القائمة الرئيسية

اتجاهات العمالة والاتجاهات الاجتماعية 2026 (3/2)

اتجاهات العمالة والاتجاهات الاجتماعية 2026 (3/2)
ملخص الدراسة

تُظهر اتجاهات سوق العمل العالمية لعامي 2024 و2025 نموًا في العمالة واستقرارًا أو تراجعًا في معدلات البطالة بمعظم المناطق، باستثناء أوروبا وآسيا الوسطى التي شهدت تراجعًا. ومع ذلك، لا تزال أوجه قصور العمل اللائق منتشرة على نطاق واسع في جميع المناطق، أبرزها ارتفاع معدلات العمالة غير الرسمية (خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا اللاتينية والكاريبي) وفقر العاملين، فضلاً عن الفجوات الكبيرة في مشاركة المرأة في القوى العاملة بالدول العربية وشمال أفريقيا وجنوب آسيا. تختلف الآفاق المستقبلية باختلاف المناطق؛ فبينما يواجه بعضها تحديات النمو السكاني السريع (كأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى)، تعاني مناطق أخرى من شيخوخة السكان (كأوروبا وآسيا والمحيط الهادئ). ويبرز الكتاب أيضًا التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي كمحركات رئيسية للتغيير، مما قد يعمق التفاوتات الإقليمية (مثل الانقسام بين دول مجلس التعاون الخليجي والاقتصادات العربية الأخرى) ويطرح تحديات وفرصًا جديدة للعمالة الخضراء في مناطق معرضة لتغير المناخ كآسيا والمحيط الهادئ.

2. اتجاهات العمالة والاتجاهات الاجتماعية بحسب المنطقة

الرسائل الرئيسية

تُظهر المؤشرات الرئيسية نمواً في العمالة وتراجعاً أو استقراراً في معدلات البطالة في معظم المناطق بين عامي 2024 و2025. وينطبق ذلك على أفريقيا والأمريكتين والدول العربية وآسيا والمحيط الهادئ، في حين شهدت أوروبا وآسيا الوسطى تراجعاً في العمالة. غير أن هناك تبايناً على المستوى دون الإقليمي، إذ سُجِّلت زيادات في معدل البطالة في أمريكا الشمالية والمحيط الهادئ وشمال أوروبا وجنوبها وغربها خلال هذه الفترة.

ورغم ذلك، لا تزال أوجه القصور في العمل اللائق قائمة في جميع المناطق، بدرجات متفاوتة وعبر أبعاد مختلفة. فلا تزال معدلات العمالة غير الرسمية منتشرة في مناطق دون إقليمية مثل أمريكا اللاتينية والكاريبي وجنوب شرق آسيا وجنوب آسيا، وعند أعلى مستوياتها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث كان نحو تسعة من كل عشرة عمال في عمالة غير رسمية في عام 2025. وفي الوقت نفسه، لا يزال فقر العاملين مرتفعاً، وبخاصة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث مثّل أكثر من نصف إجمالي العمالة في عام 2025.

ورغم إحراز تقدم، لا تزال هناك أوجه تفاوت كبيرة في سوق العمل، وبخاصة بين الرجال والنساء. ففي الدول العربية وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، لا تزال مشاركة المرأة في القوى العاملة أدنى كثيراً من معدلاتها لدى الرجال، وهو ما يعكس عوائق طويلة الأمد تواجهها المرأة في الحصول على عمل في سوق العمل وفي الحصول على عمالة لائقة ومنتجة على حد سواء.

وتتباين الآفاق المستقبلية تبايناً كبيراً بحسب المنطقة، إذ تتأثر أسواق العمل بديناميكيات طويلة الأمد مثل التحول الديمغرافي، وبتطورات أحدث، منها الذكاء الاصطناعي. ففي أمريكا اللاتينية والكاريبي، يُتوقع أن يواصل معدل البطالة انخفاضه حتى عام 2027، على النقيض من الزيادات المتوقعة في آسيا الوسطى وغربها. وفي غضون ذلك، يطرح النمو السكاني في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تحديات مختلفة تماماً عن الشيخوخة السكانية الجارية في مناطق أخرى. وفي حين تختلف بعض التحديات باختلاف المنطقة، تظل تحديات أخرى، منها الأثر المحتمل للذكاء الاصطناعي، مشتركة بين المناطق.

أفريقيا

لا يزال نمو الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا معتدلاً، مدعوماً بتحسن الأوضاع الاقتصادية الكلية، بما في ذلك التضخم، ومحدودية التعرض للرسوم الجمركية الأمريكية. وقُدِّر نمو الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا بنسبة 4.2% في عام 2025، ويُتوقع أن يرتفع قليلاً إلى 4.3% في عام 2026. وكان من المتوقع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 أعلى قليلاً في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بنسبة 4.3%، مقارنة بشمال أفريقيا، بنسبة 4.1%. ويعكس جزء من أداء النمو في أفريقيا التقدم المحرز في ضبط التضخم؛ إذ تفيد وحدة الاستخبارات الاقتصادية بأن متوسط التضخم الإقليمي تراجع من 17.5% في عام 2024 إلى 12.6% في عام 2025. ويُتوقع أن يتراجع هذا المعدل كثيراً بعد ذلك، إذ تشير التوقعات إلى بلوغ التضخم 9.6% في عام 2026. كما تلوح بوادر تحسينات أخرى في الأوضاع الاقتصادية الكلية في كثير من اقتصادات المنطقة، بما في ذلك استقرار مستويات الدين العام واستمرار ضبط أوضاع المالية العامة. ورغم ذلك، يظل المشهد الاقتصادي الكلي متبايناً، إذ لا يزال التضخم مرتفعاً في كثير من البلدان مع بقاء مستويات الدين العام مرتفعة. وفي سياق عالمي يتسم بتصاعد عدم اليقين في السياسة التجارية، تجدر الإشارة إلى أن معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تتسم بحصة صغيرة نسبياً من العمالة المرتبطة بالتجارة ومحدودية التعرض التجاري للولايات المتحدة (انظر الفصل الثالث).

ورغم هذه الاتجاهات الإيجابية، لا تزال تحديات هيكلية تكبح آفاق النمو المستقبلي، منها استمرار النزاعات والصدمات المناخية المتكررة. فقد تسبب استمرار النزاع المسلح في انكماشات متواصلة في الناتج الاقتصادي في جنوب السودان والسودان، في حين تسببت ظاهرة النينيو في الفترة 2023/2024 في حالات جفاف حادة وانكماشات كبيرة في الناتج الزراعي في جنوب أفريقيا. فعلى سبيل المثال، لم تسجل جنوب أفريقيا سوى نمو بنسبة 0.5% في عام 2024، ويعود ذلك جزئياً إلى هذه الظواهر المناخية، إلى جانب ضبط أوضاع المالية العامة والقيود الهيكلية المستمرة، مع آفاق أفضل بقدر طفيف فقط لعامي 2025 و2026. والواقع أن التعرض للأحداث المناخية آخذ في الازدياد تواتراً وشدة، إذ تضاعفت حالات الجفاف والفيضانات والعواصف الشديدة خلال العقد الماضي. وتتفاقم هذه التحديات بفعل أوجه ضعف اجتماعي واقتصادي عميقة، إذ كان 46% من سكان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يعيشون بأقل من 3.00 دولارات أمريكية في اليوم في عام 2024، ويُوصَف 12% من إجمالي السكان (140 مليون شخص) بأنهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وإضافة إلى هذه الضغوط، يُتوقع أن يحد عدم اليقين العالمي أيضاً من قدرة البلدان على تمويل استثماراتها، ويُتوقع أن يكون لخفض المساعدات الأمريكية أثر كبير في كثير من بلدان المنطقة.

اتجاهات سوق العمل في شمال أفريقيا

يُعزى نمو العمالة في شمال أفريقيا جزئياً إلى العمالة في قطاع التشييد، مع زيادات واضحة أيضاً في قطاعات أخرى، منها الزراعة. وفي شمال أفريقيا، ارتفعت العمالة الإجمالية بمقدار 1.3 مليون شخص بين عامي 2024 و2025؛ غير أن هذا النمو كان أبطأ من نمو السكان في سن العمل، مما أسفر عن انخفاض طفيف في نسبة العمالة إلى السكان. وتركّز جزء كبير من الزيادة في العمالة في قطاع التشييد، الذي استأثر بـ 20% من الزيادة في عامي 2024 و2025، رغم أنه لا يمثل سوى 13% من إجمالي العمالة. وكان جزء من هذا التوسع مدفوعاً بالاستثمار في مشاريع البنية التحتية للنقل والطاقة، وكذلك بنمو التطورات العقارية. ففي مصر، على سبيل المثال، كان تشييد العقارات من أبرز القطاعات المتلقية للاستثمار الأجنبي المباشر. كما شهد قطاع الزراعة زيادة في العمالة، رغم التراجع طويل الأجل في حصته من إجمالي العمالة، وهو نمط معتاد في عمليات التحول الهيكلي. وقد يُعزى ذلك جزئياً إلى ظروف قصيرة الأجل، مثل تحسن الأحوال الجوية وما تلاه من توسع في القطاع الزراعي في المغرب وتونس في عام 2025.

ولا تزال البطالة مستقرة في شمال أفريقيا، رغم أن بطالة الشباب لا تزال مرتفعة ولا يزال معدل الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة مستمراً. وكان من المتوقع أن ينخفض معدل البطالة في شمال أفريقيا انخفاضاً طفيفاً من 10.0% في عام 2024 إلى 9.9% في عام 2025، ويُتوقع أن يواصل الانخفاض ليبلغ 9.7% في عام 2026. ورغم أن هذا تطور إيجابي، فإن معدل بطالة الشباب لا يزال مرتفعاً، إذ بلغ 22.6%، وهو أعلى معدل منذ عام 2020، مع ارتفاع بطالة الشباب لدى النساء بوجه خاص، إذ بلغت 35.6%. وفي عام 2025، بلغ معدل الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة 30.1%، مع استمرار ارتفاع احتمال تصنيف الشابات ضمن هذه الفئة، إذ بلغت نسبتهن 42.6%، مقارنة بـ 18.1% لدى الشبان. وتعكس هذه الفجوات بين الجنسين أوجه التفاوت الهيكلي المستمرة التي لا تزال تشكل نتائج سوق العمل في شمال أفريقيا.

اتجاهات سوق العمل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى

في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ظلت المؤشرات الرئيسية لسوق العمل مستقرة نسبياً، رغم استمرار تصاعد الضغط على العمل اللائق وسط النمو السكاني السريع. فقد ارتفعت القوى العاملة بمقدار 15.4 مليون شخص بين عامي 2024 و2025، في حين توسعت العمالة بمقدار 14.6 مليون شخص. وجاء ذلك متسقاً مع نمو السكان في سن العمل، الذي ارتفع بمقدار 22.4 مليون شخص، مما أسفر عن استقرار معدل المشاركة في القوى العاملة ونسبة العمالة إلى السكان. غير أن استمرار النمو السكاني في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يبرز الحاجة الملحة إلى خلق عمالة منتجة ووظائف لائقة للداخلين الجدد إلى سوق العمل. وحالياً، يعمل قرابة تسعة من كل عشرة عمال في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في عمالة غير رسمية، ويعيش قرابة ستة من كل عشرة عمال في أسر تقع دون عتبة الفقر المعتدل (أي بأقل من 4.20 دولارات أمريكية في اليوم بتعادل القوة الشرائية). وانخفضت العمالة غير الرسمية انخفاضاً طفيفاً بين عامي 2015 و2025، على النقيض من شمال أفريقيا، التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في العمالة غير الرسمية، ويعود ذلك إلى تدني مستويات رأس المال البشري نسبياً وتنامي أعداد الشباب من العمال منخفضي المهارة. ويُعزى استمرار انتشار العمالة غير الرسمية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى ارتفاع مستويات العمالة الزراعية، وغياب خلق الوظائف الرسمية في المناطق الحضرية، وانتشار فقر العاملين على نطاق واسع.

انتشار الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة في أفريقيا

أكثر من واحد من كل خمسة شباب في أفريقيا، ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، يُصنَّفون ضمن فئة الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة. وفي أفريقيا، قُدِّرت نسبة العمالة إلى السكان بين الشباب (15 إلى 24 عاماً) بنحو 43% في عام 2025، وهو ما يعني أن 57% منهم كانوا خارج العمالة. ويُتوقع أن يكون جزء من غياب هذه الفئة عن العمالة مرتبطاً بالالتحاق بالتعليم والتدريب، غير أن نسبة كبيرة من الشباب تُصنَّف ضمن فئة الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة، إذ قُدِّرت هذه النسبة بـ 22.9% في عام 2025، بارتفاع طفيف عن 22.0% قبل عقد من الزمن. وبحسب المنطقة دون الإقليمية، تبلغ هذه النسبة ذروتها في شمال أفريقيا، عند 30.1%، مقارنة بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، عند 21.6%.

وإلى جانب محدودية الفرص المنتجة أمام الشباب، يتمثل أحد التحديات الرئيسية في استمرار تدني مستويات المشاركة في التعليم والتدريب. وتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن 21% من الشباب (15 إلى 29 عاماً) في أفريقيا لم يلتحقوا قط بالمدرسة أو أتموا مرحلة ما قبل الابتدائي فقط، في حين لم يُتم سوى 46% منهم مرحلة التعليم الابتدائي أو الإعدادي كأعلى مستوى تعليمي بلغوه. كما أن المشاركة في التدريب التقني والمهني محدودة كذلك؛ إذ لم يُتم سوى 6.5% من الشباب (15 إلى 29 عاماً) في أفريقيا برنامجاً للتعليم والتدريب التقني والمهني، مع أدلة تشير إلى ندرة فرص التدريب المهني على المستوى الثانوي. وتعكس هذه الأرقام أوجه القصور في الحصول على التعليم القائم على المهارات، رغم التقدم المحرز في الأجل الطويل في مستويات التحصيل التعليمي في أفريقيا. ولا يزال ذلك أمراً بالغ الأهمية لمعالجة بطالة الشباب، وأيضاً لمعالجة عدم التطابق في المهارات، بما يمكّن الشباب من الحصول على عمل لائق، والتقدم في مسارهم المهني، واكتساب المهارات اللازمة للنجاح في سوق العمل على المدى الطويل. ويُعدّ التعلم القائم على العمل، بما يشمل برامج التلمذة الصناعية والتدريب الداخلي، وسيلة فعالة لتزويد الشباب بالمهارات المطلوبة في سوق العمل، ويمكن أن يكمّل نظم التعليم الرسمي حيثما كانت فرص الالتحاق بالتعليم العالي محدودة.

الأمريكتان

يُعزى تباطؤ النمو الاقتصادي في الأمريكتين إلى ضعف الآفاق في كل من أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية والكاريبي. وبالنسبة للأمريكتين ككل، قُدِّر نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.9% في عام 2025، بانخفاض من 2.6% في عام 2024. وفي أمريكا الشمالية، قُدِّر نمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 بنسبة 2.0%، بانخفاض من 2.8% في العام السابق. ورغم احتمال أن تثقل الاضطرابات التجارية آفاق النمو حتى عام 2026، فإن التوقعات أعلى قليلاً في أمريكا الشمالية، إذ تبلغ 2.1% لعام 2026. وكان من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الأمريكي بنسبة 2.0% في عام 2025، مقارنة بتوقع نمو سابق بلغ 2.2%. ويذهب نحو 75% من صادرات كندا والمكسيك من السلع حالياً إلى الولايات المتحدة، مع توقعات نمو لعام 2025 لا تتجاوز 1.2% و1.0% على التوالي.

وباستثناء الأرجنتين، تراجع نمو الأمريكتين مقارنة بمناطق أخرى. ففي أمريكا اللاتينية والكاريبي، قُدِّر نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.9% في عام 2025، بانخفاض من 2.7% في عام 2024. ويواصل ذلك اتجاهاً من الأداء الاقتصادي الضعيف نسبياً على مدى العقد الماضي، إذ سجلت المنطقة أدنى معدلات نمو على مدى عشر سنوات بين جميع الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية. وقد استفاد النمو الإقليمي في عام 2025 من تعافٍ اقتصادي كبير في الأرجنتين، التي يُتوقع أن تنمو بنسبة 4.5% في عام 2025، بعد عامين من الركود. وقد أظهرت التدابير السياساتية الرامية إلى استقرار الاقتصاد في الأرجنتين وكبح التضخم بعض النجاح حتى الآن. وشملت عوامل أخرى كبحت النمو الإقليمي تعثر الاستثمار في شيلي وكولومبيا وسط عدم يقين سياسي وتنظيمي، وضعف الطلب الاستهلاكي في البرازيل، مقترناً بتدني الإنتاجية، وضعف القطاع الزراعي في كوستاريكا وبيرو، مدفوعاً بتدني الإنتاجية وأحوال جوية معاكسة.

ومن المرجح أن يكون للحواجز التجارية الأمريكية وتباطؤ الاقتصاد الأمريكي أثر كبير في المنطقة ككل. وبالنظر إلى المستقبل، يُتوقع أن تؤثر الحواجز التجارية وما يرتبط بها من عدم يقين سياساتي تأثيراً كبيراً في النمو في المنطقة، وبخاصة في المكسيك وبلدان أخرى في أمريكا الوسطى. وتمثل توقعات النمو في المكسيك لعام 2025، عند 1.0%، تراجعاً من 1.4% في عام 2024. وقد تزيد الحواجز التجارية المستمرة من تعثر الآفاق الاقتصادية للمكسيك. ولا يزال كثير من اقتصادات المنطقة الكبرى، بما في ذلك البرازيل وكولومبيا، يواجه معدلات تضخم عند الحد الأعلى من نطاقات استهداف البنوك المركزية، مما يحد من هامش التحرك أمامها لتخفيف السياسة النقدية بغية تحفيز النمو. ومن المرجح أيضاً أن يؤدي ضعف النمو العالمي إلى كبح التحويلات المالية، وهي مصدر إيرادات مهم في أمريكا الوسطى والكاريبي.

اتجاهات سوق العمل في أمريكا اللاتينية والكاريبي

يتقوض نمو العمالة في أمريكا اللاتينية والكاريبي بفعل استمرار انتشار العمالة غير الرسمية. فقد ارتفعت العمالة الإجمالية في أمريكا اللاتينية والكاريبي بمقدار 4.4 مليون شخص بين عامي 2024 و2025، مما أسفر عن ارتفاع طفيف في نسبة العمالة إلى السكان، من 59.1% إلى 59.3% خلال هذه الفترة. غير أن الوظائف في المنطقة ليست جميعها وظائف لائقة، إذ كان 2 مليون من الزيادة في العمالة في عمالة غير رسمية. والواقع أن نمو الوظائف غير الرسمية اتسم باستمرار ملحوظ في عدد من البلدان على مدى السنوات الخمس الماضية، وهو ما يعكس التحدي الراسخ المتمثل في العمالة غير الرسمية، التي تمثل أكثر من نصف إجمالي العمالة في المنطقة (51.1% في عام 2025). وكثيراً ما يواجه هؤلاء العمال في الوظائف غير الرسمية، وبخاصة العاملون في الأسرة بلا أجر والعاملون لحسابهم الخاص، الذين يمثلون أكبر حصة من العمالة غير الرسمية، أوضاعاً هشة، تشمل دخلاً غير مستقر وغير منتظم، ومحدودية إمكانية الحصول على الحماية الاجتماعية، ومحدودية تغطية أنظمة العمل. ولا تزال نسبة العمالة غير الرسمية مرتفعة بوجه خاص في بلدان مثل الإكوادور والمكسيك وباراغواي وبيرو.

وتخفي التحسينات المتواضعة في معدلات البطالة تحديات مستمرة أمام الشباب. فقد تراجعت البطالة الإجمالية في المنطقة تراجعاً طفيفاً لتبلغ 5.5% في عام 2025، بانخفاض من 5.9% في عام 2024. غير أن بطالة الشباب لا تزال مرتفعة عند 11.9%، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف معدلها لدى البالغين البالغ 4.3%. وبالمثل، يُصنَّف قرابة واحد من كل خمسة شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً ضمن فئة الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة. ويتفاقم هذا التحدي بفعل ارتفاع معدل العمالة غير الرسمية، وضعف نمو الإنتاجية، وتدني الأجور. وأوضاع الشابات أسوأ من أوضاع الشبان، إذ تبلغ معدلات بطالتهن 14.5% مقارنة بـ 10.1% لدى الشبان، وهو ما يعكس استمرار أوجه عدم المساواة بين الجنسين في سوق العمل، بما في ذلك التفاوت في الأجور وجودة الوظائف والتقدم الوظيفي.

اتجاهات سوق العمل في أمريكا الشمالية

يشير تباطؤ نمو العمالة وتراجع الوظائف الشاغرة إلى تباطؤ أسواق العمل في أمريكا الشمالية. ففي أمريكا الشمالية، واصلت نسبة العمالة إلى السكان تراجعها من 60.3% في عام 2023 إلى 59.2% في عام 2025، وهو ما يعكس كلاً من التباطؤ الدوري والضغوط الديمغرافية الناجمة عن شيخوخة السكان. ويُتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في الأجل المتوسط، ليبلغ 58.6% في عام 2027. وفي الولايات المتحدة، تباطأ نمو العمالة مقارنة بفترة التعافي القوي بعد الجائحة، وهو ما يعكس نضج سوق عمل يعمل قرب مستوى العمالة الكاملة. ورغم ذلك، بلغت الوظائف الشاغرة لكل شخص عاطل عن العمل في يوليو 2025 أدنى مستوى لها منذ ما قبل جائحة كوفيد19، إذ بلغت نحو 7.2 مليون وظيفة شاغرة، بما يعادل نسبة 1 إلى 1 مقارنة بعدد العاطلين عن العمل. وبما أن ذلك يمثل انخفاضاً عن نسبة كانت تقارب 2 إلى 1 في يوليو 2024، فإنه يشير إلى تراخٍ في سوق العمل الأمريكي، حيث يواجه أصحاب العمل منافسة أقل على كل وظيفة شاغرة. وفي غضون ذلك، يشهد سوق العمل في كندا تراخياً أيضاً بحسب أحدث البيانات المتاحة من هيئة الإحصاء الكندية، إذ انخفضت نسبة الوظائف الشاغرة إلى عدد العاطلين عن العمل من 0.4 إلى 0.3 بين يوليو 2024 ويوليو 2025. ولا يتأثر تشدد سوق العمل في كلا البلدين بالسياسة النقدية والتدابير المالية فحسب، بل أيضاً بتغيرات هيكلية تشمل شيخوخة السكان وسياسات الهجرة.

ويُتوقع أن ترتفع معدلات البطالة في الأجل المتوسط في كل من كندا والولايات المتحدة. وقُدِّر معدل البطالة في أمريكا الشمالية بـ 4.5% في عام 2025، بارتفاع من 4.3% في عام 2024. ويُتوقع مزيد من الارتفاع في الأجل المتوسط، إذ تشير التوقعات إلى بلوغه 4.7% في عام 2027. ويُلاحَظ هذا الاتجاه التصاعدي في كل من كندا والولايات المتحدة؛ ففي كندا، قُدِّر المعدل بـ 6.9% في عام 2025، بارتفاع من 6.4% في عام 2024 و5.4% في عام 2023؛ في حين قُدِّر معدل البطالة في الولايات المتحدة بـ 4.2% في عام 2025، بارتفاع من 4.0% في عام 2024 و3.6% في عام 2023. وبحلول عام 2027، يُتوقع أن يرتفع معدل البطالة في كندا إلى 7.3%، وإلى 4.4% في الولايات المتحدة. وفي كندا، يُعزى ارتفاع معدلات البطالة أساساً إلى نمو القوى العاملة أكثر منه إلى فقدان الوظائف. أما في الولايات المتحدة، فقد ارتبطت زيادات البطالة في أغسطس 2025 بفقدان وظائف في الحكومة الفيدرالية، وكذلك في قطاعات مثل التعدين واستخراج المحاجر والنفط والغاز.

سياسة الهجرة العمالية الإقليمية للمساعدة في معالجة فجوات المهارات في منطقة الجماعة الكاريبية

تُعدّ حركة الأشخاص داخل الجماعة الكاريبية (CARICOM) سمة أساسية من سمات أسواق العمل في المنطقة. وتُعزى الهجرة داخل المنطقة أساساً إلى حركة العمال من الدول الأعضاء في الجماعة الكاريبية ذات الدخل الأدنى إلى الدول الأعضاء ذات الدخل الأعلى بحثاً عن فرص أفضل، بما في ذلك فرص العمل. ورغم أن اكتشاف النفط مؤخراً في غيانا قد حسّن آفاقها الاقتصادية وتصنيفها ضمن الفئات الدخلية، فإن تغيراً كبيراً في أعداد المواطنين المغادرين إلى دول أعضاء أخرى في الجماعة الكاريبية لم يظهر بعد في البيانات. وتضم الدول الأعضاء المستقبلة الصافية جزر البهاما وترينيداد وتوباغو. وتتسم الفوارق الاقتصادية في المنطقة بالحدة، وتعكس تباين تحديات وفرص واحتياجات سوق العمل داخل المنطقة، علماً بأن هايتي تمثل أكثر من نصف إجمالي سكان منطقة الجماعة الكاريبية، ولم تُتم بعد الإجراءات الداخلية اللازمة للتنفيذ الكامل للسوق والاقتصاد الموحدين للجماعة الكاريبية، رغم أنها تسمح بحرية دخول مواطني الجماعة الكاريبية إلى أراضيها دون قيود، في حين لا تشارك جزر البهاما في هذا السوق والاقتصاد الموحدين.

وتشير حالات النقص القطاعي في العمالة إلى الحاجة إلى تحسين حوكمة الهجرة العمالية الإقليمية. أولاً، فيما يتعلق بحركة العمالة الماهرة إلى الخارج، يهاجر كثير من العمال الأعلى تعليماً ومهارة من منطقة الجماعة الكاريبية، مما يخلق فجوات في المهارات ونقصاً في الكوادر المؤهلة في قطاعات معينة. ثانياً، خلص تحليل حديث لسوق العمل في الجماعة الكاريبية إلى أن بعض المهن في قطاعي الصحة والتعليم، بما في ذلك التمريض والتدريس، تعاني من مستويات منخفضة للغاية من العرض في سوق العمل، ويعود ذلك جزئياً إلى الطلب على العمالة في اقتصادات أكثر تقدماً، بما في ذلك الدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، التي تقدم أجوراً أعلى. كما لوحظ نقص في قطاع الزراعة. وأشارت الدراسة كذلك إلى أنه رغم وجود تشريعات وآليات قائمة لتيسير الهجرة العمالية داخل المنطقة، مثل شهادات المهارات لمهن ومستويات تعليمية معينة، فإن بعض الدول الأعضاء في الجماعة الكاريبية استقدمت عمالاً مهاجرين من خارج المنطقة عبر نظام تصاريح العمل بدلاً من استخدام القنوات المتاحة داخل المنطقة. ويبرز ذلك أوجه القصور في حوكمة الهجرة العمالية في منطقة الجماعة الكاريبية، ويشير إلى الحاجة إلى تعزيز هذه الحوكمة.

ويمكن لإطار إقليمي للهجرة العمالية في الجماعة الكاريبية أن يساعد في إدارة تدفقات الهجرة العمالية داخل المنطقة ومعالجة أوجه النقص في سوق العمل وفجوات المهارات في مختلف أنحائها. وتعتزم الجماعة الكاريبية وضع سياسة إقليمية للهجرة العمالية في إطار سياستها العامة للهجرة، التي كلّف بوضعها مؤتمر رؤساء الحكومات في عام 2019. ومن المتوقع أن يعزز ذلك حوكمة الهجرة العمالية، ومواءمة المهارات، ووضع المعايير اللازمة لحماية العمال المهاجرين، بمن فيهم مواطنو الجماعة الكاريبية الذين يمارسون حقهم في حرية التنقل. وتتفاقم الحاجة إلى مثل هذه السياسة الإقليمية بفعل محدودية عدد السياسات الوطنية للهجرة العمالية في المنطقة، مقترنة بارتفاع معدلات العمالة غير الرسمية.

الدول العربية

يُعزى نمو الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية إلى حد كبير إلى اقتصادات مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقُدِّر نمو الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية بنسبة 3.2% في عام 2025، بارتفاع من 1.4% في عام 2024. ويُعزى معظم هذا النمو إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي في اقتصادات مجلس التعاون الخليجي (البحرين والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة)، الذي قُدِّر بـ 3.9% في عام 2025، بارتفاع من 2.1% في العام السابق. ويُعزى النمو بالتساوي تقريباً إلى النمو في القطاعين الهيدروكربوني وغير الهيدروكربوني. ويُتوقع أن يعوّض الرفع التدريجي لمستويات الإنتاج المسموح بها من جانب أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط وحلفائها خلال عام 2025 تأثير انخفاض أسعار النفط العالمية وضعف الطلب العالمي، بل ويتجاوزه. كما زادت اقتصادات مجلس التعاون الخليجي من الاقتراض من أسواق السندات الدولية لتنويع مصادر التمويل، وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية، وتمكين استثمارات رأسمالية جديدة. وتواصل المملكة العربية السعودية توسيع الاستثمار المحلي من خلال صندوقها السيادي للثروة، في حين وسّعت البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة أنشطتها غير النفطية في قطاعات مثل الصناعة التحويلية والتشييد. ويُتوقع أن يرتفع نمو اقتصادات مجلس التعاون الخليجي ككل إلى 4.3% في عام 2026.

وفي أماكن أخرى من المنطقة، لا تزال الاقتصادات غير الخليجية متأثرة بالنزاعات المستمرة. وكان نمو الناتج المحلي الإجمالي في هذه الاقتصادات منخفضاً، عند نحو 0.7% في عام 2025. غير أن ذلك يمثل تحسناً من معدل سالب بلغ 1.3% في عام 2024. وقد أضعفت النزاعات الأداء الاقتصادي في المنطقة إضعافاً كبيراً، وبخاصة في البلدان المستوردة للنفط. فبين عامي 2022 و2024، انكمش الناتج بنسبة تقدر بـ 30% في الضفة الغربية وقطاع غزة، و8% في لبنان، و3% في اليمن. ورغم أن هذه النزاعات تضعف ثقة قطاع الأعمال في الاقتصادات غير الخليجية، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي يُتوقع أن يتعافى في عام 2026 ليبلغ 2.7%.

اتجاهات سوق العمل في الدول العربية

يعكس استقرار معدلات المشاركة الإجمالية في القوى العاملة عند مستويات منخفضة في المنطقة فوارق كبيرة بين الرجال والنساء. وقُدِّر معدل المشاركة في القوى العاملة للدول العربية بـ 49.5% في عام 2025، وظل دون تغيير يُذكر عن 49.3% في عام 2015. وقُدِّر معدل المشاركة في اقتصادات مجلس التعاون الخليجي بـ 70.1% في عام 2025، مقارنة بـ 38.3% في الاقتصادات غير الخليجية. وفي اقتصادات مجلس التعاون الخليجي، قُدِّر معدل مشاركة النساء بـ 39.5% في عام 2025، أي أقل من نصف معدل الرجال البالغ 86.7%، رغم أن التحسينات طويلة الأجل في مشاركة المرأة لا تزال تضيّق هذه الفجوة. وفي الاقتصادات غير الخليجية، كان الفارق أكثر وضوحاً، إذ بلغ معدل مشاركة الرجال 66.1% في عام 2025، أي ستة أضعاف معدل النساء البالغ 10.8%. وتتجلى هذه الفوارق بين الجنسين بوضوح في جميع مؤشرات سوق العمل، إذ تكون النساء أكثر عرضة كثيراً من نظرائهن الرجال للبطالة أو التصنيف ضمن فئة الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة، مما يحد من إمكانات الإنتاجية الإجمالية للمنطقة ويبرز المكاسب الاقتصادية التي يمكن تحقيقها بسد الفجوات بين الجنسين.

وتؤثر عوامل وتحديات مختلفة في أسواق العمل في اقتصادات مجلس التعاون الخليجي والاقتصادات غير الخليجية. ففي الاقتصادات غير الخليجية في عام 2025، كان أقل من واحد من كل ثلاثة عمال في عمالة رسمية، وكان أكثر من واحد من كل أربعة يعيش في أسر تقع دون مستوى الفقر المعتدل (4.20 دولارات أمريكية في اليوم). وفي المقابل، لم يكن سوى واحد من كل أربعة عمال في عمالة غير رسمية في اقتصادات مجلس التعاون الخليجي، وكان فقر العاملين شبه منعدم فيها، علماً بأن لخطوط الفقر المطلق أهمية محدودة في البلدان المرتفعة الدخل، إذ إن من يكسب ما يزيد قليلاً على هذه العتبات قد لا يزال فقيراً جداً بالمعنى النسبي، ومن المرجح أن يواجه صعوبة في الحفاظ على مستوى معيشي لائق. والاقتصادات غير الخليجية معرضة بوجه خاص للنزاعات وعدم الاستقرار السياسي وضعف القدرة المؤسسية، وهي عوامل لها تداعيات طويلة الأمد على أسواق العمل وتزيد من تفاقم التحديات الهيكلية المستمرة في سوق العمل. وفي غضون ذلك، تبذل اقتصادات مجلس التعاون الخليجي جهوداً متواصلة للحد من الاعتماد على العمال المهاجرين وزيادة مشاركة القوى العاملة الوطنية. ففي البحرين، على سبيل المثال، يفرض برنامج البحرنة، الذي تديره هيئة تنظيم سوق العمل، حصصاً لتوظيف المواطنين بهدف رفع حصة البحرينيين في سوق العمل الوطني. وتُستخدم نظم مماثلة في جميع اقتصادات مجلس التعاون الخليجي، حيث يمكن أن تصل نسبة العمالة المهاجرة، وبخاصة في قطاعي التشييد والخدمات، إلى 94% من إجمالي العمالة.

التحول الرقمي ثنائي السرعة في الدول العربية قد يوسّع أوجه التفاوت

تتسم اقتصادات مجلس التعاون الخليجي والاقتصادات غير الخليجية بفوارق واضحة في درجة الاستعداد الرقمي والتأهب للذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى تحول ثنائي السرعة في منطقة الدول العربية. ففي اقتصادات مجلس التعاون الخليجي، يحتل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي مكانة محورية في استراتيجيات التنمية الوطنية، ويقترنان باستثمارات كبرى وبنية تحتية وأطر مؤسسية. فعلى سبيل المثال، تمضي قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قدماً في استراتيجيات للذكاء الاصطناعي بتمويل واسع النطاق ومؤسسات متخصصة ومبادرات تشمل التكنولوجيا المالية والمدن الذكية والتقنيات الخضراء والحكومة الإلكترونية. وفي المقابل، تتسم الاقتصادات غير الخليجية بتغطية أضعف للنطاق العريض، وبنية تحتية رقمية أضعف، وانخفاض معدل انتشار التمويل الرقمي، وهو ما يعكس نقص الاستثمار والثغرات التنظيمية والتحديات الهيكلية. ولهذه الفوارق تداعيات مهمة على آثار التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي على العمالة في الدول العربية. ومن المرجح أن تتركز الفوائد في اقتصادات مجلس التعاون الخليجي، من خلال نمو الوظائف الرقمية وتحسن ظروف العمل، في حين قد تواجه الاقتصادات غير الخليجية صعوبة في جني كامل المكاسب من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

والنساء في الدول العربية أكثر ميلاً للاستفادة من إمكانات التعزيز التي يتيحها الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنهن أيضاً أكثر عرضة للأتمتة واحتمال الاستبدال الوظيفي. ويمكن تقسيم آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي على العمالة إلى فئتين رئيسيتين: أولاهما إمكانات التعزيز، وتشير إلى القدرة على تحسين العمالة ورفع الإنتاجية من خلال تكامل المهام؛ وثانيتهما إمكانات الأتمتة، وتعكس آثار الاستبدال، حيث يمكن أن تُستبدل الوظائف بعمليات آلية ييسرها الذكاء الاصطناعي التوليدي. وعموماً، تتجاوز إمكانات التعزيز (14.6% من العمالة) إمكانات الأتمتة (2.2% من العمالة) تجاوزاً كبيراً بالنسبة للدول العربية ككل، مما يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي من المرجح أن يكون له أثر إيجابي صاف على العمالة والإنتاجية في المنطقة. غير أن الفوائد والمخاطر موزعة توزيعاً غير متكافئ بين الفئات السكانية. فالفوارق بين الشباب والبالغين طفيفة، لكن الفوارق بين الجنسين أكثر وضوحاً؛ إذ تسجل النساء أعلى إمكانات للتعزيز، عند 22.7%، مقارنة بالرجال، عند 13.0%. وفي حين أن ذلك أمر مشجع في منطقة تواجه فيها المرأة عوائق هيكلية في سوق العمل، فإنه يكشف أيضاً عن جانب من الهشاشة؛ إذ تتعرض النساء بدرجة أكبر كثيراً للأتمتة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يطال ذلك 5.3% من العاملات، مقارنة بـ 1.6% فقط لدى الرجال. ويتسق ارتفاع تعرض النساء للأتمتة مع الأنماط الملحوظة في البلدان المرتفعة الدخل والمتوسطة الدخل، حيث تواجه النساء أيضاً مخاطر أكبر من الرجال.

آسيا والمحيط الهادئ

تباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي في آسيا والمحيط الهادئ تباطؤاً طفيفاً رغم أداء النمو القوي في كثير من الاقتصادات الكبرى في المنطقة. وقُدِّر نمو الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بنسبة 4.4% في عام 2025، بانخفاض من 4.5% في عام 2024. ونظراً لاتساع رقعة منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فإن هناك تبايناً كبيراً بحسب المنطقة دون الإقليمية. ففي شرق آسيا، مثّل نمو الناتج المحلي الإجمالي المقدر بنسبة 4.0% في عام 2025 انخفاضاً طفيفاً من 4.1% في عام 2024. وفي الصين، استفاد النمو من ارتفاع مؤقت في النشاط الصناعي، إذ سارعت المنشآت المستوردة والمصدرة إلى تسريع شحناتها خارج الصين قبل تطبيق الزيادات في الرسوم الجمركية. ويُعدّ تراجع ثقة الأسر والمستثمرين، إلى جانب انتشار الضعف المالي بين مطوري العقارات، مصدر قلق في الصين، التي من المرجح أن تواصل تدابير التحفيز المالي لمواجهة هذه التحديات الكامنة والتداعيات الناشئة عن الرسوم الجمركية الأمريكية. ومع توقع نمو بنسبة 3.5% لشرق آسيا في عام 2026، لا تزال هناك إمكانات كبيرة لاستخدام التكنولوجيا وتحسينات الابتكار في شرق آسيا لرفع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه في الأجل الطويل، وبخاصة في سياق شيخوخة السكان. وفي غضون ذلك، يُتوقع أن تسجل الهند أحد أعلى معدلات النمو في المنطقة، مما يبقي معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في جنوب آسيا مرتفعاً. وقد يُبقي ضعف الطلب العالمي والمعنويات التجارية في جنوب شرق آسيا النمو عند نحو 4.2% في عام 2026، مقارنة بـ 4.8% في عام 2024.

اتجاهات سوق العمل في آسيا والمحيط الهادئ

رغم استقرار المؤشرات الإجمالية للعمالة والبطالة، هناك تباين كبير بين المناطق دون الإقليمية وداخلها، وبخاصة في معدل البطالة. وقُدِّر معدل البطالة في آسيا والمحيط الهادئ بـ 4.1% في عام 2025، مقارنة بـ 5.1% قبل عقد من الزمن، وهو ما يعكس التحول الهيكلي وخلق فرص العمل. وداخل المنطقة، يتراوح معدل البطالة بين 4.6% في جنوب آسيا و4.3% في شرق آسيا، إلى 2.4% في جنوب شرق آسيا. وفي شرق آسيا، تواجه الصين تحديات كبيرة في بطالة الشباب. وقُدِّرت بطالة الشباب الحضري (المعرَّفين هنا بأنهم من تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً) بنحو 17.8% في يوليو 2025، بارتفاع 0.7 نقطة مئوية عن العام السابق وفقاً للإحصاءات الرسمية. غير أن هذا المعدل ارتفع في تقديرات أغسطس 2025 إلى ما يقارب 19%. وتزداد آفاق العمالة أمام الشباب في الصين عدم يقين بوجه خاص في ظل احتمال مزيد من الاضطرابات التجارية بين الصين والولايات المتحدة.

ويواجه نمو العمالة عوائق متعددة ويشهد تباطؤاً. فرغم ارتفاع العمالة بنحو 15.3 مليون شخص بين عامي 2024 و2025، قُدِّرت نسبة العمالة إلى السكان في آسيا والمحيط الهادئ بـ 57.9% في عام 2025. ويُتوقع أن تنخفض هذه النسبة حتى عام 2027، ويعود ذلك جزئياً إلى شيخوخة السكان. وتضم منطقة شرق آسيا، وهي أكبر منطقة دون إقليمية، بعضاً من أسرع البلدان شيخوخة في العالم، مما يمارس ضغطاً تنازلياً كبيراً على نسب العمالة إلى السكان. علاوة على ذلك، يمارس تصاعد عدم اليقين التجاري الحالي ضغطاً على نمو العمالة عبر مختلف القطاعات، وبخاصة الصناعة التحويلية، المنتشرة بقوة في هذه المنطقة (انظر الفصل الثالث). ويُقدَّر أن نحو 2.9% من إجمالي العمالة في آسيا والمحيط الهادئ مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالطلب النهائي عبر سلاسل الإمداد أو التجارة المتأثرة بالتباطؤ الحالي في التجارة. ويتركز جزء كبير من هذا الأثر في عمالة الصناعة التحويلية، إذ تتعرض 15 مليون وظيفة في الصناعة التحويلية للطلب الأمريكي في شرق آسيا، وبخاصة في المعدات الكهربائية والبصرية، وتتعرض 6.4 مليون و6.3 مليون وظيفة في الصناعة التحويلية في جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا على التوالي، وبخاصة في المنسوجات ومنتجاتها.

ونظراً لاستمرار انتشار العمالة غير الرسمية، قد تُحسِّن أوجه التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي آفاق العمالة أمام العمال غير الرسميين. وكان نحو 1.3 مليار عامل في آسيا والمحيط الهادئ في عمالة غير رسمية في عام 2025 (65.4% من العمالة)، وكان نحو 200.1 مليون عامل يعيشون في أسر تقع دون عتبة الفقر المعتدل (4.20 دولارات أمريكية في اليوم؛ 10.0% من العمالة). وثمة أدلة متزايدة على أن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ييسران إضفاء الطابع الرسمي على جوانب من العمالة غير الرسمية، بما في ذلك الخدمات المالية القائمة على الذكاء الاصطناعي، مثل تقييم الجدارة الائتمانية والمدفوعات الرقمية ومنصات الخدمات المصرفية. ويمكن لهذه الخدمات أن تعزز النشاط الاقتصادي لمن هم في القطاع غير الرسمي، شريطة أن تُصمَّم هذه المنصات لتكون ميسّرة الوصول وعادلة. ورغم ذلك، فإن أثر الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل لا يزال بعيداً عن الوضوح، وتُبرز المخاطر، بما فيها الإقصاء الرقمي وإزاحة الوظائف وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الخدمات القائمة على الذكاء الاصطناعي، الآثار المحتملة المتعددة على كل من العمال الرسميين وغير الرسميين. وفي الوقت نفسه، تشير الطبيعة المعقدة للعمالة غير الرسمية إلى الحاجة إلى نهج شامل ومتكامل للحد من العمالة غير الرسمية يأخذ في الحسبان بالكامل آثار الذكاء الاصطناعي.

وتواصل العمالة في الصناعة التحويلية في آسيا والمحيط الهادئ ارتفاعها كحصة من إجمالي العمالة. وفي حين تتراجع العمالة في الصناعة التحويلية عالمياً كحصة من إجمالي العمالة، ويعود ذلك جزئياً إلى الأتمتة وتطورات أخرى معززة للإنتاجية، فإن هذا التراجع يُعزى أساساً إلى البلدان المرتفعة الدخل. وفي المقابل، تشهد المناطق دون الإقليمية في آسيا والمحيط الهادئ زيادات في حصة العمالة في الصناعة التحويلية. وفي آسيا والمحيط الهادئ، عمل نحو 330 مليون شخص في الصناعة التحويلية في عام 2025، أي ما يمثل 16.1% من إجمالي العمالة. وفي شرق آسيا، قُدِّر أن أكثر من 20% من إجمالي العمالة كان في الصناعة التحويلية في عام 2025، ومعظم ذلك في الصين، وهي نسبة أعلى كثيراً من المتوسط العالمي البالغ 13.7%. وفي عام 2024، استأثرت الصين بنحو 27% من الصناعة التحويلية العالمية بالقيمة الدولارية الجارية، وهي نسبة أعلى من الولايات المتحدة (17%) وألمانيا (5%) والهند (3%) مجتمعة.

ولا تضمن العمالة في قطاع الصناعة التحويلية بالضرورة عملاً لائقاً. ففي الصين، يشيع بين العمال في هذا القطاع عدم توافر عقود عمل رسمية أو إمكانية الحصول على مزايا الضمان الاجتماعي الأساسية. وكثيراً ما يُستخدَم هؤلاء العمال عبر وكالات وسيطة أو يعملون كعمال يوميين لا يحظون بعقود رسمية أو عقود خدمة. وأظهرت دراسة ميدانية في مقاطعتي غوانغدونغ وجيانغسو في الصين أن العمالة عبر وكالات التوظيف المؤقت مثّلت، بين عامي 2022 و2024، ثلث القوى العاملة في المتوسط، وارتفعت إلى ثلثيها في مواسم الذروة. وفي المنشآت الكبرى للصناعة التحويلية التي يفوق عدد عمالها 10 آلاف عامل، يمكن أن يصل عدد العاملين عبر وكالات العمل المؤقت إلى 80% من إجمالي العمال. ويُقدَّر متوسط عمر الداخلين إلى سوق العمل في قطاع الصناعة التحويلية عبر هذه القنوات بنحو 27 عاماً، ومعظمهم من المناطق الريفية. وهذا العمل المؤقت في الصناعة التحويلية متدنٍّ المهارة في معظمه، غير أن التقديرات تشير إلى أن معظم هؤلاء العمال من حملة الشهادة الثانوية، وأن كثيراً منهم من خريجي الجامعات، مما يعني أنهم يعملون في وظائف دون مؤهلاتهم. ويُعدّ غياب إمكانية الحصول على الضمان الاجتماعي أمراً إشكالياً نظراً للطبيعة الدورية للطلب في قطاع الصناعة التحويلية، الذي كثيراً ما يؤدي إلى فترات بطالة لهؤلاء الشباب، ويبرز التحديات التي يواجهونها في تحقيق اندماج طويل الأجل في سوق العمل.

التحدي المزدوج لمخاطر المناخ وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في آسيا والمحيط الهادئ وتداعياته على نمو الوظائف الخضراء

تُعدّ آسيا والمحيط الهادئ من أكثر المناطق تعرضاً لآثار تغير المناخ، وهي في الوقت نفسه من أكبر مصادر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وتشير بعض التقديرات إلى أن ما يصل إلى 30% من ثروة المنطقة مستمد من رأس المال الطبيعي، أي رصيد الأصول الطبيعية مثل الغابات والأنهار والتنوع البيولوجي. ونتيجة لذلك، يمكن أن يكون لاستنزاف هذا الرصيد بفعل تغير المناخ والنشاط البشري تداعيات كبيرة على الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة. ففي المنطقة التي تضم أعضاء رابطة أمم جنوب شرق آسيا، على سبيل المثال، عطّلت الفيضانات المتكررة الناتج الزراعي وألحقت أضراراً بالبنية التحتية، وأدى ارتفاع مستوى سطح البحر إلى زيادة ملوحة التربة وانخفاض إنتاجية المحاصيل. ولهذه التطورات تداعيات كبيرة على أسواق العمل، إذ تسهم في إزاحة الوظائف والهجرة داخل الحدود وعبرها. غير أن المنطقة تُعدّ أيضاً من أبرز المساهمين في تغير المناخ؛ ففي عام 2023، قُدِّر أن آسيا والمحيط الهادئ ولّدت نحو 60% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، وهو ما يعكس اعتماداً على التصنيع القائم على الوقود الأحفوري، وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع البصمة المادية للمنطقة. وتطرح هذه العوامل مجتمعة تحدياً مزدوجاً يتمثل في مخاطر المناخ والحاجة إلى التنويع بعيداً عن الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهو ما يمكن معالجته من خلال جهود دفع التحول الأخضر في المنطقة.

ومع تقدم التحول الأخضر في المنطقة، باتت الوظائف الخضراء تحتل مكانة أبرز في استراتيجيات وخطط التنمية الوطنية. فقد وُضعت استراتيجيات واسعة النطاق للطاقة المتجددة في الصين والهند وإندونيسيا، إلى جانب استراتيجيات طويلة الأجل لخفض الكربون لا تشير إلا إشارات عابرة إلى العمالة والوظائف. غير أن استراتيجيات أحدث بدأت تتناول الوظائف الخضراء صراحة. فعلى سبيل المثال، أطلقت الفلبين في عام 2025 خطتها الوطنية لتنمية الموارد البشرية للوظائف الخضراء للفترة 2020 إلى 2030، التي تحدد الإطار الاستراتيجي الوطني لتوجيه تنمية قوة عاملة مستدامة؛ وفي تايلند، تسعى سياسات وخطط متعددة إلى زيادة الوظائف الخضراء والمهارات الخضراء، من خلال وسائل منها دعم قطاعات السلع والخدمات البيئية والاستثمار في البحث والتطوير.

وتشهد الوظائف في قطاع الطاقة المتجددة ارتفاعاً، لكنها لا تمثل سوى جزء من المشهد الأوسع للوظائف الخضراء. والواقع أن الصين وحدها استأثرت بـ 7.4 مليون وظيفة في مجال الطاقة المتجددة في عام 2024، أي ما يعادل 46% من الإجمالي العالمي، كما تحرز كل من الهند واليابان وجمهورية كوريا تقدماً ملحوظاً في زيادة عدد وظائف الطاقة المتجددة. غير أن الوظائف الخضراء تتجاوز قطاع الطاقة المتجددة لتشمل وظائف في مجالات أخرى، منها تلك المرتبطة باستعادة البيئة والحفاظ عليها، بما يشمل تقليل النفايات والتلوث، وحماية النظم الإيكولوجية واستعادتها، وتخفيف آثار تغير المناخ. ومن الاستراتيجيات والمبادرات المولِّدة للوظائف الخضراء في هذا الصدد تطوير الزراعة الذكية مناخياً واستخدامها في جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، وتحسين إدارة النفايات في الفلبين، ورؤية الاقتصاد الدائري في اليابان. كما خلص تحليل لإعلانات الوظائف على منصة LinkedIn إلى أن التوظيف في الوظائف الخضراء في آسيا والمحيط الهادئ نما بنسبة 30% بين عامي 2016 و2021. وتشير تحليلات أحدث لبيانات المنصة نفسها (بين عامي 2023 و2024) إلى أن الطلب على الكفاءات الخضراء يفوق العرض كثيراً في بلدان آسيا والمحيط الهادئ التي تتوافر بشأنها بيانات، بما فيها أستراليا والهند وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلند وفييت نام.

أوروبا وآسيا الوسطى

لا يزال نمو الناتج المحلي الإجمالي في شرق أوروبا وآسيا الوسطى وغربها متبايناً، مع استمرار الآثار غير المباشرة للعوامل الجيوسياسية. وقُدِّر أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي في شرق أوروبا من 3.4% في عام 2024 إلى 1.3% في عام 2025، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى تباطؤ الاتحاد الروسي. وقد زادت الروابط الاقتصادية طويلة الأمد بين الاتحاد الروسي وكثير من بلدان آسيا الوسطى وغربها من درجة تعرض هذه البلدان. ورغم ذلك، سجّلت آسيا الوسطى وغربها نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 4.1% في عام 2025، بتحسن من 3.8% في العام السابق، ويُتوقع أن يظل عند نحو 4.0% حتى عام 2026. غير أن التباطؤ الاقتصادي في الاتحاد الروسي قد يؤثر سلباً في تدفقات التحويلات المالية والطلب المحلي وأوضاع المالية العامة في آسيا الوسطى بوجه خاص. وفي غضون ذلك، شهدت بلدان مثل جورجيا وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان استهلاكاً خاصاً قوياً في ظل نمو صحي للأجور الحقيقية والتحويلات المالية. كما أسهم الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والتعدين في النمو في آسيا الوسطى وغربها، كما هو الحال في كازاخستان. ويمكن أن تؤدي مزيد من الآثار غير المباشرة الناجمة عن التوترات العالمية إلى إضعاف النمو في المنطقة، من خلال تعطيل الاستثمار الوارد وسلاسل الإمداد، وخفض الطلب على الصادرات، وتشديد أسواق رأس المال.

ويُتوقع أن تشهد شمال أوروبا وجنوبها وغربها نمواً مستقراً لكن متواضعاً، رغم حالات عدم اليقين التجاري الأخيرة. وقُدِّر نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.2% في عام 2025، بارتفاع طفيف عن 1.1% في العام السابق. ويعكس الارتفاع الطفيف المتوقع إلى 1.3% في عام 2026 استمرار المسار الإيجابي في الأجل القصير. ويُتوقع أن يدعم النمو القوي في الأجور وزيادة الاستثمار من تمويل الاتحاد الأوروبي نمواً قوياً في أكبر اقتصاد في وسط أوروبا، وهو بولندا، بما يحقق نمواً دون إقليمياً بنسبة 2.4% لعام 2025. وبالنظر إلى ما بعد عام 2026، يُتوقع أن يكون نمو الأجور الحقيقية والعمالة قوياً في أوروبا، وأن تسهم زيادة الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والدفاع في تعزيز الطلب داخل منطقة اليورو وتهيئة ظروف مواتية للنمو. ويُقدَّر نمو نسبياً بطيء لمنطقة اليورو، عند 1.2% في عام 2025 و1.0% في عام 2026. وقد يؤثر توقع هذا النمو الضعيف نسبياً سلباً أيضاً في المصدّرين خارج منطقة اليورو في شرق أوروبا والبلقان.

اتجاهات سوق العمل في أوروبا وآسيا الوسطى

في شمال أوروبا وجنوبها وغربها، تبدو المؤشرات الإجمالية لسوق العمل الخاصة بالعمالة والبطالة مستقرة نسبياً، لكن هناك، تحت السطح، مؤشرات على وجود نقص وفائض في العمالة في آن واحد. وقُدِّرت نسبة العمالة إلى السكان بـ 54.6% في عام 2025؛ وبلغ معدل البطالة 6.2% (وهو مستقر نسبياً منذ عام 2024)؛ وتراجع معدل المشاركة في القوى العاملة تراجعاً طفيفاً فقط على أساس سنوي، ليبلغ 58.1% في عام 2025. غير أن مقاييس أخرى تشير إلى أن أوروبا تعاني من نقص في العمالة في مهن مختلفة. فعلى سبيل المثال، في الاتحاد الأوروبي، تبيّن أن 98% من المهن التي شملها الفحص تعاني من نقص في بلد واحد على الأقل. وشملت المهن التي سجلت أكبر نقص اللحّامين والعاملين في التمريض والطهاة والكهربائيين. وفي الوقت نفسه، هناك أيضاً فوائض كبيرة في مهن مختلفة عبر المنطقة دون الإقليمية، وقد يعكس ذلك جزئياً استبدال الوظائف بالتكنولوجيا. ويعكس هذا النقص والفائض كلاً من تغير الطلب على العمالة وحالات عدم التطابق في المهارات عبر المنطقة دون الإقليمية، مدفوعاً بعوامل هيكلية مثل شيخوخة السكان، وكذلك التحولين الأخضر والرقمي، اللذين يؤثران في تركيبة المهارات المطلوبة في سوق العمل.

وفي كل من شرق أوروبا وآسيا الوسطى وغربها، لا تزال أوجه القصور في العمل اللائق قائمة. ففي هاتين المنطقتين، لا تزال العمالة غير الرسمية منتشرة (وإن كانت منخفضة نسبياً مقارنة بمناطق أخرى)، لكن هناك تقدماً مستمراً. ففي شرق أوروبا، قُدِّر أن 13.8% من السكان العاملين كانوا في عمالة غير رسمية في عام 2025، مقابل 31.5% في آسيا الوسطى وغربها. وكان التقدم في الحد من العمالة غير الرسمية كبيراً في آسيا الوسطى وغربها، حيث يعمل معظم العمال غير الرسميين في الزراعة، إذ انخفض معدل العمالة غير الرسمية من 37.5% في عام 2015. وقد دُفع هذا التقدم بعوامل منها التحول الهيكلي والتحضر، وخلق مزيد من الوظائف خارج الزراعة. إضافة إلى ذلك، قُدِّرت نسبة الشباب (15 إلى 24 عاماً) المصنَّفين ضمن فئة الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة في آسيا الوسطى وغربها بـ 19.0% في عام 2025. وكانت هذه النسبة أعلى كثيراً لدى الشابات، إذ بلغت 24.9%، مقارنة بـ 13.3% لدى الشبان.

شيخوخة السكان في أوروبا وآسيا الوسطى

يُتوقع أن تشهد أوروبا وآسيا الوسطى شيخوخة سكانية كبيرة في الأجلين المتوسط والطويل. ويُتوقع أن ترتفع نسبة الإعالة العمرية، أي عدد الأشخاص البالغين من العمر 65 عاماً فأكثر لكل 100 شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و64 عاماً، في المنطقة من 28 لكل 100 في عام 2024 إلى 43 لكل 100 في عام 2050. ويُتوقع أن يكون أكبر تغير في جنوب أوروبا، حيث يُتوقع أن تتضاعف هذه النسبة تقريباً من 36 إلى 66 لكل 100 بحلول عام 2050. ورغم أن نسب الإعالة العمرية في آسيا الوسطى وغربها أدنى كثيراً حالياً منها في أوروبا، فإن هاتين المنطقتين ستشهدان أيضاً آثار شيخوخة السكان. ويُتوقع أن تشهد غرب آسيا أكبر زيادة نسبية في نسبة الإعالة العمرية في المنطقة، إذ ترتفع من 16 إلى 34 لكل 100 بحلول عام 2050. غير أن الهجرة الوافدة ستساعد على تخفيف حدة الارتفاع في هذه النسب. وفي غياب أي هجرة وافدة إلى المنطقة، ستكون النسبة الإقليمية أعلى بنحو 3 أشخاص لكل 100 في عام 2050، وهو ما يُظهر أن آثار التحول الديمغرافي داخل المنطقة يُتوقع أن تفوق كثيراً حجم الهجرة الدولية وأثرها.

وفي غياب سياسات استباقية، يهدد التحول الديمغرافي بتفاقم النتائج الاقتصادية ونتائج القوى العاملة عبر قنوات متعددة. فزيادة الإنفاق على المعاشات التقاعدية العامة والرعاية الصحية وأشكال أخرى من الضمان الاجتماعي يمكن أن تشكل عبئاً كبيراً على المالية العامة، مما يزاحم الموارد المخصصة للاستثمارات الرأسمالية والابتكار. وفي البلدان التي تشهد تراجعاً في عدد السكان، وبخاصة في مناطق شرق أوروبا وجنوبها وغربها دون الإقليمية، قد تحجم المنشآت عن الاستثمار في البحث والتطوير تحسباً لتراجع الطلب المحلي، وهو ما يمكن أن يبطئ نمو الإنتاجية والقدرة التنافسية في الأجل الطويل. كما ستزيد شيخوخة السكان من الطلب على خدمات الرعاية والخدمات الاجتماعية، مما يضع ضغطاً إضافياً على القوى العاملة؛ وفي الوقت نفسه، ستحتاج القطاعات الأعلى إنتاجية إلى تحقيق نمو أعلى في الإنتاجية لتعويض أي تباطؤ في المتوسط. وإلى جانب ذلك، يميل العمال الأصغر سناً إلى تبني التقنيات الجديدة بسهولة أكبر، مما يعني أن شيخوخة القوى العاملة قد تبطئ من انتشار الابتكار، وتخفض معدلات تبني التكنولوجيا، وتحد من مكاسب الإنتاجية المحتملة، وبذلك تضاعف من العبء الذي يفرضه التحول الديمغرافي على الأداء الاقتصادي.

ويُتوقع أن يمثل التحول الديمغرافي عبئاً كبيراً على النمو في بعض المناطق دون الإقليمية، مما يُظهر التكلفة المحتملة للتقاعس عن التحرك والحاجة إلى تدخلات سياساتية موجهة. ويتبين أن جنوب أوروبا قد تخسر نمواً سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز نقطة مئوية واحدة نتيجة تراجع نمو السكان في سن العمل، إلى جانب تراجع نمو العمالة والقوى العاملة. وفي آسيا الوسطى وغربها، يُتوقع أن تقابل الزيادات المرتقبة في السكان في سن العمل جزئياً انخفاضات في معدلات العمالة الإجمالية، إذ ظلت معدلات المشاركة لمن تتجاوز أعمارهم 50 عاماً منخفضة تاريخياً في المنطقة.

ويمكن للسياسات الموجهة جيداً لتكييف القوى العاملة مع التحولات الديمغرافية أن تسهم في تحسين نتائج النمو والعمالة في الأجل الطويل. ويُظهر تقلص السكان وشيخوختهم في أوروبا وآسيا الوسطى الحاجة إلى العمل بنشاط على الاحتفاظ بالعمال لفترات أطول واستقطاب العاطلين حالياً أو الموجودين خارج القوى العاملة. وبين عامي 1991 و2023، تضاعف معدل مشاركة النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 55 و64 عاماً في القوى العاملة في أوروبا أكثر من مرتين، من 26.2% إلى 58.1%. وفي المقابل، يُتوقع أن تظل هذه النسبة في آسيا الوسطى وغربها دون 35% حتى عام 2050. ويمكن للابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي أن يحققا مكاسب في الكفاءة تعوض جزئياً الطلب على العمالة الذي ستجد البلدان صعوبة في تلبيته، شريطة أن يمتلك العمال المهارات المطلوبة. وتُتاح للبلدان أيضاً فرص لرفع معدلات المشاركة من خلال التركيز على الفئات السكانية ذات المعدلات المرتفعة من الشباب الخارجين عن التعليم والتدريب والعمالة. ويسجل الأشخاص ذوو الإعاقة معدلات مرتفعة بشكل غير متناسب من هذه الفئة، رغم أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والعمل عن بُعد يمكن أن تتيح جميعها فرصاً أكبر لحصولهم على عمالة منتجة ولائقة.

دراسة ذات صلة