القائمة الرئيسية

تقرير اتجاهات العمالة والاتجاهات الاجتماعية 2026

تقرير اتجاهات العمالة والاتجاهات الاجتماعية 2026
ملخص الدراسة

رغم صمود الاقتصاد العالمي واستقرار معدلات البطالة عند مستوياتها التاريخية المنخفضة، يُظهر التقرير تراجعاً مقلقاً في التقدم نحو توفير العمل اللائق على الصعيد العالمي. فملايين العمال لا يزالون يعيشون في فقر مدقع، وتتزايد العمالة غير الرسمية، وتستمر الفجوات الكبيرة في فرص العمل بين الجنسين والشباب، خاصة في البلدان منخفضة الدخل. تُعزى هذه التحديات إلى عدم اليقين الاقتصادي، وتباطؤ نمو الإنتاجية، والتحولات الديمغرافية، والتأثيرات غير المؤكدة للذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى ركود التجارة العالمية الذي يحد من خلق فرص العمل الجيدة. ويشدد التقرير على أن النمو الاقتصادي وحده لن يكفي لمعالجة أوجه القصور هذه، بل يتطلب الأمر تضافر الجهود ووضع سياسات قوية ومؤسسات فاعلة لتعزيز جودة العمل والعدالة الاجتماعية.

تصدير

لقد أثبت الاقتصاد العالمي وأسواق العمل العالمية قدرة على الصمود فاقت التوقعات التي سادت في بداية العام الماضي. فرغم أن عام 2025 اتسم بمستويات مرتفعة من عدم اليقين الاقتصادي، فإن آثار ذلك لم تنعكس بعد على سوق العمل. ومن المؤسف أن تقرير اتجاهات العمالة والاتجاهات الاجتماعية لعام 2026 يشير إلى ضآلة التقدم المحرز في الحد من أوجه القصور الواسعة الانتشار في مجال العمل اللائق. فاستمرار عدم اليقين في السياسات الاقتصادية والتجارية لا يزال يعرقل الاستثمار والتجارة، ويعيق نمو الإنتاجية وخلق فرص عمل ذات جودة. وفي الوقت نفسه، لم تتجسد بعد الفوائد المرتقبة من التقنيات الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، في أرقام الإنتاجية الإجمالية.

وفي حين يُتوقع أن يظل معدل البطالة العالمي عند مستواه المنخفض تاريخياً البالغ 4.9%  في عام 2026، فلا يزال نحو 284 مليون عامل يعيشون في فقر مدقع، أي بأقل من 3 دولارات أمريكية في اليوم، ويظل أكثر من ملياري عامل في عمالة غير رسمية. ومما يبعث على القلق أن أعداد العمال الفقراء والعمال في القطاع غير الرسمي آخذة في الازدياد في البلدان المنخفضة الدخل، وهو ما يبرز غياب التقدم في المناطق الأشد حاجة إليه. كما لا تزال الفجوات بين الجنسين واسعة الانتشار في عالم العمل، مع تقدم محدود لا يقتصر إلا على مجالات قليلة، مثل تراجع العمل الأسري بلا أجر.

ويبدو استعادة زخم التقدم مهمة شاقة في ظل التحديات التي تلوح في أفق عالم العمل. فقد تباطأ التحول الاقتصادي نحو أنشطة ذات إنتاجية أعلى وجودة عمالة أفضل، وهو أحد المحركات الرئيسية للتقدم في مجال العمل اللائق. وتواجه البلدان المنخفضة الدخل على وجه الخصوص قيوداً كبيرة تحول دون تحويل اقتصاداتها عبر الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية، في ظل تراجع نمو التجارة العالمية. وفي حين قد يعزز الانتشار المحتمل الواسع للذكاء الاصطناعي نمو الإنتاجية، فإنه يثير أيضاً حالة من عدم اليقين لدى المنشآت والعمال على حد سواء، وقد يتسبب، تبعاً لكيفية إدارته وتنظيمه، في اضطرابات كبرى في أسواق العمل. كما تترتب على التحول الديمغرافي آثار عميقة على أسواق العمل؛ ففي حين تميل المجتمعات المسنة في البلدان المرتفعة الدخل إلى تقليص حجم القوى العاملة، تواجه كثير من البلدان المنخفضة الدخل صعوبة في توفير فرص عمل ذات جودة كافية للأعداد الكبيرة من الشباب الداخلين إلى سوق العمل. وأخيراً، فإن ارتفاع مستويات الدين الحكومي في مختلف أنحاء العالم يزيد من مخاطر أزمات الديون، بما يصاحب ذلك من مخاطر انعكاسات سلبية حادة على نتائج العمالة والنتائج الاجتماعية في البلدان المتأثرة.

وفي هذه الأوقات المضطربة بوجه خاص، لا يكفي الاعتماد على النمو الاقتصادي وحده لتحقيق تقدم ملموس في مجال العمل اللائق. ويتعين على الحكومات وأصحاب العمل والعمال العمل معاً على وضع وتعزيز استراتيجيات تحد من أوجه القصور في العمل اللائق وتنهض بالعدالة الاجتماعية.

الملخص التنفيذي: الثبات وسط درجة عالية من عدم اليقين

تعثر التقدم في جودة العمالة

على الصعيد العالمي، تباطأ تحسّن جودة العمالة على مدى العقدين الماضيين. ففي الفترة بين عامي 2015 و2025، لم تنخفض نسبة العمال الذين يعيشون في فقر مدقع سوى بمقدار 3.1 نقطة مئوية لتصل إلى 7.9%، مقارنة بانخفاض بلغ 15 نقطة مئوية في العقد السابق. ويترك ذلك 284 مليون عامل يعيشون في فقر مدقع، أي بأقل من 3.00 دولارات أمريكية في اليوم. علاوة على ذلك، ارتفع كل من معدلي الفقر المدقع والمعتدل بين العمال في البلدان المنخفضة الدخل بين عامي 2015 و2025، حيث بلغت نسبة العمال الذين يعيشون في فقر مدقع أو معتدل نحو 68% في عام 2025.

وارتفع المعدل العالمي للعمالة غير الرسمية بمقدار 0.3 نقطة مئوية بين عامي 2015 و2025، بعد أن كان قد تراجع في العقد السابق. ويُتوقع أن يصل عدد العاملين في القطاع غير الرسمي على الصعيد العالمي إلى 2.1 مليار عامل بحلول عام 2026. وترتبط العمالة غير الرسمية عادة بتدنّي جودة العمل بسبب محدودية إمكانية الحصول على الحماية الاجتماعية والحقوق في العمل والسلامة المهنية والأمن الوظيفي. ويعكس هذا الارتفاع إلى حد كبير تنامي حصة العمالة في البلدان ذات المعدلات الأعلى من العمالة غير الرسمية، وبخاصة في أفريقيا وجنوب آسيا، مما يجعل الجهود الرامية إلى الحد من العمالة غير الرسمية في هذه الاقتصادات أمراً بالغ الأهمية. إضافة إلى ذلك، ارتفعت مجدداً بين عامي 2015 و2025 نسبة العاملين لحسابهم الخاص، وهو نمط عمل كثيراً ما يكون متدني الأجر ويُمارَس اضطراراً في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

ويشكّل تباطؤ التحول الاقتصادي نحو القطاعات ذات العمالة الأعلى إنتاجية وظروف العمل الأفضل عائقاً رئيسياً أمام ضمان تقدم مطرد في تضييق أوجه القصور في العمل اللائق. فقد تراجعت وتيرة انتقال العمال بين الأنشطة الاقتصادية بمرور الوقت إلى النصف على الصعيد العالمي خلال العقدين الماضيين. ولا يُعدّ تباطؤ انتقال العمال نحو القطاعات ذات معدلات أعلى من الطابع الرسمي ووضعية الموظف الدائم محركاً رئيسياً لتباطؤ التحسن العالمي في جودة العمل فحسب، بل أيضاً محركاً لضعف نمو الإنتاجية.

لا تلوح في الأفق مؤشرات على تغيّر معدل البطالة رغم وجود مخاطر محدقة

لا يزال الاقتصاد العالمي وأسواق العمل صامدين في مواجهة تصاعد حالة عدم اليقين وتطور المشهد السياساتي. ولم يتغيّر توقّع نمو الناتج المحلي الإجمالي للفترة من 2025 إلى 2027 كثيراً مقارنة بالتوقعات التي صدرت في عام 2024. وفي عام 2025، ساعد تحويل مسارات التجارة وإعادة توجيهها على امتصاص الأثر المباشر للاضطرابات التجارية، في حين عجّلت المنشآت والأسر بالاستهلاك والاستثمار، مما عزز النشاط الاقتصادي في النصف الأول من العام.

وفي حين قد يثقل ارتفاع درجة عدم اليقين وتراجع ثقة قطاعي الأعمال والمستهلكين كاهل الطلب الكلي، فإن تراجع التضخم، والسياسات المالية والنقدية الداعمة، والاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي، عوامل يُتوقع جميعها أن تدعم النمو في عام 2026. ومع ذلك، لا يزال المشهد يحمل مخاطر كبيرة تتصل بتصاعد الديون السيادية، وعدم اليقين في السياسة التجارية، والاضطرابات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي. ويمكن أن يكون لتحقق هذه المخاطر تداعيات لا يُستهان بها، لا على آفاق نمو العمالة فحسب، بل أيضاً على أبعاد رئيسية من جودة العمل، مثل العمالة غير الرسمية وفقر العاملين والأجور الحقيقية.

ويسهم تباطؤ نمو القوى العاملة في ظل التحولات الديمغرافية في استقرار معدلات البطالة رغم ضعف نمو العمالة. ويُتوقع أن ينخفض المعدل العالمي للمشاركة في القوى العاملة بنحو 0.2 نقطة مئوية سنوياً، ليصل إلى 60.5% في عام 2027. وقد تسارع هذا الاتجاه الهيكلي التنازلي، الذي يعود جزئياً إلى تنامي أعداد المتقاعدين مع تقدم عمر السكان، من جديد بسبب توقف الأثر المعتدل الذي كان ينجم عن ارتفاع معدلات مشاركة المرأة في البلدان المتوسطة الدخل الأدنى والمرتفعة الدخل بين عامي 2015 و2025.

وقُدّر معدل البطالة العالمي بنحو 4.9% في عام 2025، وهو مستوى ثابت لم يتغير منذ عام 2024، ويُتوقع أن يظل عند مستوى مماثل حتى عام 2027. ويُتوقع أن تبلغ البطالة العالمية 186 مليون شخص في عام 2026، في حين يُتوقع أن يصل المقياس الأوسع لضعف الاستغلال في سوق العمل، وهو فجوة الوظائف، إلى 408 ملايين شخص. وتتباين الأنماط الإقليمية، إذ من المرجح أن تواصل أمريكا اللاتينية والكاريبي خفض معدل البطالة الإجمالي لديها في الأجل المتوسط، في حين يُتوقع أن تتفاقم البطالة في أمريكا الشمالية.

ويُتوقع أن يبلغ نمو العمالة العالمي 1.0% في عام 2026، وهو معدل أدنى قليلاً من متوسط العقد السابق، مع تفاوتات كبيرة بين البلدان ناجمة عن التحولات الديمغرافية. ويُتوقع أن تنكمش العمالة في البلدان المرتفعة الدخل في عام 2026، في تحول حاد بعد متوسط نمو سنوي بلغ 1.1% خلال العقد من 2010 إلى 2019. ومن المرتقب أن تشهد البلدان المتوسطة الدخل الأعلى نمواً منخفضاً نسبياً في العمالة يبلغ 0.5% بسبب التحول الديمغرافي، في حين يُتوقع أن تبلغ نسبة النمو في البلدان المتوسطة الدخل الأدنى 1.8%. وبفضل النمو السكاني القوي والفئة الشبابية الكبيرة الداخلة إلى سوق العمل، يُتوقع أن تنمو العمالة في البلدان المنخفضة الدخل بنسبة 3.1% في عام 2026، بعد متوسط نمو بلغ 2.3% في الفترة من 2010 إلى 2019. غير أن ضعف نمو الإنتاجية وندرة فرص العمل اللائق يهددان بحرمان هذه البلدان من الاستفادة من عائد ديمغرافي محتمل.

وفي عام 2025، لم تمثل النساء سوى خمسي العمالة العالمية، وهو ما يشير إلى وجود حواجز كبيرة أمام حصولهن على العمل. وكانت احتمالية مشاركة النساء في القوى العاملة أقل من الرجال بمقدار 24.2 نقطة مئوية، في حين كانت احتمالية أن تكون الشابات خارج التعليم والتدريب والعمالة أعلى من الشبان بمقدار 14.4 نقطة مئوية. ولا يتجاوز معدل البطالة العالمي للنساء معدل الرجال إلا بقدر طفيف، وهو ما يشير إلى أن النساء يواجهن أساساً حواجز أمام الدخول إلى سوق العمل أكثر مما يواجهن صعوبة في إيجاد عمل بعد الدخول إليها. إضافة إلى ذلك، لا يزال معدل فجوة الوظائف أعلى لدى النساء منه لدى الرجال، إذ يُتوقع أن تبلغ الفجوة 4.3 نقطة مئوية في عام 2026. وتتفاوت الفجوات بين الجنسين تفاوتاً كبيراً بحسب المنطقة، لكنها تتفاوت بقدر أقل كثيراً بحسب الفئة الدخلية للبلد، وهو ما يبرز دور الأعراف والقوالب النمطية الاجتماعية في تشكيل هذه الأنماط. كما لم تضق الفجوات بين الجنسين في مؤشرات مثل معدل العمل الأسري بلا أجر ونسبة العاملات اللواتي يعشن في فقر مدقع.

نمو الإنتاجية ودخل العمل لا يزالان غير كافيين للنهوض بالعمل اللائق

لا يزال نمو كل من الناتج المحلي الإجمالي وإنتاجية العمل ضعيف الأداء في البلدان المنخفضة الدخل، مما يعرقل التقدم في الحد من أوجه القصور في العمل اللائق. ويؤدي ارتفاع النمو السكاني، مقترناً بضعف مكاسب الإنتاجية، إلى إبطاء تقارب مستويات المعيشة في البلدان المنخفضة الدخل مع تلك السائدة في الاقتصادات الأكثر تقدماً. وتتباين الأنماط الإقليمية، إذ يُتوقع أن يكون نمو إنتاجية العمل عند أدنى مستوياته في أمريكا اللاتينية والكاريبي، بنسبة 1.0%، وعند أعلى مستوياته في جنوب آسيا، بنسبة 3.9% في عام 2026. ومع وجود مؤسسات ملائمة لسوق العمل، تؤدي مكاسب الإنتاجية عموماً إلى أجور أعلى، وتسهم بمرور الوقت في تعزيز نمو العمالة.

ولا يزال نمو الأجور الحقيقية ودخل العمل على الصعيد العالمي غير كافٍ لتعويض خسائر الدخل الحقيقي الناجمة عن موجة التضخم التي شهدتها الفترة من 2022 إلى 2024. فقد ظلت حصة العمل من الدخل العالمي، البالغة 52.6% في عام 2025، دون مستواها في عام 2019 الذي بلغ 53.0%، وهو ما يشير إلى أن نمو الأجور الحقيقية لم يواكب نمو إنتاجية العمل. ورغم أن الأجور الحقيقية الإجمالية في عام 2024، مقيسة بمؤشر أسعار المستهلك، كانت دون مستواها في عام 2019 في البلدان المرتفعة الدخل، فقد واجه المنتجون تكاليف عمل حقيقية أعلى مقيسة بمؤشر أسعار المنتجين.

تحديات أوضاع سوق العمل أمام الشباب قد تتفاقم مع انتشار الذكاء الاصطناعي

لا تزال أوضاع سوق العمل أمام الشباب صعبة، وبخاصة في البلدان المنخفضة الدخل. ففي عام 2025، ارتفع معدل بطالة الشباب العالمي قليلاً إلى 12.4%، مقارنة بـ 12.3% في عام 2024، في حين ارتفعت نسبة الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة قليلاً إلى 20.0%، مقارنة بـ 19.9%. ويبعث ذلك على القلق، إذ فاتت 257 مليون شابة وشاب في هذه الفئة فرصة اكتساب التعليم والمهارات والخبرة القيّمة اللازمة لتحسين آفاقهم المستقبلية في سوق العمل. وتزداد حدة هذا الوضع في البلدان المنخفضة الدخل، حيث بلغت معدلات هذه الفئة ما يصل إلى 17 نقطة مئوية أعلى منها في البلدان المرتفعة الدخل.

وفي حين يحمل التعليم العالي وعداً بالحصول على وظائف أفضل بسهولة أكبر، فإنه لا يؤدي دائماً إلى انخفاض معدلات بطالة الشباب. فالشباب من حملة الشهادات العليا في البلدان المرتفعة الدخل يسجلون معدلات بطالة أدنى من أقرانهم الأقل تعليماً. غير أن هذا النمط لا ينسحب على البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل؛ فبينما تسجل الشابات في المتوسط معدلات بطالة أدنى من الشبان، فإن معدلات بطالتهن تكون أعلى في بعض الفئات الدخلية للبلدان وفي بعض المستويات التعليمية.

وقد برزت مؤخراً مخاوف بشأن أثر انتشار الذكاء الاصطناعي على العمال الشباب، وبخاصة أولئك الذين يبحثون عن وظيفتهم الأولى في المهن العالية المهارة. وتشير أدلة أولية من البلدان المرتفعة الدخل إلى أن الشباب من ذوي التعليم العالي الداخلين إلى سوق العمل قد يواجهون صعوبات أكبر بسبب انتشار الذكاء الاصطناعي. ويُظهر تحليل لمخاطر التعرض للذكاء الاصطناعي أن الأفراد الأصغر سناً (من 15 إلى 24 عاماً) ذوي المستوى التعليمي العالي يواجهون مخاطر أتمتة أكبر من نظرائهم الأقل تعليماً. وفي حين لا يزال الأثر الكامل للذكاء الاصطناعي على عمالة الشباب غير مؤكد، فإن حجمه المحتمل يستدعي رصداً دقيقاً ومستمراً.

الاضطرابات وتغير أنماط التجارة تؤثر في نتائج العمالة

يمكن أن تؤثر الاضطرابات الأخيرة الناجمة عن عدم اليقين في السياسة التجارية، مقترنة بالتحولات الجارية طويلة الأجل في التجارة العالمية، تأثيراً كبيراً في نتائج سوق العمل. وتشير نماذج منظمة العمل الدولية إلى أن ارتفاعاً معتدلاً في درجة عدم اليقين في السياسة التجارية قد يقلّص عائدات العمل، ومن ثم الأجور الحقيقية لكل من العمال المهرة وغير المهرة في جميع القطاعات. وتبلغ خسائر الدخل المقدرة ذروتها في المناطق الأكثر اندماجاً في سلاسل الإمداد العالمية، إذ تصل إلى 0.45% في جنوب شرق آسيا، وإلى 0.3% في كل من أوروبا وجنوب آسيا.

كما تواجه إمكانات التجارة في خلق فرص عمل جديدة تحديات من جراء هذه الاضطرابات. فعلى الصعيد العالمي، اعتمد نحو 465 مليون وظيفة في 80 بلداً وإقليماً في عام 2024 على الطلب الخارجي من خلال صادرات السلع والخدمات وسلاسل الإمداد المرتبطة بها. واستأثرت منطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكثر من نصف هذه الوظائف، إذ بلغت 278 مليون وظيفة، تلتها أوروبا وآسيا الوسطى بواقع 96 مليون وظيفة.

وتعكس العمالة المرتبطة بالتجارة أنماط التجارة العالمية؛ إذ تراجعت خلال جائحة كوفيد19، ثم استعادت عافيتها بعد ذلك وظلت مستقرة نسبياً بوجه عام، إذ مثّلت نحو 15.3% من العمالة العالمية في عام 2024.

وتحمل التجارة إمكانات لدفع عجلة العمل اللائق، وبخاصة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فالقطاعات ذات الحصة الأعلى من العمالة المرتبطة بالتجارة تميل إلى تسجيل معدلات أدنى من العمالة غير الرسمية، وأجور أفضل، وفرص عمل أكثر للنساء والشباب، مقارنة بالقطاعات الأقل اعتماداً على الطلب الخارجي. ويؤدي تباطؤ نمو التجارة وما يقترن به من توقف في تعميق سلاسل الإمداد العالمية إلى إبطاء وتيرة انتقال العمال إلى قطاعات أخرى، وهو ما يسهم في تباطؤ التحسن العالمي في مؤشرات العمل اللائق.

ومن بين جميع القطاعات المرتبطة بالتجارة، ترتفع حصة العمالة في قطاع الخدمات السوقية بوتيرة متسارعة، إذ زادت من 35.9% في عام 1995 إلى 48.6% في عام 2022. ويتسق ذلك مع تنامي أهمية الخدمات في التجارة الدولية، التي تمثل نحو ربع تدفقات التجارة الدولية. وتُعدّ تجارة الخدمات المقدَّمة رقمياً من أسرع القطاعات نمواً، إذ تضاعفت أكثر من مرتين خلال العقد الماضي، لتمثل 14.5% من الصادرات العالمية في عام 2024.

ولا يزال الاستفادة من التجارة في خلق وظائف أكثر وأفضل غير متكافئة، إذ لا تزال البلدان المنخفضة الدخل مستبعَدة إلى حد كبير من تدفقات التجارة والاستثمار العابرة للحدود، وهي عرضة لخطر التخلف عن الركب مع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. وقد توسعت تدفقات التجارة والاستثمار بين البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل من 6% في عام 2005 إلى 14% في عام 2024. غير أن حصة العمالة المرتبطة بالتجارة الإقليمية البينية لم تتجاوز نحو 5% في أفريقيا والدول العربية، و9.5% في أمريكا الجنوبية، مقارنة بمستويات أعلى كثيراً في المناطق التي تهيمن عليها البلدان المرتفعة الدخل، إذ بلغت 47.1% في كندا والمكسيك والولايات المتحدة، و57.4% في أوروبا وآسيا الوسطى.

الحاجة إلى نمو أسرع ومؤسسات أقوى لمعالجة أوجه القصور في العمل اللائق

ورغم صمود معدلات البطالة العالمية في مواجهة عدم اليقين الاقتصادي، لا يزال العالم عاجزاً عن تحقيق تخفيضات ملموسة في أوجه القصور في العمل اللائق. وفي ظل التحولات الديمغرافية في أسواق العمل العالمية، يُتوقع أن تتزايد أوجه القصور في العمل اللائق من جديد بعد فترة طويلة من التحسن. غير أن تصاعد انتشار الذكاء الاصطناعي، وعدم اليقين في السياسة التجارية، وتدني الاستثمار الأجنبي المباشر، وركود نمو التجارة، تجعل من الصعب تحقيق تحسينات في ظروف العمل عبر توسيع العمالة في القطاعات المرتبطة بالتجارة. وفي أوقات تباطؤ النمو العالمي وتراجع مستويات المساعدة الإنمائية الرسمية، ستحتاج البلدان إلى الاعتماد بشكل متزايد على السياسات المحلية ومحركات التحول الاقتصادي للنهوض بالعمل اللائق.

دراسات ذات صلة