القائمة الرئيسية

أجزاء الدراسة

تقرير الشراكات الفعالة بين القطاعين العام والخاص في إصلاح مهارات التعليم والتدريب التقني والمهني: دروس من المملكة العربية السعودية (6/5)

تقرير الشراكات الفعالة بين القطاعين العام والخاص في إصلاح مهارات التعليم والتدريب التقني والمهني: دروس من المملكة العربية السعودية (6/5)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الخامس أربع دراسات حالة لشراكات ناجحة بين القطاعين العام والخاص في التعليم والتدريب التقني والمهني في السعودية، هي معهد الخدمات الكهربائية السعودي التقني العالي، وأكاديمية التميز للتمويل والمحاسبة، ومعهد إدارة الفنادق والسياحة، والكلية التقنية الدولية للطيران. وتوضح التجارب أن نجاح هذه الشراكات يعتمد على بناء حوكمة مشتركة تجمع الجهات الحكومية وأصحاب العمل، وربط التدريب مباشرة باحتياجات القطاعات وفرص التوظيف، وإشراك القطاع الخاص في تصميم المناهج والتدريب العملي وتقييم المتدربين. ويبرز الفصل أهمية المرونة في تطوير البرامج، والاعتماد على مدربين ذوي خبرة صناعية، والتدريب على رأس العمل، والانتقاء الدقيق للطلبة والشركاء، إلى جانب استخدام التغذية الراجعة وبيانات سوق العمل للتحسين المستمر. كما توضح الحالات أن الشراكات الدولية والاعتمادات المهنية تسهم في رفع جودة التدريب وموثوقيته، بينما تساعد الحوافز والتمويل الحكومي على تشجيع أصحاب العمل على المشاركة. وتؤكد التجارب مجتمعة أن دمج التعليم بالتوظيف، وتوفير مسارات واضحة للخريجين، وبناء علاقات طويلة الأجل مع أصحاب العمل، يمكن أن يعزز قابلية التوظيف ويدعم تنمية القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية، مع بقاء تحديات مثل الاستدامة المالية، واستقطاب الشركاء ذوي الجودة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص قائمة.

الفصل الخامس: مقاربات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إصلاح المهارات: أمثلة على الممارسات الجيدة من المملكة العربية السعودية

يتناول هذا الفصل أربع دراسات حالة لممارسات جيدة في الشراكة بين القطاعين العام والخاص في قطاع التعليم والتدريب التقني والمهني بالمملكة العربية السعودية. وتندرج الثلاث الأولى ضمن منظومة المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية، وهي معهد الخدمات الكهربائية السعودي التقني العالي، وأكاديمية التميز، ومعهد إدارة الضيافة والسياحة في المملكة العربية السعودية. أما المثال الرابع فهو الكلية التقنية الدولية للطيران بالرياض، المصنفة كلية تقنية دولية مستقلة ضمن برنامج كليات التميز التابع للمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، لكنها تسهم مع ذلك في فهمنا للشراكات الناجحة بين القطاعين.

معهد الخدمات الكهربائية السعودي التقني العالي

مقدمة

معهد الخدمات الكهربائية السعودي التقني العالي كلية شراكة استراتيجية أُنشئت تحت مظلة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. وقد تأسس عام 2012 بالتعاون مع الشركة السعودية للكهرباء، المزود الرائد للطاقة في المملكة الذي تملك الدولة أغلبيته، وأُريد له أن يكون مركز تميز وطنياً للتعليم المهني في قطاع الطاقة الكهربائية. وافتُتح فرع الرياض عام 2014، وهو واحد من عدة فروع للمعهد تعمل في أنحاء المملكة. وقبل هذه المبادرة، كانت الشركة تدير أربعة مراكز تدريب داخلية بصورة مستقلة. غير أن التقييمات الداخلية كشفت فجوة مستمرة بين نتائج التدريب والاحتياجات المتطورة لصناعة الطاقة. ودفعت أوجه القصور هذه الشركة إلى السعي نحو نموذج تدريبي أمتن وأكثر استشرافاً للمستقبل، يقدم التعليم باللغة الإنجليزية، ويلتزم بالمعايير الدولية، ويضمن امتلاك الخريجين مهارات وثيقة الصلة بالصناعة قابلة للتطبيق في قطاع الطاقة الأوسع.

ويروي أحد أعضاء هيئة التدريس في المعهد: «في عام 1966، حين تعطلت محطة كهرباء رئيسية تابعة للشركة، كان المهندس الوحيد القادر على إصلاحها في إجازة خارج البلاد. وقد أطلقت تلك اللحظة قراراً بالاستثمار في تدريب جيل من الكفاءات المحلية».

وبدلاً من الاستمرار في التدريب الداخلي، اختارت الشركة الشراكة مع المؤسسة لإرساء مقاربة للتعليم المهني أكثر توحيداً وحياداً وقابلية للتوسع. وقد أدت البنية التحتية والمرافق التي وفرتها المؤسسة، والدعم المقدم من صندوق تنمية الموارد البشرية، دوراً حاسماً في تمكين هذا التحول، إذ أتاحت الموارد اللازمة لاستقطاب مدربين مؤهلين وتوفير معدات حديثة. وكانت النتيجة إنشاء المعهد حلاً استراتيجياً ومستداماً لتلبية الاحتياجات الطويلة الأجل لتنمية القوى العاملة في صناعة الكهرباء بالمملكة.

الحوكمة والتمويل والشراكات الاستراتيجية

يعمل المعهد مؤسسةً غير ربحية وفق نموذج الشراكة الاستراتيجية. ويتقاسم تمويله رعاة من الصناعة وصندوق تنمية الموارد البشرية وجهات أخرى من القطاع العام. إذ يغطي الصندوق 75% من تكاليف التدريب و50% من مكافآت الطلبة، بينما يسهم الرعاة من الشركات بتمويل السكن والتأمين الطبي والمكافآت الإضافية، وبتسجيل المتدربين في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.

ويشرف على حوكمة الكلية مجلس أمناء يضم ممثلين عن الأطراف المعنية الرئيسية، ومنهم المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والشركة السعودية للكهرباء وشركاء آخرون من القطاعين العام والخاص. ومن بين هؤلاء متعاونون استراتيجيون كمدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، ومزودو تدريب تقني وصناعي دوليون منهم Gunt وKemppi وRockwell Automation. وتوفر المؤسسة البنية التحتية للكلية والمعدات الأولية، بينما يوفر الشركاء من الصناعة معدات متخصصة إضافية وموارد تدريبية، وفي المقابل تُخصم قيمة هذا الدعم من رسوم تدريب المتدربين المرعيين.

ومع مرور الوقت، بنى المعهد شبكة متينة من الشركاء الاستراتيجيين عبر قنوات متعددة. فقد نشأ كثير من هذه العلاقات من الدورات التدريبية القصيرة المقدمة للأطراف المعنية في الصناعة، إذ كثيراً ما يوصي المشاركون بالكلية لغيرهم أو يعودون إليها ممثلين لشركاتهم. كما وسعت الإحالات من الشركات الشريكة وأنشطة التواصل المستمرة، كزيارات الشركات وتوزيع المواد الترويجية، شبكة الكلية. فضلاً عن ذلك، نشأت شراكات كثيرة من مكون التدريب على رأس العمل في برامج المعهد، حيث كثيراً ما تستقطب الشركات المستضيفة المتدربين مباشرة بعد انتهاء فترة تدريبهم لديها. وقد مكّن هذا النموذج التعاوني في الحوكمة والتمويل المعهد من الحفاظ على مستوى عالٍ من التدريب وثيق الصلة بالصناعة، مع ضمان الاستدامة الطويلة الأجل لبرامجه واستجابتها لاحتياجات سوق العمل.

وحين سُئل أحد المسؤولين في المعهد عما ينبغي أن يفعله الشركاء الآخرون من القطاع الخاص داخل المملكة أو خارجها إذا أرادوا تكرار هذا النموذج، أجاب: «ينبغي أن تكون لديهم جهة مثل المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني».

هياكل البرامج

يقدم المعهد مجموعة من برامج التدريب المهني المصممة لتلبية الاحتياجات المتطورة لقطاع الطاقة. وتشمل البرامج الأساسية دورات الدبلوم المشارك التي تستمر 12 شهراً، وبرامج الدبلوم الكامل التي تستغرق حتى 24 شهراً، بما في ذلك فترة مدمجة من التدريب على رأس العمل. وتشمل مجالات التخصص تشغيل محطات الكهرباء، وتشغيل الشبكات الكهربائية، والطاقة الشمسية، وتقنية الهيدروجين، وأنظمة الشبكات الذكية. وإلى جانب ذلك، تقدم الكلية برامج تدريبية أقصر تتراوح مدتها بين شهر وستة أشهر. ويحظى المعهد باعتراف محلي ودولي، إذ يحمل اعتمادات من هيئة المؤهلات الاسكتلندية، ومجلس اعتماد التعليم والتدريب المستمر، والمركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي في المملكة. ويحصل الطلبة على شهادات تراكمية طوال دراستهم، فيتخرجون في الغالب حاملين عدة مؤهلات معترف بها في الصناعة إلى جانب الدبلوم.

والاستقطاب للبرامج مدفوع بالطلب ومرن. إذ تُطلق الدفعات الجديدة استجابةً لطلبات الشركاء من أصحاب العمل، ويُعلن عنها عبر منصات التواصل الاجتماعي التابعة للصندوق والمؤسسة والمعهد. كما يستقطب المعهد من شبكة خريجي المؤسسة ومن قاعدة بيانات المتقدمين السابقين. ويجب أن يقل عمر المرشحين عن 24 عاماً ليكونوا مؤهلين لدعم الصندوق، وهم في الغالب خريجو الكليات التقنية أو الثانويات المهنية. وتتوقف مدة البرنامج على الخلفية التعليمية للطالب: فمن لديهم تدريب مهني قد يكملون برنامجاً مدته عام واحد، بينما يسلك خريجو الثانوية العامة عادةً مساراً مدته عامان. وتستوعب كل دفعة ما يصل إلى 50 طالباً، وتبلغ الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمعهد نحو 500 طالب في أي وقت.

ومن السمات المميزة لنموذج المعهد درجته العالية من التخصيص والمواءمة مع أصحاب العمل. إذ تُصمم البرامج بالتشاور الوثيق مع الرعاة من الصناعة، ويُسمح بتكييف ما يصل إلى 20% من المنهج وفق متطلبات شركة بعينها دون الحاجة إلى إعادة الاعتماد. وتبدأ الدفعات بصورة متجددة، ولا تُشكل إلا حين يقدم صاحب عمل طلباً رسمياً لمتدربين في تخصص معين. وبعد تحديد المرشحين، يخضعون لعملية قبول متعددة المراحل تشمل اختبارات القبول والمقابلات ومراجعة الجهة الراعية، وتعود صلاحية الاختيار النهائي إلى الشركة الراعية. وعند اختيار الطلبة، يصبحون موظفين رسميين لدى الشركة منذ اليوم الأول، فيحصلون على مزايا الصندوق وصاحب العمل معاً، ويُسجلون في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.

وتُدار العلاقة بين أداء الطلبة وتوقعات أصحاب العمل عن كثب. إذ تُرسل إلى الشركات الراعية تقارير أداء أسبوعية تغطي النتائج الأكاديمية والحضور وأخلاقيات العمل. وتُطبق سياسة حضور صارمة، فيتعرض للفصل أي طالب تتجاوز غياباته 30 ساعة، بعذر أو بغير عذر. وعلى الرغم من هذه المعايير الصارمة، يحافظ المعهد على معدل تسرب منخفض، لأن الطلبة يتمتعون بدافعية عالية بفضل المزايا المالية والمهنية المرتبطة بتوظيفهم وتدريبهم. ويضمن هذا النموذج ألا يكون الطلبة مستعدين أكاديمياً فحسب، بل أن يكتسبوا أيضاً المهنية والانضباط الوظيفي اللازمين للاندماج الفوري في القوى العاملة بقطاع الطاقة. وإلى جانب الدفعات الاعتيادية، تقدم الكلية دورات تدريبية قصيرة مدفوعة الرسوم لموظفي الشركات بهدف توليد الدخل. فكما هو الحال في معاهد الشراكة الاستراتيجية الأخرى العاملة وفق النموذج غير الربحي، من الضروري إيجاد مصادر دخل بديلة. ومن بين الدورات القصيرة المدفوعة في دليل الكلية برامج تدريبية للشهادات المطلوبة نظاماً لمزاولة بعض المهن في المملكة.

المقاربة الأكاديمية: إعطاء الأولوية للخبرة العملية وثيقة الصلة بالسياق المحلي

من العناصر الرئيسية في تشكيل برنامج المعهد التغذية الراجعة المستمرة من العملاء، أي الطلبة والجهات الراعية لهم. فلجنة تقييم البرامج وتقويمها، التي أُنشئت لتقييم أهداف البرامج ونتائجها وتقويمها باستمرار، تصدر تقريراً سنوياً يستند إلى أدوات تقييم متعددة، منها تقييمات نواتج تعلم المتدربين، وسلسلة من المسوح تشمل مسوح الخريجين، ومسوح آراء الصناعة، ومسوح المتدربين عند المغادرة، ومسوح رضا المدربين، والتقييمات الشهرية من شركات التدريب على رأس العمل. ويتيح هذا الإطار المتين لجمع البيانات، القائم على مؤشرات أداء رئيسية قابلة للقياس، للكلية الحفاظ على منظومة مستمرة للرصد والتقييم، تمر بثلاث مراحل: فهم احتياجات العملاء من طلبة ورعاة، وتنفيذ المسوح وعمليات التغذية الراجعة، ووضع خطط عمل بناءً على نتائج المسوح. وتُغذي الرؤى المجمعة مباشرة خطط عمل موجهة، بما يضمن أن تكون التحسينات قائمة على الأدلة ومستجيبة للتغذية الراجعة الآنية.

وتُطور المناهج في فرع الرياض من خلال وحدة تطوير المناهج، التي تتلقى الآراء من الصناعة والخريجين وأعضاء هيئة التدريس في البرامج والمشرفين على التدريب على رأس العمل ولجنة تقييم البرامج وتقويمها، وتدمجها في عملها. والوحدة مسؤولة عن تحليل جميع مناهج المعهد وتصميمها وتطويرها وتنفيذها وتقييمها. وتُراجع المناهج والوحدات التدريبية سنوياً وتُحدّث بانتظام لتعكس التقدم التقني، ولا سيما في قطاع الطاقة المتجددة السريع التطور. ومع ظهور ابتكارات جديدة، تُصقل المقررات وتُوسع باستمرار، مع تركيز قوي على التطبيق العملي. ويُشجَّع أعضاء هيئة التدريس على اقتراح التغييرات، وثمة لجنة سريعة الاستجابة لمراجعة هذه التحديثات ودعمها. وتمر عملية تطوير المناهج بمراحل التحليل والتصميم والتطوير والتنفيذ والتقييم، بدءاً من تحديد المعارف والمهارات والسلوكيات المطلوبة، مروراً باشتقاق نواتج تعلم المقرر وربطها بنواتج البرنامج، ووضع استراتيجيات التعلم وخطط الدروس والمواد التعليمية الملائمة، وتنفيذ أنشطة التعلم المحددة في خطة التدريس، وصولاً إلى رصد أداء المقرر وتحليله. أما مراجعة المناهج فتستند إلى مسوح أصحاب العمل والطلبة وأعضاء هيئة التدريس والخريجين، وتفضي إلى تعديل نواتج البرامج والمقررات أو العمليات أو التصميم، مع مراعاة المعارف والمهارات والاتجاهات، والقوى البشرية، والدعم المالي.

والمدربون خبراء متمرسون في مختلف مجالات صناعتي المرافق الكهربائية والبناء، ويجب أن يكونوا متحدثين معتمدين للغة الإنجليزية، لأن مقررات الكلية تُدرّس بها. ويركز استقطاب أعضاء هيئة التدريس على المؤهلات، والخبرة التدريسية بحد أدنى خمس سنوات، والأهم من ذلك الخبرة وثيقة الصلة بالصناعة. فضلاً عن ذلك، يخضعون لتقييم أداء يتوقف جزء كبير منه على مدى تلبية فصولهم لاحتياجات الجهة الراعية.

ويقول أحد المسؤولين في المعهد: «استقطبوا الأشخاص المناسبين إلى معهد التدريب. ينبغي أن تكون عملية الاختيار صارمة، ولا سيما في اختيار أعضاء هيئة التدريس. فليست التقنية ولا الوضع المالي للمعهد هما ما يصنع الفارق، بل الناس».

الاندماج في سوق العمل

التدريب على رأس العمل مكون حاسم في البرنامج، ويؤدي دوراً رئيسياً في انتقال الطلبة إلى سوق العمل. وهو إلزامي، ويستمر ثلاثة أشهر في برامج الدبلوم ذات العام الواحد، وستة أشهر في برامج العامين، ويجري دائماً في منشأة الجهة الراعية. وخلال هذه الفترة، تقدم الشركات تقييمات أداء شهرية لكل متدرب، بينما يُطلب من الطلبة تقديم تأملات أسبوعية حول تجربة عملهم. وتضمن حلقة التغذية الراجعة المزدوجة هذه الرصد والتعديل المستمرين لتعزيز نواتج التعلم والجاهزية للعمل بدوام كامل.

كما استحدث المعهد نموذجاً بديلاً لدعم الطالبات الملتحقات بقطاعات غير تقليدية كالطاقة المتجددة. ففي هذا النموذج، ترعى الدفعات جهات مثل مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، التي تمول التدريب والمكافآت والسكن لكنها لا توظف المتدربات مباشرة. ونتيجة لذلك، لا تكون الطالبات مؤهلات لدعم صندوق تنمية الموارد البشرية، لكنهن يستفدن من الرعاية الكاملة للمدينة. وتيسر الكلية الاندماج في سوق العمل بتنظيم مقابلات العمل، وتنسيق معارض التوظيف، والدعم النشط لعملية البحث عن عمل. وللمتدربين الذين ليس لديهم أصحاب عمل، يرتب المعهد فرص تدريب على رأس العمل عبر شبكة شركائه الاستراتيجيين. وقد أثبت هذا النموذج فاعليته، إذ تلقت أكثر من 50% من طالبات الدفعة السابقة التي رعتها المدينة عروض عمل من الشركات التي استضافتهن للتدريب.

وللطلبة الراغبين في مواصلة تعليمهم بدلاً من الالتحاق الفوري بسوق العمل، تتاح أيضاً مسارات إلى التعليم العالي. إذ تعترف المؤسسة بالساعات المعتمدة في مقررات المعهد لاحتسابها ضمن درجات البكالوريوس، بما يتيح انتقالاً سلساً إلى البرامج الأكاديمية. ويعمل المعهد بنشاط مع جامعات داخل المملكة وفي المنطقة لإبرام اتفاقيات معادلة رسمية تيسر مواصلة الطلبة مسيرتهم التعليمية.

الدروس والخلاصات والتحديات

يتجذر نجاح المعهد في مقاربته القوية المتمحورة حول العميل، المدفوعة بتدابير المساءلة والتغذية الراجعة المستمرة. فالكلية تعطي الأولوية لفهم احتياجات رعاتها وطلبتها معاً، وتدمج هذه الرؤى في التخطيط المؤسسي. وهي تطبق مقاربة من ثلاثة مستويات: فهم احتياجات العملاء، وجمع التغذية الراجعة عبر مسوح منتظمة، ووضع خطط عمل بناءً على النتائج. ومن المكونات الأساسية لذلك التقرير السنوي للجنة تقييم البرامج وتقويمها، الذي يُنشر كل يوليو، ويحلل آراء أصحاب العمل ويحدد استجابات محددة لمعالجة مخاوفهم. فضلاً عن ذلك، تجري المؤسسة مسوحاً مستقلة لأصحاب العمل والطلبة وتشارك نتائجها مع الكلية، مما يمكّن المعهد من مراجعة المناهج وأداء الطلبة، بل ومتانة شراكاته مع الصناعة وقيمتها أيضاً.

وتكمن القوة الفريدة للمعهد في قدرته على تصميم برامج مفصلة تستجيب مباشرة لاحتياجات سوق العمل. فسمات البرامج، كحجم الدفعة وتصميم المنهج وأماكن التدريب على رأس العمل، مبنية كلها حول المتطلبات المحددة لأصحاب العمل. وتُستقى رؤى سوق العمل من التواصل المباشر مع الشركاء في الصناعة ومجلس الأمناء، بل ومع جهات وطنية كوزارة الاقتصاد والتخطيط. وتتيح هذه الصلات للكلية استشراف احتياجات القوى العاملة المستقبلية، كتلك المتصلة بالأحداث الوطنية الكبرى مثل كأس العالم لكرة القدم 2034، والاستجابة لها عبر تطوير البرامج.

كما يحول نموذج الشراكة الاستراتيجية تجربة تعلم الطلبة بترسيخ المسؤولية المهنية منذ اليوم الأول. فقد لاحظ المدربون أن معاملة الطلبة موظفين منذ البداية تنمي لديهم شعوراً قوياً بالانضباط والملكية والدافعية. ويخلق هذا الانخراط المتواصل مع أصحاب عملهم المستقبليين جسراً سلساً بين التعليم والتوظيف، يدرك فيه الطلبة بوضوح صلة دراستهم بالواقع العملي، ويُشجَّعون على الأداء بمستوى عالٍ طوال فترة التدريب.

وقد عالج المعهد أيضاً فجوة حرجة في سوق العمل السعودي بتدريب فنيين من ذوي المهارات المتوسطة في القطاعات الناشئة والتقليدية، في وقت تعمل فيه المملكة على تنويع اقتصادها بما يتجاوز النفط والغاز. وتلبي برامج الكلية الطلب على المهنيين ذوي المهارات التقنية في القطاعات التي يستمر فيها نقص القوى العاملة. فضلاً عن ذلك، أدمج المعهد بفاعلية مهارات الطاقة الخضراء والمتجددة في مناهجه، ومن مبادراته تقديم مقررات متخصصة في تقنيات الطاقة المتجددة، وتطوير ممارسات خضراء كالتحول إلى العمل دون ورق، وإقامة شراكات مع جهات كمدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة. ويضمن هذا التوازن بين المهارات التقليدية والناشئة أن تظل الكلية وثيقة الصلة بأهداف التنمية الوطنية ومستجيبة لها.

ويقول أحد أعضاء هيئة التدريس في المعهد: «في الشرق الأوسط، كان لديك دائماً إما مهندسون وإما عمال، وكانت الطبقة الوسطى غائبة دائماً. وهذه المراكز تغير ذلك. فحين وصلت أول مرة، كان الفنيون السعوديون نادرين، أما الآن فأعدادهم في تزايد. النموذج يتغير، فالطلبة الذين كانت خياراتهم محدودة يستطيعون الالتحاق بالمسارات المهنية ويجدون مع ذلك طرقاً إلى مؤهلات أعلى، بل حتى إلى درجات في الهندسة. إنه لا يسد فجوة في المهارات فحسب، بل يوسع الفرص أيضاً».

وعلى الرغم من نجاحه، يواجه المعهد تحديات مستمرة قد تؤثر في نموه وقدرته التنافسية. وأبرزها الحاجة إلى رفع الوعي في القطاع الخاص بقيمة التدريب المهني، ولا سيما في ظل قيود ميزانيات أصحاب العمل والصدمات الخارجية كجائحة كوفيد 19. ويتعين على الكلية أيضاً أن تميز نفسها عن المؤسسات الأخرى التي تقدم خدمات مماثلة في قطاعي الطاقة والتقنية. ومن التحديات الأخرى تحديد الشركاء الاستراتيجيين ذوي الجودة العالية والاحتفاظ بهم. فالمعهد يتعمد اختيار الشركات التي تُظهر التزاماً حقيقياً بتوظيف الشباب السعودي والاستثمار فيهم، لا مجرد استيفاء نسب التوطين. وتُعطى الأفضلية للشركات الكبيرة ذات السمعة القوية والمصالح الطويلة الأجل في تنمية القوى العاملة. أما الشركات الأصغر فعليها أن تبذل جهداً أكبر لكسب الثقة، إذ تخضع في الغالب لزيارات ميدانية وتقدم ضمانات إضافية لنواياها قبل قبولها شريكة.

إطار: مراكز التميز المهني

أُطلقت مراكز التميز المهني رسمياً عام 2020 ضمن أجندة السياسات للمفوضية الأوروبية. ويمكن وصف مركز التميز المهني بأنه شبكة من مزودي التعليم والتدريب المهني وأصحاب العمل والهيئات الصناعية والسلطات المحلية والجامعات ومراكز الابتكار، تشترك في تصميم برامج تدريبية تلبي الاحتياجات الحالية والمستقبلية لسوق العمل وتقديمها. وهذه المراكز خاصة بالمناطق ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً باستراتيجيات التنمية الإقليمية، بما يضمن أن تدعم المهارات المُدرّسة الأولويات الاقتصادية المحلية.

وتضم أوروبا أكثر من 50 مركزاً من هذا النوع، وتمول بنشاط شراكات جديدة، أساساً عبر برنامج إيراسموس بلس. وإلى جانب استجابتها لاحتياجات المهارات الإقليمية المتطورة، تعمل هذه المراكز عن كثب مع الشركات، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، لإنشاء مراكز للمعرفة والابتكار، ودعم المبادرات الريادية لمتعلميها.

ويتوقف غرض هذه المراكز وهيكلها ووظائفها على السياق. فهي تقدم عادةً برامج عالية الجودة لتنمية مهن عالية التخصص، كثيراً ما ترتبط بمسارات لمواصلة التعليم. وتميل البرامج إلى التركيز القوي على التدريب التقني والابتكاري أو القطاعي أو متعدد القطاعات لتلبية احتياجات المهارات لدى الشركات والأفراد معاً.

وقد وحد قادة مشروعات جميع مراكز التميز المهني الممولة من إيراسموس بلس جهودهم لتكوين مجتمعات ممارسة، بما يمد نطاق الشبكات إلى ما وراء المناطق. ويوفر كل مجتمع منصة للشركاء لتبادل الخبرات، وإلهام بعضهم بعضاً، والبحث المشترك عن حلول للمشكلات المشتركة التي تواجههم أثناء تنفيذ المراكز. وثمة أكثر من 300 مجتمع ممارسة يدعم هذه المراكز في مناطقها المحلية والدولية. ومن خلال شبكة مجتمعات الممارسة، يحظى الشركاء المستقبليون بالمعرفة والأدوات والشبكات اللازمة لإقامة الشراكات بين القطاعين والحفاظ عليها بنجاح. فعلى سبيل المثال، تقدم الشبكة إرشاداً تدريجياً للشركاء المحتملين حول إقامة شراكات تركز على البحث التطبيقي، والتعليم والاستقطاب، والتعلم مدى الحياة، والابتكارات المهنية، وغيرها من المجالات.

ويمكن عزو نجاح هذه المراكز إلى عدة عوامل مترابطة تجعلها محركات رئيسية لتنمية المهارات والابتكار على المستوى الإقليمي. أولاً، هي مندمجة اندماجاً عميقاً في الأطر الأوسع للتنمية الإقليمية والابتكار والتخصص الذكي، مما يتيح لها المواءمة مع أولويات السياسات وخلق أوجه تآزر بين أطراف وقطاعات متعددة. ثانياً، تقوم على شراكات قوية ودائمة بين مزودي التعليم والتدريب المهني، بمن فيهم مزودو المرحلة ما بعد الثانوية، ومؤسسات التعليم العالي، وقطاع الأعمال. وهذه العلاقات ليست أحادية الاتجاه، بل متبادلة ونافعة للطرفين، بما يضمن أن يسهم كل شريك في التعاون ويستفيد منه. وأخيراً، يتيح تكامل الأنشطة بين الشركاء لهذه المراكز أن تقدم أكثر من مجموع أجزائها. فبالاستفادة من الخبرات والموارد الفريدة لكل طرف، تستطيع تقديم مسارات تعلم شاملة وفرص تطوير للمتعلمين الشباب والكبار على السواء، بما يعزز مهاراتهم وقابليتهم للتوظيف ويدعم الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الأوسع.

أكاديمية التميز للتمويل والمحاسبة

مقدمة

أُنشئت أكاديمية التميز عام 2019 إثر قرار استراتيجي اتُّخذ خلال اجتماع لمجلس إدارة أرامكو السعودية، شركة النفط المملوكة للدولة. فبعد أن أسست أرامكو عدة أكاديميات متخصصة في قطاعي الصناعة والحفر، رصدت فجوة كبيرة في سوق العمل في المهارات المتخصصة في التمويل والمحاسبة. واستجابةً لذلك، بادرت الشركة إلى تأسيس أكاديمية جديدة، ودعت أطرافاً رئيسية من المؤسسات والشركات المالية الرائدة العاملة في المملكة إلى التعاون. وكان من الشركاء المؤسسين البنك الأهلي السعودي، وسيتي غروب، وغولدمان ساكس، وجي بي مورغان تشيس، ومورغان ستانلي، وديلويت، وإرنست ويونغ، وإتش إس بي سي، وكي بي إم جي، إلى جانب المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. ومنذ تأسيسها، نمت الأكاديمية لتضم شبكة متنوعة من الشركاء من القطاعات الخاصة والعامة وغير الربحية، محلياً ودولياً.

وتقدم أكاديمية التميز نموذجاً متميزاً مقارنة بمعاهد الشراكة الاستراتيجية الأخرى في المملكة. فخلافاً لمراكز التدريب المهني المعتادة، تشترط الأكاديمية حصول المتقدمين على درجة البكالوريوس في التمويل أو إدارة الأعمال. وهي مصممة لخدمة الداخلين الجدد إلى سوق العمل أو الموظفين حديثاً الراغبين في تعزيز تعليمهم وخبرتهم العملية عبر برنامج مركز ومكثف. ونموذجها التدريسي فريد أيضاً، إذ يتولى التدريس مهنيون من الصناعة ذوو خبرة واقعية بدلاً من أعضاء هيئة التدريس الأكاديميين التقليديين، مما يضمن أن يكون التدريب عملياً ومتوائماً مباشرة مع متطلبات القطاع المالي السعودي. ومن خلال شراكاتها الاستراتيجية مع كبرى المؤسسات المالية، لا تكتفي الأكاديمية بتشكيل محتوى المناهج ذي الصلة، بل تعمل جسراً بين التعليم والتوظيف.

وتتمثل رؤية الأكاديمية في أن تصبح مصدراً رائداً للكفاءات المالية لأطرافها المعنية. فبما تملكه من مرافق متميزة ومعامل محاكاة متطورة، وبدعم من شركاء عالميي المستوى، تتبوأ الأكاديمية مكانة مؤسسة رائدة في إعداد مهنيين رفيعي المستوى لقطاع الخدمات المالية في المملكة.

إطار: معهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية

ظهرت في المنطقة نماذج تدريبية أخرى قائمة على الشراكة بين القطاعين. ففي البحرين المجاورة، يُعد معهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية، وهو المعهد التعليمي شبه الحكومي المرتبط بمصرف البحرين المركزي، مثالاً بارزاً. فقد أُنشئ المعهد عام 1981 معهداً تدريبياً صغيراً موجهاً أساساً لموظفي القطاع المصرفي. ومنذ ذلك الحين نما نمواً كبيراً، فدرّب أكثر من 360 ألف طالب خلال الأربعين عاماً الماضية عبر مجموعة متنوعة من البرامج، تتراوح بين الدورات القصيرة والمؤهلات المهنية والدرجات الأكاديمية الكاملة. ويُعد المعهد على نطاق واسع ركيزة من ركائز القطاع المالي في البحرين، ويُنسب إليه دور كبير في دعم توطين القطاع. ومن صميم رسالته تقديم برامج مرتبطة بالمسار المهني، ومعرفة وثيقة الصلة بالصناعة، وهيئة تدريس من الممارسين والخبراء في الأعمال والتمويل. ويعود جزء كبير من نجاح المعهد إلى الجهد التعاوني بين مصرف البحرين المركزي وشركائه من القطاع الخاص الممثلين للبنوك وقطاعات الأعمال البحرينية. وقد جرت مأسسة هذا التعاون عبر مجلس إدارة المعهد، الذي يضم أعضاء من الحكومة وممثلين عن قطاعات أعمال مختلفة.

الحوكمة والشراكات الاستراتيجية

استثمرت أرامكو نفوذها في الصناعة لجمع شركاء رائدين لإطلاق أكاديمية التميز مبادرةً غير ربحية. وقد استُقطب الأعضاء المؤسسون والشركاء بفضل شبكة أرامكو القوية وسمعتها، ولا تقتصر إسهاماتهم على الموارد العينية، بل تشمل التوجيه الاستراتيجي والخبرة الفنية ودعم التنفيذ. وتبرز الملاحظات خلال الزيارات الميدانية المستوى العالي من الثقة والالتزام الطويل الأجل لدى هؤلاء الشركاء المؤسسين، الذين يدفعهم إيمان مشترك بقدرة الأكاديمية على نفع المملكة ومؤسساتهم على السواء.

ويشرف على حوكمة الأكاديمية مجلس يضم ممثلين عن الأعضاء المؤسسين، ومنهم المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. ويعمل المجلس عبر ثلاث لجان مخصصة: اللجنة التنفيذية، واللجنة الاستشارية الفنية، ولجنة المراجعة التابعة للمجلس. ويتولى المجلس الاستشاري الفني، المؤلف من خبراء من القطاع الخاص، مراجعة البرامج التدريبية والمناهج لضمان مواءمتها مع احتياجات سوق العمل. ويتولى القيادة التشغيلية مدير عام يدعمه فريق تنفيذي داخلي. وإلى جانب مزايا العلامة التجارية، كعرض أسمائهم في القاعات الدراسية، يحصل الشركاء على خدمات بأسعار مخفضة، وبرنامجين مجانيين للمسؤولية الاجتماعية يستهدفان الفئات الأقل تمثيلاً، ومنها الأمهات العاملات والأشخاص ذوو الإعاقة، ومقعد مجاني في البرنامج الرئيسي للأكاديمية الموجه للمهنيين الشباب. كما يوفر الأعضاء المؤسسون خبراء متخصصين لإلقاء محاضرات ضيفة، وتقديم الإرشاد، وضمان بقاء المنهج وثيق الصلة في ضوء الاتجاهات الناشئة في الصناعة.

وتقيم الأكاديمية شراكة أكاديمية دولية مع جامعة IE في إسبانيا، التي تؤدي دوراً رئيسياً في الاعتماد الأكاديمي بمنح درجة البرنامج، وفي استقطاب الكفاءات بترشيح مدربين مؤهلين للبرنامج الرئيسي. وتعزز هذه العلاقة مصداقية ما تقدمه الأكاديمية.

ويقول المدير العام للأكاديمية: «لا أظن أن هناك مؤسسة أخرى لديها هذه المجموعة من الأعضاء المؤسسين والشركاء».

وفي عام 2024، انتقلت الأكاديمية إلى منظومة الشراكات الاستراتيجية الوطنية تحت مظلة المؤسسة. وقد جعل هذا التحول الطلبة مؤهلين لتمويل صندوق تنمية الموارد البشرية، الذي يغطي 75% من تكاليف التدريب ويشمل المكافآت، شريطة حصول الطلبة على عمل في غضون ستة أشهر من التخرج. كما عزز الانضمام إلى المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية صلات الأكاديمية بالأطراف الحكومية وبمجلس المهارات القطاعي المنشأ حديثاً، مما زاد من اندماجها في منظومة تنمية رأس المال البشري المتطورة في المملكة.

هياكل البرامج

تقدم الأكاديمية برامج رئيسية تشكل حجر الزاوية في عروضها التعليمية. والبرنامج الرئيسي دورة مدتها ستة أشهر تمزج بين التطوير الأكاديمي والتقني والمهني، ويضم دفعتين:

الدفعة الأولى مخصصة لحديثي التخرج في التمويل والمحاسبة الراغبين في استكمال درجتهم العلمية. ويقدم هذا الجزء من البرنامج معرفة صناعية متخصصة وعملية وثيقة الصلة لتيسير انتقال الطلبة إلى سوق العمل. ويتلقى أكثر من نصف الطلبة عروض عمل من الشركاء الاستراتيجيين قبل بدء دراستهم. وتحصل هذه الدفعة على معظم تمويلها من الصندوق.

أما الدفعة الثانية فمخصصة للمهنيين الشباب الموظفين حديثاً الذين تسعى شركاتهم إلى رفع مهاراتهم، ويموّل أصحاب العمل هذا الجزء من البرنامج بالكامل.

ويبدأ هيكل البرنامج بوحدة في المهارات المالية والمحاسبية الأساسية، ثم يختار الطلبة مسار تخصص، إما المراجعة الداخلية وإما المصرفية الاستثمارية، ويكملون مشروعاً ختامياً في الوحدة الثالثة. وبنهاية البرنامج الذي يستغرق ستة أشهر، يحصل الطلبة على «درجة ماجستير خاصة»، وهي نوع من الدرجات التنفيذية تمنحها الأكاديمية وجامعة IE بالاشتراك، وتعتمدها المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. ويبلغ معدل التخرج في البرنامج الرئيسي 96.7%، إذ يخضع الطلبة لمتابعة دقيقة ويحظون بدعم إضافي لمساعدتهم على إتمام البرنامج.

والقبول في البرنامج شديد التنافس، إذ لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية 50 طالباً لكل دفعة بينما تتلقى الأكاديمية آلاف الطلبات. وتشمل عملية الاستقطاب حملة إعلامية موجهة، واختبارات تقنية ولغوية، ومقابلات تجريها الأكاديمية وجامعة IE معاً. وإلى جانب البرنامج الرئيسي، استحدثت الأكاديمية برامج للمستوى المتوسط والمستوى التنفيذي وبرامج مدمجة للمهنيين العاملين، تتراوح بين برنامج في حوكمة الشركات وبرنامج لأعضاء مجالس الإدارة.

وبوصف الأكاديمية مؤسسة غير ربحية، عليها أن تجد طرقاً مبتكرة لتوليد الإيرادات. وبفضل مرافقها الحديثة وقاعاتها المجهزة جيداً، تقدم الأكاديمية دورات خارج البرنامج الرئيسي، تأتي عادةً في صورتين. الأولى أن يطلب عميل خارجي استخدام المكان، كشركة تستأجره لإقامة فعاليات أو لتدريب موظفيها. والثانية مماثلة، غير أن الأكاديمية تتولى التدريب بنفسها، فتصمم المنهج وتعده، وتوفر المدربين لتلبية احتياجات العميل، وتجري التقييمات. وعلى الرغم من القيمة المدرة للدخل لمرافقها، فإن الأكاديمية انتقائية فيمن تتيح لهم المكان. ويعمل هذا النموذج حافزاً للشركاء والرعاة، الذين يحصلون على خصومات ومزايا ومقاعد لموظفيهم في البرنامج الرئيسي. وهكذا وجدت الأكاديمية طريقة لتمويل نفسها لمواصلة العمل مؤسسةً غير ربحية ودعم برنامجها الرئيسي.

المقاربة الأكاديمية: إعطاء الأولوية للخبرة العملية وثيقة الصلة بالسياق المحلي

ليس أعضاء هيئة التدريس في الأكاديمية معلمين تقليديين متفرغين للتدريس، بل مهنيون متمرسون ذوو خبرة صناعية تمتد سنوات عدة. وفي البرنامج الرئيسي، تتولى جامعة IE استقطاب أعضاء هيئة التدريس وترشيحهم. وتولي الأكاديمية أهمية كبيرة لدراسات الحالة الواقعية، ولا سيما المتصلة بالسياق السعودي. فعلى سبيل المثال، يعمل الطلبة على دراسات حالة ومشروعات، كمشروعات التصنيف الائتماني أو هيكل صندوق الثروة السيادي السعودي، يحللون فيها الشركات، ويوصون باستراتيجيات لتحسين تصنيفها الائتماني، ويحددون عوامل المخاطر لأصحاب العمل المحتملين. وتركز دفعات حديثي التخرج على تنمية المهارات التقنية الأساسية اللازمة لتقدمهم المهني، بينما يركز المهنيون في بداية مسيرتهم على تطبيق هذه المهارات في سيناريوهات واقعية، بل وإنجاز مهام حقيقية لأصحاب عملهم. ويتضمن البرنامج أيضاً موضوعات استشرافية، منها التقنية المالية، والتمويل الأخضر، وأخلاقيات الحوكمة.

ويُعزز التدريب بأساليب التلعيب وإتاحة مرافق حديثة، منها معامل محاكاة متقدمة. فضلاً عن ذلك، يُثرى تعليم الطلبة بخبرات الشركاء الاستراتيجيين، إذ يشيع أن يزور مهنيون من الشركات الشريكة الأكاديمية محاضرين ضيوفاً في الوحدات ذات الصلة، فيشاركون تجاربهم ويقدمون خبرات حديثة ذات صلة، ورؤى صناعية، ومعارف عملية، وفرصاً لبناء العلاقات المهنية.

الاندماج في سوق العمل

يركز البرنامج الرئيسي لحديثي التخرج على تنمية المهارات التقنية والشخصية معاً. ولما كان كثير من هؤلاء الطلبة يدخلون سوق العمل أول مرة، تشدد الأكاديمية على تعزيز المهارات الناعمة كالتفكير النقدي والعرض والتفاوض والعمل الجماعي وإدارة الوقت والتواصل. ولأن الصندوق يقدم التمويل مشروطاً بالحصول على عمل في غضون ستة أشهر من التخرج، تدعم الأكاديمية الطلبة بصورة استباقية طوال البرنامج لمساعدتهم على ذلك. وتشمل الجهود تأمين الرعاة قبل بدء البرنامج، والتواصل المستمر مع الشركاء الاستراتيجيين بحثاً عن فرص التوظيف. ويتلقى الطلبة إرشاداً بشأن مسيراتهم المهنية وسيرهم الذاتية والاستعداد للمقابلات إلى جانب التدريب التقني.

وقد حققت الأكاديمية نتائج توظيف قوية لخريجي برنامجها الرئيسي. فمن بين أكثر من 400 طالب أكملوا البرنامج عبر ثماني دفعات، حصل 94% منهم على عمل في غضون عام من التخرج. واللافت أن 35% من الموظفين منهم رُقّوا إلى مناصب إدارية، مما يعكس المواءمة القوية بين تدريب البرنامج ومتطلبات سوق العمل. ويستفيد الطلبة أيضاً من طيف واسع من فرص بناء العلاقات والتعلم العملي المدمجة في البرنامج. ففي الشهرين الأخيرين، ينخرط المشاركون في برامج التدريب الميداني والتدريب على رأس العمل التي تعزز قابليتهم للتوظيف. فضلاً عن ذلك، يجب على كل طالب إكمال مشروع ختامي بالتعاون مع شركة شريكة، يُعرض بعد ذلك على الزملاء والشركاء الاستراتيجيين. ولا تعمق هذه التجارب المعرفة العملية فحسب، بل تزيد أيضاً من ظهور الطلبة أمام أصحاب العمل المحتملين.

ويؤدي الشركاء الاستراتيجيون دوراً حاسماً في إلهام الطلبة وتوسيع آفاقهم المهنية. إذ يلتقي متحدثون ضيوف من المؤسسات الشريكة بالطلبة بانتظام لمشاركة مسيراتهم المهنية، مقدمين رؤى حول تحديات قطاعي التمويل والمحاسبة وفرصهما. وتمثل هذه اللقاءات مصدر إلهام ووسيلة للطلبة لاستكشاف مسارات مهنية متنوعة ربما لم يفكروا فيها من قبل.

ويقول أحد أعضاء هيئة التدريس في الأكاديمية: «ثمة فجوة بين ما تخرجه الجامعات واحتياجات القطاع الخاص. وبوصفي قادماً من القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية معاً، أحرص على أن يجتاز الطلبة هذه الفجوة. عليك أن تعمل مع الطلبة ليكونوا جاهزين للانطلاق فور توظيفهم».

ويُعد الدعم بعد التخرج مكوناً أساسياً في مقاربة الأكاديمية للاندماج في سوق العمل. فلمن لم يحصلوا على عمل عند التخرج، يتابع قسم مخصص أوضاعهم مدة تصل إلى ستة أشهر لدعم جهود توظيفهم، بما في ذلك تتبع حالة توظيفهم وجمع آرائهم حول مدى مواءمة التدريب لاحتياجات سوق العمل. ولتعزيز التواصل مع الخريجين، تطلق الأكاديمية أيضاً نظاماً لإدارة التعلم يتيح لهم وصولاً مستمراً إلى المواد التعليمية وموارد بناء العلاقات.

الدروس والخلاصات والتحديات

يتمثل التحدي الرئيسي أمام الأكاديمية في تحقيق الاستدامة المالية مع الحفاظ على جودة استثنائية. فبوصفها مؤسسة غير ربحية ناشئة، تستخدم الأكاديمية تمويلها المحدود للمحافظة على التزامها بتدريب رفيع المستوى. ولمعالجة ذلك، تستهدف الشراكة مع رواد القطاع الخاص، ومنهم شركات دولية كبرى ومشروعات عملاقة كنيوم، ممن يدركون قيمة نموذجها. وعلى الرغم من محدودية الموارد، تظل الأكاديمية ملتزمة التزاماً راسخاً بتقديم الجودة على الحجم.

وتكمن قوة الأكاديمية في التزام أعضائها المؤسسين. فهي تعتمد على علاقات قوية قائمة على الثقة مع أفراد داخل الشركات الشريكة يدعمون برامجها ويثرونها بنشاط، بما في ذلك الإسهام بالوقت والخبرة والتغذية الراجعة. وفي المقابل، تقدم الأكاديمية رصيداً من المرشحين الاستثنائيين الجاهزين للعمل في الصناعة، أي خريجين لا يتميزون أكاديمياً فحسب، بل يمتلكون مهارات عملية وفهماً عميقاً للمشهد المالي السعودي.

وتمثل الأكاديمية للطلبة بديلاً سريعاً وعالي الأثر للمسارات التعليمية التقليدية. فبدلاً من الالتحاق بسوق العمل فور الحصول على البكالوريوس، يصل الطلبة إلى برنامج متخصص يفتح لهم أبواب وظائف أعلى جودة وأصحاب عمل أكثر مكانة. ويرى كثيرون الأكاديمية بديلاً عملياً عن درجة الماجستير، يكتسبون فيه مهارات متوائمة مع الصناعة، وشبكات علاقات استراتيجية، ودخولاً متسارعاً إلى المسارات القيادية.

ومن العناصر الأساسية في نجاح الأكاديمية استجابتها لاحتياجات سوق العمل. فبالتواصل النشط مع أطراف معنية كوزارة المالية، تستطيع الأكاديمية تحديد أوجه عدم التطابق بين التعليم الجامعي ومتطلبات القطاع ومعالجتها. كما تتابع الأكاديمية جهود التوطين في القطاع المالي، مستجيبة للسياسات المتطورة التي تزيد الطلب على المهنيين السعوديين المهرة. وتسهم هذه الجهود مباشرة في تحقيق أهداف رؤية 2030 المتعلقة بتنمية القوى العاملة الوطنية وقابليتها للتوظيف.

وتقدم الأكاديمية نموذجاً مقنعاً لتنمية القوى العاملة عبر تدريب مدفوع بالطلب يقوده القطاع الخاص. ويبرهن نجاحها على أهمية الانخراط العميق والمستمر مع أصحاب العمل لتشكيل برامج ذات صلة وعالية الجودة. وللبلدان الساعية إلى تقليص فجوات المهارات، تمثل الأكاديمية مثالاً على كيفية قدرة الشراكات الاستراتيجية والتنمية الموجهة للكفاءات على إحداث أثر اقتصادي دائم، لا ينفع الخريجين وسوق العمل الأوسع فحسب، بل يدفع أيضاً أهداف التنمية الوطنية.

معهد إدارة الفنادق والسياحة في المملكة العربية السعودية

مقدمة

للمعهد ثلاثة فروع في الرياض وجازان والباحة، ويدير أيضاً أول معهد ضيافة للنساء على الإطلاق في الرياض. وقد أُنشئ عام 2007 استجابةً للحاجة المتزايدة إلى مهنيين مهرة في قطاع الضيافة بالمملكة. ويدعم المعهد تنمية القوى العاملة الوطنية بالشراكة مع المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. وعلى مر السنين، عزز حضوره في أنحاء المملكة بالشراكة مع معهد HTMi في سويسرا، وهو معهد ضيافة معترف به عالمياً، وبالحصول على اعتمادات من جهات وطنية ودولية، منها هيئة تقويم التعليم والتدريب، ومنظمة الأمم المتحدة للسياحة، ورابطة Eurhodip، والمركز الدولي للتميز في تعليم السياحة والضيافة THE ICE. واليوم يُعد المعهد شريكاً استراتيجياً ضمن المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية وكليات التميز التابعين للمؤسسة، ويواصل إسهامه في تنمية قوى عاملة سياحية قادرة على المنافسة عالمياً. ويسعى إلى تحقيق رؤية المملكة، المعبر عنها في رؤية 2030، في أن تكون دولة حديثة استشرافية يقودها قطاع الضيافة والسياحة. والمعهد أكبر معاهد الضيافة في المملكة وأكثرها ابتكاراً، وهو في طريقه ليصبح معهداً رائداً لإدارة الفنادق في الشرق الأوسط وعالمياً. وقد حقق المعهد منذ عام 2018 محطات عدة، مع تركيز خاص على طيف الشراكات الاستراتيجية التي أُبرمت في السنوات الأخيرة وأسهمت في تحقيق رؤيته في أن يصبح معهد إدارة رائداً.

الحوكمة والشراكة الاستراتيجية

يحكم المعهد مجلس يضم ممثلين عن المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني وشركاء الصناعة. ويؤدي المجلس دوراً فاعلاً في جميع مجالات عمل المعهد، من توقيع الاتفاقيات مع الشركاء الاستراتيجيين إلى اعتماد البرامج والإشراف على تقديمها. وهو مسؤول أيضاً عن الإشراف على الميزانية والموافقات المالية واستقطاب كبار التنفيذيين. ويجتمع المجلس شهرياً بممثلين عن أصحاب العمل الشركاء، ويسهم في التخطيط الاستراتيجي الطويل الأجل للمعهد. وفي إطار شراكته الاستراتيجية مع صندوق تنمية الموارد البشرية، يؤدي المعهد دوراً حيوياً في النهوض بتنمية القوى العاملة. إذ يقدم الصندوق دعماً مالياً للبرامج التي تبني مهارات الكفاءات السعودية وتوائمها مع متطلبات سوق العمل. وتخفيفاً للعبء الإداري عن أصحاب العمل، بات المعهد يتولى تسجيل الدفعات لدى الصندوق نيابة عنهم، مما يبسط الإجراءات ويضمن وصولاً سلساً وفعالاً إلى التمويل. ويؤكد هذا التعاون التزام المعهد المستمر بدعم أصحاب العمل وبناء رصيد الوطن من رأس المال البشري.

ويمثل اتفاقان حديثان بين المعهد والصندوق خطوة مهمة إلى الأمام. يركز الأول على تطوير برامج تدريبية مصممة خصيصاً بالتعاون مع مجموعة فندقية دولية تعمل في الرياض، ويهدف الثاني إلى تعزيز قطاع الضيافة والسياحة في منطقة جازان. وقد بدأ تقدم رئيسي بتطوير برنامج دولي جديد مدته ثلاث سنوات بالشراكة مع المؤسسة ووزارة السياحة وسلسلة فنادق دولية. وأدخلت هذه المبادرة هيكل تمويل أكثر فاعلية مهد الطريق لاحقاً لبرنامج جازان. وتتوافق هذه البرامج توافقاً وثيقاً مع أولويات توفير الوظائف على المستويين الإقليمي والقطاعي. ويكمن الفرق الرئيسي بين نموذجي التمويل السابق والحالي في مسار المدفوعات. فسابقاً، كان أصحاب العمل يتلقون الدعم المالي مباشرة من الصندوق، أما الآن فيدفع الصندوق رسوم التدريب كاملة مباشرة إلى المعهد، ثم ينسق الترتيبات المالية مع أصحاب العمل. وقد بسّط هذا التحول الإجراءات وعزز الشفافية، مما يسّر في المحصلة شراكات أقوى وتقديماً أكفأ للبرامج.

ويحتفظ المعهد بشراكات قوية مع عدة مؤسسات من القطاع الخاص، ومنها تعاون طويل الأمد مع شركة نسما للإعاشة في منطقة الرياض بدأ عام 2016. وقد انطلق تعاون نسما مع المعهد من التزام الشركة بزيادة مشاركة المواطنين السعوديين في جميع عملياتها. ولتحقيق ذلك، سعت نسما إلى مزودي تدريب ذوي سمعة قادرين على تقديم تعليم وخبرة عملية عاليي الجودة، فبرز المعهد رائداً في هذا المجال، معروفاً بترسيخ ثقافة تدريب قوية وتقديم برامج ذات صلة متوائمة مع الصناعة. وترعى نسما حالياً متدربين ملتحقين ببرنامجي الدبلوم في إدارة فنون الطهي وإدارة المطاعم ومدة كل منهما عامان. ففي قسم الإعاشة بالشركة، الذي يوظف نحو 3400 شخص في أكثر من 52 مشروعاً في أنحاء المملكة، يلتحق بالمعهد حالياً 156 متدرباً، منهم 148 في مرحلة التدريب على رأس العمل، وقد تخرج 248 متدرباً بالفعل. وتدعم الشراكة آليات منظمة للتواصل ورصد الأداء، إذ يقدم المعهد تقارير أسبوعية تفصّل الحضور والتقدم الأكاديمي وخطط الدروس وأي مستجدات تخص المتدربين. ويشارك ممثلو نسما، ومنهم كبار الطهاة وكبار الموظفين، بنشاط في الأنشطة الأكاديمية، كعضوية لجان الاختبارات وحضور حفلات التخرج، وهي مشاركة تحظى بالتقدير والتشجيع.

ومنذ البداية، يُسجل المتدربون في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، ويتلقون مكافأة شهرية يمولها الصندوق وصاحب العمل بالاشتراك. ويعزز وضع التوظيف الرسمي هذا التوجه المهني للبرامج، ويدل على جدية استثمار صاحب العمل في تنمية المتدرب. ويشكل هذا الهيكل التعاوني، بما يشمله من انتقاء صارم، وتعلم يمزج بين القاعة الدراسية ومكان العمل، وتقييم مستمر، وتنسيق وثيق مع أصحاب العمل والممولين، أساساً متيناً لنجاح البرامج واستدامتها.

ولتنمية مثل هذه الشراكات، يتواصل فريقا التسويق والشراكات الاستراتيجية في المعهد بنشاط مع الأطراف المعنية في الصناعة، عبر مبادرات كمعارض التوظيف، والزيارات الميدانية لمواقع أصحاب العمل، والدعوات المفتوحة لاستكشاف مرافق التدريب في المعهد. ويقدم المعهد نفسه شريكاً موثوقاً بتوفير موظفين جاهزين للعمل مصممين وفق احتياجات أصحاب العمل. ويُروج للبرامج الجديدة، ولا سيما المدعومة من جهات حكومية كالصندوق والمؤسسة، ترويجاً واسعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتواصل المباشر. وكثيراً ما لا يقتصر نشر هذه الإعلانات على المعهد، بل يشاركها شركاؤه الحكوميون أيضاً، مما يزيد ظهوره ويجذب تعاوناً جديداً مع الصناعة. وقد أسهم التعاون القوي والسلس مع الأطراف المعنية إسهاماً كبيراً في الاعتراف بالمعهد مؤسسة تدريبية رائدة وشريكاً موثوقاً في تنمية القوى العاملة على المستوى الوطني.

هياكل البرامج

يقدم المعهد مجموعة من برامج الدبلوم والشهادات، تتراوح بين الصحة والسلامة المهنية، وإدارة الضيافة والسياحة الدولية، وإدارة فنون الطهي. وتتراوح مدة هذه البرامج بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات بحسب المؤهل.

ويتحدد عدد المتقدمين لكل برنامج بحسب نطاق المشروعات التي تطلقها الجهات الحكومية الرئيسية الراعية للتدريب في قطاع الضيافة وأهدافها، ومنها صندوق تنمية الموارد البشرية، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ووزارة السياحة، وصندوق التنمية الثقافي، وهيئة فنون الطهي، إضافة إلى شركات قطاع الضيافة.

وتُبنى مناهج برامج الدبلوم وفق ثلاثة مسارات متمايزة: برامج مدتها عام، وأخرى مدتها عامان، وثالثة مدتها ثلاثة أعوام. ويُطور محتوى المواد بمقاربات متعددة. ففي برامج الدبلوم الطويلة، تُجمع آراء المتدربين السابقين عبر المسوح لتحديد الإضافات أو التحسينات الممكنة في المنهج. وبالمثل، تُجمع مدخلات المؤسسات الشريكة بانتظام لتقييم الكفايات التقنية للخريجين والمتدربين وتحديد المهارات المحددة المطلوبة في صناعتها. فضلاً عن ذلك، يتشاور المعهد مع شركائه الدوليين لضمان أن يعكس المنهج الاتجاهات العالمية ويتوافق مع معايير التعليم الدولية، بما يحفظ صلته بالواقع وجودته على المستوى العالمي. وتُدمج هذه الرؤى خلال المراجعات الداخلية والخارجية للمناهج. وتُراعى أيضاً الأولويات الاستراتيجية الوطنية، ولا سيما تلك التي تحددها الجهات الحكومية المعنية كالصندوق ووزارة السياحة ووزارة الثقافة. فعلى سبيل المثال، استُحدث برنامج فنون الطهي تماشياً مع توجيه استراتيجي من وزارة الثقافة لدعم الجهود الوطنية في صون التراث الثقافي، ورعاية المواهب المحلية في فنون الطهي، وإدماج العناصر الثقافية في التعليم المهني. وبعد مراعاة آراء الأطراف المعنية، تُنفذ عملية تصميم المناهج وتطويرها تعاونياً بين الفريق الأكاديمي، المؤلف من الرئيس الأكاديمي ومديري التدريب والمدربين، وفريق ضمان الجودة الذي يؤدي دوراً رئيسياً في مراجعة المحتوى للتأكد من استيفائه المعايير المؤسسية، وتوافقه مع توقعات الأطراف المعنية، ومحافظته على الصرامة الأكاديمية والصلة بالواقع.

ومن الاعتبارات الرئيسية في تطوير المناهج تحقيق التوازن بين النظرية الأكاديمية والتدريب العملي التطبيقي، بما يضمن اكتساب المتدربين معرفة نظرية متينة ومهارات عملية متوائمة مع احتياجات الصناعة. ويعمل خبراء المحتوى في المعهد معاً لضمان مواءمة البرامج مع متطلبات سوق العمل ودمج المكونين. ويركز نحو نصف المنهج على تنمية الكفايات الأساسية والمهارات الناعمة، كالمبادرة واتخاذ القرار وحل المشكلات، وهي مهارات أساسية للنجاح في قطاع الضيافة والسياحة، وتُحدد هذه الأولويات استرشاداً بالتغذية الراجعة المنتظمة من الأطراف المعنية في الصناعة وأصحاب العمل.

ويمكن تصميم برامج المعهد القصيرة والطويلة وفق احتياجات شركائه. فهذه البرامج قائمة على احتياجات العملاء أو الصناعة، وتنتظم الدورات القصيرة في فئتين رئيسيتين: مهارات عامة تنطبق على جميع القطاعات، ومهارات مهنية مصممة خصيصاً لصناعة السياحة والضيافة. ومع أن البرامج الطويلة والقصيرة تتبع هياكل معتمدة، يمكن إدخال تحسينات على الوحدات استجابةً لطلبات محددة. وضمن الإجراء المعتاد للشراكة، يُطلب من الشركاء المحتملين زيارة مرافق التدريب في المعهد وإجراء نقاشات مفصلة مع فريقي التدريب والإدارة لاستكشاف إطار الشراكة قبل إبرام أي اتفاق. ويسترشد تصميم البرامج أيضاً بمعلومات سوق العمل، ومنها قائمة محدّثة بانتظام بالوظائف المطلوبة. فضلاً عن ذلك، يتعاون المعهد مع شركاء دوليين كمعهد HTMi في سويسرا، الذي تسترشد العروض المحلية بهياكل برامجه وخبرته في تطوير المناهج.

ويمكن تكييف جميع البرامج لتعكس مجال تخصص صاحب العمل. فإذا طلب مطعم متخصص في المأكولات العربية مثلاً تدريباً مخصصاً يركز على قائمة طعامه، يمكن تكييف محتوى الوحدات وفقاً لذلك. ويسهم بعض الشركاء في الصناعة بنشاط في تطوير المقررات بتحديد نواتج التعلم المنشودة لمتدربيهم. ويرعى الصندوق الدورات القصيرة شريطة استيفاء صاحب العمل معايير الأهلية.

ويُستقطب المدربون مباشرة من قطاع الضيافة، حاملين خبرة معمقة في مجالات رئيسية كتقنيات الطهي وعمليات الفنادق وخدمات الأغذية والمشروبات. والخبرة الصناعية هي المؤهل الرئيسي، وتُعد الخلفية الأكاديمية ميزة إضافية. ويخضع جميع المدربين الجدد للتهيئة والتعريف بالمنهج، ويكون تكيفهم معه يسيراً في العادة بفضل خلفيتهم العملية. ومن أبرز نقاط قوة المعهد خبرة مدربيه، الذين يحمل جميعهم مؤهلات أكاديمية في الضيافة إلى جانب خبرة صناعية تتراوح بين 5 و15 عاماً. ونحو 70% من محتوى المقررات عملي، بما يضمن اكتساب المتدربين خبرة تطبيقية. ويسترشد تصميم المقررات بتصنيف بلوم لدعم التقدم المنظم نحو الكفايات المتقدمة، ولا سيما في تطبيق المعرفة وإنتاجها، مما يعزز جودة التدريس.

وجميع البرامج التدريبية متوائمة مع متطلبات سوق العمل الحالية، وتُحدّث المواد التدريبية بانتظام لتعكس الاتجاهات الناشئة في قطاع الضيافة والسياحة. ويخدم المعهد قاعدة عملاء متنوعة تتطلب تكيفاً مستمراً مع تطور احتياجات القوى العاملة. والتعاون مع المتدربين والشركاء في الصناعة جزء لا يتجزأ من هذه العملية، إذ يؤدي الشركاء أيضاً دوراً قيّماً في الترويج لعروض المعهد. وفي حين قد تقدم مؤسسات كثيرة تدريباً معيارياً قائماً على التوقعات العامة للصناعة، يركز المعهد على تقديم ما يحتاجه أصحاب العمل فعلاً، لا ما يبدي المتدربون اهتماماً به فحسب. وهذا التمييز مدمج في عملية إعداد العقود، إذ تُحدد أهداف التدريب بعناية بالتعاون مع أصحاب العمل لضمان تزويد الخريجين بالمهارات الأوثق صلة بواقعهم التشغيلي.

ويقول أحد الشركاء الاستراتيجيين من القطاع الخاص: «أعتقد أن المتدربين يختارون الالتحاق بالمعهد بسبب سمعته القوية والشركات البارزة التي يتعاون معها معاً».

واستبقاء المتدربين أولوية للمعهد، ولا سيما في ضوء التحدي الأوسع المتمثل في استبقاء الموظفين في المملكة. إذ تُهيأ بيئة تدريب داعمة تشجع الالتزام لا تجاه المعهد فحسب، بل تجاه أصحاب العمل المستقبليين أيضاً. ويشمل ذلك التوعية بالمزايا التي يحصل عليها المتدربون، كالحوافز المالية، مع ترسيخ ثقافة المسؤولية والمهنية. وتبدأ جهود الاستبقاء بالانتقاء الدقيق للشركاء من أصحاب العمل. إذ يعطي المعهد الأولوية للشراكة مع شركات ذات سمعة طيبة معروفة بالحفاظ على بيئة عمل إيجابية وداعمة، ويُنتظر من هؤلاء أصحاب العمل الالتزام بمعايير عالية وإثبات حضور طويل الأجل في السوق. وبالتعاون مع هذه المؤسسات، يزيد المعهد احتمال بقاء المتدربين منخرطين وموظفين بعد التخرج.

وبالتوازي مع ذلك، ازدادت عملية استقطاب المتدربين صرامة خلال السنوات الأربع الماضية. فقد كان الالتحاق في البداية مفتوحاً لجميع الراغبين، أما الآن فالعملية أكثر انتقائية. إذ يخضع المتقدمون لجولات فرز متعددة تشمل مراجعة السجلات الأكاديمية، والمقابلات، وتقييم المهارات ذات الصلة والاهتمام المثبت بالصناعة. ثم يُعرض المرشحون في القائمة المختصرة على الشركاء من أصحاب العمل، الذين يجرون مقابلاتهم الخاصة ويختارون من هذه المجموعة المنتقاة.

الاندماج في سوق العمل

يعامل شركاء المعهد المتدربين معاملة الموظفين خلال فترة التدريب. ومع أن المتدربين غير ملزمين بالبقاء لدى الشريك أكثر من عام بعد التخرج، فإن معظمهم يبقون بسبب الفرص المتاحة هناك، التي كثيراً ما تشمل التعيين في مواقع مختلفة من المملكة. وبعد إتمام البرنامج التدريبي، تُعرض على الخريجين عقود توظيف رسمية بحسب أدائهم واحتياجات المؤسسة. وحتى المتدربون الذين لا يبدؤون برنامجهم بعقد توظيف، يؤمّن لهم المعهد وظيفة قبل نهاية تدريبهم. ففي البرامج التي تستغرق أربعة أشهر مثلاً، يُرتب عقد خلال الشهر الثالث لضمان أن يجري الشهر الأخير، المخصص للتدريب على رأس العمل، في موقع صاحب العمل. والأهم أنه إذا بقي الخريجون لدى صاحب العمل ذاته بعد إتمام تدريبهم، يدعم الصندوق 50% من رواتبهم خلال العام الأول، وهو حافز إضافي للتوظيف والاستبقاء معاً. وثمة خطر أن يغادر بعض الموظفين خلال فترة التجربة أو لا يرقوا إلى مستوى التوقعات، وهو تحدٍّ متأصل في تنمية القوى العاملة. غير أن المعهد يعمل عن كثب مع الشركات لتقليل هذا الخطر عبر الانتقاء المشترك للمتدربين، والتواصل القوي، والانخراط المستمر طوال فترة التدريب.

ومن العناصر الرئيسية في مقاربة المعهد بناء علاقات قوية مع المتدربين والحفاظ عليها. فمنذ اليوم الأول للتدريب حتى التخرج، يتلقى المتدربون دعماً مستمراً ويخضعون للمساءلة عبر التزامات برامجية محددة بوضوح. وعند التحاقهم بأصحاب العمل، تؤدي عوامل إضافية كالتعويض العادل، ووضوح الدور الوظيفي، وثقافة مكان العمل، وتوافر السكن والنقل، دوراً في ضمان انتقال سلس واستبقاء مستمر. وفي المحصلة، يسعى المعهد إلى ضمان أن يُنظر إلى كل خريج بوصفه رصيداً قيّماً منذ اليوم الأول، ويعمل مع أصحاب العمل على تهيئة الظروف التي تمكّن المتدربين من النجاح والنمو في صناعة الضيافة والسياحة.

وتقوم فاعلية النموذج التدريبي على الدمج المنظم للتدريب على رأس العمل في مسيرة المتدربين. فقبل التخرج، يشارك جميع المتدربين في فترات تدريب في مواقع العمل تتراوح بين شهر وستة أشهر، ينغمسون فيها في بيئات مهنية ويعملون على مشروعات واقعية. وتوفر هذه الفترة خبرة عملية حاسمة، وتمثل مرحلة رئيسية لتقييم الجاهزية للعمل. ويُقيّم أداء المتدرب من زاويتين: الأولى من قبل المعهد خلال مرحلة التدريب في القاعات والمعامل، والثانية من قبل الشركة المستضيفة خلال مرحلة التدريب على رأس العمل. ويضمن هذا التقييم المزدوج استيفاء المتدربين للمعايير الأكاديمية وتوقعات مكان العمل معاً.

ويتجلى النجاح الطويل الأجل للبرنامج في تنوع المسارات التي يسلكها الخريجون. فكثيرون منهم يترقون داخل شركاتهم إلى مناصب أعلى، منتقلين من أدوار مبتدئة كالنادل إلى أدوار إشرافية وإدارية. ويتحول آخرون إلى وظائف إدارية داخل المؤسسات ذاتها، أو يحصلون على وظائف في شركات منافسة تقدم فرصاً أفضل. ويدل هذا المستوى من التقدم على أن الخريجين ليسوا جاهزين للعمل عند التخرج فحسب، بل مزودون أيضاً بمهارات أساسية تمكنهم من التقدم وتطوير مسيرتهم المهنية في قطاع الضيافة.

ويقول أحد المتدربين في المعهد: «المدربون هنا لا يخاطبونك كطالب، بل كموظف».

ومن المكونات الرئيسية للحفاظ على الجودة عملية الانتقاء التعاوني للمتدربين. إذ يشارك أصحاب العمل مباشرة في الاستقطاب بمراجعة المرشحين في القائمة المختصرة وإجراء المقابلات لتقييم استعدادهم ودافعيتهم. وتساعد هذه المشاركة المبكرة على ضمان توافق المتدربين المختارين مع المعايير الأكاديمية للمعهد وتوقعات صاحب العمل معاً. وطوال فترة التدريب، يقدم المعهد تقارير منتظمة لأصحاب العمل وجهات التمويل، تشمل تحديثات فصلية وربع سنوية عن حضور المتدربين وأدائهم ومشاركتهم في الأنشطة اللاصفية. وفي بعض المشروعات، تُشارك أيضاً ملفات تعريفية مخصصة للمتدربين أو بطاقات تقدم فردية مع الشركاء. وتساعد آليات التغذية الراجعة هذه على الحفاظ على الشفافية والمساءلة بين جميع الأطراف المعنية، وتتيح التحسين المستمر.

الدروس والخلاصات والتحديات

مع أن دعم القطاع العام كان قوياً، يظل مزيد من الالتزام والانخراط من أصحاب العمل في القطاع الخاص أمراً أساسياً. فمزودو التدريب يستثمرون كثيراً في تنمية المهارات التقنية والناعمة لدى متدربيهم، لكن إذا لم يشارك الشركاء في الصناعة بنشاط عبر التغذية الراجعة، ومواءمة المناهج، وإرشاد الطلبة، والإدماج في مكان العمل، فإن النتيجة قد تغدو أحادية الجانب. وقد كشفت اللقاءات مع الأطراف المعنية أن مشاركة القطاع الخاص كانت محدودة في البداية، غير أن العلاقة تحسنت تحسناً كبيراً. إذ يعيّن أصحاب العمل على نحو متزايد مشرفين مخصصين يشاركون بنشاط في جلسات الإرشاد، وينخرطون في طيف واسع من أنشطة المتدربين، ويدعمون التطوير المهني، ويتعاونون في تطوير المناهج. وقد تغيرت الديناميكية تغيراً ملموساً خلال السنوات القليلة الماضية، فأصحاب العمل الذين كان يتعين التواصل معهم باتوا يسعون بأنفسهم إلى الشراكة مع المعهد. ويؤكد هذا التطور أهمية بناء المصداقية والثقة في منظومة التدريب. ولتعزيز هذه الشراكات أكثر، يوسع المعهد جهود التواصل الاستراتيجي، بما في ذلك تكثيف أيام المهن وفعاليات بناء العلاقات، وإنشاء فرق اتصال مخصصة لإدارة العلاقات مع أصحاب العمل بفاعلية أكبر.

ومن منظور السياسات، تثبت الحوافز الحكومية المشجعة لمشاركة القطاع الخاص أهميتها الحاسمة، ومنها الإعانات المالية، وبرامج التقدير، والترتيبات التعاقدية التي تجعل انخراط أصحاب العمل الفعلي مع مؤسسات التدريب أمراً جذاباً. فضلاً عن ذلك، لا يمكن التقليل من قيمة الشراكات الدولية المحلية. فالتعاون الوثيق بين مؤسسات كمعهد HTMi في سويسرا ونظيره في المملكة يضمن ضمان الجودة، والمواءمة مع المعايير العالمية، والقدرة على التكيف اللازمة لتلبية متطلبات القطاع المتطورة. ويسهم الرصد المنتظم، والحوكمة المشتركة، والتفاهم المتبادل في ديمومة هذا التعاون وفاعليته. وثمة أيضاً حاجة ملحة إلى رفع الوعي بالمسارات المهنية بين طلبة المرحلة الثانوية وعامة الجمهور. فكثير من المتدربين الملتحقين بالبرنامج لم يكونوا يدركون أن التعليم المهني خيار مهني مجدٍ ومحترم. ومن شأن تعاون أكبر مع وزارة التعليم وحملات توعية موجهة أن يساعدا على سد هذه الفجوة واستقطاب دفعة من المتقدمين أكثر وعياً.

ويقول أحد المتدربين في المعهد: «من أكبر المزايا الوظيفة المضمونة بعد التخرج. فمنذ اللحظة التي تبدأ فيها الدراسة هنا، تكون مرتبطاً بشركة. وهذا فرق كبير مقارنة بالمسارات الجامعية التقليدية، حيث قد يكون العثور على وظيفة تحدياً حقيقياً».

ولتكرار هذا البرنامج بنجاح، يجب على المؤسسات أن تبدأ باختيار المرشحين المناسبين عبر عملية استقطاب ومقابلات دقيقة، فوضع الأفراد المناسبين في الأدوار المناسبة منذ البداية أساسي للنجاح الطويل الأجل. وفي السياق السعودي، لا تزال التصورات الثقافية عن وظائف الضيافة، ولا سيما وظائف كموظفي الاستقبال أو طاقم الخدمة أو النُدُل، تمثل تحدياً. ومعالجة هذه التصورات جزء حاسم من دور المعهد، إذ ينبغي بذل الجهود لغرس الفخر والشغف لدى المتدربين بمساراتهم المهنية المختارة بمساعدتهم على فهم قيمة عملهم والغاية منه.

وقد طبق المعهد مقاربة متدرجة لترسيخ الجوانب التأسيسية للتعلم. وبناءً على ذلك، أُدمج تعليم مكثف للغة الإنجليزية في المنهج لدعم جاهزية المتدربين لمكان العمل. فضلاً عن ذلك، يتطلب التكيف مع المفاهيم الأساسية والتوقعات المهنية لصناعة الضيافة وقتاً وصبراً، غير أن كثيراً من المتدربين يتوقون إلى التقدم بسرعة. ومن ثم يشدد المعهد على أهمية البدء من المستوى الأساسي والتقدم التدريجي نحو مسؤوليات أعلى، مؤكداً قيمة التعلم عبر الخبرة.

ويقول أحد المتدربين في المعهد: «تصبح هويتك مرتبطة بصاحب عملك إلى حد أنني حين يسألني أحد عن اسمي، أذكر اسم الشركة».

وتكشف النقاشات مع المتدربين الحاليين والسابقين في المعهد عن تقدير كبير للتعليم العملي العالي الجودة والبيئة الموجهة نحو المسار المهني التي يوفرها المعهد. ومن أبرز السمات التي يُشار إليها كثيراً التوظيف المضمون عند إتمام الدراسة، فهذا المسار المباشر إلى العمل يعالج أحد أكبر التحديات التي يواجهها طلبة المسارات الأكاديمية التقليدية. ويبرز المتدربون التوازن بين المعرفة النظرية والمهارات العملية بوصفه قوة أساسية في البرامج، ويصفون كيف كونوا صورة واضحة عما ينتظرهم في صناعة الضيافة بعد التخرج بفضل الخبرة التطبيقية والتدريس الواقعي. ويلاحظ كثيرون أن المعهد مكنهم من الانتقال من التعلم السلبي، كمشاهدة برامج الطهي، إلى تنمية مهاراتهم بنشاط عبر الممارسة المباشرة. ومن الجوانب القيّمة الأخرى الوصول إلى فرص واقعية، منها مسابقات الصناعة، والتعلم القائم على العمل، والتعاون مع علامات ضيافة كبرى. ولا تعزز هذه التجارب مهاراتهم فحسب، بل تتيح لهم بناء شبكات مهنية في أنحاء القطاع. وبالنسبة إلى بعضهم، ترجم ذلك بالفعل إلى مسارات مهنية واضحة، مع عروض عمل مضمونة حتى قبل إتمام شهادات الدبلوم.

كما يؤدي النهج المهني للمدربين دوراً حاسماً في إعداد المتدربين لمكان العمل. فالمدربون ذوو الخبرة الصناعية الكبيرة والمعرفة المتخصصة بعمليات الضيافة يتعاملون مع المتدربين بوصفهم مهنيين متمرسين في الصناعة يرون فيهم زملاء المستقبل لا بوصفهم معلمين تقليديين. وتساعد هذه المعاملة المهنية المتدربين على تنمية أخلاقيات عمل قوية وعقلية متوائمة مع توقعات أصحاب العمل. وأخيراً، تسهم بيئة التعلم الحيوية في المعهد في رضا المتدربين، إذ تخلق وفرة الأنشطة اللاصفية وفرص المشاركة والثقافة الداعمة تجربة تعليمية ديناميكية. ويغادر كثير من المتدربين المعهد لا بمؤهلات فحسب، بل بالثقة وبصلات في الصناعة وبجاهزية للنجاح في قطاع الضيافة والسياحة.

ومع أن هذا النموذج حقق نجاحاً في المملكة، فإنه لا يقبل النقل إلى كل مكان دون تكييف. فالسياق الثقافي وبنية سوق العمل وتصميم النظام التعليمي تتباين تبايناً كبيراً بين البلدان. ويظل المبدأ الأساسي القائم على التعاون الوثيق بين الحكومة والصناعة ومزودي التدريب سليماً، لكن التنفيذ يجب أن يُكيّف وفق الواقع المحلي.

إطار: الشراكة بين القطاعين العام والخاص في نيو ساوث ويلز لتنمية القوى العاملة في اقتصاد الزوار

يأتي مثال مشابه على كيفية تنفيذ قطاع السياحة لمبادرات شراكة لتنمية احتياجات المهارات الحالية والمستقبلية من ولاية نيو ساوث ويلز في أستراليا. فالشراكة قائمة بين مؤسسة التعليم التقني والتعليم الإضافي في الولاية وهيئة Destination NSW، بدعم من برنامج «اختر السياحة» في الولاية. ومع توقع أن يحتاج اقتصاد الزوار في الولاية إلى ما يصل إلى 150 ألف عامل إضافي خلال العقد المقبل، تهدف هذه الشراكة إلى تقديم برامج تدريبية مدعومة ومتوائمة مع الصناعة. وتتماشى هذه الجهود مع استراتيجية اقتصاد الزوار 2030، التي تشدد على جذب خريجي المدارس والباحثين عن عمل إلى السياحة لرفع القوى العاملة إلى 450 ألف عامل.

وتقدم المبادرة حزمة من موارد التدريب الموجهة، منها مهارة مصغرة بعنوان «مقدمة في اقتصاد الزوار» توفر معرفة أساسية ورؤى مهنية عبر دورة قصيرة على الإنترنت، متاحة مجاناً للجمهور ومدعومة بالكامل لطلبة المدارس الثانوية في الولاية. فضلاً عن ذلك، تهدف خمس دروس رئيسية مصورة تقودها الصناعة، وشهادة ثالثة محدّثة في السياحة، إلى تقديم تدريب وثيق الصلة ومرن وعالي الجودة. وتُطور جميع المواد بالتعاون مع شركاء من الصناعة كدار أوبرا سيدني وMerlin Entertainments وScenic World، بما يضمن مواءمتها مع احتياجات القطاع الحالية.

ويُتوقع أن تبني الشراكة رافداً من العمال المهرة لاقتصاد الزوار المتنامي في الولاية، البالغة قيمته 52.9 مليار دولار سنوياً، إلى جانب دعم الأعمال الإقليمية وتعزيز المهن السياحية بوصفها مسارات مجدية ومجزية. كما تستشرف المبادرة احتياجات المهارات بإعداد قوى عاملة لدعم مطار غرب سيدني المنشأ حديثاً.

الكلية التقنية الدولية للطيران بالرياض

مقدمة

تشهد صناعة الطيران في المملكة نمواً سريعاً مدفوعاً بتوسع الأساطيل وتزايد الطلب على السفر الجوي. ووفقاً للهيئة العامة للطيران المدني، تحتاج المملكة إلى دخول نحو 1800 فني طيران إلى سوق العمل سنوياً لتلبية احتياجات الصناعة وتجنب النقص. ويتضاعف هذا الطلب مع اقتناء طائرات مدنية جديدة، مما يؤكد إلحاح تنمية قوى عاملة محلية ماهرة. ونقص كوادر صيانة الطائرات المؤهلة ليس حكراً على المملكة؛ فقد كشفت المشاورات مع طيران الإمارات أن قطاع الطيران العالمي يجد صعوبة في مواكبة الحاجة إلى فنيي الصيانة. فطيران الإمارات وحدها تحتاج إلى نحو 150 فنياً شهرياً على مدى 24 شهراً، لكنها لا تستطيع استقطاب سوى 20 إلى 25 فنياً شهرياً رغم تقديمها رواتب شديدة التنافسية. ويعزز هذا السياق العالمي أهمية المبادرات الوطنية لبناء القدرات المحلية.

وفي عام 2013، أطلقت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني مبادرة استراتيجية لإرساء نموذج جديد للتعليم التقني. وأفضت هذه المبادرة إلى تأسيس كليات التميز، وهي شركة مملوكة للحكومة أُنشئت للتعاقد مع مزودي تدريب دوليين لتشغيل الكليات التقنية الدولية المنشأة حديثاً. ووفرت هذه المقاربة مرونة أكبر في التعاقد، وضمنت إمكانية رصد جودة البرامج التدريبية وصلتها بالواقع عن كثب وتكييفها بمرور الوقت. وقد أُنشئت في البداية 30 كلية تقنية دولية في أنحاء المملكة، غير أن النموذج أُعيد تقييمه بعد خمس سنوات، فأُلغيت تدريجياً الكليات ضعيفة الالتحاق في البلدات الأصغر للتركيز على تعزيز المؤسسات المتبقية وشبكة الكليات التقنية الأوسع. وفي خطوة مهمة، نقل أمر ملكي الملكية الكاملة لكليات التميز إلى الحكومة، وصنفها جهة استراتيجية للارتقاء بقطاع التعليم والتدريب التقني والمهني ومواءمته مع أهداف التنمية الوطنية.

وتُعد الكلية التقنية الدولية للطيران، إحدى هذه الكليات، نموذجاً مثالياً لهذا التحول الاستراتيجي. فهي تعمل وفق هذا النموذج الجديد، وتؤدي دوراً حاسماً في تزويد الشباب السعودي بالمهارات المطلوبة في هندسة الطيران وصيانته. وبتقديمها مساري تدريب مدني وعسكري، تدعم الكلية مباشرة أهداف رؤية 2030 بتنمية الخبرات المحلية وتقليل الاعتماد على العمالة التقنية الأجنبية.

الحوكمة والشراكات الاستراتيجية

أُنشئت الكلية شراكةً استراتيجية بين مجموعة شمال للاستثمار وAviation Australia، وهي منظمة أسترالية للتدريب في مجال الطيران، بهدف تلبية الطلب الوطني المتزايد على مهنيي صيانة الطيران. وبوصفها مؤسسة مملوكة للحكومة يشغلها مزود تدريب دولي، تجمع الكلية بين الخبرة العالمية والتوجيه الاستراتيجي المحلي.

وتغطي الحكومة جميع الرسوم الدراسية بالكامل عبر المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. فضلاً عن ذلك، يتلقى الطلبة مكافأة شهرية قدرها 1000 ريال، وكثيراً ما تقدم الجهات الراعية دعماً مالياً إضافياً لجذب المرشحين المتميزين وتحفيزهم. ويحفز هذا النموذج القائم على الرعاية أداء الطلبة وانخراط الصناعة معاً.

وتعمل الكلية وفق هيكل حوكمة متعدد الأطراف صُمم لضمان الصلة بالواقع والمساءلة والتميز. ومن الأمثلة البارزة على هذا التعاون الاتفاقية الاستراتيجية مع القوات الجوية الملكية السعودية، التي تُلزم الكلية بتخريج نحو 1100 خريج سنوياً لدعم عمليات الطيران العسكري. وتعكس هذه الاتفاقية الممتدة عشر سنوات مستوى الثقة والاعتماد على الكلية في إمداد الوظائف الوطنية الحيوية بالكوادر الماهرة.

ويُرصد أداء الكلية عن كثب عبر مؤشرات أداء رئيسية تفرضها الحكومة، منها معدلات توظيف الخريجين. وقد احتفلت الكلية بتخريج 1291 خريجاً في العام الأكاديمي 2024 و2025، حصل 85% منهم بالفعل على وظائف في قطاعي الطيران المدني والعسكري في أنحاء المملكة، مما يدل على مواءمة قوية بين نتائج التدريب واحتياجات سوق العمل. وفي إطار استراتيجيتها للنمو، بدأت الكلية فتح برامجها للطلبة الدوليين، متموضعة مركزاً إقليمياً لتعليم الطيران. كما تشارك في مبادرات تبادل الطلبة التي تدعمها المؤسسة، مستفيدة من شبكة مزود التدريب العالمية لتوسيع فرص التعلم والتبادل الثقافي.

ومع أن الكلية لا تندرج تحت المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية، ومن ثم لا تُصنف معهد شراكة استراتيجية، فإن التعاون الاستراتيجي مع الصناعة حجر الزاوية في نجاحها. فخلافاً للكليات العاملة وفق نموذج الشراكة الاستراتيجية، ليست الكلية مرتبطة بالتوظيف حصراً. غير أنها نسجت على مر السنين صلات قوية بالصناعة أفضت إلى رعاية عدة دفعات مرتبطة بأصحاب عمل، أبرزها الاتفاقية متعددة السنوات مع القوات الجوية الملكية السعودية، التي لا تزال من أكبر الجهات الموظفة لطلبة الكلية.

ويضمن التواصل المنتظم مع الشركات الراعية بقاء التدريب متوائماً مع معايير الصناعة وتوقعاتها المتطورة. وتضم الكلية إدارة مخصصة للتواصل مع أصحاب العمل، مسؤولة عن بناء العلاقات مع الجهات الحكومية والعسكرية والخاصة واستدامتها. وقد كانت هذه الشراكات جزءاً لا يتجزأ من تطور الكلية وسمعتها مؤسسةً رائدة في منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني السعودية.

ونموذج الحوكمة الداعم للكلية متين وتعاوني. فالأرض مقدمة من الهيئة العامة للطيران المدني، والبنية التحتية شيدتها المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، والرسوم الدراسية والمكافآت تمولها المؤسسة، والطائرات المستخدمة في التدريب تبرعت بها القوات الجوية الملكية السعودية، وتأتي إسهامات إضافية بالمعدات من شركاء القطاع الخاص، ومزود التدريب مؤسسة أسترالية معترف بها دولياً.

ويؤدي مجلس استشاري، يضم أطرافاً رئيسية من الصناعة كالهيئة العامة للطيران المدني وطيران الرياض وطيران ناس، دوراً حاسماً في تشكيل التوجه الاستراتيجي للكلية. إذ يوجه أعضاء المجلس الاستشاري تطوير البرامج بنشاط ويضمنون مواءمتها مع الصناعة، بما يؤكد التزامهم بالمؤسسة وبإسهامها في قطاع الطيران الوطني. ويحظى كل جهة راعية أيضاً بدعم مكاتب اتصال مخصصة داخل الكلية، تتيح التفاعل اليومي والإشراف والتنسيق بشأن تطور الطلبة وجودة التدريب. وتضمن هذه المقاربة المدمجة بقاء الشركاء منخرطين عن كثب في صناعة نجاح الطلبة.

وتُضفى الصفة الرسمية على عملية الرعاية ذاتها عبر مذكرات تفاهم تحدد مزايا الطلبة والتزامات الشراكة. وتتنوع نماذج الرعاية: فبعض الجهات تشارك في مرحلة الاستقطاب، فتختار الطلبة مباشرة من بين المتقدمين؛ وأخرى تختار من بين الطلبة الحاليين بناءً على مقاييس الأداء والتقييمات المؤسسية؛ ويقدم كثير من الرعاة عقود توظيف كاملة خلال التدريب، تتيح للطلبة الحصول على التأمينات الاجتماعية والرعاية الصحية والمكافآت الإضافية وغيرها من مزايا الموظفين، بما يدعم السعودة ويحسن النتائج بعد التدريب.

وقد شهدت الكلية نمواً هائلاً في الطلبات، إذ تتلقى ما بين 60 و70 ألف طلب كل فصل دراسي مقابل نحو 900 إلى 1000 مقعد متاح. والقبول تنافسي، إذ يخضع المتقدمون لاختبارات القدرات واللغة الإنجليزية. ويُختار الطلبة بناءً على الجدارة والملاءمة، وكثيراً ما تخضع الموافقة النهائية لمعايير خاصة بالجهة الراعية، منها الفحوص البدنية والطبية. وحالياً، يحظى نحو 80% من الطلبة بالرعاية. ومع مضي المملكة في استراتيجيتها لتخصيص أجزاء من قطاع التدريب، تستعد الكلية لمرحلة جديدة من التطور. ومع أن التخصيص يهدف إلى تعزيز كفاءة التكلفة والجودة، سيستمر التمويل الحكومي للطلبة.

هيكل البرامج

تقدم الكلية نموذج تدريب مزدوجاً مصمماً لتلبية احتياجات الطيران المدني والعسكري معاً. والبرامج معتمدة بالكامل، ويحظى الخريجون بفرصة مواصلة التعليم العالي عبر الاعتراف بالتعلم السابق وترتيبات معادلة الساعات المعتمدة، محلياً ودولياً. ويبدأ جميع الطلبة بسنة تأسيسية تركز على بناء الكفايات الأساسية، تشمل تعليم اللغة الإنجليزية بهدف بلوغ حد أدنى من الإتقان، إلى جانب وحدات في اللغة الإنجليزية التقنية والدراسات الإسلامية ومهارات تقنية المعلومات ومصطلحات الطيران. ويتاح مسار سريع للطلبة المتفوقين في اختبارات تحديد المستوى. ويُشترط إتمام السنة التأسيسية بنجاح، بما في ذلك مستوى الإتقان المطلوب في اللغة الإنجليزية واجتياز تقييم الدراسات الإسلامية، قبل انتقال الطلبة إلى البرامج المهنية المتخصصة. وبسبب تزايد الطلب، نُقلت الدراسة في السنة التأسيسية إلى حرم مستقل لاستيعاب الالتحاق المتنامي، الذي يبلغ حالياً نحو 4500 طالب.

وتقدم الكلية سبعة برامج متخصصة، أحدها معتمد مباشرة من الهيئة العامة للطيران المدني. ويحق لخريجي هذا البرنامج التقدم لاختبار الترخيص الرسمي للفنيين لدى الهيئة فور إتمامه، خلافاً للخريجين الآخرين الذين يتعين عليهم عادةً إكمال خمس سنوات من الخبرة العملية قبل التأهل للاختبار. والبرنامج المتوائم مع متطلبات الهيئة شديد التنافس ويحافظ على معايير أكاديمية صارمة، إذ يشترط حصول الطلبة على 70% على الأقل في كل وحدة، مقارنة بـ 60% في البرامج الأخرى. وتشمل برامج الدبلوم الأخرى إلكترونيات الطيران، وميكانيكا الطائرات، وصيانة الطائرات المسيّرة التي استُحدثت عام 2017، وأنظمة ربط البيانات للاتصالات. ونحو 75% من الطلبة الملتحقين ترعاهم جهات عسكرية، كثيراً ما توجه المتدربين إلى مسارات لا تتطلب ترخيص الهيئة، لأن سياقات عملهم لا تستلزمه.

ويستند الإطار الأكاديمي للكلية إلى منهج مهني أسترالي، مع النظر في مراجعات مستقبلية تدمج تحديثات مستمدة من التعاون مع الصناعة. فعلى سبيل المثال، أفضى التعاون مع الخطوط الجوية السعودية إلى خطط لمبادرات تدريب مشتركة في الكلية، منها برامج لموظفي الخطوط. ويُتوقع أن تسهم هذه الشراكات في التطوير المستمر للمناهج ومواءمة البرامج.

وبالتوازي مع ذلك، تولي الكلية أهمية كبيرة للإعداد المهني. إذ يتلقى الطلبة تدريباً شاملاً على مهارات البحث عن عمل، منها كتابة السيرة الذاتية والاستعداد للمقابلات وتوقعات أصحاب العمل. وهذا الدعم حاسم، لأن الخريجين يتعين عليهم المنافسة في سوق العمل. وتقدم الكلية توجيهاً مستمراً لمساعدة الطلبة على اجتياز هذه المرحلة الانتقالية بنجاح. ويُقدم التدريس على فترتين لتوسيع الوصول: فترة من الصباح إلى الظهيرة، وأخرى من الظهيرة إلى المساء. ويعمل جميع المدربين بدوام كامل، ولدى كثير منهم خبرة صناعية تزيد على عقدين. وتثري هذه المعرفة العملية العميقة بيئة التدريب، ولا سيما في مجالات كتحري الأعطال المتقدم، حيث كثيراً ما تتجاوز الرؤى المستمدة من الواقع محتوى الكتب الدراسية. ويُشجَّع الطلبة على الاستكشاف فيما يتجاوز المنهج، ويؤدي المدربون المتمرسون دوراً حيوياً في دعم التعلم الأعمق.

وتنتظم الكلية في قسمين يتوافقان مع طبيعة العمل المستقبلي للطلبة. فأحدهما مخصص للطلبة العسكريين، ويعمل الآخر وفق معايير الهيئة العامة للطيران المدني، معداً الطلبة لأدوار في قطاعي الطيران المدني والخاص. وتتطلب البرامج الخاضعة لمعايير الهيئة أن يتولى التدريس فيها مهنيون مرخصون، بما يضمن الامتثال لمتطلبات الصناعة ويزيد قابلية التوظيف. وقد اجتذبت سمعة الكلية أصحاب عمل رائدين كشركة بوينغ، التي تستقطب بنشاط من طلبتها. كما توجد شراكات استقطاب قوية مع كبرى شركات الطيران الوطنية، ومنها الخطوط الجوية السعودية وطيران ناس، التي كثيراً ما تحدد مرشحيها قبل التخرج، وقد تبدأ إجراءات التوظيف والطلبة لا يزالون يكملون دراستهم. ويتحفز كثير من الطلبة للالتحاق بقطاع الطيران الخاص، حيث يمكنهم إظهار مهاراتهم العملية وتطويرها في بيئات تشغيلية ديناميكية.

ومع أن الكلية تركز أساساً على التدريب على مستوى الدبلوم، فقد انتقل خريجون بنجاح إلى مؤسسات دولية، منها مؤسسات تقدم درجات البكالوريوس في علوم الطيران. غير أن الكلية تحافظ على تركيز قوي على المهارات التقنية، استجابةً لآراء الصناعة التي تبرز حاجة ملحة إلى الممارسين لا إلى خريجين موجهين نحو الإدارة. فأصحاب العمل يقدمون الخبرة العملية والكفاءة التشغيلية على المؤهلات الأكاديمية وحدها، وهي فلسفة تقوم عليها مقاربة الكلية في التدريب والتطوير.

الدروس والخلاصات والتحديات

تقدم الكلية مثالاً على كيفية قدرة الشراكات المتماسكة والتدريب المتخصص والمواءمة مع الواقع على بناء نموذج عالي الأثر لتنمية المهارات. وتبرز من تجربتها عدة دروس وعوامل نجاح رئيسية، إلى جانب بعض التحديات المهمة الجديرة بالاعتبار.

ففي صميم نجاح الكلية تعاون سلس بين أطراف معنية متنوعة، منها المؤسسات العسكرية وسلطات الطيران المدني والجهات التنظيمية وأصحاب العمل في القطاع الخاص. ويضمن هذا التعاون بقاء التدريب وثيق الصلة ومستجيباً وصارماً، كما يضمن الامتثال التنظيمي ويتيح مسارات مباشرة إلى الترخيص للطلبة المؤهلين. ويسهم أصحاب العمل أيضاً بنشاط بالمعدات والتغذية الراجعة وفرص التوظيف. وقد كان لمكتب الاتصال داخل الحرم دور أساسي في استدامة هذه العلاقة والحفاظ على جودة التدريب.

ويميز التركيز المتخصص للكلية عن الكليات التقنية الأعم. فمواردها التدريبية التي لا نظير لها، ومنها إتاحة 19 طرازاً من الطائرات، تؤكد عمق التعرض العملي الذي يحظى به الطلبة، وهو أمر نادراً ما يُرى حتى في مؤسسات ذائعة الصيت دولياً.

ومن الدروس الأخرى أهمية جودة المدربين والجاهزية للواقع العملي. إذ تؤكد آراء الطلبة باستمرار الدور المحوري للمدربين، ولدى كثير منهم خبرة صناعية تتجاوز 40 عاماً. ويمتد إرشادهم إلى ما يتجاوز المنهج، فيعدون الطلبة ذهنياً وبدنياً ومهنياً للعمل عالي الأداء في الطيران. ولا يُدرب الطلبة على الكفايات التقنية فحسب، بل على مهارات الجاهزية للعمل أيضاً، ككتابة السيرة الذاتية وأساليب المقابلات وتوقعات أصحاب العمل. فضلاً عن ذلك، ومع أن المنهج الرسمي يوفر أساساً متيناً، كثيراً ما يكمله المدربون برؤى مستمدة من الواقع، ولا سيما في مجالات كتحري الأعطال.

ومن السمات البارزة لنموذج الكلية الانتقال الواضح والمدعوم من التدريب إلى التوظيف. إذ يُدعم الطلبة بعد التخرج، ولا سيما في الاستعداد للشهادات اللاحقة للدبلوم الضرورية للتقدم المهني. كما تربط فرص التدريب الخارجي على رأس العمل الطلبة مباشرة بأصحاب العمل المحتملين، إذ يلاحظ ممثلو الصناعة أداء الطلبة مباشرة، وكثيراً ما يبدؤون التوظيف قبل التخرج. ويعبر الطلبة عن ثقة قوية في جاهزيتهم للعمل، ويفيد كثيرون منهم بتلقي عروض عمل فور التخرج، بينما يطمئن آخرون إلى فرص تأتي بعد ذلك بوقت قصير.

إطار: النهوض بالمرأة في منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني السعودية

تؤدي منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني السعودية، المتجذرة في رؤية 2030، دوراً حاسماً في تكييف برامجها وعروضها لتشمل الطالبات، ولا سيما العروض الموجهة لتنمية القوى العاملة في القطاعات المتوقع أن يأتي منها النمو الاقتصادي المستقبلي مع تحول الاقتصاد عن قطاعي النفط والغاز. وقد حققت المنظومة تقدماً كبيراً في إشراك الطالبات في تنمية القوى العاملة والمهارات في معاهد المؤسسة وكلياتها. وتُظهر بيانات الالتحاق الحديثة أن مشاركة المرأة في دراسات هذا التعليم تضاعفت بأكثر من مرتين خلال السنوات القليلة الماضية. وقد أدرجت الاستراتيجية الشاملة للمؤسسة التنوع بين الجنسين والنهوض بفرص الرجال والنساء ضمن أهدافها الاستراتيجية الرئيسية، وأُنشئت عدة مؤسسات مخصصة لتعليم المرأة التقني والمهني.

كما وسعت المؤسسة عروضها للنساء في كليات كانت مقتصرة على الرجال في المجالات الاستراتيجية للنمو الاقتصادي المستقبلي، كالسياحة والضيافة والطيران والوظائف الخضراء كالطاقة المتجددة، وتقنية المعلومات والاتصالات، والأمن السيبراني. والكلية التقنية الدولية للطيران من الكليات التي كانت مقتصرة على الرجال ثم فتحت أبوابها لأول دفعة نسائية.

ففي أواخر عام 2023، أعلنت الكلية إطلاق دفعة تدريبية نسائية بالشراكة مع طيران الرياض، في خطوة رائدة للنهوض بإدماج المرأة في وظائف الطيران التقنية. وتتلقى الطالبات دعماً شاملاً يشمل السكن والنقل ومكافأة معيشية وتوظيفاً مضموناً لدى طيران الرياض بعد التخرج. وخلال إعداد هذا التقرير، التقى فريق البحث بأعضاء هذه الدفعة، فروت كثير من الطالبات رحلات شخصية تحويلية، منها الانتقال من مجالات لا صلة لها بالطيران، والشعور بفخر الأسرة ودعمها، والإحساس بالاندماج الكامل في مجتمع الطيران.

وتقول إحدى طالبات دفعة طيران الرياض في الكلية: «طيران الرياض أشبه بالعائلة. فهم يزوروننا بانتظام، ويستضيفوننا في فعالياتهم المؤسسية، ويدعوننا بانتظام إلى مقرهم الرئيسي. بل إن بعض موظفيهم يتواصلون معنا عبر لينكدإن، حيث نظهر جزءاً من الشركة. ليس الأمر أنهم وضعونا هنا فحسب، بل نشعر حقاً بأننا جزء من الشركة».

وتقول طالبة أخرى من الدفعة ذاتها: «منذ لحظة تقديمي شعرت بالفخر؛ فحتى لو رُفضت، كانت خوض التجربة بحد ذاته أمراً مثيراً. وكان التدريب العملي ممتعاً فعلاً. وأنا ممتنة لأنني كنت جزءاً منه ورأيت الطائرات وحظيرتها عن قرب».

وقد لفت حضور الطالبات انتباه أصحاب عمل آخرين في قطاع الطيران، يسعى كثير منهم بنشاط إلى استقطاب الخريجات. ويعكس ذلك طلب السوق والمواءمة مع الاستراتيجية الوطنية الأوسع للطيران في تنويع القوى العاملة معاً. ومع أن نموذج البرنامج متين، تظل بعض التحديات قائمة. فبعض الطلبة يلتحقون بالبرنامج بمعرفة محدودة بالطيران، مما يثير قلقاً أولياً، ولا سيما إزاء التقييمات العملية. غير أن الاختبارات التجريبية الإضافية، والممارسة الموجهة، ودعم المدربين تساعد على بناء ثقة الطلبة وقدراتهم. ويجسد نموذج الكلية الأثر التحويلي لتنمية المهارات المنسقة المدفوعة بالطلب، المتجذرة في الانخراط العميق مع الصناعة والتدريب المتخصص. ولا ينبع نجاحها من مرافقها ومنهجها فحسب، بل من مواءمتها مع احتياجات أصحاب العمل، وتركيزها على خبرة المدربين، والتزامها بتنمية شاملة للكفاءات. ويقدم نموذج الكلية دروساً قيّمة للبلدان أو القطاعات الأخرى الساعية إلى تكرار مسارات تدريب تقني عالية الجودة تربط التعليم بالتوظيف.

إطار: مراكز الحرفية المبتكرة ومراكز التميز في هولندا

من أمثلة الشراكات المبتكرة في هولندا مراكز الحرفية المبتكرة ومراكز التميز. فقد أفضى تغيير في السياسة الصناعية إلى نشوء أكثر من 160 شراكة بين القطاعين العام والخاص، شملت أكثر من 9800 شركة و5000 معلم و84 ألف طالب. وتضم هذه الشراكات مراكز للحرفية المبتكرة في المدارس التي تقدم التعليم والتدريب المهني في المرحلة الثانوية العليا، وكليات تميز في التعليم المهني العالي. وتهدف المراكز عبر الشراكات إلى تعزيز الابتكار في التعليم وفي سوق العمل معاً. وتدعمها منح حكومية وتمولها رؤوس أموال خاصة بالاشتراك. ومن متطلبات إنشاء مركز إعداد خطة عمل تستوفي سلسلة من الشروط، منها: أن تبيّن طموحاً مشتركاً بين الشركاء لإنشاء بيئة تعلم جديدة؛ وأن تُقسم الميزانية مناصفة على الأقل بين الشركاء العامين والخاصين؛ وأن تكون الجوانب التشغيلية والمالية مسؤولية مشتركة بين الشركاء العامين والخاصين، على أن تبقى أمانة الشراكة لدى الشركاء العامين؛ وأن تواصل المراكز اتباع المتطلبات الرسمية المدعومة حكومياً لمراحل التعليم الخاصة بها؛ وأن تتضمن خطة العمل خطة للاستدامة المالية الطويلة الأجل، وأن يصبح كل مركز مستقلاً مالياً في غضون خمس سنوات.

ومن الأمثلة على ذلك مركز الحرفية المبتكرة للمياه، الذي يتبنى مقاربة التعلم مدى الحياة في تعليم الأفراد في مجال المياه. ويتعاون المركز مع عدة معاهد تعليمية كمعهد MBO لعلوم الحياة، ومع مؤسسات شبه حكومية كهيئة المياه Wetterskip Fryslân وشركة Vitens، لتطوير حملات توعية على مستوى المدارس، وبرامج تعليمية مصممة لطلبة التعليم والتدريب المهني، وبرامج للتعليم العالي. وتمتد مسارات التعلم في مجال المياه من سن العاشرة عبر التعليم الابتدائي والثانوي والمهني والعلوم التطبيقية ودرجات الماجستير والدكتوراه وتعليم الأعمال. وتُنقل المعرفة المستمدة من الشراكات مباشرة إلى مناهج التعليم المهني المتوسط، التي تخرّج بدورها أفراداً مهرة يدفعون القطاع إلى الأمام.

دراسة ذات صلة