1. الاتجاهات العالمية والآفاق المستقبلية
الرسائل الرئيسية
في ظل نمو اقتصادي يتسم بالمرونة، يُتوقع أن يظل معدل البطالة العالمي عند 4.9% في عام 2026، أي ما يعادل 186 مليون عاطل عن العمل، مع ارتفاع بمقدار مليون شخص في عام 2027 نتيجة نمو القوى العاملة. ومن المتوقع أن تبلغ فجوة الوظائف 408 ملايين شخص في عام 2026.
وتلوح مخاطر كبيرة، تتمثل أساساً في عدم اليقين التجاري والسياساتي، وتصاعد الديون، واضطراب الوظائف بفعل الذكاء الاصطناعي، وقد تؤدي جميعها إلى تدهور الآفاق المستقبلية. غير أن ضعف نمو القوى العاملة في البلدان ذات المجتمعات المسنة قد يخفف من وطأة الأثر على معدلات البطالة.
ولا يزال الحصول على عمالة ذات جودة بعيد المنال لشريحة واسعة من القوى العاملة العالمية. ففي عام 2025، كان 284 مليون عامل حول العالم يعيشون في فقر مدقع، بأقل من 3.00 دولارات أمريكية في اليوم، في حين ارتفعت نسبة العمال الفقراء فقراً مدقعاً في البلدان المنخفضة الدخل، بشكل يبعث على القلق، بمقدار 0.8 نقطة مئوية بين عامي 2015 و2025. علاوة على ذلك، يعمل 2.1 مليار عامل حول العالم (57.7%) في القطاع غير الرسمي، وهذا الاتجاه آخذ في التصاعد.
ولا تزال النساء تواجه حواجز كبيرة أمام الحصول على العمل، وتميل أوضاعهن من حيث جودة العمالة إلى أن تكون أسوأ من أوضاع الرجال. وقد يواجه الشباب آفاقاً صعبة في سوق العمل، إذ قد تُقلّص المنشآت من التوظيف بينما يهدد الذكاء الاصطناعي الوظائف المخصصة لبداية المسار المهني.
ومن المتوقع أن تنمو الإنتاجية العالمية للعمل بنسبة 2.0% في عام 2026، بما يعكس الاتجاهات السائدة بين عامي 2010 و2020، وإن كان ذلك مع وجود تفاوتات إقليمية. ويحول ضعف نمو الإنتاجية في البلدان المنخفضة الدخل دون تحقيق تقارب الدخل، ويبطئ التقدم نحو العمل اللائق.
وفي الفترة من 2015 إلى 2025، شهد العالم تباطؤاً في تحول العمالة نحو القطاعات التي توفر عمالة أعلى جودة، ويُعدّ هذا التباطؤ محركاً رئيسياً للتغيرات في الاتجاهات السائدة في مؤشرات رئيسية مثل معدلات العمالة غير الرسمية عالمياً والعمالة بأجر.
النمو المرن وسط درجة عالية من عدم اليقين
لا يزال الاقتصاد العالمي يتسم بالمرونة. فرغم أن حالة عدم اليقين الاقتصادي والمتعلق بالسياسة التجارية بلغت ذروتها في مطلع عام 2025، فإن التقديرات والتوقعات الخاصة بنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعامي 2025 و2026 على التوالي لا تزال متسقة إلى حد كبير مع توقعات عام 2024. وقد نُقّح تقدير نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2025 بالزيادة بمقدار 0.7% مقارنة بالتقييم الأول الصادر في أبريل 2025، ويُعزى ذلك إلى زيادة الحواجز التجارية بأقل مما كان متوقعاً، وتعجيل المنشآت بطلبات الشحن، وتخفف الشروط المالية، بما في ذلك انخفاض أسعار الفائدة، وضعف الدولار الأمريكي، وهي عوامل دعمت الاستثمار والتجارة، إلى جانب السياسات المالية الداعمة في الاقتصادات الرئيسية التي عززت الطلب المحلي. أما بالنسبة لعام 2026، فيُتوقع أن يتباطأ النمو تباطؤاً طفيفاً فقط ليبلغ 3.1%، مع ارتفاع طفيف متوقع إلى 3.2% في عام 2027. وفي عام 2026، يُتوقع أن يتوسع الناتج المحلي الإجمالي في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل الأدنى بنسبة 5.1% و5.4% على التوالي، في حين يُتوقع أن تنمو البلدان المتوسطة الدخل الأعلى والمرتفعة الدخل بنسبة 3.6% و1.8% على التوالي.
تصاعد حدة عدم اليقين وتراجع الثقة
بلغت مؤشرات عدم اليقين، التي ترصد المخاطر المالية والاقتصادية والمتعلقة بالسياسات، مستويات غير مسبوقة في النصف الأول من عام 2025. فحتى سبتمبر 2025، بلغ مؤشر عدم اليقين في السياسة الاقتصادية، المستند إلى تحليل نصي للمقالات الصحفية في 19 بلداً، ضعف متوسطه في الفترة من 2010 إلى 2019. ولا يزال مؤشر عدم اليقين في التجارة العالمية، المستند إلى تحليل نصي لتقارير قطرية صادرة عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية بشأن نحو 200 بلد وإقليم، قريباً من ذروته.
وتُظهر الأدلة وجود ارتباط قوي بين عدم اليقين على الصعيد العالمي وعلى صعيد فرادى البلدان؛ ففي جميع البلدان تقريباً، تؤدي زيادة عدم اليقين العالمي بنقطة مئوية واحدة إلى ارتفاع عدم اليقين على المستوى القطري بمقدار 0.3 نقطة مئوية في المتوسط. وتقل ثقة قطاع الأعمال عن متوسطها التاريخي في ثلاثة أرباع البلدان الـ 42 التي تتوافر بشأنها بيانات، وهي ظاهرة لم تُلاحظ من قبل إلا خلال الأزمة المالية والاقتصادية العالمية لعام 2008 وجائحة كوفيد19 في عام 2020. وبالمثل، تقل ثقة المستهلك كثيراً عن متوسطها طويل الأجل في معظم البلدان الـ 44 التي تتوافر بشأنها بيانات.
ويمكن أن يكبح عدم اليقين الاقتصادي كلاً من الاستثمار والتوظيف من جانب المنشآت وإنفاق المستهلكين، مما يضعف الطلب الكلي ويخلق مخاطر تراجع كبيرة أمام أسواق العمل. ففي ظل آفاق مستقبلية غير واضحة، كثيراً ما تُقلّص المنشآت الوظائف الشاغرة الجديدة أو تجمّد التوظيف. وكان تصاعد حدة عدم اليقين الاقتصادي أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في إطالة أمد الركود الذي أعقب الأزمة المالية للفترة 2008/2009، والتي رافقتها أزمة وظائف عالمية. وفي مجال العلاقات التجارية، يمكن أن يؤدي عدم اليقين في السياسة التجارية إلى خفض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وكبح النشاط الاستثماري عموماً، إذ تواجه المنشآت درجة أكبر من عدم اليقين بشأن الطلب المستقبلي. ويمكن لردود فعل الأسواق المالية تجاه عدم اليقين، مثل تشديد الشروط الائتمانية أو ارتفاع علاوات المخاطر، أن تضاعف من هذه الآثار، مما يخلق حلقة تغذية مرتدة تعزز من تباطؤ الاقتصاد.
وقد أثبت النمو المتوقع في الاقتصاد والعمالة قدراً كبيراً من المرونة، مما يشير إلى أن المستويات الحالية المرتفعة من عدم اليقين وتراجع الثقة لم تدفع بعد الاقتصاد نحو الانكماش. فعلى سبيل المثال، تراجعت الوظائف الشاغرة في 19 بلداً تتوافر بشأنها بيانات إلى وضع أقرب إلى الحياد بعد أن كانت في مستويات مرتفعة بشكل غير معتاد في أعقاب التعافي من جائحة كوفيد19. ويعكس تراجع الوظائف الشاغرة تردد المنشآت في توسيع قوتها العاملة وسط حالة عدم اليقين. غير أن تراجع الإعلان عن الوظائف الشاغرة لم يؤدِّ بعد إلى ارتفاع معدلات البطالة، إذ تحد الشيخوخة السكانية من تسريح العمال خشية مواجهة نقص في العمالة مستقبلاً، وتقلل من عدد الوظائف الجديدة اللازم إحداثها. ونتيجة لذلك، قد يواجه الداخلون الجدد إلى سوق العمل صعوبة أكبر في الحصول على عمل في ظل هذه البيئة.
مخاطر تهدد آفاق سوق العمل العالمي
يشير ارتفاع درجة عدم اليقين الجيوسياسي إلى وجود مخاطر تراجع كبيرة تهدد التوقعات. فقد يؤدي تراجع حاد في ثقة قطاعي الأعمال والمستهلكين، مقترناً بمزيد من الانخفاض في الوظائف الشاغرة، إلى كبح نمو العمالة في نهاية المطاف، ورفع معدلات البطالة، وتقييد نمو الأجور والاستهلاك المحلي. ومن شأن تعثر الطلب الكلي في الاقتصادات الكبرى أن يحدث آثاراً متتالية على الصعيد العالمي في العمالة المعتمدة على التجارة عبر سلاسل الإمداد العالمية.
ويمكن أن يترتب على تراجع المساعدة الإنمائية الرسمية وتزايد القيود على الهجرة العالمية عواقب اجتماعية وسوق عمل خطيرة في الأجل المتوسط في البلدان المنخفضة الدخل. وتشكل التحويلات المالية مصدراً مهماً من مصادر دخل الأسر المعيشية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، إذ بلغ إجماليها 685 مليار دولار أمريكي في عام 2024. ويقلص تقييد تدفقات الهجرة من إمكانات الدخل في الأجل المتوسط المتأتية من التحويلات المالية، في حين تتركز المساعدة الإنمائية الرسمية غالباً في القطاعات الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم، وغيرها من الخدمات الحيوية. وعليه، فإن الأثر الصحي والاجتماعي المباشر يُرجَّح أن يكون أعلى كثيراً من نتائج سوق العمل القابلة للقياس، وإن كان الأثر في الأجل المتوسط على تراكم رأس المال البشري قد يكون كبيراً.
ويزيد تصاعد الدين العام من تقييد الحيز المالي اللازم لتنفيذ سياسات تدعم أسواق العمل، مما يرفع من مخاطر نشوب أزمات ذات تداعيات اجتماعية حادة. فلا يزال الدين العام العالمي أعلى من مستوياته قبل جائحة كوفيد19، ويُتوقع أن يتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2029، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ عام 1948. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الاقتصادات المتقدمة، حيث تباطأت وتيرة ضبط أوضاع المالية العامة بعد صدمة كوفيد19. ويرفع تراكم مستويات الدين وارتفاع علاوات أجل الاستحقاق، كما لوحظ في عدد من البلدان، من احتمال التعثر عن السداد. وتشير علاوة أجل الاستحقاق إلى العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بسندات طويلة الأجل مقارنة بالسندات قصيرة الأجل، وكثيراً ما تُفسَّر باعتبارها مقياساً لعدم اليقين إزاء درجة الاستدامة المالية والاستقرار الاقتصادي المستقبليين للحكومات.
ولا يقتصر تحدي خفض الدين على الاقتصادات المتقدمة، إذ شهدت غالبية الاقتصادات الناشئة والنامية، منذ عام 2019، ارتفاعاً في نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي. ورغم أن انخفاض قيمة الدولار الأمريكي في عام 2025 خفف من شروط التمويل في بعض اقتصادات الأسواق الناشئة، فإن أي ارتفاع مستقبلي محتمل في علاوات أجل الاستحقاق قد يزيد من صعوبات إعادة التمويل، ويرفع من احتمالات الوقوع في محنة الديون. وقد أظهرت التجارب السابقة لأزمات الديون الكبرى تأثيراً بالغاً في نتائج سوق العمل. وتواجه الحكومات التي تعاني من اختلالات مالية كبيرة مفاضلات صعبة تحد من قدرتها على انتهاج سياسات داعمة للعمالة، مثل التعليم والتعلم مدى الحياة والحماية الاجتماعية وسياسات الحد من الفقر. ويُعدّ ذلك أمراً بالغ الأهمية بوجه خاص في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث يمثل خلق فرص العمل الرسمي وتحسين جودة الوظائف أولوية ملحة، وحيث كثيراً ما تعقب أزمات الديون أزمات عملة حادة، وأزمات ائتمان، وإجراءات تقشف، وانخفاضات كبيرة في الطلب الكلي، بما يزيد من إعاقة تحسن جودة الوظائف.
أزمات الديون العامة والبطالة
تشير تقديرات Bernal-Verdugo وFurceri وGuillaume (2012) إلى أن الأزمات المالية تؤدي إلى ارتفاع كبير في معدل البطالة في الأجل القصير. ويوثق هؤلاء الباحثون أن هذه الآثار تكون أكبر في حالة بطالة الشباب في الأجل القصير، وفي حالة البطالة طويلة الأجل في الأجل المتوسط. ويوثق Mendoza وYue (2012)، بالنسبة لمجموعة من الاقتصادات الناشئة، أن أحداث التعثر عن سداد الديون ترتبط بحالات ركود عميقة تنخفض فيها العمالة بنسبة 15% في المتوسط مقارنة بمستوياتها قبل التعثر. وتشمل آثار أزمات الديون على أسواق العمل أيضاً آثاراً سلبية ممتدة على العمالة، مقترنة بما تنطوي عليه فترات البطالة الأطول من خسارة أكبر لرأس المال البشري. ويحد هذا الأمر بدوره من إمكانات النمو المستقبلي للاقتصاد، ومن ثم من قدرته المالية على خدمة الدين العام، مما يزيد من تفاقم أزمة الدين السيادي. وبالمثل، تؤدي فترات ارتفاع البطالة إلى انخفاض الإيرادات الضريبية وارتفاع الإنفاق الحكومي، ومن ثم ارتفاع احتمال التعثر عن السداد، مما يزيد من تفاقم الأزمة. ويؤدي هذا التعزيز المتبادل بين أزمات سوق العمل وأزمات الديون إلى ترسّخ التحديات في كل من المالية العامة وسوق العمل.
وعند تحليل حالات التعثر عن سداد الديون السابقة حول العالم، يُلاحَظ أن معدل البطالة يبدأ في الارتفاع في السنوات السابقة لأزمة الديون، على الأرجح بسبب تصاعد الصدمات الاقتصادية الكلية الركودية. ويبلغ معدل البطالة ذروته في السنة التي يُعلَن فيها التعثر عن سداد الديون، ثم يتراجع بعد ذلك إلى أن يستقر بعد ثلاث سنوات عند مستوى أعلى مما كان عليه قبل الأزمة.
وقد أضاف تسارع التغير التكنولوجي، وبخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، طبقة جديدة من عدم اليقين إلى أسواق العمل. ولم تُحدِث الموجة الأخيرة من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بعدُ إعادة تشكيل جوهرية لأنماط العمالة، ولا تشير التحليلات الحالية إلى أن مهناً بأكملها ستؤول إلى الأتمتة الكاملة. ومع ذلك، تشير الأدلة المبكرة إلى أن فئات معينة من سوق العمل، وبخاصة العمال الشباب والمتخصصين ذوي المهارات العالية في تكنولوجيا المعلومات، قد تتأثر بشكل غير متناسب بهذه الموجة من الابتكار الرقمي. وإلى جانب الآثار الفعلية على العمالة، بات عدم اليقين المحيط بانتشار الذكاء الاصطناعي يؤثر بالفعل في سلوك المنشآت، إذ تتردد المنشآت في التوظيف أو توسيع قوتها العاملة إلى أن تتضح لديها الرؤية بشأن كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي في عملياتها الداخلية ومتطلبات المهارات وبيئتها التنافسية.
الاتجاهات والآفاق في الحصول على العمالة
البطالة والشباب الخارجون عن التعليم والتدريب والعمالة
على غرار الآفاق الاقتصادية العامة التي تناولها القسم السابق، يُتوقع أن يظل معدل البطالة العالمي مستقراً إلى حد كبير خلال عامي 2026 و2027. ويُتوقع أن يرتفع عدد العاطلين عن العمل على الصعيد العالمي ارتفاعاً طفيفاً ليبلغ نحو 185.8 مليون شخص في عام 2026، مقارنة بـ 182.9 مليون شخص في عام 2024، نتيجة توسع القوى العاملة. ويمكن ملاحظة هذا الاستقرار في معدلات البطالة الإجمالية، في ظل نمو اقتصادي مرن لكن فاتر، في جميع الفئات الدخلية للبلدان منذ عام 2024. وعلى الصعيد الإقليمي، يُتوقع حدوث تحسنات ملحوظة في شمال أفريقيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي، في حين يُتوقع تدهور الوضع في أمريكا الشمالية، وهو ما يعكس تضافر فقدان الوظائف مع نمو القوى العاملة (انظر الفصل الثاني). ويُتوقع أن تظل معدلات البطالة لدى كل من الرجال والنساء دون تغيير يُذكر خلال العامين المقبلين. ويُتوقع أن تنخفض معدلات بطالة الشباب انخفاضاً طفيفاً بعد ارتفاعها في عام 2025، مع دفع التحسن أساساً من جانب البلدان المتوسطة الدخل الأعلى.
ويُتوقع أن تتسع فجوة الوظائف العالمية لتبلغ نحو 408 ملايين شخص في عام 2026، مقارنة بنحو 403 ملايين شخص في عام 2025. وإلى جانب العاطلين عن العمل، يشمل هذا الرقم نحو 222 مليون شخص في سن العمل ممن يرغبون في العمل لكن لا يُصنَّفون ضمن العاطلين لأنهم إما غير متاحين أو لا يبحثون بنشاط عن عمل، لأسباب من بينها مسؤوليات الرعاية أو الإحباط من ندرة فرص العمل المتاحة. ويُتوقع أن يستقر معدل فجوة الوظائف، وهو نسبة الراغبين في العمل غير الملتحقين به إلى مجموع الراغبين في العمل والملتحقين به معاً، عند 10.1% في عام 2026، دون تغيير عن عام 2025.
ولا يزال التقدم في أوضاع سوق العمل أمام الشباب يشهد ركوداً. ففي عام 2025، بلغ معدل بطالة الشباب العالمي 12.4%، في حين بلغت نسبة الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة 20.0%. ويعني ذلك أن 67.3 مليون شاب وشابة كانوا عاطلين عن العمل، وأن ما مجموعه 257 مليون شاب وشابة فاتتهم فرصة اكتساب معارف وخبرات قيّمة تخدم آفاقهم المستقبلية في سوق العمل. وبعد أن سجلت هذه النسبة أدنى مستوى لها عند 19.7% في عام 2023، فإن التراجع الأخير في الاتجاه التنازلي لمعدلات الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة، والمتوقع أن يستمر بالارتفاع بوتيرة معتدلة حتى عام 2027، يبعث على القلق بوجه خاص. وتُسجَّل أدنى معدلات لهذه الفئة في البلدان المرتفعة الدخل، وأعلى معدلات لها في البلدان المنخفضة الدخل، إذ بلغت 10.9% و27.9% على التوالي في عام 2025. وبالمثل، استقر معدل بطالة الشباب العالمي، الذي كان في تراجع منذ عام 2020، عند 12.3% في عام 2024، ويُتوقع أن يظل قريباً من هذا المستوى حتى عام 2027.
العمالة والقوى العاملة
يُتوقع أن يواصل المعدل العالمي للمشاركة في القوى العاملة اتجاهه التنازلي طويل الأجل، لينخفض إلى 60.7% في عام 2026 و60.5% في عام 2027، بعد أن كان 61.0% في عام 2024. ويمثل ذلك تسارعاً في الاتجاه التنازلي مقارنة بالفترة من 2015 إلى 2025، التي أبطأ خلالها ارتفاع معدل مشاركة المرأة في البلدان المتوسطة الدخل الأدنى والمرتفعة الدخل وتيرة التراجع الهيكلي. ومع ذلك، أدى استمرار نمو السكان في سن العمل إلى توسع متوقع في القوى العاملة العالمية بنحو 40 مليون شخص سنوياً، لتصل إلى 3.8 مليار شخص متوقع في عام 2026. ويُتوقع أن تنخفض معدلات المشاركة بمقدار 0.5 نقطة مئوية في البلدان المتوسطة الدخل الأعلى والمرتفعة الدخل بين عامي 2025 و2027، مدفوعة في الغالب بتزايد أعداد كبار السن، ومعظمهم متقاعدون. وتواجه البلدان المرتفعة الدخل، كمجموعة، نمواً صفرياً في القوى العاملة، ما يعني أن كثيراً منها يشهد بالفعل تقلصاً في قوته العاملة. كما يتغير التكوين العالمي للقوى العاملة؛ فبين عامي 2025 و2030، يُتوقع أن ترتفع حصة الأفراد من البلدان المنخفضة الدخل في القوى العاملة العالمية بمقدار 0.7 نقطة مئوية، وأن تنخفض حصة البلدان المرتفعة الدخل بمقدار 0.8 نقطة مئوية.
ويُتوقع أن تنمو العمالة العالمية بنسبة 1.0% في عام 2026، دون تغيير عن عام 2025، وهو معدل أدنى قليلاً من متوسط الفترة 2010 إلى 2019. وتشهد البلدان المرتفعة الدخل تراجعاً كبيراً في نمو العمالة، إذ تنتقل من متوسط نمو سنوي بلغ 1.1% في الفترة من 2010 إلى 2019 إلى انكماش بنسبة 0.1% في عام 2026، ويُعزى ذلك أساساً إلى شيخوخة السكان. ورغم أن هذا الانكماش لا يعود إلى ارتفاع البطالة، فإنه يثير مخاوف بشأن نسب الإعالة، والقدرة على الابتكار، ونمو الإنتاجية. وتسلك البلدان المتوسطة الدخل الأعلى مساراً ديمغرافياً مماثلاً نحو الشيخوخة السكانية، إذ لا يتجاوز نمو العمالة فيها 0.5% في عام 2026. وفي المقابل، يُتوقع أن تشهد البلدان المنخفضة الدخل توسعاً قوياً في العمالة بنسبة 3.1% مع دخول أعداد كبيرة من الشباب إلى سوق العمل. غير أن ثمة نقصاً في فرص العمالة ذات الجودة، وهو ما يعكس جزئياً ضعف نمو إنتاجية العمل، الأمر الذي يعني أن كثيراً من هذه البلدان معرض لخطر عدم الاستفادة من العائد الديمغرافي المحتمل، أي الزيادة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي التي تحدث بعد أن تصبح شريحة سكانية كانت كبيرة من الأطفال نشطة اقتصادياً ومساهمة في الناتج المحلي الإجمالي؛ إذ إن هذا العائد الديمغرافي لا يتحقق أثره المجدي على سبل عيش السكان دون نمو كافٍ في الإنتاجية.
الفجوات بين الجنسين في الحصول على العمالة
وفي عام 2025، لم تمثل النساء سوى خمسي العمالة العالمية، وهو ما يشير إلى وجود حواجز كبيرة أمام حصولهن على عمل. وعلى الصعيد العالمي في عام 2026، يُتوقع أن تواجه النساء معدل بطالة أعلى من الرجال بمقدار 0.2 نقطة مئوية، ومعدل فجوة وظائف أعلى بمقدار 4.3 نقطة مئوية. وفي عام 2025، كانت احتمالية مشاركة النساء في القوى العاملة أقل من الرجال بنحو 24.2 نقطة مئوية، في حين كانت احتمالية أن تكون الشابات ضمن فئة الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة أعلى بنحو 14.3 نقطة مئوية. وتتفاوت الفجوات بين الجنسين في مؤشرات سوق العمل تفاوتاً أكبر كثيراً بحسب المنطقة منه بحسب الفئة الدخلية، وهو ما يبرز التأثير القوي للأعراف الاجتماعية في تشكيل فرص حصول المرأة على العمل. علاوة على ذلك، ترتبط الفوارق بين الجنسين في معدلات الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة، ومعدلات المشاركة في القوى العاملة، ومعدل فجوة الوظائف، ارتباطاً جزئياً، إذ تجمع المناطق التي تسجل فجوات كبيرة بين ارتفاعها في جميع هذه المجالات معاً، وهو ما يشير إلى أن هذه الفجوات يعزز بعضها بعضاً. ويُستثنى من ذلك معدل البطالة، إذ تظل الفجوات بين الجنسين فيه ضيقة على الصعيدين العالمي والإقليمي في عدد من المناطق، وهو ما يدل على أن العائق الرئيسي أمام المرأة لا يكمن في إيجاد عمل بعد دخولها سوق العمل، بل في الدخول إلى سوق العمل أصلاً.
تغيّر آفاق سوق العمل أمام الشباب والعاملين من ذوي التعليم العالي
في حين يحمل التعليم العالي وعداً بتيسير الحصول على وظائف أفضل، فإنه لا يؤدي دائماً إلى انخفاض معدلات البطالة. فالشباب من حملة الشهادات العليا في البلدان المرتفعة الدخل يسجلون معدلات بطالة أدنى من أقرانهم الأقل تعليماً. غير أن هذا النمط لا ينطبق على البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث كثيراً ما يواجه الشباب ذوو التعليم العالي معدلات بطالة أعلى، ويُعزى ذلك أساساً إلى عدم التطابق بين التعليم ومتطلبات سوق العمل. وكثيراً ما يدفع حمل شهادة عليا، وبخاصة عند اقترانه بدعم مالي، الشباب في هذه البلدان إلى انتظار وظائف أفضل أجراً، مثل وظائف القطاع العام أو العمل في الخارج، وهي وظائف محدودة مقارنة بأعداد المرشحين المؤهلين لها. وفي المقابل، يميل الشباب ذوو المستويات التعليمية الأدنى في هذه البلدان، وهم غالباً من أسر محدودة الموارد، إلى قبول أي فرصة عمل متاحة، تكون في العادة ذات طابع غير رسمي. والواقع أن نسبة العمل غير الرسمي تقل كثيراً، على الصعيد العالمي، بين العاملين ذوي التعليم العالي، في حين يؤدي التعليم العالي دائماً إلى انخفاض معدلات الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة.
ورغم أن معدل البطالة العالمي للشابات أدنى من معدله للشبان، فإن هناك فوارق مهمة بين المناطق والمستويات التعليمية. فالشابات يواجهن معدلات بطالة أعلى من الشبان عندما يكون مستواهن التعليمي دون الأساسي أو أساسياً في البلدان المرتفعة الدخل، أو عندما يكون مستواهن التعليمي عالياً في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل الأدنى، أو عندما يكون مستواهن التعليمي متوسطاً في البلدان المتوسطة الدخل الأعلى. وبما أن غالبية العاطلين عن العمل في البلدان المتوسطة الدخل الأعلى من حملة المستوى التعليمي المتوسط، فإن معدل بطالة الشباب الإجمالي في هذه الفئة من البلدان يكون أعلى لدى النساء منه لدى الرجال.
ومنذ عام 2005، شهد الشباب ذوو التعليم العالي تضيقاً في فجوة معدل بطالتهم مقارنة بغيرهم من الشباب في البلدان التي تتوافر بشأنها بيانات، مع انعكاس هذا الاتجاه منذ عام 2023. ففي البلدان المرتفعة الدخل، كان معدل بطالة الشباب من حملة الشهادات العليا في عام 2009 أدنى بما يصل إلى 8 نقاط مئوية من معدل بطالة نظرائهم من غير حملة الشهادات العليا، ثم تقلصت هذه الفجوة إلى 2.7 نقطة مئوية بحلول عام 2019 بفضل التحسن العام في أسواق العمل أمام الشباب. وبحلول عام 2024، ارتفع هذا الفارق مجدداً إلى 4.7 نقطة مئوية. أما في البلدان المتوسطة الدخل الأعلى، فقد سجل الشباب من حملة الشهادات العليا في عام 2024 معدل بطالة أعلى بمقدار 3.5 نقطة مئوية من أقرانهم من غير حملة الشهادات العليا، في ارتفاع متجدد للفجوة استمر حتى الربع الثاني من عام 2025.
وقد برزت مؤخراً مخاوف بشأن أثر انتشار الذكاء الاصطناعي على العمال الشباب، وبخاصة أولئك الذين يبحثون عن وظيفتهم الأولى في المهن العالية المهارة. وتشير أدلة أولية من الولايات المتحدة إلى أن الوظائف المخصصة لبداية المسار المهني قد تتأثر بتقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة غير متناسبة. وتشير بيانات استقصائية حديثة من أعضاء منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي إلى أن الشباب من ذوي التعليم العالي يعبّرون عن قلق أكبر إزاء احتمال فقدان وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي، في حين قد يكون العمال الأكبر سناً محميين نسبياً بفعل أقدميتهم ومدة خدمتهم. وترتفع مخاطر الأتمتة لدى الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً من ذوي التعليم الجامعي مقارنة بنظرائهم الأقل تعليماً، ويعود ذلك جزئياً إلى أنهم يميلون إلى العمل في مهن أكثر عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي. وتتجلى درجة التعرض هذه بأقصى درجاتها في البلدان المرتفعة الدخل، بصرف النظر عن الفئة العمرية أو المستوى التعليمي، وهو ما يعكس هياكلها المهنية الخاصة وطبيعة المهام فيها. وفي المقابل، يواجه الشباب والبالغون في البلدان المنخفضة الدخل، حيث تنتشر الزراعة بقدر أكبر وتقل كثافة المهام غير الروتينية، مخاطر أدنى، وبخاصة أولئك ذوو المستوى التعليمي غير العالي. وفي حين لا يزال الأثر الكامل للذكاء الاصطناعي على عمالة الشباب غير مؤكد، فإن رصد المخاطر والفرص كليهما أمر ضروري لضمان أن تحقق السياسات أقصى قدر من الفوائد وتخفف من الآثار السلبية.
منهجية تقدير معدلات بطالة الشباب بحسب الجنس والمستوى التعليمي
لم تُوضع تقديرات معدلات بطالة الشباب بحسب الجنس والمستوى التعليمي إلا للبلدان التي تتوافر بشأنها بيانات ولو محدودة. ويمتلك 97 من أصل 167 بلداً آخر قيمة مرصودة في عام 2023 أو بعده. ونظراً لأن معدلات البطالة تتفاوت تفاوتاً كبيراً عبر الزمن، فمن الأفضل عرض مجاميع تشير إلى السنة نفسها بدلاً من مزج سنوات مختلفة. لذلك، قُدِّرت القيم الناقصة لمعدل البطالة بحسب الجنس والمستوى التعليمي للفترة من 2005 إلى 2024 باستخدام أسلوب انحداري، باستعمال مؤشرات مثل معدل بطالة الشباب الإجمالي بحسب الجنس أو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي كمتغيرات تنبؤية. وتُستخدم في هذا التقدير متوسطات عام 2024، التي تضم قيماً مرصودة فعلياً حيثما أمكن، وقيماً متوقعة حيثما تعذر ذلك. ولضمان استناد الاتجاه العام بين عامي 2005 و2024 إلى بيانات فعلية، اقتُصر على البلدان التي تتوافر بشأنها قيمة مرصودة واحدة على الأقل في كل من الفترات الثلاث: 2005 إلى 2012، و2013 إلى 2019، و2020 إلى 2024.
جودة العمالة
لا يقتصر تعزيز الحصول على فرص العمل المنتج على توفير الفرص فحسب، بل يشمل العمل اللائق أيضاً، من بين ما يشمله، دخلاً عادلاً، وأماناً في مكان العمل، وحماية اجتماعية للأسر، وآفاقاً أفضل للتنمية الشخصية والاندماج الاجتماعي، وحرية الأفراد في التعبير عن مخاوفهم. ويحلل هذا القسم ثلاثة مقاييس يمكن أن تكون مؤشرات قوية على أوجه القصور القائمة في العمل اللائق، وهي فقر العاملين، والعمالة غير الرسمية، وارتفاع نسبة العمل لحساب الفرد الخاص والعمل الأسري بلا أجر باعتباره مؤشراً على ندرة فرص العمالة الرسمية ذات الجودة.
اتجاهات فقر العاملين والعمالة غير الرسمية والوضع في العمالة
على الصعيد العالمي، تباطأ التحسن في فقر العاملين على مدى العقد الماضي. فقد انخفضت نسبة العمال الذين يعيشون في فقر مدقع، أي بأقل من 3.00 دولارات أمريكية في اليوم، بمقدار 3.1 نقطة مئوية فقط بين عامي 2015 و2025 لتصل إلى 7.9%، بعد انخفاض بلغ 15 نقطة مئوية في العقد السابق. ويعادل ذلك 284 مليون عامل يعيشون في فقر مدقع في عام 2025. ومما يبعث على القلق أن كلاً من الفقر المدقع والمعتدل بين العاملين، أي بأقل من 4.20 دولارات أمريكية في اليوم، ارتفع بنحو 0.7 نقطة مئوية في البلدان المنخفضة الدخل بين عامي 2015 و2025. ويعني ذلك أن نحو 68% من العمال في البلدان المنخفضة الدخل كانوا يعيشون في فقر مدقع أو معتدل في عام 2025.
وارتفع المعدل العالمي للعمالة غير الرسمية بمقدار 0.3 نقطة مئوية بين عامي 2015 و2025، بعد انخفاض بلغ 2.2 نقطة مئوية بين عامي 2005 و2015. ويُتوقع أن يعمل 2.1 مليار عامل في القطاع غير الرسمي في عام 2026. ويعكس هذا الارتفاع الأخير في معدل العمالة غير الرسمية الإجمالي إلى حد كبير أثر التغير في تكوين العمالة العالمية، مع تزايد حصة البلدان ذات المعدلات الأعلى من العمالة غير الرسمية باستمرار. ويفسر أثر التكوين هذا أيضاً المسار غير المواتي بالنسبة للنساء، إذ ارتفعت حصتهن العالمية من العمالة غير الرسمية من 54.8% في عام 2015 إلى 55.9% في عام 2025، في مقابل انخفاض طفيف بلغ 0.2 نقطة مئوية في حصة الرجال.
ترتبط العمالة غير الرسمية بتدنّي جودة العمل بسبب محدودية إمكانية الحصول على الحماية الاجتماعية والحقوق في العمل والسلامة المهنية والأمن الوظيفي. كما تميل العمالة غير الرسمية إلى خفض الإنتاجية على مستوى المنشأة والاقتصاد ككل، إذ كثيراً ما تتسم الوظائف غير الرسمية بضعف تنمية المهارات ومحدودية التدريب وقلة الحوافز على الابتكار. ومن منظور الأعمال، يمكن أن يحد ارتفاع معدل العمالة غير الرسمية من نمو المنشآت، ويقلل من استقرار القوى العاملة، ويحد من إمكانية الحصول على الدعم المالي والتنظيمي الرسمي، مما يؤثر في نهاية المطاف في القدرة التنافسية.
وارتفعت مجدداً بين عامي 2015 و2025 نسبة العمل لحساب الفرد الخاص، الذي كثيراً ما يكون في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل غير رسمي ومتدني الجودة ومنخفض الدخل ويُمارَس اضطراراً، لتعود إلى مستواها المسجل في عام 2005. ويعود هذا الارتفاع العالمي جزئياً إلى أثر التغير في تكوين العمالة، وأيضاً إلى اتجاه تصاعدي في البلدان المنخفضة الدخل. وفي المقابل، واصل العمل الأسري بلا أجر، وهو عمل غير رسمي بحكم تعريفه، تراجعه خلال العقد الماضي بوتيرة تقارب وتيرة العقد السابق. ويُعزى هذا التراجع أساساً إلى اتجاه تنازلي قوي في البلدان المتوسطة الدخل الأعلى، وهو ما يعكس انخفاض معدل العمالة غير الرسمية وارتفاع حصة العاملين في قطاع الخدمات في هذه البلدان. وفي المقابل، ارتفعت العمالة بأجر بمقدار 3.4 نقطة مئوية بين عامي 2005 و2015، لكنها لم ترتفع سوى بمقدار 0.5 نقطة مئوية بين عامي 2015 و2025. واقتصر هذا النمو الضعيف الأخير على الرجال فقط، إذ ظلت حصة الموظفات ثابتة طوال هذا العقد. وفي حين لا تضمن العمالة بأجر داخل المنشآت بالضرورة عمالة عالية الجودة، فإن المنشآت تكون مع ذلك أكثر ميلاً إلى أن تكون رسمية أو أن تتحول إلى الطابع الرسمي مقارنة بالعاملين لحسابهم الخاص. ولم تتجاوز نسبة العاملين المصنَّفين كأصحاب عمل 4% من إجمالي العاملين على الصعيد العالمي في عام 2025، وهي نسبة لم تتغير كثيراً بمرور الوقت.
وتميل أوضاع النساء من حيث جودة العمالة إلى أن تكون أسوأ من أوضاع الرجال، وإن كانت المؤشرات العالمية قد تتأثر بأثر التغير في التكوين. وتتجلى الفجوات بين الجنسين بوضوح في وضعية العمالة، إذ بلغت نسبة النساء العاملات في العمل الأسري بلا أجر 14.4% في عام 2025، مقارنة بـ 6.1% لدى الرجال. غير أن الفوارق بين الجنسين في وضعية العمالة تراجعت بوجه عام تراجعاً كبيراً على مدى العقدين الماضيين. كما أن احتمال عيش العاملات في أسر تعاني من الفقر المدقع أعلى بقدر ما من احتمال عيش الرجال في مثل هذه الأسر، مع أن احتمال عيشهن في أسر تعاني من الفقر المعتدل أقل بقدر ما، علماً بأن قياس الفقر يتم على مستوى الأسرة المعيشية، بحيث تُصنَّف الأسرة التي تضم رجالاً ونساءً عاملين جميعاً كفقيرة أو غير فقيرة بصرف النظر عن الفوارق في الدخل الفردي. ويعود انخفاض المعدل العالمي للعمالة غير الرسمية لدى النساء مقارنة بالرجال جزئياً إلى أثر التكوين، إذ إن النساء، في المتوسط على الصعيد العالمي، أقل ميلاً للمشاركة في القوى العاملة في البلدان ذات المعدلات الأعلى من العمالة غير الرسمية؛ ويرتبط ارتفاع الفجوة بين الجنسين في معدل المشاركة في القوى العاملة بنقطة مئوية واحدة بارتفاع معدل العمالة غير الرسمية بمقدار 0.3 نقطة مئوية في المتوسط على الصعيد العالمي، وإن كان من المرجح أن تكون العمالة غير الرسمية والفجوات بين الجنسين في معدل المشاركة مدفوعتين معاً بعوامل اجتماعية واقتصادية متعددة، لا بعلاقة سببية مباشرة بينهما. وفي البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل الأدنى، يفوق معدل العمالة غير الرسمية لدى النساء نظيره لدى الرجال بنحو 4 نقاط مئوية، في حين يقل عنه بأقل من نقطة مئوية واحدة في البلدان المتوسطة الدخل الأعلى والمرتفعة الدخل. وأخيراً، تؤدي النساء قدراً غير متناسب من أعمال الخدمة غير المدفوعة الأجر للاستخدام الخاص، مثل أعمال الرعاية، وهي أنشطة لا تغطيها المؤشرات الإحصائية المعروضة في هذا التقرير.
محركات تباطؤ التحسن في جودة العمالة
يُعدّ التحول الهيكلي للاقتصاد من الأنشطة المتدنية الإنتاجية وظروف العمل الأسوأ إلى الأنشطة الأعلى إنتاجية وظروف العمل الأفضل محركاً رئيسياً للتحسن العام في ظروف العمل، والطابع الرسمي، ومستويات المعيشة. غير أن عملية التحول الهيكلي هذه جرت بنصف الوتيرة فقط في العقد من 2015 إلى 2025 مقارنة بالعقد السابق له. وشهدت البلدان المتوسطة الدخل أكبر التحولات القطاعية في العمالة منذ عام 2005، إذ انتقلت نحو اقتصادات أكثر حداثة، بما في ذلك تحول كبير خارج قطاع الزراعة. وكانت التحولات في البلدان المرتفعة الدخل أكثر اعتدالاً، إذ كانت هذه البلدان قد تحدثت اقتصاداتها إلى حد كبير في وقت سابق. وكانت وتيرة التحول الهيكلي في البلدان المنخفضة الدخل بطيئة بشكل يبعث على القلق، وهو ما يفسر جزءاً من ضعف مكاسبها في الإنتاجية، واستمرار أوجه القصور في العمل اللائق لديها، وتنامي الفوارق بينها وبين بقية العالم. ويسهم عدم اليقين التجاري والتباطؤ الأطول أجلاً في نمو التجارة في إبطاء وتيرة التحول الهيكلي، إذ يقوضان قدرة البلد على تحقيق إمكاناته في التنمية الاقتصادية وتحسين جودة الوظائف عبر الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية (انظر الفصل الثالث).
وكان الارتفاع العالمي في معدل العمالة غير الرسمية بين عامي 2015 و2025 ناجماً بالكامل عن ارتفاع حصة البلدان ذات المعدلات الأعلى من العمالة غير الرسمية في العمالة العالمية. وكان من شأن ارتفاع هذه الحصة أن يرفع معدل العمالة غير الرسمية العالمي بمقدار 2.1 نقطة مئوية لولا التحسن في إضفاء الطابع الرسمي على العمالة داخل البلدان. وكان من شأن التحول الهيكلي داخل البلدان أن يؤدي إلى انخفاض عالمي في معدل العمالة غير الرسمية بمقدار 1.5 نقطة مئوية خلال هذه الفترة، في حين لم تسهم التحسينات داخل القطاعات نفسها سوى بمقدار 0.3 نقطة مئوية على مدى عشر سنوات، وهو ما يبرز الوتيرة البطيئة جداً لجهود إضفاء الطابع الرسمي على مستوى الأنشطة. وفي العقد من 2005 إلى 2015، أتاحت المساهمة الأكبر للتحول الهيكلي، مقارنة بالفترة من 2015 إلى 2025، انخفاض معدل العمالة غير الرسمية العالمي بمقدار 2.2 نقطة مئوية، وهو معدل أعلى كثيراً من المعدل المحقق في العقد التالي، وهو ما يبرز العبء الكبير الذي مثّله تباطؤ التحول الهيكلي على المسار العالمي لمعدلات العمالة غير الرسمية بين عامي 2015 و2025.
وكما هو الحال مع العمالة غير الرسمية، يُعدّ تباطؤ التحول الهيكلي بين الفترتين 2005 إلى 2015 و2015 إلى 2025 السبب الرئيسي في تراجع التحول العالمي نحو العمالة بأجر. وكان للتحول الهيكلي أثر أكبر على العمالة بأجر منه على العمالة غير الرسمية في كلتا الفترتين، لأن الفوارق بين القطاعات في حصص الموظفين أكبر من الفوارق بين القطاعات في معدلات العمالة غير الرسمية. ومع ذلك، فإن التحول الاقتصادي الكامن الذي يرفع حصة الموظفين من إجمالي العمالة يفضي أيضاً إلى تعزيز إضفاء الطابع الرسمي.
تحليل تفكيكي للتغير في المعدل العالمي لوضعية الموظف والعمالة غير الرسمية
يمكن تفكيك معدل انتشار نمط عمالة معين في بلد ما، مثل حصة العمال غير الرسميين أو الموظفين من إجمالي العمالة، إلى مجموع حاصل ضرب معدلات الانتشار داخل كل نشاط اقتصادي في حصة ذلك النشاط من العمالة داخل البلد. ويُشتق المعدل العالمي لانتشار هذا النمط بجمع المعدلات القطرية مضروبة في حصة كل بلد من العمالة العالمية. ويُحلَّل التغير في المعدل العالمي لمؤشر معين باستخدام أسلوب تحليل تحوّل الحصة، وهو أسلوب شائع لتمييز أثر عدة عوامل في التغير الحاصل في مؤشر إجمالي. فعلى سبيل المثال، تُجمَع التغيرات في معدل انتشار العمالة غير الرسمية داخل كل قطاع وبلد على مستوى جميع القطاعات والبلدان، باستخدام حصة القطاع من العمالة داخل البلد وحصة البلد من العمالة العالمية كأوزان ترجيح. ويُجرى هذا التحليل لفترتين زمنيتين، هما 2005 إلى 2015 و2015 إلى 2025.
نمو الإنتاجية ودخل العمل
يُعدّ نمو الناتج المحلي الإجمالي والطلب الكلي أمراً مهماً لخلق فرص العمل، غير أن نمو إنتاجية العمل أمر بالغ الأهمية لدعم النمو المستدام لدخل العمل وللنهوض بالعمل اللائق. ففي أسواق العمل ونظم الحماية الاجتماعية التي تعمل بكفاءة، تؤدي المكاسب في الناتج لكل عامل أو لكل ساعة عمل عادة إلى أجور أعلى، وجودة عمل أفضل، وبمرور الوقت إلى نمو أقوى في العمالة. كما تدعم الإنتاجية الأعلى للعمل الربحية والابتكار واستدامة الأعمال في الأجل الطويل. وتمكّن أيضاً الحكومات من تمويل السياسات الاجتماعية والاقتصادية الرامية إلى الحد من التفاوت، مما يوسع الفرص أمام العمال ويعزز أبعاداً غير مالية متعددة من الرفاه، مثل تقليص ساعات العمل، وتحسين السلامة والصحة المهنيتين، ونظم الحماية الاجتماعية. ويؤكد الارتباط السلبي الملحوظ بين الإنتاجية والفقر والعمالة غير الرسمية أن مكاسب الإنتاجية ضرورية للنهوض بالعمل اللائق والتنمية الاقتصادية الأوسع نطاقاً، شريطة أن تُوزَّع هذه المكاسب توزيعاً عادلاً.
ويُتوقع أن ينمو معدل الإنتاجية العالمية للعمل بنسبة 2.0% في عام 2026، وهو معدل مماثل تقريباً لما تحقق في عامي 2024 و2025، عقب معدلات نمو منخفضة في عامي 2022 و2023. ويُعزى ذلك جزئياً إلى نمو أقوى كثيراً في العمالة في الفترة من 2022 إلى 2023 مقارنة بالفترة التي تلت عام 2024، نتيجة استئناف العمال العمل بعد جائحة كوفيد19، مقترناً بمعدلات نمو مماثلة إلى حد كبير للناتج المحلي الإجمالي في كلتا الفترتين. وتتفاوت معدلات نمو إنتاجية العمل تفاوتاً كبيراً بحسب المنطقة، إذ يُتوقع أن يكون هذا النمو عند أدنى مستوياته في أمريكا اللاتينية والكاريبي، بنسبة 1.0%، وعند أعلى مستوياته في جنوب آسيا، بنسبة 3.9%. وتشير هذه الفوارق الإقليمية إلى اختلافات في القدرة التنافسية وفرص الاستثمار، من بين عوامل أخرى، وهو ما يبرز أهمية السياسات الشاملة لتعزيز الإنتاجية واستراتيجيات تنمية القوى العاملة.
ولا يزال النمو الاقتصادي وخلق العمل اللائق في البلدان المنخفضة الدخل مخيبين للآمال. ففي غياب عوامل مقابلة، يحول ارتفاع النمو السكاني فيها دون تحقيق تقارب أسرع لمستويات المعيشة مع تلك السائدة في الاقتصادات الأكثر تقدماً، رغم نمو متوقع للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.1% في عام 2026. ولن يتجاوز نمو إنتاجية العمل في هذه البلدان 2.0% في عام 2026، وهو معدل يماثل تقريباً معدل البلدان المرتفعة الدخل، لكنه أدنى كثيراً من المعدلات المسجلة في البلدان المتوسطة الدخل الأدنى والأعلى، البالغة 3.6% و3.1% على التوالي. وبمعدلات النمو هذه، ستزداد مستويات المعيشة في البلدان المنخفضة الدخل تخلفاً. ونتيجة لذلك، سيظل نمو العمالة ذات الجودة غير كافٍ، وسيظل الفقر وأوجه القصور في العمل اللائق منتشرين على نطاق واسع في هذه البلدان. ولذلك فإن تعزيز نمو إنتاجية العمل في البلدان المنخفضة الدخل أمر بالغ الأهمية لتحسين مستويات المعيشة، وتعزيز جودة العمالة، وتمكين التنمية الاقتصادية المستدامة.
كما تحد الشيخوخة السكانية من النمو الاقتصادي في البلدان المرتفعة الدخل، إذ تخصم التحولات الديمغرافية نحو 0.2 نقطة مئوية سنوياً من معدل نموها بسبب تراجع حصة العاملين من إجمالي السكان. وسيطال هذا الاتجاه عدداً متزايداً من البلدان، وستزداد حدته على مدى العقود المقبلة، مما يستلزم نمواً أسرع في الإنتاجية للمساعدة في الحفاظ على استقرار نمو الدخل والأجور. وإضافة إلى ذلك، كان النمو في الناتج المحلي الإجمالي في بعض البلدان المرتفعة الدخل، مثل الولايات المتحدة، مدفوعاً إلى حد كبير بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي في عام 2025. غير أنه لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى يمكن أن تترجم هذه المكاسب إلى تحسينات واسعة النطاق في مستويات المعيشة وجودة العمالة.
لم تواكب معدلات نمو الأجور الحقيقية ودخل العمل على الصعيد العالمي نمو إنتاجية العمل، ولا تزال غير كافية لتعويض خسائر الدخل الحقيقي الناجمة عن موجة التضخم التي شهدتها الفترة من 2022 إلى 2024. ففي عام 2024، قُدِّر أن الأجور الحقيقية العالمية نمت بنسبة 2.7%، في حين ارتفعت حصة العمل من الدخل العالمي من 52.4% في عام 2024 إلى 52.6% في عام 2025. غير أن بقاء حصة العمل من الدخل العالمي دون مستواها في عام 2019، البالغ 53.0%، يبرز أن نمو الأجور الحقيقية لم يواكب نمو إنتاجية العمل. وفي عام 2024، ظلت الأجور الحقيقية الإجمالية في بلدان مجموعة العشرين المتقدمة أيضاً دون مستواها في عام 2019؛ بل كانت في نصف بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي دون المستوى الذي بلغته في الربع الأول من عام 2021. ومع ذلك، أدت طبيعة موجة التضخم إلى تباين بين مؤشري أسعار المستهلك وأسعار المنتجين، إذ ارتفعت الأجور الحقيقية من منظور المنتج فوق مستواها في الربع الرابع من عام 2021 في منطقة اليورو.
