القائمة الرئيسية

الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود (6/2)

الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود (6/2)
ملخص الدراسة

يستكشف هذا الفصل كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية تشكيل المشهد الثقافي، مقدماً فرصاً هائلة لإثراء التعبير الفني، وصون التراث، وإحياء اللغات المهددة بالاندثار. ومع ذلك، يبرز النص تحديات جسيمة تشمل الفجوة الرقمية العالمية، والتحيزات الكامنة في بيانات التدريب، ومخاطر تآكل التنوع الثقافي، والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية للمبدعين. ولضمان تحول رقمي عادل وشامل، يؤكد الفصل على ضرورة توفير نفاذ ديمقراطي إلى البنية التحتية والمهارات الرقمية، وتطبيق حوكمة أخلاقية وشفافة للبيانات الثقافية، واعتماد آليات تعويض مبتكرة تعترف بالبيانات الثقافية كمنفعة جماعية، مثل فرض ضرائب على أنظمة الذكاء الاصطناعي غير الشفافة، بهدف دعم القطاع الثقافي وضمان احترام التنوع التقني والثقافي.

الفصل الثاني

تسخير التقنيات الرقمية للحد من أوجه عدم المساواة وتحفيز الابتكار

أليخاندرا لوبيث غابريليديس، فيلسوفة متخصصة في الفنون والتقنيات الرقمية

أصوات مبدعة: رفيق أناضول

إعادة تصوّر الجماليات والسرديات الثقافية في عصر الذكاء الاصطناعي

الشريك المؤسس لـ«داتالاند» ومدير استوديو رفيق أناضول.

يمثّل ظهور الذكاء الاصطناعي إعادة تشكيل عميقة للطريقة التي نتصور بها الثقافة ونصونها ونولّدها. ومع أن الذكاء الاصطناعي يملك القدرة على أن يكون مستودعاً للذاكرة الجماعية ومحرّكاً لأشكال جديدة من التعبير الإبداعي في آن معاً، بما في ذلك الإبداع المشترك والمحاكاة والتصميم التوليدي، فإن هذه القدرات أبعد ما تكون عن الحياد. فأنظمة الذكاء الاصطناعي تتشكل في جوهرها بمجموعات البيانات التي تُدرَّب عليها، وهي كثيراً ما تكون منقوصة أو مملوكة ملكية خاصة أو منحازة تاريخياً. فالذكاء الاصطناعي لا يملك إرادة ذاتية، بل يعكس قيم صانعيه من البشر وافتراضاتهم، فيرسّخ هياكل السلطة القائمة ويضخّمها ما لم تُفحص فحصاً نقدياً. وتقع ممارستي الفنية في قلب هذا الميدان المعقد، إذ أستكشف كيف يمكن للتعلم الآلي أن يُظهر السرديات الكامنة في البيانات البيئية والثقافية، مع البقاء منتبهاً للانعكاسات الأخلاقية والجمالية والمعرفية لذلك.

وتملك التقنيات الناشئة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، القدرة على إعادة تأطير التراث الثقافي، لا بوصفه مصنوعات ومواقع وممارسات جامدة من الماضي، بل ظواهر حية متطورة. فمن خلال التفسير الحاسوبي لمجموعات بيانات هائلة، من الأنماط البيئية إلى الأرشيفات المعمارية، يمكننا استحضار الخفي والعابر وغير المرئي. ففي مشاريعنا المستندة إلى البيانات البيئية مثلاً، تتحول الإيقاعات المتغيرة للرياح، والانجراف البطيء للأنهار الجليدية، والحركات المعقدة للتيارات المحيطية إلى تجارب بصرية ومكانية. وليست هذه الأعمال مجرد انعكاسات للظواهر الطبيعية، بل إعادة تفسير تدعو الجمهور إلى التفاعل مع البيئة بوصفها كياناً فاعلاً وديناميكياً. وبذلك يغدو الذكاء الاصطناعي وسيطاً لا نكتفي عبره بمراقبة الطبيعة، بل ندخل معها في حوار.

وتمتد إعادة التشكيل هذه إلى التراث الثقافي. فالأرشيفات التي طالما نُظر إليها مستودعات جامدة يمكن إعادة تصورها بالذكاء الاصطناعي فضاءات ديناميكية للتفاعل. فحين تتعامل نماذج التعلم الآلي مع المخططات المعمارية أو الوثائق التاريخية أو مجموعات الفنون البصرية، فإنها لا تكتفي باستنساخ الأشكال القائمة، بل تولّد أشكالاً جديدة، وتكشف أنماطاً خفية، وتُظهر صلات كانت محجوبة بحدود الإدراك البشري. وفي هذا السياق، يؤدي الذكاء الاصطناعي دور أداة لإعادة التفكير في طريقة سردنا للماضي وتصورنا للمستقبل.

وفي إطار صون التراث الثقافي وحمايته، لا بد كذلك من استكشاف كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحيي اللغات المهددة بالاندثار والمفقودة ويحميها. فصون اللغة لا يقتصر على تسجيل المفردات والتراكيب، بل يشمل التقاط الفروق الثقافية الدقيقة والتقاليد الشفهية وأنماط التفكير الكامنة فيها. وتتيح النماذج اللغوية القائمة على الذكاء الاصطناعي إمكانية إعادة بناء الأنماط الصوتية، وتوليد موارد نصية جديدة، وتيسير النفاذ، بما يضمن بقاء التنوع اللغوي جزءاً حيوياً من تراثنا المشترك. وهذا مجال نبحث فيه بنشاط، إدراكاً منا بأن اللغة كائن حي شأنها شأن الثقافات التي تحفظها.

غير أن هذه الإمكانات التحويلية تقترن بمسؤوليات جسيمة. فإدماج الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي يستلزم التزاماً صارماً بالإنصاف والشمول والاستدامة والممارسة الأخلاقية. وتقع المسائل المتعلقة بسيادة البيانات والتأليف والنفاذ في صميم أي خطاب عن الإبداع الرقمي. فمجموعات البيانات التي تغذّي أنظمة الذكاء الاصطناعي كثيراً ما تعكس تحيزات تاريخية، ومن دون تنظيم دقيق ووعي نقدي، يُخشى أن تتكرس هذه التحيزات بل وتتضخم. ولذلك لا يمكن أن تقع مسؤولية بناء عالم رقمي أكثر عدلاً على عاتق الفنانين وأمناء المعارض وصانعي السياسات وحدهم. فقيادتهم حيوية، لكن يجب أن تكون في حوار فاعل مع مالكي المنصات والمطورين والممولين وعلماء البيانات، أي أولئك الذين يشكّلون البنية التحتية ذاتها للتجربة الرقمية. ويجب عليهم معاً أن يعملوا على منع استنساخ أوجه الإجحاف المنهجية، بل ومنع تضخيمها، عبر الخوارزميات المنحازة وممارسات البيانات الاستخراجية والحوكمة المبهمة والنفاذ غير المتكافئ.

ويجب أن يظل إضفاء الطابع الديمقراطي على التجارب الثقافية الرقمية أولوية. فلا ينبغي للتكنولوجيا أن ترسّخ تراتبيات النفاذ القائمة، بل أن تفككها. ويتجسد هذا المبدأ في عملي من خلال المنشآت الفنية العامة التي تحوّل البيئات الحضرية إلى صالات عرض مفتوحة، يصبح فيها الفن القائم على البيانات جزءاً من النسيج المشترك للحياة اليومية. ومن خلال وضع الفن الرقمي خارج الفضاءات المؤسسية التقليدية، نتيح فرصاً لمشاركة أوسع ولقاءات ثقافية ميسّرة وتحويلية في آن معاً.

إن تقاطع الذكاء الاصطناعي والثقافة يتطلب جرأة في الخيال ووضوحاً أخلاقياً معاً. ونحن نقف عند هذا المفترق، علينا أن نتصور مستقبلاً لا تكتفي فيه التقنيات الناشئة بعكس عالمنا، بل توسّع قدرتنا على فهمه وحمايته وإعادة تصوره. وليس هذا وعد الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي فحسب، بل هو واجبه.

لمحة عامة

أولاً، مع اتساع النفاذ الرقمي، تستمر التفاوتات في معدلات النفاذ إلى البنية التحتية الرقمية والتدريب على المهارات، وتتقدم الدول الأغنى في هذا المضمار. وتستمر الفجوة الرقمية بين الجنسين، إذ تواجه النساء والفتيات وكبار السن عوائق كبيرة أمام النفاذ إلى الإنترنت والمشاركة الرقمية، ويتجلى ذلك بوضوح في المناطق المنخفضة الدخل ويحدّ من قدرتهم على التفاعل مع المجال الثقافي الرقمي والإسهام فيه. ويُعدّ الإلمام بالمهارات الرقمية وتطويرها أمراً أساسياً للمهنيين الثقافيين وللمجتمع عموماً للتعامل مع التغيرات التكنولوجية المتسارعة والحد من المخاطر واغتنام فرص النفاذ الرقمي. ولذلك تكتسي زيادة التمويل العام للبنية التحتية الرقمية أهمية حاسمة لمعالجة العوائق التي تحول دون النفاذ إلى الثقافة والمشاركة فيها.

ثانياً، تفرض أنظمة الذكاء الاصطناعي مخاطر جديدة على التنوع الثقافي وعلى ظهور أشكال التعبير الثقافي المتنوعة وتداولها. ويعود ذلك إلى التوسع السريع في المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، الذي يزيد خطر التحيزات الكامنة في بيانات التدريب ويرسّخ السرديات المهيمنة وعدم الإنصاف اللغوي. كما يثير الارتفاع الهائل في المحتوى الاصطناعي مخاوف من «انهيار النماذج»، أي تدهور أنظمة الذكاء الاصطناعي بسبب الإفراط في الاعتماد على بيانات مولّدة بالذكاء الاصطناعي، بما يهدد تنوع أشكال التعبير الثقافي الرقمي في مخرجات هذه الأنظمة.

ثالثاً، يجب أن تقترن رقمنة التراث الثقافي بسياسات شاملة تعالج الحوكمة والمخاطر الأخلاقية وسيادة البيانات الثقافية. فالثغرات الحالية في الأطر الموحّدة لرقمنة التراث الثقافي، ولا سيما في الجنوب العالمي، قد تحدّ من النفاذ المنصف والتمثيل الثقافي في الفضاءات الرقمية.

رابعاً، تتزايد الأدلة على ممارسات غير أخلاقية واسعة الانتشار تنتهجها شركات كثيرة للذكاء الاصطناعي في جمع بيانات التدريب، ومنها الكشط المنهجي للمحتوى الثقافي المحمي بحق المؤلف دون موافقة أو مراعاة للاستثناءات القانونية. ويطرح ذلك تحديات كبيرة في تطبيق قوانين الملكية الفكرية في هذه السياقات. فالتعقيدات التقنية لعمليات تدريب النماذج وتوليدها تجعل من الصعب على قوانين حق المؤلف والملكية الفكرية الحالية أن تحمي بفعالية الفنانين والمبدعين الثقافيين والطبيعة الجماعية للبيانات المستخدمة في التدريب، وهو ما يتطلب تكييفاً وابتكاراً قانونيين وتنظيميين عاجلين.

خامساً، تمثّل البيانات الثقافية عاملاً رئيسياً في تطوير الذكاء الاصطناعي بوصفها مصدراً أساسياً لتدريب نماذجه، ومع ذلك يظل دورها غير معترف به إلى حد بعيد في أطر السياسات. فأنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات هائلة من البيانات الثقافية لتحسين قدراتها، ما يدرّ فوائد اقتصادية كبيرة على مالكيها دون إعادة توزيع للقيمة. ولذلك يجب أن تعترف السياسات بالقيمة الثقافية والاقتصادية والمعرفية لهذه البيانات، بما يضمن الاعتراف بها وتنظيمها وحمايتها، وأن تطبّق آليات تكفل التعويض العادل وإعادة توزيع قيمتها على مستوى المجتمع.

مقدمة

في أبريل 2024، نشر «تحالف حقوق الفنانين»، وهو منظمة غير ربحية للتثقيف والمناصرة يقودها فنانون، رسالة مفتوحة تندّد بالممارسات غير الأخلاقية في استخدام الذكاء الاصطناعي وتطويره فيما يتعلق بأعمال الفنانين. ووقّع الرسالة 200 فنان، منهم فرقة إيروسميث وإيمي مان وبيلي إيليش وورثة بوب مارلي وفرانك سيناترا وإلفيس كوستيلو وجاي بالفين وخوانيس ونيكي ميناج وفرقة بيرل جام. وكان شاغلهم الرئيسي الاستخدام غير المسؤول للأعمال الفنية في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي دون إذن الفنانين، بما يقلّص العائدات ويقوّض التعويض العادل. وجاء في الرسالة: «يجب أن نحمي أنفسنا من الاستخدام الافتراسي للذكاء الاصطناعي لسرقة أصوات الفنانين المحترفين وصورهم، وانتهاك حقوق المبدعين، وتدمير منظومة الموسيقى».

وأثار الفنانون مخاوف مماثلة بشأن أثر الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي في استقصاء موندياكولت، ومنها تراجع الدخل، ولم تقتصر هذه المخاوف على صناعة الموسيقى، بل شملت ميادين فنية وإبداعية أخرى كالفنون البصرية والسينما والرسم التوضيحي والتصميم.

غير أن الفنانين والمبدعين ينخرطون بنشاط في التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مبيّنين عبر أعمالهم وتجاربهم أن اتباع نهج أكثر أخلاقية وشمولاً وتوجهاً نحو المهارات ليس ضرورياً فحسب، بل ممكن أيضاً. وتُبرز جهودهم تحديات حاسمة، منها الإلمام بالمهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي، والقدرة على التكيف مع التطورات التكنولوجية المتسارعة، والنفاذ إلى البنية التحتية الرقمية الأساسية، والحقوق العمالية والمعنوية والثقافية، والحاجة إلى ضمان احتفاظ الفنانين بزمام عملياتهم الإبداعية مع تعزيز الابتكار.

الإطار 4: «بروتو» مثالاً على جهد تعاوني بين الإنسان والآلة

أُلّف ألبوم «بروتو» الصادر عام 2019 للمؤدية والمؤلفة الموسيقية هولي هيرندون باستخدام نظام ذكاء اصطناعي شاركت في إنشائه مع مات درايهيرست. وقد طوّرا مجموعة بيانات خاصة بهما لتدريب هذا النظام، تضمنت تسجيلات لأصواتهما وأصوات أصدقاء مقرّبين حظوا جميعاً بالاعتراف والتعويض الواجبين عن إسهامهم. وكانت العملية الإبداعية جهداً تعاونياً بين الإنسان والآلة، فبينما كانا يدرّبان النظام، كان ينتج مخرجات صوتية تعيد الفنانة صياغتها. وجاءت النتيجة قطعة متعددة الأصوات تتلاشى فيها الحدود بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، لا على نحو مضلّل، بل في صورة فرقة صوتية تمزج صراحة بين الإمكانات البشرية والتكنولوجية لابتكار صوت هجين جديد. وهذه النتيجة ليست مثالاً على الابتكار الفني فحسب، بل نموذج للتعويض المنصف أيضاً. فمن خلال إدماج ممارسات أخلاقية في المكافأة، يرسي هذا النهج إطاراً يدعم فيه الإبداع القائم على الذكاء الاصطناعي القوى العاملة الثقافية والفنية بدلاً من أن يقوّضها.

وقد باتت الأشياء والأنظمة والبنى التحتية التكنولوجية جزءاً أصيلاً من جميع مجالات الثقافة، لا ينفصل عنها. فالثقافة تتشكل بالأشكال التكنولوجية المتاحة في كل لحظة تاريخية وتتجذر فيها، لأن الواقعين الإنساني والتكنولوجي متشابكان. والنظر إلى التكنولوجيا بوصفها شيئاً مضاداً للإنسانية يقودنا إلى التفكير في الثقافة بوصفها دفاعاً ضدها، وهو ما يحرم المجتمعات من وسائل التفكير الجماعي في التقنيات وإضفاء الطابع الديمقراطي على تطويرها واستخدامها وحوكمتها لما فيه الصالح العام. ولذلك فإن النظر إلى التكنولوجيا والإنسانية بوصفهما متعارضتين منذ البداية نظرة خاطئة. فالثقافة والتكنولوجيا يجب أن تتكاملا بطرق سليمة ومستدامة، لأنهما وجهان لعملة واحدة: فالثقافة تجسّد القيم والأساليب والأفكار التي تتجسد خارجياً في التكنولوجيا، والتكنولوجيا بدورها تشكّل المجتمعات وسلوكيات الأفراد والقيم التي يمكن دعمها وتعزيزها فعلياً. وفي هذا السياق، تقع على عاتق المنظمات الدولية وكيانات القطاعين العام والخاص وصانعي السياسات والمؤسسات الثقافية مسؤولية كبيرة في التصدي للتحديات التي تفرزها كل لحظة تاريخية في هذا التفاعل بين الثقافة والتكنولوجيا.

وأصبحت الأجهزة والفضاءات والبنى التحتية الرقمية مكوّنات أساسية في المنظومات الثقافية، تشكّل طريقة إبداع السلع والخدمات الثقافية وتوزيعها والنفاذ إليها. غير أن القدرات التكنولوجية الجديدة لا تتيح فرصاً جديدة فحسب، بل تُحدث أيضاً أوجه عدم مساواة جديدة، ولا تزال الفجوة الرقمية عائقاً حاسماً أمام المشاركة المنصفة في الحياة الثقافية. فمع أن 66.6% من سكان العالم يملكون نفاذاً إلى الإنترنت، فإن التفاوتات واضحة، إذ يقل عدد المتصلين عن 50% من سكان وسط أفريقيا وشرقها وغربها وشمالها، مقابل ما يزيد كثيراً على 50% في معظم المناطق الأخرى. كما أن جودة النفاذ إلى الإنترنت متفاوتة، فـ89% من سكان البلدان المرتفعة الدخل يملكون نفاذاً إلى شبكات الجيل الخامس، مقابل 1% فقط في البلدان المنخفضة الدخل. وكثيراً ما تنشأ هذه اللاتماثلات بسبب الاعتماد المفرط لبعض المناطق على بنية تحتية تقنية تنتجها أو تتحكم فيها بلدان أغنى أو القطاع الخاص، وهو ما قد يؤثر بدوره في تنوع أشكال التعبير الثقافي في المجال الرقمي.

وتزيد الفوارق بين الجنسين هذه الفجوات تفاقماً، فعلى مستوى العالم يستخدم 70% من الرجال الإنترنت مقابل 65% من النساء، ما يعني أن عدد الرجال الذين يستخدمون الإنترنت يفوق عدد النساء بـ189 مليوناً. وتتسع الفجوة في البلدان المنخفضة الدخل، حيث يستخدم الإنترنت 34.2% من الرجال مقابل 20.1% من النساء، في حين تتقارب النسبتان في البلدان المرتفعة الدخل عند 93.8% و92.6%. وعلاوة على ذلك، يزيد احتمال استخدام الشباب بين 15 و24 عاماً للإنترنت بنسبة 13% عن بقية السكان، ما يوضح الفجوات بين الأجيال في الانخراط الرقمي. ولذلك تكتسي زيادة التمويل العام للبنية التحتية الرقمية أهمية حاسمة لمعالجة عوائق النفاذ وتعزيز المشاركة المنصفة في الثقافة.

وقد أحدثت خدمات البث والاشتراك والمحتوى حسب الطلب، مثل نتفليكس ويوتيوب وسبوتيفاي، تحولاً جذرياً في طريقة نفاذ الناس إلى السلع الثقافية واستمتاعهم بها. ففي عام 2015 كان لدى سبوتيفاي 68 مليون مستخدم نشط شهرياً، وارتفع هذا العدد بحلول عام 2024 إلى 615 مليوناً. وفي عام 2020، شاهد مستخدمو نتفليكس في المتوسط 3.2 ساعات من الفيديو يومياً عبر الخدمة، أي ما مجموعه 6 مليارات ساعة شهرياً. ووفقاً لتقرير التفاعل الصادر عن نتفليكس لعام 2024، ازداد استهلاك المحتوى على المنصة زيادة كبيرة خلال السنوات الخمس الماضية، إذ بلغ إجمالي ساعات المشاهدة في العالم 94 مليار ساعة في النصف الأول من عام 2024، أي أكثر من ضعف الحجم المسجّل في عام 2020. وبالمثل، ارتفع استهلاك البودكاست والكتب الصوتية ارتفاعاً هائلاً في السنوات الأخيرة.

ومنذ جائحة كوفيد 19، تتيح مؤسسات ثقافية كثيرة، كالمتاحف وصالات العرض، نفاذاً متزايداً إلى محتوى أو تجارب رقمية. فضلاً عن ذلك، أوجدت وسائل التواصل الاجتماعي قنوات مهمة لنشر أعمال الفنانين والمبدعين الثقافيين والترويج لها. كما جعلت التطورات البرمجية إنتاج الموسيقى الجديدة وتوزيعها أيسر، وأتاحت إمكانية واقعية للإنتاج والتسجيل المنزليين، غير أن العائدات المالية للموسيقيين تراجعت في المقابل.

ويطرح انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي في إطار الثورة الرقمية فرصاً وتحديات إضافية كبيرة للمهنيين والمؤسسات والصناعات الثقافية. فصعود الذكاء الاصطناعي التوليدي يعيد تشكيل إبداع المحتوى الثقافي، لفعاليته العالية في توليد النصوص الدرامية والقصص والموسيقى والصور ومقاطع الفيديو، ولذلك انعكاسات كبيرة على تداول السلع الثقافية. كما أثبتت أنظمة الذكاء الاصطناعي فعالية كبيرة في تنظيم مجموعات المؤسسات الثقافية وتيسير النفاذ إليها، وفي توفير أدوات لرقمنة التراث الثقافي وحمايته. لكن الذكاء الاصطناعي يطرح تحديات كثيرة أيضاً، منها التعويض العادل للفنانين الذين استُخدمت أعمالهم في تدريب أنظمته، وخطر فقدان بعض المهنيين الثقافيين وظائفهم، والتحيزات في مخرجاته، والتسطيح والتجانس الثقافيين، وإعادة تشكيل مفهوم الإبداع، وتنامي الاحتكارات التقنية. وبعيداً عن تحويل طريقة إنتاج المحتوى وتوزيعه، سيكون لأنظمة الذكاء الاصطناعي أثر كبير في دخل الفنانين. ففي عام 2023، قُدّرت قيمة سوق الموسيقى المولّدة كلياً بالذكاء الاصطناعي بمليار يورو، وسوق المحتوى السمعي البصري المولّد بالذكاء الاصطناعي بستة مليارات يورو. ويُتوقع أن ترتفع قيمة هذين السوقين بحلول عام 2028 إلى 16 مليار يورو و48 مليار يورو على التوالي. غير أن لهذا النمو ثمناً، إذ قد يخسر مبدعو الموسيقى ما يصل إلى 4 مليارات يورو، أي 24% من إيراداتهم، بينما يواجه مبدعو المحتوى السمعي البصري خسائر محتملة تبلغ 4.5 مليارات يورو، أي 21% من إيراداتهم، بسبب حلول المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي محل العمل البشري.

وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الثالثة، حين توسّعت الإنترنت والتقنيات الرقمية خارج مراكز البحث والمؤسسات العسكرية، نشأ عالم جديد بدأت فيه الثقافة والحياة اليومية تتطوران رقمياً. فأصبحت البيئات الرقمية موائل جديدة وفضاءات حيوية للتواصل وتبادل الأفكار وتقاسمها، ووسيطاً رئيسياً للممارسات الفنية والدينية والتقليدية. وفتح ذلك إمكانية ترسيخ القيمة الاجتماعية والثقافية للبيانات الرقمية، غير أن هذه الفرصة ضاعت، وانصبّ التركيز في العقود الأخيرة بصورة شبه حصرية على القيمة الاقتصادية للبيانات، ما أدى إلى تسليع الحياة والثقافة بطرق لم تكن متصورة من قبل. ويتيح الانتشار الأخير لأنظمة الذكاء الاصطناعي فرصة متجددة لإعادة التفكير في طبيعة البيانات الثقافية وملكيتها.

وللسلع والخدمات الثقافية طبيعة مزدوجة: فلها قيمة ثقافية، لأنها تمثّل أنماط التعبير والحساسيات والرؤى الكونية لجماعة ثقافية أو لأفراد، ولها قيمة اقتصادية، لأنها تُتبادل تجارياً وتشكّل أساس الصناعات الثقافية والإبداعية. ولذلك فمن الضروري لحماية الثقافة الاعتراف بهذه الطبيعة المزدوجة ومعالجتها، إذ لكل من الجانبين خصوصيات وتحديات محددة تربط السلع والخدمات والأنشطة الثقافية بجهات فاعلة وأصحاب مصلحة ومؤسسات وأطر قانونية مختلفة. وتنطبق هذه الطبيعة المزدوجة على جميع السلع والخدمات الثقافية، سواء أكانت ذات وساطة تكنولوجية أم لم تكن.

وفي حالة السلع الثقافية الرقمية، يبرز بُعد ثالث للقيمة هو القيمة المعرفية. وتنشأ هذه القيمة من «التحويل إلى بيانات»، وهو بحسب ماير شونبرغر وكوكيير تحويل الفعل الاجتماعي إلى بيانات كمية على الإنترنت. وبهذا تنتج الثقافة المحوّلة إلى بيانات بياناتٍ ثقافية. ويمكن تعريف البيانات الثقافية بأنها البيانات الرقمية والبيانات الوصفية الصادرة عن: السلع الثقافية المرقمنة بما فيها التراث الثقافي؛ والثقافة المرقمنة بالمعنى الواسع، أي البيانات الرقمية الناشئة عن أنشطتنا على الإنترنت التي هي جزء من حياتنا الرقمية المعاصرة، وتتعلق بما هو مشترك بيننا وباتصالاتنا وعاداتنا وتفضيلاتنا وانتباهنا وصداقاتنا واهتماماتنا ومحادثاتنا العابرة وعمليات بحثنا عن المعلومات وتعبيرنا عن أذواقنا وحالاتنا واستجاباتنا العاطفية وغير ذلك؛ وإنتاج السلع الثقافية بوسائل رقمية؛ وتوزيع السلع الثقافية في البيئات الرقمية؛ والترويج لها في البيئات الرقمية؛ واستهلاكها في البيئات الرقمية.

وفي حياتنا اليومية التي تتزايد وساطتها الرقمية، نسهم جماعياً في تطوير الذكاء الاصطناعي. فهذه الأنظمة، التي يصح وصفها بالذكاء الجماعي أكثر من الذكاء الاصطناعي، تستمد قدرتها «الذكية» من الإمكانات المعرفية الكامنة في البيانات الثقافية. وكلما عالجت هذه الخوارزميات مزيداً من بيانات التدريب، ازدادت قدراتها التنبؤية والتعلمية دقة. والحالة الراهنة للإدراك التقني هي ثمرة عقود من البيانات المولّدة جماعياً باستخدام التقنيات الرقمية والإنترنت، وهذه الحياة المحوّلة إلى بيانات هي ما يتيح استخراج القيمة المعرفية.

ولحماية الثقافة حماية كاملة في السياق الرقمي، يجب الاعتراف بأنواع القيمة الثلاثة الكامنة فيها، أي الثقافية والاقتصادية والمعرفية. ويكتسي ذلك أهمية خاصة في النقاشات المتعلقة بالسياسات الثقافية، حيث يميل الخطاب إلى النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه شيئاً جديداً. غير أنه ينبغي موازنة تصور الجِدّة هذا برؤية شاملة تعترف بالأبعاد التاريخية والاجتماعية التي أتاحت ظهور هذه الأنظمة. فالثقافة في الواقع عامل رئيسي من عوامل الابتكار لم يحظ بالاعتراف الواجب في تطوير هذه الأنظمة. فالقدرات المعرفية للذكاء الاصطناعي لا تنبع من خوارزمياته وحدها، بل من قدرته على تسخير كميات هائلة من البيانات الثقافية ومعالجتها.

ويُعدّ تحويل الثقافة إلى بيانات على مدى العقود الثلاثة الماضية أحد الأسباب الرئيسية لما بلغه الذكاء الاصطناعي اليوم من قدرات. وبهذا المعنى، يتوقف التطوير والاستخدام المنصفان للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في الصناعات الثقافية والإبداعية على الاعتراف بالبيانات الثقافية وتنظيمها وحمايتها بوصفها منفعة مشتركة جماعية، ويُقصد بالبيانات الثقافية بوصفها منفعة مشتركة جميع أنواع البيانات المذكورة آنفاً ما دامت لا تخضع لحقوق ملكية فكرية يملكها صاحب حق محدد، أو حين يتعذر التعرف على صاحب الحق بسهولة.

تعزيز النفاذ إلى البنية التحتية الرقمية

تُعدّ الحقوق الثقافية، بمعنى القدرة على النفاذ إلى الحياة الثقافية والمشاركة فيها والإسهام فيها، من حقوق الإنسان العالمية. وفي المجتمعات المعاصرة، باتت مجالات التواصل والتنشئة الاجتماعية وحرية التعبير وحرية الفكر والنفاذ إلى المعلومات والمعرفة والثقافة والتعليم مرتبطة ارتباطاً لا رجعة فيه بالتقنيات الرقمية والإنترنت، التي تمكّنها أو تقيّدها، وتعزّزها أو تحوّلها. ولذلك لا يمكن اعتبار النفاذ إلى البنية التحتية الرقمية والاتصال امتيازاً، بل شرطاً ضرورياً لضمان الحقوق الثقافية.

وقد جرى الاعتراف تدريجياً بمبدأ الإدماج الرقمي هذا في كثير من أطر الحوكمة العالمية التي تتناول الحقوق الرقمية والنفاذ المنصف إلى التكنولوجيا. فخريطة الطريق للتعاون الرقمي التي وضعها الأمين العام للأمم المتحدة عام 2020 تدعو إلى الاتصال الشامل والنفاذ إلى البنية التحتية الرقمية بحلول عام 2030 بوصفهما أساسيين لتحقيق أهداف التنمية المستدامة والحد من عدم المساواة، وتؤكد إلحاح سد الفجوة الرقمية، ولا سيما في المناطق المحرومة من الخدمات. وعزّزت استراتيجية الاتحاد الأفريقي للتحول الرقمي 2020 إلى 2030 هذا المنظور، إذ أطّرت النفاذ إلى الإنترنت عاملاً حاسماً للتمكين الاقتصادي والإدماج الاجتماعي والديمقراطية وحقوق الإنسان في القارة، ودعت إلى النفاذ الشامل إلى التقنيات الرقمية والإنترنت ركيزةً أساسية لأهدافها الإنمائية. وأرسى برنامج اليونسكو «المعلومات للجميع» الحق العالمي لكل فرد في النفاذ إلى التعليم وفرص العمل والمعلومات الصحية، في حين تدعو الغاية 16.10 من أهداف التنمية المستدامة إلى النفاذ الشامل إلى المعلومات العامة. وأكدت توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لعام 2021 كذلك ضرورة ضمان بنية تحتية رقمية شاملة وميسّرة لصون الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في الفضاءات الرقمية ومعالجة قضايا المساواة بين الجنسين. وفي العام ذاته، أعاد قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها والتمتع بها على الإنترنت تأكيد أن حقوق الإنسان ذاتها المكفولة خارج الإنترنت يجب أن تُحمى على الإنترنت أيضاً، مشدداً على وجوب الاعتراف بالنفاذ إلى الإنترنت حقاً لا امتيازاً.

وبالبناء على هذه الالتزامات، جعلت اليونسكو الإدماج الرقمي عنصراً أساسياً في الحد من أوجه عدم المساواة وتعزيز التنوع الثقافي على الإنترنت. وفي الآونة الأخيرة، عزّز ميثاق المستقبل التعاون الرقمي بوصفه محرّكاً رئيسياً للتنمية المستدامة، وشدّد على ضرورة سد الفجوات الرقمية، ولا سيما بين الشمال العالمي والجنوب العالمي، لضمان أن يعود التقدم التكنولوجي بالنفع على الجميع. وبالمثل، يدعو الاتفاق الرقمي العالمي، الملحق بهذه الوثيقة، صراحة إلى فضاء رقمي شامل ومفتوح وآمن يحترم جميع حقوق الإنسان، بما فيها الحقوق الثقافية. وتعكس هذه الصكوك توافقاً دولياً متنامياً على أن النفاذ الرقمي ليس مجرد مسألة تطور تكنولوجي، بل عامل تمكيني أساسي للمشاركة الثقافية.

وتُظهر الدراسات أيضاً أن النفاذ إلى البنية التحتية الرقمية شرط لضمان حق الناس في المشاركة في الحياة الثقافية. فدراسة الوضع الإقليمي للحق في الثقافة في أمريكا اللاتينية تعتمد نسبة الأسر التي تملك حواسيب ونفاذاً إلى الإنترنت أحد مؤشرات رصد الحقوق الثقافية، وتُبرز أهمية تمكين النفاذ الشامل إلى الثقافة بالاستفادة من موارد التكنولوجيا الرقمية. وكشف التقرير السنوي للإحصاءات الثقافية في تشيلي لعام 2020 أن جزءاً كبيراً من الحياة الثقافية خلال جائحة كوفيد 19 استمر بفضل الوسائط الرقمية، وأن نقص البنية التحتية الرقمية في مناطق معينة مرتبطة بالمجتمعات الريفية ومجتمعات الشعوب الأصلية أدى إلى تفاوت النفاذ إلى المحتوى الرقمي، بما أثّر في الحق الشامل في المشاركة الثقافية. وبالمثل، يحدد تقرير بيرو «تشخيص فجوات البنية التحتية والنفاذ إلى الخدمات في القطاع الثقافي» لعام 2023 أوجه القصور في الموارد والبنية التحتية الرقمية بوصفها عائقاً مهماً أمام الإعمال الكامل للحقوق الثقافية، ولا سيما في المجتمعات المحرومة. ومن دون نفاذ منصف إلى البنية التحتية الرقمية، تواجه مجتمعات بأكملها خطر الإقصاء من الحياة الثقافية والإبداعية.

وقد شهد العقد الماضي بعض التقدم في الاتصال والنفاذ إلى المعدات والبنية التحتية الرقمية. وينعكس هذا الاتجاه في مؤشر البنية التحتية الصادر عن الرابطة العالمية لمشغلي الهاتف المحمول، الذي يُظهر زيادة مطّردة وتدريجية في جميع فئات الدخل، المرتفعة والمتوسطة العليا والمتوسطة الدنيا والمنخفضة، بين عامي 2014 و2024. وبالمثل، شهد مؤشر القدرة على تحمّل تكاليف الإنترنت الصادر عن الرابطة ذاتها، والذي يقيس تكلفة خدمات الإنترنت المحمول والأجهزة استناداً إلى عوامل عدة منها تكلفة باقات البيانات والأجهزة والضرائب، ارتفاعاً مطّرداً في جميع فئات الدخل وبين مناطق الجنوب العالمي والشمال العالمي خلال الفترة ذاتها، وإن سجّل تراجعاً طفيفاً في عدد من المناطق العالمية وبعض فئات الدخل في عام 2024.

واتخذت الجهود الرامية إلى تحسين النفاذ إلى البنية التحتية الرقمية أشكالاً متنوعة تعكس اختلاف الأولويات الوطنية والسياقات الاجتماعية والاقتصادية. ففي كينيا، يمثّل مشروع البنية التحتية الوطنية الأساسية للألياف الضوئية مبادرة حكومية رئيسية تهدف إلى توسيع الاتصال الرقمي في أنحاء البلاد وتحسين النفاذ إلى الإنترنت في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء. وفي الهند، تسعى حملة «الهند الرقمية» إلى تحسين البنية التحتية الإلكترونية وتوسيع الاتصال بالإنترنت، ولا سيما في المناطق الريفية، عبر تطوير بنية تحتية رقمية آمنة وتقديم الخدمات الحكومية رقمياً وتعميم محو الأمية الرقمية. وفي إسبانيا، يقدّم برنامج «قسيمة الاتصال» مساعدة مالية للفئات الضعيفة اقتصادياً المعرّضة لخطر الإقصاء الرقمي، على النحو المبيّن في خطة الاتصال والبنية التحتية الرقمية للمجتمع والاقتصاد والأقاليم في إسبانيا. وعلى نحو مماثل، يموّل قانون الإنصاف الرقمي في الولايات المتحدة برامج على مستوى الولايات مصمّمة لتعزيز الإدماج الرقمي وتوسيع النفاذ إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ولا سيما في المجتمعات المحرومة من الخدمات. وتوضح هذه المبادرات تنوع النُّهج التي تعتمدها الحكومات لسد الفجوات الرقمية، بما يضمن اتصالاً أوسع وموارد رقمية أوفر أساساً لتحول رقمي شامل.

وعلى الرغم من التحسن العام في البنية التحتية الرقمية والقدرة على تحمل تكاليفها، كما سبقت الإشارة، تستمر تفاوتات كبيرة بين البلدان المرتفعة الدخل والمنخفضة الدخل، وبين الشمال العالمي والجنوب العالمي. فمتوسط مؤشر البنية التحتية يكشف عن تقدم غير متكافئ، إذ تتقدم الفئات الأعلى دخلاً بوتيرة أسرع، ما يُبرز أنه في حين يتسع النفاذ، تظل أوجه عدم المساواة راسخة.

ولا تسير وتيرة التحسن على نحو متساوٍ، إذ تواصل الدول والمناطق الأغنى تقدمها بسرعة أكبر، بما يرسّخ الفجوة الرقمية المستمرة. فبينما تحسّن متوسط مؤشر البنية التحتية للإنترنت في البلدان المرتفعة الدخل من نحو 60 إلى 80 بين عامي 2014 و2024، ارتفع في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى من نحو 40 إلى ما يزيد قليلاً على 60، وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى من نحو 30 إلى ما يفوق 50 بقليل، وفي البلدان المنخفضة الدخل من قرابة 20 إلى نحو 40، وإن بوتيرة أبطأ. وتُبرز هذه البيانات فجوة لا تزال كبيرة بين الفئات المرتفعة الدخل والمنخفضة الدخل.

وعلاوة على ذلك، ثمة فجوة رقمية مستمرة بين الجنسين، تتسم بانخفاض معدلات استخدام النساء للإنترنت والإنترنت المحمول، ولا سيما في البلدان والمناطق المنخفضة الدخل. وتشكّل هذه الفجوة عائقاً كبيراً أمام المشاركة المنصفة في المجال الثقافي الرقمي. فالنساء والفتيات يواجهن عوائق كبيرة في النفاذ الرقمي والمشاركة الرقمية، ما يحدّ من قدرتهن على الإبداع والتفاعل مع المحتوى الثقافي الرقمي المتنوع والاستفادة من الفرص الرقمية. وفضلاً عن ذلك، يمثّل العنف القائم على النوع الاجتماعي الميسَّر بالتكنولوجيا تهديداً متنامياً، فحتى إن توافر للنساء والفتيات نفاذ إلى الإنترنت، فإنها ليست بيئة آمنة لا للمبدعات ولا للنساء والفتيات المشاركات في الثقافة الرقمية والاقتصاد الثقافي الرقمي.

وتمثّل الجوانب المختلفة للفجوة الرقمية المذكورة آنفاً واقعاً معقداً لا يمكن معالجته بنهج واحد. ومن أكبر المشكلات في معالجة أوجه عدم المساواة هذه ما يتصل بالحالة الراهنة لتركّز رأس المال التكنولوجي، أي السلطة والسيطرة على صنع القرار اللتين تملكهما مجموعة صغيرة من شركات التكنولوجيا، تخلق هيمنتُها تبعيةً وتجعل جزءاً كبيراً من الحياة الثقافية خاضعاً لمتطلبات ربحيتها. ولذلك فإن تأمين التمويل العام للبنية التحتية الرقمية أمر حاسم لمعالجة العوائق التي تفرضها الفجوات الرقمية على النفاذ إلى الثقافة والمشاركة فيها. وقد عالجت البلدان ذلك عادة بإنشاء صندوق للنفاذ الشامل، تقتطع فيه الحكومة رسماً من أرباح شركات الاتصالات ومزوّدي خدمة الإنترنت لإعادة استثماره في المجتمعات المحرومة من الخدمات. غير أن اليونسكو تحدد عدداً من المخاطر المرتبطة بهذا النموذج، منها بطء صرف الأموال وقلة استخدامها، إذ بقي ما يزيد على 11 مليار دولار أمريكي دون صرف في 64 بلداً خضعت للدراسة، وتقادم الأطر التنظيمية، ومحدودية الشفافية والمساءلة، ومحدودية النجاح في نشر النطاق العريض في المناطق الريفية رغم كونه ولاية أساسية، وضعف التنسيق بين المؤسسات، وعدم استدامة المشاريع، وقصور الاهتمام بالإنصاف بين الجنسين، وصعوبة التكيف مع التغير التكنولوجي السريع، وضعف آليات تقييم الأثر، والتأثر بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

والتحديات كبيرة بالنظر إلى وجود فجوة كبيرة في الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، إذ يُقدَّر أن سد فجوة الاتصال العالمية بحلول عام 2030 يتطلب ما لا يقل عن 1.6 تريليون دولار أمريكي. وتستأثر المناطق الريفية، حيث يواجه نشر البنية التحتية تكاليف تشغيلية مرتفعة وربحية منخفضة، بنسبة 70% من فجوة التمويل هذه. ومن ثم يتطلب الوضع تعاوناً بين القطاعات وجهوداً متضافرة. ووفقاً لتوصيات الاتحاد الدولي للاتصالات، تؤدي الحكومات، بالتعاون مع مؤسسات تمويل التنمية، دوراً محورياً في تمويل المبادرات عبر المنح والتمويل الميسّر واستراتيجيات تخفيف المخاطر، بما يشمل آليات مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص والضمانات الحكومية والاستثمارات الوطنية الموجّهة إلى المناطق المحرومة. كما تلزم نماذج تمويل مبتكرة، منها منصات الاستثمار المجمّع لاجتذاب صغار المستثمرين ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وآليات التمويل المختلط التي تدمج إسهامات القطاعين العام والخاص والجهات الخيرية للحد من مخاطر الاستثمار. ومن الأمثلة الجيدة على التمويل المختلط مبادرة «الإنترنت للجميع» في بيرو بين عامي 2019 و2023، وهي مبادرة تعاونية بين تيليفونيكا وميتا ومصرف التنمية للبلدان الأمريكية ومصرف التنمية لأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي لتوسيع البنية التحتية للنطاق العريض في المناطق الريفية. ومن خلال تسخير الشراكات بين القطاعات والتقنيات المبتكرة ونموذج لتقاسم الإيرادات، نجحت المبادرة في توسيع الاتصال ليشمل أكثر من 3.5 ملايين شخص. وإضافة إلى ذلك، تُعدّ الشراكات على امتداد سلسلة قيمة الاتصال، التي تضم مصنّعي الأجهزة ومزوّدي الشبكات والحكومات المحلية، أساسية لبناء منظومة رقمية شاملة.

غير أنه لا يمكن النظر إلى مشكلة الفجوة الرقمية بوصفها عائقاً أمام الحقوق الثقافية من زاوية النفاذ الشامل إلى هذه التقنيات وحدها، بل يجب أن تشمل أيضاً منظوراً تحدد فيه الحكومات، عبر هذه الاتفاقات بين القطاعات، الطريقة التي يُتصوَّر بها هذا النفاذ، بحيث يعمل ضمن أطر ديمقراطية للسيادة والاستقلالية الرقميتين.

تعزيز المهارات الرقمية من أجل الإبداع والابتكار في الصناعات الثقافية والإبداعية

يمكن للتقنيات الرقمية في الصناعات الثقافية والإبداعية أن تسهم إسهاماً كبيراً في الابتكار، بتعزيز الكفاءة، وإتاحة أشكال جديدة من التعبير والإدارة الثقافيين، وتوفير أدوات للتنظيم والتعاون الثقافيين، وتنمية الخيال، واستثمار التنوع. غير أن العالم الرقمي في تطور دائم، تنشأ فيه أدوات جديدة تجعل القديمة متقادمة، وتُؤتمت فيه مهام كان البشر يؤدونها، فتضطرب بذلك مهن ثقافية كمونتاج الأفلام. وتتطلب هذه الطبيعة السريعة التطور للمشهد الرقمي نهجاً شاملاً لتزويد المهنيين الثقافيين بالمهارات اللازمة للتعامل مع التقنيات الناشئة مع ضمان الشمول والاستدامة. ويعترف إعلان موندياكولت بالأثر البنيوي للتحول الرقمي في الصناعات الثقافية والإبداعية، ويدعو إلى إدماج الإلمام بالمهارات الرقمية في التعليم لتعزيز المعرفة والحفاظ على التراث والتنوع الثقافي. وفضلاً عن ذلك، يُعترف بالإلمام بالمهارات الرقمية حجرَ زاوية في التنمية الوطنية، إذ يمكّن الأفراد من التعامل مع التقنيات الرقمية في التعليم والتواصل والعمل.

وبالمثل، يُبرز الاتفاق الرقمي العالمي أهمية تطوير المنافع العامة الرقمية المفتوحة المصدر وبرامج المهارات الرقمية المصمّمة للفئات المهمّشة، بما يضمن مشاركة منصفة في الاقتصاد الرقمي. ويؤدي التنظيم دوراً حاسماً في هذه الجهود، كما يعكسه تقرير «آفاق التنظيم الرقمي العالمي 2023» الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي يقيس الحوكمة الرقمية العالمية ويسترشد به في تكييف السياسات لتعزيز التحول الرقمي. ويؤكد التقرير أيضاً أن المهارات الرقمية ضرورية لا للفنانين والمهنيين فحسب، بل لمنظمات الفنون وموظفي القطاع العام أيضاً، ويُبرز أهمية جاهزية القطاع العام للاستجابة للاضطراب الرقمي وضمان دعم فعال للصناعات الثقافية والإبداعية.

وتفيد دول أعضاء كثيرة في اليونسكو بامتلاكها برامج لمحو الأمية الرقمية من أجل الإبداع والتجريب. غير أن ثمة تفاوتاً كبيراً في تنفيذ هذه البرامج، إذ يزيد احتمال امتلاكها لدى البلدان الأعلى دخلاً. ويوجد تفاوت واضح بين الشمال العالمي والجنوب العالمي، إذ تفيد 70% و54% من البلدان على التوالي بامتلاك مثل هذه البرامج. وتوحي هذه التفاوتات بأن النفاذ إلى موارد الإلمام بالمهارات الرقمية ليس موزعاً بالتساوي، ما يرسّخ الفجوة الرقمية.

ويحدّ نقص المهارات الرقمية من قدرة الناس على المشاركة في الثقافة، والابتكار في أشكال التعبير والإبداع، وتوليد الدخل على نحو مستدام وعلى مدى الحياة. وهو يؤثر كذلك في قدرة البلد على تعزيز الابتكار والانخراط في الاقتصاد الرقمي العالمي، وهو أمر حاسم خاصة لبلدان الجنوب العالمي. كما تحدّ فجوة المهارات هذه من النفاذ إلى فرص العمل الناشئة في قطاع التراث الثقافي، بما فيها تلك التي تتطلب إتقاناً تقنياً لتشغيل الأجهزة الرقمية كالطائرات المسيّرة والمركبات المشغّلة عن بُعد، التي تُستخدم على نحو متزايد في توثيق المواقع الثقافية وحفظها ورصدها. ومعالجة هذه التفاوتات أمر حاسم لضمان مشاركة أكثر إنصافاً في العالم الرقمي والاستفادة من إمكانات التقنيات الرقمية في التعبير والابتكار الثقافيين. وقد يشمل ذلك شراكات تعليمية ومبادرات لبناء القدرات تستفيد من المنصات الرقمية الإلكترونية لإيصال الموارد التعليمية إلى المناطق والبلدان التي تملك موارد أقل للاستثمار في برامج محو الأمية الرقمية.

وثمة مسألة أخرى هي أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمالة. فانتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي القادرة على تنفيذ مهام تتصل بتوليد الصور أو الكتابة أو الإنتاج الموسيقي يفضي إلى فقدان كبير للوظائف في الصناعات الثقافية والإبداعية. وتكشف دراسات واستقصاءات أُجريت في عام 2023 ومطلع عام 2024 عن تراجع كبير في فرص العمل والدخل لدى مهنيين مثل كتّاب الإعلانات ومصممي الغرافيك والرسامين والمترجمين، ويخشى كثيرون منهم مزيداً من انخفاض الدخل مستقبلاً. وفي صناعة الموسيقى، تشير الدراسات البحثية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يهدد بحلول عام 2028 نسبة 27% من إيرادات مبدعي الموسيقى، بما قد يسفر عن خسائر مالية تناهز 950 مليون يورو سنوياً وأثر تراكمي يقارب 2.7 مليار يورو على مدى خمس سنوات.

وللحد من فقدان الوظائف وتيسير انتقال عادل، من الأهمية بمكان رفع مهارات القوى العاملة في الصناعات الثقافية والإبداعية في مجال الذكاء الاصطناعي. وتؤكد توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لعام 2021 أهمية التعليم في مجال الذكاء الاصطناعي والتدريب الرقمي للفنانين والمهنيين المبدعين. فتزويد المهنيين في هذه المجالات بالخبرة اللازمة للتعامل الفعّال مع تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يكفل الاستفادة من مزاياها مع الحد من مخاطرها المحتملة. غير أنه بالنظر إلى الطابع الواسع للصناعات الثقافية والإبداعية، تتفاوت آثار أنظمة الذكاء الاصطناعي تفاوتاً كبيراً بين المجالات ومراحل سلسلة القيمة، ومن هذه المجالات الترجمة المرئية الآلية في الإنتاج السمعي البصري، والتأليف الموسيقي بمساعدة الذكاء الاصطناعي، والانتقاء الخوارزمي في النشر، واستخدام الأدوات التوليدية في التصميم الغرافيكي والرسم التوضيحي. ومن ثم يتطلب صنع سياسات فعالة ومستجيبة بيانات دقيقة خاصة بكل قطاع، وآليات لتحديد احتياجات المهنيين المتطورة من المهارات الرقمية واستباقها، سواء أكانوا يعملون في الأداء أو حفظ التراث أو فنون الوسائط أو النشر المستقل. وهذا الفهم الدقيق ضروري لتصميم استراتيجيات موجّهة لرفع المهارات تعكس الديناميكيات الخاصة بكل قطاع فرعي وتضمن تكيفاً شاملاً مع التغير التكنولوجي.

وتواجه فئات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية بعينها عوائق أكبر أمام النفاذ والمشاركة الرقميين. فانخفاض الدخل قد يحدّ من قدرة الناس على الاستفادة من الابتكارات القائمة على الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي. كما يقل احتمال تبنّي كبار السن لتقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة بسبب نقص التدريب وتدني مستويات الإلمام بالمهارات الرقمية. وقد كانت الفنانات في طليعة التقاطع بين الفن والتكنولوجيا والعلم، ومن الأمثلة البارزة على ذلك فهم آدا لافليس الاستشرافي لقدرة الآلات على الإبداع، ومؤخراً ألبوم موسيقى البوب «أنا ذكاء اصطناعي» لعام 2018، وهو الأول الذي أُلّف وأُنتج بالذكاء الاصطناعي بمشاركة الفنانة تارين سذرن. ومع ذلك، يمثّل النوع الاجتماعي عاملاً شاملاً آخر من عوامل عدم المساواة في النفاذ والإلمام بالمهارات الرقمية، وتزداد هذه الفجوة وضوحاً في مجال الذكاء الاصطناعي. فحتى عام 2023، لم تكن النساء يشكّلن سوى نحو 30% من القوى العاملة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، ولا تزال الفجوة بين الجنسين في اكتساب المهارات المستقبلية كبيرة. ومع أن المنصات الإلكترونية توفر المرونة وسهولة النفاذ، فإن الفجوات الرقمية المستمرة تحدّ من نفاذ النساء مقارنة بالرجال. وحتى حين تنخرط النساء في التعلم الإلكتروني، تتضح التفاوتات في مجالات مهارات حاسمة يُتوقع أن يتزايد الطلب عليها. فحتى عام 2022، ظلت نسبة التحاق النساء بمهارات تكنولوجية مثل الإلمام التكنولوجي 43.7%، والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة 33.7%، أي دون 50%. وتتسع الفجوة بين الجنسين كلما ارتفعت مستويات الإتقان.

ويشير تحليل تقارير شبكة اليونسكو للمدن المبدعة إلى أن معظم المدن تنفّذ تدابير ومبادرات لتعزيز الكفاءات والمهارات الرقمية لدى المهنيين الثقافيين والمجتمع المدني عموماً. وأكثر السياسات ذكراً هي تلك التي تركّز على رفع المهارات، إذ أشارت إليها 100 مدينة، تليها الشراكات بين مؤسسات التعليم والتدريب، والشهادات، والتعلم مدى الحياة، ونظم التعليم والتدريب التقني والمهني. غير أنه من أصل 132 مدينة قدّمت تقاريرها، لم تُشر سوى 16 مدينة إلى برامج تستهدف الشباب، و4 مدن إلى برامج تستهدف النساء، و11 مدينة إلى برامج لكبار السن. ويُبرز ذلك ثغرة حاسمة في ضمان النفاذ المنصف إلى فرص التدريب الرقمي بين الفئات الديموغرافية المختلفة. ولذلك ينبغي أن تستهدف برامج الإلمام بالمهارات الرقمية ورفعها الفئات الأشد ضعفاً، وأن تستجيب لاعتبارات السن والدخل والنوع الاجتماعي، وأن تركّز على زيادة مشاركة الشباب والنساء وكبار السن لمكافحة الفجوات الرقمية المستمرة. وستكون معالجة هذه التفاوتات عبر سياسات ومبادرات شاملة أمراً حاسماً لتعزيز النفاذ المنصف إلى كفاءات الذكاء الاصطناعي والكفاءات الرقمية في الصناعات الثقافية والإبداعية.

ويُعدّ الإلمام بالمهارات الرقمية، مقترناً ببرامج متخصصة لتطوير المهارات الرقمية وتعزيزها، أساسياً لتعزيز المشاركة الشاملة في الحياة الثقافية. ويكتسي إدماج تعليم الذكاء الاصطناعي في المناهج المدرسية أهمية بالغة لتزويد المهنيين الثقافيين في المستقبل بالمعرفة اللازمة للتعامل الفعّال مع هذه التقنيات. وقد بدأت مبادرات مثل «قفزة الذكاء الاصطناعي» في إستونيا بالظهور لسد هذه الفجوة، إذ سيوفّر البرنامج تطبيقات وتدريباً في مجال الذكاء الاصطناعي للطلاب والمعلمين على حد سواء، بما يضمن إلماماً رقمياً أوسع واستعداداً لمتطلبات التكنولوجيا المستقبلية. ولتيسير تنفيذه، ستُنشأ مؤسسة «قفزة الذكاء الاصطناعي» بجهد تعاوني بين الحكومة وبعض شركات التكنولوجيا الخاصة. وتجري جهود مماثلة في مناطق أخرى، إذ أدخلت الصين مناهج الذكاء الاصطناعي في المدارس الابتدائية والثانوية لتشجيع التعامل المبكر مع الذكاء الاصطناعي، في حين أطلقت إندونيسيا برامج تجريبية تهدف إلى استكشاف دور الذكاء الاصطناعي في دفع إصلاحات منهجية في قطاع التعليم العام.

ولما كانت الثقافة محرّكاً للابتكار والتوسع الاقتصادي، فإن تزويد الأفراد بالكفاءات الرقمية يمكّنهم من النفاذ إلى السلع والخدمات الثقافية على نحو أكثر فعالية والانخراط في الإنتاج والتوزيع الإبداعيين. ومع إسهام الصناعات الثقافية والإبداعية بنسبة 3.39% في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفق تقدير مرجّح مستند إلى عينة من 85 بلداً، واستئثارها بمتوسط 3.55% من العمالة في 61 بلداً تتوافر عنها بيانات، فإن تعزيز المهارات الرقمية يقوّي دورها محرّكاً للنمو الاقتصادي. ويكتسي التعليم الرقمي أهمية خاصة للبلدان المنخفضة الدخل، إذ يزوّدها بالأدوات اللازمة لإعادة تموضعها في الاقتصاد العالمي، ويعزّز الابتكار، ويفتح فرصاً جديدة للتنمية المستدامة.

ويتطلب تصميم برامج فعالة لمحو الأمية الرقمية ورفع المهارات وتنفيذها جهوداً منسّقة من الحكومات الوطنية والمحلية، إلى جانب التعاون الدولي والشراكات بين القطاعين العام والخاص. وتستلزم هذه المبادرات التزامات سياساتية واستثمارات مستدامة لضمان النفاذ المنصف إلى التعليم الرقمي والمشاركة الثقافية. كما يُعدّ تعزيز هذه الأطر التعاونية أساسياً لتمكين الأفراد من الانخراط الكامل في الاقتصاد الإبداعي، وترسيخ دور الثقافة في تعزيز الإدماج الاجتماعي والصمود الاقتصادي. وستكون هذه الجهود المتضافرة حاسمة لضمان إسهام الصناعات الثقافية والإبداعية في نمو شامل ومستدام دعماً لأهداف التنمية المستدامة المحددة في خطة عام 2030.

رقمنة التراث الثقافي وتوسيع النفاذ إليه

أصبحت رقمنة التراث الثقافي استراتيجية أساسية لتسجيل أشكال التعبير الثقافي والترويج لها وتوسيع النفاذ إليها. وهي أكثر من مجرد عملية تقنية، إذ تمثّل آلية أساسية لتوسيع النفاذ إلى التراث المادي وغير المادي على حد سواء، وتضمن انتقاله عبر الأجيال وتوسّع دوره في الحياة الثقافية المعاصرة. وتوفّر التقنيات الرقمية أدوات قوية لتوثيق الأصول الثقافية، بما فيها التراث الثقافي المغمور بالمياه، وترميمها ونشرها، ولتعميق فهم قيم التراث، بما يعزّز طرقاً جديدة للتفاعل مع الماضي ويشكّل المشاهد الثقافية للمستقبل.

وينطوي التحول الرقمي للتراث الثقافي على تفاعل معقد بين الابتكار والسياسات والحوكمة. فقد تبنّت المؤسسات حول العالم حتى الآن تقنيات مثل المسح الثلاثي الأبعاد والتصوير المساحي والاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي لتعزيز صون التراث وإتاحته. ومن خلال الأرشيفات الرقمية والمنصات المفتوحة النفاذ، بما فيها السرد الرقمي، باتت المعالم التاريخية والمواقع الأثرية والقطع الفنية متاحة لجمهور عالمي، ما يقلّص الحواجز الجغرافية والاقتصادية أمام التفاعل الثقافي. ومن الأمثلة الرئيسية على هذا التحول «فضاء البيانات الأوروبي المشترك للتراث الثقافي»، الذي يهدف إلى تشجيع إنشاء محتوى التراث الثقافي الرقمي وإعادة استخدامه في الصناعات الثقافية والإبداعية، ويجمع محتوى تراثياً مرقمناً مصحوباً ببيانات وصفية عالية الجودة، بما فيها الصيغ الثلاثية الأبعاد، من أكثر من 4000 متحف ومكتبة وأرشيف وصالة عرض في أنحاء أوروبا، بما يزيد على 50 مليون قطعة مرقمنة.

وتسهم اليونسكو كذلك في هذا التحول عبر منصتها الرقمية الجديدة «الغوص في التراث»، التي تسخّر التقنيات الرقمية لإنشاء تجارب ثلاثية الأبعاد غامرة وتفاعلية تعمّق فهم قيم التراث العالمي والتراث الثقافي غير المادي المرتبط به، وتدعم في الوقت ذاته جهود الحفظ والرصد. وتركّز المرحلة الأولى من المشروع، الممولة من المملكة العربية السعودية، على منطقة الدول العربية، ومن المقرر إطلاقها عام 2025. وفي الوقت نفسه، يجري تسجيل التراث الثقافي غير المادي، بما فيه التقاليد الشفهية والطقوس ونظم معارف الشعوب الأصلية، وتقاسمه عبر السرد الرقمي والتوثيق بالوسائط المتعددة وصون اللغات بمساعدة الذكاء الاصطناعي، بما يعزّز التنوع الثقافي في البيئات الرقمية. وفي هذا الصدد، أنشأت اتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي منصة إلكترونية لتبادل تجارب الصون الجيدة، تعزّز المبادئ التشاركية والقاعدية. وتهدف المنصة، التي طُوّرت في إطار تنفيذ أوسع للمادة 18 من الاتفاقية، إلى زيادة ظهور جهود الصون التي تقودها المجتمعات، مستفيدة من البيئة الرقمية لإبراز أصوات المجتمعات وتجاربها ونُهجها في صون تراثها الحي ونقله.

وتؤدي المتاحف دوراً مهماً في صون التراث الرقمي، ومن الأمثلة الحديثة على ذلك المتحف الوطني في لاغوس، الذي أطلق في منتصف عام 2023 مشروعاً لإجراء مسوح ثلاثية الأبعاد مفصّلة لقطعه، بهدف ضمان الصون الرقمي للتراث الثقافي النيجيري وتوسيع إتاحته للجمهور الوطني والدولي. وعلى نحو مماثل، أطلق متحف التاريخ الطبيعي في برلين في أكتوبر 2021 مشروعاً تجريبياً لرقمنة 500 ألف عيّنة من الحشرات باستخدام نظام سيور ناقلة شبه آلي. ويسعى هذا الجهد الواسع النطاق إلى تعزيز النفاذ العام وتيسير البحث العلمي، مبيّناً كيف يمكن للتقنيات الرقمية أن تحوّل طريقة صون المؤسسات للتراث الثقافي والطبيعي ونشره. ويمكن لمبادرات رقمنة التراث الثقافي هذه أن تربط احتياجات الصون بأهداف أوسع في الإتاحة وتقاسم المعرفة.

غير أن غياب استراتيجيات رقمنة شاملة قد يشكّل مخاطر كبيرة على صون التراث الثقافي وأمنه، كما بيّنت التحديات الأخيرة التي واجهها المتحف البريطاني. ففي أغسطس 2023، كُشف عن سرقة نحو 2000 قطعة، منها ذهب وحلي وأحجار كريمة، على مدى فترة طويلة، ما كشف ثغرات حاسمة في توثيق المتحف وإدارة جرده. وخلصت مراجعة داخلية لاحقة إلى أن كثيراً من القطع المسروقة لم تكن مفهرسة أو مرقمنة على النحو الصحيح، ما جعل استعادتها صعبة بشكل خاص. واستجابة لذلك، أعلنت المؤسسة في أكتوبر 2023 خطة خمسية لرقمنة مجموعتها بالكامل بهدف تعزيز الأمن والإتاحة والشفافية. وتؤكد هذه الحالة الحاجة الملحّة إلى سياسات رقمنة شاملة في المؤسسات الثقافية، بما فيها المتاحف، لا لتوسيع النفاذ العام إلى التراث فحسب، بل لحماية المجموعات من الضياع والسرقة وسوء الإدارة.

وقد أدمجت أطر السياسات العالمية التقنيات الرقمية في إدارة التراث. فإعلان موندياكولت 2022 يُبرز الحاجة إلى بناء القدرات المؤسسية لاستخدام التقنيات الرقمية في صون التراث الثقافي والترويج له ورقمنته وجرده، اعترافاً بدورها في ضمان حفظه وإتاحته. كما يشدد على أهمية الأدوات الرقمية في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، مؤكداً قدرتها على تتبّع التراث وتوثيقه وحمايته من التجارة غير المشروعة. ويمثّل متحف اليونسكو الافتراضي للممتلكات الثقافية المسروقة استخداماً رائداً للأدوات الرقمية لإذكاء الوعي وتعزيز صون التراث الثقافي. فمن خلال رقمنة ممتلكات ثقافية مسروقة تختارها الدول الأعضاء بتقنية ثلاثية الأبعاد، ووضعها في سياقها بمحتوى تعليمي وشهادات من مجتمعاتها الأصلية، سيعزّز المتحف الافتراضي ظهورها ويسهّل بذلك إعادتها. وتؤكد اليونسكو من خلال هذه المبادرة كيف يمكن للتقنيات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي أن تؤدي دوراً أساسياً في حماية التراث الثقافي وإتاحته للجميع.

وتؤدي تقنيات المعلومات الجغرافية المكانية، كالاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية، دوراً متنامياً في رصد حالة حفظ التراث المادي. فهذه الأدوات تساعد على كشف التهديدات الطبيعية والبشرية وتحليلها، من الأحداث المفاجئة كحرائق الغابات والفيضانات إلى المخاطر البطيئة الظهور كتآكل السواحل وارتفاع منسوب سطح البحر. ويعزّز توافر مجموعات البيانات المفتوحة النفاذ من مشاريع رصد الأرض هذه القدرة، إذ يتيح تصوير المخاطر عبر الخرائط الرقمية، وهي صيغة تتسع انتشاراً بفضل تطبيقات الهاتف المحمول وأدوات تحديد المواقع. ومن أمثلة هذا التطبيق منصة الخريطة الإلكترونية للتراث العالمي التابعة لليونسكو، التي توفّر لأصحاب المصلحة في التراث وللجمهور بيانات رصد عالية الجودة وسهلة النفاذ.

كما حظيت أهمية الذكاء الاصطناعي في مجال التراث الثقافي باهتمام متزايد في نقاشات السياسات العالمية. فتوصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لعام 2021 تشجع الدول الأعضاء على إدماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في صون التراث الثقافي المادي وغير المادي وإثرائه وفهمه والترويج له وإدارته وإتاحته. فعلى سبيل المثال، تُستخدم الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد لتصنيف المجموعات الضخمة وفهرستها، وتحديد الأنماط والعلاقات بين القطع التي قد تظل خافية لولا ذلك. كما يتيح إدماج الواقع الافتراضي والجولات الافتراضية في المواقع والمتاحف تقدير هذه المواقع والقطع بوصفها أجساماً أو بيئات ثلاثية الأبعاد بالكامل، لا صوراً مسطحة. واستعادة البعد الثالث تجعل القطع والمواقع أقرب إلى الناس وتبعث الحياة في التراث. وقد أثّر التحليل الثلاثي الأبعاد تأثيراً قوياً في الدراسات الأكاديمية أيضاً، إذ أتاح مسح الأحافير والقطع، كالمومياوات المصرية، رؤية غير متلفة للأعضاء الداخلية. ومن الأمثلة اللافتة أن إعادة بناء ثلاثية الأبعاد لحنجرة مصري قديم أتاحت تركيب صوته اصطناعياً.

غير أن هذه التطورات التكنولوجية يجب أن تقترن بسياسات شاملة تضمن بقاء المجموعات المرقمنة متاحة وقابلة للتكييف للأغراض التعليمية ومفتوحة لإعادة الاستخدام الإبداعي. ومن الضروري اعتماد بيانات وصفية موحّدة وبروتوكولات للتشغيل البيني لتيسير التبادل بين المؤسسات وتوسيع نطاق موارد التراث المرقمن. وعلاوة على ذلك، ينبغي لأطر السياسات أن تعزّز التشغيل البيني والاستدامة والتخطيط للصون الرقمي الطويل الأمد، لا النفاذ والاستخدام فحسب. ووفقاً للتقارير الدورية لتوصية عام 2015، تفيد أغلبية الدول الأعضاء المجيبة البالغ عددها 21 دولة، أي 67%، بامتلاكها نظام جرد موحّداً، يدوياً أو رقمياً، تفرضه حكوماتها. غير أن ثمة فرقاً ملحوظاً بين الشمال العالمي والجنوب العالمي، إذ تبلغ نسبة الدول الأعضاء التي تطبّق هذه الأنظمة 73% في الأول مقابل 60% في الثاني. ويمثّل غياب مبادئ توجيهية موحّدة لرقمنة التراث الثقافي في الجنوب العالمي تحدياً كبيراً للتنوع الثقافي في المجال الرقمي.

وإلى جانب الفوائد الكثيرة لرقمنة التراث الثقافي، يجب الإقرار بالمخاطر والتحديات التي ينبغي أن تسترشد بها السياسات الثقافية في هذا المجال وتتصدى لها. ومن المخاطر المرتبطة برقمنة التراث الثقافي، البري منه والمغمور بالمياه، أن توسيع النفاذ قد ييسّر في الوقت ذاته ممارسات غير أخلاقية. ومثال ذلك «الجنيزة الأفغانية»، وهي مجموعة من الوثائق التاريخية من شمال أفغانستان ظهرت في السوق الدولية بعد سرقتها، ثم رُقمنت هذه المخطوطات وأُدرجت في بوابة «كتيف» الإلكترونية. وقد قُدّمت هذه العملية بوصفها فعلاً من أفعال الصون والإتاحة، لكنها أدّت فعلياً دور «ميناء عبور رقمي»، أي فضاء إلكتروني تمر عبره القطع الثقافية غير المشروعة في صورة رقمية في طريقها إلى إضفاء الشرعية العامة عليها. وتتيح موانئ العبور الرقمية هذه عرض التراث المسروق في بيئات افتراضية، فتبعد القطع عن مجتمعاتها المصدر، وتربط المستهلكين الافتراضيين بالسلع الثقافية غير المشروعة، وتيسّر في نهاية المطاف دمجها في الفضاءات الأكاديمية والتجارية.

غير أنه يمكن تسخير الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي للمساعدة في رصد الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، كما بيّن مشروع «سيغنيفيكانس». فقد طوّر هذا المشروع، الممول من برنامج «أفق أوروبا»، منصة تستخدم الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق لمساعدة السلطات على تحديد الأنشطة الإلكترونية غير المشروعة المتصلة بالسلع الثقافية وتتبّعها وحجبها. ومن خلال كشط البيانات من الشبكات الاجتماعية ومنصات البيع والشبكة المظلمة، يحلّل المشروع الصور والنصوص بخوارزميات متقدمة لكشف علامات الاتجار غير المشروع وتفكيك الشبكات الإجرامية. ويتضمن كذلك أنطولوجيا للبيانات توفّر معلومات سياقية عن مصدر القطع المحددة ووضعها القانوني وأهميتها الثقافية، بما ييسّر اتخاذ قرارات مستنيرة خلال التحقيقات.

ويملك الذكاء الاصطناعي كذلك إمكانات كبيرة في صون هويات الشعوب الأصلية وحفظ التراث الثقافي وإحياء اللغات. ففي المكسيك مثلاً، طوّر فريق من الباحثين في الجامعة المتروبوليتانية المستقلة أداة لصون أزياء الشعوب الأصلية. فباستخدام آلة تعمل بالبطارية قادرة على معالجة سلاسل نصية بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تمكّنوا من الحفاظ على الخصائص الشكلية والجمالية لأزياء الشعوب الأصلية في منطقة مرتفعات تشياباس، واستكشاف مقترحات معاصرة ممكنة للأزياء. وكان الهدف إعادة بناء الأيقونات التقليدية لهذه الأزياء من عينات فوتوغرافية لمنسوجات المنطقة. غير أنه لما كان جزء كبير من هذا النوع من المبادرات يُنفَّذ من خارج المجتمعات، فيجب إعادة هيكلة هذه المشاريع من منظور يحترم رؤى هذه المجتمعات وأولوياتها، ويضمن ملكيتها لقيادتها وتطويرها وتنفيذها.

وفي هذا الصدد، تطرح الرقمنة أيضاً تحديات أوسع تتصل بالاستيلاء على المعارف الثقافية وتشويه تمثيلها، ولا سيما في سياق الذكاء الاصطناعي. فاستراتيجية الاتحاد الأفريقي للذكاء الاصطناعي لعام 2024 تحذّر من مخاطر تقويض معارف الشعوب الأصلية والتراث الثقافي الأفريقي عبر تمثيلات مشوّهة يولّدها الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى تآكل ممارسات التراث الحي وإعاقة استمرار انتقالها. وعلاوة على ذلك، قد يسهم التمثيل القاصر لتقاليد الشعوب الأصلية في نماذج الذكاء الاصطناعي في تهميش هذه الشعوب ونظم معارفها، التي أدّت تاريخياً دوراً محورياً في التراث الثقافي والفكري الأفريقي. وكما تؤكد توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وديباجة اتفاقية عام 2003، فإن مشاركة المجتمعات ذاتها في صون اللغات والمعارف المهددة ومعارف الشعوب الأصلية أمر بالغ الأهمية، لضمان بقاء مبادرات التراث الرقمي شاملة ومحكومة أخلاقياً ومتّسقة مع أشكال التعبير الثقافي وقيم المجتمعات المختلفة. وفي صميم هذا النقاش تقع مسألة سيادة البيانات الثقافية، أي حق الشعوب الأصلية في التحكم في جمع البيانات المتعلقة بثقافتها وتراثها ومعارفها التقليدية والنفاذ إليها واستخدامها ونشرها. ويعني ذلك وجوب الاعتراف بالعلاقة الفريدة بين الشعوب الأصلية وبياناتها، مع التأكيد على تقرير المصير والتحكم والمنفعة للمجتمع. ويتحدى هذا المفهوم نماذج حوكمة البيانات التقليدية التي كثيراً ما تعطي الأولوية للتحكم والاستغلال الخارجيين، ويدعو بدلاً من ذلك إلى ممارسات لإدارة البيانات ملائمة ثقافياً ومنصفة.

ومع تزايد رقمنة مؤسسات التراث لمجموعاتها، تؤكد الشعوب الأصلية والمجتمعات المهمّشة تاريخياً حقها في التحكم في طريقة تسجيل أصولها الثقافية وتخزينها وتقاسمها. والهدف أيضاً مقاومة الاستخراجية الرقمية، وهو نهج يتسق مع الحقوق المنصوص عليها في المادة 31 من إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية. ومن الأمثلة الجيدة على هذا النهج مبادرة «السياقات المحلية» العالمية، التي تدعم مجتمعات الشعوب الأصلية بأدوات تمكّنها من إعادة تأكيد سلطتها الثقافية على مجموعات التراث وبياناته. فبتركيزها على الملكية الثقافية والفكرية للشعوب الأصلية وسيادتها على بياناتها، تدعم المبادرة هذه المجتمعات في استرداد معارفها والتحكم في طريقة جمع بياناتها وإدارتها وعرضها والنفاذ إليها واستخدامها مستقبلاً. ومن الأمثلة البليغة الأخرى على هذا النهج شبكة «تي مانا راراونغا» لسيادة بيانات الماوري في نيوزيلندا، التي تضع بروتوكولات لإدارة بيانات مجتمعات الماوري من قِبل هذه المجتمعات نفسها.

وانعكست جهود مماثلة لإشراك المجتمعات وتعزيز الممارسات الشاملة في صون التراث الثقافي في فعالية «المرأة والتراث والتكنولوجيا الرقمية: العمل من أجل صون التراث العالمي في أفريقيا» التي عُقدت في مارس 2025. فقد صُمّمت هذه المبادرة لتعزيز ظهور المرأة وفاعليتها في القطاع، وركّزت على تقوية قيادتها وكفاءاتها التقنية في مجالات مثل التصوير المساحي والواقع الافتراضي ورسم الخرائط بالطائرات المسيّرة. ومن خلال معالجة الخلل الكبير بين الجنسين في إدارة التراث، إذ لا يتجاوز عدد النساء 3 من أصل 140 مديراً لمواقع التراث العالمي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، أكدت الفعالية الحاجة إلى تغيير بنيوي. كما شددت على الدور الحاسم للتقنيات الرقمية في تمكين المرأة من صياغة استراتيجيات الحفظ والإسهام في التنمية المستدامة واستعادة سلطة السرد في شأن التراث الثقافي. وإلى جانب بناء القدرات، دعت المبادرة إلى سياسات تحويلية في مجال النوع الاجتماعي، وعزّزت شبكات تعاونية ترمي إلى بناء منظومة أكثر شمولاً وإنصافاً عند تقاطع التراث والابتكار الرقمي.

الإطار 5: أطلس اليونسكو للتراث الحضري، ومظلة التراث العالمي، وتقييمات المخاطر المناخية

استجابةً لقرارات المجلس التنفيذي والمؤتمر العام، وتلبيةً لطلبات لجنة التراث العالمي، طوّرت اليونسكو منصة رقمية هي «أطلس اليونسكو للتراث الحضري». واستناداً إلى نهج التوصية بشأن المناظر الحضرية التاريخية، التي تتضمن أيضاً مسرداً للتعريفات، أُطلق الأطلس في اجتماع إعلامي لجميع الدول الأعضاء في 9 فبراير 2024. ويعمل الأطلس على مستويات متعددة، فهو منصة لتثقيف جميع أصحاب المصلحة وتوعيتهم بالتراث الحضري، وأداة لدعم المهنيين المنخرطين مباشرة في إدارة المناطق الحضرية التاريخية لحمايتها والحفاظ عليها على نحو أفضل. وتدعم هذه الأداة والمنصة الرقمية الجديدة حفظ التراث الحضري، وتوجّه التصاميم الجديدة المتوافقة مع السياقات التاريخية. ويرتبط الأطلس بمورد ثانٍ هو «إدارة التراث الحضري» وأدواته الرقمية، التي تقدّم إرشادات عملية للسلطات الوطنية والمحلية بشأن تنفيذ توصية عام 2011 في إطار يعزّز التنمية المستدامة والقدرة على الصمود أمام تغيّر المناخ في المدن والمستوطنات التاريخية، ولا يزال دليل «إدارة التراث الحضري» وأدواته الرقمية قيد الإعداد.

ومن الأمثلة الأخرى «مظلة التراث العالمي»، وهي منصة رقمية حية للممارسات المبتكرة والجيدة في مجال الحلول القائمة على التراث من أجل التنمية المستدامة على المستوى المحلي. وأخيراً، واستجابةً لدعوات الدول الأعضاء إلى عمل مناخي أقوى، تعاونت اليونسكو مع الفريق المعني برصد الأرض والمكتب اليوناني التابع له لتقييم المخاطر المناخية التي تواجه 114 مدينة من مدن التراث العالمي في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وخلص التقرير الصادر بعنوان «تغيّر المناخ في مدن التراث العالمي المتوسطية» إلى أن ما يقارب ثلثي هذه المدن كان يعاني بالفعل خطراً واحداً على الأقل من المخاطر المرتبطة بتغيّر المناخ، وأن خُمسها كان يعاني مخاطر متعددة. وأثار الإطلاق الرفيع المستوى لهذا التقرير في أواخر يونيو 2025 اهتماماً كبيراً لدى رئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ ونائب رئيسها لتقرير التقييم السابع. كما أبرز التقرير التراث الحضري مورداً لحلول التكيّف والتخفيف، وقدّم توصيات لتعزيز قدرته على الصمود.

تنويع أشكال التعبير الثقافي في المجال الرقمي

لا تزال اتفاقية اليونسكو لعام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي حجر الزاوية في صون التنوع الثقافي، إذ تعترف بأن العولمة والتقنيات الرقمية تطرح فرصاً وتحديات للمشاركة الثقافية المنصفة على حد سواء. ويعزّز هذا الشاغلَ ما تضمنته المبادئ التوجيهية التنفيذية لتطبيق اتفاقية عام 2005 في البيئة الرقمية لعام 2017، التي تدعو إلى سياسات تضمن قابلية اكتشاف المحتوى الثقافي الوطني والمحلي، وتعزّز الكفاءات الرقمية، وتشجع الشفافية في الحوكمة الخوارزمية. ويؤكد تقرير «إعادة تشكيل السياسات من أجل الإبداع» الصادر عن اليونسكو عام 2022 أهمية دعم المحتوى المتنوع في الوسائط الرقمية وضمان نفاذ واسع إلى أشكال التعبير الثقافي على الإنترنت، وأهمية تعزيز الأسواق الثقافية المحلية وضمان النفاذ إلى السلع الثقافية المتنوعة عالمياً. وإضافة إلى ذلك، تتناول توصيات مجلس أوروبا لعامي 2018 و2019 الشفافية في ملكية وسائل الإعلام، ودور وسطاء الإنترنت، وتعزيز المحتوى التعددي في المنصات الرقمية.

وعند تحليل مشهد السياسات الخاصة بالتنوع الثقافي في البيئات الرقمية، توحي البيانات بأن نسبة كبيرة من البلدان تنفّذ تدابير لتعزيز النفاذ إلى محتواها الثقافي المحلي وقابلية اكتشافه في البيئة الرقمية، إذ تبلغ هذه النسبة 86% في أوروبا وأمريكا الشمالية، و69% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، و76% في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، و75% في غرب آسيا وشمال أفريقيا، و80% في شرق آسيا وجنوب شرقها.

غير أن عوائق كبيرة لا تزال قائمة، وتبرز الهيمنة اللغوية بوصفها واحداً من أكبرها. فعلى سبيل المثال، مع أن أقل من 20% من سكان العالم يتحدثون الإنجليزية لغةً أولى، فإن أكثر من نصف المواقع الإلكترونية كلها بالإنجليزية. ويؤثر هذا اللاتماثل اللغوي في ظهور أشكال التعبير الثقافي وتداولها، مرسّخاً أوجه عدم المساواة البنيوية. ويعالج إعلان لوس بينوس لعام 2020 هذه التحديات بالدعوة إلى تمثيل أكبر للشعوب الأصلية في الوسائط الرقمية، وتسعى مبادرات مثل برنامج «إيبيركولتورا فيفا» إلى الاستجابة لهذه الحاجة. ويعزّز هذا البرنامج التعاون العابر للحدود بين بلدان أمريكا اللاتينية وإسبانيا، داعماً الشبكات الثقافية التي تدمج مجتمعات الشعوب الأصلية والمنحدرين من أصل أفريقي والمهاجرين. ومن مشاريعه «القواميس السمعية البصرية المجتمعية»، الذي يمكّن المجتمعات المحلية في بيرو من توثيق اللغات الأصلية وإحيائها عبر إنتاجات سمعية بصرية قصيرة، مبيّناً كيف يمكن تسخير الأدوات الرقمية لتقوية لغات الشعوب الأصلية وثقافاتها والتنوع الثقافي.

وإلى جانب البرامج المحددة لمعالجة العوائق المتصلة بالنفاذ إلى المحتوى الثقافي المتنوع وقابلية اكتشافه في البيئة الرقمية، يجب على الحكومات أيضاً أن تدمج استجابات منهجية وبنيوية في استراتيجياتها الرقمية الوطنية والمحلية، فتطبّق تدابير لا تكتفي بتعزيز قابلية اكتشاف المحتوى الثقافي المحلي، بل تضمنها على المدى الطويل. وتمثّل المبادرات التي نفّذتها في كيبيك اللجنة الاستشارية المعنية بقابلية اكتشاف المحتوى الثقافي المتنوع في البيئة الرقمية مثالاً قوياً على ذلك، إذ تعزّز المحتوى الثقافي الناطق بالفرنسية في البيئات الرقمية. ومن الإجراءات الدولية الرئيسية المنبثقة عن هذه المبادرة تعزيز التحالف الفرنسي الكيبيكي وتعبئة الشبكات الناطقة بالفرنسية. وتشمل التدابير الإضافية آليات تمويل لإنتاج المحتوى الثقافي بما يضمن توزيعه في البيئات الرقمية ويدعم أنواعاً جديدة من المحتوى، وزيادة الدعم المالي لدبلجة المحتوى السمعي البصري الكيبيكي وترجمته إلى لغات أخرى. غير أن اللجنة تُبرز نقص البيانات الوصفية الموحّدة، كالعنوان والمؤلف والنوع والكلمات المفتاحية، ما يصعّب إدارة الأعمال الثقافية وتقاسمها ومن ثم قابلية اكتشاف المحتوى الثقافي الكيبيكي.

ولمعالجة ذلك، تقترح المبادرة اعتماد إطار موحّد لهيكلة البيانات الوصفية، يضمن التوافق بين المنصات والاتساق مع المعايير الدولية. كما تنظر في إنشاء هيئة كيبيكية متخصصة للإشراف على جهود التوحيد ودعم أصحاب المصلحة ورصد ممارسات البيانات. ولتشجيع الاعتماد، يجب أن تلتزم المنظمات الثقافية بهذه المعايير شرطاً مسبقاً للحصول على التمويل العام، بما يحفّزها على الامتثال. ويمكن لهذا النوع من المبادرات أن يكون دليلاً للحكومات المحلية والوطنية لتطبيق تدابير منهجية ذات أثر طويل الأمد في إدماج المحتوى الثقافي المحلي في البيئات الرقمية.

ومن العوامل المهمة الأخرى لحماية التنوع الثقافي في البيئات الرقمية معرفة الخصائص الديموغرافية لمبدعي المحتوى الثقافي الرقمي على المنصات الإلكترونية بين الفئات المختلفة. غير أن ثمة نقصاً في البيانات والمعلومات المتاحة في هذا المجال. فالمنصات الإلكترونية مثل نتفليكس ويوتيوب وتيك توك كثيراً ما تحجب البيانات الديموغرافية المفصّلة عن المستخدمين ومبدعي المحتوى، بما فيها الجنس والأصل الجغرافي ونوع المحتوى والأرباح، بدواعٍ تتصل أساساً بالخصوصية والمصالح التنافسية. ويعزّز غياب لوائح موحّدة تفرض هذا الإفصاح هذا الغموض، ويتيح للمنصات التحكم في مدى ما تتقاسمه من معلومات. ولهذا الافتقار إلى الشفافية عواقب كبيرة على معالجة التفاوتات في مشهد المحتوى الرقمي، إذ يواجه الباحثون وصانعو السياسات ومجموعات المناصرة، في غياب هذه البيانات، صعوبات في تحديد أوجه عدم المساواة البنيوية والحد منها، ما يقيّد قدرتهم على تصميم آليات دعم فعالة للفئات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً. ومع ذلك، أُجريت بعض التحليلات عن مبدعي المحتوى، علماً بأن فئة مبدعي المحتوى الرقمي قد تكون أوسع من فئة الفنانين والمهنيين الثقافيين كما تعرّفها اليونسكو. فقد أشار استقصاء أجرته شركة أدوبي عام 2022 مثلاً إلى أن الرجال أرجح من النساء في تحقيق الدخل من محتواهم، حتى مع مراعاة الزيادة الطفيفة في تمثيل المبدعين الذكور في الاستقصاء. وتقاسمت منصة «باتريون» لتحقيق الدخل بيانات تشير إلى أن أغلبية مبدعيها يقيمون في كندا والولايات المتحدة، تليهما أوروبا، في حين لا تتجاوز نسبتهم 6% في منطقة آسيا والمحيط الهادئ و1% في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

ويرسّخ الذكاء الاصطناعي كذلك الصور النمطية عن التنوع الثقافي في المجال الرقمي. فقد كشفت دراسة أجراها موقع «ريست أوف وورلد» حلّلت 3000 صورة أُنشئت باستخدام «ميدجورني» أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعيد إنتاج صور نمطية متمركزة حول الغرب. فالصور الناتجة عن طلب «شخص هندي» مثلاً صوّرت في الغالب رجالاً مسنّين بأزياء تقليدية، بينما أظهر طلب «شخص أمريكي» في الغالب نساء شابات فاتحات البشرة. وتُبرز توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضرورة ضمان النفاذ إلى أشكال التعبير الثقافي المتنوعة في توزيع المحتوى القائم على الذكاء الاصطناعي، ومعالجة مخاطر التجانس الخوارزمي والتحيزات الكامنة في مجموعات بيانات تدريب هذه الأنظمة. فانعدام الشفافية في أنظمة الذكاء الاصطناعي يسهم في تحيزات ترسّخ السرديات الثقافية المهيمنة. وكما تُبرز هذه التوصية، يجب أن تُدمج الاعتبارات الأخلاقية في جميع مراحل دورة حياة نظام الذكاء الاصطناعي. وتُعدّ مرحلة التدريب الأولية الأكثر حسماً على امتداد هذه الدورة في تحديد الخوارزميات الناتجة، إلى حد أن بعضهم يرى أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي يمكن اعتبارها شيفرة تحركها البيانات. فهذه المرحلة هي الأشد أهمية في منع التحيز وضمان تنوع رؤى العالم في الخوارزمية الناتجة.

ومن المخاطر الكبرى الأخرى على التنوع الثقافي في أنظمة الذكاء الاصطناعي ما يُعرف بانهيار النماذج. فالمحتوى الاصطناعي، من نصوص وصور ومقاطع فيديو وموسيقى ينشئها الذكاء الاصطناعي، ينمو حالياً نمواً هائلاً، مع تراجع ملحوظ في المحتوى الذي يولّده البشر. ويُتوقع أن يتزايد هذا الاتجاه في السنوات المقبلة، بل يرى بعض الخبراء أنه لن يمضي وقت طويل قبل أن يصبح معظم محتوى الشبكة محتوى اصطناعياً. وسيغدو ذلك إشكالياً بسبب انهيار النماذج، الذي يُوصف بأنه ما قد يحدث «حين يُغذّى نظام الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد ببيانات اصطناعية بدلاً من محتوى أنشأه البشر أصلاً، فيبدأ الذكاء الاصطناعي في التدهور، ويفقد قدرته على التعميم انطلاقاً من تدريبه، وينتج مخرجات متكررة أو شديدة التشابه».

وستزداد فائدة الصكوك القانونية لأنها لا تتناول قابلية الخوارزميات للتدقيق فحسب، بل تمتد إلى شفافية مجموعات بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي ومساءلتها. وتؤكد توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الضرورة الأخلاقية للشفافية وقابلية الفهم في العمليات الخوارزمية وفي مجموعات البيانات التي تغذيها على حد سواء، وتشدد على الحاجة إلى استراتيجيات متينة لحوكمة البيانات تقيّم باستمرار جودة بيانات التدريب، بما في ذلك ملاءمة عمليات الجمع والانتقاء. وتُشجَّع الدول الأعضاء على تعزيز استخدام مجموعات بيانات عالية الجودة ومتنوعة ومستمدة من مصادر مشروعة وتيسيره في تدريب الذكاء الاصطناعي وتطويره، لضمان التنوع الثقافي في أنظمته. ويشمل ذلك إدراج مجموعات بيانات متعددة اللغات، وضمان تمثيل نظم معرفة ورؤى معرفية متنوعة، وإدماج بيانات من المجتمعات المهمّشة تاريخياً لمنع التجانس الثقافي والتحيز. وعلاوة على ذلك، تدعو التوصية إلى إنشاء مجموعات بيانات «معيارية ذهبية»، بما فيها مستودعات بيانات مفتوحة وموثوقة تحافظ على النزاهة الأخلاقية والقانونية، وتشدد على أهمية التوصيف الموحّد لمجموعات البيانات، كتصنيف البيانات بحسب الجنس وسائر الأبعاد ذات الصلة، لتعزيز الشفافية في مصدر البيانات وخصائصها.

ومن الجوانب الحاسمة التي كثيراً ما تُغفل في حوكمة الذكاء الاصطناعي من زاوية التنوع الثقافي مسألة البيانات الغائبة. فبينما تركّز النقاشات كثيراً على إساءة استخدام البيانات، كانتهاك الخصوصية، أو على الفرص الضائعة في استخدام مجموعات البيانات المتاحة، يظل تحدي البيانات الغائبة كبيراً. فأجزاء واسعة من العالم لا تزال فقيرة بالبيانات، وهو وضع يحدّ من تمثيلها في أنظمة الذكاء الاصطناعي. وقد رُبط الإخفاق في عكس التنوع اللغوي والثقافي للعالم بالتحيزات في مخرجات الذكاء الاصطناعي، لكنه يمثّل أيضاً فرصة ضائعة للمجتمعات التي تفتقر إلى تمثيل كافٍ في البيانات للاستفادة من تطبيقاته. ومن الأمثلة ذات الصلة على معالجة هذه المسألة مشروع «الذكاءات الوفيرة»، وهو مبادرة تقودها مجتمعات الشعوب الأصلية في كندا تسعى إلى معالجة نقص تمثيل بيانات الشعوب الأصلية في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فمن خلال جمع بيانات الشعوب الأصلية وهيكلتها، يضمن المشروع أن تخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه الشعوب على نحو أفضل وأن تعكس تنوعها الثقافي والمعرفي. ومن الأمثلة الأخرى مشروع «بابا ريو» التابع لمؤسسة «تي هيكو ميديا» في نيوزيلندا، الذي يركّز على إحياء لغة الماوري بجمع البيانات اللغوية ومعالجتها لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على فهم النصوص وتوليدها بهذه اللغة. وتشمل الجهود الرامية إلى معالجة هذه التحديات وضع سياسات وتنفيذها لتيسير جمع مصادر بيانات متنوعة ثقافياً وممثّلة تمثيلاً ناقصاً وتوصيفها وإدماجها في نماذج الذكاء الاصطناعي.

غير أنه من الضروري في هذا السياق التذكير بأن الثقافة تتجاوز السلع والخدمات الثقافية. فالثقافة بمعناها الأوسع تشمل أنماط العيش والقيم والديناميكيات المميزة لمختلف المجتمعات والجماعات. وهي ليست كياناً مجرداً، بل ترتبط ارتباطاً جوهرياً بالسياقات المحددة التي تتكشف فيها الحياة الثقافية وتتطور. وكما سبقت الإشارة، أصبحت البيئات الرقمية اليوم سياقات رئيسية تجري فيها الحياة الثقافية، وتتزايد أهميتها باستمرار. وثمة «منصّاتية» عالمية توحّد أنماط التواصل الاجتماعي والتخاطب والمشاركة في النقاشات الاجتماعية والممارسات الثقافية. بيد أن السياسات الثقافية الرامية إلى تعزيز التنوع تميل إلى التركيز أساساً على تنوع أشكال التعبير الثقافي وتمثيلها، دون أن تعالج خصوصيات الفضاءات الرقمية بوصفها سياقات تتكشف فيها الثقافات المختلفة. ومن الأمثلة الوجيهة على التوحيد التكنولوجي للثقافة الشبكات الاجتماعية، التي يخاطبنا معظمها ذاتياً في صورة ملفات شخصية فردية. ويفترض ذلك تصوراً للمجتمع تتصل فيه ذرات فردية عبر روابط تولّد شبكات، وهو تصور غربي حديث ونيوليبرالي. أما في ثقافات أخرى كثيرة، فالوحدة الأساسية للمجتمع ليست الأفراد بل الجماعات البشرية، ونادراً ما نرى شبكات اجتماعية مبنية على مبدأ الملفات الجماعية. ولضمان التنوع الثقافي في المجال الرقمي بما يتجاوز التمثيل الثقافي، يلزم أيضاً تعزيز «التنوع التقني»، أي تصميم تقنيات ومنصات وواجهات تفاعل ملائمة لمختلف الرؤى الكونية وأنماط العيش ومنظومات القيم الثقافية.

وبعض التقنيات القائمة يتطور بالفعل في هذا الاتجاه: فالمنصات الاجتماعية اللامركزية والمجتمعية مثل «سكاتلبات» و«ماستودون» تعطي الأولوية للمجتمعات المحلية على الخوارزميات العالمية، بما يعزّز الاستقلالية الرقمية والتنظيم الذاتي خلافاً لنماذج المنصات التجارية التقليدية. وبالمثل، صُمّمت منصة التواصل الاجتماعي الهندية «شيرتشات» خصيصاً لتلائم التنوع اللغوي والثقافي في البلاد، إذ انطلقت عام 2015 بتركيز فريد على الناطقين باللغات الإقليمية كالهندية والتيلوغوية والبنغالية والتاميلية. وقد منحت ميزات مثل مرشحات المحتوى الإقليمية والوسوم المحلية والاتجاهات المتوافقة مع المهرجانات والتقاليد الثقافية صوتاً رقمياً لفئات كانت ممثّلة تمثيلاً ناقصاً، وقلّصت الفجوة بين المستخدمين الريفيين والحضريين في الفضاء الاجتماعي الإلكتروني.

وبعيداً عن الشبكات الاجتماعية، تعزّز الأدوات الرقمية التعاونية العاملة خارج منطق السوق التنافسية التنوعَ التقني كذلك. فمشروع «كوميوزيوم» في اليونان مثلاً يوفّر نظاماً تعاونياً لإدارة أرشيفات المتاحف يعلي التبادل على تحقيق الربح، مقدّماً بديلاً لنماذج الرقمنة التي تهيمن عليها الشركات الكبرى. ومن الأمثلة الأخرى تطبيق «العافية التبتية بالذكاء الاصطناعي» الذي طُوّر في الصين ونيبال ويدمج مبادئ الطب التبتي في تطبيقات الصحة الرقمية، ما يبيّن أن البنية التحتية الرقمية يمكن تصميمها لاستيعاب منظورات ثقافية مختلفة. وعلاوة على ذلك، فإن ضمان التنوع التقني في المنظومات الرقمية أمر أساسي لصون التنوع الثقافي صوناً حقيقياً، لا يقتصر على التمثيل، بل يمتد إلى إعادة التفكير في البنى ذاتها للتفاعل الرقمي بطرق شاملة ثقافياً.

تنظيم الاستخدام العادل وإعادة توزيع قيمة البيانات الثقافية في أنظمة الذكاء الاصطناعي

يحظى مبدعو الأعمال الأصلية عموماً بحماية قوانين الملكية الفكرية التي تضمن لهم تعويضاً عادلاً عن عملهم. وقانون حق المؤلف شكل من أشكال الملكية الفكرية يشمل عادة جانبين. أولهما الحق المعنوي، الذي يحمي نسبة العمل شخصياً إلى مؤلفه، ويمنح المؤلف القدرة على اختيار متى وكيف يُعرض العمل، والاعتراض على أي تدخل أو تعديل ينتهك سلامة العمل، وهذه النسبة المعنوية غير قابلة للنقل ولا تنقضي أبداً. وثانيهما الحق الاقتصادي، إذ ينطوي حق المؤلف على حقوق استخدام الأعمال الفنية واستنساخها، والحق في عمل نسخ منها وتوزيعها واشتقاق أعمال من العمل الأصلي. ويتناول هذا الجانب البعد الاقتصادي للعمل، إذ يمكن نقل حقوق الاستخدام والاستنساخ أو بيعها، ولها مدة محدودة بحسب الولاية القضائية المعنية.

واستناداً إلى تقارير الدول الأعضاء عن الإجراءات المتخذة استجابةً لتوصية اليونسكو لعام 1980 بشأن وضع الفنان، تُظهر البيانات أن نسبة عالية من الدول الأعضاء تفيد بامتلاكها قوانين تنظم الملكية الفكرية، إذ أفادت بذلك جميع دول الشمال العالمي مقابل 89% من دول الجنوب العالمي. غير أن ثمة تحديات واسعة الانتشار في تطبيقها، إذ أفادت 45% من الدول الأعضاء على مستوى العالم بمواجهة تحديات في تنفيذ توصيات حقوق الملكية الفكرية، بواقع 40% في الشمال العالمي و49% في الجنوب العالمي.

وقد يكون ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي عديدة خلال السنوات الثلاث الماضية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، عاملاً حاسماً في التحديات التي تواجهها الدول الأعضاء في تنفيذ توصيات الملكية الفكرية وقوانينها. وكما سبق ذكره، يتردد صدى هذا القلق لدى الفنانين أنفسهم، إذ أصدر تحالف حقوق الفنانين رسالة وقّعها أكثر من 200 فنان تنتقد غياب التعويض العادل عن استخدام هذه الأنظمة لأعمالهم واستنساخها. ومع أن بيانات تدريب هذه الأنظمة يمكن جمعها من مصادر مشروعة أو مدفوعة، فإن معظم البيانات المستخدمة اليوم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة تُستمد من الإنترنت بتقنيات كشط الويب، وهي تقنية تستخدمها البرامج الحاسوبية لاستخراج المعلومات من المواقع الإلكترونية.

وتركّز نقاشات كثيرة حول حق المؤلف في بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي على نوع الموافقة المطلوبة من أصحاب الحقوق. فهذه القوانين تشترط عادة تراخيص طوعية وصريحة ينقل بموجبها أصحاب الحقوق حقوق الاستخدام أو الاستنساخ عبر اتفاق تجاري أو غير تجاري. والترخيص محوري في نموذج أعمال كثير من الصناعات الثقافية والإبداعية، وقد أبدى أصحاب مصلحة مختلفون استعدادهم وقدرتهم على الترخيص بأعمالهم لتدريب الذكاء الاصطناعي. وبحلول أواخر عام 2023، كانت اتفاقات الترخيص قائمة بالفعل أو قيد الإعداد في قطاعات مثل الموسيقى والتسجيلات الصوتية والصحافة، ومن الأمثلة العلنية الاتفاقات بين أوبن إيه آي من جهة ووكالة أسوشيتد برس وشاترستوك من جهة أخرى، وبين غيتي إيمجز من جهة وإنفيديا وبريا من جهة أخرى، وبين فيسوال ورايتسيفاي.

غير أن هذه الاتجاهات نحو نموذج الترخيص الطوعي واجهت عوائق وانتقادات كبيرة. إذ يرى خبراء كثيرون أن هذا النهج لا يمكنه تلبية حجم البيانات وتنوعها وأنواعها التي يتطلبها تدريب الذكاء الاصطناعي، وأنه سيكون باهظ التكلفة، ولن يتاح إلا لبعض المطورين، وستعوقه الصعوبة العملية في تحديد جميع أصحاب حقوق المؤلف والتواصل معهم. ومن الأمثلة على ذلك شركة «هاغينغ فيس» الفرنسية الأمريكية التي تطوّر أدوات لبناء التطبيقات باستخدام التعلم الآلي، إذ ذكرت في دراسة مكتب حق المؤلف الأمريكي ومشاوراته أنه «ليس من المجدي حالياً طلب الموافقة المسبقة على البيانات المنشورة بالفعل، ولا سيما أن أغلبية البيانات المحمية بحق المؤلف على الشبكة ليس لها صاحب حق يسهل تحديده». وجاء في التعليقات الأولية لشركة أنثروبيك أن «نظاماً يشترط الترخيص دائماً سيؤدي، في أقل تقدير، إلى إغلاق النفاذ فعلياً إلى الأغلبية الساحقة من الأعمال، لأن معظمها لا يُدار ولا يُرخَّص به بنشاط بأي شكل». وذكرت مؤسسة «آر ستريت» في تعليقاتها الأولية أن «التكاليف المرتبطة بالحصول على هذه التراخيص قد تجعل مشاريع الذكاء الاصطناعي مكلفة إلى حد مفرط، فتعوق الابتكار وتعرقل نمو القطاع».

واستجابةً للتحديات المذكورة آنفاً، استُحدثت نماذج «الانسحاب»، مثل استثناء التنقيب في النصوص والبيانات الوارد في توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن حق المؤلف في السوق الرقمية الموحدة. ويهدف هذا النموذج إلى منح مطوري الذكاء الاصطناعي استثناءات من حق المؤلف، مع إتاحة إمكانية حجب المبدعين إذنهم باستخدام أعمالهم في التدريب. وقد أجرت المملكة المتحدة مؤخراً مشاورة لتقييم إمكانية استحداث هذا النوع من الاستثناءات. وجاءت بعض التحليلات والتعليقات، كتلك التي قدّمها خبير الملكية الفكرية نيكولاس كاديك عام 2025، صريحة في إبراز التحديات القانونية والجوانب الإشكالية لتطبيق حلول الانسحاب. فبحسب كاديك، يُرجَّح أن ينتهك الاستثناء المقترح في المملكة المتحدة للتنقيب في النصوص والبيانات لأغراض تدريب الذكاء الاصطناعي اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية. ويُبرز تحليله القانوني شاغلين رئيسيين: أولهما أن إلزام المبدعين بالتحفظ على حقوقهم بصورة فعلية يستحدث إجراءً شكلياً محظوراً بموجب المادة 5(2)، وثانيهما أن النطاق الواسع للاستثناء لا يجتاز «اختبار الخطوات الثلاث» الوارد في المادة 9(2)، إذ ليس حالة خاصة محددة تحديداً ضيقاً، وقد يتعارض مع الاستغلال التجاري العادي للأعمال، وقد يلحق ضرراً غير مبرر بمصالح المؤلفين. ومن المخاطر الإضافية الأعباء الإجرائية، وعدم وضوح التعويض، والإضرار بمن لا يعلمون بآلية الانسحاب.

وتستكشف بعض البلدان أنواعاً أخرى من الأطر القانونية للتعويض. ففي البرازيل، يُلزم مشروع قانون مقترح شركات الذكاء الاصطناعي بتعويض أصحاب الحقوق عن استخدام أعمالهم في التدريب، بما يضمن تفاوضاً عادلاً فردياً أو جماعياً، ويدعو إلى تعويض متناسب مع حجم نظام الذكاء الاصطناعي وأثره المحتمل في السوق، مع الحفاظ على حرية التعاقد. ويجري النظر في الترخيص الجماعي الموسّع بوصفه نهجاً تشريعياً آخر لتيسير تدريب الذكاء الاصطناعي حين يتعذر الترخيص الفردي. وبموجب هذا النظام، ترخّص منظمة للإدارة الجماعية بجميع الأعمال ضمن فئة معينة ما لم ينسحب أصحاب الحقوق، مع التفاوض على الشروط في السوق وبقدر من الإشراف الحكومي. وقد سُحب مقترح إسباني عام 2024 لترخيص جماعي موسّع يتعلق بالذكاء الاصطناعي بعد أن كشفت المشاورات العامة أن المهنيين في القطاع الثقافي رأوا أنه لا يصون مصالحهم. والآراء منقسمة: فالمؤيدون يرونه وسيلة مرنة لإتاحة الترخيص الواسع النطاق وتعويض الاستخدامات السابقة، في حين يرى المنتقدون، ولا سيما مجموعات أصحاب الحقوق، أن نظام الانسحاب مرهق وغير فعال. ويعدّ مكتب حق المؤلف الأمريكي الترخيص الجماعي الموسّع بديلاً أقل تدخلاً من الترخيص الإجباري، ويرى أنه قد يكون ملائماً إذا ثبت عدم كفاية الترخيص الطوعي.

غير أن المشكلة في تحديد ما إذا كانت أعمال محمية قد استُخدمت في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي تكمن في أن كثيراً من المطورين لا يُفصحون عن مجموعات البيانات المستخدمة في عملية تدريب الخوارزميات، إذ «لم تُفصح ميدجورني، وهي من أوائل الشركات الناجحة في مجال توليد الصور، عن مجموعات البيانات التي تستخدمها، وبالمثل لا تُفصح أوبن إيه آي دائماً عن مجموعات البيانات المستخدمة في منتجاتها». ولحماية الفنانين والمبدعين الثقافيين حماية فعالة، وضمان حصولهم على تعويض عادل عن استخدام أعمالهم، وصون حقوقهم المعنوية في تحديد أين وكيف يمكن استخدام أعمالهم، تشترط توصيات سياساتية كثيرة أن يُفصح مطورو الذكاء الاصطناعي عن مجموعات البيانات المستخدمة في تدريب أنظمتهم. وتؤكد توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي أنه ينبغي للدول الأعضاء أن تضع متطلبات واضحة لشفافية أنظمة الذكاء الاصطناعي وقابليتها للتفسير لضمان جدارة دورة حياة النظام بأكملها بالثقة. واستكمالاً لهذا التوجيه، يؤكد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة «حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية» الصادر عام 2024 أن الإفصاح عن البيانات، ولو اقتصر على العناصر الرئيسية، أمر حاسم لفهم النموذج وتقييم المخاطر القانونية. وتدعو هذه التوصيات إلى إطار تنظيمي يدمج الشفافية والمساءلة والانفتاح مبادئ تأسيسية لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، فإن اشتراط الإفصاح عن مجموعات بيانات التدريب، وإن كان خطوة ضرورية، قد لا يكون كافياً. فالتعقيدات التقنية الدقيقة لهذه الأنظمة تعني أنه حتى مع وجود هذا الشرط، كثيراً ما يسهل الالتفاف على قوانين الملكية الفكرية القائمة، فيبقى الفنانون والمبدعون الثقافيون دون حماية كافية. فبعض مجموعات البيانات تحتوي نسخاً من أعمال كاملة، وفي هذه الحالة قد تنطبق قوانين حق المؤلف القائمة، لكن الأمر ليس كذلك في جميعها. فثمة طرق عديدة لجمع البيانات وتنظيمها في مجموعات؛ بعضها لا يحتوي إلا على البيانات الوصفية للبيانات الأصلية، وبعضها الآخر يكتفي بروابط إلى تلك البيانات، أي لا يحتوي البيانات ذاتها. ولهذا فإن بعض مجموعات البيانات ينشئ نسخة كاملة من العمل، في حين لا ينشئ بعضها الآخر سوى نسخة مؤقتة تتيح له استخراج المعلومات اللازمة من بيانات وصفية أو روابط. ومن الأمثلة على ذلك «لايون»، وهي حالياً أكبر مجموعة بيانات لأزواج النصوص والصور، إذ تتألف مدوّنتها النهائية التي تضم 5.8 مليارات مُدخل مفرد من روابط حصراً.

ويعني ذلك أنه حتى لو أفصحت شركة علناً عن مجموعة البيانات المستخدمة في تدريب نظامها، تظل حماية الفنانين الذين أُدرجت أعمالهم فيها دون تعويض أمراً صعباً إذا كانت المجموعة لا تحتوي إلا على بيانات وصفية أو روابط لا على نسخ من الأعمال. بل يمكن الاحتجاج بأنه لم تُنشأ سوى نسخة مؤقتة من العمل، وأن قانون حق المؤلف، ولا سيما في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لا يوفّر حماية لهذه النسخ العابرة إذا لم تكن للعمل قيمة اقتصادية مستقلة في العملية التكنولوجية. وإضافة إلى ذلك، كثيراً ما تتيح الاستثناءات من قانون حق المؤلف استخدام البيانات لأغراض البحث دون تعويض، لكن يظل غير واضح ما إذا كان يمكن استخدام هذه البيانات لاحقاً لأغراض تجارية، لا سيما بالنظر إلى المصالح التجارية للجامعات ومراكز البحث. ويُبرز ذلك التوتر بين حماية المبدعين وتعزيز الابتكار، وهما هدفان متساويان في الأهمية قد يتعارضان أحياناً. فنماذج الذكاء الاصطناعي لا تخزّن البيانات مباشرة، بل تحتوي على تقريبات إحصائية لها تُعرف بالفضاء الكامن، ولا تحتفظ بنسخ من أعمال محددة ولا تولّدها، ما يعني أن مخرجاتها لا تمثّل انتهاكاً مباشراً لحق المؤلف. وهكذا يمكن للنماذج أن تعمل مستقلة عن مجموعة البيانات الأصلية، مولّدة نتائج يصعب جداً اعتبارها نسخاً أو أعمالاً مشتقة.

وتجعل حدود قوانين حق المؤلف القائمة في التعامل مع التحديات التي أفرزتها أنظمة الذكاء الاصطناعي استكشاف حلول جديدة أمراً حتمياً. فالذكاء الاصطناعي يدفع إلى إعادة تعريف النسخ في قانون حق المؤلف، الذي طالما فُهم على أنه استنساخ كامل وجوهري، ليتلاءم مع السياق التكنولوجي الراهن. ولذلك من الضروري تشجيع الابتكار وتحديث قوانين الملكية الفكرية لحماية الفنانين والمبدعين الثقافيين. فعلى سبيل المثال، يقترح بعض الخبراء إيجاد حلول تقنية تتيح التصريح في البيانات الوصفية للملفات الرقمية بما إذا كان المبدع يختار أن يكون عمله جزءاً من بيانات تدريب الخوارزميات أم لا. وتستكشف مبادرات مثل «الملكية المشتركة الجزئية» إمكانات نوع آخر من الملكية الجزئية المشتركة بين الفنانين والمبدعين الثقافيين والتوزيع اللامركزي، باستخدام تقنيات سلاسل الكتل. ومن شأن ذلك أن يقوّي الروابط بين المجتمعات الثقافية، ويعزّز استقلاليتها وقدرتها على صنع القرار، ويوفّر مسؤولية مشتركة عن استخدام أعمالها وتوزيعها. ولإتاحة ذلك، ينبغي أن يكون تمويل البحث عن استجابات تقنية مبتكرة لحدود قوانين الملكية الفكرية ودعمه أولوية مهمة في الصناعات الثقافية والإبداعية.

وتركّز قوانين الملكية الفكرية القائمة على العلاقة المباشرة بين الفرد والأعمال التي يبدعها. ويستند ذلك إلى نموذج حديث للإبداع والفنان، يُنظر فيه إلى الذات بوصفها مستقلة وإلى العمل بوصفه أصلياً يعكس هذه الاستقلالية والتفرد. ومع أن هذا النموذج قد يشمل أنواعاً معينة من الإبداعات، فإنه يبدو متجاوزاً في السياقات المعاصرة. فنماذج الإبداع والإبداعية تتطور مع الإمكانات التكنولوجية الجديدة، ويطرح الذكاء الاصطناعي تحدياً مستجداً. وكما بيّن التحليل السابق، تُظهر قوانين حق المؤلف التي تشدد على الملكية الفردية قيوداً كبيرة حين تُطبّق على نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة، حيث ينتج التجميع الهائل للبيانات مخرجات تمزج بين قدرات الإنسان والآلة.

ولذلك يلزم التفكير فيما يتجاوز أشكال التعويض الفردية، لأن القيمة المعرفية للبيانات في هذه الأنظمة شأن جماعي. فليست البيانات الفردية ما يحمل قيمة محددة في عمليات تدريب الذكاء الاصطناعي، بل تجميع كميات كبيرة من البيانات. وتنبع هذه البيانات من الطريقة التي باتت بها الحياة الثقافية المعاصرة مندمجة في البيئات الرقمية. ومع تزايد أهمية الذكاء الاصطناعي في العالم، فإنه يرسي محوراً جديداً من اللاتماثل المعرفي. ولذلك تُحث الحكومات على إعادة التفكير في ملكية البيانات، كي تتمكن من الاستفادة من القيمة الاقتصادية التي تسهم بياناتها الثقافية في توليدها في مجال الإدراك الاصطناعي والحصول على حصة منها.

وتشير توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى البيانات بوصفها مورداً ينبغي تقاسمه، وإلى أنه ينبغي للدول الأعضاء أن تعتمد نهج المشاعات الرقمية في التعامل مع البيانات حيثما كان ذلك ملائماً. لكنها تشدد على هذا النهج من أجل التشغيل البيني للأدوات ومجموعات البيانات وواجهات الأنظمة المستضيفة للبيانات فحسب، وتقصر عن بيان كيفية إدارة المنافع الاقتصادية للبيانات بوصفها مورداً عاماً. وبعض الاستراتيجيات الرقمية الإقليمية، كالاستراتيجية الرقمية للمفوضية الأوروبية وقانون حوكمة البيانات الأوروبي لعام 2022، تعترف بالفعل بالبيانات مورداً مشتركاً. غير أن هذه الوثائق، وإن كانت تشجع استخدام البيانات للمنفعة العامة وأغراض المصلحة العامة، لا تشير صراحة إلى البيانات بوصفها منفعة مشتركة، وهو مصطلح يستتبع الملكية والإدارة الجماعيتين، بل ينصبّ تركيزها على وضع أطر وشروط لتقاسم البيانات وإعادة استخدامها.

وتُعدّ صناعة الذكاء الاصطناعي حالياً قطاعاً يدرّ منافع اقتصادية هائلة، غير أن الدور الذي يؤديه المجتمع في توليد البيانات التي تُدرَّب عليها هذه الأنظمة لا يحظى بالاعتراف أو التعويض. ويتعين على المنظمات الدولية كاليونسكو، وعلى الاستراتيجيات الرقمية الإقليمية والوطنية، أن تكون أكثر تحديداً في بيان كيف يمكن لأنماط الملكية الجماعية للبيانات وللبيانات بوصفها منفعة عامة أن تتحول إلى منافع اقتصادية للمجتمع. ويعني ذلك أن السياسات الثقافية ينبغي أن تمنح البيانات الثقافية كياناً قانونياً واضحاً، بوصفها أشكال تعبير ثقافي رقمية وبيانات مستمدة من الحياة الثقافية بمعناها الأوسع الجارية في البيئات الرقمية، وأن تنظّم طريقة إدارة القيمة المعرفية والاقتصادية المستمدة منها وتوزيعها. ويمكن للتفكير في البيانات بوصفها منفعة مشتركة أن يفتح الباب أمام إيجاد طرق جديدة ومبتكرة للتعويض الجماعي لا الفردي عن المنافع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، قد تكون الضريبة على أنظمة الذكاء الاصطناعي حلاً، لا لتحلّ محل آليات التعويض الفردية أو الجماعية عن الملكية الفكرية، بل لتعمل إلى جانبها على نحو تكميلي. ولن يكون لمثل هذه الضريبة معنى إلا إذا طُبّقت على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي لا تُفصح عن بيانات التدريب المستخدمة في تطوير نماذجها. فإذا استطاع نظام ما أن يثبت أنه حاز جميع بيانات تدريبه بطريقة مشروعة، أي أنه دفع ثمن أي سلع ثقافية خاضعة لحقوق الملكية الفكرية، فلا تنطبق عليه هذه الضريبة. ويمكن بعد ذلك توجيه الأموال المحصّلة من هذه الضرائب إلى الصناعات الثقافية والإبداعية لتعويض ما يلحق بهذا القطاع من ضرر بصورة غير مباشرة، من حيث فقدان الوظائف أو الدخل، أو لدعم برامج ومبادرات تكفل انتقالاً عادلاً إلى الذكاء الاصطناعي مالياً، كبرامج التدريب والبنية التحتية.

ويجب أن تُدرس الآليات المحددة لتطبيق هذا الإجراء الضريبي بعناية وأن يحددها خبراء من تخصصات متعددة على نحو تعاوني، مع الموازنة بين جدواه ومخاطره ومنافعه المحتملة. ومع ذلك، ثمة حاجة ملحّة اليوم إلى تصور سبل بديلة لإعادة توزيع القيمة الاقتصادية التي تولّدها المشاعات الرقمية، وهي نتاج ثقافاتنا المرقمنة. فكما طوّرت اليونسكو مفاهيم ذات قيمة تشغيلية عملية لحماية الطبيعة والثقافة، كمفهوم التراث العالمي، نحتاج اليوم إلى مفاهيم جديدة قادرة على صون الثقافة جماعياً وهي تتكشف في البيئات الرقمية. ولا شك في أن تطبيق هذا النهج يتطلب قناعة وإرادة سياسية وعمل متخصصين، لأنه ميدان لم يُستكشف بعد. لكن الوضع يستدعي التجريب وتطبيق أشكال جديدة من التعويض أكثر جماعية وشمولاً لمختلف القطاعات مما هو قائم حالياً. ويمكن لهذه الضريبة على الذكاء الاصطناعي أن تفيد أيضاً في تقليص مركزية قطاع التكنولوجيا واحتكاره، بتشجيع ظهور فاعلين جدد من أحجام مختلفة، كما يمكنها أن تعزّز المسؤولية الاجتماعية والضوابط التي يجب أن تخضع لها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

الاستنتاجات والدروس الرئيسية

ينبغي للحكومات أن تعطي الأولوية للتمويل العام والتعاون بين القطاعات لمعالجة أوجه عدم المساواة الرقمية، بما يضمن ألا يكون النفاذ مدفوعاً بالسوق وحدها، بل متّسقاً مع المبادئ الديمقراطية للسيادة الرقمية. ويتطلب ذلك آليات تمويل مختلط، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، واستثمارات موجّهة في المناطق المحرومة لسد فجوات البنية التحتية مع الحفاظ على الاستقلالية الثقافية واستقلالية صنع القرار.

وينبغي للحكومات أن تدمج تدابير منهجية في استراتيجياتها الرقمية لضمان قابلية اكتشاف المحتوى الثقافي المحلي على المدى الطويل، بما يشمل تمويل إنتاج المحتوى، وتوحيد البيانات الوصفية لإدارة أفضل للمحتوى، وحوافز للالتزام بأطر قابلية الاكتشاف.

وينبغي للمنصات الرقمية أن تُفصح، بطريقة تصون الخصوصية، عن البيانات الديموغرافية لمبدعي المحتوى ومستخدميه، لدعم الحكومات في صنع سياسات مستنيرة تعالج التفاوتات في المشاركة في الإنتاج الثقافي الرقمي. ومع أن الأطر القانونية تشترط عادة الشفافية في مجموعات بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي، فمن الضروري تطبيق تدابير تضمن الامتثال لهذه التوصية الأخلاقية.

وينبغي للمنظمات الدولية أن تضع معايير واضحة لتقييم جودة مجموعات البيانات، تمكّن الحكومات من مساءلة مطوري الذكاء الاصطناعي عن تنوع بيانات تدريبهم وسلامتها. وكما تشير توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ينبغي للدول الأعضاء أن تسهم في إنتاج مجموعات بيانات عالية الجودة ومتنوعة ومستمدة من مصادر مشروعة لصون التنوع الثقافي في أنظمة الذكاء الاصطناعي، عبر توفير بيانات متعددة اللغات وشاملة تعكس نظم المعارف المتنوعة والمجتمعات المهمّشة، بما يمنع التجانس الثقافي والتحيز.

وينبغي تسخير الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لإيجاد مسارات مبتكرة للمبدعات لإنتاج أعمالهن الفنية وتوزيعها، بما يضمن الأجر العادل ويحمي حقوق الملكية الفكرية، مع المكافحة الفاعلة للتحرش الإلكتروني والتحيز الجنساني في الذكاء الاصطناعي من خلال مجموعات بيانات وفرق تطوير متنوعة، ولا سيما في حالات الطوارئ التي تتعرض فيها حقوقهن وحرياتهن الرقمية لخطر أكبر.

وينبغي لأطر السياسات أن تعترف بالتنوع التقني جانباً رئيسياً في حماية التنوع الثقافي في المجال الرقمي، بما يتجاوز تنوع أشكال التعبير الثقافي. ويتطلب ذلك دعم تطوير منصات وبنى تحتية رقمية تتّسق مع الرؤى الكونية وأنماط العيش ومنظومات القيم الثقافية المتنوعة.

ويضمن تشجيع التقنيات اللامركزية والمجتمعية والمتكيفة ثقافياً، كالشبكات الاجتماعية الخاصة بمناطق بعينها والأدوات الرقمية البديلة، أن تفسح المنظومات الرقمية المجال لأنماط العيش وأشكال التفاعل الثقافية المتنوعة.

وينبغي للحكومات والمؤسسات الثقافية والمنظمات الدولية أن تطبّق سياسات موحّدة لرقمنة التراث الثقافي، تضمن الحوكمة الأخلاقية ومشاركة المجتمعات وسيادة البيانات، بما يشمل أطراً لمنع الاستخراجية الرقمية، وتعزيز تحكم المجتمعات أو الجهات المحلية أو الوطنية في البيانات الثقافية، وتعزيز التشغيل البيني من أجل نفاذ منصف وإدارة مسؤولة للتراث.

ويجب على الحكومات أن تستهدف الشباب وكبار السن والمجتمعات المهمّشة في برامجها لمحو الأمية الرقمية ورفع المهارات، وأن تدمج تعليم الذكاء الاصطناعي في المناهج المدرسية، وتدعم التعلم مدى الحياة، وتعزّز الشراكات بين القطاعات لضمان النفاذ المنصف إلى الأدوات والفرص الرقمية ومنع الفجوات الرقمية. وينبغي تعزيز الدعم الدولي لمساعدة البلدان المنخفضة الدخل على تعزيز برامج المهارات الرقمية ورفعها وتنفيذها، بما يضمن مشاركتها في المشهد الثقافي الرقمي العالمي.

وينبغي لصانعي السياسات أن يعملوا بتعاون وثيق مع القطاع الخاص والمجتمعات الإبداعية لإرساء آليات لتحديد الاحتياجات الناشئة من المهارات المتصلة بالذكاء الاصطناعي في الصناعات الثقافية والإبداعية، بما يمكّنهم من تصميم سياسات مستنيرة في هذا المجال، وأن يدرسوا كيف يمكن القضاء على التحيز المتصل بالنوع الاجتماعي وسائر أوجه عدم المساواة البنيوية في أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية، أو الحد منه على الأقل.

وينبغي تكييف الأطر القانونية لمعالجة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على حقوق الملكية الفكرية. ويتعين على الحكومات تحديث قوانين حق المؤلف بإعادة النظر في المفهوم التقليدي للنسخ، الذي لم يعد يعبّر تماماً عن الطرق التي تعالج بها أنظمة الذكاء الاصطناعي المحتوى وتولّده. وإضافة إلى ذلك، ينبغي إعطاء الأولوية لتمويل الحلول التقنية المبتكرة، كآليات الموافقة عبر البيانات الوصفية ونماذج الملكية اللامركزية، ودعمها من خلال التعاون بين القطاع العام والمنظمات الدولية والصناعات التكنولوجية والثقافية والإبداعية.

وينبغي للحكومات والمنظمات الدولية أن تعترف بالبيانات الثقافية منفعةً مشتركة جماعية، وأن تضع أطراً تنظيمية تحمي قيمتها الثقافية والاقتصادية والمعرفية. ويجب أن تضمن السياسات حوكمة منصفة للبيانات الثقافية، تمنع تسليعها غير المقيّد وتعزّز في الوقت ذاته تطويراً عادلاً وشاملاً للذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي.

وينبغي للاتفاقات الدولية والحكومات أن تستكشف نماذج تعويض جديدة، كضريبة على الذكاء الاصطناعي تستند إلى حجم مجموعات البيانات وتسويق النماذج. ويمكن توجيه الإيرادات المحصّلة إلى صناديق عامة لدعم القطاع الثقافي، والحد من خسائر الدخل، وتمويل برامج رفع المهارات الرقمية من أجل انتقال عادل إلى صناعات ثقافية وإبداعية قائمة على الذكاء الاصطناعي. ومن شأن هدف مستقل للثقافة أن يضمن إرساء آليات سياساتية لإعادة توزيع القيمة المستمدة من البيانات الثقافية، بما يعزّز نظماً للتعويض الجماعي عن الإسهامات الثقافية في الاقتصاد العالمي.

إن ترسيخ الأهداف الثقافية في السياسات الرقمية لن يصون التراث الثقافي ويعزّز الإلمام بالمهارات الرقمية في القطاعات الإبداعية فحسب، بل سيضمن أيضاً أن تحترم الابتكارات الرقمية التنوع الثقافي وتضخّمه بدلاً من أن تقوّضه. ويمكن لهدف مستقل للثقافة في خطة ما بعد عام 2030 أن يعيد تعريف طريقة التعامل مع البيانات الثقافية بوصفها منفعة عامة، بما يعزّز النفاذ المنصف وإعادة توزيع القيمة الثقافية والاقتصادية والمعرفية المستمدة منها، ويرسي بذلك منظومة ثقافية رقمية أكثر عدلاً وشمولاً.

موجز سياسات: كاثرين ماغنان

تسخير التقنيات الرقمية مع صون العمل الإبداعي وحماية المبدعين

رئيسة وحدة السياسات الثقافية في المفوضية الأوروبية.

في مشهد يتطور بسرعة، لا بد من إدراك الإمكانات التحويلية للتقنيات الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، وتسخيرها داخل القطاع الثقافي ولصالحه، مع معالجة ما يرتبط بها من تحديات ومخاطر.

فالتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي يُحدثان ثورة في إبداع الفنون والثقافة وصونها والتفاعل معها وتجربتها. وتدعم أدوات الذكاء الاصطناعي تفسير التراث الثقافي وإعادة بنائه، ويمكنها أيضاً أن تعفي المهنيين الثقافيين من بعض المهام المملة والرتيبة، فتتيح لهم تخصيص مزيد من الوقت للمساعي الإبداعية. كما يسهم التخصيص وتحليل البيانات في تيسير النفاذ وتحسين التفاعل مع الجمهور، ويفتحان فرصاً جديدة للشركات الإبداعية. غير أن ثمة أيضاً مخاوف جدية تتعلق بإحلال الوظائف والمهارات وخسائر الإيرادات والتحيزات والتنوع الثقافي واللغوي وسيادة البيانات.

فالمحتوى الثقافي والإبداعي هو الأساس الذي تزدهر عليه كثير من المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي. غير أن هذه المنصات لا ينبغي أن تُبنى على حساب المبدعين، بل على العكس، لا بد من ضمان الحماية الفعالة لحقوق المبدعين ودفع مقابل استخدام أعمالهم في البيئة الرقمية، وهو ما يجب أن يكون في صميم صون قيمة العمل الإبداعي وسلامته واستدامته.

كما تطرح الوتيرة الهائلة للتقدم التكنولوجي طائفة من الأسئلة المجتمعية والأخلاقية المهمة حول مكانة الإنسان ودور الثقافة والإبداع وتعريفهما في عالم الغد.

وقد اتخذت أوروبا خطوات مهمة في الاستخدام المسؤول والأخلاقي للتقنيات، إذ أرسى الاتحاد الأوروبي إطاراً تنظيمياً متيناً يدعم المبدعين والتنوع الثقافي. فقد وضع قانون حق المؤلف الأوروبي معياراً لاستخدام المحتوى الإبداعي على الإنترنت، يضمن حصول المبدعين على أجر عادل في الفضاء الرقمي. ويمثّل قانون الذكاء الاصطناعي كذلك علامة فارقة في الموازنة بين ذكاء اصطناعي جدير بالثقة ومتمحور حول الإنسان والابتكار، إذ سيضمن شفافية أنظمة الذكاء الاصطناعي واحترامها لحقوق المبدعين. وعلاوة على ذلك، حشد الاتحاد الأوروبي تمويلاً مهماً لدعم التحول الرقمي للصناعات الثقافية والإبداعية، وتعزّز هذه الاستثمارات النفاذ إلى المحتوى الثقافي وتقاسم البيانات وتطوير المهارات والابتكار. ففي مجال التراث الثقافي مثلاً، تنشئ المفوضية الأوروبية سحابة تعاونية مخصصة وفضاءً للبيانات للاستفادة القصوى من التكنولوجيا المتقدمة وتقاسم البيانات لصالح التراث الثقافي. ويمثّل «تحالف تقنيات اللغة» الذي أُطلق مؤخراً جهداً واسع النطاق لتجميع البيانات اللغوية للاتحاد الأوروبي وبناء مستودع شامل للموارد اللغوية العالية الجودة لصون التنوع اللغوي والثقافي في أوروبا، بما يعزّز التميز والريادة التكنولوجيين.

وقد أعلنت المفوضية الأوروبية مؤخراً خطة طموحة لـ«قارة أوروبية للذكاء الاصطناعي» تهدف إلى رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي على نحو يعزّز القدرة التنافسية لأوروبا، ويصون قيمنا الديمقراطية ويدفعها قدماً، ويحمي تنوعنا الثقافي. وفي إطار هذه الخطة، ستبني المفوضية بنية تحتية واسعة النطاق للبيانات والحوسبة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتزيد النفاذ إلى البيانات الكبيرة والعالية الجودة، وتعزّز استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاستراتيجية بما فيها الصناعات الثقافية والإبداعية، وتقوّي مهارات الذكاء الاصطناعي ومواهبه، بما في ذلك مبادرات لاجتذاب النساء والفتيات إلى التعليم والتدريب في هذا المجال. وبالتوازي مع ذلك، ستعمل المفوضية على نهج مخصص للذكاء الاصطناعي في الصناعات الثقافية والإبداعية يضمن أن يمكّن الذكاء الاصطناعي الإبداع البشري ويعزّزه، وأن يسهم في صون التنوع الثقافي واللغوي الأوروبي.

ويجمع بين الاتحاد الأوروبي واليونسكو، بوصفهما شريكين منذ أمد بعيد، قيم مشتركة والتزام متبادل بالنهوض بتحول رقمي متمحور حول الإنسان. والتعاون مع الحكومات والمؤسسات الثقافية والمنظمات الدولية أساسي لصياغة سياسات شاملة تضع الإنسان والثقافة في المركز. ومن خلال إعطاء الأولوية المشتركة للثقافة والتنوع الثقافي والابتكار الرقمي، يمكننا أن نضمن أن تكون هذه الأدوات محرّكات قوية للتنمية الشاملة والمستدامة، تصون ثراء التنوع الثقافي واللغوي وتُثري المجتمعات في أنحاء العالم.

دراسة ذات صلة