القائمة الرئيسية

أجزاء الدراسة

تقرير الشراكات الفعالة بين القطاعين العام والخاص في إصلاح مهارات التعليم والتدريب التقني والمهني: دروس من المملكة العربية السعودية (6/4)

تقرير الشراكات الفعالة بين القطاعين العام والخاص في إصلاح مهارات التعليم والتدريب التقني والمهني: دروس من المملكة العربية السعودية (6/4)
ملخص الدراسة

يستعرض الفصل نموذج **المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية** في السعودية بوصفه آلية لتنسيق الشراكات بين المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والقطاعين العام والخاص بهدف إنشاء معاهد وأكاديميات غير ربحية تقدم تدريباً مرتبطاً مباشرة بالتوظيف واحتياجات القطاعات الاقتصادية. ويعتمد النموذج على تكامل أدوار المؤسسة في التنظيم والاعتماد وتوفير المقرات، وصندوق تنمية الموارد البشرية في تمويل الجزء الأكبر من التدريب والمكافآت، والشركاء من القطاع الخاص في تحديد المهارات والتخصصات المطلوبة وتوفير المعدات والمشاركة في التدريب والتوظيف، مع إشراف مجالس أمناء تضم ممثلين من القطاعين. ويتميز المركز باعتماد نهج قائم على احتياجات القطاعات لا الشركات الفردية، والاستناد إلى بيانات سوق العمل ودراسات الجدوى لتحديد المعاهد والبرامج الجديدة، إلى جانب منظومة صارمة للجودة والاعتماد ومؤشرات الأداء والمراجعة الدورية للشراكات. وقد توسع النموذج ليشمل عشرات الأكاديميات والمعاهد في قطاعات استراتيجية متعددة، مع التركيز على توفير فرص توظيف مستدامة وربط التمويل بنتائج التوظيف. ويخلص الفصل إلى مجموعة من الدروس، أبرزها أهمية اختيار مجالس الأمناء والشركاء بعناية، والمرونة في تعديل البرامج وفق تغير احتياجات السوق، والاعتماد الأكاديمي، وتنظيم استقطاب الطلبة والمتدربين، وإشراك أصحاب العمل بفاعلية، وضمان نتائج توظيف واضحة. كما يعرض تجربة مجلس التنمية الاقتصادية في سنغافورة مثالاً دولياً على دور جهة حكومية وسيطة في بناء شراكات مع القطاع الخاص وتوجيه التدريب وفق احتياجات الصناعة.

الفصل الرابع: تنسيق الشراكات بين القطاعين العام والخاص في قطاع التعليم والتدريب التقني والمهني في المملكة العربية السعودية: المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية

في المملكة العربية السعودية، يدير المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية العلاقة التعاونية بين المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والشركاء الاستراتيجيين من القطاعين العام والخاص. وتهدف هذه العلاقة إلى إنشاء أكاديميات أو معاهد غير ربحية وتفعيلها، تقدم برامج تدريبية مرتبطة بالتوظيف للشباب السعودي. وتُصمم هذه المعاهد لتلبية الاحتياجات المتخصصة لهؤلاء الشركاء من القوى العاملة في مجالات مختلفة. وقد بدأت عملية إنشاء المركز تحت مظلة المؤسسة بقرار من مجلس الوزراء عام 2008، قدم رؤية لاعتماد برامج تدريبية تصممها جهات دولية متخصصة وتقدمها وتعتمدها. كما تصور القرار بناء شراكات استراتيجية مع جهات التدريب لتشغيل وحدات ومعاهد تدريبية وتقديم برامج مشتركة مع القطاع الخاص. وتلت ذلك سلسلة من القرارات والمراسيم والاتفاقيات أفضت إلى إنشاء المركز ومجلس إدارته عام 2018. وفي المحصلة، أُنشئ المركز لتنفيذ قرار مجلس الوزراء بالموافقة على القواعد التنظيمية لإنشاء وحدات تدريبية غير ربحية في قطاع التدريب التقني والمهني. ويهدف المركز إلى بناء علاقة تكاملية بين المؤسسة وصندوق تنمية الموارد البشرية والشركاء الاستراتيجيين من القطاعين العام والخاص. ويرمي هذا التعاون إلى إنشاء وحدات تدريبية غير ربحية تقدم برامج تدريب منتهية بالتوظيف لتلبية احتياجات الشركاء من الكوادر المؤهلة في المجالات المتخصصة. وقد مُنحت المؤسسة صلاحية تطبيق سياساتها وإجراءاتها الخاصة ضمن هذا الإطار.

إطار: نشأة المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية ونموه

مر إنشاء المركز ونموه بمحطات متتابعة. ففي عام 2008، صدر قرار مجلس الوزراء رقم 158 بشأن الخطة العامة للتدريب في المؤسسة، التي تضمنت اعتماد برامج تدريبية تصممها جهات دولية متخصصة وتقدمها وتعتمدها، وبناء شراكات استراتيجية مع جهات تدريب داخلية وخارجية لتشغيل وحدات ومعاهد تدريبية وتقديم برامج تدريب مشتركة مع القطاع الخاص. وتلا ذلك الأمر الملكي رقم (أ/121) بالموافقة على الخطة التفصيلية التي تضمنت حلولاً عاجلة قصيرة الأجل وحلولاً مستقبلية لمشكلة تزايد أعداد خريجي الجامعات المؤهلين للتدريس، وما اشتملت عليه تلك الحلول من دعم للمركز الوطني للشراكات الاستراتيجية في المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني وتكليفه بمهام تأهيل الشباب السعودي من الجنسين وتدريبهم. ثم صدر قرار مجلس الشورى رقم (80/204) الذي نص على أن تحول المؤسسة برامجها التدريبية إلى برامج شراكة منتهية بالتوظيف. ووُقعت اتفاقية لتشغيل المركز مع شركة كليات التميز. وصدر قرار مجلس الوزراء رقم 17 بالموافقة على القواعد التنظيمية لإنشاء وحدات تدريبية غير ربحية في مجال التدريب التقني والمهني، ثم قرار مجلس إدارة المؤسسة رقم 108 باعتماد اللائحة التنفيذية للوحدات التدريبية غير الربحية. وأخيراً، وُقعت اتفاقية مشروع التوسع عام 2023، لإطلاق معاهد شراكة استراتيجية جديدة بدعم من المؤسسة، وتوسيع نموذج الشراكة الاستراتيجية بتطوير عمل المركز، ويهدف المشروع إلى إطلاق 18 وحدة تدريبية جديدة غير ربحية في مجال التدريب التقني والمهني.

ويؤدي المركز دوراً محورياً في تشكيل مشهد التعليم والتدريب التقني والمهني في المملكة، بإنشاء معاهد مدفوعة بالطلب خاصة بالقطاعات لا بالشركات. وتقوم هذه المقاربة على دراسات شاملة لسوق العمل تحدد الاحتياجات القطاعية الأوسع بدلاً من التركيز الضيق على متطلبات الشركات الفردية. وقد بدأ التحول من النماذج الخاصة بالشركات إلى النماذج الخاصة بالقطاعات والمهارات مع المعهد العالي السعودي الياباني للسيارات في جدة عامي 2001 و2002، الذي جمع عدداً من وكلاء السيارات اليابانية تحت مظلة تدريبية واحدة. وتتيح هذه المقاربة للمركز ضمان مواءمة البرامج التدريبية مع المتطلبات الفعلية لسوق العمل السعودي، بما يمكّن الخريجين من اكتساب مهارات قابلة للنقل بين أصحاب عمل متعددين في القطاع الواحد.

كما يؤدي المركز دوراً رئيسياً في مواءمة نظام التخصيص مع سياق المؤسسة. فهذا النظام، شأنه شأن سائر التشريعات، عام ومصمم لخدمة وزارات متعددة، ومن ثم تحتاج بعض جوانبه إلى تكييف مع السياق. فهو مثلاً يركز كثيراً على العقود والتمويل وتقاسم المخاطر، لكنه لا يقول الكثير عن المعايير الخاصة بالتعليم. وهنا يؤدي المركز دوراً حيوياً في تمثيل احتياجات القطاع العام وبناء شراكات تعود بالنفع على الطرفين.

ويقع في صميم نموذج المركز إجراء صارم لعقد الشراكات. إذ يُطلب من شركاء القطاع الخاص إجراء دراسات جدوى مفصلة وتقديم مقترحات شاملة تحدد البرامج والمهارات ونتائج التوظيف المتوقعة. ويتجاوز هذا الإجراء الاحتياجات الآنية للشركة الشريكة، إذ يتطلب رؤية استراتيجية للمتطلبات الإجمالية للسوق ولكيفية خدمة المعهد المقترح لنمو القطاع الأوسع. ويتواصل المركز أيضاً بفاعلية مع الجهات الحكومية، كمجالس المهارات القطاعية والجهات التنظيمية والوزارات، بما فيها وزارة الصناعة ووزارة البيئة، لضمان المواءمة بين البرامج التدريبية والاستراتيجيات الوطنية للقوى العاملة. بل إن المشروعات الكبرى تشارك أيضاً في المساعدة على صياغة رؤية واضحة طويلة الأجل لتنمية المهارات القطاعية.

إطار: حقائق سريعة عن المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية

يضم المركز أكثر من 55 أكاديمية شريكة استراتيجية في 25 مدينة ومنطقة، ويتعامل مع أكثر من 150 شريكاً استراتيجياً وأكثر من 360 صاحب عمل. وقد تخرج من برامجه أكثر من 60 ألف خريج على مر السنين، ويضم في أي وقت أكثر من 20 ألف متدرب حالي. ويشمل التدريب برامج الدبلوم والدبلوم المشارك، والدورات القصيرة، والتدريب على رأس العمل.

الشراكة الاستراتيجية

ينسق المركز نموذج شراكة تجارية يضم ثلاثة أطراف رئيسية هي المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، وصندوق تنمية الموارد البشرية، وشركاء القطاع الخاص. وتؤدي المؤسسة، عبر المركز، دوراً استراتيجياً وتنسيقياً، بتحديد احتياجات سوق العمل، ومواءمة الشراكات المقترحة مع الأهداف الاستراتيجية الوطنية كرؤية 2030، والتواصل مع الأطراف الخارجية لاستقطاب الاستثمارات. أما صندوق تنمية الموارد البشرية، وهو صندوق حكومي تابع لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أُنشئ لدعم توظيف المواطنين السعوديين وتطويرهم في سوق العمل عبر الإعانات والتدريب ورفع المهارات وخدمات التوظيف العامة، فيقدم التمويل للشركاء والمتدربين وفق نماذج مصممة لهم. وتتولى المؤسسة مسؤولية الاعتماد وتوفير المقرات، بينما يوفر الشركاء الاستراتيجيون المعدات، ويشاركون في الإشراف على التدريب، ويتعاقدون رسمياً مع المتدربين. وكثيراً ما يُستقطب أيضاً شركاء دوليون في التدريب والتعليم. ومن جانب الاستثمار الخاص، يشترط نموذج الشراكة الاستراتيجية أن تسهم شركات القطاع الخاص الموظِّفة بما لا يقل عن 25% من تكاليف التدريب و50% من مكافأة المتدرب، وتتغير هذه النسبة قليلاً حين يكون الشريك من القطاع الخاص منشأة صغيرة أو متوسطة. وفي المقابل، تحصل هذه الشركات على كفاءات وطنية بالجودة التي تتوقعها وفي التخصصات التي تحتاجها فعلاً.

وفيما يخص صندوق تنمية الموارد البشرية، تقوم ركيزة الدعم المالي في النموذج على تغطية الصندوق ما لا يقل عن 75% من تكاليف التدريب و50% من مكافأة المتدرب، بحد أقصى 2000 ريال للمتدرب طوال فترة التدريب. وبذلك يحقق الصندوق عدداً من المستهدفات الوطنية المتعلقة بالتوظيف، وخفض معدلات البطالة، وتوفير وظائف نوعية في القطاعات الحيوية. ويضمن ذلك توظيف جميع المتدربين الملتحقين حالياً، البالغ عددهم 22 ألف متدرب، فور تخرجهم، أو دعمهم في الحصول على عمل في غضون ستة أشهر من التخرج. ويستفيد أكثر من 350 صاحب عمل من هذا النظام، مما يجعله من أنجح نماذج التدريب المرتبط بالتوظيف في المنطقة. وإلى جانب ذلك، وفي حين يغطي الصندوق البرامج الأطول، من الدورات القصيرة التي تمتد من 3 إلى 12 شهراً إلى مؤهلات الدبلوم المشارك التي تستغرق عاماً أو أقل، يُسمح للمعاهد أيضاً بتوليد دخل مستدام عبر تقديم دورات أقصر، تقل عن ثلاثة أشهر، خارج نطاق تمويل الصندوق. أما المنشآت الصغيرة والمتوسطة فالدعم المقدم لها أسخى، إذ يغطي الصندوق ما يصل إلى 90% من نفقات التدريب. كما يقدم الصندوق مكافأة تغطي 50% من مخصص المتدرب، بحد أقصى 2000 ريال شهرياً، للبرامج التي تتراوح مدتها بين ثلاثة أشهر وعامين.

ويؤدي الصندوق أيضاً دوراً حاسماً في دعم مبادرات التدريب وتمويلها بوضع شروط تمويل واضحة. فعلى أصحاب العمل الراغبين في دعمه تقديم عنصرين رئيسيين: عقد موقّع يؤكد توظيف الطالب، وموافقة رسمية من المركز على البرامج التدريبية. ويدير الصندوق آليات تمويله عبر مقاربتين رئيسيتين: نموذج الاسترداد ونموذج التمويل المباشر. ففي نموذج الاسترداد، يدفع صاحب العمل ابتداءً 100% من تكاليف التدريب، ثم يقدم جميع المستندات اللازمة إلى الصندوق لاسترداد 75% منها. أما في نموذج التمويل المباشر، فيغطي الصندوق مباشرة 75% من التكاليف منذ البداية، مما يخفف العبء المالي عن أصحاب العمل. ويعمل المركز والصندوق بنشاط على التحول عن نظام الاسترداد، إدراكاً للتحديات التي يسببها لكثير من الشركات. ويضمن هذا الهيكل المالي قدرة معاهد التدريب على تقديم برامج عالية الجودة مرتبطة بالتوظيف دون إثقال كاهل أصحاب العمل، ولا سيما الشركات الأصغر.

ويتوزع العمل في نموذج أعمال معاهد الشراكة الاستراتيجية على النحو التالي: تتولى المؤسسة تكوين الشراكة، والترخيص، وتخصيص المقر، وتدقيق القوائم المالية، واعتماد البرامج التدريبية، واعتماد الشهادات؛ ويتولى الصندوق تغطية تكاليف التدريب بنسبة 75% للشركات الكبيرة و90% للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، و50% من مكافأة المتدرب بحد أقصى 2000 ريال شهرياً للمتدرب؛ ويتولى الشريك الاستراتيجي تحديد التخصصات المطلوبة وعدد المتدربين، وتوقيع عقود التوظيف مع المتدربين قبل التدريب، وسداد باقي تكاليف التدريب ومكافأة المتدرب، والمشاركة في الإشراف على التدريب، وتشكيل مجلس الأمناء ورئاسته. والنتيجة هي الاستيعاب الفوري في سوق العمل، وإعداد قوى عاملة عالية التأهيل تسهم مباشرة في تطوير القطاعات الرئيسية وتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية لسوق العمل.

وضمن نموذج الشراكة الاستراتيجية، يركز جزء من التدريب على برامج قصيرة الأجل لرفع المهارات وإعادة التأهيل مصممة لتلبية احتياجات محددة لأصحاب العمل. وكثيراً ما تستهدف هذه البرامج حملة البكالوريوس أو الموظفين الحاليين، فتقدم دورات قصيرة موجهة تزودهم بمهارات متخصصة أو تعدهم لأدوار جديدة داخل الشركة. ومع أن هذه الدورات القصيرة تمثل أقل من 10% من إجمالي المتدربين في منظومة الشراكات، فإنها تؤدي دوراً مهماً في تعزيز قدرة القوى العاملة على التكيف، وضمان بقاء الموظفين الجدد والحاليين متوائمين مع تطور متطلبات الصناعة. ومنذ إطلاق أولى الشراكات الاستراتيجية عام 2019 وحتى عام 2024، تضاعف عدد الكليات بأكثر من مرتين، من 33 كلية عام 2019 إلى 61 كلية عام 2024.

ويعتمد المركز على عدة مصادر رئيسية لمعلومات سوق العمل لتحديد المواضع التي يركز فيها جهوده لإنشاء المعاهد أو توسيعها. ومن أهم هذه المصادر بياناته الداخلية، بما فيها المسوح ومؤشرات الأداء الرئيسية وقاعدة بيانات شاملة لجميع البرامج التدريبية الحالية. ويتيح ذلك للمركز الرصد المستمر لاتجاهات القطاعات وأداء البرامج وتطور احتياجات القوى العاملة في أنحاء المملكة. ومن المدخلات الأساسية الأخرى دراسات الجدوى التي يجريها شركاء القطاع الخاص. فهذه الدراسات، المطلوبة جزءاً من إجراءات التقديم، تقدم توقعات مفصلة للطلب على العمالة واحتياجات المهارات وفرص التوظيف، وتحدد عادةً حداً أدنى يبلغ 300 وظيفة. ولا يعكس هذا الرقم حجم الطلب المتوقع على القوى العاملة فحسب، بل يدل أيضاً على مستوى التزام الشريك بدعم نتائج توظيف ذات معنى.

ويتشاور المركز مع الجهات الحكومية والقطاعية لجمع توقعات القوى العاملة ورؤى السوق. ومع أن هذه الجهات تقدم مشورة قيّمة، فإنها لا تتخذ القرار النهائي. والأهم أن المركز يعطي الأولوية لتوجيه الشركاء الجدد إلى الشراكات والمعاهد الاستراتيجية القائمة كلما أمكن، تجنباً للازدواجية غير الضرورية وتعظيماً للاستفادة من البنية التحتية القائمة. ويُدرس قرار إنشاء معهد جديد بعناية، موازنةً بين الوظائف المتوقع توفيرها ونتائج دراسات الجدوى والمواءمة العامة مع الاستراتيجيات الوطنية لسوق العمل.

ويمكن أن تفضي الشراكات الاستراتيجية إلى إنشاء أكاديميات أو إعادة توجيه أكاديميات قائمة. فالخيار الأول تعاون بين جميع الأطراف لإنشاء أكاديمية، والخيار الثاني أن يستفيد الشركاء الاستراتيجيون من الأكاديميات القائمة لتقديم برامج ودورات متخصصة. وحالياً، طُورت معظم الشراكات والأكاديميات على نحو فريد لتلبية احتياجات الشركاء والأطراف المعنية معاً. ويؤدي المركز دوراً حيوياً في تشكيل البرامج بتقديم التوجيه بشأن تصميم المناهج ومحتوى التدريب وهياكل البرامج. وتمتد إسهاماته إلى البرامج الطويلة والقصيرة الأجل، بما يضمن مواءمتها مع الأولويات الوطنية واحتياجات سوق العمل. كما يشرف المركز على جودة التدريب المقدم، ولا سيما في الشراكات مع المزودين الدوليين، وهو مسؤول عن مراجعة المبادرات الجديدة واعتمادها.

وبالتوازي مع ذلك، تقدم المؤسسة الدعم التنظيمي والتشغيلي الشامل. ويشمل دورها ترخيص المعهد أو الأكاديمية، والتأكد من استيفائه المتطلبات الوطنية للعمل تحت مظلتها الاستراتيجية. وتيسر المؤسسة الوصول إلى الموارد، وأهمها توفير مباني الكلية، وتروج للمعهد في المنطقة، وتنظم ورش عمل للإبلاغ بالمستجدات وتغييرات السياسات والتطورات الاستراتيجية في المملكة. وتبرز التحولات السياساتية الأخيرة أهمية توجيه المؤسسة. فعلى سبيل المثال، أصبح اشتراط حصول جميع معاهد الشراكة الاستراتيجية على الاعتماد الوطني من هيئة تقويم التعليم والتدريب ركيزة أساسية لأهلية المؤسسات وتمويلها. فضلاً عن ذلك، يعتمد فريق متخصص في المركز جميع البرامج التدريبية التي تقدمها معاهد الشراكة الاستراتيجية وأكاديمياتها، وفق إطار مصمم داخلياً يتبنى أفضل الممارسات الملائمة لطبيعة النموذج. وقد صُمم إطار محدّث واعتُمد اعتباراً من عام 2025، بالمواءمة مع هيئة تقويم التعليم والتدريب، واسترشاداً بآراء معاهد الشراكة الاستراتيجية وأكاديمياتها، وتماشياً مع أفضل الممارسات العالمية. ومستقبلاً، ستُربط آليات التمويل على نحو متزايد بالاعتمادات الوطنية والدولية. وإلى جانب الاعتماد والامتثال، تدعم المؤسسة المعاهد في تطبيق السياسات والإجراءات المتعلقة بتطوير المناهج واستقطاب المدربين، بما في ذلك تحديد المؤهلات ومعايير الخبرة ومعايير الجودة. كما تعمل قناةً لمواءمة عمليات المعاهد مع الأطر الحكومية الأوسع. ودون مصادقة المؤسسة وإشرافها التنظيمي، لا يكون المعهد مؤهلاً لتمويل الصندوق.

ويؤدي المركز كذلك دوراً مهماً في المصادقة على البرامج. إذ تُقدم جميع البرامج للمراجعة والتحقق، مما يضيف طبقة أخرى من ضمان الجودة والمصداقية المؤسسية. وقد وضع المركز إطاراً للجودة لجميع معاهد الشراكة الاستراتيجية وأكاديمياتها، يشمل الزيارات الميدانية، ومؤشرات الأداء للمتابعة، والخدمات الاستشارية لرفع الجودة وتحسين الأداء. وداخلياً، يطور المركز أيضاً مؤشرات أداء رئيسية متكاملة تشمل رضا الأطراف المعنية، من أصحاب عمل ومعاهد وأكاديميات ومتدربين وشركاء ممكّنين، إضافة إلى أعداد المتدربين المقبولين والخريجين، والاعتمادات المؤسسية، ومؤشرات تشغيلية أخرى تُتابع فصلياً ونصف سنوياً وسنوياً. وعلى الصعيد التشغيلي، صمم المركز منصة متخصصة للمتابعة الحية للمتدربين المقبولين والخريجين وغيرها من المؤشرات الرئيسية التي تُتابع بانتظام.

إطار: تفكيك أكاديميات الشراكة الاستراتيجية

تشمل الأطراف المعنية في إنشاء أكاديميات الشراكة الاستراتيجية: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والمركز الوطني للشراكات الاستراتيجية، والشريك الاستراتيجي، وأصحاب العمل، وصندوق تنمية الموارد البشرية، ومجلس الأمناء، ومزود خدمة التدريب.

ويمر إنشاء الأكاديميات بالمراحل التالية: النقاشات، أي تكوين الشراكة؛ ودراسة الجدوى، لتحديد مدى المواءمة مع احتياجات العمل الاستراتيجية والحصول على الموافقة المبدئية من معالي محافظ المؤسسة؛ وتوقيع مذكرة التفاهم، للاتفاق على أدوار المؤسسة والشريك الاستراتيجي ومسؤولياتهما؛ وتعيين مجلس الأمناء والحصول على موافقة معالي المحافظ عليه؛ والترخيص، أي إصدار الترخيص واعتماد اللائحة الداخلية؛ وتخصيص المقر، أي تحديد موقع الأكاديمية؛ واعتماد البرامج التدريبية والشهادات؛ والتعاقد مع مزود خدمة التدريب.

وقد طور المركز سبعة مجالات للجودة مقرونة بمعايير لضمان فاعلية الشراكات واستدامتها. وتشمل هذه المجالات: الاستراتيجية، وتضم تطوير الاستراتيجية والاستشراف ومتابعة الأداء؛ والشراكات، وتشمل إدارة الشراكات ونمو شبكات الشركاء ورضا الأطراف المعنية؛ وتطوير أعمال المؤسسات، ويشمل استراتيجيات التسويق وتحليل السوق وإدارة المبيعات؛ والحوكمة، وتشمل أنظمة الحوكمة القوية والسياسات والإجراءات التنظيمية؛ والموارد، وتغطي التخطيط المالي وإدارة التدفقات النقدية والتكاليف وعمليات الموارد البشرية وإدارة الأداء والاستدامة المالية ورضا الموظفين؛ والعمليات، وتشمل عمليات التدريب والاعتمادات وإدارة المشروعات والابتكار ونمو أعداد المتدربين الملتحقين؛ وبيئة العمل، بضمان مكان آمن ومجهز جيداً لدعم التعلم. ويُترجم كل معيار ضمن هذه المجالات إلى مخرجات أو نتائج قابلة للقياس، تُمنح أوزاناً نسبية تسهم في نهاية المطاف في درجة مركبة تقيّم الجودة الإجمالية لمبادرات الشراكة.

ويعمل كل معهد من معاهد المركز في المملكة تحت حوكمة مجلس أمناء خاص به. وتؤدي مجالس الأمناء دوراً محورياً في ضمان التوجه الاستراتيجي للمعهد والإشراف عليه ومواءمته مع الأهداف الوطنية. وفي إطار الإجراءات الرسمية، يُعيّن مجلس الأمناء ويُرفع رسمياً إلى المركز لاعتماده. ويضم المجلس ممثلاً عن المؤسسة، بما يضمن إدراج المنظور التنظيمي والسياساتي الوطني دائماً في القرارات الرئيسية. ويتوقف تشكيل المجالس على طبيعة الشراكة الاستراتيجية التي يقوم عليها المعهد. ويدعم المركز الشركاء ويوجههم بنشاط في تشكيل المجلس، مشجعاً إياهم على ترشيح أعضاء من القطاعين الخاص والعام، بما في ذلك إتاحة الوصول إلى شبكة من الشركات والجهات الحكومية، لضمان أن يعكس المجلس مزيجاً متوازناً ومستنيراً من الخبرات. ومن خلال هذا الهيكل، يوفر مجلس الأمناء بقيادة رئيسه القيادة والحوكمة والمساءلة الضرورية، ويتأكد من وفاء كل معهد برسالته في تقديم تدريب عالي الجودة وثيق الصلة بالسوق وفق النموذج غير الربحي. وبإشراك مهنيين من الصناعة في مجالس الأمناء، ككبار القياديين في الشركات الكبرى في القطاع، تستفيد الكليات من توجيه عملي مباشر متجذر في واقع سوق العمل الحالي. وتضمن هذه المقاربة اتخاذ قرارات مستنيرة لا فيما يخص التوجه الاستراتيجي لهذه الكليات فحسب، بل في التفاصيل الدقيقة أيضاً، كتطوير المناهج، وتحديد المهارات الأساسية، وإنشاء برامج أكاديمية ذات صلة متوائمة مع متطلبات الصناعة.

ويتبع المركز إجراءً منظماً ودقيقاً لتوجيه مراجعة شراكاته وتقييمها وتجديدها. وفي صميم هذا الإجراء التركيز على توفير وظائف مستدامة؛ إذ تُقيّم الشراكات بناءً على قدرتها على توفير فرص عمل ذات قيمة طويلة الأجل، لا وظائف قصيرة الأجل أو مؤقتة. كما يفحص المركز مدى رضا أصحاب العمل والشركات الراعية عن أداء الموظفين المدربين عبر الشراكة وجودتهم، إذ يُعد رضا أصحاب العمل مؤشراً رئيسياً على فاعلية البرنامج وصلته بالواقع. ومن العوامل الحاسمة الأخرى في عملية المراجعة مدى مواءمة الشراكة وبرامجها مع القطاعات الوطنية ذات الأولوية. ويتأكد المركز من أن المعاهد لا تعالج الاحتياجات الآنية للشركات فحسب، بل تسهم أيضاً في التنمية القطاعية الأوسع، وكثيراً ما تستحدث برامج جديدة استشرافية، كالتدريب المتخصص في تقنيات البناء الناشئة.

وتملك المؤسسة صلاحية نادراً ما تمارسها لإنهاء الشراكات عند الضرورة. فمعظم الشراكات تستمر، وحين تنتهي يكون ذلك عادةً بطلب من الشريك لا بتدخل من المؤسسة. وتعمل كل شراكة بترخيص مدته عام واحد، ويتوقف تجديده على إثبات التقدم والامتثال. فبالنسبة إلى الشراكات الجديدة، يعني ذلك إظهار تقدم ملموس خلال إطار زمني محدد وإلا تعرضت لعدم التجديد. أما الشراكات الاستراتيجية القائمة، فيتطلب تجديدها تقديم القوائم المالية لتأكيد وضعها غير الربحي، وتقديم محاضر اجتماعات مجلس الأمناء، وإثبات أن المعهد لا يزال أكاديمية مستدامة. وتضمن عملية المراجعة الشاملة هذه استمرار جميع شراكات المركز في تحقيق نتائج عالية الأثر تركز على التوظيف وتتسق مع أهداف سوق العمل الاستراتيجية في المملكة.

ويعمل حالياً 50 معهداً وفق هذا النموذج في أنحاء المملكة، تغطي أكثر من 18 قطاعاً رئيسياً. وتركز رؤية 2030 على تنويع الاقتصاد وتحسين جودة الحياة عبر عدة قطاعات تنموية استراتيجية، منها توسيع قطاع الطاقة والتعدين بما يتجاوز النفط، وتعزيز الصناعة والتصنيع المتقدم، وجعل المملكة مركزاً عالمياً للسياحة والثقافة والترفيه. كما تعطي الأولوية للنقل والخدمات اللوجستية والخدمات المالية والاقتصاد الرقمي، مع الاستثمار في التعليم والتدريب لمواءمة المهارات مع احتياجات السوق. وتمثل الصحة وعلوم الحياة، والزراعة المستدامة والأمن الغذائي، والإسكان والتنمية الحضرية ركائز محورية أيضاً، تدعم النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي معاً. وحالياً، تُعد قطاعات السياحة والضيافة، والخدمات اللوجستية، والصناعة في مجالي السيارات والأغذية، أبرز القطاعات التي تدعمها الأكاديميات. وتمثل دراسات الحالة التي يعرضها هذا التقرير قطاعات السياحة والطاقة والنقل والقطاع المالي، وتوضح كيف يُنهض بهذه القطاعات وغيرها من القطاعات الاستراتيجية عبر الشراكات بين القطاعين. والأهم أن المركز لا يركز على الأعداد المجردة، بل على جودة هذه المعاهد وأثرها القابل للقياس. وثمة ثلاثة معاهد إضافية قيد التطوير: أكاديمية غير ربحية، وأكاديمية للنقل، وأكاديمية متخصصة بالشراكة مع وزارة البيئة. وقد طور المركز لوحة متابعة لرصد الالتحاق وغيره من المؤشرات المتعلقة بالشراكات، تميز بين الجنسين وبين المواقع.

ومن خلال المركز، طورت المؤسسة نموذجاً تعاونياً فريداً على مستوى القطاعات يدعم الشباب وأصحاب العمل معاً. فهو يقدم للشباب تدريباً وثيق الصلة بالصناعة ومرتبطاً مباشرة بفرص التوظيف، ويضمن لأصحاب العمل الوصول إلى رافد من الكفاءات المدربة على مهارات مصممة وفق احتياجاتهم المحددة. وفي جوهرها، تدمج معاهد الشراكة الاستراتيجية هذه خدمات الاستقطاب والتدريب والتوظيف تحت سقف واحد، متجاوزة بكثير التدريب التقليدي الذي ترعاه الشركات. والأهم أن الشراكة مع الصندوق تجعل ذلك مجانياً للطالب ومنخفض التكلفة جداً لصاحب العمل، مما يخفض الحواجز المالية على الطرفين. وإجمالاً، يضمن نموذج الشراكة الاستراتيجية الذي يعتمده المركز أن تكون منظومة التدريب المهني في المملكة مدفوعة بالطلب ومرتبطة بالتوظيف، بما يساعد على تزويد القوى العاملة الوطنية بالمهارات اللازمة لاقتصاد حيوي ومتنوع.

الدروس الرئيسية

يمكن مشاركة عدة دروس رئيسية من نموذج المركز في المملكة مع الساعين إلى تكرار نجاحه. ومن أهم العوامل الانتقاء الدقيق لمجلس الأمناء في كل معهد. فالمجلس يؤدي دوراً حاسماً في النجاح الطويل الأجل للمعهد، إذ لا يكتفي بتوفير الحوكمة، بل يرسم التوجه الاستراتيجي ويضمن المواءمة مع احتياجات القطاعين العام والخاص. ويعزز إدماج الشركاء من أصحاب العمل مباشرة في المجلس انخراطاً أعمق، ويولد شعوراً أقوى بالملكية والالتزام لدى الشركات. وقد يحفز هذا الانخراط الأعمق أصحاب العمل على الاستثمار أكثر في نجاح الشراكة، بقيادة جهود الاستقطاب والمشاركة الاستباقية في تشكيل البرامج التدريبية. ويرتبط بذلك ارتباطاً وثيقاً تعيين الرئيس التنفيذي للأكاديمية، وهي عملية يشرف عليها المجلس. فاختيار الرئيس التنفيذي المناسب، أي شخص يملك الخبرة والمهارات القيادية والقدرة على التكيف لإدارة الأكاديمية بفاعلية، أمر أساسي للحفاظ على التميز التشغيلي وتحقيق النتائج المنشودة.

ومن الدروس القيّمة الأخرى أهمية المرونة المؤسسية. فالمعاهد الناجحة مصممة للتكيف مع تغير متطلبات السوق، سواء بإضافة برامج جديدة، أو تحويل مجالات التركيز، أو التعامل مع قطاعات مختلفة. ومن هذه المرونة إنشاء معاهد مدفوعة بالطلب قائمة على شراكات تشمل قطاعات كاملة، بدلاً من أن ترعاها شركات منفردة، مما يمكّن هذه المعاهد من استقطاب شركاء جدد من أصحاب العمل باستمرار. ومع نضج المعاهد، تطور عادةً فرق تسويق خاصة بها للتواصل مع أصحاب العمل المحتملين، مما يساعد على ضمان استدامتها واستمرار صلتها بالواقع. فضلاً عن ذلك، فإن الحصول على الاعتمادات أمر حاسم، لأنه يعزز ثقة أصحاب العمل في جودة التدريب المقدم ويرفع سمعة المعهد.

ويجب أن يكون استقطاب الطلبة والمتدربين وقبولهم عملية منظمة وقابلة للتكيف في آن. فبمجرد اعتماد المعهد وإطلاقه، يفتح موقعه الإلكتروني باب التقديم، مستهدفاً في الغالب حديثي التخرج. ويختار بعض أصحاب العمل المشاركة بقوة في عملية الانتقاء، بوضع معايير محددة أو إجراء مقابلات شخصية مع المتقدمين، فتغدو عملية القبول أشبه بمقابلة عمل. ويجذب هذا الارتباط الوثيق بين التدريب والتوظيف المستثمرين الأجانب بوجه خاص، إذ يحتاجون في الغالب إلى موظفين عالي التأهيل بمجموعة دقيقة من المهارات. وإدراكاً لذلك، أدرجت وزارة الاستثمار نموذج المركز ضمن العروض الرئيسية لجذب الاستثمار الأجنبي إلى المملكة، وكثيراً ما يُصطحب المستثمرون الزائرون إلى معاهد المركز للاطلاع على النموذج مباشرة، بما يبرهن على فاعليته ويشجع الاستثمار. فضلاً عن ذلك، يُسترشد بنتائج مجالس المهارات القطاعية ورؤاها في إنشاء كليات جديدة، بما يضمن التحسين المستمر والمواءمة مع الأولويات الوطنية للقوى العاملة.

ويجب أن يكون استقطاب الشركاء المناسبين واعتمادهم كذلك عملية منظمة وقابلة للتكيف. فالشراكات القوية تعتمد على القدرة على تحديد أصحاب عمل ملتزمين وموثوقين واستقطابهم، لا يكتفون بتوظيف الخريجين، بل يؤمنون برؤية الكلية ويسهمون بفاعلية في نجاحها الطويل الأجل. ويشمل ذلك المشاركة في العمليات اليومية، والتزامات توظيف مستدامة، وتقديم الخبرة الفنية، والحفاظ على الالتزام بتدريب الطلبة على رأس العمل، ومتابعة تعليم طلبتهم وتقديم التغذية الراجعة بشأنه، والتبرع بالمعدات أو الآلات. وتحتاج الكليات وطلبتها إلى الاطمئنان إلى أن هؤلاء الشركاء أصحاب عمل ذوو جودة أيضاً، أي أنهم يوفرون ظروف عمل لائقة وفرصاً للترقي، ويفهمون مهارات الطلبة وتطلعاتهم. ويعزز ذلك مصداقية نموذج التدريب، ويقوي دافعية الطلبة واستبقاءهم ونتائجهم.

وأخيراً، يعود جزء كبير من نجاح كليات المركز وجاذبيتها الواسعة إلى نتائج التوظيف المضمونة. ففي ظل النموذج الحالي، يتوقف تمويل الصندوق على التوظيف، أي أن أمام الكليات ستة أشهر بعد التخرج لتأمين وظائف لطلبتها. ويخلق ذلك حافزاً قوياً للكليات على الحفاظ على صلات وثيقة بالصناعة وضمان المواءمة المحكمة لبرامجها مع الطلب في سوق العمل. وعملياً، قد يتخذ ذلك أشكالاً عدة. ففي بعض الحالات، تشكل الكلية دفعة استجابةً مباشرة لطلبات أصحاب العمل، كأن تتقدم شركة إلى الكلية باحتياجات محددة من القوى العاملة، فتُنتقى مجموعة من الطلبة وتُربط بوظائف منذ بداية تدريبهم. وفي حالات أخرى، تعمل الكليات بنشاط على الإرشاد المهني، ودعم الجاهزية للعمل، وبناء شبكة قوية من الشركاء لمساعدة طلبتها في العثور على فرص عند إتمام دراستهم. وفي كل الأحوال، تقدم الكلية فرصة فريدة لطلبتها تصل تعليمهم مباشرة بسوق العمل. وتبين مقتطفات من أقوال الطلبة الملتحقين بهذه الكليات أن ذلك لا يعزز دافعيتهم وثقتهم فحسب، بل يرتقي أيضاً بالنظرة إلى التعليم والتدريب التقني والمهني بوصفه مساراً تعليمياً مجدياً موجهاً نحو النتائج.

إطار: مجلس التنمية الاقتصادية في سنغافورة

من الأمثلة الدولية على جهة حكومية رسمية مكلفة بتيسير الشراكات بين القطاعين، على غرار المركز الوطني للشراكات الاستراتيجية في المملكة، مجلس التنمية الاقتصادية في سنغافورة. وهو جهة حكومية تابعة لوزارة التجارة والصناعة، مسؤولة عن الاستراتيجيات التي تعزز مكانة سنغافورة مركزاً عالمياً للأعمال والابتكار والمواهب. ويعمل المجلس وسيطاً يتيح للقطاع الخاص الوصول إلى المعلومات والشبكات والحوافز الحكومية، مع العمل عن كثب مع الجهات الحكومية لضمان دعم الصناعات بقوى عاملة قادرة على المنافسة عالمياً عبر تنمية المواهب.

وتشتهر منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني السابقة للتوظيف في سنغافورة على نطاق واسع بجودتها، ويعود الفضل في ذلك كثيراً إلى مخططات تنمية المهارات التي يرعاها المجلس. فقد أطلق قرار المجلس بالشراكة مع شركات دولية رائدة ذات نظم تدريب مثبتة، ليتعلم منها صناعة التدريب، إرثاً من تأمين فرص تدريب مدفوعة بالطلب. وكان أول شريك تدريبي للمجلس مجموعة تاتا، وهي تكتل هندي كبير، وأفضت الشراكة إلى إنشاء مركز تاتا الحكومي للتدريب لتزويد مصنع تاتا الهندسي في سنغافورة بالعمال. وقد وفرت الحكومة السنغافورية الأرض والمباني، وأسهمت بنسبة 70% من التكاليف التشغيلية للمركز، ودفعت مكافآت المتدربين. والتزم المتدربون بالعمل لدى المجلس أو أي شركة توجههم إليها مجموعة تاتا لمدة خمس سنوات. ودُرب ضعف العدد الذي تحتاجه تاتا، بحيث يجذب الخريجون الذين لم تستقطبهم تاتا شركات هندسية أخرى إلى سنغافورة، بما أسهم في نمو تجمع صناعي.

دراسة ذات صلة