القائمة الرئيسية

الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود (6/5)

الثقافة: هدف التنمية المستدامة المفقود (6/5)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الدور المحوري للثقافة في التصدي لتحديات تغير المناخ وتعزيز الاستدامة البيئية. يشدد على أن الثقافة ليست مجرد ضحية لتغير المناخ الذي يهدد التراث الطبيعي والثقافي ويزعزع المجتمعات، بل هي محرك أساسي للحلول. فمن خلال الفنون، الأدب، السينما، ومعارف الشعوب الأصلية وممارساتها التقليدية (مثل "العيش الطيب" في الأنديز)، توفر الثقافة رؤى عميقة للتكيف والتخفيف، وتعزز التعاطف، وتلهم تصورات لعالم أكثر استدامة. يدعو الفصل إلى إدماج الأبعاد الثقافية بشكل منهجي في السياسات المناخية الوطنية والدولية، والاستثمار في بناء القدرات والتمويل لتمكين انتقال عادل للصناعات الثقافية والإبداعية نحو ممارسات خضراء، وتعزيز الوعي العام من خلال التعبئة الفنية، مع التأكيد على ضرورة سد الفجوات المعرفية لتقوية الأدلة على إمكانات الثقافة في دفع العمل المناخي العالمي.

الفصل الخامس

التصدي لتغيّر المناخ وتعزيز الاستدامة البيئية من خلال الثقافة

تياغو جيسوس، باحث ومنتج إبداعي يعمل على النهوض بالنُّهج القائمة على الثقافة في العمل المناخي

أصوات مبدعة: أوتو هوديتس

بذور مستقبل أرحم: دور الثقافة في تصوّر عالم مستدام

فنان تشكيلي ومعلّم في الجامعة التقنية في كوشيتسه، سلوفاكيا.

في عالم اليوم الذي تجتاحه أعاصير جيوسياسية واقتصادية، ونيران حروب، وعواصف من عدم المساواة الاجتماعية، وفيضانات من الهجرة، تؤدي الثقافة دوراً لا بديل له. فهي تساعدنا على فهم العالم، وتوفّر فضاءات آمنة نعيش فيها الصدمة والفرح جماعياً، وتعيد وصلنا بما يجعلنا بشراً: حساسيتنا وتعاطفنا وقابليتنا للخطأ ووعينا بذواتنا.

ويصدق ذلك أيضاً على الاستدامة والبيئة. ففي المجالات الفنية التي أعرفها، كانت الثقافة طليعة التفكير الإيكولوجي، إذ حوّلت التركيز من عصر الإنسان إلى رؤية أكثر تعاطفاً مع تعايشنا مع الحيوانات والنباتات، ومن الفردانية إلى فهم الإنسان جزءاً لا ينفصل عن نظمه الإيكولوجية. وباتت أساليب الإبداع والنقل والإنتاج واستخدام الطاقة المستدامة جزءاً متزايداً من العمل الثقافي. وللفن والثقافة حرية تخيّل ما لا يُتخيّل، أي صوغ بدائل طوباوية، وإبداع أمثلة صغيرة على الاستدامة، وتعزيز مجتمع قائم على الرعاية يُحسب فيه حساب الأضعف.

ومن خلال المسرح والأدب والسينما والمنشآت الفنية، استكشف فنانون كثيرون التوازن الدقيق للكوكب، ولا سيما في البيئات المحلية. وهم، كطيور الكناري في مناجم الفحم، يستشعرون أن فكرة النمو الحضاري اللامتناهي آخذة في التلاشي مع صيرورة كلفتها البيئية أمراً لا يمكن إنكاره.

وليس من قبيل المصادفة أن تتجه الفعاليات والمؤسسات الثقافية الكبرى والمشاريع المجتمعية نحو معارف مجتمعات الشعوب الأصلية والمجتمعات التقليدية وممارساتها. فالميدان الثقافي يسائل الإرث الاستعماري والعقلاني، ويعيد فحص هياكل السلطة، ويستكشف استراتيجيات جديدة للعمل الجماعي. وطالما تحدّت الفنون رؤى العالم الموروثة وألهمت رؤى لعالم لا تُقاس فيه القيمة بالمادة أو القيمة المالية أو المنفعة أو المردود أو الخام أو الطاقة وحدها، بل بالرعاية والترابط. وفي مقابل النماذج الاقتصادية القائمة على الغزو، ثمة رؤية للأرض بوصفها «مركبة فضائية» هشة تكون فيها الاستدامة البيئية الضرورة القصوى، وهي فكرة استكشفها كينيث بولدينغ في مقالته الشهيرة عام 1966.

ولم يقتصر الأمر على تنظير الاقتصاديين الغربيين لنماذج العيش المستدام، بل الأهم أن مجتمعات الشعوب الأصلية عاشتها. ومن أمثلة ذلك «العيش الطيب»، أو «سوماك كاوساي» بلغة الكيتشوا، وهو نمط حياة يركّز على الجماعة والتوازن الإيكولوجي واحترام الثقافة، ويُنظر فيه إلى الإنسان لا بوصفه غازياً للطبيعة، بل جزءاً منها. وهذه الرؤية للعالم، المكرّسة بالفعل في أطر وطنية كدستور الإكوادور، ينبغي أن تصبح مبدأً موجّهاً للمؤسسات الثقافية والحكومات والهيئات الدولية.

وكثيراً ما يقف العاملون في المجالين الثقافي والبيئي جنباً إلى جنب لحماية ميادينهم من الضغوط السياسية والاقتصادية. وقد حاولت في عملي تسليط الضوء على جهود ناشطين يتخلّون عن الراحة والوقت، بل وعن سلامتهم أحياناً، لحماية الثقافة والطبيعة. وقد لا تغيّر الفنون الأنظمة مباشرة كما يفعل النشاط أو التشريع، لكنها تفتح القلوب وتلفت الانتباه وتكرّم من يدافعون عن تراثنا المشترك، سواء أكان موقعاً ثقافياً أم غابة محلية.

وفي عالم يواجه عدم القدرة على التنبؤ الجيوسياسي وعدم المساواة، ولا يزال منحنى انبعاثات غازات الدفيئة فيه يواصل صعوده بلا هوادة، تساعدنا الثقافة على إعادة الاتصال بما يجعلنا بشراً. فهي تعزّز التعاطف وتقدّم رؤى لتحولات جذرية في النموذج البيئي في مواجهة التحديات العالمية. وكما نرى، طالما جسّدت مجتمعات الشعوب الأصلية أنماط عيش مستدامة قائمة على الانسجام مع الطبيعة والرفاه الجماعي. ويجب على الميدان الثقافي أن ينخرط بعمق أكبر مع هذه الحكمة، وأن يرتقي بها، وأن يقاوم النماذج الاستخراجية والاستعمارية. وعلى الرغم من أزمات اليوم، أؤمن بأن مجتمعاً متمحوراً حول الرعاية والتوازن البيئي والاجتماعي والترابط أمر ممكن وواقعي. وليست هذه رؤية مفعمة بالأمل فحسب، بل رؤية ضرورية، ويمكننا أن نرى ملامح أشكالها بالفعل في أعمال فناني اليوم.

لمحة عامة

أولاً، يُعدّ تغيّر المناخ من أكبر التهديدات التي تواجه التراث الطبيعي والثقافي اليوم، ويتسبب في خسائر اقتصادية وغير اقتصادية معاً. فمن براري منتزه سيرينغيتي الوطني في تنزانيا وتاج محل في الهند إلى الأنهار الجليدية الشاسعة في غرينلاند بالدنمارك والكاتدرائيات الباروكية في أمريكا اللاتينية، يُقدَّر أن واحداً من كل ثلاثة مواقع للتراث الطبيعي وواحداً من كل ستة مواقع للتراث الثقافي مهددة حالياً بآثار الظواهر الجوية المتطرفة والظواهر المناخية البطيئة الظهور. وعلاوة على ذلك، يزعزع تغيّر المناخ على نحو متزايد النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمعات في أنحاء العالم. ولما كانت أشكال كثيرة من التراث الثقافي غير المادي مرتبطة ارتباطاً عميقاً بأماكن وأقاليم وبيئات طبيعية محددة، فإنه يهدد كذلك استمرارية التراث الحي وحامليه، والموارد التي يحتاجون إليها لممارسة تراثهم الحي ونقله.

ثانياً، تُعدّ الشعوب الأصلية من أكثر الفئات عرضة لآثار تغيّر المناخ. ويتفاقم ضعفها بفعل عوامل متقاطعة متعددة تنتج عدم المساواة، كالنوع الاجتماعي والدخل والطبقة، وبفعل تهميش تاريخي لا يزال يتعزّز اليوم عبر سياسات وأطر قانونية تنتهك حقوقها وتغيّر أقاليمها. وإضافة إلى ذلك، يقلّص الضرر الذي لا يمكن إصلاحه اللاحق باللغات ونظم المعرفة وسبل العيش، بسبب فقدان التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، القدرةَ التكيفية القوية لهذه المجتمعات. ومع ذلك، يُولى اهتمام متزايد لنظم معارف الشعوب الأصلية وعلاقتها المستدامة بالبيئة دعماً للعمل المناخي العالمي.

ثالثاً، في ظل حاجة الكوكب الملحّة إلى التحول في جميع جوانب الحياة الإنسانية، يملك الميدان الثقافي قوة هائلة لدعم هذا الانتقال، لا سيما أن الثقافة مصدر للمعرفة والقيم والتواصل. ولذلك يتزايد الاعتراف بأن الثقافة ليست ضحية لتغيّر المناخ فحسب، بل مورد قوي أيضاً للحد من المخاطر وإدارتها ولاستراتيجيات التخفيف من تغيّر المناخ والتكيف معه، إذ تقدّم معارف وممارسات قيّمة تعزّز قدرة المجتمعات على الصمود أمام آثار المناخ. ومن ثم يُعدّ إدماج الأبعاد الثقافية في العمل المناخي أمراً أساسياً للحد من الهشاشة وتعزيز نُهج شاملة تصون نظم المعرفة وأشكال التعبير الثقافي المتنوعة وتعزّزها.

رابعاً، يتطلب الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون في سياق الثقافة استثماراً كبيراً في المهارات والموارد والبنية التحتية، إلى جانب ضرورة حماية التراث والممارسات الثقافية وصونها، وبناء التوافق بين صانعي القرار، مع تمكين المجتمعات من البقاء حارسة فاعلة لمواردها الثقافية والطبيعية. ويجب أن يضمن إطار الانتقال العادل للقطاع الثقافي الإنصاف في عمليات التخطيط المناخي وصنع القرار، مع تدابير موجّهة لدعم المجتمعات المحلية والمنظمات الأصغر الأشد ضعفاً. ويشمل ذلك برامج بناء القدرات والتدريب، والتمويل المنصف للتقنيات الخضراء، والاعتراف بالحقوق الأصيلة للشعوب الأصلية، والسياسات الخاصة بالنوع الاجتماعي، والتوزيع العادل للمنافع على الأكثر تأثراً بالانتقال.

خامساً، يجب بذل جهود متعددة الأطراف لتطبيق أطر سياسات فعالة تحمي الثقافة وتعزّزها في مواجهة تغيّر المناخ، وللنهوض بخطة عام 2030 واتفاق باريس. ولتحقيق ذلك، يجب على هيئات القطاع الثقافي والحكومات ومؤسسات البحث أن تعالج على وجه السرعة ثغرات المعرفة وتقوّي قاعدة الأدلة بشأن الصلات بين الثقافة والعمل المناخي. ويتطلب ذلك استثماراً في جمع بيانات تعاوني ومنسّق وبحوث موجّهة يُسترشد بها في سياسات وإجراءات مفصّلة على جميع المستويات، ولا سيما بشأن إسهامات الثقافة في التكيف والتخفيف ومنع الخسائر والأضرار وبناء الصمود ودفع تغيير السلوك. وكثيراً ما تتوسع الحلول القائمة على الثقافة بطرق مرتبطة بالمكان وخاصة بالقطاع وقابلة للتكيف ثقافياً، غير أن الجهود الحالية لا تزال تركّز بصورة غير متناسبة على أوروبا وأمريكا الشمالية، مع تمثيل محدود للمناطق الأخرى. ومن شأن تقوية قاعدة الأدلة على الإمكانات الهائلة للثقافة في دفع العمل المناخي أن يساعد على إطلاق الموارد المالية لتسريع التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة، ودعم الجهود الوطنية والمتعددة الأطراف لإدماج الثقافة رسمياً في السياسات والاستراتيجيات المناخية على جميع المستويات.

مقدمة

في أكتوبر 2024، وبعد شهر من تسجيلها أسوأ جودة هواء في العالم، استيقظت مدينة ساو باولو على جدارية ضخمة في الشارع تصوّر الناشطة من الشعوب الأصلية أليساندرا كوراب موندوروكو حاملةً لافتة تحمل النداء العاجل «أوقفوا الدمار»، واقفةً أمام مشهد جُرّد من غاباته، تغطيه جذوع أشجار عارية وأرض متشققة. وقد أبدع الفنان موندانو هذا العمل، الذي يغطي جانب مبنى من أحد عشر طابقاً، مستخدماً 100 كيلوغرام من رماد الحرائق التي دمّرت غابات الأمازون المطيرة، وطيناً من الفيضانات الكارثية التي شهدتها ولاية ريو غراندي دو سول في وقت سابق من ذلك العام. ويستخدم موندانو، الذي يسمّي نفسه «فناناً ناشطاً»، فن الشارع الجريء والملوّن ليجعل الناس يتوقفون ويتأملون كيف ترتبط ارتباطاً عميقاً بتغيّر المناخ هذه الكوارث غير المسبوقة والمتصاعدة التي تعيث خراباً في البرازيل، البلد المضيف لمؤتمر الأمم المتحدة لتغيّر المناخ في دورته الثلاثين في نوفمبر 2025.

والأنشطة البشرية هي المحرّك الرئيسي لتغيّر المناخ، ويعود ذلك أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري كالفحم والنفط والغاز، الذي يولّد انبعاثات غازات الدفيئة التي تعمل كغطاء يلفّ الأرض، فتحبس حرارة الشمس وترفع درجات الحرارة. وقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن عام 2024 كان الأشد حرارة على الإطلاق، إذ تجاوز متوسط درجة الحرارة العالمية خط الأساس لما قبل الحقبة الصناعية بمقدار 1.55 درجة مئوية. وشهد العقد الماضي أحرّ عشر سنوات مسجّلة، وكان عام 2024 أول سنة تقويمية يتجاوز فيها متوسط درجة الحرارة العالمية بمقدار 1.5 درجة مئوية متوسطَ الفترة من 1850 إلى 1900.

وتكتسي هذه العتبة أهمية لأنها تمثّل هدفاً رئيسياً لاتفاق باريس لعام 2015. ففي هذا الاتفاق التاريخي، التزمت 196 دولة طرفاً بالحد من الانبعاثات لإبقاء ارتفاع درجة الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الحقبة الصناعية بفارق كبير، مع مواصلة الجهود لحصره في 1.5 درجة مئوية. كما التزمت الأطراف بدعم البلدان في بناء القدرة على الصمود والتكيف مع آثار تغيّر المناخ. غير أن التقدم كان بطيئاً وصعباً. وفي السنوات الأخيرة، بلغت مؤشرات مناخية رئيسية مستويات قياسية، منها درجة حرارة سطح البحر وارتفاع منسوبه وفقدان الجليد البحري في القطب الجنوبي وتراجع الأنهار الجليدية.

ويشكّل تغيّر المناخ تهديدات كبيرة ومتصاعدة للكوكب بأسره، ويمسّ الناس والمجتمعات والنظم الإيكولوجية بصورة غير متناسبة. فالظواهر الجوية المتطرفة، كالفيضانات والأعاصير وموجات الحر والجفاف وحرائق الغابات، والخطر المحدق للظواهر الخطرة البطيئة الظهور، تعطّل المجتمعات حول العالم على نحو متزايد وتعرّض نظم الدعم البيولوجي للكوكب لخطر جسيم. وتهدد عواقب تغيّر المناخ تراثنا الطبيعي والثقافي والحي، وتعرّض الصناعات الثقافية والإبداعية للخطر، بل تدمّر في أشد السيناريوهات تطرفاً الأرواح وسبل العيش في أنحاء العالم.

ونظراً إلى الحاجة الملحّة إلى حصر ارتفاع درجة الحرارة العالمية في 1.5 درجة مئوية وتجنّب أسوأ السيناريوهات المناخية، يُبرز هذا الفصل آثار تغيّر المناخ في الثقافة، ويوضح أيضاً السبل التي تؤدي بها الثقافة دور المحرّك الذي لا غنى عنه لعمل مناخي فعال. فثمة فهم متزايد بأن الثقافة ليست مجرد ضحية لآثار تغيّر المناخ، بل مورد قوي للحد من المخاطر وإدارتها ولاستراتيجيات التخفيف والتكيف القادرة على الحد من الهشاشة وبناء الصمود في مواجهة هذه التحديات المتصاعدة. وكما قال سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، بحق: «تؤدي الفنون والثقافة دوراً حاسماً في إلهام الناس لتخيّل مستقبل منخفض الكربون وعادل وقادر على الصمود أمام تغيّر المناخ وتحقيقه».

الثقافة والعمل المناخي عند مفترق طرق

العلم واضح: اتفاق باريس في خطر جسيم، والسنوات القليلة المقبلة حاسمة للعمل المناخي. فلإبقاء هدف 1.5 درجة مئوية قائماً، يجب خفض الانبعاثات العالمية إلى النصف بحلول عام 2030 وبلوغ صافي انبعاثات صفري قرابة عام 2050.

وقد كشف التقرير التجميعي الأول للتقييم العالمي، وهو تقييم للتقدم الجماعي نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس أجرته اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، أن الجهود الحالية غير كافية، وأن العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهداف درجات الحرارة الطويلة الأمد. ويشير تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2024 أيضاً إلى أنه إذا لم تُرفع مستويات الطموح واقتُصر على تنفيذ السياسات الحالية، فقد ترتفع حرارة العالم بما يصل إلى 3.1 درجات مئوية خلال هذا القرن. ووفقاً لأحدث تقييم للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ، نخاطر، ما لم تُخفَّض الانبعاثات تخفيضاً عميقاً فورياً وغير مسبوق وتحدث تحولات كبرى في جميع القطاعات خلال هذا العقد، بخسارة نافذة فرصة قصيرة تنغلق بسرعة لتأمين كوكب صالح للعيش ومستقبل مستدام للجميع.

ويعيش ما يقارب 3.3 إلى 3.6 مليارات شخص في سياقات شديدة الهشاشة إزاء تغيّر المناخ. وقد تسببت آثاره بالفعل في أضرار كبيرة وخسائر يتزايد تعذّر إصلاحها في النظم الإيكولوجية البرية والمياه العذبة والساحلية والمحيطات المفتوحة. وتشتد هذه الآثار في المناطق الساحلية والدول المنخفضة، إذ تواجه أقل البلدان نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية أكبر المخاطر. ويتعرض ملايين الناس في هذه المناطق لانعدام حاد في الأمن الغذائي وتراجع في الأمن المائي، ما يفاقم أوجه الهشاشة القائمة. ويزيد ارتفاع درجات الحرارة وهطول الأمطار انتشار الأمراض لدى البشر والمحاصيل والماشية والحياة البرية. وبحلول نهاية القرن، قد يتعرض أكثر من نصف سكان العالم لفترات من الظروف المناخية المهددة للحياة بسبب الحرارة الشديدة والرطوبة.

وفي جميع البلدان، تكون المجتمعات الأشد ضعفاً هي الأكثر اعتماداً على الموارد الطبيعية في سبل عيشها والأقل قدرة على الاستجابة للمخاطر الطبيعية. فالنساء والفتيات، ولا سيما في المناطق الريفية وفي أوضاع الفقر، كثيراً ما يعشن آثار المناخ على نحو مختلف عن الرجال، بسبب عدم المساواة في النفاذ إلى الموارد والفرص. ويُقدَّر أن 158 مليون امرأة وفتاة يُدفعن إلى الفقر نتيجة مباشرة لتغيّر المناخ، وأن ما يصل إلى 80% من النازحين بسبب تغيّر المناخ أو الكوارث الطبيعية نساء وفتيات. وتفاقم الظواهر المناخية المتطرفة أوجه عدم المساواة وديناميكيات السلطة القائمة، وترسّخ الأعراف والصور النمطية الجنسانية الضارة. كما يكون العنف القائم على النوع الاجتماعي أكثر انتشاراً في مناطق النزاع التي تواجه أيضاً خطراً أعلى للظواهر الجوية المتطرفة. وفي أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يهاجر الرجال من المناطق الريفية إلى المراكز الحضرية بحثاً عن العمل، في اتجاه تحرّكه تغيّرات أنماط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، تاركين النساء والفتيات يدِرن الأسر ويكيّفن الممارسات الزراعية مع المناخ المتغير. كما ازداد تواتر زواج الأطفال، الذي تعدّه الأمم المتحدة عملاً من أعمال العنف القائم على النوع الاجتماعي، أو انخفض سن الزواج في دول مثل بنغلاديش والهند وإندونيسيا وموزمبيق ونيبال والصومال وسري لانكا، وكثيراً ما يكون ذلك آلية للتكيف تهدف إلى توليد دخل للأسرة استجابةً لفقدان الأصول والدخل بعد أزمات كالجفاف والفيضانات.

والمناخ والثقافة مترابطان ترابطاً عميقاً، إذ تتغلغل الثقافة في جميع أنماط الإنتاج والاستهلاك وأساليب العيش ونظم المعرفة والتنظيمات الاجتماعية التي أوجدت علاقة مختلة مع العالم الطبيعي، أسهمت نتيجتها في تغيّر المناخ. ومع حاجة الكوكب الملحّة إلى التحول في جميع جوانب الحياة الإنسانية، يملك الميدان الثقافي قوة هائلة لدعم هذا الانتقال.

فالثقافة مصدر للمعرفة والقيم والتواصل. والتنوع الثقافي، كما تقرر اليونسكو، ضروري للجنس البشري ضرورة التنوع البيولوجي بالنسبة للطبيعة. والمعرفة العلمية الميسّرة والحوار بين الثقافات والتفاهم المتبادل أمور حيوية لمساعدة المجتمعات على بناء الصمود وتمكين المشاركة المستنيرة لجميع الأفراد في النقاشات المناخية. وتعزّز هذه العناصر السلوكيات الإيجابية والتماسك الاجتماعي وصنع السياسات الشفاف، وهي مكونات أساسية لتسريع العمل المناخي.

الثقافة محرّكاً للتقدم نحو التنمية المستدامة والعمل المناخي

يُعدّ تغيّر المناخ من أكبر تحديات عصرنا، إذ تقوّض آثاره السلبية قدرة جميع البلدان على تحقيق التنمية المستدامة. ومع ما يشهده العالم من تحولات عميقة وسط أزمات بيئية متصاعدة، تشمل تغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث، تشكّل هذه التحديات المترابطة تهديدات كبيرة لتحقيق خطة عام 2030 وأهدافها السبعة عشر للتنمية المستدامة، المصمّمة لضمان حقوق جميع الناس ورفاههم على كوكب سليم ومزدهر. ووفقاً لتقرير أهداف التنمية المستدامة لعام 2024، ومع بقاء ست سنوات فقط على الموعد النهائي لعام 2030، لا يسير على المسار الصحيح سوى 17% من الغايات المقيّمة البالغ عددها 135 غاية، والتقدم الحالي قاصر إلى حد كبير عن تحقيق الأهداف. وفي سبتمبر 2024، خلال قمة الأمم المتحدة للمستقبل، أعاد قادة العالم تأكيد التزامهم بخطة التنمية المستدامة لعام 2030، مشددين على الحاجة الملحّة إلى تسريع التقدم نحو الأهداف مع الوفاء بالالتزامات المترتبة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ واتفاق باريس.

وكشف تقييم التقدم أن أياً من الغايات التسع المرتبطة بالمناخ، التي تشمل طائفة من الأهداف الرامية إلى التخفيف من آثار المناخ وتعزيز الممارسات المستدامة في قطاعات مختلفة، لم يُظهر تقدماً معتدلاً نحو تحقيق خطة عام 2030. ومما يثير القلق أن غاية واحدة، هي الغاية 15.1 المتعلقة بحفظ النظم الإيكولوجية البرية ونظم المياه العذبة واستعادتها، قد ركدت، في حين تراجعت غايتان أخريان إلى ما دون مستويات خط الأساس لعام 2015، هما الغاية 13.2 المتعلقة بإدماج تدابير تغيّر المناخ في السياسات والتخطيط، والغاية 14.7 المتعلقة بزيادة المنافع الاقتصادية من الاستخدام المستدام للموارد البحرية.

والثقافة منفعة عامة عالمية، كما اعترف بذلك الإعلان الختامي لموندياكولت 2022، وعامل تمكيني ومحرّك حاسم للتقدم نحو أهداف التنمية المستدامة. ويتطلب إحداث التغيير بالسرعة والحجم اللازمين جهداً غير مسبوق من المؤسسات العامة والقادة السياسيين. ويجب على البلدان والهيئات القطاعية ومنظمات المجتمع المدني أن تضاعف الجهود العالمية لتنفيذ سياسات وبرامج تحمي الثقافة وتعزّزها في مواجهة تغيّر المناخ، سعياً إلى تحقيق الهدف 13 المتعلق بالعمل المناخي، وإسهاماً في الأهداف الستة عشر الأخرى لخطة عام 2030. فالإخفاق في تحقيق الأهداف قد يغذّي مزيداً من عدم الاستقرار السياسي ويعطّل الاقتصادات ويفضي إلى أضرار لا رجعة فيها بالبيئة الطبيعية. ومن دون استثمار هائل وتوسيع للعمل، لن تتحقق هذه الأهداف.

وخلال العقود القليلة الماضية، تنامى الفهم للصلات التي لا تنفصم بين الثقافة والطبيعة، وللدور الحاسم الذي تؤديه هذه الصلات في التنمية المستدامة. ولذلك تحقق تقدم كبير في الآونة الأخيرة في إدماج الثقافة والتراث والإبداع في صياغة سياسات التنمية الوطنية والإقليمية والدولية وفي المنتديات الحكومية الدولية. فقد شكّل المؤتمر الثامن والعشرون للأمم المتحدة بشأن تغيّر المناخ نقطة تحول في الاعتراف بالثقافة مكوّناً أساسياً في الاستراتيجيات المناخية العالمية، وتحقق ذلك بإدراج التراث الثقافي ضمن غايات إطار الإمارات العربية المتحدة للصمود المناخي العالمي، وإنشاء مجموعة أصدقاء العمل المناخي القائم على الثقافة.

وإعادةً لتأكيد قدرة الثقافة على تجديد التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف وتوسيعه، دعا إعلان موندياكولت 2022 أيضاً إلى ترسيخ الثقافة منفعةً عامة عالمية وإدماجها هدفاً محدداً ضمن أهداف التنمية المستدامة لما بعد عام 2030. وأكدت الدول الأعضاء المشاركة البالغ عددها 150 دولة «أهمية إدماج التراث الثقافي والإبداع في المناقشات الدولية بشأن تغيّر المناخ، نظراً لأثره المتعدد الأبعاد في صون جميع أشكال التراث الثقافي وأشكال التعبير الثقافي، مع الاعتراف بدور الثقافة في العمل المناخي، ولا سيما من خلال نظم المعارف التقليدية ومعارف الشعوب الأصلية».

تغيّر المناخ، أكبر تهديد للثقافة والتراث

وفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، توّج عام 2024 عقداً كاملاً من «السلسلة الاستثنائية لدرجات الحرارة القياسية». وفي السنوات الأخيرة، اعتدنا على نحو متزايد مشاهدة حرائق وفيضانات وعواصف وابيضاض للشعاب المرجانية لا تهدأ، ضمن آثار كثيرة أخرى مرتبطة بتغيّر المناخ. وتشعر المجتمعات في أنحاء العالم بعواقب تغيّر أنماط الطقس، التي تعطّل سبل العيش وتفضي إلى النزوح والهجرة القسرية وتعرّض أنماط حياة بأكملها لخطر الزوال إلى الأبد.

ويُعدّ تغيّر المناخ من أكبر التهديدات التي تواجه التراث الطبيعي والثقافي اليوم. فمن براري منتزه سيرينغيتي الوطني في تنزانيا وتاج محل في الهند إلى الأنهار الجليدية الشاسعة في غرينلاند بالدنمارك والكاتدرائيات الباروكية في أمريكا اللاتينية، تعاني بعض أشهر ممتلكات التراث العالمي آثار الظواهر الجوية المتطرفة وتغيّر المناخ. وهذه الممتلكات، بما لها من قيمة عالمية استثنائية، أماكن تتجاوز أهمية حفظها الحدود والثقافات والأجيال. ويُقصد بالقيمة العالمية الاستثنائية الأهمية الثقافية أو الطبيعية الاستثنائية لموقع ما التي تتجاوز الحدود الوطنية وتحظى بأهمية مشتركة للأجيال الحالية والقادمة من البشرية جمعاء، ويجب أن يستوفي الممتلك لكي يُعدّ كذلك معياراً أو أكثر من عشرة معايير محددة، إلى جانب شروط السلامة أو الأصالة، وأن يتمتع بنظام حماية وإدارة ملائم يضمن صونه.

وتحمي ممتلكاتِ التراث العالمي الدولُ الأطراف المعنية في اتفاقية اليونسكو لعام 1972 بشأن حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، التي باتت مصادَقاً عليها عالمياً تقريباً، ما يجعلها من أوسع المعاهدات الدولية قبولاً. ومنذ عام 2021، فحصت لجنة التراث العالمي ما لا يقل عن 115 تقريراً عن حالة الحفظ لـ43 ممتلكاً من ممتلكات التراث العالمي في 41 بلداً لرصد أثر تغيّر المناخ تحديداً في قيمتها العالمية الاستثنائية، في إطار عملية الرصد التفاعلي النظامية. ويُقدَّر أن واحداً من كل ثلاثة مواقع للتراث الطبيعي وواحداً من كل ستة مواقع للتراث الثقافي مهددة حالياً بتغيّر المناخ.

التراث في الخطوط الأمامية لتغيّر المناخ

تُعدّ ممتلكات التراث العالمي الطبيعي أساسية لحفظ التنوع البيولوجي وصون خدمات النظم الإيكولوجية التي تعتمد عليها المجتمعات البشرية في رفاهها. فهي، مع تغطيتها أقل من 1% من سطح الأرض، تضم أكثر من خُمس الثراء العالمي المرصود للأنواع، وتشكّل ملاذاً لأكثر من 20 ألفاً من أشد الأنواع تهديداً في العالم. ويُعترف بها دولياً بوصفها أهم المناطق الطبيعية على الأرض لتنوعها البيولوجي العالي وموائلها الوظيفية وسلامة نظمها الإيكولوجية، ويجب أن يستوفي حفظها المعايير الرفيعة لاتفاقية التراث العالمي. غير أن الظروف المناخية المتغيرة تفرض عليها ضغطاً شديداً، إذ قد تؤدي كل زيادة في درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة إلى مضاعفة عدد الأنواع المعرّضة لظروف مناخية ضارة.

ويتسبب تغيّر المناخ في خسائر اقتصادية وغير اقتصادية، ويضر بخدمات النظم الإيكولوجية التي توفّرها ممتلكات التراث العالمي، كتنظيم المياه وحفظ التنوع البيولوجي وتخزين الكربون. وتشير دراسات حديثة لليونسكو إلى أن 60% من غابات التراث العالمي مهددة بظواهر مرتبطة بتغيّر المناخ. ومنذ منتصف العقد الثاني من هذا القرن، تسببت حرائق الغابات الشديدة المرتبطة بدرجات الحرارة المتطرفة وظروف الجفاف في انبعاثات مرتفعة في بعض المواقع، إذ ولّدت انبعاثات غازات دفيئة تزيد على 30 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في سنة واحدة، وهو ما يفوق الانبعاثات السنوية الوطنية من الوقود الأحفوري لأكثر من نصف بلدان العالم.

والمواقع البحرية تحت الضغط ذاته: فثلثا هذه المخازن الحيوية للكربون، التي تضم 15% من أصول الكربون الأزرق العالمية، يواجهان حالياً مخاطر عالية للتدهور، وقد تختفي الشعاب المرجانية من مواقع التراث الطبيعي بحلول نهاية القرن. ويسعى عقد الأمم المتحدة لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة من 2021 إلى 2030 إلى تحفيز علوم المحيطات وتوليد المعرفة لعكس تدهور حالة منظومة المحيطات. وستختفي الأنهار الجليدية في ثلث مواقع التراث العالمي التي تضم أنهاراً جليدية بحلول عام 2050 أياً كان السيناريو المناخي المطبّق، وقد تختفي بشكل شبه كامل في نحو نصف هذه المواقع بحلول عام 2100 في سيناريو استمرار الانبعاثات على حالها.

وتزداد ممتلكات التراث العالمي الثقافي هشاشة إزاء تغيّر المناخ، لأن كثيراً من المنشآت والمواقع المرشحة بُنيت لمناخات محلية محددة. فنحو 130 ممتلكاً من ممتلكات التراث العالمي الثقافي تواجه خطراً طويل الأمد من ارتفاع منسوب سطح البحر، منها كهوف إليفانتا في الهند، وجبل سان ميشيل وخليجه في فرنسا، وموقع قرطاج الأثري في تونس. وتكشف تغيرات منسوب البحر على الحافة القارية آلاف المواقع التي تعود إلى ما قبل التاريخ على الشواطئ، ويؤثر ارتطام الأمواج في الحصون الساحلية، فيما يتعرض التراث الثقافي المغمور بالمياه لتهديدات بسبب تغير أنماط الحفظ وتغير التيارات ودخول أنواع حيوانية جديدة إلى المياه. وفي الوقت نفسه، يخفض الجفاف المطوّل منسوب البحيرات والأنهار خفضاً كبيراً، كاشفاً المواد الأثرية ومؤدياً إلى تحللها السريع.

وتاريخياً، نشأت المدن والمستوطنات على امتداد السواحل والأنهار، ما يجعلها معرّضة بشكل خاص لآثار تغيّر المناخ. فمدن التراث العالمي ومواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه في منطقة البحر الأبيض المتوسط مثلاً تواجه طائفة من الآثار المرتبطة بتغيّر المناخ، من الفيضانات وعرام العواصف إلى الظواهر المتطرفة كموجات الحر والجفاف. ففي 12 نوفمبر 2019، شهدت البندقية وبحيرتها مداً تاريخياً تجاوز ارتفاعه 1.87 متر في ذروته، فغمرت المياه أكثر من 80% من المدينة وتضررت مئات المباني والمعالم، إذ لم تكن تدابير العزل المائي القائمة كافية للصمود أمام هذه المستويات المرتفعة من المياه. وتقدّر التوقعات أن متوسط منسوب البحر في البحيرة قد يرتفع ما بين 10 سنتيمترات و120 سنتيمتراً بحلول عام 2100، بحسب سيناريوهات الانبعاثات.

ويزداد التراث الثابت تعرّضاً للأضرار المرتبطة بالمناخ، ومنها الرياح المتطرفة والأمطار الغزيرة وتآكل السواحل والفيضانات والرطوبة. وإضافة إلى ذلك، يمكن لتقلبات المناخ داخل المباني، مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، أن تسبب العفن والتحلل وغزو الحشرات بما قد يمسّ السلامة الإنشائية. وقد تتزعزع الأساسات بسبب تغيرات رطوبة التربة أو دورات التجمد والذوبان أو ذوبان التربة الصقيعية في المناطق القطبية الشمالية. وتكتسي تغيرات الظروف البيئية أهمية بالغة للعمارة الطينية التقليدية، كمسجد جينيه في مالي وقصور وادان وشنقيط وتيشيت وولاتة القديمة في موريتانيا. وبالمثل، يهدد ارتفاع درجات حرارة التربة وتغير أنماط الهطول، بما يفضي إلى الجفاف أو الفيضانات، القطعَ الثقافية المدفونة بتسريع آليات التحلل في المواقع الأثرية ورفع مخاطر النهب والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.

ويزعزع تغيّر المناخ على نحو متزايد النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمعات في أنحاء العالم، سواء في المدن الكبرى المترامية الأطراف أو في المجتمعات الريفية النائية. ففي العقود الأخيرة، اتسع فهم التراث الثقافي اتساعاً كبيراً ليشمل لا المعالم والمباني ومجموعات القطع فحسب، بل التراث الثقافي غير المادي أيضاً، ويعود ذلك إلى حد بعيد إلى الصكوك التي وضعتها اليونسكو، ولا سيما اتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي. وهذه الاتفاقية هي اتفاقية التراث الوحيدة المكلّفة لا باحترام التراث الثقافي غير المادي، بما فيه نظم المعارف المحلية، والتعامل معه فحسب، بل بفهمه وصونه بوصفه منظومات. وللتراث الحي بُعد مزدوج في جميع حالات الطوارئ، بما فيها تغيّر المناخ.

ولما كانت أشكال كثيرة من التراث الثقافي غير المادي مرتبطة ارتباطاً عميقاً بأماكن وأقاليم وبيئات طبيعية محددة، فإن تغيّر المناخ يهدد استمرارية التراث الحي وحامليه والموارد التي يحتاجون إليها لممارسته ونقله. فالاضطرابات السريعة الناجمة عن الكوارث المفاجئة، والظواهر البطيئة الظهور كتغير الموائل وارتفاع منسوب البحر، قد تفضي إلى فقدان أو تحول المنشآت المبنية وفضاءات الممارسة والأداء وبيئات الموارد والموائل، بما يؤثر تأثيراً عميقاً في سبل العيش والهوية والروحانية. وبهذا المعنى، يشكّل تغيّر المناخ تهديدات حادة لقدرة المجتمع على إعادة إنتاج عاداته وهويته المشتركة وضمان نقل تراثه الحي إلى الأجيال القادمة.

وقد يتهدد الإحساس بالهوية المشتركة والانتماء بفقدان المكان أو نزوح المجتمعات. فسكان في أنحاء العالم يُهجَّرون أو يُجبرون على تغيير أنماط عيشهم وعملهم وتواصلهم الاجتماعي وعبادتهم بسبب تغيّر المناخ. ولفقدان الأرض وصلاحيتها للسكن وفقدان التراث الثقافي آثار متتالية في رفاه الناس، وقد يفضي إلى فقدان الصلة بأفراد المجتمع الآخرين، وبالأسلاف، وبالمواقع والفضاءات والمشاهد المألوفة، وبالمواد اللازمة لاستدامة الممارسات الثقافية. فالنزوح يفصل المجتمعات عن سياقاتها الاجتماعية والمادية والبيئية، فيقوّض شبكات الأمان والتماسك الثقافي لديها.

وتُعدّ الشعوب الأصلية من أكثر الفئات عرضة لآثار تغيّر المناخ. ويتفاقم هذا الضعف بفعل عوامل متقاطعة متعددة تنتج عدم المساواة، كالنوع الاجتماعي والدخل والطبقة، وبفعل تهميش تاريخي لا يزال يتعزّز اليوم عبر سياسات وأطر قانونية تنتهك حقوقها وتغيّر أقاليمها. وإضافة إلى ذلك، يقلّص الضرر الذي لا يمكن إصلاحه اللاحق باللغات ونظم المعرفة وسبل العيش، بسبب فقدان التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، القدرةَ التكيفية القوية لهذه المجتمعات.

غير أنه من الحيوي الاعتراف بقدرات المجتمعات على التكيف مع تغيّر المناخ. فالتراث الحي ديناميكي ويتطور وفق سياقات كل جيل واحتياجاته، وبدلاً من أن تقوّضه الظروف المناخية المتغيرة أو تجعله غير ذي صلة، يمكنه أن يُظهر قدرة على الصمود أمام السيناريوهات المستقبلية. وفهم الكيفية التي قد يتعرض بها التراث الحي للخطر أو يتحول وسط ظروف اجتماعية وبيئية متغيرة أمر حاسم لاستمرار صونه ونقله إلى الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق، من المهم تسليط الضوء بشكل خاص على الدور الذي تؤديه نساء الشعوب الأصلية في الحفاظ على البيئة والعمل المناخي. كما توحي البيانات المجمّعة خلال المرحلة التجريبية لتطبيق مؤشرات اليونسكو للثقافة|2030 بأن الدور المهم للمرأة عموماً في التكيف مع المناخ والصمود إزاءه يحظى باعتراف متزايد على مستوى السياسات، إذ قدّمت 7 من أصل 10 دول أعضاء مشاركة في هذه المرحلة ما يثبت أن السياسات تدعم على نحو متزايد الدور الخاص للمرأة في الإدارة البيئية المستدامة للموارد المحلية.

الآثار الاقتصادية لتغيّر المناخ في الثقافة والتراث

رأى تقرير ستيرن بشأن اقتصاديات تغيّر المناخ، وهو من أكثر تحليلات اقتصاديات المناخ تأثيراً، أن التقاعس قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 5% على الأقل، وربما بما يصل إلى 20%، في حين أن التخفيف المبكر سيكلّف نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً. ووفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تضاعفت الكوارث المرتبطة بالمناخ والطقس خمس مرات خلال السنوات الخمسين الماضية. وبين عامي 1998 و2017، قتلت الكوارث المرتبطة بالمناخ والكوارث الجيوفيزيائية 1.3 مليون شخص، وخلّفت 4.4 مليارات آخرين بين مصاب ومشرد ونازح ومحتاج إلى مساعدة طارئة. ومع أن معظم الوفيات نجمت عن ظواهر جيوفيزيائية، ولا سيما الزلازل وموجات تسونامي، فإن 91% من جميع الكوارث سببتها الفيضانات والعواصف والجفاف وموجات الحر وسائر الظواهر الجوية المتطرفة. وتكبّدت البلدان المنكوبة خسائر اقتصادية مباشرة قُدّرت بـ2908 مليارات دولار، تسببت الكوارث المرتبطة بالمناخ في 2245 ملياراً منها، أي 77% من الإجمالي.

ولا تزال الآثار الاقتصادية لتغيّر المناخ في قطاعي الثقافة والتراث غير محسوبة إلى حد بعيد، ما يؤكد الحاجة الملحّة إلى مزيد من البحث والإبلاغ الموجّه. فهذان القطاعان يواجهان هشاشة فريدة، لأن مواقع التراث الثقافي وقطعه وممارساته كثيراً ما تكون غير قابلة للاستبدال ومتشابكة تشابكاً عميقاً مع هوية المجتمعات وصمودها. وعلاوة على ذلك، جعلت المخاطر المتزايدة للظواهر الجوية المتطرفة تأمين ممتلكات التراث الثقافي في المناطق العالية المخاطر أكثر صعوبة، ما أفضى إلى ارتفاع التكاليف أو عدم كفاية الحماية المالية.

ففي عام 2022، تسببت الأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة في كارثة غير مسبوقة في باكستان، أصابت نحو 33 مليون شخص، أي واحداً من كل سبعة، وشرّدت قرابة 8 ملايين، وحصدت أرواح أكثر من 1700 شخص ثلثهم من الأطفال. وقدّر تقييم الاحتياجات بعد الكارثة أن جهود التعافي وإعادة الإعمار الإجمالية تتطلب 16.3 مليار دولار، منها 12.8 مليون دولار تُعزى إلى الأضرار والخسائر في قطاعي الثقافة والتراث، مع حاجة إضافية إلى 8.5 ملايين دولار لتعافيهما وإعادة إعمارهما. وتعرّض ما لا يقل عن 149 موقعاً للتراث الثقافي، منها موقعان للتراث العالمي في السند، لأضرار جزئية لكنها كبيرة. وتضررت أضراراً واسعة أعداد كبيرة من الأبراج البوذية والمعابد الهندوسية وأضرحة سلالات ما قبل الإسلام وما بعده. وتواجه هذه المواقع، التي يتمتع كثير منها بأهمية تاريخية وثقافية، تدهوراً طويل الأمد يهدد لا صونها فحسب، بل إسهاماتها الاقتصادية أيضاً، بما سيؤثر بدوره في أعداد الزوار وإيرادات بيع التذاكر والمكاسب غير المباشرة لقطاعات الغذاء والضيافة والسياحة.

والسياحة من أكبر القطاعات الاقتصادية في العالم وأسرعها نمواً، وتؤدي دوراً حاسماً في اقتصادات وطنية كثيرة. غير أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية يطرح مخاطر كبيرة على هذه الصناعة. ففي اليونان، حيث تُعدّ السياحة ركيزة للاقتصاد الوطني، أُجلي أكثر من 2000 سائح بسبب حرائق الغابات في جزيرة رودس، في حين اتخذت أثينا خطوة غير مسبوقة بإغلاق أبرز معالمها السياحية، الأكروبوليس المدرج على قائمة التراث العالمي، بعد أن بلغت درجات الحرارة 45 درجة مئوية في يوليو 2023. وتُعدّ السياحة الساحلية، أكبر شرائح قطاع السياحة العالمي، معرّضة بشكل خاص، إذ تعتمد عليها بلدان كثيرة اقتصادياً، ولا سيما الدول الجزرية الصغيرة النامية. وفي منطقة البحر الكاريبي، قد يؤدي ارتفاع منسوب البحر إلى تقلص مساحات الشواطئ بنسبة 59%، بما يفضي إلى انخفاض إيرادات السياحة المباشرة بنسبة 47%. وعلاوة على ذلك، تُعدّ هذه المنطقة شديدة الهشاشة إزاء الظواهر الجوية المتطرفة، إذ يُتوقع أن تصبح أمطار الأعاصير أرجح بما يصل إلى خمسة أضعاف في إسقاطات المناخ الأدفأ.

وتشتد الآثار الاقتصادية لتغيّر المناخ على سبل العيش التقليدية وسبل عيش الشعوب الأصلية، بما فيها المشاريع المتناهية الصغر كالصيد البري والصيد البحري والجمع والزراعة المتنقلة والرعي والزراعة في المرتفعات. فبين نوفمبر 2023 وأبريل 2024، شهدت منغوليا ظاهرة «دزود» مدمّرة، وهي شتاء قاسٍ يعقب جفاف الصيف، أنهكت الماشية ومجتمعات الرعاة في البلاد، وأسفرت عن نفوق 7.9 ملايين رأس من الماشية جوعاً وبرداً، أي 12.3% من القطيع الوطني، مع تداعيات عميقة على النسيج الثقافي والاقتصادي لمجتمعات الرعاة الرحّل. فهذه المجتمعات تعتمد على الأبقار والأغنام والماعز لا من أجل القوت والدخل فحسب، بل من أجل ممارسات مثل تقنيات الرعي التقليدية والطقوس الموسمية وإنتاج الحرف اليدوية كصناعة اللباد والجلود والمنسوجات الصوفية، وكلها جزء من تراثها الثقافي غير المادي. ويهدد نفوق الماشية نقل المعارف التقليدية والتقاليد الشفهية والهويات الثقافية المتجذرة في الرعي، في حين يزيد تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي من صعوبة صمود هذه المجتمعات.

وتتعرض الصناعات الثقافية والإبداعية بالمثل للمخاطر الاقتصادية لتغيّر المناخ، مع آثار فورية على الحرفيين والفنانين والمهنيين الثقافيين. فالمهرجانات من أكثر السبل شيوعاً لتفاعل الأستراليين مع الفنون، إذ تجتذب 44% من السكان الذين تتجاوز أعمارهم 15 عاماً. غير أنه بين عامي 2022 و2023، أُلغي أو أُرجئ أو أُخلي ما لا يقل عن 22 مهرجاناً موسيقياً بسبب الحر أو الحرائق أو الأمطار أو الفيضانات، في زيادة كبيرة مقارنة بعشرة مهرجانات تأثرت بين عامي 2013 و2019. وفي أغسطس 2023، أجبر الإعصار «هيلاري» على تأجيل مهرجان «بيرنينغ مان» في صحراء نيفادا بالولايات المتحدة، وبعد أسبوعين تسببت أمطار غزيرة إضافية في فيضانات شديدة في موقع المهرجان، فعلق أكثر من 70 ألفاً من رواده في الصحراء.

ويطرح تغيّر المناخ كذلك مخاطر كبيرة طويلة الأمد على الجدوى الاقتصادية للصناعات الثقافية والإبداعية، ولا سيما بسبب تزايد تواتر الاضطرابات الناجمة عن المناخ التي تقوّض استدامتها وصمودها. ففي يناير 2025، ألحقت حرائق الغابات في لوس أنجلوس، التي أججتها ظروف جافة ودافئة وعاصفة مطوّلة مقترنة بنمو نباتي متزايد إثر أمطار سابقة، ضرراً بالغاً بالاقتصاد الإبداعي للمدينة. فقد اضطرت استوديوهات رائدة مثل «أمازون إم جي إم» و«يونيفرسال» إلى وقف إنتاجاتها، ما تسبب في خسائر مالية كبيرة، في حين فعّلت مؤسسات ثقافية كبرى مثل متحف غيتي تدابير طارئة لحماية مجموعاته ذائعة الصيت عالمياً. وعانى كثير من الفنانين والمنظمات الفنية غير الربحية فقداناً كاملاً أو أضراراً في استوديوهاتهم ومعداتهم وأعمالهم الفنية. وقد زادت هذه التحديات، مقترنة بالآثار المستمرة لجائحة كوفيد 19 وإضرابات القطاع في عامي 2023 و2024، من حدة الضغوط الاقتصادية على القطاع بأكمله.

ويتفاقم الضغط الاقتصادي على الثقافة كذلك بفعل تغيّر المناخ بوصفه مضاعفاً لمخاطر السلام والأمن. فهو يشدد المخاطر القائمة والتهديدات غير المناخية، ومنها الفقر وعدم الاستقرار السياسي والأمراض والتحضر والتلوث وانعدام الأمن المائي والطاقي، وما قد يترتب على ذلك من نزاعات اجتماعية. ويمكن لهذه التهديدات المتداخلة أن تزيد هشاشة الثقافة والتراث بتحويل الموارد بعيداً عن صون الثقافة وتمويل الفنون والخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية والعمالة، بما يهدد مباشرة المجتمعات وقدرتها على توفير الموارد لتراثها الثقافي والنفاذ إليه والتمتع به.

الخسائر غير الاقتصادية لتغيّر المناخ في مجالي الثقافة والتراث

يُضعف انقطاع النقل بين الأجيال للممارسات الاجتماعية والثقافية قدرة المجتمعات على الاستعانة بمواردها الثقافية لمواجهة عواقب تغيّر المناخ والتكيف معها. وفي الحالات القصوى، يرتبط تغيّر المناخ بفقدان الأرض وصلاحيتها للسكن، ما يجبر مجتمعات بأكملها على الهجرة وهجر تراثها المبني والحي والطبيعي. وهذه حال توفالو التي تواجه تهديدات وجودية من ارتفاع منسوب البحر وتزايد العواصف وتآكل السواحل، مما قد يفصل المجتمعات عن أراضي أسلافها وتراثها الطبيعي والثقافي، ويعرّضها لخطر الفقدان العميق لهويتها الثقافية وأنماط عيشها. ولذلك من الأهمية بمكان مراعاة البيئة والممارسات الثقافية للاجئي المناخ عند إعادة توطينهم.

فالممارسات الثقافية والتراث لدى شعب توفالو، المتجذرة في تقاليده الشفهية وممارساته الاحتفالية ومعارفه الإيكولوجية، مرتبطة ارتباطاً عميقاً بجزره وبيئته البحرية. وخلال مواسم ذروة المد، تشهد العاصمة فونافوتي فيضانات تغمر ما يصل إلى 40% من مساحتها، ما يسبب ملوحة التربة التي تجعل المحاصيل الأساسية غير صالحة للأكل وتجبر السكان على الاعتماد على الواردات للبقاء. وتزداد الحياة في جزر توفالو المرجانية المنخفضة صعوبة، إذ يواجه السكان هجرة وشيكة تهدد بتآكل الممارسات الثقافية والمعارف واللغة ونظم الحكم التقليدية. وفي المؤتمر السابع والعشرين للأطراف، أعلن وزير خارجية توفالو سايمون كوفي خططاً جذرية لإنشاء نسخة رقمية من الجزر لصون تاريخها وثقافتها، بما يتيح للاجئي المناخ الحفاظ على صلتهم بأرض أسلافهم ومحيطهم. ويثير ذلك أيضاً إمكانية وجود دول جزرية في المحيط الهادئ تتحدد جنسيتها بوطن افتراضي أو بهوية ثقافية لا بإقليم مادي. وقد عرّف قانون دستور توفالو لعام 2023 بالفعل مساحة الدولة باستخدام مجموعة من الإحداثيات الجغرافية التي ستظل تمثّل البلاد حتى لو أصبحت أرضها غير صالحة للسكن أو غُمرت بالمياه.

واللغة مثال على ما هو معرّض لتغيّر المناخ، وهي في الوقت ذاته منظومة معرفية تساعد المجتمعات على التكيف مع التغيرات المناخية والاستجابة لها. فهي شرط أساسي للتنمية البشرية، ووسيلة تتجلى عبرها أشكال كثيرة من التراث الحي ويُعبَّر عنها وتُنقل. ففي الجبال الشمالية لباكستان، يتحدث أكثر من 30 لغة مهددة بالاندثار سكانٌ قليلو العدد يزدادون تعرضاً للكوارث الناجمة عن المناخ. وهذه اللغات، المتجذرة بعمق في بيئات محددة كالمراعي الغنية بالماشية ونظم الأنهار والمرتفعات الثلجية والغابات الكثيفة، تمثّل رؤى للعالم ونظماً معرفية تشمل ممارسات إدارة الأراضي والحوكمة وحفظ التنوع البيولوجي ورصد الطقس والتنبؤ به واستخدام الموارد الطبيعية. وقد شرّدت فيضانات عام 2010 ما يقدَّر بـ14 مليون شخص في المنطقة، في حين شهدت منطقة تشترال أكثر من ثلاثة عشر فيضاناً ناجماً عن انفجار البحيرات الجليدية في وديان مختلفة بين عامي 2004 و2021، ما أجبر الأسر على نزوح مطوّل أو هجرة دائمة. وفي مواجهة هذه الاضطرابات، تعيش المجتمعات الحزن والقلق واليأس، بما قد يزيد زعزعة التماسك الاجتماعي والصمود ويجعلها أكثر عرضة للكوارث المستقبلية.

وقد تشكّل مبادرات البحث والتدخل والمعونة المناخية تهديدات كبيرة للتراث أيضاً، حين تكون المساعدة غير ملائمة أو حين يُوصى بسياسات للتهجير والإخلاء أو تُنفَّذ دون مراعاة قيم المجتمعات المعنية واحتياجاتها. فهذه التدخلات، التي كثيراً ما تُقدَّم بوصفها تدابير حماية من الكوارث أو النزاعات، تخلّ بالعلاقة بين المجتمعات وبيئاتها. وإضافة إلى ذلك، كثيراً ما يتطلب الاستثمار المتزايد في البنى التحتية الواسعة للطاقة المتجددة، كالسدود أو محطات طاقة الرياح الرامية إلى تعزيز الانتقال الإيكولوجي، استخداماً واسعاً للأراضي. وقد تؤثر هذه المشاريع سلباً في أصالة المشاهد الثقافية والطبيعية التراثية أو سلامتها، فتعطّل الممارسات وسبل العيش التقليدية وتعوق نقل هذا التراث وصونه للأجيال القادمة.

فقد كسب شعب الصامي الأصلي عيشه تاريخياً من صيد الأسماك والصيد البري والجمع في منطقة سابمي، في الأجزاء الشمالية من النرويج والسويد وفنلندا وروسيا، قرب الدائرة القطبية الشمالية. ويمثّل رعي الرنة شبه البدوي جانباً أساسياً من ثقافة الصامي، تُنقل عبره معارف الشعوب الأصلية ولغتها إلى الأجيال التالية. وتنطوي هذه الممارسة التقليدية على قيادة قطعان كبيرة إلى الجبال كل صيف عبر مشاهد طبيعية مهددة أصلاً بتغيّر المناخ. وفي النرويج، شملت الجهود الوطنية للنهوض بالانتقال إلى الطاقة المتجددة تطوير مشاريع لطاقة الرياح، منها إنشاء 151 توربيناً للرياح في وسط النرويج، قادرة على تزويد نحو 100 ألف منزل بالطاقة. ومع أن هذا التطوير يسهم في أهداف الاستدامة الوطنية، فقد أُثيرت مخاوف بشأن أثره في رعي الرنة الموروث عن أسلاف الصامي، ومن التحديات المبلغ عنها تغير أنماط الرعي وتقلص النفاذ إلى المراعي وزيادة الإجهاد لدى حيوانات الرنة بسبب تزايد النشاط والبنية التحتية في المنطقة. ويُعدّ الحوار والتشاور المستمران بين جميع أصحاب المصلحة أساسيين لضمان احترام أهداف الاستدامة البيئية والحقوق الثقافية للشعوب الأصلية وتحقيق التوازن بينها، بما يتسق مع المعايير الدولية وولاية اليونسكو في صون التراث الثقافي.

وقد ظل التراث الثقافي غائباً إلى حد بعيد عن اتفاقات تغيّر المناخ وسياساته وخطابه، رغم أهميته مستودعاً للمعرفة. وقد أعادت اللجنة التنفيذية لآلية وارسو الدولية للخسائر والأضرار التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ تأكيد الحاجة الملحّة إلى الاعتراف بالتراث الثقافي في العمليات والمبادرات الدولية، في ورقتها التقنية لعام 2024 بشأن الخسائر غير الاقتصادية. وتؤكد الوثيقة أن «حماية التراث الثقافي وصونه يمثّلان في حد ذاتهما عملاً مناخياً مهماً»، وأن «تعزيز الصمود الثقافي أمر ملحّ وأساسي، ويشمل ذلك تقوية نظم الحوكمة والتشريعات مع إشراك المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية».

حماية الثقافة وتعزيزها في مواجهة تغيّر المناخ

تؤدي ممتلكات التراث العالمي دوراً رئيسياً بوصفها مراصد لتغيّر المناخ، إذ تقدّم نماذج لممارسات مطبّقة ومجرّبة في الرصد والتخفيف والتكيف. فهذه الممتلكات الطبيعية والثقافية والمختلطة، البالغ عددها 1248 ممتلكاً حتى سبتمبر 2025، تدعم مجتمعةً حفظ التنوع البيولوجي العالمي والتنمية المستدامة والحلول المناخية، وتحسّن جودة الحياة على الأرض. وهي توفّر خدمات ومنافع متنوعة للنظم الإيكولوجية، كتنظيم المناخ وجودة التربة والمياه والهواء، وتشكّل مستودعات للمعارف التقليدية الأساسية للإدارة المستدامة للموارد. وإضافة إلى ذلك، تتيح فرصاً قيّمة للسياحة والبحث والتعليم.

والتراث يشكّل الإحساس الجماعي للبشرية بالهوية والانتماء، ويمثّل إرثنا من الماضي، وما نعيش معه اليوم، وما سننقله إلى الأجيال القادمة. ولضمان استمرار صونه، لا بد من فهم آثار تغيّر المناخ والاستجابة لها بفعالية عبر تصميم خطط تكيف وطنية ومحلية ملائمة وتنفيذها. ويتطلب ذلك نُهجاً تعددية تدمج التقييمات العلمية والمنهجيات المبتكرة وأطر السياسات والمعارف الثقافية المحلية ونظم معارف الشعوب الأصلية وممارسات الإدارة التقليدية. وينطوي بناء الصمود الثقافي على تمكين المجتمعات من الانخراط الفاعل في حماية تراثها الطبيعي والثقافي وصونه.

نُهج متكاملة لصون التراث الثقافي والطبيعي

من بين الاتفاقيات الدولية السبع الرئيسية القائمة المتصلة بالتنوع البيولوجي، التي تشمل فريق الاتصال المعني بالتنوع البيولوجي المنشأ بموجب اتفاقية التنوع البيولوجي لتعزيز التعاون والتنسيق بينها، تنفرد اتفاقية عام 1972 بشأن حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي بتناولها التراث الطبيعي والثقافي على قدم المساواة. وهي كذلك من أوسع الاتفاقيات تغطية عالمياً، إذ التزمت 196 دولة طرفاً، حتى يونيو 2025، بحماية المواقع المعترف بها داخل أراضيها وحفظها ورصدها. وبالمثل، تحظى اتفاقات بيئية عالمية أخرى بانضمام واسع، فاتفاقية التنوع البيولوجي صادقت عليها 196 دولة طرفاً، واتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض لديها 185 طرفاً متعاقداً.

وتُعدّ توفالو وناورو أحدث الدول المصادقة على اتفاقية التراث العالمي لعام 1972. فبعد مصادقتها عام 2023، قدّمت توفالو قائمتها التمهيدية الأولى متضمنةً «المشهد الثقافي للجزر المرجانية في المحيط الهادئ في توفالو»، ويعكس هذا الترشيح جهود البلاد لصون ممارسات استخدام الأراضي والبحر التقليدية التي ظلت جزءاً لا يتجزأ من مجتمعاتها على مدى أجيال، بما يضمن استمرار هذه التقاليد رغم التحديات الملحّة التي يفرضها تغيّر المناخ. وعلى نحو مماثل، صادقت ناورو على الاتفاقية عام 2024، مُظهرةً التزامها العميق بصون تراثها الفريد في مواجهة التهديدات الناجمة عن المناخ، والدور الحاسم للتعاون الدولي في معالجة هذه التحديات.

وتستكشف الدول الأطراف على نحو متزايد أوجه التآزر بين الاتفاقات البيئية المتعددة الأطراف وسائر برامج اليونسكو. فوفقاً لبيانات الإبلاغ الدوري لاتفاقية التراث العالمي، تعتزم 34 دولة طرفاً إدراج ممتلكاتها للتراث العالمي، كلياً أو جزئياً، في قائمة الأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية المعروفة بقائمة رامسار. وإضافة إلى ذلك، تعتزم 33 دولة طرفاً ترشيح ممتلكاتها محمياتٍ للمحيط الحيوي في إطار برنامج الإنسان والمحيط الحيوي الحكومي الدولي، وتقدّمت 16 دولة بطلبات لتسمية ممتلكاتها للتراث العالمي حدائق جيولوجية عالمية لليونسكو.

ومع أن الاتفاقات والبرامج المتعددة الأطراف معتمدة على نطاق واسع، يظل إدماجها في وضع السياسات الوطنية لحفظ التراث الثقافي والطبيعي وحمايته وصونه، والتنسيق بين الولايات المختلفة، تحدياً كبيراً لبلدان كثيرة. فوفقاً للتقارير الدورية لاتفاقية عام 1972 للفترة من 2019 إلى 2023، لم تفد سوى 35% من 190 دولة طرفاً بوجود مستويات كافية من التنسيق والإدماج بين هذه الاتفاقات المتعددة الأطراف وسياسات التراث العالمي واستراتيجياته على المستوى الوطني، مع أرقام أدنى بشكل ملحوظ في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي وفي غرب آسيا وشمال أفريقيا، بلغت 13% في كل منهما. وتُظهر البيانات أيضاً أن البلدان المرتفعة الدخل وبلدان الشمال العالمي تفيد بمستوى من التنسيق والإدماج يفوق بمقدار مرتين ونصف ما تفيد به البلدان المنخفضة الدخل وبلدان الجنوب العالمي.

وفيما يتعلق بالسياسات والتدابير القائمة على المستوى الوطني لصون التراث الثقافي والطبيعي من الآثار البيئية والمناخية، كتقييمات الأثر البيئي، أفادت ما بين 86% و89% من الدول الأطراف بأنها ترى أطرها القانونية الخاصة بالتراث الثقافي والطبيعي كافية أو كافية جزئياً. ويرى ما بين 6% و7% أن سياساتهم غير كافية للتراث الطبيعي والثقافي على التوالي، في حين أفاد 2% بعدم وجود هذه الأطر في الحالتين. وأفادت بلدان الشمال العالمي بكفاية أفضل لسياساتها، بنسبة 78% للتراث الثقافي و86% للتراث الطبيعي، مقارنة ببلدان الجنوب العالمي التي بلغت النسبتان لديها 41% و44%.

ومع وجود أطر تنظيمية تُعدّ في معظمها كافية لحفظ التراث الثقافي والطبيعي وحمايته، تظل قابلية إنفاذها تحدياً حاسماً في معظم البلدان. فلا ترى سوى 25% إلى 26% من الدول الأطراف المجيبة في الإبلاغ الدوري أنها تملك بالفعل القدرة والموارد اللازمة لإنفاذ هذه التشريعات واللوائح لحفظ تراثها الثقافي والطبيعي وحمايته على التوالي. ويتسع التفاوت بين المجموعات في هذا التقييم اتساعاً كبيراً، إذ تملك 56% من بلدان الشمال العالمي قدرة وموارد كافية للتراث الثقافي والطبيعي كليهما، مقابل 14% إلى 15% فقط في الجنوب العالمي.

ويُبيّن حفظ الحاجز المرجاني العظيم في أستراليا، أوسع منظومة للشعاب المرجانية في العالم، نهجاً عالي التنسيق والتكامل في إدارة التراث. فهيئة متنزه الحاجز المرجاني العظيم البحري تعمل بموجب قانون المتنزه لعام 1975، وهو إطار قانوني متين لإدارة هذا الممتلك المدرج على قائمة التراث العالمي ومواجهة تهديدات مثل تغيّر المناخ والتلوث والصيد الجائر. وتعمل الهيئة بتعاون وثيق مع الحكومة الأسترالية وحكومة كوينزلاند وصناعتي السياحة البحرية والصيد التجاري وشعوب الأمم الأولى. وقد أُنشئت في يوليو 2024 فرقة عمل المالكين التقليديين، تنفيذاً لتوصية رئيسية في خطة تنفيذ المالكين التقليديين لرؤية الشعاب المرجانية 2050، لتقوية مكانة المالكين التقليديين والارتقاء بها في رعاية الحاجز المرجاني العظيم وصونه للأجيال القادمة.

ويشمل التعاون الوثيق في إدارة المركز التاريخي لفلورنسا، المحمي بموجب قانون التراث الثقافي والمشهد الإيطالي، الحكومةَ البلدية والمجتمعات المحلية والمنظمات الثقافية والشراكات بين القطاعين العام والخاص. وتدمج خطة إدارة المركز التاريخي لفلورنسا التخطيط الحضري مع لوائح السياحة لضمان ألا تمسّ مشاريع التطوير القيمة العالمية الاستثنائية للمركز التاريخي أو إدارة مخاطر الكوارث. وعقب الفيضانات الكارثية عام 1966 التي ألحقت أضراراً بالمواقع والقطع الثقافية، طبّقت المدينة تدابير للحد من مخاطر الفيضانات والزلازل، منها خطة إدارة حوض نهر أرنو، إلى جانب تحسينات في البنية التحتية ونظم رصد متقدمة. وعلاوة على ذلك، يُدعم الاستثمار في التراث الثقافي في إيطاليا بأشكال التعاون بين القطاعين العام والخاص، إذ تشجع مبادرات مثل الحافز الضريبي «آرت بونوس» التبرعات الخاصة لصون التراث الثقافي العام وتعزيزه، فتولّد دعماً كبيراً لترميم معالم أيقونية ككاتدرائية سانتا ماريا ديل فيوري ومعرض أوفيزي.

ويجسّد المحمية التاريخية لماتشو بيتشو في بيرو التحديات التي تواجه تطبيق تدابير كافية لحماية التراث وحفظه وإنفاذها مع الموازنة بين المنافع الاقتصادية للسياحة. فإدارة أهم إرث مادي لحضارة الإنكا تشمل مؤسسات وأصحاب مصلحة عديدين، منهم وزارة الثقافة ووزارة البيئة والبلديات المحلية والوكالات الدولية. وقد يؤدي قصور الدعم في الميزانية وتداخل المسؤوليات إلى صعوبات في التنفيذ الفعّال لخطط تشغيلية منسّقة تعالج الأولويات الحاسمة، ومنها إدارة مخاطر الكوارث الطبيعية كالفيضانات والانهيارات الأرضية، واستراتيجيات السياحة المستدامة لتنظيم تدفقات الزوار، وحفظ الموقع، وحماية البيئة. ولمعالجة ذلك، تمثّل الخطة الاستراتيجية للسياحة في بيرو لعام 2025 وثيقة سياساتية تعالج تحديات السياحة المفرطة والتدهور البيئي مع تعزيز ممارسات السياحة المستدامة، وتشمل تحديد سقوف يومية للزوار ونظم تذاكر بفترات زمنية محددة لمنع الاكتظاظ، وإنشاء مسارات بديلة للمشي لتوزيع أعداد الزوار، واستثمارات خاصة في البنية التحتية المستدامة وحملات التسويق.

وتُبرز هذه الأمثلة أن الإدارة الفعالة لممتلكات التراث العالمي تشمل عوامل عدة تتجاوز الأطر القانونية، وتؤكد الحاجة إلى تعزيز الدعم ومبادرات بناء القدرات في سياقات الجنوب العالمي. وبهدف تعزيز حماية التراث ذي القيمة العالمية الاستثنائية وحفظه عبر تدابير شاملة للعمل المناخي، اعتمدت الجمعية العامة للدول الأطراف في اتفاقية التراث العالمي وثيقة السياسات بشأن العمل المناخي من أجل التراث العالمي لعام 2023، التي ترسي إطاراً موجّهاً نحو النتائج لوضع أهداف وغايات على المستوى الوطني ومستوى مواقع التراث. وتنطبق مبادئ الوثيقة، انسجاماً مع روح المادة الخامسة من اتفاقية التراث العالمي لعام 1972، على التراث الثقافي والطبيعي على نطاق واسع.

تعزيز نظم المعارف التقليدية ومعارف الشعوب الأصلية في الحوكمة المناخية

يقرّ اتفاق باريس بأن العمل المناخي يجب أن «يستند إلى أفضل المعارف العلمية المتاحة، وأن يسترشد بها وبالمعارف التقليدية ومعارف الشعوب الأصلية ونظم المعارف المحلية، حسب الاقتضاء». وقد أولى تقرير التقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ بشأن الآثار والتكيف ومواطن الضعف اهتماماً متزايداً لمعارف الشعوب الأصلية وباحثيها في سياق العمل المناخي العالمي، ويمثّل التقرير تقدماً كبيراً في الاعتراف بالشعوب الأصلية ونظم معارفها. ويُبرز أن تقوية الصلات بين المعارف العلمية والتقنية ونظم المعارف المحلية تزيد زيادة كبيرة إمكانية وضع حلول أشمل وأكثر فعالية تتجاوز أقاليمها المحددة ومن منظور كلي.

وفي عام 2024، نظرت اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي في المذكرة التوجيهية بشأن العمل المناخي من أجل التراث الحي، الناتجة عن عملية تفكير امتدت ثلاث سنوات بين أصحاب المصلحة في اتفاقية عام 2003. وتعرض المذكرة «نهجاً شاملاً قائماً على الحقوق ومتمحوراً حول الإنسان في العمل المناخي من أجل التراث الحي» وفق ثلاثة أهداف رئيسية: تعزيز الدور الإيجابي للتراث الحي في التكيف مع المناخ وتقويته؛ وتعزيز دوره الإيجابي في التخفيف من تغيّر المناخ وتقويته؛ وتحسين تدابير صون التراث الحي في حالة الطوارئ المناخية. وتؤكد الوثيقة ضرورة إدراج جميع الإجراءات في إطار حقوق المجتمعات التي يتعرض تراثها للخطر وقيمها، وتشدد على أن التنوع والشمول بين أصحاب المصلحة المعنيين أساسيان لنجاح الإجراءات المناخية، بما يتطلب نفاذاً وصوتاً متكافئين للمجتمعات المهمّشة أو لأفراد المجتمعات المهمّشين، بصرف النظر عن النوع الاجتماعي والسن والإثنية والموقع والثروة.

وكثيراً ما لا تدمج الحكومات قضايا حقوق الإنسان، بما فيها حقوق الشعوب الأصلية، إدماجاً كاملاً في التخطيط المناخي وتخطيط الحفظ، بل تشجع في بعض الحالات بنشاط أنشطة تهدد حقوق المجتمعات وبيئاتها. غير أن بعض الحكومات الوطنية تبنّت منظورات الشعوب الأصلية والمعارف المحلية وأدمجتها في أطر حوكمتها. فمفهوم «سوماك كاوساي» الأنديزي الأصلي، أي العيش الطيب، يدعو إلى العيش في توازن مع «باتشاماما»، أي الأرض الأم، ويعترف بترابط جميع الكائنات الحية والنظم الإيكولوجية، ويشدد على قيم التبادل والتضامن والموارد المشتركة، ويرفض استغلال الموارد الطبيعية لتحقيق مكاسب اقتصادية قصيرة الأمد. واسترشاداً بهذه المبادئ، أصبحت الإكوادور أول بلد في العالم يدرج حقوق الطبيعة في دستوره لعام 2008، ومنذ ذلك الحين صُمّمت السياسات الوطنية للاستخدام المستدام للأراضي وحفظ التنوع البيولوجي وإعادة توزيع الثروة بما يتسق معه.

وأدمجت بوليفيا أيضاً منظورات الشعوب الأصلية في دستورها لعام 2009، وأصدرت عام 2010 قانون حقوق الأرض الأم. ويعرّف هذا التشريع الرائد الأرض الأم بأنها «ذات جماعية ذات مصلحة عامة» لها حقوق أصيلة، منها الحق في الحياة والتنوع البيولوجي والمياه النظيفة والاستعادة. وقد أرسى البلدان سابقة عالمية للعدالة الإيكولوجية بمنح الطبيعة حقوقاً قانونية، محوّلين التشريعات البيئية التقليدية من منظور متمحور حول الإنسان إلى منظور متمحور حول الطبيعة. وفي بلدان مثل الهند والولايات المتحدة وكولومبيا وكندا وإسبانيا وبنما، اعتُرف قانونياً في القوانين وأحكام المحاكم بحقوق الطبيعة في الوجود والاستمرار والتجدد أو بالشخصية القانونية لكيانات طبيعية.

وبالمثل، أُدمج مفهوم «كايتياكيتانغا» لدى الماوري، أي الوصاية، القائم على واجب والتزام أخلاقيين بحماية العالم الطبيعي والعالم الروحي معاً، في تشريعات بيئية رئيسية في نيوزيلندا، كقانون إدارة الموارد لعام 1991. وتجسّد أطر قانونية تاريخية، كقانون تي أوريويرا لعام 2014 وقانون تي آوا توبوا لعام 2017 اللذين منحا الشخصية القانونية لمنطقة تي أوريويرا ونهر وانغانوي على التوالي، كيف تسترشد السياسة البيئية الوطنية بمعارف الماوري. وينعكس مبدأ الوصاية هذا في مشاريع حفظ كثيرة تكون قيادة الماوري جزءاً لا يتجزأ منها، كالحوكمة والإدارة التشاركيتين لبحيرة تاوبو، أكبر بحيرات نيوزيلندا وموقع ذي أهمية ثقافية وروحية عميقة.

الثقافة، مورد حاسم في مكافحة تغيّر المناخ

يتزايد الاعتراف بأن الثقافة، من التراث والفنون إلى الصناعات الثقافية والإبداعية، مورد قوي للاستجابة لآثار تغيّر المناخ. فالثقافة لا تسهم في جهود التخفيف فحسب، بل تؤدي أيضاً دوراً محورياً في التكيف مع المناخ بتقديم معارف وممارسات قيّمة تعزّز قدرة المجتمعات على الصمود أمام آثاره. ويُعدّ إدماج الأبعاد الثقافية في العمل المناخي أمراً أساسياً للحد من الهشاشة وتعزيز نُهج شاملة تصون نظم المعرفة وأشكال التعبير الثقافي المتنوعة وتعزّزها.

وفي الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر الأطراف التي استضافتها الإمارات العربية المتحدة، اجتمع وزراء الثقافة وممثلو حكومات أكثر من 30 بلداً في أول حوار وزاري رفيع المستوى بشأن العمل المناخي القائم على الثقافة، وأطلقوا مجموعة أصدقاء العمل المناخي القائم على الثقافة، وهي أول تحالف دولي من نوعه للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أُنشئ بقيادة مشتركة من الإمارات العربية المتحدة والبرازيل. وخلال الفعالية، أكدت مارغريث مينيزيس، وزيرة الثقافة في البرازيل، أن الثقافة ليست مجرد ضحية سلبية لتغيّر المناخ، بل «قوة يجب تسخيرها لتحقيق غايات اتفاق باريس». وأبرزت سمو الأميرة دانا فراس من الأردن، سفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة، أهمية «التحالف المتنامي من القادة والمدافعين الثقافيين ومنظمات المجتمع المدني من جميع أنحاء العالم الملتزمين بهذا الهدف».

وفي إطار إعلان الإمارات بشأن العمل المناخي القائم على الثقافة، التزم الوزراء بالإجماع بتسريع «إدماج الاهتمام بالثقافة والقيم ونظم المعرفة المتنوعة في العمل المناخي، وتعميم العمل المناخي في الوقت ذاته في برامج سياساتهم الوطنية وإجراءاتهم المتصلة بالتراث الثقافي والفنون والصناعات الإبداعية». ووفقاً للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ، يشمل العمل المناخي الجهود الرامية إلى التخفيف والتكيف لمعالجة أسباب تغيّر المناخ وآثاره. ويشير التخفيف إلى الإجراءات البشرية الرامية إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة أو تعزيز إزالتها عبر بالوعات الكربون كالغابات والمحيطات، في حين ينطوي التكيف على تعديلات في النظم الطبيعية أو البشرية استجابةً للمناخ الفعلي أو المتوقع وآثاره، للتخفيف من الضرر أو اغتنام الفرص المفيدة. ويجب تسخير تعدد الحلول المحلية للتخفيف والتكيف وتقاسم المعارف لبناء الصمود، بما في ذلك للحد من مخاطر الكوارث وحالات الطوارئ المرتبطة بالمناخ.

والصلات بين العمل المناخي والتنوع البيولوجي والثقافة عميقة ومتشابكة. فكما سبق ذكره، تؤكد المادة الأولى من إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي لعام 2001 أن «التنوع الثقافي ضروري للجنس البشري ضرورة التنوع البيولوجي بالنسبة للكائنات الحية». وبالمثل، تقرّ ديباجة اتفاق باريس بـ«أهمية ضمان سلامة جميع النظم الإيكولوجية، بما فيها المحيطات، وحماية التنوع البيولوجي، الذي تعترف به بعض الثقافات بوصفه الأرض الأم»، وتُبرز «أهمية مفهوم العدالة المناخية لدى البعض عند اتخاذ إجراءات للتصدي لتغيّر المناخ». ويضع إطار كونمينغ مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي أيضاً التنوع البيولوجي، بحفظه واستخدامه المستدام والتقاسم المنصف لمنافعه، في صميم خطة التنمية المستدامة، معترفاً صراحة بـ«الصلات المهمة بين التنوع البيولوجي والتنوع الثقافي».

الإطار 7: دور الثقافة في العمل المناخي: مجتمع غولو في أوغندا

في عام 2023، وثّقت اليونسكو مبادرة يقودها المجتمع في مقاطعة غولو شمالي أوغندا، تُبرز كيف يمكن للثقافة والتراث الحي أن يدعما العمل المناخي والإدارة المستدامة للموارد. وركّز المشروع على إحياء الممارسات الزراعية التقليدية والمحاصيل المقاومة للجفاف وتقنيات حفظ المياه القائمة على نظم معارف الشعوب الأصلية. ولا تقتصر هذه الممارسات، المتجذرة في الطقوس المحلية ورواية القصص وتقاليد الزراعة الجماعية، على تعزيز الصمود أمام التقلبات المناخية، بل تعزّز أيضاً التماسك المجتمعي ونقل المعارف بين الأجيال. وأدى النساء والشباب دوراً محورياً في هذه الجهود، بما ضمن أن تكون استراتيجيات التكيف شاملة وتعكس القيم الثقافية المحلية. وتُبيّن هذه المبادرة إمكانات إدماج الأبعاد الثقافية في السياسات المناخية، وتقدّم نموذجاً قابلاً للتكرار في مناطق أخرى.

التخفيف من تغيّر المناخ

يُعدّ التخفيف العاجل والطموح أساسياً لإبقاء هدف 1.5 درجة مئوية قائماً ولضمان احتفاظ الكوكب والمجتمعات البشرية بقدرة كافية على التكيف مع آثار تغيّر المناخ الجارية بالفعل. وتؤدي ممتلكات التراث العالمي الطبيعي دوراً حاسماً في الحفاظ على سلامة النظم الإيكولوجية والإسهام في التخفيف من تغيّر المناخ. فهي تشمل معظم النظم الإيكولوجية الرئيسية على مساحة تزيد على 3.5 ملايين كيلومتر مربع، وتضم أكثر من 75 ألف نوع من النباتات وأكثر من 30 ألف نوع من الثدييات والطيور والأسماك والزواحف والبرمائيات، بما يمثّل أكثر من خُمس الثراء العالمي المرصود للأنواع. وتعمل الغابات والموائل الساحلية المحفوظة جيداً بالوعاتٍ حاسمة للكربون، تساعد على تنظيم المناخ بامتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. فالغابات في 257 ممتلكاً من ممتلكات التراث العالمي تغطي نحو 69 مليون هكتار، أي ضعف مساحة ألمانيا، وقد عزلت نحو 190 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً بين عامي 2001 و2020، أي ما يعادل قرابة نصف الانبعاثات السنوية للمملكة المتحدة من الوقود الأحفوري. وتضم ممتلكات التراث العالمي البحرية والمناطق المحيطة بها مباشرة ما لا يقل عن 21% من نظم الكربون الأزرق الإيكولوجية و15% من أصول الكربون الأزرق العالمية، وكانت هذه المخازن تحتفظ بما يعادل نحو 10% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية عام 2018.

وكثيراً ما تكون المناطق ذات التنوع الثقافي العالي مناطق ذات تنوع بيولوجي عالٍ، إذ يقع نحو خُمس ممتلكات التراث العالمي الثقافي، أي أكثر من 160 موقعاً، في مناطق رئيسية للتنوع البيولوجي. ويمكن لهذه الممتلكات، الممثّلة في المشاهد الثقافية والمواقع الأثرية والمواقع ذات الأهمية الدينية أو الروحية والمناطق الحضرية، أن تُظهر أيضاً طائفة من الاستراتيجيات المحلية للتخفيف عبر كفاءة الطاقة في التراث المبني للحد من غازات الدفيئة والاستخدام المستدام للفضاءات والموارد المحلية. وإضافة إلى ذلك، تمثّل المعارف المحلية والممارسات التقليدية نظماً معرفية ورؤى كونية مختلفة، تجسّد خبرة متوارثة عبر الزمن يمكن لعلوم الحفظ واستراتيجيات التخفيف أن تتعلم منها وترتقي بها وتوسّع نطاقها في العمل والبحث على نحو أوسع. ومع أن جزءاً كبيراً من التركيز على نظم المعارف المحلية وتغيّر المناخ انصبّ على الرصد والتكيف، فمن المهم بالقدر ذاته الاعتراف بإسهامها في التخفيف، مكمّلةً المعرفة العلمية لتحسين نتائج الحفظ.

وقد حدّد الفريق العامل المعني بتغيّر المناخ والتراث الثقافي التابع للمجلس الدولي للمعالم والمواقع طائفة من الممارسات التقليدية ذات الصلة باستراتيجيات التخفيف المعاصرة، منها السمات السلبية المستدامة بطبيعتها في العمارة التقليدية، كالأفاريز والشرفات والمصاريع وأدوات التظليل، وأنماط استخدام الأراضي الحضرية التقليدية كالفضاءات الكثيفة الصالحة للمشي والمتعددة الاستخدامات، والمعارف الكامنة في نظم التراث الزراعي المنخفضة الكربون. كما تجسّد نظم ثقافية تقليدية كثيرة نماذج للاقتصاد الدائري تشدد على الرعاية وإعادة الاستخدام وكفاءة استخدام الموارد.

وفي اليابان، تحظى هذه النُّهج باهتمام متجدد عبر إحياء العمارة الخشبية التقليدية بتدريب النجارين الشباب على تقنيات البناء القديمة. فالعمارة اليابانية التقليدية تشدد على المواد الطبيعية ومبادئ التصميم السلبي، كتعظيم الإضاءة والتهوية الطبيعيتين، وهي مفاتيح المنشآت الموفّرة للطاقة. وتاريخياً، كانت مهارات النجارة اليابانية تُنقل عبر التلمذة الفردية، واليوم تلتزم منظمات وجمعيات لحرف الخشب بصون هذه التقنيات بإدماجها في مشاريع البناء الجديدة والترميم على حد سواء.

وتكتسي المعارف التقليدية في إدارة الحرائق لدى الشعوب الأصلية أهمية حاسمة في خفض انبعاثات غازات الدفيئة، باستبدال الحرائق العالية الشدة بحرائق منخفضة الشدة في مطلع الموسم. ففي منطقة شمال كيمبرلي في غرب أستراليا، أحيت شعوب بالانغارا ودامبيمانغاري وويلينغين ووونامبال ممارسات الحرق الثقافي للحد من مخاطر حرائق الغابات وتحسين صحة النظم الإيكولوجية بعد استعادتها السيطرة على أراضيها. ومنذ عام 2012، خفّضت هذه الشعوب حرائق أواخر الموسم في قرابة ثلاثة أرباع المنطقة، حيث كانت حرائق كبيرة تتجاوز 40 ألف هكتار تندلع كل عام تقريباً. وقد أُدمجت ممارسات إدارة الحرائق لدى الشعوب الأصلية في السياسات الوطنية والإقليمية الأسترالية عبر مبادرات مثل برنامج حراس الشعوب الأصلية، واستراتيجية الحرق الثقافي للمالكين التقليديين في ولاية فيكتوريا، ومشاريع الكربون القائمة على حرق السافانا.

ويمارس شعب مايا تشورتي في تشيكيمولا بغواتيمالا منذ زمن طويل نظماً للحراجة الزراعية تدمج الأشجار والمحاصيل والماشية، فتوفّر غذاءً ودخلاً مستدامين مع تعزيز عزل الكربون في الكتلة الحيوية فوق سطح الأرض. ويعزّز نظام «ميلبا» الموروث عن الأسلاف لزراعة المحاصيل المتداخلة خصوبة التربة وغلة المحاصيل، وتزرع النساء 101 نوع من أصل 143 نوعاً صالحاً للأكل في نظامهم الغذائي. وتحدد الخطة الاستراتيجية لتغيّر المناخ لوزارة الزراعة والثروة الحيوانية والغذاء في غواتيمالا للفترة من 2018 إلى 2027 أولويات منها تعزيز الممارسات الزراعية الجيدة المكيّفة مع المناخ واستعادة معارف الأسلاف من أجل التكيف الزراعي، بما يصون التنوع البيولوجي المحلي والممارسات الثقافية.

وتُظهر الأدلة المتزايدة أن المعارف المحلية والتقليدية تعمّق فهم العلاقات بين الإنسان والبيئة، بما يسهم في عمل مناخي فعال ومنصف. فالبحوث تشير إلى أن منح الشعوب الأصلية حقوقاً في الأراضي في منطقة الأمازون البرازيلية قد يخفض إزالة الغابات بنسبة تصل إلى 66%، فيجنّب انبعاثات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون ناجمة عن فقدان الكتلة الحيوية للغابات. ويوفّر ترسيخ النُّهج القائمة على الحقوق والحوكمة التشاركية وحيازة الأراضي الآمنة في السياسات المناخية استراتيجيات للتخفيف متجذرة ثقافياً وفعالة من حيث التكلفة. وفي هذا السياق، أثارت نقاشات تشريعية حديثة في البرازيل، كتلك المحيطة بمشروع القانون 490/2007، جدلاً بشأن الآثار المحتملة على حقوق الشعوب الأصلية في الأراضي وعلى حماية البيئة، وتُبرز هذه النقاشات أهمية ضمان تنفيذ السياسات المناخية والإنمائية بما يتسق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأن تظل شاملة لمنظورات الشعوب الأصلية ونظم معارفها وتراثها الثقافي.

التكيف مع تغيّر المناخ

يمثّل التكيف مع تغيّر المناخ تحدياً عالمياً ملحّاً يجب التصدي له على جميع مستويات الحوكمة والمجتمع. فتغيّر المناخ مضاعف للمخاطر يفاقم الأخطار ومستويات التعرض ومواطن الضعف المنسوبة إليه مباشرة أو بصورة غير مباشرة، ولا يمكن النظر إلى التكيف بمعزل عن عوامل الخطر الأخرى. وينطوي التكيف على تعديل الممارسات والعمليات والبنية التحتية لتجنّب الآثار السلبية لتغيّر المناخ الواقعة بالفعل أو المتوقع وقوعها والحد منها، مع اغتنام أي فرص إيجابية محتملة.

ويمكن للثقافة، بما فيها التراث الحي، أن تؤدي دوراً حاسماً بوصفها مصدراً للتأهب والصمود والتعافي، فتقلل مواطن الضعف والتعرض، وتقيّم المخاطر، وتدعم المجتمعات في مواجهة المخاطر المرتبطة بالمناخ. ويؤكد إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث، وهو اتفاق عالمي اعتمدته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2015 لتوجيه جهود الحد من مخاطر الكوارث من 2015 إلى 2030، الدور الحيوي للمجتمع المدني في إدارة المخاطر على المستوى المحلي، ولا سيما إسهامات النساء والأطفال والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن والمهاجرين والشعوب الأصلية. ويعترف الإطار صراحة بخبرة الشعوب الأصلية ومعارفها التقليدية بوصفها حاسمة لوضع خطط الحد من مخاطر الكوارث وآلياته وتنفيذها، بما في ذلك نظم الرصد والإنذار المبكر.

وتُبرز التوجيهات التنفيذية لليونسكو والمذكرة التوجيهية بشأن العمل المناخي من أجل التراث الحي إشارات مباشرة إلى أدوار التراث الحي في تعزيز صمود المجتمعات أمام الكوارث وتغيّر المناخ. وتؤكد هاتان الوثيقتان الدور المحوري الذي يجب أن تضطلع به المجتمعات في جميع إجراءات الصون، بما في ذلك تحديد كيفية تأثر تراثها الثقافي غير المادي بمخاطر تغيّر المناخ، وتحديد التدابير اللازمة لصونه، والاستعانة به مورداً لتقوية قدراتها على التكيف والتخفيف.

وتُشرك البلدان على نحو متزايد المجتمعات في جهود التكيف، بما يضمن ألا تكون على دراية بالمخاطر فحسب، بل أن تسهم أيضاً بنشاط في تحديد مواطن ضعف النظم والموارد والحد من آثار تغيّر المناخ. ففي الإكوادور، أقام شعبا الكيتشوا والواوراني الأصليان، اللذان تتهدد أنهارهما أنشطة التعدين وإزالة الغابات وتسربات النفط، شراكة مع منظمة «حماية الطبيعة» لإنشاء منطقة محمية يقودها المجتمع. ومن خلال عملية للموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة، شملت ورشاً باللغات الأصلية، وافقت جميع المجتمعات البالغ عددها 33 مجتمعاً للواوراني و47 مجتمعاً للكيتشوا على حماية 1860 كيلومتراً من الأنهار و26 ألف هكتار من الأراضي الرطبة، بما يعود بالنفع على 4300 شخص. وتقدّمت محمية نوشينيو كوراراي فيلانو النهرية لتصبح منطقة للحفظ والاستخدام المستدام، وهي منطقة تنشئها الحكومات المستقلة اللامركزية أو المجتمعات أو المالكون الخاصون لحماية خدمات النظم الإيكولوجية التي تفيد حياة الإنسان، وتعترف بها رسمياً السلطة البيئية الوطنية في الإكوادور. وقد حدّدت الحكومة بين عامي 2022 و2023 خمس مناطق لحماية المياه، تغطي 2300 كيلومتر من الأنهار و2800 هكتار من الأراضي الرطبة، وتصون موارد مائية أساسية لـ174 ألف شخص.

وفي جبال الهيمالايا الهندية، أحدثت شراكة مجتمعية لإدارة الأراضي الرطبة وحفظها تحولاً في ممارسات السياحة، وأدمجت المعارف المحلية في حلول السياسات. ففي سيكيم، قادت المجتمعات المحلية حملة لحفظ مجمع تسومغو للأراضي الرطبة الواقع داخل منتزه كانغشيندزونغا الوطني المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، الذي يستقبل نحو 300 ألف سائح سنوياً. ومع أن السياحة تدعم الاقتصاد المحلي، فإنها تضغط أيضاً على البيئة. وقد أصلحت «لجنة حفظ بحيرة تسومغو»، أول لجنة لحفظ البحيرات في سيكيم، التي شكّلتها حكومة الولاية عام 2008 بدعم من منظمات بيئية غير حكومية، إدارة السياحة ومكّنت المجتمعات من قيادة حفظ الأراضي الرطبة. وتضم اللجنة، التي تتمتع بسلطة مباشرة، ممثلين عن كل أسرة وعن الجمعيات المحلية، يجمعون رسوم الحفظ من الزوار لتمويل مبادرات مثل نقل المتاجر وإنشاء نظم لإدارة النفايات وتنفيذ برامج توعية وإحياء مهرجانات ثقافية كمهرجان بهادوري بورنيما لصون التقاليد المحلية.

والمناطق الحضرية التاريخية مستودعات لتقاليد وخبرات متراكمة خاصة بكل منطقة، شكّلتها على مدى قرون أجيال متعاقبة وثقافات متنوعة. ويقع نحو ثلث ممتلكات التراث العالمي في مناطق حضرية. وتختزن هذه المناطق ثروة من الحكمة في الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، ويمكن أن تكون مختبرات حية تقدّم طائفة من تقنيات البناء التقليدية وممارسات المجتمعات المحلية، في مجالات كإدارة المياه والحفظ الحضري. وتؤكد التوصية بشأن المناظر الحضرية التاريخية لعام 2011 أهمية مواءمة الاستدامة والشمول مع إدارة المناطق الحضرية التاريخية وحفظها.

وتواجه مدينة بامبرغ الألمانية المدرجة على قائمة التراث العالمي، بمخططها الذي يعود إلى القرون الوسطى ومبانيها المدنية، آثاراً مناخية متزايدة، منها تراجع الهطول السنوي بنسبة 5%، وآثار الجزر الحرارية الحضرية التي يفاقمها التحضر، وتضرر واجهات المباني التاريخية بسبب الجفاف. وقد أحيت شراكة بين القطاعين العام والخاص توليد الطاقة الكهرمائية في طواحين المياه السابقة، مع دمج بقاياها الإنشائية في مركز جديد للزوار. ومنذ عام 2018، يسهم توربين صديق للأسماك مكيّف مع النهر الضحل بنحو 750 ألف كيلوواط ساعي من الكهرباء المتجددة سنوياً في شبكة الكهرباء البلدية، وهو ما يكفي لتزويد نحو 300 أسرة بالطاقة، مع الحفاظ على الاستخدام التاريخي للممتلك للطاقة الكهرمائية دون المساس بقيمته العالمية الاستثنائية. ويعمل مركز بامبرغ للتراث العالمي، الذي افتُتح عام 2019، على التوعية بتغيّر المناخ بربط التراث القروسطي للمدينة في الاستخدام المستدام للطاقة بالحلول المتجددة الحديثة للتحديات الحضرية. وإنتاج المدينة من الطاقة المتجددة مندمج في استراتيجيتها لتغيّر المناخ وفي خطط التنمية المستدامة للمنطقة.

وأرست المادة السابعة من اتفاق باريس الهدف العالمي بشأن التكيف لمعالجة كيفية تكيف العالم مع الآثار السلبية لتغيّر المناخ، ويهدف إلى تعزيز القدرة على التكيف وتقوية الصمود والحد من الآثار المناخية، مع الإسهام في التنمية المستدامة ومواصلة الجهود لحصر الاحترار العالمي في 1.5 درجة مئوية. وفي عام 2023، وخلال المؤتمر الثامن والعشرين للأطراف في دبي، فعّلت الأطراف هذا الهدف بالاتفاق على مجموعة من الغايات لتوجيه إجراءات التكيف ودعمها على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية في إطار الإمارات العربية المتحدة للصمود المناخي العالمي. وأُدرج التراث الثقافي بوصفه إحدى الغايات المواضيعية السبع. ويمثّل هذا الإدراج غير المسبوق اعترافاً تاريخياً بأن الثقافة معرّضة لآثار المناخ ومورد حيوي لبناء الصمود في آن معاً. وتتعاون اليونسكو حالياً مع اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ في وضع مؤشرات الهدف العالمي بشأن التكيف الخاصة بالتراث الثقافي.

الانتقال العادل

لا غنى عن تحولات سريعة وبعيدة المدى في جميع القطاعات والنظم لتحقيق تخفيضات عميقة ومستدامة في الانبعاثات وتأمين مستقبل صالح للعيش ومستدام للجميع. وتنطوي هذه التحولات على توسيع كبير لمحفظة واسعة من تدابير التخفيف والتكيف. وحجم هذا التغيير المنهجي غير مسبوق ومرتبط مباشرة بالحاجة إلى انتقال عادل ومنصف.

وفي سياق الثقافة، يتطلب الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون استثماراً كبيراً في المهارات والموارد والبنية التحتية، إلى جانب ضرورة حماية التراث والممارسات الثقافية وصونها، وبناء التوافق بين صانعي القرار، مع تمكين المجتمعات من البقاء حارسة فاعلة لمواردها الثقافية والطبيعية. ويجب أن يضمن إطار الانتقال العادل للصناعات الثقافية والإبداعية الإنصاف في عمليات التخطيط المناخي وصنع القرار، مع تدابير موجّهة لدعم المجتمعات المحلية والمنظمات الأصغر الأشد ضعفاً. ويشمل ذلك برامج بناء القدرات والتدريب، والتمويل المنصف للتقنيات الخضراء، والاعتراف بالحقوق الأصيلة للشعوب الأصلية، والسياسات الخاصة بالنوع الاجتماعي، والتوزيع العادل للمنافع على الأكثر تأثراً بالانتقال. ولذلك فإن جعل الصناعات الثقافية والإبداعية أكثر استدامة بيئياً ونقلها إلى اقتصاد منخفض الكربون أمر مكلف، وعلى الحكومات والممولين مراعاة ذلك في سياساتهم ونُهجهم التمويلية.

التوعية محرّكاً للعمل المناخي

تواجه البلدان في أنحاء العالم الحاجة الملحّة إلى تحول جذري في أنماط العيش والاستهلاك والإنتاج لخفض انبعاثات غازات الدفيئة مع بناء الصمود المناخي. ووفقاً لأحدث تقييم للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ، تشمل الظروف التمكينية للإجراءات الفردية والجماعية التي تتخذها الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لتحقيق تنمية قادرة على الصمود أمام المناخ إدماجَ المعارف والقيم المتنوعة، ومنها القيم الثقافية ومعارف الشعوب الأصلية والمعارف المحلية والمعرفة العلمية. وتُبرز الوثيقة أن العوامل الاجتماعية والثقافية وتغيير السلوك وأنماط العيش، المدعومة بالسياسات والبنية التحتية والتكنولوجيا، يمكن أن تسرّع التحول المجتمعي نحو استهلاك منخفض كثافة الانبعاثات. وتلاحظ أن تنامي الوعي العام والسياسي بآثار المناخ ومخاطره أدى إلى إدراج ما لا يقل عن 170 بلداً ومدن كثيرة التكيف في سياساتها المناخية وعمليات تخطيطها في جميع القطاعات.

ويبرز الميدان الثقافي عاملاً تمكينياً قوياً للعمل المناخي، إذ تنبثق منه القيم المتنوعة والمعاني المشتركة وأنماط العيش وتؤثر في التحولات الجذرية في النماذج اللازمة على وجه السرعة لتغيير طريقة عيش المجتمعات وإنتاجها واستهلاكها. وتعترف كل من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ واتفاق باريس بالدور الحاسم لمشاركة الجمهور في دفع العمل المناخي. إذ تُبرز المادة السادسة من الاتفاقية والمادة الثانية عشرة من الاتفاق أهمية قيام الأطراف بتعزيز التعليم والتوعية العامة والتدريب ومشاركة الجمهور ونفاذه إلى المعلومات والتعاون الدولي في مجال تغيّر المناخ وتيسيرها. وتهدف هذه العناصر الستة، المعروفة مجتمعةً بالعمل من أجل التمكين المناخي، إلى تمكين جميع أفراد المجتمع، ولا سيما الشباب، من فهم الانتقال إلى عالم منخفض الانبعاثات وقادر على الصمود أمام المناخ والمشاركة الفاعلة فيه.

ويُبرز مشروع القيمة الثقافية التابع لمجلس بحوث الفنون والعلوم الإنسانية في المملكة المتحدة أن المشاركة في الفنون والثقافة قد تنتج مواطنين منخرطين، فلا تعزّز السلوكيات المدنية فحسب، بل تساعد أيضاً على صياغة بدائل للافتراضات السائدة، وتحفّز خيالاً سياسياً أوسع، وتُشرك الناس في التفكير في تغيّر المناخ حين تُستخدم لا بطريقة تلقينية بل أساساً للتأمل والنقاش. ويرى المشروع أن المعلومات وحدها لا تكفي لمعالجة تغيّر المناخ، وأن إشراك الفنون والثقافة يوفّر مساراً بديلاً مهماً.

وكثيراً ما يوصف الفن بأنه مرآة تُرفع أمام الطبيعة، ويستخدم الفنانون والمبدعون في أنحاء العالم منابرهم على نحو متزايد لتناول الموضوعات الإيكولوجية والبيئية، والتوعية بتغيّر المناخ، والدعوة إلى صلة أكثر استدامة بين الناس وبيئتهم الطبيعية. ويضع عدد متزايد من الحركات الفنية والإيكولوجية إلحاح هذا التحدي في الواجهة عبر رواية القصص والفن الناشط وتبادل الأفكار والتجارب الجماعية. وتساعد هذه الأعمال الناس على فهم الإرث الماضي، والتعامل مع التعقيدات المترابطة للحاضر، واستلهام تصور طرق بديلة للتعامل مع العالم والإسهام فيها. فمن الأفلام والكتب والأغاني والمعارض والمسرحيات الملتزمة بيئياً إلى سائر الإنتاجات الفنية التي تترجم المعلومات المعقدة، وتنقل الأدلة العلمية، وتتحدى اليأس، وتُبرز إمكانية التغيير الإيجابي، أو توثّق التراث المعرّض للخطر، يزداد وضوح الدور الحاسم للفنون والإبداع في تشكيل طريقة إدراك المجتمع لقضايا المناخ وتفاعله معها.

وقد أدى الفيلم الوثائقي «حقيقة مزعجة» عام 2006، الذي شارك فيه نائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل غور، دوراً محورياً في إدخال الخطاب المناخي إلى دائرة الاهتمام العام. واستمر هذا الزخم حتى المؤتمر الحادي والعشرين للأطراف في باريس، الذي شهد حضوراً ومشاركة فنية غير مسبوقة، منها أعمال فنية عامة بارزة كمنشأة أولافور إلياسون المؤلفة من كتل جليدية ذائبة من أنهار غرينلاند الجليدية في ساحة البانثيون، وبرنامج «آرت كوب 21» الذي ضم أكثر من 550 فعالية ثقافية في باريس وحول العالم. وساعدت هذه المبادرات على إشراك جماهير أوسع في المفاوضات التقنية للمؤتمر. وخلص تحليل لاستجابات الجمهور للأعمال الفنية المعروضة خلال قمة الأمم المتحدة للمناخ إلى أن الفن المتصل بالمناخ يمكن أن يجعل تغيّر المناخ ذا صلة شخصية، وأن التعرض لهذه الأعمال يرتبط، على المدى القصير على الأقل، بزيادة دعم السياسات المناخية، ويجري ذلك في الغالب عبر تنشيط عاطفي تعقبه معالجة معرفية.

وإقراراً بالدور الحاسم لمشاركة الجمهور في دفع العمل المناخي، أنشأت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية مبادرة «الترفيه والثقافة من أجل العمل المناخي»، وهي مبادرة جامعة لإشراك الصناعات الثقافية والإبداعية في تعزيز العمل من أجل التمكين المناخي. وتؤكد جهودها لإشراك هذه الصناعات وسائر القطاعات المعنية بالعمل المناخي دور رواية القصص وإزالة الكربون في تحقيق أهداف اتفاق باريس. ومن خلال مبادرات مثل «ميثاق الفن من أجل العمل المناخي» و«السينما والتلفزيون من أجل العمل المناخي» وبرنامج «المدن المسرّعة»، تسعى المبادرة إلى تعزيز تبادل الأدوات والموارد القائمة، والحد من الآثار البيئية لتطوير المحتوى الترفيهي وإنتاجه وتوزيعه، واستثمار قوة الفن في إلهام العمل المناخي خارج القطاع.

وللمؤسسات الثقافية كالمتاحف والمكتبات ومراكز تفسير مواقع التراث دور حاسم أيضاً في النهوض بالعمل من أجل التمكين المناخي. فمن خلال استثمار قوتها الرمزية بوصفها كيانات موثوقة وفضاءات للتعلم مدى الحياة، تستطيع هذه المؤسسات تعزيز الحوار المحلي والحوار بين الثقافات وإلهام العمل المناخي في المجتمعات التي تخدمها. وبفضل سمعتها الموثوقة ودورها التثقيفي بوصفها فضاءات مجتمعية متاحة، يمكن للمتاحف أن تسهم في التماسك الاجتماعي والوعي المناخي والتفاهم المتبادل عبر سردياتها التنظيمية. ويمكن لمتاحف التاريخ الطبيعي ومتاحف المياه والمتاحف الجيولوجية على وجه الخصوص أن تسخّر نُهجها العلمية وخلفيتها البحثية للتوعية بتغيّر المناخ والممارسات المستدامة.

وعلى الرغم من إمكاناتها الهائلة في دفع العمل المناخي، لا تزال الثقافة مُغفلة إلى حد بعيد في الاستراتيجيات والسياسات المناخية بسبب نقص الوعي والخبرة والاستثمار. وثمة اهتمام أكاديمي متزايد بفهم دور الأنشطة الفنية والثقافية في التوعية العامة وتشكيل المواقف تجاه العمل المناخي، غير أنه يلزم مزيد من الأدلة لإثبات فعاليتها في تعزيز الفاعلية وتغيير السلوك.

الاستدامة البيئية في الصناعات الثقافية والإبداعية

إعادة تأطير الاستدامة عبر الثقافة

صاغت اللجنة العالمية للبيئة والتنمية مفهوم التنمية المستدامة في تقريرها «مستقبلنا المشترك» عام 1987، وعرّفتها بأنها «التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها». وقد شاع هذا المفهوم التأسيسي لاحقاً عبر الإطار المعروف بالركائز الثلاث، أي التوازن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مع التشديد على وجوب إدماج هذه الأبعاد في استراتيجيات التنمية المحلية والوطنية والعالمية. غير أنه بمرور الوقت، تزايد الإقرار بأن هذه الأبعاد الثلاثة وحدها لا تكفي للتعبير الكامل عن تعقيد تحديات اليوم وترابطها، بما فيها التحديات التي يطرحها تغيّر المناخ.

وكانت اتفاقية عام 2005 لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي رائدة في إرساء الصلة الصريحة بين الثقافة والتنمية المستدامة، إذ ألزمت الدول الأطراف بإدماج الثقافة في سياسات التنمية على جميع المستويات. وعلى مدى العقدين الماضيين، اكتسبت الدعوة إلى الاعتراف بالثقافة محرّكاً وعاملاً تمكينياً رئيسياً للتنمية المستدامة زخماً كبيراً، مؤكدةً دورها الأساسي في تعزيز الهوية والتماسك الاجتماعي والإبداع والابتكار وتقوية السلام والأمن. وقد تبلورت هذه الرؤية أكثر في بيان سياساتي أصدرته منظمة المدن المتحدة والحكومات المحلية عام 2010.

وتحمل الاستدامة معاني مختلفة عبر السياقات الثقافية والجغرافية. ففي ثقافات كثيرة، تستند الاستدامة إلى قيم الروحانية والانسجام والترابط مع الطبيعة، متجاوزةً حدود المقاييس الاقتصادية وإدارة الموارد. وقد تبنّت بعض الحكومات الوطنية المنظورات الثقافية وأشكال التعبير الإبداعي في أطر حوكمتها للاستدامة، بما يسهم في صياغة سياسات أكثر شمولاً وإنصافاً وملاءمة للسياق.

فمؤشر السعادة الوطنية الإجمالية في بوتان إطار تنموي كلي استُحدث في سبعينيات القرن الماضي، يعكس القيم البوذية ويشدد على إدماج الرفاه الثقافي والروحي والبيئي والاجتماعي. ويشمل الإطار تسعة مجالات لتقييم الرفاه والسعادة العامين لسكان بوتان: الرفاه النفسي، والصحة، والاستخدام المتوازن للوقت، والتعليم، والتنوع والصمود الثقافيان، والحكم الرشيد، وحيوية المجتمع، والتنوع والصمود الإيكولوجيان، ومستوى المعيشة. ويُحسب المؤشر كل خمس سنوات، ويوجّه صياغة مجالات النتائج الرئيسية الوطنية التي تشكّل السياسات والأولويات الإنمائية الوطنية.

والثقافة كذلك أحد أهداف الرفاه السبعة في قانون رفاه الأجيال القادمة الرائد في ويلز، أول تشريع في العالم يُلزم الهيئات العامة صراحة بمراعاة الأثر الطويل الأمد لقراراتها في الأجيال القادمة. ويكرّس القانون قانونياً مبدأ أن التنمية المستدامة يجب أن تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها، وينشئ منصب مفوض الأجيال القادمة في ويلز المكلّف بصون مصالحها. ويعزّز هدف الرفاه الثقافي، «ويلز ذات ثقافة نابضة ولغة ويلزية مزدهرة»، التراث الثقافي والفنون والتقاليد في ويلز ويحميها، مع تشجيع نمو اللغة الويلزية واستخدامها اليومي.

وقد دافعت اليونسكو على الدوام عن نهج إنمائي قائم على الثقافة، أفضى إلى عدد من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تعترف بالثقافة عاملاً تمكينياً ومحرّكاً للتنمية المستدامة. وتوّج ذلك بإدماجها في غايتين محددتين ضمن خطة التنمية المستدامة لعام 2030 المعتمدة عام 2015. وفي عام 2019، أطلقت اليونسكو إطار مؤشرات الثقافة|2030، الذي يزوّد البلدان والمدن بمنهجية لقياس إسهام الثقافة في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة ورصده. وقد طُبّق الإطار في أكثر من 20 بلداً ومدينة، منها المغرب وكرواتيا وبوغوتا والصويرة، فساعد على إثراء السياسات ببيانات عن كيفية نهوض المشاركة الثقافية والتراث والإبداع ونظم المعرفة بالنتائج المستدامة.

الكشف عن الأثر البيئي للصناعات الثقافية والإبداعية

التنمية المستدامة والعمل المناخي مترابطان ترابطاً عميقاً. فخطة عام 2030 واتفاق باريس يؤكدان الحاجة إلى تعزيز العمل المناخي العالمي وإدماج التدابير المناخية في جميع البلدان والقطاعات وأصحاب المصلحة لخفض انبعاثات غازات الدفيئة وبناء الصمود. ولحصر الاحترار العالمي في 1.5 درجة مئوية، يجب أن تنخفض الانبعاثات بنسبة 45% بحلول عام 2030 وأن تبلغ صافياً صفرياً بحلول عام 2050، أي أن تُخفَّض إلى أقرب ما يمكن من الصفر، مع امتصاص الانبعاثات المتبقية بالنظم الإيكولوجية أو تقنيات احتجاز الكربون. وسيتعين على بعض القطاعات إزالة الكربون بسرعة أكبر، وصولاً إلى «الصفر الحقيقي» بإلغاء الانبعاثات دون الاعتماد على التعويضات.

وعلى الرغم من إسهام الصناعات الثقافية والإبداعية بنسبة 3.39% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، واستئثارها بمتوسط 3.55% من العمالة، واندماجها في سلاسل إمداد صناعات أخرى، كثيراً ما يُقلَّل من تقدير أثرها البيئي، ولا سيما في القطاعات الفرعية والبلدان العالية الكربون. وستواجه هذه المجالات تدقيقاً متزايداً للاتساق مع المساهمات المحددة وطنياً وإزالة الكربون من عملياتها على نطاق واسع وبسرعة، بالتحول عن الوقود الأحفوري في الطاقة والنقل والإنتاج. وفي غياب مجموعة بيانات عالمية أو نهج موحّد يلتقط النطاق الكامل لانبعاثات الكربون واستهلاك الموارد وتوليد النفايات في هذه القطاعات والصناعات، تظل البيانات مجزّأة وغير متسقة، ما يحدّ من القدرة على فهم أثرها البيئي والحد منه. وقليلة هي المنظمات التي تقيس انبعاثاتها أو نفاياتها على نحو منهجي، ومعظمها لا يقيس إلا انبعاثات النطاق الأول، ونادراً ما تُلتقط بيانات النطاقين الثاني والثالث. ويمكن أن يُعزى ذلك إلى عوائق مثل محدودية القدرات والمهارات والموارد والحوافز التنظيمية وتعقيد سلاسل القيمة. ويصنّف بروتوكول غازات الدفيئة الواسع الاستخدام الانبعاثات في ثلاثة نطاقات: النطاق الأول، ويشمل الانبعاثات المباشرة من مصادر تملكها المنظمة أو تتحكم فيها، كالوقود المستخدم في مولدات المهرجانات أو مواقع التصوير أو مركبات الشركة لنقل المعدات والموظفين والمواهب؛ والنطاق الثاني، ويشمل الانبعاثات غير المباشرة من الكهرباء أو التدفئة أو التبريد أو البخار المشتراة، بما في ذلك تشغيل إضاءة الأماكن وأنظمة الصوت ومعدات الإنتاج، وتدفئة المسارح وصالات العرض والمهرجانات وتبريدها؛ والنطاق الثالث، ويشمل جميع الانبعاثات غير المباشرة الأخرى على امتداد سلسلة القيمة، كسفر الجمهور وإنتاج السلع الترويجية واستهلاك الطاقة في البث والآثار الزراعية للقطن المستخدم في الأزياء.

وإدراكاً لهذه التحديات والثغرات، أُجري تقدير استكشافي لإسهام القطاع في الانبعاثات العالمية للاسترشاد به في تحليل هذا التقرير. وجمعت المنهجية بين تقديرات إسهام الصناعات الثقافية والإبداعية في الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء، بدمج بيانات من التقارير الدورية الرباعية لاتفاقية عام 2005 ومؤشرات اليونسكو للثقافة|2030 ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وإحصاءات وزارات الثقافة والحسابات الفرعية للصناعات الإبداعية، وتقديرات إجمالي انبعاثات الكربون للدول الأعضاء المتوافرة عنها بيانات، ولا سيما الانبعاثات السنوية القائمة على الإنتاج لعام 2022، مع مراعاة أثر الواردات التي تولّد انبعاثات قائمة على الإنتاج في بلدان أخرى.

ولهذا التحليل الاستكشافي حدود ملحوظة، منها افتراض أن انبعاثات الصناعات الثقافية والإبداعية تتناسب مع إسهامها في الناتج المحلي الإجمالي رغم التباينات بين القطاعات والصناعات، وحساسيته لدقة بيانات الانبعاثات على مستوى الدول. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن المعلومات المعروضة تمثّل متوسط إجمالي الانبعاثات لكل بلد، ما يجعل المجموعات التي تضم نسبة عالية من البلدان الكثيفة السكان، كمجموعة البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، تسجّل متوسط انبعاثات أعلى. فوفقاً لهذا التقدير، يبلغ متوسط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون القائمة على الإنتاج من هذه الصناعات 23.8 مليون طن سنوياً في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و8.9 ملايين طن في البلدان المرتفعة الدخل، و2.7 مليون طن في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و0.3 مليون طن في البلدان المنخفضة الدخل، بمتوسط عالمي قدره 11.8 مليون طن. ومع ذلك، يوفّر هذا التحليل الاستكشافي خطوة أولى نحو معالجة هذه الثغرة في البيانات، ويؤكد الحاجة إلى مزيد من البحث وصنع السياسات الموجّهين.

فهم الآثار عبر الصناعات الثقافية والإبداعية

من استخدام المعدات في المهرجانات وإنتاج الأفلام إلى متطلبات الطاقة في المتاحف والمسارح والعروض الحية، إضافة إلى السفر المرتبط بها، لكل نشاط في الصناعات الثقافية والإبداعية بصمة بيئية، بما في ذلك الأنشطة الرقمية التي كثيراً ما تُغفل. غير أن لقطاعات فرعية بعينها آثاراً بيئية أعلى بصورة غير متناسبة من غيرها.

فصناعة الأزياء تُعدّ صاحبة أعلى بصمة بيئية بين الصناعات الثقافية والإبداعية، ويُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها من أكثر الصناعات تلويثاً في العالم، بسبب آثارها في تدهور الأراضي واستهلاك المياه وتلوثها وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث باللدائن الدقيقة. وتتفاوت تقديرات انبعاثاتها الكربونية بما يعكس تعقيد سلسلة إمدادها البالغة قيمتها 2.4 تريليون دولار أمريكي. ويُقدَّر أن صناعة الأزياء العالمية أنتجت نحو 2.1 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون عام 2018، أي ما يعادل 4% من الانبعاثات العالمية، وهو ما يساوي الانبعاثات السنوية المجتمعة لفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة. وتقدّر دراسة أخرى حصة الأزياء بـ2% من الانبعاثات العالمية، يرتبط 80% من بصمتها الكربونية بعمليات التصنيع.

وقد باتت انبعاثات الكربون الناجمة عن إنتاج الأفلام والتلفزيون موثّقة على نحو متزايد في السنوات الأخيرة. فقد كشف تحليل لـ161 فيلماً روائياً و266 مسلسلاً تلفزيونياً، منها إنتاجات لديزني ووارنر براذرز ديسكفري وسوني وباراماونت وإن بي سي يونيفرسال ونتفليكس وأمازون، أن الأفلام الضخمة التي تتجاوز ميزانياتها 70 مليون دولار أمريكي بلغ متوسط بصمتها الكربونية 3370 طناً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أي 33 طناً لكل يوم تصوير. واستأثر استهلاك الوقود بنسبة 48% من الانبعاثات، ولا سيما من مركبات الإنتاج والمولدات. ويولّد الإنتاج الضخم النموذجي نفايات تعادل وزن 313 حوتاً أزرق، في حين تعادل انبعاثات السفر الجوي المرتبط به 11 رحلة ذهاب من الأرض إلى القمر.

ويُعدّ الأثر البيئي لصناعة الموسيقى على الأرجح الأكثر دراسة، ومن الشواغل الرئيسية التلوث الناجم عن الحفلات، والبصمة الكربونية للبث، والانبعاثات الناجمة عن الجولات الحية والأماكن والمهرجانات. فقد قدّرت دراسة لصناعة الموسيقى في المملكة المتحدة أن جولات الفنانين داخل البلاد وجولات الفرق البريطانية في الخارج أنتجت نحو 85 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون عام 2010. وبلغت العروض الحية مستويات قياسية بعد جائحة كوفيد 19، إذ أفادت شركة «لايف نيشن إنترتينمنت» بأن أكثر من 145 مليون معجب حضروا أكثر من 50 ألف فعالية حول العالم عام 2023. وتنطوي كل فعالية على ديكورات مؤقتة وإضاءة كثيفة الاستهلاك للطاقة وأنظمة صوت وتدفئة وتبريد، وعلى سفر كبير للمؤدين والمعدات والجمهور، كثيراً ما يكون لمسافات طويلة.

وتحتل المهرجانات والفعاليات الخارجية مكانة محورية في المشهد الثقافي في بلدان كثيرة. ففي المملكة المتحدة وحدها، ولّد 4.9 ملايين من رواد المهرجانات المخيّمين عام 2020 نحو 25800 طن من النفايات و24261 طناً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، دون احتساب انبعاثات السفر. ووجدت دراسة لسبعة عشر مهرجاناً أوروبياً، شملت انبعاثات النطاق الثالث، أن كل حاضر يولّد في المتوسط 11 كيلوغراماً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون يومياً، ويستأثر سفر الجمهور والفنانين وفرق الإنتاج والتجار بنحو 58% من إجمالي انبعاثات المهرجان، في حين يسهم استهلاك الطعام والشراب بنحو 34%.

وكثيراً ما يُنظر إلى بث الموسيقى والفيديو بوصفه بديلاً أكثر استدامة من الوسائط المادية، لأنه يقلّل النفايات البلاستيكية تقليلاً كبيراً. غير أن تخزين البيانات الرقمية ومعالجتها ونقلها عبر العالم يتطلب موارد طاقة هائلة، ما يفضي إلى انبعاثات كربونية أعلى من أي وقت مضى في التاريخ. فمع أن أثر الاستماع إلى الموسيقى أو مشاهدة الأفلام أو اللعب عبر الإنترنت لكل مستخدم لم يكن يوماً أدنى مما هو عليه الآن، ارتفعت البصمة البيئية التراكمية ارتفاعاً كبيراً مع صعود خدمات البث، ولا سيما منذ الجائحة، إذ تولّد ساعة واحدة من بث الوسائط في المتوسط نحو 55 غراماً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، تأتي معظمها من جهاز المستخدم النهائي. وحتى عام 2023، تجاوز عدد المشتركين في خدمات بث الموسيقى في العالم 700 مليون، بزيادة 90 مليوناً عن العام السابق، ما يقرّب هذه الصناعة من عتبة المليار مستخدم.

وتُقدَّر البصمة الكربونية العالمية لقطاع الفنون البصرية بـ70 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً، يأتي 26% منها، أي 18 مليون طن، من استخدام الطاقة في المباني، بما فيها الإضاءة والتحكم المناخي في المتاحف وصالات العرض والمعارض، ومن الشحن الدولي للأعمال الفنية وسفر الأعمال. أما النسبة المتبقية البالغة 74%، أي 52 مليون طن، فتُعزى إلى انبعاثات سفر الجمهور، بما يعكس أعداد الزوار المرتفعة للمؤسسات الكبرى. ففي عام 2023 مثلاً، استقبل متحف اللوفر نحو 8.9 ملايين زائر، في حين استقبلت متاحف الفاتيكان والمتحف الوطني الصيني نحو 6.8 ملايين زائر لكل منهما. ومع أن هذه الأرقام تعكس الجاذبية العالمية والأهمية الاقتصادية للسياحة الثقافية، فإنها تؤكد أيضاً الأثر البيئي للسفر الدولي لمسافات طويلة المرتبط بزيارة المعالم الثقافية الكبرى.

وترتبط الآثار البيئية للنشر إلى حد بعيد بالطباعة وإنتاج الورق، رغم تراجع التوزيع المطبوع بسبب صعود الصيغ الرقمية. فإنتاج الورق ولبّه يسهم في إزالة الغابات ويستهلك موارد كثيفة، منها كميات كبيرة من المياه، ويطلق ملوثات، ويُقدَّر أنه يستأثر بنسبة 0.6% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية. أما الأنشطة الثقافية الأخرى، كالأدب والرسم والحرف، فآثارها البيئية أدنى نسبياً، إذ تعمل المبادرات المحلية الصغيرة بحد أدنى من استخدام الموارد. وفي بلدان الجنوب العالمي، كثيراً ما تفضي الممارسات التقليدية والمواد المحلية المصدر إلى بصمة أدنى بكثير مقارنة بالأساليب الصناعية السائدة في معظم اقتصادات الشمال العالمي.

النهوض بالعمل المناخي في الثقافة

أصبح مجلس الفنون في إنجلترا قبل أكثر من عقد أول هيئة ثقافية في العالم تشترط الإبلاغ البيئي والتخطيط للعمل شرطاً للتمويل. وبالشراكة مع منظمة «جولي بايسكل»، حشد البرنامج منذ عام 2012 آلاف المنظمات الفنية لرصد بياناتها البيئية وقياسها والإبلاغ عنها، واعتُمدت الأدوات التي طوّرها على الصعيد العالمي، إذ تقدّم أساليب عملية قائمة على البيانات للحد من الآثار البيئية للقطاع في مجالات منها الطاقة والنفايات والمياه والجولات والمواد وسفر الأعمال.

وقد ألهمت هذه المبادرة الناجحة تطورات في السياسات الثقافية على الصعيد الدولي. ففي عام 2023، أطلقت وزارة الثقافة والإعلام الاتحادية في ألمانيا «نقطة الاتصال للثقافة الخضراء»، وهي وحدة خدمات تدعم المؤسسات الثقافية في البلاد البالغ عددها 20 ألف مؤسسة في تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2045، وقد جرّبت المبادرة إطاراً خاصاً بالثقافة لتقييم البصمة الكربونية، وتنفّذ برنامجاً تدريبياً في جميع الولايات الاتحادية الست عشرة لبناء القدرات ودعم الممارسات المستدامة على مستوى القطاع. وفي العام ذاته، أطلق مجلس وزراء بلدان الشمال الأوروبي «خريطة الطريق الخضراء لبلدان الشمال للمؤسسات الثقافية»، المصمّمة لتوجيه القطاع الثقافي نحو انتقال أخضر، إذ توفّر أطراً عملية للمنظمات والفنانين لإدماج الممارسات المستدامة في عملهم.

وأنشأ برنامج «أيرلندا المبدعة»، بالتعاون مع وزارة البيئة والمناخ والاتصالات، «صندوق العمل المناخي الإبداعي» لدعم المشاريع الإبداعية والثقافية والفنية التي تذكي الوعي المناخي وتشجع تغيير السلوك. وقد أُطلق الصندوق عام 2021 بمخصصات قدرها مليونا يورو دعمت 15 مشروعاً تجريبياً، ثم توسّع عام 2023 ليقدّم 5.8 ملايين يورو إلى 43 مشروعاً، منها مبادرات للتنوع البيولوجي في نيفين، والسياحة المستدامة في بانراتي، والصمود الساحلي في ماهاريز. ومن أولويات هيئة «أستراليا المبدعة» للفترة من 2025 إلى 2028 إنشاء «خدمات العمل المناخي»، بهدف تقديم دعم وطني للإجراءات المستدامة والمستجيبة للمناخ في قطاع الفنون والمجتمعات الأوسع.

وتقود منظمات ثقافية كثيرة جهوداً نشطة لخفض الانبعاثات وبناء القدرات في القطاع عبر الشراكات والأطر والبحوث الموجّهة للعمل المناخي. وتبرز ريادة صناعة الموسيقى جزئياً بفضل الانخراط الطويل للفنانين والشركات في قضايا الاستدامة. ففرقة «كولدبلاي» مثلاً خفّضت الانبعاثات المباشرة لعروضها بنسبة 59% في عامي 2022 و2023 باعتماد أماكن تعمل بالطاقة الشمسية وأرضيات رقص حركية ودراجات لتوليد الطاقة. وفي مهرجان غلاستنبري لعام 2023، عملت جميع المولدات التي تخدم نحو 200 ألف حاضر حصراً بوقود الزيت النباتي المعالج بالهيدروجين الخالي من زيت النخيل، ما خفّض انبعاثات دورة الحياة بنسبة تصل إلى 90%. وفي عام 2024، أحيت فرقة «ماسيف أتاك» حفلاً يهدف إلى إرساء معايير جديدة للفعاليات الموسيقية الكبيرة المنخفضة الكربون، يعمل بالكامل بالطاقة المتجددة، ولا يرسل أي نفايات إلى المكبات، ولا يقدّم سوى طعام نباتي، ثمرةً لتعاون امتد خمس سنوات مع باحثين في المناخ. وتدفع حملات المجتمع المدني، مثل «لا موسيقى على كوكب ميت»، النشاط المناخي إلى صميم التيار الثقافي السائد، وقد برز فنانون مشهورون مثل بيلي إيليش وفرقة بلاكبينك مدافعين أقوياء عن العمل المناخي. ومن المبادرات الأخرى «الأصوات الصحيحة» التي تعترف بالطبيعة فناناً على منصات البث، وتعيد توجيه العائدات إلى حفظ التنوع البيولوجي.

ويواجه قطاع الفنون البصرية تحديات كبيرة في خفض انبعاثات غازات الدفيئة، ولا سيما بسبب نمو معارض الفن الدولية والمعارض المتنقلة التي تزيد تنقل الأعمال والجمهور والقطع الفنية. ففي عام 2024، تعهّد أكثر من 40 معرضاً فنياً كبيراً، منها «آرت بازل» و«فريز» و«تيفاف»، بخفض انبعاثاتها إلى النصف بحلول عام 2030 عبر تحالف أنشأه «تحالف صالات العرض من أجل المناخ». ويجمع هذا التحالف، الذي أُسّس عام 2020، أكثر من 1500 فنان وصالة عرض ومؤسسة، منها متحف الفن الحديث في نيويورك ومتحف غوغنهايم في بلباو، ويوفّر أدوات وموارد لقياس بصمتها البيئية والحد منها.

واكتسبت الحملات الرامية إلى إنهاء رعاية شركات الوقود الأحفوري للمؤسسات الثقافية زخماً في السنوات الأخيرة، مُبرزةً التناقضات الأخلاقية والبيئية لهذه الشراكات. فعلى مدى عقود، اعتمدت المتاحف وصالات العرض والمسارح والمهرجانات على تمويل الوقود الأحفوري لاستدامة برامجها وعملياتها. غير أن الضغط العام المتزايد كشف كيف تسهم هذه الرعاية في «الغسل الأخضر» لسمعة الصناعات الملوِّثة. ومع استمرار التحديات في تأمين تمويل مستدام، قطعت مؤسسات بارزة عدة، كمتحف فان غوخ وفرقة شكسبير الملكية، علاقاتها مع شركتي شل وبي بي على التوالي، فأرست سابقة لغيرها في أنحاء العالم.

والجدير بالذكر أن معظم هذه المبادرات يتركّز في بلدان الشمال العالمي، التي تستفيد من موارد أكبر وأطر سياسات أقوى وبنية تحتية تكنولوجية متقدمة ومؤسسات ثقافية راسخة. ويعترف مبدأ المسؤوليات المشتركة والمتباينة والقدرات الخاصة بكل طرف، الوارد في اتفاق باريس، بأنه في حين يجب على جميع البلدان الإسهام في التصدي لتغيّر المناخ، تقع على البلدان المتقدمة، بما لديها من موارد مالية وتكنولوجية أكبر ومسؤولية تاريخية عن الانبعاثات، مسؤولية أخلاقية لقيادة العمل المناخي ودعم الجنوب العالمي.

ففي أكبر البلدان المنتجة للملابس، كبنغلاديش والهند وكمبوديا، يدعو المصنّعون العلامات التجارية وتجار التجزئة العالميين في مجال الأزياء إلى إنشاء «صندوق مناخي عادل» لدعم الانتقال الأخضر للصناعة، ويرون أن العلامات التجارية، الأكثر ربحاً والأكبر قدرة مالية، ينبغي أن تتقاسم أيضاً تكاليف إزالة الكربون من سلاسل الإمداد. وتكتسي هذه المبادرة إلحاحاً خاصاً بالنظر إلى أن صناعة الأزياء تحتاج إلى استثمار يقدَّر بتريليون دولار أمريكي لبلوغ صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050. ويُبرز الصندوق المقترح كيف يمكن ترسيخ الإنصاف في العمل المناخي، بما يعزّز مساراً عادلاً وشاملاً لإزالة الكربون.

وتقع على البلدان المتقدمة مسؤولية دعم المبادرات التي تربط العمل المناخي بالثقافة في الاقتصادات النامية، ولا سيما عبر الشراكات التعاونية. وينبغي أن يركّز هذا التعاون على التطوير المشترك للحلول وتقدير المعارف المحلية وضمان المنافع المتبادلة، بما في ذلك توفير الموارد المالية وبناء القدرات وإتاحة فرص لتقاسم الموارد والخبرات وأفضل الممارسات، مع تيسير النفاذ إلى التقنيات المستدامة. ومن أمثلة هذا التعاون شراكة المجلس الثقافي البريطاني مع «فن جميل» في منصة «أنهار» للثقافة والمناخ، التي تموّل مشاريع فنية عن المناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتعاونه مع منظمة «جولي بايسكل» في برنامج «الثقافة الدائرية» الذي قدّم تدريباً على الاقتصاد الدائري لأكثر من 110 مهرجانات في أنحاء أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي. ومن المبادرات البارزة الأخرى مؤتمر «المبدعون من أجل العمل المناخي في تايلند» الذي قدّم أول مجموعة أدوات للعمل المناخي في تايلند للصناعات الثقافية والإبداعية، ومبادرة «صون الإرث» وهي شراكة بين المجلس الدولي للمعالم والمواقع وشبكة التراث المناخي والجمعية الجغرافية الوطنية، تزوّد المجتمعات في أكثر من 20 بلداً بالأدوات والتدريب والدعم لصون تراثها الثقافي.

وعادة ما يتولى الأفراد ومنظمات المجتمع المدني قيادة حشد القطاع الثقافي للتصدي لتغيّر المناخ في الجنوب العالمي، فيسدّون الثغرات التي تتركها حكومات محدودة الموارد أو ذات أولويات متنافسة. وكثيراً ما تتعاون المنظمات مع المجتمعات المحلية والفنانين والممارسين الثقافيين في مبادرات قاعدية لمعالجة قضايا بيئية ملحّة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بممارساتهم الثقافية وسبل عيشهم، كفقدان التنوع البيولوجي وتدهور النظم الإيكولوجية وإزالة الغابات والتلوث. وتتبع هذه المبادرات نهجاً أكثر شمولاً في العمل المناخي، وتُبرز الترابط بين الصمود الثقافي والعدالة المناخية.

وتسخّر الشعوب الأصلية في أنحاء العالم صناعة الأفلام والتقنيات الرقمية لاستعادة سردياتها، وصون تواريخها وتقاليدها ولغاتها، وتضخيم أصواتها في النقاشات العالمية حول حماية الأقاليم والعدالة وأوجه عدم المساواة المنهجية. وقد مكّن صعود وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات البث وظهور مهرجانات أفلام الشعوب الأصلية أجيالاً جديدة من صانعي الأفلام، كشبكة «كاتاهيريني» في البرازيل التي تضم 60 امرأة من الشعوب الأصلية بين صانعة أفلام ومنتجة وكاتبة سيناريو من جميع البيئات الحيوية في البلاد. ويتجاوز هذا التمكين الإبداعي رواية القصص عبر الأفلام، ليمتد إلى استخدام أحدث التقنيات مقترنة بالمعارف التقليدية لحماية التراث الثقافي. ففي إقليم شينغو للشعوب الأصلية، تعاون فنانون من شعب الواوجا مع باحثين وتقنيين دوليين لإنشاء نسخة طبق الأصل من كهف «كاموكواكا» المقدس بعد تدمير نقوشه الصخرية القديمة، كما طوّروا أداة تعليمية بالواقع الافتراضي للمدارس المحلية لصون هذه المعرفة الثقافية ونقلها إلى الأجيال القادمة.

وفي الرأس الأخضر، افتتحت مدينة منديلو، المعروفة بتراثها الموسيقي الغني، «مركز الموسيقى العائم» عام 2021. وقد بُني المركز بمواد مستدامة محلية المصدر على منصات عائمة، فيجسّد رؤية لعمارة قادرة على الصمود أمام المناخ للمجتمعات الساحلية والجزرية التي تواجه تحديات ارتفاع منسوب البحر ومحدودية الفضاء الحضري. ومنذ افتتاحه، أصبح المركز محفّزاً اقتصادياً يجتذب الفنانين والسياح الدوليين، ويخلق فرص العمل، ويروّج لموسيقى الرأس الأخضر وفنونها عالمياً.

رسم الطريق إلى الأمام

قبيل المؤتمر السادس والعشرين للأمم المتحدة بشأن تغيّر المناخ عام 2021، كشف تقرير «الثقافة: الحلقة المفقودة في العمل المناخي» أن معظم السياسات الثقافية الوطنية لم تكن متّسقة مع علم المناخ ولا مع الالتزامات الوطنية بموجب اتفاق باريس. ووجدت الدراسة أن معظم مجالس الفنون ووزارات الثقافة والوكالات الفنية العامة تفتقر إلى ولاية قانونية لمعالجة القضايا المناخية والبيئية في سياساتها أو استراتيجياتها. ومع أن غياب الولاية القانونية حُدّد عائقاً رئيسياً للوزارات والهيئات الفنية الوطنية في أنحاء العالم، كان ثمة توافق متزايد على أن المواءمة الصريحة للسياسات الثقافية مع الأهداف المناخية يمكن أن تطلق موارد مالية وبشرية وتقنية، بما يقوّي العمل المناخي بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الحوكمة والممارسة الثقافيتين.

ومع أن المجتمع الإبداعي العالمي احتضن العمل المناخي على المستويات المحلية والقطاعية والوطنية، مع نمو كبير للحركة خلال الجائحة، ظلت المبادرات على مستوى السياسات الثقافية متفرقة. وخلص تحليل أجرته حملة «هدف الثقافة 2030» لكيفية تناول الحكومات المحلية والإقليمية الثقافةَ في سياسات التنمية المستدامة إلى أن مستوى الانخراط الثقافي في تحقيق الهدف 13 يُعدّ منخفضاً. وبالمثل، أفادت اليونسكو آنذاك بأن التأملات والمبادرات الرامية إلى معالجة التدهور البيئي وتغيّر المناخ والأثر البيئي للإنتاج الثقافي والممارسة الفنية لا تزال محدودة.

ومع ذلك، اكتسب الاعتراف بدور الثقافة في العمل المناخي زخماً مطّرداً في السنوات الأخيرة. فمنذ عام 2020، أحرزت الحكومات وصانعو السياسات الدوليون والمؤسسات العالمية تقدماً كبيراً في إدماج الثقافة في المناقشات المناخية الدولية والمنتديات الحكومية الدولية. ويعرض هذا القسم المحطات الرئيسية نحو تعزيز الحجة لصالح السياسات المناخية القائمة على الثقافة ضمن الإطار المناخي العالمي.

إدماج الثقافة في السياسات المناخية

بدأ إدراج الثقافة في جدول أعمال مجموعة العشرين في ظل الرئاسة السعودية عام 2020، التي استضافت أول اجتماع لوزراء الثقافة في المجموعة على هامش القمة. وفي العام التالي، أنشأت الرئاسة الإيطالية الفريق العامل المعني بالثقافة، الذي أفضى إلى الاعتماد بالإجماع لإعلان روما لوزراء الثقافة في مجموعة العشرين. واعترفت هذه الوثيقة التاريخية بأن الثقافة تنطوي على إمكانات كبيرة لدفع العمل المناخي والإسهام إسهاماً حقيقياً في الحلول المناخية، ودعت جميع الهيئات الدولية والحكومية الدولية المعنية إلى ضمان ترسيخ أمتن للثقافة ضمن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ وسائر المساعي العالمية للعمل المناخي وفي السياسات والخطط الوطنية.

وقبل المؤتمر السادس والعشرين للأطراف في غلاسكو عام 2021 وخلاله، دعت تعبئة من الفنانين والمنظمات الثقافية والناشطين من الشعوب الأصلية إلى تمثيل ثقافي أقوى في مفاوضات الأمم المتحدة بشأن المناخ. ومن المبادرات البارزة دعوة إلى العمل تحث الحكومات على معالجة غياب الثقافة عن السياسات البيئية، وحملة «السباق نحو الصمود» التي أطلقتها شبكة التراث المناخي لتعزيز استراتيجيات الصمود القائمة على الثقافة، و«تعهد المحتوى المناخي» الذي التزمت فيه هيئات البث بمساعدة الجمهور على فهم مسار الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفري والتعامل معه.

وفي المؤتمر السادس والعشرين، اتُّخذت خطوات مهمة نحو إشراك الشعوب الأصلية في المفاوضات المناخية الدولية ودعم التعاون بين نظم المعرفة. فقد أقرّ ميثاق غلاسكو للمناخ بـ«الدور المهم لثقافة الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية ومعارفها» وحثّ على إشراكها في «تصميم العمل المناخي وتنفيذه». كما اعتمدت الأطراف برنامج عمل غلاسكو العشري لتعزيز تنفيذ العمل من أجل التمكين المناخي، وأبرزت دور المؤسسات والفعاليات الثقافية في التوعية العامة.

وكان تعزيز أوجه التآزر بين الثقافة وعلم المناخ محور الاجتماع الأول المشترك الرعاية بشأن الثقافة والتراث وتغيّر المناخ، الذي نظّمته اليونسكو والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ والمجلس الدولي للمعالم والمواقع في ديسمبر 2021. وجمع الاجتماع الإلكتروني أكثر من 120 عالماً وخبيراً من جميع مناطق العالم للنهوض بتقييم الصلات بين الثقافة والتراث والاستجابات لتغيّر المناخ، ممهّداً الطريق لدورة التقييم السابعة المقبلة للهيئة. وفي مؤتمر موندياكولت الذي عُقد في مدينة مكسيكو عام 2022، دعا وزراء الثقافة في الدول الأعضاء في اليونسكو إلى الاعتراف بالثقافة منفعةً عامة عالمية، وإلى إدماجها هدفاً مستقلاً في خطة التنمية الدولية لما بعد عام 2030 وفي المفاوضات المناخية الدولية.

وفي المؤتمر السابع والعشرين للأطراف في شرم الشيخ عام 2022، اعتُرف بدور التراث الثقافي في العمل المناخي في القرار الجامع، أي خطة تنفيذ شرم الشيخ، ولا سيما في بيانها المتعلق بالخسائر والأضرار. كما أُدرج التراث الثقافي موضوعاً ضمن الإطار المعتمد لبرنامج عمل غلاسكو وشرم الشيخ بشأن الهدف العالمي للتكيف، وهو التزام بموجب اتفاق باريس يهدف إلى تعزيز القدرة على التكيف وتقوية الصمود والحد من الهشاشة إزاء تغيّر المناخ. وأدت جهود المناصرة التي بذلتها منظمات مثل شبكة التراث المناخي دوراً محورياً في تحقيق هذه الإدراجات. وشهد المؤتمر السابع والعشرون أيضاً أول عرض لمنصة «الترفيه والثقافة من أجل العمل المناخي» والجمعية الافتتاحية لمؤتمر الثقافة، التي جمعت فنانين وممارسين ثقافيين ومحسنين ومجتمعات في الخطوط الأمامية.

وشكّل المؤتمر الثامن والعشرون للأطراف في دبي عام 2023 لحظة محورية في المفاوضات المناخية العالمية، إذ وضع قضايا حاسمة في الواجهة، يتصل كثير منها اتصالاً خاصاً بالقطاع الثقافي. ومن ذلك تفعيل صندوق الخسائر والأضرار الذي طال انتظاره، واختتام التقييم العالمي الأول، أي التقييم الخمسي للجهود الوطنية لتحقيق أهداف اتفاق باريس، والتزام تاريخي بالتحول عن الوقود الأحفوري، السبب الجذري لتغيّر المناخ. غير أنه على الرغم من هذه التطورات، أخفق النص النهائي للتقييم العالمي في الاعتراف بالثقافة والأبعاد الاجتماعية بوصفها عوامل تمكينية للعمل المناخي، تاركاً «فجوة ثقافية في التقييم العالمي»، وهو إغفال يُخشى أن يحدّ من أثره إطاراً لمساهمات محددة وطنياً أكثر طموحاً.

ومن النتائج الرئيسية للمؤتمر الثامن والعشرين التزام سياسي غير مسبوق بإدماج الثقافة في السياسات المناخية. فاعتماد إطار الإمارات العربية المتحدة للصمود المناخي العالمي، وهو إطار موحِّد يوجّه تحقيق الهدف العالمي للتكيف، أدخل سبع غايات محددة لقياس التقدم، منها غاية مخصصة للتراث الثقافي. ومن المحطات الأخرى أول حوار وزاري رفيع المستوى بشأن العمل المناخي القائم على الثقافة، واعتماد إعلان الإمارات بشأن العمل المناخي القائم على الثقافة، وإطلاق مجموعة أصدقاء العمل المناخي القائم على الثقافة. ويسعى هذا التحالف، الذي تشترك في رئاسته الإمارات العربية المتحدة والبرازيل وتؤدي فيه اليونسكو دور الشريك المعرفي الرئيسي، ويضم أكثر من 45 دولة عضواً ومنظمة حتى أبريل 2025، إلى تعزيز الاعتراف الرسمي بالثقافة محرّكاً رئيسياً للسياسات المناخية والنهوض بالحلول القائمة على الثقافة.

وقد دعمت هذه الإنجازات تعبئةُ أصحاب المصلحة من غير الأطراف، ومنهم المجتمع المدني والمنظمات الحكومية الدولية. ومن ذلك «النداء العالمي لوضع التراث الثقافي والفنون والقطاعات الإبداعية في قلب العمل المناخي»، وهو حملة مناصرة جمعت أكثر من 1500 توقيع من شبكات ومنظمات وقادة ثقافيين. وإضافة إلى ذلك، استضاف الجناح الافتتاحي للترفيه والثقافة 12 يوماً من البرامج بشأن مبادرات المناخ والثقافة، بمشاركة أكثر من 300 متحدث من 66 بلداً.

واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة ميثاق المستقبل خلال قمة المستقبل في سبتمبر 2024. ويعالج هذا الاتفاق الدولي تحديات عالمية منها تغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والذكاء الاصطناعي وتصاعد النزاعات وتزايد عدم المساواة، بهدف شامل هو صون الأجيال الحالية والقادمة. ولأول مرة، يُعترف صراحة بالثقافة بوصفها نقطة عمل رئيسية، إذ التزمت الدول الأعضاء بحماية الثقافة وتعزيزها بوصفها جزءاً لا يتجزأ من التنمية المستدامة. ويدعو الميثاق إلى إدماج الثقافة في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بدعم من الاستثمار العام، ويؤكد أهمية صون معارف الشعوب الأصلية والمعارف التقليدية والمحلية، وفقاً لمبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة.

وفي إطار اجتماع وزراء الثقافة لمجموعة العشرين في سلفادور عام 2024، استضافت وزارة الثقافة البرازيلية أول ندوة دولية لمجموعة العشرين بشأن الثقافة والمناخ.

وقد عُقدت الندوة بالشراكة مع اليونسكو ومنظمة الدول الأيبيرية الأمريكية للتربية والعلم والثقافة. وخلال الاجتماع، اعتمدت الأطراف إعلان سلفادور دا باهيا، الذي ربط صراحة بين الثقافة وتغيّر المناخ لأول مرة في تاريخ مجموعة العشرين. وأكد الإعلان الإمكانات الكبيرة للثقافة في النهوض بالعمل المناخي، مشجعاً على «توسيع الاستراتيجيات القائمة على الثقافة والتراث المتصلة بالتكيف مع المناخ والتخفيف من آثاره وبناء الصمود والتعاون التقني والاقتصادي بين البلدان». وعلاوة على ذلك، دعا إلى إدماج «التراث الثقافي والفنون والصناعات الإبداعية في الاستراتيجيات الوطنية للتكيف مع المناخ والتخفيف من آثاره».

وشهد المؤتمر التاسع والعشرون للأطراف، الذي اختُتم في باكو عام 2024، تقدماً وتحديات مستمرة معاً في المفاوضات المناخية العالمية. فبينما ستتواصل المناقشات في المؤتمر الثلاثين بشأن تفعيل الالتزام الذي قُطع في المؤتمر الثامن والعشرين بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، جرى التوصل إلى توافق على القواعد الناظمة لأسواق الكربون الدولية، وهي علامة فارقة مهمة يُتوقع أن تيسّر سبلاً جديدة لتمويل العمل المناخي. كما أُعلن هدف جديد لتمويل المناخ قدره 300 مليار دولار أمريكي سنوياً بحلول عام 2035 لدعم جهود التخفيف والتكيف، ولا سيما في البلدان الهشة. ومع أن التقديرات توحي باحتياجات مالية أكبر لمعالجة النطاق الكامل للآثار المناخية وضمان انتقال عادل، تُقدَّر بنحو 1.3 تريليون دولار أمريكي سنوياً، فإن هذا التطور يعكس استمرار الزخم نحو مواءمة التعاون الدولي مع أهداف الاستدامة الطويلة الأمد.

ودافع ممثلو الثقافة بقوة عن إدراج طلب في القرار الجامع الختامي للمؤتمر التاسع والعشرين بأن تعقد الهيئات الفرعية التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية ورشة عمل أو أكثر بشأن الثقافة والتراث قبل دوراتها الثانية والستين في بون في يونيو 2025. وكان يُراد لهذه الورش أن تكون خطوة أولى نحو اعتماد قرار عمل مشترك بشأن الثقافة والعمل المناخي. غير أنه على الرغم من الجهود المنسّقة التي بذلتها الجهات غير الحكومية، لم يتحقق الدعم السياسي اللازم. ومن شأن قرار عمل مشترك كهذا أن يطلق عملية تشاور وجمع للمعلومات مدتها عام واحد تقودها الهيئة الفرعية للمشورة العلمية والتكنولوجية والهيئة الفرعية للتنفيذ، ممهّداً الطريق لأول خطة عمل بشأن الثقافة في إطار الاتفاقية.

وتتعاون اليونسكو مع اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في وضع مؤشرات للتراث الثقافي في إطار الهدف العالمي للتكيف. وبالتوازي مع ذلك، تعدّ اليونسكو، بدعم من الاتحاد الأوروبي، مؤشرات لقياس إسهام الثقافة في التكيف والصمود وقياس الخسائر والأضرار في إطار مؤشرات الثقافة|2030.

المؤتمر الثلاثون للأطراف: لحظة محورية لتسخير الثقافة من أجل العمل المناخي

مع ما تحقق من تقدم كبير في إدماج الثقافة في العمليات والأطر المناخية النظامية، تظل ثغرات حاسمة قائمة ينبغي معالجتها لتعزيز الصلة بين الثقافة والمناخ متابعةً لموندياكولت 2025 والمؤتمر الثلاثين للأطراف. وتحسّباً لتقديم الدول الأعضاء مساهماتها المحددة وطنياً وخططها الوطنية للتكيف المحدّثة إلى الاتفاقية الإطارية عام 2025، ثمة حاجة ملحّة إلى ضمان تعميم الثقافة في هذه الالتزامات، إذ لا تزال الإشارات إليها غائبة إلى حد بعيد. والمساهمات المحددة وطنياً خطط مناخية وطنية تُقدَّم كل خمس سنوات تحدد التزامات كل بلد بخفض الانبعاثات، في حين تركّز الخطط الوطنية للتكيف على الاستراتيجيات الطويلة الأمد للتكيف مع آثار تغيّر المناخ.

ويظل تمويل العمل المناخي تحدياً حاسماً ومعقداً في المفاوضات العالمية، فالنقاشات حول الهدف الكمي الجماعي الجديد لتمويل المناخ لا تزال قليلة الاستكشاف من جانب القطاع الثقافي، رغم الاعتراف المتزايد بدور الثقافة في تعزيز الصمود وخفض الانبعاثات واستدامة سبل العيش. فقد ركّزت معظم نقاشات تمويل المناخ على البنية التحتية والطاقة والحلول القائمة على الطبيعة، مع اهتمام محدود بالثقافة والتراث والصناعات الثقافية والإبداعية. ومن شأن إدماج الثقافة في إطار هذا الهدف أن يساعد على ضمان أهلية الحلول القائمة على الثقافة لتمويل المناخ.

ويمثّل عام 2025 لحظة حاسمة للنهوض بدور الثقافة في العمل المناخي عبر المنتديات الحكومية الدولية. فمجموعة أصدقاء العمل المناخي القائم على الثقافة تواصل توسيع عضويتها وتقوية تحالفاتها للدعوة إلى خطة عمل بشأن الثقافة في إطار الاتفاقية الإطارية، ولجعل الثقافة هدفاً مستقلاً في خطة التنمية العالمية لما بعد عام 2030. وفي ظل رئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة العشرين عام 2025، أعطى الفريق العامل المعني بالثقافة الأولوية للعمل المناخي، ولا سيما في علاقته بالتضامن والعدالة الاجتماعية.

وسيمثّل موندياكولت 2025 في برشلونة بإسبانيا والمؤتمر الثلاثون للأطراف في بيليم بالبرازيل فرصة محورية لإدماج الثقافة رسمياً في جدول الأعمال المناخي العالمي، ولا سيما عبر «الموتيراو»، وهو مفهوم للعمل الجماعي متجذر في تقاليد الشعوب الأصلية، يبني فيه المدافعون عن الثقافة زخماً يدفع الحكومات الوطنية إلى ترسيخ الثقافة رسمياً في عمليات الاتفاقية الإطارية.

الاستنتاجات والدروس الرئيسية

يجب توسيع الجهود المتعددة الأطراف لتطبيق أطر سياسات فعالة تحمي الثقافة وتعزّزها في مواجهة تغيّر المناخ، وللنهوض بخطة عام 2030 واتفاق باريس. ولتحقيق ذلك، يجب على هيئات القطاع الثقافي والحكومات ومؤسسات البحث أن تعالج على وجه السرعة ثغرات المعرفة وتقوّي قاعدة الأدلة بشأن الصلات بين الثقافة والعمل المناخي. ويتطلب ذلك استثماراً في جمع بيانات تعاوني ومنسّق وبحوث موجّهة يُسترشد بها في سياسات وإجراءات مفصّلة على جميع المستويات، ولا سيما بشأن إسهامات الثقافة في التكيف والتخفيف ومنع الخسائر والأضرار وبناء الصمود وتعزيز تغيير السلوك. وكثيراً ما تتوسع الحلول القائمة على الثقافة بطرق مرتبطة بالمكان وخاصة بالقطاع وقابلة للتكيف ثقافياً، غير أن الجهود الحالية لا تزال تركّز بصورة غير متناسبة على أوروبا وأمريكا الشمالية، مع تمثيل محدود للمناطق الأخرى.

ومن الأهمية بمكان توسيع النطاق الجغرافي لجمع البيانات، وينبغي إيلاء الاهتمام لقياس الخسائر الاقتصادية وغير الاقتصادية لتغيّر المناخ، مع اهتمام خاص بالتراث الحي للاسترشاد به في استراتيجيات الصمود؛ وجمع بيانات شاملة عن انبعاثات الكربون بنطاقاتها الثلاثة وتوليد النفايات والآثار البيئية عبر الصناعات الثقافية والإبداعية؛ ورسم خرائط السياسات الدولية والمبادرات القطاعية وأفضل الممارسات الثقافية التجديدية؛ وتقييم كيفية تطبيق استراتيجيات التكيف والتخفيف القائمة على الثقافة والتراث في المناطق المختلفة؛ وتوسيع الأدلة على فعالية الأنشطة الفنية والثقافية في التأثير في القرارات وتغيير المواقف ودفع تغيير السلوك.

ومن شأن تقوية قاعدة الأدلة على الإمكانات الهائلة للثقافة في دفع العمل المناخي أن يساعد على إطلاق الموارد المالية لتسريع التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة ودعم الجهود الوطنية والمتعددة الأطراف لإدماجها رسمياً في السياسات والاستراتيجيات المناخية على جميع المستويات. كما سيرسي ذلك الأساس لترسيخ الثقافة في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ وجعلها هدفاً مستقلاً في خطة التنمية المستدامة لما بعد عام 2030.

وينبغي للحكومات على جميع المستويات أن تزيد اهتمامها بالأبعاد الثقافية لتغيّر المناخ في جميع السياسات والاستراتيجيات وآليات الحوار العامة على المستويات المحلية والوطنية والدولية، بما يضمن ترسيخ الثقافة ترسيخاً راسخاً في الحوكمة المناخية. ويشمل ذلك صون الثقافة وأشكال التعبير بجميع أنواعها من الآثار المتزايدة والمتعددة الأوجه لتغيّر المناخ، وبناء الحجة لدور الثقافة في العمل المناخي، وتعزيز انتقال عادل إلى اقتصاد منخفض الكربون في الصناعات الثقافية والإبداعية.

وينبغي تسريع إدماج الثقافة في أدوات العمل المناخي الوطنية وسياساته واستراتيجياته وأطره المؤسسية والمالية. ويشمل ذلك الإدراج الصريح لحماية الثقافة وتعزيزها في المساهمات المحددة وطنياً، والخطط الوطنية للتكيف، والاستراتيجيات الوطنية للتنمية المستدامة، والاستراتيجيات وخطط العمل الوطنية للتنوع البيولوجي، والاستعراضات الوطنية الطوعية. ويجب إشراك الوزارات المسؤولة عن الثقافة على نحو منهجي في تخطيط السياسات المناخية ووضعها وتنفيذها، عبر الانخراط الفاعل في الحوار بين الوزارات، ولا سيما مع وزارتي البيئة والشؤون الخارجية، لبناء قدرات مستنيرة ومتخصصة في العمل المناخي القائم على الثقافة، وهو ما سيتطلب بناء قدرات موجّهاً لصانعي القرار في القطاعين الثقافي والمناخي.

وينبغي كذلك ترسيخ العمل المناخي في السياسات الثقافية. ويتطلب ذلك مواءمة السياسات والاستراتيجيات الثقافية مع الالتزامات الوطنية بموجب اتفاق باريس، ومنح مجالس الفنون والوكالات الثقافية ووكالات تنمية الفنون العامة ولاية قانونية لمعالجة القضايا المناخية والبيئية في سياساتها وبرامجها.

ويُعدّ ضمان المشاركة والقيادة الكاملتين والمتكافئتين والحقيقيتين للمرأة على جميع مستويات حوكمة تغيّر المناخ والبيئة والحد من مخاطر الكوارث أمراً حاسماً، لأن ذلك لا ينقذ الأرواح فحسب، بل يمكن أن يساعد أيضاً على تحويل الديناميكيات الجنسانية داخل المجتمعات. ويجب أن تكون النساء والفتيات في قلب العمل المناخي، لأنهن قادرات على تقديم معارف وتجارب فريدة يمكن أن تساعد على حل أزمات المناخ والنظم الإيكولوجية، ولأن قيادة المرأة ترتبط بتحسين الاستدامة وإدارة الموارد والصمود المناخي. وتملك نساء الشعوب الأصلية على وجه الخصوص، بوصفهن الناقلات الرئيسيات للتراث غير المادي، فهماً مهماً لممارسات الإدارة المستدامة للأراضي والموارد الطبيعية.

وينبغي الاعتراف بالعمل المناخي القائم على الثقافة الذي يقوده المجتمع المدني والمنظمات الثقافية على أرض الواقع وتوسيعه، بما يضمن إدماجه في السياسات والاستراتيجيات الوطنية. ولتحقيق ذلك، ينبغي للحكومات أن تحدد المبادرات المؤثرة الجارية في أنحاء العالم وتدعمها، وأن تنشئ مسارات تمويل وأطراً وبرامج مخصصة للعمل المناخي القائم على الثقافة، وأن تقوّي الخبرة والقيادة البيئيتين داخل القطاع الثقافي وعبره. كما ينبغي للحكومات أن تضع أطراً تنظيمية وحوافز لقياس البصمة البيئية للقطاع والحد منها، وأن تعزّز التوعية العامة والمشاركة بتسخير قوة الفنون ورواية القصص والتراث، وأن تستثمر في حفظ المباني التراثية وإعادة استخدامها بما يلائم الأغراض الجديدة، وأن تدعم المبادرات القاعدية والمجتمعية، ولا سيما تلك التي تقودها مجتمعات الشعوب الأصلية.

وينبغي تقوية تدابير الحد من مخاطر الكوارث والتأهب لحالات الطوارئ لحماية التراث الثقافي من المخاطر المرتبطة بالمناخ. ويشمل ذلك إدماج التراث الثقافي في الاستراتيجيات الوطنية والمحلية للحد من مخاطر الكوارث، وضمان إدراج مواقع التراث والمؤسسات الثقافية في تقييمات الهشاشة المناخية ورسم خرائط المخاطر. وينبغي إعطاء الأولوية للاستثمار في نظم إنذار مبكر مصمّمة لصون التراث، ودعم مبادرات التأهب المجتمعية، وتعزيز قدرات أصحاب المصلحة في قطاعات الثقافة والمناخ والطوارئ والكوارث للتأهب الفعّال لآثار تغيّر المناخ والكوارث المرتبطة به والاستجابة لها.

ويجب تمكين المجتمعات في حماية تراثها وصونه، بما يضمن أن تكون آليات الحوكمة ملائمة ثقافياً ومستدامة ومستنيرة محلياً. وينبغي تعزيز الاستجابة السياساتية لتعميم معارف الشعوب الأصلية في استراتيجيات التخفيف والتكيف، وهو ما يتطلب استثماراً في سياسات تعترف بدور التراث الثقافي في رعاية البيئة والصمود المناخي والتنمية المستدامة.

وينبغي تعزيز صنع السياسات المناخية التعاوني والتشاركي والشراكات التي تربط الثقافة بالعمل المناخي، بحيث تُبدع بالاشتراك مع المجتمعات وتراعي السياقات والاحتياجات الخاصة بكل ثقافة، بما يعزّز الشفافية والإنصاف والحلول الملائمة للسياق. وينبغي إشراك منظمات المجتمع المدني والهيئات القطاعية والفئات المحرومة من الإنصاف في عمليات صنع القرار، بما في ذلك الاعتراف بقيادة وإسهامات النساء والشعوب الأصلية وحملة المعارف التقليدية والمجتمعات المحلية والأطفال والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن.

وينبغي للحكومات والمنظمات المتعددة الأطراف والمؤسسات المالية أن ترسّخ الثقافة في آليات تمويل المناخ، بما في ذلك ما يتصل بالخسائر غير الاقتصادية، بما يضمن نفاذاً منصفاً للفاعلين الثقافيين والصناعات الإبداعية ومؤسسات التراث إلى التمويل من أجل التحول المستدام والتكيف. ويشمل ذلك تخصيص موارد مكرّسة ضمن صناديق المناخ الوطنية والدولية، وتصميم أدوات مصمّمة خصيصاً لدعم صون التراث والحلول المناخية الإبداعية وإزالة الكربون من البيئة المبنية وتكيف المؤسسات الثقافية وإعادة إعمارها، وضمان أهلية المشاريع الثقافية لتمويل المناخ.

وينبغي للحكومات والشركات والمؤسسات المالية في بلدان الشمال العالمي، التي تستفيد من انخفاض تكاليف الإنتاج في الجنوب العالمي، أن تستثمر في إزالة الكربون من سلاسل الإمداد والقيمة في الصناعات الثقافية والإبداعية. ويشمل ذلك استحداث سياسات وأطر تنظيمية وآليات تمويل لدعم التقنيات المستدامة ونماذج الاقتصاد الدائري وعمليات الإنتاج المنخفضة الكربون، بما يعزّز الإنتاج المستدام في الاقتصاد الإبداعي العالمي.

وينبغي للوزارات المسؤولة عن الثقافة أن تقوّي جهود المناصرة العالمية لإدماج الثقافة في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ وسائر الآليات المتعددة الأطراف. ويشمل ذلك الدعوة إلى قرار عمل مشترك بشأن الثقافة والعمل المناخي في المؤتمر الثلاثين للأطراف، والعمل على إنشاء خطة عمل للثقافة في إطار الاتفاقية، والانخراط الفاعل مع المفاوضين الوطنيين المعنيين بالمناخ لضمان ترسيخ الثقافة في الاتفاقات المناخية الدولية. كما ينبغي للوزارات الانضمام إلى مجموعة أصدقاء العمل المناخي القائم على الثقافة، وهي تحالف دولي تؤدي فيه اليونسكو دور الشريك المعرفي الرئيسي، للمساعدة على الارتقاء بالثقافة في نقاشات السياسات المناخية العالمية.

وينبغي للهيئات القطاعية والممولين ومنظمات المجتمع المدني والأفراد أن ينخرطوا بنشاط في التعبئة العالمية ويوسّعوها لضمان الاعتراف بالثقافة وترسيخها في السياسات والتخطيط والعمل المناخي على المستوى الدولي. ويشمل ذلك تطوير لغة موحّدة ورسائل واضحة وأدوات تواصل استراتيجية لتقوية المناصرة، وتأييد مبادرات مثل حملة «النداء العالمي» لوضع الثقافة في قلب العمل المناخي في مؤتمرات الأطراف.

موجز سياسات: فرانسيس سي. كويا فاكاأوتا

الثقافة والقيادة المناخية والاستدامة البيئية: نداء من المحيط الهادئ من أجل هدف مستقل في خطة ما بعد عام 2030

رئيسة فريق الثقافة من أجل التنمية في جماعة المحيط الهادئ.

إن هشاشة منطقة جزر المحيط الهادئ إزاء تغيّر المناخ أمر ثابت. وإقراراً بأن تغيّر المناخ هو التهديد الأكبر الوحيد لسبل عيش شعوب المحيط الهادئ وأمنها ورفاهها، يحدد دليل تقييم الأمن المناخي في المحيط الهادئ لعام 2023 مخاطر متصاعدة على توافر الأراضي والأمن الغذائي والمائي والنظم الصحية والكوارث والتنقل. وتطرح هذه الآثار تحديات كبيرة على القدرة على الصمود والسيادة الوطنية والاستقرار الإقليمي.

وفي قلب الصمود المناخي تقع الثقافة. وهذا نداء إلى المجتمع الدولي، ولا سيما إلى الوزراء المسؤولين عن الثقافة، للاعتراف بالثقافة بُعداً حاسماً للأمن البشري وميداناً للقيادة المناخية. فقد استدامت الشعوب الأصلية الحياة زمناً طويلاً في توازن مع البيئة، مسترشدةً بنظم معرفية كلية مرتبطة بالمكان. ولتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، يجب تأكيد الثقافة هدفاً مستقلاً في الخطة العالمية لما بعد عام 2030.

ويجب أن تنعكس نظم معارف الشعوب الأصلية والمعارف التقليدية في الأطر المناخية بوصفها مصادر حيوية للابتكار والاستمرارية عبر علوم الشعوب الأصلية. فهذه النظم متجذرة في أجيال من التجربة المعيشة، وتقدّم رؤى إيكولوجية غنية، عبر التقاويم الموسمية ورعاية الأراضي والمياه مثلاً. وتختزن لغات الشعوب الأصلية هذه المعارف عبر التقاليد الشفهية والأنساب والقصص الثقافية. ولا ينبغي النظر إلى نظم المعرفة هذه بوصفها طرقاً بديلة للمعرفة والوجود والعمل، بل بوصفها مكمّلة وأساسية لمستقبل كوكبي مزدهر.

ويجب أن تسترشد عملية صنع القرار بالثقافة وأن تتشكل بها، عبر ترسيخ الأبعاد الثقافية في البرامج الوطنية والإقليمية والعالمية. ويجب أن يشمل تصميم السياسات وتنفيذها طيفاً واسعاً من مشاركة أصحاب المصلحة، بمن فيهم الشعوب الأصلية والمجتمعات الثقافية.

ويجب أن تدمج سياسات التكيف مع المناخ الحماية القانونية للتراث الثقافي، وأن تتضمن الأبعاد الثقافية في الحد من المخاطر واستراتيجيات الصمود ونُهج التكيف مع المناخ. فالتراث الثقافي والطبيعي، المادي وغير المادي، يواجه تهديداً متزايداً من الآثار المناخية، والمواقع المقدسة والمشاهد الثقافية والممارسات التقليدية معرّضة للخطر على نحو متزايد.

ويجب ترسيخ الثقافة في الحوكمة المناخية. ويتطلب ذلك طرقاً جديدة في العمل عبر صنع سياسات شامل يحترم نظم الحكم التقليدية ونظم حكم الشعوب الأصلية ويدمجها، ويضمن مشاركة المجتمعات الثقافية في عمليات صنع القرار. وتؤدي الوزارات المسؤولة عن الثقافة دوراً رئيسياً في تمكين هذا التحول.

ويجب أن يراعي تمويل المناخ المخصص للخسائر والأضرار الأبعاد الثقافية، ولا سيما صون التراث غير المادي والمعارف الثقافية. ولا غنى عن الاستثمار في المبادرات القائمة على الثقافة التي تعزّز الصمود والتعافي والسلوكيات المستدامة. فالثقافة تشكّل القيم والهوية الجماعية والتماسك الاجتماعي، وهي محرّكات أساسية لأنماط العيش المستدامة. ومع فقدان أراضي الأسلاف، تعيش المجتمعات أيضاً ما يُعرف بـ«الحنين البيئي»، أي إحساس عميق بالحزن والاقتلاع. ويجب أن تكون معالجة الصمود الثقافي والعاطفي جزءاً من الاستجابات المناخية الفعالة.

وتحتل أشكال التعبير الثقافي مكانة محورية في التواصل والمناصرة المناخيين. فيمكن لحملة معارف الشعوب الأصلية ورواة القصص والفنانين أن يؤدوا دوراً أكبر في حشد المجتمعات وتعميق الوعي المناخي والمحيطي عبر الفن والأداء والطقوس. ويجب دعم أصواتهم بإنصاف في خطابات تغيّر المناخ وعمليات السياسات.

ويتيح تخضير القطاع الثقافي، عبر البنية التحتية الصديقة للبيئة والصناعات الثقافية والإبداعية الأخلاقية والسياحة التجديدية والتجارة العادلة، مساراً نحو تنمية منخفضة الكربون. وتقدّم نظم معارف الشعوب الأصلية والمعارف التقليدية توجيهاً كلياً لترسيخ الاستدامة في جميع أبعاد الحياة، من أجل الأمن البشري والنُّهج المشتركة بين القطاعات وصحة الكوكب.

إن الثقافة محرّك للتنمية المستدامة الشاملة والتجديدية. ومن شأن هدف عالمي مستقل للثقافة في خطة ما بعد عام 2030 أن يؤكد الدور المحوري للثقافة في صياغة حلول تغيّر المناخ. غير أن هذا الطموح يجب أن يُقارب بعناية، فلا ينبغي أن يفضي اعتبار الثقافة منفعة عامة إلى الاستيلاء على معارف الشعوب الأصلية أو تمييعها. ويجب صون حقوق الشعوب الأصلية في تقرير المصير والسلامة الثقافية والموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة والاعتراف الواجب بالملكية الثقافية والفكرية للشعوب الأصلية.

دراسة ذات صلة