الفصل الثالث: الشراكات بين القطاعين العام والخاص في التعليم والتدريب التقني والمهني
في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومع ارتفاع المستوى التعليمي، لم يُترجم ذلك دائماً إلى مكاسب ذات معنى في الدخل عبر الأجيال. بل إن العوائد الخاصة للتعليم في سوق العمل من بين الأدنى في العالم، ولا سيما للشباب والنساء. ومن الأسباب الرئيسية لهذه الفجوة عدم المواءمة بين النظام التعليمي واحتياجات سوق العمل، مما يفضي إلى عدم تطابق واسع في المهارات والتعليم، وإلى البطالة والعمالة الناقصة. فعلى الرغم من حصول كثير من الخريجين على شهادات، يجدون صعوبة في الحصول على وظائف تناسب مؤهلاتهم، ولا تزال المنطقة تواجه تحدي بطالة الشباب. وإذا ما استُثمرت منظومات التعليم والتدريب التقني والمهني في أنحاء المنطقة عن قصد، فيمكن أن تؤدي دوراً مهماً في المواءمة بين عرض المهارات والطلب عليها، وفي تحفيز النمو الاقتصادي.
وفي المملكة العربية السعودية، ترسم رؤية 2030 أجندة جريئة للتنويع الاقتصادي، مع تركيز قوي على تمكين القطاع الخاص والاستثمار في رأس المال البشري. وفي صميم هذه الأجندة معالجة عدم التطابق بين احتياجات سوق العمل ومهارات القوى العاملة، ولا سيما عبر توسيع منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني وتحسينها. ومع التقدم المحرز في رفع المهارات وإصلاح هذا التعليم، لا تزال التحديات قائمة، ومنها تدني مشاركة المواطنين في القطاع الخاص، وارتفاع البطالة، واتساع فجوات المهارات، ونظام تعليمي يفتقر في الغالب إلى الصلة بسوق العمل، ولا سيما للفئات الأكثر هشاشة كالشباب والنساء.
وعلى المستوى العالمي، برزت الشراكات بين القطاعين العام والخاص آليةً قوية لتعزيز صلة منظومات التعليم والتدريب التقني والمهني بالواقع وجودتها ومكانتها. ويمكن لهذه الشراكات أن تحل مشكلات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومشكلات مماثلة في مناطق أخرى. فالشراكات المحكمة البناء تتيح مواءمة أوثق بين تقديم التدريب واحتياجات سوق العمل. والشراكات في التعليم آخذة في الاتساع، مع إدراك الحكومات للقيمة التي تضيفها إلى جودة التعليم المقدم وكميته. ففي معظم البلدان، وفي جميع المراحل التعليمية، تشيع تحديات مثل مواكبة متطلبات البنية التحتية والصيانة في المدارس، وترغيب الطلبة في الالتحاق بمقررات أو برامج معينة، ونقص القدرة على الإدارة أو التدريس في المؤسسات التعليمية، أو النقص العام في التمويل اللازم لدعم النظم التعليمية المتنامية. ولمعالجة هذه التحديات، والمبادرة إلى تجنبها، تلجأ حكومات كثيرة إلى إقامة الشراكات بين القطاعين. ومن خلال إدماج أصحاب العمل مباشرة في تصميم التدريب وتقديمه، تقدم هذه النماذج مقاربة مدفوعة بالطلب، أي مساراً تعليمياً مجدياً وأقصر وأكثر استهدافاً، يعلّم مهارات متوائمة مباشرة مع احتياجات سوق العمل. فضلاً عن ذلك، يمكن للارتباط بأصحاب عمل ذوي سمعة مرموقة، كما تبيّن تجارب الطلبة التي يرصدها هذا التقرير، أن يعيد صياغة السردية الاجتماعية المرتبطة بالتعليم والتدريب التقني والمهني، ويستبدل بها سردية فخر بالانتماء إلى هؤلاء أصحاب العمل. كما أن ضمان التوظيف أو التوظيف المبكر عبر هذه الشراكات يغرس ثقة أكبر في المنظومة، ويدل على أن هذا التعليم مسار جاد للحراك الصاعد للشباب والفئات الأقل تمثيلاً.
وثمة أنواع عدة من الشراكات بين القطاعين في التعليم، تتفاوت جميعها في درجة مشاركة القطاع الخاص. ففي الدنمارك وألمانيا، تعتمد نماذج التعليم المزدوج على الشراكات مع القطاع الخاص لتيسير التلمذة المهنية، وقد جرت محاولات لتكرار نموذج التلمذة المهنية الألماني في بلدان عدة. وفي فنلندا، تقدم الحكومة دعماً مالياً للشركات لشراء خدمات التدريب دعماً لجهود رفع المهارات وإعادة التأهيل، وفي أيرلندا يدعم القطاع العام إنشاء شبكات تدريب تتيح تبادل الموارد والمعلومات لرفع مهارات الموظفين بسرعة، ولا سيما في المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. وتتدرج الأنواع الشائعة لهذه الشراكات في التعليم من مشاركة محدودة للقطاع الخاص في صورة تقديم التمويل، إلى مشاركة كاملة منه في صورة إدارة المؤسسات نيابة عن القطاع العام. ومن أبرزها: إعانات المدارس، التي تمول جزءاً من تكاليف المدارس، كالإعانات لكل طالب، أو المنح الإجمالية لدعم رواتب المعلمين، أو النفقات التشغيلية، وتتميز عن أشكال الشراكات التمويلية الأخرى بأن الشريك الممول لا يكاد يملك أي إشراف تشغيلي؛ وبرامج تبني المؤسسات، التي يدعم فيها شركاء القطاع الخاص التمويل الحكومي للمؤسسات بهدف تحسين الجودة والوصول والبنية التحتية والمشاركة المجتمعية، وتحدد الاتفاقيات التعاقدية مشاركة الشركاء الخاصين فيما يتجاوز التمويل؛ والعمل الخيري للقطاع الخاص، الذي تدعم فيه جهات خاصة تمويل المدارس، ولا سيما لمساعدة الفقراء على الوصول إلى تعليم جيد، وجوهره التمويل المشترك الذي يتحمل فيه كل من الجهة الخاصة والنظام المدرسي تكاليف معينة؛ وبرامج بناء القدرات، التي يدعم فيها شركاء القطاع الخاص بناء القدرات في المؤسسات العامة في مجالات عدة، منها تطوير المناهج وطرق التدريس، والتدريب الإداري، وتوفير الكتب المدرسية، وتدريب المعلمين، وضمان الجودة؛ والتعاقد من الباطن على إدارة المؤسسات، حيث تكون المؤسسات مدارة من القطاع الخاص لكنها مملوكة وممولة حكومياً، وكثيراً ما يوجد عقد إدارة يحدد تفاصيل الشراكة كأهداف الأداء والمساءلة والجداول الزمنية وإجراءات التحكيم، وتكون القرارات الإدارية في هذا الشكل لامركزية وتشمل طيفاً أوسع من الأطراف المعنية؛ وبرامج الشراء الحكومي، المعروفة أيضاً بنظم القسائم، حيث تتعاقد الحكومة مع مؤسسات خاصة لتقديم التعليم على نفقة الدولة، غالباً في صورة إعانة لكل طالب ملتحق بمؤسسة خاصة معتمدة أو مؤهلة، مما يتيح حرية أكبر في اختيار المدرسة؛ وتحفيز التعليم والتدريب المهني، أي التمويل الحكومي الموجه للطلبة لتمكينهم من الالتحاق بالمؤسسات التعليمية، ويمكن أن تتخذ الحوافز صورة قسائم أو منح دراسية أو قروض، مقترنة ببرامج الشراء الأخرى أو مستقلة عنها؛ وشراكات البنية التحتية المؤسسية، حيث تستأجر الحكومة منشأة مولها مشغل خاص وبناها ويشغلها، مع احتفاظها بمسؤولية تقديم التعليم.
ويمكن أيضاً توظيف الشراكات بين القطاعين استراتيجياً لدعم التطوير على مستويات مختلفة، كمستوى السياسات والمنظومة والبرامج والمشروعات. فعلى مستوى السياسات، يشمل ذلك الشراكة مع القطاع الخاص لتطوير السياسات التعليمية الرئيسية وتنفيذها. وفي التدخلات على مستوى المنظومة والبرامج، قد يشمل ذلك شراكات لتحديد الطلب القطاعي على المهارات، وتطوير معايير قائمة على المهارات أو الكفايات، والاستفادة من قنوات التمويل المبتكرة كمخططات رأس المال الجريء. أما على مستوى المشروعات، فتشمل الشراكات تقديم الخدمات القائمة على البنية التحتية، ودعم التدريب وتقديمه عبر التعلم في مكان العمل، والتقييم والاعتماد المشترك للمهارات، والإدارة المشتركة للمؤسسات، والاستفادة من سندات الأثر الاجتماعي.
ومع تزايد عدد الشراكات بين القطاعين في التعليم، فإن قيمتها أدنى بكثير منها في القطاعات الأخرى. ففي السياق الأوروبي عام 2023، جاء قطاع التعليم بعد قطاع النقل مباشرة من حيث عدد هذه الشراكات، غير أن قيمتها كانت صغيرة نسبياً مقارنة بالقطاعات الأخرى.
وفي السنوات الأخيرة، تحول الغرض من هذه الشراكات، ولا سيما في التعليم والتدريب التقني والمهني، من معالجة التحديات وتحسين الكفاءة إلى مقاربة قائمة على النتائج. ويعني ذلك أنها باتت تُعد عنصراً رئيسياً في المواءمة بين جانبي العرض والطلب على المهارات والكفايات في سوق العمل. ومن ثم تتيح هذه الشراكات للمؤسسات والأطراف المعنية ذات الأهداف المشتركة العمل معاً، وهو ما لم يكن ممكناً لولا اتفاقية الشراكة.
إطار: التلمذة المهنية، أكثر أشكال الشراكة بين القطاعين شيوعاً في التعليم والتدريب التقني والمهني
التلمذة المهنية فترات يدخل فيها الأفراد المتدربون والشركات في علاقة عمل. فتستفيد الشركات من عمالة بأجور أدنى، ويحظى المتدربون بفرصة تلقي تدريب خاص بالشركة أثناء عملهم للحصول على مؤهل. وتدعم الحكومات التلمذة المهنية عادةً بتقديم إعانات للمتدربين أو للشركة، في حين يكون العقد اتفاقاً خاصاً بين كل متدرب والشركة. وكثيراً ما تصمم الشركة محتوى التدريب أو تؤثر فيه تأثيراً كبيراً، بينما تضمن الحكومات جودته وصلته بالواقع. ويمكن أن تشمل برامج التلمذة المهنية التدريب الصفي والتدريب في مكان العمل معاً. ويحصل المتدربون في نهاية برنامجهم على شهادة أو مؤهل، ويكتسبون معارف ومهارات وكفايات عملية ونظرية. ويستفيد أصحاب العمل من انخفاض تكلفة العمالة خلال فترة التلمذة، وكثيراً ما يستوعبون المتدربين موظفين لديهم.
وينبغي أن يتوفر في برنامج التلمذة المهنية الجيد ما يلي: تدريب وثيق الصلة وصارم؛ وأنظمة ملائمة؛ وشركاء اجتماعيون في تصميم البرنامج واستمراره؛ وتقييم واعتماد رسميان إلزاميان؛ وكوادر مؤهلة أو مدربون خبراء؛ ومؤسسات داعمة كالهيئات القطاعية والجمعيات الصناعية والهيئات المهنية؛ ومقاربة موجهة تتمثل في نافذة واحدة تشمل المهارات الأساسية؛ وآليات تضمن اتساق ممارسات التدريب مع الاتفاق.
