نظم قائمة على الطلب، ومزودة بالموارد الكافية، ويجري تحديثها باستمرار.
إجراءات ذات أولوية للمضي قدماً
ينبغي ألا يُنظر إلى التعلم مدى الحياة باعتباره أمراً ثانوياً في السياسات، بل بوصفه رافعة استراتيجية للقدرة على التكيف والاندماج والعمل اللائق. وتؤكد نتائج هذا التقرير من جديد أن المهارات أمر بالغ الأهمية، ليس فقط لتأمين الوظائف، بل أيضاً لتشكيل أسواق عمل أكثر إنصافاً، وتمكين المؤسسات والعمال من التكيف والازدهار.
غير أن بناء نظم تعلم مدى الحياة فعالة يتطلب إرادة سياسية، وحواراً اجتماعياً، واستثماراً مستداماً.
▶ يجب أن تتولى الحكومات القيادة من خلال الرؤية والتنظيم والتمويل.
▶ ينبغي لأصحاب العمل ومنظماتهم أن يشاركوا في الاستثمار وأن يسهموا في تشكيل عروض تدريبية قائمة على الطلب.
▶ يجب تمكين العمال وتزويدهم بالأدوات اللازمة للمشاركة الفعالة، مع تعزيز منظماتهم لتمثيل مختلف المصالح.
▶ يتعين على مقدمي التدريب الابتكار وتوسيع نطاق الإتاحة وتحديث عروضهم باستمرار.
▶ ينبغي لشركاء التنمية دعم بناء القدرات وحشد الموارد، ولا سيما في السياقات المنخفضة الدخل.
ويجب على البلدان أن تتجاوز المبادرات المجزأة وأن تلتزم ببناء نظم تعلم مدى الحياة شاملة في تصميمها، وفعالة في تطبيقها، ومستعدة للمستقبل في توجهها. عندئذ فقط يمكننا أن نضمن حصول الجميع، في كل مكان، على فرصة التعلم والعمل والعيش بكرامة في عالم متغير.
