الفصل الثاني: التعليم المهني وتنمية المهارات
لا يزال التعليم والتدريب التقني والمهني يواجه تصورات راسخة بأنه مسار بديل لا خيار أول مقارنة بالتعليم الأكاديمي. وقد قوضت هذه الوصمة تاريخياً جاذبيته والإقبال عليه، على الرغم من دوره الحاسم في معالجة نقص المهارات وتحسين قابلية التوظيف. واستجابةً لذلك، نفذت بلدان كثيرة استراتيجيات موجهة لتحسين صورته، منها حملات التوعية الوطنية، واستحداث مؤهلات عالية الجودة وثيقة الصلة بالصناعة، ومسابقات المهارات مثل مسابقة المهارات العالمية، ودمج الإرشاد المهني.
وتتباين التصورات عن منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني تبايناً كبيراً بين البلدان. ففي البلدان التي تتمتع فيها هذه المنظومة بدرجة عالية من المأسسة والمكانة، يُنظر إليها على نطاق واسع مساراً مجدياً نحو التوظيف المنتج. أما في بلدان أخرى، ولا سيما حيث تكون المنظومة أقل تطوراً واندماجاً في النظام التعليمي، فقد تكون التصورات أقل إيجابية. ويعرض الإطار التالي بعض النتائج الحديثة لمسح تنمية المهارات الذي أُجري في المملكة العربية السعودية، لتوضيح وجهات نظر أصحاب العمل في خريجي التعليم والتدريب التقني والمهني.
إطار: تصورات أصحاب العمل عن منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني
أُجري مسح الطلب على المهارات في المملكة العربية السعودية بين عامي 2024 و2025 بالتعاون بين وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والبنك الدولي وشركة NielsenIQ. وشمل المسح 3150 مقابلة مباشرة مع عينة ممثلة وطنياً من أصحاب العمل في القطاع الخاص، بما يضمن تغطية جغرافية وقطاعية واسعة. ونفذته الوزارة وشركة NielsenIQ بتوجيه فني من البنك الدولي، لتقييم أكثر المهارات طلباً في القطاع الخاص في ضوء الإصلاحات التحويلية الأخيرة في سوق العمل بالمملكة.
وفي المملكة العربية السعودية، يحمل أصحاب العمل عموماً تصورات إيجابية جداً عن خريجي التعليم والتدريب التقني والمهني. فما لا يقل عن 70% منهم يوافقون على أن برامج هذا التعليم تزود الخريجين بمهارات ومعارف وخبرات وأخلاقيات عمل كافية، وأنه يلبي احتياجات أعمالهم إجمالاً. وتراوحت نسب الموافقة بين 70% و80% عبر الأبعاد المختلفة، التي شملت اتجاهات العمل الملائمة، والمهارات التقنية المتقدمة والأساسية، والمهارات المهمة، والمعرفة المواكبة للمستجدات، والخبرة العملية. ويبدي أصحاب العمل الذين لديهم تجربة توظيف حديثة لهؤلاء الخريجين تقييماً أكثر إيجابية في جميع الأبعاد باستثناء اتجاهات العمل. ويشير الفرق بين التجربة المباشرة والتصور العام إلى أن نتائج التعليم والتدريب التقني والمهني كثيراً ما تتجاوز سمعته. وتمنح فجوة التصور هذه مقدمي التدريب فرصة لعرض نقاط قوتهم على نحو أكثر إقناعاً لأصحاب العمل والطلبة المحتملين على السواء.
وتشير دراسات سابقة في المملكة العربية السعودية إلى أن ترويج رؤية 2030 للتعليم والتدريب المهني مساراً تعليمياً مجدياً ربما حسّن التصورات عنه، لكن اتجاهات الطلبة نحو منظومته لا تزال تتأثر بعوامل كالجنس ودخل الأسرة والمستوى التعليمي للوالدين. وتختلف تصورات طلبة التعليم والتدريب التقني والمهني وخريجي الجامعات عن قابليتهم للتوظيف، إذ تُظهر بعض الدراسات أن طلبة هذا التعليم أكثر ثقة في جاهزيتهم للعمل. ويؤكد هذا التصورَ أن طلبته أكثر احتمالاً للحصول على وظائف في غضون ستة أشهر من التخرج.
وقد زادت حركة عالمية نحو تنمية المهارات في السنوات الأخيرة من إلحاح تعزيز التعليم والتدريب المهني. ويتجلى ذلك في استراتيجية المهارات لمجموعة العشرين، التي صاغتها الاقتصادات الكبرى في العالم لتوجيه تطوير منظومات مهارات شاملة وقابلة للتكيف ومدفوعة بالطلب. وإلى جانب هذا العمل، ترسم أجندة المهارات الأوروبية خطة خمسية لدعم الأفراد والشركات عبر تعزيز التعلم مدى الحياة، وسد فجوات المهارات، وتعزيز المهارات الرقمية والخضراء، وتحسين المواءمة بين عرض المهارات واحتياجات سوق العمل. وتتضمن الأجندة إجراءات رائدة كميثاق المهارات، ومبادرة المهارات من أجل الوظائف، ودعم تحديث التعليم والتدريب المهني. كما تركز منظمات دولية كالبنك الدولي واليونسكو صراحة على تحسين المهارات، ولا سيما عبر تعزيز منظومات التعليم والتدريب التقني والمهني. ومن الأدلة على أثر التعليم والتدريب المهني، ولا سيما في المرحلة الثانوية، زيادة التوظيف في جميع بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، غير أن 45% فقط من طلبته ملتحقون ببرامج تتضمن عناصر مهمة من التعلم القائم على العمل، وهي عناصر تتطلب شراكات بين القطاعين العام والخاص.
