القائمة الرئيسية

الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب 2026: العودة إلى المستقبل (3/2)

الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب 2026: العودة إلى المستقبل (3/2)
ملخص الدراسة

يرجع ركود التقدم في أسواق عمل الشباب إلى مجموعة معقدة من العوامل المتضافرة، تشمل تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وتصاعد النزاعات، مما يحد من فرص التوظيف، خاصة للشباب الأكثر عرضة لتدهور ظروف السوق. كما يبرز تأثير الذكاء الاصطناعي كمصدر قلق رئيسي، حيث يهدد بأتمتة وظائف المبتدئين، لا سيما في البلدان ذات الدخل المرتفع، على الرغم من أن امتلاك المهارات الرقمية والبشرية المتكاملة (حزم المهارات) ضرورية للتعايش معه. ويضاف إلى ذلك عائق تضخم متطلبات الخبرة للوظائف الابتدائية وتزايد السرد الإعلامي المتشائم حول آفاق عمل الشباب، مما يفرض عليهم تحديات مالية ونفسية كبيرة ويستدعي تبني سياسات شاملة لدعمهم في سوق عمل متغير.

ما الذي يقف وراء ركود التقدم في أسواق عمل الشباب؟

الأمس واليوم: مشهد متغير لتشغيل الشباب

2.1. آثار الاقتصاد الكلي

2.1.1. قدرة الاقتصادات على خلق وظائف للشباب في تراجع

تتسم البيئة الاقتصادية الكلية الراهنة بقدر كبير من عدم اليقين، ولا يُتوقع تحسن يُذكر في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة. إذ يُتوقع أن يتأرجح نمو الناتج المحلي الإجمالي على الصعيد العالمي حول 3.1% في عام 2026، بعد أن كان 3.4% في عام 2023، وإن ظل عند المستوى ذاته تقريباً الذي كان عليه قبل عشر سنوات. وفي الوقت ذاته، أثبت نمو العمالة الإجمالية، لمن تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر، قدرته على الصمود، حتى وإن كان يُتوقع أن يظل أبطأ قليلاً من متوسط السنوات العشر السابقة. وبينما يواصل الاقتصاد العالمي معايشة حالة من عدم اليقين والنمو المتواضع، مع تباطؤ التوسع الاقتصادي على نحو يحد من الفرص الجديدة ونمو الدخل، صمدت أسواق العمل حتى الآن على نحو أفضل من المتوقع، وإن كان صمودها أقل بالنسبة إلى الشباب منه بالنسبة إلى البالغين.

والواقع أنه على الرغم من أن عام 2025 اتسم بمستويات مرتفعة من عدم اليقين الاقتصادي، فإن آثار ذلك لم تظهر بعد في المؤشرات الرئيسية لسوق العمل. غير أن هذا الصمود الظاهر قد يثبت أنه مؤقت. فأسواق العمل كثيراً ما تتفاعل مع الظروف الاقتصادية بعد فترة تأخر، وقد يترجم ضعف النمو في المستقبل القريب إلى تراجع في التوظيف أو ركود في الأجور أو ارتفاع في البطالة، وهي نتائج يُستبعد أن ينجو منها الشباب، الذين يكونون عادة أكثر عرضة لتدهور ظروف سوق العمل. وفي ظل الأزمة في الشرق الأوسط على وجه الخصوص، قد تثبت نتائج سوق العمل أنها أقل مواتاة مما توحي به هذه التوقعات الأصلية.

فهل كان هذا الصمود الاقتصادي العام كافياً للحفاظ على نتائج الشباب في سوق العمل، ناهيك عن تحسينها؟ يبدو أن النتائج الواردة في الفصل الأول تشير إلى خلاف ذلك. ومن المقاييس الأخرى لقدرة الاقتصاد الأوسع على استيعاب فوج شبابي متنامٍ، مع مراعاة العامل المعقِّد المتمثل في تداخل المشاركة التعليمية كما سبق بيانه، مقارنة الفرق بين نمو العمالة الإجمالية لمن تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر ونمو أعداد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً. ففي عام 2023، تجاوز النمو السنوي للعمالة الإجمالية نمو أعداد الشباب في جميع المناطق الفرعية تقريباً، باستثناء أوروبا الشرقية، حيث كانت الحرب في أوكرانيا عاملاً مرجحاً. وبعبارة أخرى، كان خلق الوظائف عموماً يتوسع بوتيرة قادرة على استيعاب نمو أعداد الشباب. غير أن هذا النمط ضعف منذ ذلك الحين، وقد يزداد ضعفاً في السياق الراهن المضطرب.

وقد أصبح هذا التحول واضحاً بوجه خاص اعتباراً من عام 2024، وتعزز في عام 2025. ففي عدة مناطق فرعية، بدأ نمو أعداد الشباب يتجاوز نمو العمالة الإجمالية، ومنها شرق آسيا وأوروبا الشرقية وشمال أفريقيا وأمريكا الشمالية وشمال أوروبا وجنوبها وغربها. ويسترعي هذا النمط الانتباه بوجه خاص في المناطق التي تتألف أساساً من بلدان مرتفعة الدخل، مثل أمريكا الشمالية ومعظم أوروبا، والتي تتسم بانخفاض معدلات الخصوبة، حيث تخلّف نمو العمالة عن مواكبة أعداد شبابية متواضعة النمو بل ومتقلصة. ويوحي ذلك بأن الأفواج الشبابية في هذه المناطق الفرعية ازدادت بوتيرة أسرع من وتيرة خلق الوظائف عموماً، مما يثير المخاوف بشأن قدرة الاقتصادات على توليد فرص كافية للشباب. وإجمالاً، تشير البيانات إلى ضعف تدريجي في العلاقة بين خلق الوظائف ونمو أعداد الشباب، ويمثل عام 2025 فترة أصبح فيها تحدي الاستيعاب هذا أكثر وضوحاً في مختلف المناطق.

2.1.2. النزاعات لا تزال في تصاعد

يتواصل تصاعد النزاعات والعنف في أنحاء العالم. فوفقاً لبيانات برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، ارتفع عدد النزاعات المسلحة التي تكون الدول طرفاً فيها من 59 نزاعاً في عام 2023 إلى 65 نزاعاً في عام 2025، مسجلاً خمس سنوات متتالية من الارتفاع ومستوى تاريخياً قياسياً جديداً.

وقد قدّر إصدار عام 2024 من هذا التقرير أن 56.8 مليون شاب كانوا يعيشون في مناطق متأثرة بالنزاعات في عام 2022، مما يعني أن 4.6% من شباب العالم آنذاك كانوا يكافحون لبدء سنواتهم الإنتاجية الأولى بسبب عيشهم في مناطق تمزقها النزاعات. وقد تكون الآثار مدمرة على الشاب الذي يعاني الضغوط الجسدية والنفسية للعيش في مناطق النزاع أو بالقرب منها، ويواجه في الوقت ذاته عواقب ضعف آفاق التشغيل. وكثيراً ما يكون النزوح الخيار الوحيد، رغم التحديات التي قد يجلبها العيش بصفة لاجئ. ووفقاً لمركز رصد النزوح الداخلي، كان 68.6 مليون شخص يعيشون في حالة نزوح في 104 بلدان وأقاليم بسبب النزاعات والعنف في نهاية عام 2025، إضافة إلى 13.6 مليون نزحوا بسبب الكوارث. ومن الصعب تقدير الحصة الدقيقة للشباب بينهم، لكن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين تقدّر أن 38% من النازحين دون سن الثامنة عشرة.

وكثيراً ما يحظى الشباب النازحون داخلياً بفرص محدودة في الحصول على التعليم والتدريب والعمل والحماية الاجتماعية، ويكونون عرضة بوجه خاص لتحديات الصحة النفسية والعاطفية. وثمة جهود دولية مهمة للتخفيف من هذه الآثار، ومع ذلك لا يمكن إنكار أن الشباب النازحين يواجهون تهديدات متأصلة لسلامتهم النفسية ورفاههم.

شراكة تحسين آفاق النازحين قسراً والمجتمعات المضيفة مع التركيز على الشباب

شراكة "بروسبكتس" مبادرة متعددة السنوات تمولها حكومة مملكة هولندا. وقد أُطلقت عام 2019، وتجمع بين الخبرات المتكاملة لمنظمة العمل الدولية، ومؤسسة التمويل الدولية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، والبنك الدولي، بهدف المساعدة على إحداث تحول في طريقة استجابة الحكومات والأطراف المعنية الأخرى للنزوح القسري. ويعزز المشروع الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للنازحين والمجتمعات المضيفة في ثمانية بلدان مضيفة هي مصر وإثيوبيا والعراق والأردن وكينيا ولبنان والسودان وأوغندا، من خلال تدخلات تركز على التعليم وتنمية المهارات والتشغيل والحماية والبنية التحتية الحيوية.

ولما كان الشباب يشكلون نسبة كبيرة من النازحين قسراً، فإنهم يقعون في صميم عمل الشراكة، إذ تسعى تدخلات عديدة إلى بناء معارفهم بحقوقهم ومساعدتهم على الارتباط بأسواق العمل. فعلى سبيل المثال، شكّل دليل منظمة العمل الدولية بشأن حقوق الشباب في العمل أساساً لتدريب الحكومات ومنظمات أصحاب العمل والعمال والمجتمع المدني والمنظمات التي يقودها الشباب اللاجئون في العراق وأوغندا؛ وقدّم صندوق "من الشباب إلى الشباب" بناء القدرات في مجال إنشاء المؤسسات الاجتماعية، ووفّر الدعم المالي للشباب والمنظمات التي يقودها الشباب في إثيوبيا وأوغندا؛ كما ساعدت نوادي البحث عن عمل الشباب النازحين على الانتقال إلى العمل في لبنان والأردن.

2.2. الذكاء الاصطناعي الحاضر في المشهد

تركزت النظرة إلى الذكاء الاصطناعي مؤخراً على عناصره المُربكة، ولا سيما ما يتعلق منها بسوق العمل ومخاطر تلاشي فرص العمل في المستوى المبتدئ. وقد اتخذت الأدبيات المتعلقة بهذا الموضوع في السنوات الماضية موقفاً حذراً في الغالب من الجدل حول تدمير الذكاء الاصطناعي للوظائف، وخلصت إلى أن آثاره في الوظائف ستكون إلى حد كبير في اتجاه تعزيز الإنتاجية، مع أثر إجمالي منعدم أو حتى إيجابي على الوظائف. وفي الآونة الأخيرة، بدأت الدراسات تقدم أدلة على تراجعات قابلة للقياس في عمالة العمال في بداية مسارهم المهني ضمن المهن المعرضة للذكاء الاصطناعي، وهي تراجعات ناجمة عن ترسخ الأتمتة المتزايد بفعل النماذج اللغوية الكبيرة. فقد رصدت إحدى الدراسات تراجعاً نسبياً بنسبة 16% في عمالة العمال الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في المجالات الشديدة التعرض للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة. وبتطبيق منهجية مماثلة في المملكة المتحدة، رصدت دراسة أخرى تراجعاً متوسطه 4.5% في القوى العاملة لدى المنشآت ذات درجة التعرض المرتفعة لقدرات الذكاء الاصطناعي، مع تركز الأثر بالكامل تقريباً في الوظائف المبتدئة. كما أفادت شركة أنثروبيك بعدم وجود أثر حتى الآن على البطالة بين العمال الشديدي التعرض، لكنها رصدت تباطؤاً عاماً في توظيف العمال الشباب في المهن المعرضة.

ويسهم هذا القسم في الإجابة عن سؤال حجم الخطر المحتمل الذي يشكله الذكاء الاصطناعي على آفاق عمل الشباب. فبالاستناد إلى منهجية قائمة على المهام طُوّرت لتقييم تعرض المهن للذكاء الاصطناعي التوليدي، يمكن تقدير حصة تشغيل الشباب المعرضة للذكاء الاصطناعي بناء على توزيعهم المهني، علماً بأن عدداً متزايداً من الدراسات يطبق مقاييس التعرض القائمة على المهام على المهن، وأن ثمة مقاربات بديلة جديرة بالاهتمام. ويُقصد بالتعرض للذكاء الاصطناعي في هذا السياق الدرجة التي يمكن بها لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تحل محل البشر في مهام محددة. ولأغراض هذا التحليل، يقتصر التعرض على المهن التي تتعرض نسبة كبيرة من مهامها للذكاء الاصطناعي التوليدي على نحو ثابت، والمهن التي تكون معظم مهامها قابلة للأتمتة بدرجة عالية، أي المهن المصنفة في الدرجتين الثالثة والرابعة. ويُصنف التعرض للذكاء الاصطناعي وفق سلسلة من الدرجات: تمثل الدرجة الأولى المهن ذات التعرض الإجمالي المنخفض للذكاء الاصطناعي التوليدي مع تباين كبير بين المهام، فبعض المهام قد تكون قابلة للأتمتة لكن معظمها يتطلب مدخلات بشرية، بما يتوافق مع مفهوم التعزيز. وتضم الدرجة الثانية المهن ذات التعرض المعتدل والآثار المتفاوتة، حيث يفضي مزيج من المهام الشديدة التعرض والمهام الضئيلة التعرض إلى اضطراب جزئي. وتشمل الدرجة الثالثة الأدوار التي تتعرض نسبة كبيرة من مهامها للذكاء الاصطناعي التوليدي على نحو ثابت، مما يشير إلى تنامي مخاطر الأتمتة والحاجة إلى استراتيجيات للتكيف. أما الدرجة الرابعة فتبرز المهن ذات التعرض الأعلى والأكثر ثباتاً، حيث تكون معظم المهام قابلة للأتمتة بدرجة عالية، ويكون خطر التحول أو الإزاحة في أقصاه.

نعم، بعض الوظائف التي يشغلها الشباب معرضة بدرجة عالية لمخاطر الذكاء الاصطناعي، تبعاً لدرجة الانتشار الرقمي في البلد

بالنظر إلى التباين في التركيبة المهنية للعمالة، تشير النتائج إلى تفاوت كبير بين المناطق الفرعية ومجموعات الدخل في مدى تعرض تشغيل الشباب للذكاء الاصطناعي. وتتوقف النتائج على الأنشطة الاقتصادية والمهام الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي، وعلى تركيبة العمالة في تلك الأنشطة في كل منطقة فرعية ومجموعة دخل. فالبلدان المرتفعة الدخل وذات الدخل المتوسط الأعلى تواجه مخاطر أعلى بكثير لتعرض الشباب للذكاء الاصطناعي، إذ تبلغ 14.3% و7.6% على التوالي، مقارنة بنسبة 3.1% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى و0.9% في البلدان المنخفضة الدخل. وعلى مستوى المناطق الفرعية، تسجل معدلات التعرض بين الشباب أعلى مستوياتها في شمال أوروبا وجنوبها وغربها بنسبة 14.9%، وأمريكا الشمالية بنسبة 14.3%، وأوروبا الشرقية بنسبة 12.8%.

وتنخفض معدلات التعرض انخفاضاً ملحوظاً في الدول العربية بنسبة 5.8%، وشمال أفريقيا بنسبة 4%، وجنوب آسيا بنسبة 2.8%، وأفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 1.3%، وهي المناطق الفرعية التي لا تزال العمالة فيها متركزة بشدة في الزراعة والخدمات المنخفضة المهارة وغيرها من المهن التي تتسم بمهام لا تقبل الأتمتة بسهولة. وهي أيضاً مناطق فرعية تنخفض فيها معدلات الوصول الرقمي للفرد، وقد تُؤدى فيها المهن دون القدر ذاته من المدخلات التكنولوجية الذي تُؤدى به في البلدان المرتفعة الدخل. ويعني ذلك أنه على الرغم من أن 1.3% من العمال الشباب في أفريقيا جنوب الصحراء كانوا في مهن ذات أعلى درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي، فقد تكون وظائفهم، نظراً إلى محدودية انتشار التكنولوجيا في المنطقة الفرعية، أقل عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي مقارنة بوظيفة شاب في مهنة شديدة التعرض في بلد مرتفع الدخل. وهذا أمر إيجابي من حيث إن الوظائف في الاقتصادات النامية أقل عرضة لإحلال الذكاء الاصطناعي محلها، لكنه سلبي من حيث إن العامل قد يفوّت مكاسب الإنتاجية التي يمكن تحقيقها من إدماج هذه التكنولوجيا في أداء المهام.

غير أن مدى تحول هذا الخطر إلى فقدان للوظائف لا يزال موضع جدل

يعبّر مؤشر التعرض عن القابلية التكنولوجية والتحولات المحتملة في الوظائف، لكنه لا يعبّر عن نتائج سوق العمل. فالعمل في مهنة تقع في أعلى درجات قابلية محاكاة مهامها بالذكاء الاصطناعي لا يعني أن فقدان الوظيفة في تلك المهنة أمر محسوم. ويتوقف انتقال هذا الخطر إلى نتائج فعلية في سوق العمل على ثلاثة عناصر، وربما على أكثر من ذلك بكثير. أولها الوصول، أي درجة وصول الشخص العامل في المهنة إلى التكنولوجيات الرقمية، بما في ذلك الوصول الموثوق إلى الإنترنت. وثانيها القدرات، أي المعرفة العملية لدى الشخص العامل في المهنة لاستخدام التكنولوجيات الرقمية في عمله. وثالثها الخيارات، أي القرارات المتخذة على مستوى المنشأة بشأن كيفية اعتماد التكنولوجيات وتكييفها، وتعديل سير العمل والقوى العاملة سعياً إلى مكاسب الإنتاجية المحتملة. فإذا دعم الذكاء الاصطناعي الأتمتة إلى حد يتطلب عدداً أقل من الأشخاص في مهنة ما، فقد تختار المنشأة فصل موظف في تلك المهنة، وهو ما يعني فقدان وظيفة، أو إعادة تدريبه على مهنة أخرى، وهو ما لا يؤثر في عدد الوظائف، أو تجميد التوظيف في تلك المهنة، وهو ما لا يؤثر في عدد الوظائف القائمة لكنه يمس خلق الوظائف وقد يسد باب الدخول أمام الخريجين الشباب في ذلك المجال.

ومع مراعاة هذه التحفظات، وبافتراض ما يشبه أسوأ السيناريوهات الذي تبدأ فيه بعض الوظائف بالاختفاء فعلاً في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي، أُجري هنا تمرين لتقدير حجم احتمال فقدان الشباب لوظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي بالأرقام. ويفترض السيناريو اختفاء 10% من الوظائف التي يشغلها الشباب والتي صُنفت ضمن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي. ولو اختفت 10% فقط من هذه الوظائف بالكامل، لوجد 5.6 مليون شاب عامل على المستوى العالمي أنفسهم إما أمام البطالة، وإما منتقلين إلى وظيفة أخرى، وإما خارجين من القوى العاملة.

وسيقع هذا العبء بصورة غير متناسبة على عدد قليل من المناطق الفرعية، بالنظر إلى التوزيع الحالي للعمال الشباب في المهن المعرضة للخطر. فشرق آسيا وحدها ستستأثر بنحو 1.5 مليون من حالات الانتقال الوظيفي المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في هذا السيناريو، مما يعكس حجم قواها العاملة الشابة وتركزها الكبير في المهن المعرضة للذكاء الاصطناعي على حد سواء. كما ستسجل أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، بواقع 785 ألف وظيفة للشباب، وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، بواقع 716 ألف وظيفة، حالات انتقال وظيفي كبيرة، تليهما أمريكا الشمالية بواقع 618 ألف وظيفة، وشمال أوروبا وجنوبها وغربها بواقع 590 ألف وظيفة.

مهارات الذكاء الاصطناعي ستكون رصيداً متزايد القيمة للشباب

بينما يواجه الشباب عوائق محتملة في دخول سوق العمل بسبب التكنولوجيات الجديدة كالذكاء الاصطناعي، فإن كثيراً منهم، بوصفهم أبناء العصر الرقمي وسريعي التعلم لأحدث التكنولوجيات، قد يمتلكون أيضاً ميزة ترفع من جاذبيتهم لدى أصحاب العمل الجدد. إذ تشير التقارير إلى أن الشباب هم الأكثر انخراطاً في المنصات الرقمية والأكثر نشاطاً في استخدام الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لمنصة لينكد إن، تُعد المعرفة بالذكاء الاصطناعي من أسرع المهارات المطلوبة نمواً عبر المناطق والوظائف. وكما تبين آنفاً، كان أداء نمو تشغيل الشباب في المهن التقنية القائمة على المعرفة أفضل في السنوات الأخيرة.

وفي الوقت ذاته، فإن المهارات التقنية الرقمية، وإن كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لاستقطاب فرص العمل. فالإطار العالمي لمنظمة العمل الدولية بشأن المهارات الأساسية للحياة والعمل في القرن الحادي والعشرين يبرز أهمية المهارات المتمحورة حول الإنسان، كالمهارات الاجتماعية والعاطفية، بوصفها محورية للعمل جنباً إلى جنب مع تكنولوجيات كالذكاء الاصطناعي.

الشباب بحاجة إلى حزم من المهارات تساعدهم على شق طريقهم في عالم متغير

يبرز تقرير حديث عن التعلم مدى الحياة أن العمل الجيد بات يتوقف على نحو متزايد على المهارات المحددة التي يأتي بها الشباب، بما يتجاوز مؤهلاتهم التعليمية. فنتائج سوق العمل حصيلة للمهارات الجاهزة للعمل والمهارات ذات الطابع التقني لدى العمال، ولكنها أيضاً حصيلة لتكامل المهارات وتعاضدها عبر مختلف أطيافها. ويستخلص التقرير استنتاجاته من تقييم لملايين الوظائف الشاغرة المعلن عنها على الإنترنت في ثمانية بلدان متوسطة ومرتفعة الدخل هي البرازيل ومصر والأردن والمغرب والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا والإمارات العربية المتحدة وأوروغواي. فأولاً، أظهر التحليل أهمية المهارات المتمحورة حول الإنسان، كالجدارة بالثقة والقدرة على التكيف، إذ تمثل نحو نصف جميع المهارات التي يدرجها أصحاب العمل في إعلانات الوظائف. وشكّلت المهارات المعرفية، كالتخطيط وحل المشكلات، ربعاً إضافياً من مجموع المهارات، بينما شكّلت المهارات الرقمية والتقنية إلى جانب المهارات اليدوية الربع المتبقي. وثانياً، بيّن التحليل أن المهارات لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تؤدي وظيفتها في حزم مترابطة؛ فأكثر مجموعات المهارات قيمة هي تلك التي تجمع كفاءات من مجالات مختلفة، كأن تقرن المهارات التقنية بالمهارات الاجتماعية ومهارات التواصل، أو القدرات المعرفية بالمعرفة العملية اليدوية. وأخيراً، وفي ضوء حقيقة أن المهن التقنية والمهنية ظلت تستوعب العمال الشباب بوتيرة أسرع من المهن الأخرى، أبرز التحليل أنه مع تقادم بعض المهارات قد تتآكل المكاسب المحققة في بداية المسار المهني بمرور الوقت، مما يزيد التأكيد على أهمية التدريب أثناء العمل وحتمية التعلم مدى الحياة.

ولذلك، ولكي يتمكن الشباب من الاستفادة الكاملة من عصر الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن تركز جهود السياسات والبرامج على التكامل بين الطلاقة التقنية والمهارات الشخصية التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أتمتتها. وفي هذا الصدد، تتوافر فرص هائلة لتطوير برامج إرشاد بين الأجيال في أماكن العمل، تجمع بين الطلاقة التكنولوجية لدى العمال الأصغر سناً والمهارات الاجتماعية والعاطفية لدى العمال الأكبر سناً، بما يعود بالنفع على الطرفين.

2.3. تضخم متطلبات الخبرة الوظيفية

من العوامل الأخرى الكامنة وراء تحدي دخول الشباب إلى سوق العمل عائق الخبرة الوظيفية. فقد ظلت "مفارقة الخبرة" أو "الحلقة المفرغة للوظائف المبتدئة" شكوى مزمنة يعبّر بها الشباب عن إحباطهم حين يرون إعلانات وظائف مبتدئة تشترط سنوات غير واقعية من الخبرة المتخصصة، فيتساءلون كيف يمكنهم اكتساب الخبرة إذا كانت كل وظيفة مبتدئة تتوقع منهم أصلاً سنوات من الخبرة.

وتضخم متطلبات الخبرة حقيقة واقعة، ويشكل تهديداً فعلياً لرفاه الشباب الباحثين عن عمل الذين يشعرون بأنهم ضحايا نظام توظيف يغلق الباب في وجوههم. فأصحاب العمل يشترطون على نحو متزايد خبرة سابقة أو شهادات بوصفها آلية للفرز تحد من مخاطر التوظيف، ولا سيما في العصر الجديد لعمليات التوظيف الرقمية التي ضاعفت بصورة هائلة عدد المتقدمين الواجب مراجعة طلباتهم. وبينما كانت هذه المرشحات تقوم سابقاً إلى حد كبير على الشهادات الجامعية، فيما يُعرف بتضخم الشهادات، فإن التحول الآن يتجه أكثر نحو عدد سنوات الخبرة المتوقعة ودرجة المهارات المنتظرة، كمهارات اتخاذ القرار الاستراتيجي والقيادة التي لا تشيع بين الوافدين الشباب.

وقد استخدمت إحدى مؤسسات الخدمات المهنية مصطلح "الأقدمة" لبيان مدى إضافة معايير الخبرة والمهارات إلى إعلانات وظائف كانت تُعد تقليدياً وظائف مبتدئة، ووجدت أن هذه الظاهرة حاضرة بوجه خاص في الأدوار المبتدئة المعرضة للذكاء الاصطناعي. ففي المهن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي، كان أكثر من نصف المهارات الجديدة الظاهرة في إعلانات الوظائف المبتدئة من المهارات المرتبطة تقليدياً بالعمال ذوي الخبرة.

2.4. خلاصة

تشاؤم متزايد تغذيه وسائل الإعلام إزاء آفاق تشغيل الشباب

يبدو أن الانطباع السائد في مختلف المناطق هو أن الوظائف المبتدئة التي كانت تستوعب عادة الوافدين الجدد والشباب إلى سوق العمل آخذة في الاختفاء. وقد شهد العام الماضي سيلاً من المقالات التي تناولت التحديات التي يواجهها الشباب. ففي أمريكا الشمالية مثلاً، أفادت مجلتا فورتشن ونيوزويك بأن العمال الأصغر سناً في الوظائف المبتدئة يتحملون العبء الأكبر من فقدان الوظائف، ويعود ذلك جزئياً إلى الذكاء الاصطناعي. وعلى نحو مماثل، وصفت صحيفة فايننشال تايمز في أوروبا انهيار توظيف الخريجين بأنه "نهاية العالم لوظائف الخريجين"، بسبب أعداد الخريجين الجدد المتنافسين على وظائف مبتدئة تتناقص باستمرار. وفي الهند، تتحدث وسائل الإعلام عن ارتفاع بطالة الخريجين رغم ارتفاع مستويات التحصيل التعليمي. وتلتقط وسائل إعلام أخرى تصاعد الاضطرابات الاجتماعية في ظل تردي آفاق العمل؛ فقد نقلت صحيفة ديلي نيشن أخبار موجة "احتجاجات الجيل زد" التي اجتاحت كينيا في عامي 2024 و2025، مدفوعة بالبطالة والفساد والشعور بأن المؤسسات السياسية تخذل الشباب. ولا يختلف ذلك كثيراً عما جرى في بنغلاديش ونيبال وسري لانكا، حيث تحولت مشاعر الإحباط من البطالة وأوجه العجز في العمل اللائق إلى اضطرابات سياسية.

ولرصد التغيرات في المزاج العام على نحو أكثر تجريبية، يتناول التحليل التالي كيفية تطور الخطاب الإعلامي المحيط بتشغيل الشباب. فباستخدام الرسم البياني المعرفي العالمي لقاعدة البيانات العالمية للأحداث واللغة والنبرة، يبني التحليل مؤشرات كمية لنبرة التغطية الإخبارية العالمية لتشغيل الشباب وكثافتها، مصنفة بحسب مناطق العالم، ومتتبَّعة شهرياً من أبريل 2023 إلى أبريل 2026.

والمؤشر الرئيسي المستخدم هو "متوسط النبرة"، ويشير إلى التوازن بين اللغة الإيجابية واللغة السلبية في كل مقال، كما تحسبه خوارزمية تقييم النبرة في قاعدة البيانات. وتقيس هذه المؤشرات نبرة التغطية الإخبارية لا مواقف الشباب أنفسهم. ويكشف التحليل عن تباين إقليمي كبير في طريقة تأطير قضايا تشغيل الشباب في وسائل الإعلام خلال فترة السنوات الثلاث قيد المراجعة. ففي أفريقيا، ورغم تسجيل أكثر النبرات إيجابية في المجمل، تراجع المزاج العام بصورة مطردة خلال السنوات الثلاث الماضية. أما آسيا فشهدت أشد تدهور في النبرة، إذ هبطت بحدة إلى ما يعادل الصفر فعلياً في فترة الاثني عشر شهراً الأحدث.

وفي أوروبا، لم تتغير النبرة إلا قليلاً خلال السنوات القليلة الماضية، لكنها كانت المنطقة الوحيدة التي سجلت متوسط نبرة سلبياً في الفترات الثلاث جميعها. وفي أمريكا الشمالية، كان متوسط النبرة إزاء تشغيل الشباب مستقراً إلى حد ما أيضاً، وإن كان من بين الأدنى عالمياً، لا تسبقه في ذلك إلا أوروبا. أما بيانات أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي فتتسم بطابع متقلب، إذ ارتفعت ارتفاعاً كبيراً بين عامي 2024 و2025، ثم تراجعت تراجعاً ملموساً منذ ذلك الحين، علماً بأن تغطية المقالات في هذه المنطقة محدودة نسبياً، إذ تبلغ نحو 100 مقال شهرياً، مقارنة بنحو 500 مقال شهرياً في أفريقيا والآلاف في المناطق الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أن النتيجة السلبية تعني أن متوسط نبرة وسائل الإعلام في المنطقة إزاء تشغيل الشباب خلال الفترة كان يميل نحو حصة مرتفعة من الكلمات ذات الطابع السلبي أو المتشائم، في حين تعني النتيجة الإيجابية حصة أعلى من الكلمات ذات الدلالة الإيجابية، وأن تتبع تطور مستويات النبرة بمرور الوقت والفروق بين المناطق يكون عادة أكثر دلالة من المستوى المطلق للنبرة في أي فترة بعينها.

الخاتمة

إن الإجابة عن السؤال المطروح في هذا الفصل، أي ما الذي يقف وراء ركود التقدم في أسواق عمل الشباب، هي على الأرجح وعلى نحو غير مفاجئ مزيج من العوامل، مع التذكير بطبيعة الحال بأن بطالة الشباب لم ترتفع في جميع المناطق الفرعية. فالنمو الاقتصادي نفسه قد تباطأ، وحين تتعثر الاقتصادات كثيراً ما يتحمل الشباب العبء الأكبر لضعف خلق الوظائف. هكذا كان الحال خلال الركود الكبير بين عامي 2007 و2009 تقريباً، وفي فترة جائحة كوفيد 19 بين عامي 2020 و2021، وفي حالات كثيرة من فترات الأزمات الوطنية أو الإقليمية.

غير أن ما يختلف هذه المرة مقارنة بارتفاع البطالة في الفترات المذكورة هو أن العالم لا يمر الآن بفترة أزمة اقتصادية واضحة. فالنمو راكد، لكن هذا وحده لا يمكن أن يفسر تباطؤ توظيف الشباب في بعض المناطق الفرعية، ولا سيما حين يتقاطع النمو السلبي لتشغيل الشباب مع المهن المتوسطة المهارة، التي يقع جزء كبير منها ضمن فئة المهن ذات الدرجة العالية من التعرض للذكاء الاصطناعي.

وقد حاول التحليل استخلاص رؤى أعمق بالتعمق في خصائص الشباب العاطلين، لكن النتائج جاءت غير حاسمة؛ إذ شهدت المناطق الفرعية التي ارتفعت فيها بطالة الشباب تأثر خريجي الجامعات وخريجي المرحلة الثانوية على حد سواء، وهو ما يناقض بعض الفرضيات الإعلامية القائلة بأن وظائف الخريجين المبتدئة تتقلص بينما لا تزال الوظائف التي تتطلب مهارات حرفية تحظى بطلب مرتفع. وجاء مزيد من الاطمئنان إلى استمرار قيمة المهارات التقنية من خلال ما تبين من نمو تشغيل الشباب في المهن التقنية القائمة على المعرفة. وفي المقابل، كان ثمة انكماش واضح في تشغيل الشباب في المهن التقنية التشغيلية التي تستوعب عادة الشباب ذوي المستويات المتوسطة من المهارات، أي الحاصلين على تعليم ثانوي. ويواجه الشباب الطامحون إلى هذا النوع من العمل، بما في ذلك في قطاعي التصنيع والبناء وفي قطاعات الخدمات كالدعم المكتبي والنقل وخدمات الطعام، مخاطر حقيقية من البطالة الطويلة الأمد والإقصاء المحتمل من سوق العمل. وبعض القطاعات المنكمشة يتطابق مع تلك الشديدة التعرض للذكاء الاصطناعي، كالعمل المكتبي مثلاً، لكن ليس جميعها. فتباطؤ العمل في التصنيع يرجح أن ينبع من عدم استقرار التجارة العالمية أكثر من نبعه من الاضطرابات التكنولوجية.

وبينما تلوح التكنولوجيا في خلفية قصة ركود تشغيل الشباب، فإن التردد الحالي في خلق الوظائف المبتدئة، المقترن بارتفاع معدلات بطالة الشباب في معظم المناطق، يعكس أساساً تصاعد التوترات العالمية والتضخم وحالة عدم اليقين المحيطة بالآفاق الاقتصادية المستقبلية. وبصرف النظر عن السبب الكامن، فإن الكلفة التي يتحملها الشاب الذي يجد طريقه المنشود إلى العمل مسدوداً كلفة حقيقية، إذ يعاني الألم مالياً ونفسياً. ولتخفيف عبء المسارات المتعثرة، يتعين على الحكومات والشركاء الاجتماعيين توسيع حافظات سياساتهم وتعزيز قدراتهم على تقديم مظلة متكاملة من سياسات سوق العمل قد تشمل إعادة التدريب والمساعدة في البحث عن عمل والحماية الاجتماعية.

دراسة ذات صلة