القائمة الرئيسية

تقرير الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب 2026: العودة إلى المستقبل

تقرير الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب 2026: العودة إلى المستقبل
ملخص الدراسة

يشير تقرير الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب لعام 2026 إلى توقف التقدم في أسواق عمل الشباب عالمياً بعد جائحة كوفيد-19، مع تدهور ملحوظ في كمية ونوعية الوظائف المتاحة. فقد ارتفع معدل البطالة بين الشباب عالمياً إلى 12.4% عام 2025 (67 مليوناً)، وبلغت نسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب (NEET) 20% (257 مليوناً)، متأثرة بتباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع خلق الوظائف والاضطرابات الجيوسياسية ومخاطر الذكاء الاصطناعي الذي يهدد وظائف المهارات المتوسطة. وتعاني مناطق مثل الدول العربية وشمال أفريقيا من أعلى معدلات البطالة والـ NEET، بينما تُظهر أفريقيا جنوب الصحراء انتشار العمل غير المنظم، وتزداد صعوبة دخول سوق العمل في البلدان ذات الدخل المرتفع أيضاً. كما تتفاقم الفجوة بين الجنسين، حيث تمثل الشابات أغلبية كبيرة من فئة NEET. يدعو التقرير إلى سياسات جريئة ومرنة قائمة على خلق فرص العمل، وتنمية المهارات والتعلم مدى الحياة، وتيسير الانتقال لسوق العمل، وضمان الإدماج والحماية الاجتماعية، مع نهج يركز على الإنسان في التعامل مع التكنولوجيا، لضمان مستقبل عمل لائق وآمن للشباب وإعادة بناء الثقة.

تمهيد

يسعدني أن أقدم إصدار عام 2026 من تقرير الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب. فمنذ صدوره الأول عام 2004، دأب هذا التقرير على تقديم قراءة معمّقة لأحدث المؤشرات العالمية والإقليمية المتاحة عن أسواق عمل الشباب، كما شكّل أداةً للدعوة إلى استثمار أكبر وأجود في مجالات السياسات التي تعزز تشغيل الشباب وتيسّر انتقالهم إلى العمل اللائق وإلى مرحلة الرشد المنتجة. وتسهم نتائجه في إثراء الحوار حول السياسات، وفي تشجيع المشاركة الفاعلة للشباب وبناء الشراكات، وفي إلهام مبادرات برامجية تحوّل الأدلة إلى أفعال ملموسة، فتدعم الشباب مباشرة، وتقوّي المؤسسات، وتوجّه تصميم السياسات الوطنية الرامية إلى تحسين نتائج تشغيل الشباب وتنفيذها.

ويأتي هذا الإصدار في لحظة مفصلية بالنسبة إلى الشباب، إذ توقف فجأة التقدم الذي شهدناه في تشغيل الشباب منذ جائحة كوفيد 19. ويحدث هذا الانقلاب في الأحوال في زمن يسوده قدر كبير من عدم اليقين والهشاشة في الاقتصاد العالمي؛ فالنمو ما زال ضعيفاً، وحالة عدم اليقين مرتفعة، والضغوط التضخمية مستمرة، فيما تبرز مخاطر جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ولا يبشّر أي من ذلك بالخير للشباب، فنحن ندرك جيداً أنه حين تتعثر الاقتصادات ويركد خلق الوظائف، يكون الشباب الطامحون الباحثون عن عمل هم الأشد تأثراً على الدوام.

ويسلط هذا التقرير الضوء على التدهور الأخير في تشغيل الشباب من حيث كمية الوظائف ونوعيتها معاً، ويشير إلى الطريق الوعر الذي ينتظر شباب اليوم في سعيهم إلى الحصول على عمل لائق. فما زال ملايين الشباب، ومعظمهم من الشابات، خارج دائرة العمل والتعليم والتدريب، بل إن أعدادهم آخذة في الازدياد. ويدق التقرير ناقوس الخطر إزاء تزايد الضغوط الناجمة عن قصور خلق الوظائف، وهي ضغوط تدفع عدداً متنامياً من الشباب إلى الخمول الاقتصادي، أو إلى رحلات بحث مطوّلة عن عمل قد تنتهي بهم إلى الإحباط، أو إلى العمل غير المنظم. وكثيراً ما يجد الشباب أنفسهم في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو تطلعاتهم، أو لا توفر لهم الحماية الاجتماعية وحماية العمل اللازمتين للحد من انعدام أمن الدخل. ومما يثير القلق بوجه خاص تآكل الوظائف متوسطة المهارة، التي كانت يوماً ملاذاً للشباب الباحثين عن وظيفتهم الأولى بعد إتمام التعليم الثانوي أو التدريب التقني.

وإلى جانب هذه النتائج غير المواتية للشباب في سوق العمل، يتصاعد الضجيج حول الذكاء الاصطناعي. ومع أن الأدلة على أثره في الوظائف ما زالت غير حاسمة، فلا ينبغي لنا أن نركن إلى الاطمئنان أو نستهين بالمخاطر، لا سيما أن مشاعر القلق لدى الشباب بلغت مستويات مرتفعة. ونظراً إلى التكاليف المرتبطة بانعدام الأمان في سوق العمل، بما في ذلك تكاليفه على رفاه الشباب وعلى آفاقهم في تحقيق مكاسب طويلة الأمد في الإنتاجية والدخل، فإن هذا التقرير يمثل دعوة إلى العمل. فهو يوجّه رسالة واضحة بشأن الحاجة الملحّة إلى بذل مزيد من الجهد في مجال سياسات التشغيل، سواء في العمل المأجور أو العمل الحر، وفي مجال حماية العمل والحماية الاجتماعية، لطمأنة الشباب إلى أن مخاوفهم مسموعة. ومن خلال هذا التقرير، ندعو جميع الأطراف المعنية، من حكومات وأصحاب عمل ونقابات عمالية ومنظمات دولية ومجتمع مدني وقيادات شبابية، إلى تكثيف جهودها والعمل معاً على صياغة سياسات جريئة ومرنة قادرة على إعادة الشباب إلى المستقبل، حيث تعود المسارات لتفضي مجدداً إلى العمل اللائق.

الملخص التنفيذي

طريق وعر أمام الشباب في دخولهم سوق العمل

توقف التعافي المتردد وقصير الأمد الذي شهدته أسواق عمل الشباب في أعقاب جائحة كوفيد 19. ويخلص هذا الإصدار من تقرير الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب إلى أن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وتراجع خلق الوظائف، والتوترات الجيوسياسية، والتغير التكنولوجي المتسارع، عوامل تتضافر لتجعل الانتقال من الدراسة إلى العمل اللائق أمراً عسيراً على نحو متزايد بالنسبة إلى كثير من الشباب. فبعد أن بلغ معدل البطالة العالمي بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين في عام 2023، عاد ليرتفع قليلاً إلى 12.4% في عام 2025، أي ما يعادل 67 مليون شاب عاطل عن العمل في أنحاء العالم. كذلك عادت نسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب إلى الارتفاع عالمياً، فبلغت 20% في عام 2025 بعد أن كانت 19.7% في عام 2023. ويعني ذلك انضمام 9 ملايين شاب إضافي إلى هذه الفئة منذ عام 2023، ليبلغ مجموعهم 257 مليوناً في عام 2025. ونظراً إلى أن هذه الفئة تضم أعداداً أكبر بكثير من الشباب، وإلى أن معالجة انفصالهم عن سوق العمل والتعليم أصعب، فإن الاتجاه المتصاعد في معدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب يبعث على القلق بوجه خاص. ويعكس ذلك تفاوت درجة الارتباط بسوق العمل؛ فالشاب العاطل عن العمل هو بحكم التعريف متاح للعمل ويبحث عنه بنشاط، ومن ثم يظل مرتبطاً بسوق العمل. أما الشاب غير الملتحق بالعمل أو التعليم أو التدريب فهو خارج سوق العمل، لا يعمل ولا يبحث عن عمل ولا ينخرط في تعليم أو تدريب. وهؤلاء أكثر عدداً من الشباب العاطلين، وإعادتهم إلى دائرة النشاط الاقتصادي أو الدراسة عبر السياسات والبرامج أشد صعوبة.

مع ارتفاع معدلات بطالة الشباب في جميع مناطق العالم تقريباً

خلافاً للإصدارات السابقة من هذا التقرير، التي تباينت فيها اتجاهات مؤشرات سوق العمل الرئيسية تبايناً واسعاً بين المناطق الفرعية، جاء تدهور نتائج دخول الشباب إلى سوق العمل شبه شامل خلال العامين الماضيين. فقد ارتفع معدل بطالة الشباب بين عامي 2023 و2025 في 8 من المناطق الفرعية الإحدى عشرة، وكذلك في البلدان المرتفعة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى والبلدان المنخفضة الدخل. وسُجلت أكبر الزيادات في شمال أفريقيا وأمريكا الشمالية وشمال أوروبا وجنوبها وغربها.

وفي آسيا الوسطى والغربية وأوروبا الشرقية، وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، خفت وقع "النبأ السار" المتمثل في انخفاض معدل بطالة الشباب بسبب ارتفاع أعداد الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب. وبينما برزت أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بوصفها المنطقة الوحيدة التي شهدت انخفاضاً في معدل بطالة الشباب ومعدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب معاً، كشف مزيد من التحليل أن هذه النتائج تعود جزئياً إلى تقلص أعداد السكان الشباب، وأن معظم بلدان المنطقة الفرعية شهدت اتجاهات متدهورة في انخراط الشباب في سوق العمل.

الفجوات بين الجنسين راسخة، وما زال الشبان يتمتعون بالأفضلية في دخول سوق العمل

تحمل مشكلة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب وجهاً أنثوياً في جميع المناطق الفرعية من العالم تقريباً. ففي عام 2025، ظل أكثر من اثنين من كل ثلاثة شباب في هذه الفئة من النساء، وبلغ معدل الشابات غير الملتحقات بالعمل أو التعليم أو التدريب 27.4%، أي أكثر من ضعف المعدل لدى الشبان البالغ 13.1%. وعلى الصعيد العالمي، كانت الزيادة في هذا المعدل منذ عام 2023 أشد قليلاً لدى الشابات منها لدى الشبان، إذ ارتفع بمقدار 0.5 نقطة مئوية و0.2 نقطة مئوية على التوالي، مما زاد الفجوة بين الجنسين اتساعاً.

وعلى العكس من ذلك، ضاقت الفجوة بين الجنسين قليلاً في نسبة الشباب العاملين. ومع ذلك، ظلت نسبة العمالة إلى السكان لدى الشبان، البالغة 43.3%، تفوق نظيرتها لدى الشابات، البالغة 30.6%، بنحو 13 نقطة مئوية في عام 2025. ولا تعود هذه الفجوة إلى عدم المساواة في الحصول على التعليم، إذ باتت معدلات الالتحاق بالمدارس متكافئة بين الشبان والشابات، بل تعود إلى الميل الأعلى بكثير لدى الشابات إلى الوقوع خارج العمل والتعليم والتدريب بسبب الخمول الاقتصادي خارج الدراسة. وما زالت العوائق المستمرة المرتبطة بمسؤوليات الرعاية غير المدفوعة الأجر، والتمييز، ومحدودية فرص الحصول على عمل جيد، تقيّد المشاركة الاقتصادية للشابات، ولا سيما في الدول العربية وشمال أفريقيا وجنوب آسيا.

وتتوزع المناطق الفرعية ومجموعات البلدان وفق اتجاهات معدل بطالة الشباب ومعدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب بين عامي 2023 و2025 على النحو الآتي: شهدت الدول العربية وشمال أفريقيا وشرق آسيا وأمريكا الشمالية وشمال أوروبا وجنوبها وغربها وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب البلدان المرتفعة الدخل والمنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى، ارتفاعاً في المعدلين كليهما. وشهدت آسيا الوسطى والغربية وأوروبا الشرقية والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى انخفاضاً في معدل بطالة الشباب مع ارتفاع في معدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب. أما أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي فقد انفردت بانخفاض معدل بطالة الشباب مع ثبات معدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب أو انخفاضه.

معاناة الشباب في الوصول إلى العمل اللائق تُضعف مشاركتهم في سوق العمل في المناطق الفرعية النامية

تظل الدول العربية وشمال أفريقيا باستمرار المنطقتين الفرعيتين اللتين تسجلان أعلى معدلات بطالة الشباب في العالم. ففي هاتين المنطقتين، يكافح أكثر من شاب واحد من كل خمسة شباب ناشطين اقتصادياً للعثور على عمل، إذ يبلغ معدل بطالة الشباب 26.2% و22.6% على التوالي، ويقع شاب واحد على الأقل من كل ثلاثة شباب خارج العمل والتعليم والتدريب، بمعدلات تبلغ 32.4% و30.1% على التوالي. وحين تواصل هذه المؤشرات ارتفاعها انطلاقاً من مستويات مرتفعة أصلاً، فإن ذلك ينبئ بتعمّق العوائق الهيكلية الراسخة التي تدفع المواهب الشابة، والشابات على وجه الخصوص، إلى هامش المجتمع المنتج.

ويمثل وضع الشباب في أفريقيا جنوب الصحراء طرفاً نقيضاً آخر. فقد بلغ معدل بطالة الشباب في هذه المنطقة الفرعية 8.4% في عام 2025، أي أقل من المتوسط العالمي بأربع نقاط مئوية، في حين جاء معدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب فيها أعلى بقليل من المتوسط العالمي عند 21.6%. وتعكس معدلات بطالة الشباب المنخفضة، وإن كانت آخذة في الارتفاع، في أفريقيا جنوب الصحراء سياقاً لا يستطيع فيه سوى قلة من الشباب تحمّل البقاء بلا عمل. فمعظم الشباب مضطرون إلى تحصيل دخل، فيقبلون وظائف غير منظمة تقع خارج نطاق الحماية الاجتماعية واستقرار العمل أو الدخل. ولا يزال قرابة تسعة من كل عشرة عمال شباب في البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى، ويقع كثير منها في أفريقيا جنوب الصحراء، يعملون في الاقتصاد غير المنظم، وظل اثنان من كل ثلاثة منهم في شكل من أشكال العمل غير الآمن، بوصفهم عاملين لحسابهم الخاص أو عاملين مأجورين مؤقتين، حتى بعد بلوغهم مرحلة الشباب البالغ بين 25 و29 عاماً.

ويبدو الضغط السكاني في أفريقيا جنوب الصحراء ثقيلاً على نحو لافت، إذ تستأثر هذه المنطقة الفرعية الآن بنحو ثلثي الزيادة في عدد الشباب على مستوى العالم، وسيستمر ذلك في المستقبل القريب. ومع وجود ملايين من الوافدين الشباب الجدد إلى سوق العمل يتنافسون بالفعل على عدد محدود من الوظائف اللائقة، واستمرار الضغوط السكانية، يعدّ ارتفاع معدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب في أفريقيا جنوب الصحراء مؤشراً على تنامي الإحباط بين الشباب.

صعوبة دخول سوق العمل في البلدان المرتفعة الدخل ظاهرة حديثة نسبياً

يحظى الشباب في البلدان المرتفعة الدخل عادة بفرص أكبر للحصول على أشكال عمل أكثر أماناً. فالعمل المنظم هو القاعدة، إذ لا يعمل بصورة غير منظمة سوى 11.7% منهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الانخراط في أشكال العمل الأكثر أماناً مثل العمل المأجور بعقود تزيد مدتها على سنة، إذ يعمل 75% من العمال الشباب البالغين في هذه البلدان في أشكال عمل آمنة. ومع ذلك، أصبح الطريق إلى هذه الوظائف أكثر صعوبة على نحو متزايد أمام الشباب في البلدان المرتفعة الدخل أيضاً. وكانت الزيادة في معدل بطالة الشباب مرتفعة بوجه خاص في أمريكا الشمالية، إذ ارتفع من 8.3% في عام 2023 إلى 9.8% في عام 2025. وشهدت شمال أوروبا وجنوبها وغربها زيادة أصغر، غير أن المعدل ظل عند مستوى مرتفع في عام 2025 بلغ 15%. ومن بين البلدان التسعة والعشرين في هذه المنطقة الفرعية، شهد 20 بلداً تراجعاً في قدرة اقتصاداتها على استيعاب المواهب الشابة وتوفير فرص عمل لائقة لها.

والشباب الذين أنهوا دراستهم أو تدريبهم في المرحلة الثانوية في هاتين المنطقتين الفرعيتين وفي أوروبا الشرقية هم من يواجهون أكبر العقبات في العثور على عمل. وقد تدهور وضعهم في السنوات الأخيرة، كما تدهور وضع خريجي الجامعات بدرجة مماثلة. وفي المقابل، تحسنت معدلات بطالة الشباب منذ عام 2023 في البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى، سواء للحاصلين على تعليم عالٍ أو على تعليم ثانوي.

خلق الوظائف لا يواكب نمو أعداد الشباب في مناطق عدة

اعتباراً من عام 2024، تجاوز نمو أعداد الشباب نمو إجمالي العمالة في شرق آسيا وأوروبا الشرقية وأمريكا الشمالية وشمال أوروبا وجنوبها وغربها. ويعني ذلك أن الأفواج الشبابية في هذه المناطق الفرعية ازدادت بوتيرة أسرع من وتيرة خلق الوظائف عموماً، مما يثير المخاوف بشأن قدرة الاقتصادات على توليد فرص كافية للشباب.

وبينما يركد تشغيل الشباب أو يتراجع، واصلت عمالة البالغين توسعها. فقد ارتفع معدل بطالة الشباب عالمياً من 12.3% في عام 2023 إلى 12.4% في عام 2025، في حين انخفض المعدل لدى البالغين الذين تبلغ أعمارهم 25 عاماً فأكثر من 3.7% إلى 3.6%. وأدى تباين هذين الاتجاهين إلى ارتفاع نسبة معدل بطالة الشباب إلى معدل بطالة البالغين لتبلغ 3.4 في عام 2025، وهو ما يشير إلى تزايد الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد العالمي في استيعاب المواهب الشابة. وقد ارتفعت هذه النسبة في شرق آسيا وشمال أفريقيا وأمريكا الشمالية وشمال أوروبا وجنوبها وغربها وجنوب آسيا.

الذكاء الاصطناعي وما يتجاوزه: تآكل الوظائف متوسطة المهارة المتاحة للشباب

حيثما يتبين أن تشغيل الشباب آخذ في الانكماش، تكون الوظائف الأشد تأثراً على الدوام هي تلك الواقعة ضمن المهن متوسطة المهارة، وتشمل أعمال الدعم المكتبي، وأعمال الخدمات والمبيعات، والأعمال الماهرة في الزراعة والحراجة وصيد الأسماك، والحرف وما يتصل بها من مهن، وتشغيل المصانع والآلات وأعمال التجميع. ومن ثم فإن "تفريغ" الوظائف متوسطة المهارة يطال بعض المهن التي تتقاطع مع تلك التي تُعد الأكثر عرضة للاضطراب بفعل الذكاء الاصطناعي، وهي أساساً المهن المكتبية والإدارية.

ويقدّر التقرير أن 6.1% من الوظائف التي يشغلها حالياً الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً تقع ضمن فئات الوظائف الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي، ومن ثم الأكثر عرضة لخطر إحلاله محل بعض المهام أو الوظائف بدرجة ما. ولو اختفت 10% فقط من الوظائف المعرضة للذكاء الاصطناعي بالكامل، لوجد 5.6 مليون شاب عامل، معظمهم في البلدان المرتفعة الدخل، أنفسهم أمام البطالة أو تغيير الوظيفة أو الخروج من القوى العاملة.

كما أن آفاق وظائف الشباب في المهن التقنية التشغيلية لا تخلو من الإشكال. وتشمل هذه المهن الحرف التقنية في قطاعات البناء والتصنيع وإعداد الطعام، وهي مهن تأتي عادة في أعقاب التعليم والتدريب التقني والمهني. وقد يكون تقلص فرص الدخول إلى قطاع التصنيع مربكاً على نحو خاص في الاقتصادات النامية التي تكافح لتنمية قدرتها على الاندماج في سلاسل التوريد الصناعية العالمية بوصفها سبيلاً إلى التنمية الاقتصادية.

أما وظائف الشباب في المجالات التقنية القائمة على المعرفة والمهارات العالية، كالعلوم والهندسة والصحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فكان أداؤها أفضل، إذ واصلت نموها في معظم البلدان. وجاء نمو الوظائف في هذه المجالات إيجابياً في جميع مجموعات البلدان بحسب الدخل، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى.

تدعيم الأسس المهتزة لانتقال الشباب إلى العمل اللائق يتطلب سياسات ومقاربات جريئة ومرنة

يعيش الشباب أوقاتاً عصيبة، غير أن الوضع ليس جديداً من نواحٍ كثيرة. فالنمو الاقتصادي نفسه يتباطأ، وحين تتعثر الاقتصادات يتحمل الشباب عادة العبء الأكبر لضعف خلق الوظائف. هكذا كان الحال خلال الركود الكبير بين عامي 2007 و2009 تقريباً، وفي فترة جائحة كوفيد 19 بين عامي 2020 و2021، وفي حالات كثيرة من فترات الأزمات الوطنية أو الإقليمية.

ولذلك فإن الحكومات والشركاء الاجتماعيين مدعوون إلى تجديد تنفيذ استراتيجيات متكاملة لتشغيل الشباب وإعادة تنشيطها، على أن تقوم على أربع ركائز يعزز بعضها بعضاً: أولاً، خلق فرص العمل من خلال سياسات اقتصادية كلية وقطاعية مراعية للنوع الاجتماعي، وتنمية المنشآت وريادة الأعمال؛ وثانياً، إعداد الشباب للانخراط المنتج من خلال التعليم الجيد والتلمذة المهنية والتعلم مدى الحياة؛ وثالثاً، تيسير الانتقال في سوق العمل من خلال خدمات تشغيل فعالة وسياسات نشطة لسوق العمل؛ ورابعاً، ضمان الإدماج من خلال الحماية الاجتماعية والحقوق في العمل والدعم الموجّه للفئات المحرومة.

وفي الوقت ذاته، ثمة شعور بأن وضع سوق العمل الذي يواجهه الشباب حالياً مختلف على نحو ما، ويعود ذلك جزئياً إلى أنه لا يستند إلى أزمة اقتصادية واضحة. فالنمو الاقتصادي ضعيف لكنه لا يزال إيجابياً. ومع ذلك، يعبّر الشباب، الذين تتضخم أصواتهم في وسائل الإعلام، على نحو متزايد عن خشيتهم من أن تحل التكنولوجيا محل وظائفهم، ومن أن تسد الاضطرابات التكنولوجية غير المسبوقة، وغيرها من اضطرابات مستقبل العمل، الطريق أمام فرصهم في تحقيق الاستقرار الوظيفي واستقرار الدخل.

وبقدر ما تتغذى مخاوف الشباب على الوقائع المتحولة في عالم العمل، سواء كانت متصوّرة أو حقيقية، ينبغي أن تكون الاستجابات السياساتية الرامية إلى إعادتهم "إلى المستقبل"، حيث تفضي مسارات سوق العمل إلى عمل آمن ولائق للشباب، مرنة وجريئة. ومن هذه الاستجابات: اعتماد نهج محوره الإنسان في حوكمة الذكاء الاصطناعي وغيره من التكنولوجيات؛ والاستثمار في مهارات تجمع بين الكفاءات التقنية والقدرات الاجتماعية والمعرفية؛ وتعزيز نظم التعلم مدى الحياة؛ وتحديث خدمات التشغيل؛ وتوسيع الحماية الاجتماعية لتشمل أشكال العمل المتنوعة؛ وتعزيز التعاون الدولي للحد من اتساع أوجه عدم المساواة في الفرص بين البلدان.

وفي المحصلة، يخلص إصدار عام 2026 من هذا التقرير إلى أن التحدي المحوري لا يقتصر على توليد مزيد من الوظائف للشباب، بل يشمل أيضاً ضمان أن توفر هذه الوظائف الأمان والكرامة والفرص التي يقوم عليها الانتقال الناجح إلى مرحلة الرشد. وستتطلب إعادة بناء الثقة لدى شباب اليوم استثماراً متجدداً في العمل اللائق، ومؤسسات أقوى لسوق العمل، وسياسات قادرة على مساعدة الشباب على شق طريقهم في مستقبل يزداد غموضاً، مع ضمان أن يعمل التقدم التكنولوجي والتحول الاقتصادي لصالح الجيل القادم لا ضده.

هيكل التقرير

يستند هذا التقرير إلى أدلة كمية ونوعية تكشف تزايد التعقيد في سوق العمل وفي مسارات انتقال الشباب داخله. ويناقش الفصل الأول اتجاهات سوق العمل الراهنة، مركزاً على الآفاق العالمية والإقليمية لبطالة الشباب، والخمول الاقتصادي المتمثل في الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب، والتشغيل، بما في ذلك جودة العمل. ويسعى الفصل الثاني إلى تناول الأسباب الكامنة وراء النتائج غير الإيجابية التي يحققها الشباب حالياً في سوق العمل، فيبحث في البيئة الاقتصادية الكلية، وواقع تصاعد النزاعات العالمية، والحضور الوشيك للذكاء الاصطناعي، ومسألة "تضخم متطلبات الخبرة الوظيفية"، بوصفها عوامل تقف وراء صعوبات دخول سوق العمل. أما الفصل الثالث فيتناول إطار السياسات الخاصة بتشغيل الشباب، مع التركيز على كيفية تكييف نطاق هذه السياسات لدعم الشباب في مسارات انتقالهم المضطربة على نحو متزايد في سوق العمل، ووضعهم على مسارات متجددة نحو العمل اللائق.الملخص التنفيذي

طريق وعر أمام الشباب في دخولهم سوق العمل

توقف التعافي المتردد وقصير الأمد الذي شهدته أسواق عمل الشباب في أعقاب جائحة كوفيد 19. ويخلص هذا الإصدار من تقرير الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب إلى أن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وتراجع خلق الوظائف، والتوترات الجيوسياسية، والتغير التكنولوجي المتسارع، عوامل تتضافر لتجعل الانتقال من الدراسة إلى العمل اللائق أمراً عسيراً على نحو متزايد بالنسبة إلى كثير من الشباب. فبعد أن بلغ معدل البطالة العالمي بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين في عام 2023، عاد ليرتفع قليلاً إلى 12.4% في عام 2025، أي ما يعادل 67 مليون شاب عاطل عن العمل في أنحاء العالم. كذلك عادت نسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب إلى الارتفاع عالمياً، فبلغت 20% في عام 2025 بعد أن كانت 19.7% في عام 2023. ويعني ذلك انضمام 9 ملايين شاب إضافي إلى هذه الفئة منذ عام 2023، ليبلغ مجموعهم 257 مليوناً في عام 2025. ونظراً إلى أن هذه الفئة تضم أعداداً أكبر بكثير من الشباب، وإلى أن معالجة انفصالهم عن سوق العمل والتعليم أصعب، فإن الاتجاه المتصاعد في معدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب يبعث على القلق بوجه خاص. ويعكس ذلك تفاوت درجة الارتباط بسوق العمل؛ فالشاب العاطل عن العمل هو بحكم التعريف متاح للعمل ويبحث عنه بنشاط، ومن ثم يظل مرتبطاً بسوق العمل. أما الشاب غير الملتحق بالعمل أو التعليم أو التدريب فهو خارج سوق العمل، لا يعمل ولا يبحث عن عمل ولا ينخرط في تعليم أو تدريب. وهؤلاء أكثر عدداً من الشباب العاطلين، وإعادتهم إلى دائرة النشاط الاقتصادي أو الدراسة عبر السياسات والبرامج أشد صعوبة.

مع ارتفاع معدلات بطالة الشباب في جميع مناطق العالم تقريباً

خلافاً للإصدارات السابقة من هذا التقرير، التي تباينت فيها اتجاهات مؤشرات سوق العمل الرئيسية تبايناً واسعاً بين المناطق الفرعية، جاء تدهور نتائج دخول الشباب إلى سوق العمل شبه شامل خلال العامين الماضيين. فقد ارتفع معدل بطالة الشباب بين عامي 2023 و2025 في 8 من المناطق الفرعية الإحدى عشرة، وكذلك في البلدان المرتفعة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى والبلدان المنخفضة الدخل. وسُجلت أكبر الزيادات في شمال أفريقيا وأمريكا الشمالية وشمال أوروبا وجنوبها وغربها.

وفي آسيا الوسطى والغربية وأوروبا الشرقية، وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، خفت وقع "النبأ السار" المتمثل في انخفاض معدل بطالة الشباب بسبب ارتفاع أعداد الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب. وبينما برزت أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بوصفها المنطقة الوحيدة التي شهدت انخفاضاً في معدل بطالة الشباب ومعدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب معاً، كشف مزيد من التحليل أن هذه النتائج تعود جزئياً إلى تقلص أعداد السكان الشباب، وأن معظم بلدان المنطقة الفرعية شهدت اتجاهات متدهورة في انخراط الشباب في سوق العمل.

الفجوات بين الجنسين راسخة، وما زال الشبان يتمتعون بالأفضلية في دخول سوق العمل

تحمل مشكلة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب وجهاً أنثوياً في جميع المناطق الفرعية من العالم تقريباً. ففي عام 2025، ظل أكثر من اثنين من كل ثلاثة شباب في هذه الفئة من النساء، وبلغ معدل الشابات غير الملتحقات بالعمل أو التعليم أو التدريب 27.4%، أي أكثر من ضعف المعدل لدى الشبان البالغ 13.1%. وعلى الصعيد العالمي، كانت الزيادة في هذا المعدل منذ عام 2023 أشد قليلاً لدى الشابات منها لدى الشبان، إذ ارتفع بمقدار 0.5 نقطة مئوية و0.2 نقطة مئوية على التوالي، مما زاد الفجوة بين الجنسين اتساعاً.

وعلى العكس من ذلك، ضاقت الفجوة بين الجنسين قليلاً في نسبة الشباب العاملين. ومع ذلك، ظلت نسبة العمالة إلى السكان لدى الشبان، البالغة 43.3%، تفوق نظيرتها لدى الشابات، البالغة 30.6%، بنحو 13 نقطة مئوية في عام 2025. ولا تعود هذه الفجوة إلى عدم المساواة في الحصول على التعليم، إذ باتت معدلات الالتحاق بالمدارس متكافئة بين الشبان والشابات، بل تعود إلى الميل الأعلى بكثير لدى الشابات إلى الوقوع خارج العمل والتعليم والتدريب بسبب الخمول الاقتصادي خارج الدراسة. وما زالت العوائق المستمرة المرتبطة بمسؤوليات الرعاية غير المدفوعة الأجر، والتمييز، ومحدودية فرص الحصول على عمل جيد، تقيّد المشاركة الاقتصادية للشابات، ولا سيما في الدول العربية وشمال أفريقيا وجنوب آسيا.

وتتوزع المناطق الفرعية ومجموعات البلدان وفق اتجاهات معدل بطالة الشباب ومعدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب بين عامي 2023 و2025 على النحو الآتي: شهدت الدول العربية وشمال أفريقيا وشرق آسيا وأمريكا الشمالية وشمال أوروبا وجنوبها وغربها وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب البلدان المرتفعة الدخل والمنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى، ارتفاعاً في المعدلين كليهما. وشهدت آسيا الوسطى والغربية وأوروبا الشرقية والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى انخفاضاً في معدل بطالة الشباب مع ارتفاع في معدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب. أما أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي فقد انفردت بانخفاض معدل بطالة الشباب مع ثبات معدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب أو انخفاضه.

معاناة الشباب في الوصول إلى العمل اللائق تُضعف مشاركتهم في سوق العمل في المناطق الفرعية النامية

تظل الدول العربية وشمال أفريقيا باستمرار المنطقتين الفرعيتين اللتين تسجلان أعلى معدلات بطالة الشباب في العالم. ففي هاتين المنطقتين، يكافح أكثر من شاب واحد من كل خمسة شباب ناشطين اقتصادياً للعثور على عمل، إذ يبلغ معدل بطالة الشباب 26.2% و22.6% على التوالي، ويقع شاب واحد على الأقل من كل ثلاثة شباب خارج العمل والتعليم والتدريب، بمعدلات تبلغ 32.4% و30.1% على التوالي. وحين تواصل هذه المؤشرات ارتفاعها انطلاقاً من مستويات مرتفعة أصلاً، فإن ذلك ينبئ بتعمّق العوائق الهيكلية الراسخة التي تدفع المواهب الشابة، والشابات على وجه الخصوص، إلى هامش المجتمع المنتج.

ويمثل وضع الشباب في أفريقيا جنوب الصحراء طرفاً نقيضاً آخر. فقد بلغ معدل بطالة الشباب في هذه المنطقة الفرعية 8.4% في عام 2025، أي أقل من المتوسط العالمي بأربع نقاط مئوية، في حين جاء معدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب فيها أعلى بقليل من المتوسط العالمي عند 21.6%. وتعكس معدلات بطالة الشباب المنخفضة، وإن كانت آخذة في الارتفاع، في أفريقيا جنوب الصحراء سياقاً لا يستطيع فيه سوى قلة من الشباب تحمّل البقاء بلا عمل. فمعظم الشباب مضطرون إلى تحصيل دخل، فيقبلون وظائف غير منظمة تقع خارج نطاق الحماية الاجتماعية واستقرار العمل أو الدخل. ولا يزال قرابة تسعة من كل عشرة عمال شباب في البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى، ويقع كثير منها في أفريقيا جنوب الصحراء، يعملون في الاقتصاد غير المنظم، وظل اثنان من كل ثلاثة منهم في شكل من أشكال العمل غير الآمن، بوصفهم عاملين لحسابهم الخاص أو عاملين مأجورين مؤقتين، حتى بعد بلوغهم مرحلة الشباب البالغ بين 25 و29 عاماً.

ويبدو الضغط السكاني في أفريقيا جنوب الصحراء ثقيلاً على نحو لافت، إذ تستأثر هذه المنطقة الفرعية الآن بنحو ثلثي الزيادة في عدد الشباب على مستوى العالم، وسيستمر ذلك في المستقبل القريب. ومع وجود ملايين من الوافدين الشباب الجدد إلى سوق العمل يتنافسون بالفعل على عدد محدود من الوظائف اللائقة، واستمرار الضغوط السكانية، يعدّ ارتفاع معدل الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب في أفريقيا جنوب الصحراء مؤشراً على تنامي الإحباط بين الشباب.

صعوبة دخول سوق العمل في البلدان المرتفعة الدخل ظاهرة حديثة نسبياً

يحظى الشباب في البلدان المرتفعة الدخل عادة بفرص أكبر للحصول على أشكال عمل أكثر أماناً. فالعمل المنظم هو القاعدة، إذ لا يعمل بصورة غير منظمة سوى 11.7% منهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الانخراط في أشكال العمل الأكثر أماناً مثل العمل المأجور بعقود تزيد مدتها على سنة، إذ يعمل 75% من العمال الشباب البالغين في هذه البلدان في أشكال عمل آمنة. ومع ذلك، أصبح الطريق إلى هذه الوظائف أكثر صعوبة على نحو متزايد أمام الشباب في البلدان المرتفعة الدخل أيضاً. وكانت الزيادة في معدل بطالة الشباب مرتفعة بوجه خاص في أمريكا الشمالية، إذ ارتفع من 8.3% في عام 2023 إلى 9.8% في عام 2025. وشهدت شمال أوروبا وجنوبها وغربها زيادة أصغر، غير أن المعدل ظل عند مستوى مرتفع في عام 2025 بلغ 15%. ومن بين البلدان التسعة والعشرين في هذه المنطقة الفرعية، شهد 20 بلداً تراجعاً في قدرة اقتصاداتها على استيعاب المواهب الشابة وتوفير فرص عمل لائقة لها.

والشباب الذين أنهوا دراستهم أو تدريبهم في المرحلة الثانوية في هاتين المنطقتين الفرعيتين وفي أوروبا الشرقية هم من يواجهون أكبر العقبات في العثور على عمل. وقد تدهور وضعهم في السنوات الأخيرة، كما تدهور وضع خريجي الجامعات بدرجة مماثلة. وفي المقابل، تحسنت معدلات بطالة الشباب منذ عام 2023 في البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى، سواء للحاصلين على تعليم عالٍ أو على تعليم ثانوي.

خلق الوظائف لا يواكب نمو أعداد الشباب في مناطق عدة

اعتباراً من عام 2024، تجاوز نمو أعداد الشباب نمو إجمالي العمالة في شرق آسيا وأوروبا الشرقية وأمريكا الشمالية وشمال أوروبا وجنوبها وغربها. ويعني ذلك أن الأفواج الشبابية في هذه المناطق الفرعية ازدادت بوتيرة أسرع من وتيرة خلق الوظائف عموماً، مما يثير المخاوف بشأن قدرة الاقتصادات على توليد فرص كافية للشباب.

وبينما يركد تشغيل الشباب أو يتراجع، واصلت عمالة البالغين توسعها. فقد ارتفع معدل بطالة الشباب عالمياً من 12.3% في عام 2023 إلى 12.4% في عام 2025، في حين انخفض المعدل لدى البالغين الذين تبلغ أعمارهم 25 عاماً فأكثر من 3.7% إلى 3.6%. وأدى تباين هذين الاتجاهين إلى ارتفاع نسبة معدل بطالة الشباب إلى معدل بطالة البالغين لتبلغ 3.4 في عام 2025، وهو ما يشير إلى تزايد الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد العالمي في استيعاب المواهب الشابة. وقد ارتفعت هذه النسبة في شرق آسيا وشمال أفريقيا وأمريكا الشمالية وشمال أوروبا وجنوبها وغربها وجنوب آسيا.

الذكاء الاصطناعي وما يتجاوزه: تآكل الوظائف متوسطة المهارة المتاحة للشباب

حيثما يتبين أن تشغيل الشباب آخذ في الانكماش، تكون الوظائف الأشد تأثراً على الدوام هي تلك الواقعة ضمن المهن متوسطة المهارة، وتشمل أعمال الدعم المكتبي، وأعمال الخدمات والمبيعات، والأعمال الماهرة في الزراعة والحراجة وصيد الأسماك، والحرف وما يتصل بها من مهن، وتشغيل المصانع والآلات وأعمال التجميع. ومن ثم فإن "تفريغ" الوظائف متوسطة المهارة يطال بعض المهن التي تتقاطع مع تلك التي تُعد الأكثر عرضة للاضطراب بفعل الذكاء الاصطناعي، وهي أساساً المهن المكتبية والإدارية.

ويقدّر التقرير أن 6.1% من الوظائف التي يشغلها حالياً الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً تقع ضمن فئات الوظائف الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي، ومن ثم الأكثر عرضة لخطر إحلاله محل بعض المهام أو الوظائف بدرجة ما. ولو اختفت 10% فقط من الوظائف المعرضة للذكاء الاصطناعي بالكامل، لوجد 5.6 مليون شاب عامل، معظمهم في البلدان المرتفعة الدخل، أنفسهم أمام البطالة أو تغيير الوظيفة أو الخروج من القوى العاملة.

كما أن آفاق وظائف الشباب في المهن التقنية التشغيلية لا تخلو من الإشكال. وتشمل هذه المهن الحرف التقنية في قطاعات البناء والتصنيع وإعداد الطعام، وهي مهن تأتي عادة في أعقاب التعليم والتدريب التقني والمهني. وقد يكون تقلص فرص الدخول إلى قطاع التصنيع مربكاً على نحو خاص في الاقتصادات النامية التي تكافح لتنمية قدرتها على الاندماج في سلاسل التوريد الصناعية العالمية بوصفها سبيلاً إلى التنمية الاقتصادية.

أما وظائف الشباب في المجالات التقنية القائمة على المعرفة والمهارات العالية، كالعلوم والهندسة والصحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فكان أداؤها أفضل، إذ واصلت نموها في معظم البلدان. وجاء نمو الوظائف في هذه المجالات إيجابياً في جميع مجموعات البلدان بحسب الدخل، ولا سيما في البلدان المنخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى.

تدعيم الأسس المهتزة لانتقال الشباب إلى العمل اللائق يتطلب سياسات ومقاربات جريئة ومرنة

يعيش الشباب أوقاتاً عصيبة، غير أن الوضع ليس جديداً من نواحٍ كثيرة. فالنمو الاقتصادي نفسه يتباطأ، وحين تتعثر الاقتصادات يتحمل الشباب عادة العبء الأكبر لضعف خلق الوظائف. هكذا كان الحال خلال الركود الكبير بين عامي 2007 و2009 تقريباً، وفي فترة جائحة كوفيد 19 بين عامي 2020 و2021، وفي حالات كثيرة من فترات الأزمات الوطنية أو الإقليمية.

ولذلك فإن الحكومات والشركاء الاجتماعيين مدعوون إلى تجديد تنفيذ استراتيجيات متكاملة لتشغيل الشباب وإعادة تنشيطها، على أن تقوم على أربع ركائز يعزز بعضها بعضاً: أولاً، خلق فرص العمل من خلال سياسات اقتصادية كلية وقطاعية مراعية للنوع الاجتماعي، وتنمية المنشآت وريادة الأعمال؛ وثانياً، إعداد الشباب للانخراط المنتج من خلال التعليم الجيد والتلمذة المهنية والتعلم مدى الحياة؛ وثالثاً، تيسير الانتقال في سوق العمل من خلال خدمات تشغيل فعالة وسياسات نشطة لسوق العمل؛ ورابعاً، ضمان الإدماج من خلال الحماية الاجتماعية والحقوق في العمل والدعم الموجّه للفئات المحرومة.

وفي الوقت ذاته، ثمة شعور بأن وضع سوق العمل الذي يواجهه الشباب حالياً مختلف على نحو ما، ويعود ذلك جزئياً إلى أنه لا يستند إلى أزمة اقتصادية واضحة. فالنمو الاقتصادي ضعيف لكنه لا يزال إيجابياً. ومع ذلك، يعبّر الشباب، الذين تتضخم أصواتهم في وسائل الإعلام، على نحو متزايد عن خشيتهم من أن تحل التكنولوجيا محل وظائفهم، ومن أن تسد الاضطرابات التكنولوجية غير المسبوقة، وغيرها من اضطرابات مستقبل العمل، الطريق أمام فرصهم في تحقيق الاستقرار الوظيفي واستقرار الدخل.

وبقدر ما تتغذى مخاوف الشباب على الوقائع المتحولة في عالم العمل، سواء كانت متصوّرة أو حقيقية، ينبغي أن تكون الاستجابات السياساتية الرامية إلى إعادتهم "إلى المستقبل"، حيث تفضي مسارات سوق العمل إلى عمل آمن ولائق للشباب، مرنة وجريئة. ومن هذه الاستجابات: اعتماد نهج محوره الإنسان في حوكمة الذكاء الاصطناعي وغيره من التكنولوجيات؛ والاستثمار في مهارات تجمع بين الكفاءات التقنية والقدرات الاجتماعية والمعرفية؛ وتعزيز نظم التعلم مدى الحياة؛ وتحديث خدمات التشغيل؛ وتوسيع الحماية الاجتماعية لتشمل أشكال العمل المتنوعة؛ وتعزيز التعاون الدولي للحد من اتساع أوجه عدم المساواة في الفرص بين البلدان.

وفي المحصلة، يخلص إصدار عام 2026 من هذا التقرير إلى أن التحدي المحوري لا يقتصر على توليد مزيد من الوظائف للشباب، بل يشمل أيضاً ضمان أن توفر هذه الوظائف الأمان والكرامة والفرص التي يقوم عليها الانتقال الناجح إلى مرحلة الرشد. وستتطلب إعادة بناء الثقة لدى شباب اليوم استثماراً متجدداً في العمل اللائق، ومؤسسات أقوى لسوق العمل، وسياسات قادرة على مساعدة الشباب على شق طريقهم في مستقبل يزداد غموضاً، مع ضمان أن يعمل التقدم التكنولوجي والتحول الاقتصادي لصالح الجيل القادم لا ضده.

هيكل التقرير

يستند هذا التقرير إلى أدلة كمية ونوعية تكشف تزايد التعقيد في سوق العمل وفي مسارات انتقال الشباب داخله. ويناقش الفصل الأول اتجاهات سوق العمل الراهنة، مركزاً على الآفاق العالمية والإقليمية لبطالة الشباب، والخمول الاقتصادي المتمثل في الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب، والتشغيل، بما في ذلك جودة العمل. ويسعى الفصل الثاني إلى تناول الأسباب الكامنة وراء النتائج غير الإيجابية التي يحققها الشباب حالياً في سوق العمل، فيبحث في البيئة الاقتصادية الكلية، وواقع تصاعد النزاعات العالمية، والحضور الوشيك للذكاء الاصطناعي، ومسألة "تضخم متطلبات الخبرة الوظيفية"، بوصفها عوامل تقف وراء صعوبات دخول سوق العمل. أما الفصل الثالث فيتناول إطار السياسات الخاصة بتشغيل الشباب، مع التركيز على كيفية تكييف نطاق هذه السياسات لدعم الشباب في مسارات انتقالهم المضطربة على نحو متزايد في سوق العمل، ووضعهم على مسارات متجددة نحو العمل اللائق.

دراسات ذات صلة