تصدير
السرطان مرض يمسّ الإنسان في صميم حياته الخاصة، ويطالنا جميعاً، وأنا منهم. فلكلٍّ منا أصدقاء وأقارب عاشوا مع هذا المرض القاسي، ورحل بعضهم بسببه. ويفرض السرطان عبئاً جسدياً ونفسياً ومالياً هائلاً على الأفراد والأسر والمجتمعات والنظم الصحية والدول.
لقد شهدت جميع البلدان تقريباً زيادة في أعداد حالات السرطان خلال العقد الماضي، ويُتوقع أن ترتفع معدلاته بنسبة لا تقل عن 60% خلال السنوات العشرين المقبلة.
وفي كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أعداد كبيرة من مرضى السرطان الذين لا يحصلون على تشخيص جيد في الوقت المناسب ولا على علاج شامل. ففي عام 2019، أفاد أكثر من 90% من البلدان المرتفعة الدخل بأن خدمات علاج السرطان متاحة في نظامها الصحي العام، مقارنة بأقل من 15% من البلدان المنخفضة الدخل، حيث تظل معدلات البقاء على قيد الحياة منخفضة على نحو لا يمكن قبوله.
وقد أقرت البلدان في جمعية الصحة العالمية عام 2017 قراراً تعهدت فيه بالوقاية من السرطان ومكافحته وفق نهج متكامل، وطلبت من منظمة الصحة العالمية تقديم الإرشاد في هذا الشأن. وقد آن الأوان لتحويل الالتزامات السياسية إلى أفعال. ففي عام 2018 أطلقت المنظمة مبادرة لإنقاذ حياة ملايين الأطفال المصابين بالسرطان، وفي عام 2019 اعتمدت مسبقاً لأول مرة دواءً بديلاً حيوياً هو تراستوزوماب، مما يمهد الطريق لحصول مزيد من النساء على واحد من أنجع علاجات سرطان الثدي وأعلاها كلفة. وفي عام 2020 ستعرض المنظمة على البلدان استراتيجية عالمية للتخلص من سرطان عنق الرحم، الذي يودي بحياة امرأة كل دقيقتين رغم إمكان الوقاية منه إلى حد كبير.
وأملي ورجائي أن يساعد هذا التقرير البلدان على تحديد أولويات الاستثمار في مكافحة السرطان وفي التغطية الصحية الشاملة. ويستند التقرير إلى ما توصلت إليه الوكالة الدولية لبحوث السرطان من علم وبيّنات في تقريرها العالمي عن السرطان.
ولا تعمل منظمة الصحة العالمية بمفردها. فمكافحة السرطان تقتضي أن تمنح الحكومات الأولوية للاستثمارات وأن تنفذ سياسات تعالج عوامل الخطر، وأن يتوافر للبلدان عاملون صحيون مدربون وأدوية، وأن يتولى المجتمع المدني زمام المبادرة في حشد المجتمعات، وأن يقدم شركاء التنمية والمانحون استثمارات استراتيجية، وأن يتخذ الأفراد خيارات صحية، وأن تعمل الصناعة على تعزيز الإتاحة والابتكار.
وقد شهدت العقود الأخيرة ابتكارات متسارعة في تشخيص السرطان وعلاجه، غير أن توزيع هذه الخدمات والأدوية والتقنيات والاستفادة منها جاءا مجحفين وغير كفؤين إلى حد بعيد. ولا ينبغي أن يكون تشخيص الإصابة بالسرطان حكماً بالموت لمجرد أن المريض لا يحصل على الرعاية الصحية أو لا يملك ثمنها. فإذا أتيح للناس الوصول إلى الرعاية الأولية ونظم الإحالة، أمكن اكتشاف السرطان مبكراً وعلاجه بفعالية والشفاء منه. وستحقق الاستثمارات المدروسة القائمة على البيّنات في تدخلات مكافحة السرطان عوائد اجتماعية واقتصادية مجدية، بما تحمله من زيادة في الإنتاجية وتعزيز للإنصاف. ونستطيع معاً أن نعكس مسار السرطان، فنتجنب سبعة ملايين وفاة لا داعي لها بحلول عام 2030.
تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية
الملخص التنفيذي
يمثل السرطان مشكلة صحية خطيرة في جميع المجتمعات بصرف النظر عن ثرائها أو مكانتها الاجتماعية. غير أن الاستجابة العالمية للسرطان جاءت متفاوتة وغير منصفة. فقد تأخرت معظم البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في التصدي لعبء السرطان، بعد أن اضطرت إلى خيارات صعبة ركزت فيها مواردها المحدودة على العبء الهائل للأمراض المعدية. وفي عام 2020، حيث سيواجه شخص من كل خمسة أشخاص في العالم تشخيص الإصابة بالسرطان في مرحلة ما من حياته، وبعد أن أسهمت المكاسب المحققة ضد العدوى وغيرها من الأمراض في إطالة متوسط العمر المتوقع، فقد تجاوز الوقت الحاجة إلى تسريع المكافحة العالمية للسرطان من خلال الوقاية والتشخيص والعلاج والتدبير العلاجي والرعاية الملطفة والترصد. فكل عام يتأخر فيه تطبيق مكافحة فعالة للسرطان يجعل الاستجابة أعلى كلفة، ويزيد من الأرواح التي كان يمكن إنقاذها، ويظل معه النمو الاقتصادي والتنمية البشرية مكبّلين.
وأياً كانت المرحلة التي بلغها البلد في مكافحة السرطان، فإن خطواته التالية يمكن أن تسترشد بأدوات تحليلية موثوقة ومبادئ توجيهية وأمثلة عملية ومساعدة عالمية. ويعرض هذا التقرير المبادئ والأدوات والأولويات الحالية في مكافحة السرطان، كما يقدم بيّنات جديدة على قيمة مكافحة السرطان بوصفها استثماراً يحقق عوائد بشرية واقتصادية كبيرة.
لقد بات عبء الأمراض غير السارية يفوق عبء الأمراض المعدية في كل بلد، وسيواصل نموه خلال العقود المقبلة. وقد أفضت الطبيعة الملحة لمشكلة الأمراض غير السارية إلى اعتماد أهداف التنمية المستدامة وغايتها 3.4 التي تنص على: "خفض الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير السارية بمقدار الثلث بحلول عام 2030 من خلال الوقاية والعلاج، وتعزيز الصحة النفسية والرفاه". وتمثل التغطية الصحية الشاملة غاية مرتبطة بها ضمن أهداف التنمية المستدامة (الغاية 3.8). ويمكن دمج تدخلات مكافحة السرطان الواردة في هذا التقرير في حزم المنافع الخاصة بالتغطية الصحية الشاملة لدفع التقدم نحو تحقيق الغايتين معاً. وليكن واضحاً أنه لا يمكن بلوغ هاتين الغايتين دون جهود كبيرة، بل ربما هائلة، في مكافحة السرطان.
العبء المتنامي للسرطان
في عام 2018 أصيب 18.1 مليون شخص حول العالم بالسرطان، وتوفي 9.6 ملايين بسببه. وبحلول عام 2040 سيتضاعف هذان الرقمان تقريباً، وستكون الزيادة الكبرى في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل التي ستشهد أكثر من ثلثي حالات السرطان في العالم. ويتسبب السرطان في نحو 30% من مجموع الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير السارية بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و69 عاماً.
ويعد سرطان الرئة أكثر أنواع السرطان تشخيصاً (11.6% من مجموع الحالات)، يليه سرطان الثدي لدى النساء (11.6%) ثم سرطان القولون والمستقيم (10.2%). كما يعد سرطان الرئة السبب الرئيسي للوفاة بالسرطان (18.4% من مجموع الوفيات)، يليه سرطان القولون والمستقيم (9.2%) ثم سرطان المعدة (8.2%). ويختلف النوع الأكثر شيوعاً من بلد إلى آخر، إذ إن بعض السرطانات، كسرطان عنق الرحم وساركومة كابوزي، أكثر شيوعاً بكثير في البلدان الواقعة في أدنى سلم مؤشر التنمية البشرية منها في البلدان ذات المؤشر المرتفع. والوفيات الناجمة عن السرطان محصلة لمعدلات الإصابة ومعدلات البقاء على قيد الحياة، ولذلك ينعكس عدم الإنصاف في الحصول على العلاج الفعال في ارتفاع معدلات الوفاة بين المصابين في البلدان ذات المؤشر الأدنى للتنمية البشرية، نتيجة التشخيص في مراحل متأخرة وغياب العلاج. وكان التقدم في خفض احتمال الوفاة المبكرة بالسرطان أكبر بكثير في البلدان المرتفعة الدخل، التي حققت انخفاضاً قدره 20% بين عامي 2000 و2015، في حين لم يتراجع هذا الاحتمال في البلدان المنخفضة الدخل خلال الفترة نفسها إلا بنسبة 5%، وهو ما يعكس تزايد عدم المساواة على الصعيد العالمي.
فعالية مكافحة السرطان
يشمل نطاق تدخلات مكافحة السرطان الوقاية الأولية، والتحري والتشخيص المبكر، والعلاج المتعدد الوسائل، ورعاية الناجين، والرعاية الملطفة. وفي كل مجال من هذه المجالات، أسهمت تدخلات بالغة الفعالية في خفض عبء السرطان في البلدان التي تتوافر فيها على نطاق واسع ويستخدمها السكان. ففي البلدان التي تتيح الوصول الواسع إلى كامل طيف التدابير الفعالة، وهي في الغالب البلدان ذات المؤشر المرتفع للتنمية البشرية، انخفضت معدلات الوفاة بالسرطان وما زالت تواصل انخفاضها. أما في كثير من البلدان الواقعة في الطرف الأدنى من هذا الطيف، فإن معدل الوفاة بالسرطان آخذ في الارتفاع. ويمكن تغيير هذا الواقع باعتماد خطط وطنية لمكافحة السرطان ميسورة الكلفة وقابلة للتنفيذ، تتضمن برامج لتوسيع نطاق الخدمات المقدمة وتيسير الوصول إليها مالياً وجغرافياً. وتعد مكافحة السرطان جزءاً لا يتجزأ من مسار التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة.
التوصية الرئيسية الأولى: تفعيل الإرادة السياسية، وتعزيز الحوكمة، ووضع خطة لمكافحة السرطان قائمة على التغطية الصحية الشاملة.
بالتركيز على مجموعة من التدخلات ذات الأولوية والاستثمار بكفاءة، يمكن إنقاذ أكثر من 7 ملايين شخص بحلول عام 2030، مع ما يرافق ذلك من فوائد اجتماعية واقتصادية كبيرة. ويبلغ مجموع الاستثمار المطلوب بحلول عام 2030 نحو 2.70 دولار أمريكي للفرد في البلدان المنخفضة الدخل، و3.95 دولارات للفرد في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و8.15 دولارات للفرد في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى. ومع أن هذه الاستثمارات طموحة، فإنها قابلة للتحقيق والتنفيذ. والرسالة الأساسية هنا أن التدبير العلاجي للسرطان ليس باهظ الكلفة إلى حد يتعذر معه تحمّلها.
التوصية الرئيسية الثانية: تحديد أولويات قابلة للتنفيذ، قائمة على البيّنات، ويمكن تمويلها.
الوقاية الأولية الفعالة
يمكن على الصعيد العالمي الوقاية مما يتراوح بين ثلث ونصف جميع حالات السرطان بالمعارف والتقنيات المتاحة حالياً. واسترشاداً بالتدخلات التي تعدها منظمة الصحة العالمية "أفضل الخيارات" لمكافحة الأمراض غير السارية، فإن مكافحة التبغ عبر الضرائب وغيرها من السياسات، وتحقيق تغطية عالية بلقاحات الوقاية من العدوى بفيروس الورم الحليمي البشري وفيروس التهاب الكبد B، تعد سبلاً فعالة وقابلة للتطبيق للوقاية من السرطان. وينبغي إيلاء اهتمام خاص كذلك للسمنة والكحول والتعرض المهني وتلوث الهواء، وهي عوامل خطر رئيسية للسرطان ما زالت قائمة أو آخذة في التزايد.
التوصية الرئيسية الثالثة: التركيز على "أفضل الخيارات" التي حددتها منظمة الصحة العالمية للوقاية الأولية من الأمراض غير السارية.
الكشف المبكر والتحري
يمثل التشخيص المبكر البديل الأمثل لكثير من السرطانات التي لا يمكن الوقاية منها حالياً، وكذلك لتلك التي تحدث رغم الوقاية. ففي معظم البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل يُشخَّص السرطان حالياً في مرحلة متقدمة، حين يكون العلاج عموماً أقل فعالية وأعلى كلفة وأشد تسبباً في العجز. ويمكن اتباع نهجين متمايزين للكشف المبكر عن السرطان: التشخيص المبكر للمرض المصحوب بأعراض، وتحري الأفراد الذين لا تظهر عليهم أعراض ضمن فئة سكانية مستهدفة. وتحظى برامج التشخيص المبكر بالأولوية، وتقوم على رفع الوعي بأعراض السرطان، وضمان القدرة على التشخيص السريري والمرضي السريع، والإحالة في الوقت المناسب إلى موقع يمكن فيه تقديم العلاج الفعال. وفيما يتعلق بالتحري، ينبغي أن تكون الأولوية في جميع البلدان لسرطان عنق الرحم، وأن يقتصر تحري سرطاني الثدي والقولون والمستقيم على البلدان التي تتمتع بموارد كافية. وثمة تفاوت كبير وغير منصف في توافر خدمات علم الأمراض والتصوير التشخيصي العالية الجودة، وهي خدمات لا غنى عنها لوضع خطة علاجية ملائمة.
التوصية الرئيسية الرابعة: إيلاء الأولوية للتشخيص المبكر والاستثمار فيه.
التدبير العلاجي للسرطان
يتسم التدبير العلاجي للسرطان عموماً بتعقيد يفوق ما تتطلبه أمراض أخرى، بما فيها أمراض غير سارية أخرى. فقد يشمل العلاج الجراحة، والعلاج الجهازي (كالعلاج الكيميائي والعلاج المناعي والعلاج الهرموني)، والعلاج الإشعاعي. وينبغي أن يتولى تقديم هذه الأساليب التشخيصية والعلاجية فريق متعدد التخصصات، فهو حجر الزاوية في الرعاية المتكاملة المتمحورة حول المريض.
وقد شهد نصف القرن الماضي تقدماً هائلاً في علاج السرطان، يعود أساساً إلى التطورات في العلاج الجهازي، وفي الآونة الأخيرة إلى العلاج المناعي، فضلاً عن التحسينات في العلاج الإشعاعي والجراحة. فبالنسبة إلى بعض السرطانات الشائعة، كسرطان الثدي وعنق الرحم والقولون والمستقيم وابيضاض الدم ومعظم سرطانات الأطفال وغيرها، يتوافر العلاج الشافي منذ عقود عدة، وتستطيع البلدان على اختلاف مستويات دخلها تحمّل كلفته. وسيتعين حسم القرارات المتعلقة بالعلاجات المختارة ضمن الخطط الوطنية لمكافحة السرطان بحسب أثرها وكلفتها وجدوى تطبيقها. ومع أن بعض العلاجات المبتكرة الحديثة قد تحقق فوائد ملموسة في البقاء على قيد الحياة أو جودة الحياة لدى فئات معينة من المرضى، فإن كثيراً من أحدث العلاجات لا تقدم سوى فوائد هامشية على مستوى السكان مقارنة بالعلاجات الأقدم. وقد حددت منظمة الصحة العالمية تدخلات ذات أولوية للمساعدة في توجيه القرارات المتعلقة باختيار الأدوية والمنتجات الصحية.
التوصية الرئيسية الخامسة: تنفيذ تدخلات فعالة وقابلة للتطبيق في التدبير العلاجي للسرطان، مع ضمان رعاية عالية الجودة قائمة على القيمة.
وتهدف الرعاية الملطفة إلى الوقاية من المعاناة وتخفيفها في جميع مراحل المشكلات الصحية الخطيرة، بما في ذلك الألم والمعاناة الناجمين عن العلاج، لدى الناجين ولدى من يتوفون في نهاية المطاف بسبب السرطان. وفي حالة السرطان، تأتي السيطرة على الألم في مقدمة الأهداف وإن لم تكن الهدف الوحيد، ويمكن تخفيف الألم في معظم الحالات بالمورفين الفموي الزهيد الثمن أو بغيره من المواد الأفيونية. غير أن هذه الأدوية غير متاحة للأسف في أجزاء واسعة من العالم، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ومع ذلك تمكنت بعض البلدان من تجاوز العوائق السياسية والتنظيمية لتوفير رعاية ملطفة كافية تشمل السيطرة على الألم وغيرها من الخدمات، مما يثبت أن ذلك ممكن. وقد دعت جمعية الصحة العالمية إلى إتاحة الرعاية الملطفة للجميع بوصفها خطوة ضرورية نحو التغطية الصحية الشاملة. ومع وجود أكثر من 50 مليون ناجٍ من السرطان على قيد الحياة حالياً، لا بد من الاهتمام باحتياجاتهم الصحية الطويلة الأمد وبإعادة دمجهم في المجتمع وفي بيئة العمل.
التوصية الرئيسية الخامسة (تتمة): إدراج الرعاية الملطفة ورعاية الناجين في جميع الخطط الوطنية لمكافحة السرطان.
التخطيط الوطني لمكافحة السرطان
تبدأ الخطة الوطنية لمكافحة السرطان، في الوضع الأمثل، بجمع البيانات المتعلقة بعبء المرض وانتشار عوامل الخطر والقدرات الحالية وأداء النظام الصحي وتحليلها. ونظراً إلى الطابع المتعدد القطاعات والمتعدد الوسائل لمكافحة السرطان، يعد التخطيط أمراً أساسياً لتنسيق تقديم الخدمات والعمل نحو تحقيق معالم واقعية. وحتى في غياب البيانات الكاملة، يمكن لخطط مكافحة السرطان أن تحدد الخطوات الملائمة للنهوض بالمكافحة. ويلزم تطوير القدرات على المديين القصير والمتوسط لتوسيع نطاق الخدمات وتحقيق التغطية السكانية الكاملة بالتدخلات الفعالة. ويمكن لمنظمة الصحة العالمية وغيرها تقديم الإرشاد إلى البلدان في التخطيط واختيار التدخلات الفعالة والمردودة التكلفة، وتزويدها بالمعلومات اللازمة لتحليلات الميزانية.
وينبغي أن تقود عملية التخطيط لمكافحة السرطان إدارة حكومية مسؤولة ومحددة، تعمل مع جميع أصحاب المصلحة المعنيين، بمن فيهم أفراد مطلعون من الجمهور والمهنيون. ويتطلب النجاح المستدام الالتزام بإجراء مراجعات منتظمة للتقدم المحرز وتنقيح الخطة، وزيادة الاستثمار في نظم المعلومات، وتعزيز هياكل الحوكمة. ولما كانت خدمات السرطان تحظى حالياً بتمويل يقل عن تمويل برامج الأمراض الأخرى في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، فلا بد من ضمان زيادة مستمرة ومناسبة في حصتها من الميزانية الصحية.
التوصية الرئيسية السادسة: تعزيز نظم المعلومات لتحسين التخطيط والمساءلة.
تمويل مكافحة السرطان
يضمن تمويل مكافحة السرطان من خلال الاستثمارات الرأسمالية، وتمويل الخدمات التي تحقق أفضل قيمة لأوسع نفع، وصولاً منصفاً مالياً وجغرافياً إلى خدمات سرطان عالية الجودة. وتتوافر أداة أعدتها منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لبحوث السرطان لتحديد الأولويات وتقدير تكاليف خطط مكافحة السرطان وخدماته، ويمكن استخدامها لنمذجة التوقعات المالية بالاعتماد على التمويل المحلي والخارجي معاً.
وبوجه عام، يقع دفع تكاليف الخدمات المباشرة المقدمة للمرضى في إطار التغطية الصحية الشاملة على عاتق الحكومة. وحيث تكون الموارد محدودة، كانت المعونة الخارجية المخصصة للأمراض غير السارية، ولا سيما السرطان، ضئيلة للغاية. ومع ذلك توجد في بعض البلدان مبادرات عديدة من القطاع الخاص تخص أنواعاً معينة من السرطان (كسرطانات الأطفال)، وتوفر موارد لبناء القدرات والتدريب والاستثمارات الرأسمالية. وفي البلدان التي تأخرت فيها مكافحة السرطان، يمكن أن يتضمن التخطيط مصادر لتمويل الاستثمارات اللازمة.
وينبغي توسيع التمويل للخدمات وللتغطية السكانية على مراحل، بما يتسق مع الخطة الوطنية لمكافحة السرطان ومع مبدأ الإعمال التدريجي للتغطية الصحية الشاملة. وتشير تجارب البلدان إلى أن أفضل سبيل لتحقيق ذلك هو نظام تمويل مسبق الدفع يُصرف مركزياً.
التوصية الرئيسية السابعة: تمويل التدخلات ذات الأولوية في مكافحة السرطان، وضمان الحماية المالية.
تنفيذ مكافحة السرطان معاً
تُنفَّذ مكافحة السرطان بضمان توافر جميع المرافق والمعدات والكوادر ونظم المعلومات والتمويل اللازمة لتطبيق خطة مكافحة السرطان. فوحدة العلاج الإشعاعي لا جدوى منها دون مهنيين مدربين من فئات متعددة (كالفيزيائيين الطبيين)، وكوادر صيانة متخصصة، وموظفين لحفظ السجلات، فضلاً عن خدمات المختبر والتصوير لتقييم التقدم. وإذا غابت حلقة واحدة من السلسلة عانى المريض وأُهدرت الموارد. وبالمثل، لن يكون لبرنامج تحري سرطان الثدي أي أثر ما لم تتوافر التقنيات اللازمة للتشخيص والعلاج. وتمثل مراكز السرطان محاور مهمة لزيادة القدرات وتعزيز المعايير ورفع الكفاءة.
التوصية الرئيسية الثامنة: بناء القدرات من خلال مراكز السرطان وشبكاتها المرتبطة برعاية أولية قوية.
وتتمثل الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، في تدريب قوى عاملة متخصصة في السرطان، وتأمين البنية الأساسية اللازمة لرعاية مرضاه، وهي بنية لا يتقاسم مع الحالات الطبية الأخرى إلا جزءاً منها. ويعد التعاون العالمي ضرورة لبعض البلدان، بما في ذلك التدريب في بلدان أخرى والتعاون مع المنظمات الوطنية والدولية ومنظمات القطاع الخاص. ويشمل التنفيذ كذلك العمل في حدود الميزانية المخصصة للبنية الأساسية والكوادر وشراء السلع اللازمة. ومن أكبر التهديدات العالمية لاستدامة مكافحة السرطان ارتفاع كلفة أدويته ومنتجاته. وفي هذا المجال يمكن للتعاون الإقليمي والعالمي أن يحسّن الإتاحة، لأن البلدان منفردة، ولا سيما ذات الأسواق الصغيرة، لا تملك إلا قدراً ضئيلاً من النفوذ.
التوصية الرئيسية التاسعة: تحسين أداء القوى العاملة وضمان الوصول إلى أدوية ومنتجات أخرى موثوقة ومستدامة.
ومن الشواغل الأساسية في مكافحة السرطان الحفاظ على جودة عالية، فالسرطان أقل تسامحاً مع الإخلال بالجودة من كثير من الأمراض الأخرى. فالتأخر في الوصول إلى التشخيص والعلاج، والأدوية المتدنية النوعية، وضعف ضبط العلاج الإشعاعي، كلها قد تفضي إلى معاناة ووفيات لا مبرر لها وإلى إهدار الموارد.
ويتطلب التنفيذ علاقات عمل جيدة بين الإدارات الحكومية، ومع الأوساط الطبية والتجارية، ومع المنظمات الدولية والوطنية على الصعيد العالمي. وعلى الصعيد الداخلي، ينبغي إشراك ائتلاف من أصحاب المصلحة في إعداد الخطة الوطنية لمكافحة السرطان. والحكومات مسؤولة عن رسم السياسات وتهيئة بيئة مواتية من خلال القوانين واللوائح، لكنها تعتمد على شركاء يضطلعون بمسؤوليات فعلية في جوانب التنفيذ. ولن نتمكن من إحراز التقدم في مكافحة السرطان وتوفير الرعاية للجميع إلا معاً.
التوصية الرئيسية العاشرة: إشراك المجتمعات المحلية والمجتمع المدني لتحقيق مكافحة السرطان معاً.
المقدمة
الغرض والنطاق
في عام 2017، التزمت الحكومات بتسريع العمل لمكافحة السرطان باعتمادها قرار جمعية الصحة العالمية ج ص ع 70.12 بشأن الوقاية من السرطان ومكافحته. ويفي هذا التقرير، الذي قادت منظمة الصحة العالمية إعداده بالتعاون مع الوكالة الدولية لبحوث السرطان، بالولاية المسندة إلى المنظمة. والغرض منه تقديم الإرشاد لواضعي السياسات في صياغة استجابة لعبء السرطان في بلدانهم، من خلال بيان أن السرطان يمكن مكافحته بوصفه أولوية من أولويات الصحة العامة عبر استثمارات استراتيجية. ولذلك يصف التقرير السياسات والبرامج ذات الأولوية في مكافحة السرطان والتدخلات القائمة على البيّنات على امتداد سلسلة رعاية السرطان، ويرسم جدول أعمال لتسريع العمل بغية الوفاء بالالتزامات السياسية.
والجمهور المستهدف أساساً هو واضعو السياسات الحكوميون، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. غير أن رسائله تهم فئات في البلدان على اختلاف مستويات دخلها، ومنها المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الخيرية والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص والأشخاص المتعايشون مع السرطان وأسرهم. فمكافحة السرطان تتطلب أفضل ما يمكن من جهود: من الحكومات في رسم السياسات وترتيب أولويات الاستثمار، ومن المجتمعات في حشد العمل، ومن الأفراد في اتخاذ خيارات صحية والاستفادة من خدمات الرعاية الصحية، ومن الجمعيات المهنية في تعزيز التنسيق واستكمال القدرات، ومن الصناعة في تعزيز الإتاحة والابتكار، ومن شركاء التنمية والمانحين في تقديم استثمارات استراتيجية.
ويسعى التقرير إلى تحويل الخطاب السائد حول السرطان من خطاب قائم على الخوف من الموت والكارثة المالية والغموض والاستسلام، إلى رسالة إيجابية مفادها أن السرطان يمكن مكافحته من خلال استثمارات استراتيجية عالية الأثر في البرامج والسياسات والخدمات. فالقرارات العملية والتدخلات القائمة على البيّنات قادرة على تحقيق قيمة مقابل المال وتنمية مستدامة.
بنية التقرير
يعرض القسم الأول مبررات تسريع العمل لمكافحة السرطان عالمياً. ويصف القسم الثاني الإجراءات الفعالة التي يمكن اتخاذها على امتداد سلسلة رعاية السرطان، من الوقاية إلى الرعاية، والتي تشكل أساس السياسات والبرامج. أما القسم الأخير فيقدم إرشادات بشأن اتخاذ القرار وتمويل تدخلات مكافحة السرطان وتنفيذها.
ويكمّل هذا التقرير التقرير العالمي عن السرطان الصادر عن الوكالة الدولية لبحوث السرطان، الذي يُطلق بالتزامن معه، كما يكمّل تقارير منظمة الصحة العالمية العالمية عن التبغ والكحول. ويتناول تقرير الوكالة أثر السرطان في العالم، بما في ذلك عبؤه واتجاهاته، والأسباب المعروفة لبعض أنواعه، والعمليات البيولوجية، والبحوث المتعلقة بالوقاية من أنواع معينة من الأورام، ويقدم أحدث ما توصل إليه العلم في مجال السرطان. أما هذا التقرير فيبيّن كيف يمكن ترجمة ذلك العلم إلى سياسات وبرامج عملية.
والرسائل الرئيسية الثلاث الموجهة إلى واضعي السياسات هي:
أولاً: سيزداد عبء السرطان عالمياً بنسبة لا تقل عن 60% خلال العقدين المقبلين، مما سيرهق النظم الصحية والمجتمعات. فالسرطان مصدر قلق متنامٍ وكبير للصحة العامة، وهو مسؤول بالفعل عن وفاة واحدة من كل ست وفيات في العالم، وسيستمر عبؤه على الأفراد والمجتمعات والنظم الصحية والاقتصادات في التزايد.
ثانياً: تحقق تقدم سريع في تشخيص السرطان وعلاجه، غير أن اختيار البرامج والمنتجات جاء غير كفء وغير مستنير، وكان الوصول إلى الخدمات الفعالة مجحفاً إلى حد بعيد. ويمكن أن تكون مكافحة السرطان استثماراً عظيم الفائدة، فإذا أُعطيت الأولوية للبرامج الاستراتيجية أمكن أن تحقق الاستثمارات في رعاية السرطان عائداً إيجابياً، فتنقذ الأرواح وتخفف المعاناة وتعزز الإنصاف والنمو الاقتصادي وزيادة الإنتاجية.
ثالثاً: ينبغي للبلدان أن تختار وتنفذ مجموعة من التدخلات ذات الأولوية تكون قابلة للتطبيق في نظمها الصحية، ومكيفة مع عبئها الوبائي، ومتاحة للناس من جميع الأعمار وللفئات المحرومة. فلا يستطيع أي بلد أن يتصدى لجدول أعمال السرطان بأكمله، بل على كل بلد أن يحدد أولوياته ويعالجها على مراحل. ولا تلتزم كثير من الاستراتيجيات الحالية لمكافحة السرطان بأفضل الممارسات العالمية، ولا تتكيف مع قدرات النظم الصحية الوطنية، مما يؤدي إلى توزيع غير ملائم للموارد أو تحويلها عن مسارها، وإلى ضرر محتمل بالمرضى والمجتمعات. ولذلك ينبغي صياغة سياسات وبرامج قائمة على البيّنات ورصدها لضمان رعاية فعالة وعالية الجودة، مع العلم أن التنسيق والتعاون عنصران أساسيان لنجاح التنفيذ.
ويتضمن المرفق الأول قائمة بأدوات منظمة الصحة العالمية ومواردها لمكافحة السرطان، ويقدم المرفق الثاني مسرداً بالمصطلحات المستخدمة في هذا المنشور، فيما يعرض المرفق الثالث ملامح مكافحة السرطان في البلدان وأقاليم المنظمة، وهي متاحة على الإنترنت.
فهم السرطان
تتطلب الاستجابة للعبء المتزايد للسرطان فهماً دقيقاً للمرض وللأثر المحتمل للبرامج والسياسات. و"السرطان" مصطلح عام يشمل مجموعة كبيرة من الأمراض التي يمكن أن تصيب أي جزء من الجسم. ومن سماته المميزة التكوّن السريع لخلايا شاذة تنمو متجاوزة حدودها المعتادة، ويمكن أن تنتشر بعد ذلك إلى أعضاء وأنسجة أخرى، وهي عملية تُعرف بالنقيلة. والنقائل سبب شائع للوفاة بالسرطان. وتنشأ الخلايا الشاذة عموماً نتيجة تغيرات في الحمض النووي للخلايا تؤدي إلى نمو الخلايا المرتبطة بها وانتشارها. وهذه التغيرات متعددة الأسباب، تشمل عوامل بيئية (كالمواد المسرطنة أو العدوى)، واضطرابات في المسارات النمائية، وأخطاء عشوائية في تضاعف الحمض النووي، وخللاً في الجهاز المناعي، وعوامل أخرى. ويضم التصنيف الدولي للأمراض في مراجعته الحادية عشرة أكثر من 600 نوع من السرطان، يتطلب معظمها نهجاً فريداً في التشخيص والتدبير العلاجي.
تبديد الخرافات والمفاهيم الخاطئة
"لا يمكن الوقاية من السرطان": يمكن الوقاية مما يتراوح بين ثلث ونصف حالات السرطان بإزالة التعرض لعوامل الخطر أو تقليله إلى أدنى حد. وأكثر أسباب السرطان شيوعاً هو تعاطي التبغ، المسؤول عن 25% من جميع وفيات السرطان في العالم.
"السرطان حكم بالموت": من أهم الرسائل الموجهة إلى الجمهور أن السرطان يمكن الشفاء منه إذا اكتُشف مبكراً وعولج بفعالية، فلا ينبغي النظر إليه بوصفه حكماً بالموت. وبالمثل، ينبغي أن يدرك واضعو السياسات أن خدمات السرطان يمكن أن تكون مردودة التكلفة، وأن الاستثمار في مكافحته ينقذ الأرواح.
"السرطان معدٍ": لا يمكن انتقال الخلايا السرطانية من شخص إلى آخر، ولا ينبغي الخوف من التلامس الجسدي مع مريض السرطان أو تجنبه. غير أن بعض أنواع العدوى، كالعدوى بفيروس الورم الحليمي البشري أو فيروسات التهاب الكبد، من الأسباب المعروفة للسرطان ويمكن أن تنتقل بين الأشخاص، وتتوافر لقاحات عالية الفعالية للوقاية من فيروس الورم الحليمي البشري وفيروس التهاب الكبد B.
"كل شيء يسبب السرطان": تنتشر معلومات مغلوطة كثيرة حول ما يسبب السرطان وما لا يسببه وحول مستويات الخطر الفردية. وتعد سلسلة دراسات الوكالة الدولية لبحوث السرطان المرجع الحاسم للأسباب المثبتة بالبيّنات.
"العلاجات المتاحة دون وصفة طبية تشفي من السرطان": خضعت علاجات السرطان المعيارية لتقييم صارم، وينبغي ألا يصفها ويقدمها إلا مهنيون صحيون معتمدون من الحكومة. وقد ارتبط استبدال العلاج التقليدي بمنتجات تُصرف دون وصفة طبية بانخفاض معدلات البقاء على قيد الحياة. ويمكن استخدام بعض العلاجات التكميلية لدعم الرعاية المعيارية القائمة على البيّنات بالتشاور الوثيق مع مهنيين صحيين معتمدين. ويتطلب العلاج الفعال المقبول للسرطان عموماً الجمع بين الجراحة والأدوية والعلاج الإشعاعي.
"الأطفال لا يصابون بالسرطان": تمثل سرطانات الأطفال نحو 2% إلى 3% من مجموع حالات السرطان، وتتطلب نهجاً خاصاً لتقديم الرعاية المثلى. ومعظم سرطانات الأطفال قابلة للشفاء بدرجة عالية، إذ تتجاوز نسبة الشفاء 90% في بعض البلدان المرتفعة الدخل، إذا شُخّصت سريعاً وأحيل المرضى وتلقوا رعاية متعددة التخصصات.
"ينبغي استخدام أحدث المعدات والأدوية في علاج السرطان": أسهمت بعض الابتكارات الحديثة في تحسين النتائج، غير أن ليس كل علاج جديد للسرطان عالي الأثر، وقد تكون المعايير الراسخة أكثر فعالية وقابلية للتطبيق وملاءمة. وينبغي لواضعي السياسات الرجوع إلى هيئات تقييم التقنيات الصحية، وللمرضى أن يتناقشوا مع مهنيين صحيين مدربين عند اتخاذ قراراتهم.
المكافحة الشاملة للسرطان
تتطلب مكافحة السرطان نهجاً شاملاً. ويمكن بوجه عام تنظيم التدخلات موضوعياً على امتداد "سلسلة رعاية السرطان"، من الوقاية إلى رعاية الناجين أو الرعاية في نهاية الحياة، ولكل مرحلة منها أنشطة فريدة وسياسات داعمة.
وتتمثل الوقاية الأولية من السرطان في تعديل العوامل التي تزيد خطر الإصابة به. ويهدف الكشف المبكر إلى تحديد السرطان أو الآفات السابقة للتسرطن في أبكر وقت ممكن عبر أحد نهجين متمايزين: التشخيص المبكر أو التحري. وتتمثل الخطوات التشخيصية الرئيسية في تقييم الامتداد التشريحي للمرض وتحديد نوع السرطان ونوعه الفرعي. ومن علاجات السرطان الشائعة العلاج الجهازي (كالعلاج الكيميائي والهرموني والموجّه)، والجراحة، والعلاج الإشعاعي، والطب النووي، وزرع نقي العظم، والعلاج بالخلايا. وتعني رعاية الناجين تقديم الخدمات بعد إتمام علاج السرطان، وتشمل الترصد لاكتشاف عودة السرطان وأي سمية ناجمة عن العلاج. أما الرعاية الملطفة فهي نهج لتحسين جودة حياة المرضى المصابين بأمراض مهددة للحياة وأسرهم، وتشكل جزءاً من استراتيجية التدبير العلاجي منذ لحظة تشخيص السرطان.
ويتطلب التخطيط الفعال لمكافحة السرطان مواءمته مع واقع البلد، بالاستناد إلى معلومات من سجلات السرطان السكانية ونظم المعلومات. ويجب أن تكون الخدمات والتدخلات متكاملة ومتعددة القطاعات والتخصصات، وأن تكون الاستجابة الوطنية المتكاملة للسرطان ملائمة لقدرة الخدمات الصحية وللعبء الوبائي. ويضع هذا التقرير جدول أعمال للعمل في مجال المكافحة الشاملة للسرطان اليوم وخلال العقد المقبل.
السرطان والتغطية الصحية الشاملة: توفير الرعاية للجميع
يجب أن تكون مكافحة السرطان ركيزة لأي استراتيجية تهدف إلى تحقيق التغطية الصحية الشاملة، وهي من أهداف التنمية المستدامة المدرجة في خطة عام 2030 (الغاية 3.8)، وأن تقوم على مبادئ الإنصاف في الوصول إلى الخدمات الصحية، والحماية المالية لجميع السكان، وإعطاء الأولوية للتدخلات التي تحقق قيمة مقابل المال. ويدل أثر عبء السرطان على المرضى والمجتمعات والاقتصادات، كما يلخصه هذا التقرير، على أن نهج الصحة العامة والسياسات يجب أن يقوم على التغطية الصحية الشاملة. وينبغي اختيار التدخلات المدرجة في حزمة المنافع لأي بلد وفق هذه المبادئ وفي حدود الموارد والقدرات المتاحة، ووفق الخدمات التي تعدها منظمة الصحة العالمية أساسية، مثل "أفضل الخيارات" والقائمة النموذجية للأدوية الأساسية وقائمة وسائل التشخيص الأساسية، وكذلك ما تحدده الهيئات المعيارية الأخرى.
وينبغي اختيار تدخلات سكانية (تتعلق عموماً بالوقاية) وأخرى سريرية (تتعلق بالخدمات الصحية). وأي تدخل جديد لمكافحة السرطان يُدرج في حزمة المنافع ينبغي توسيع نطاقه تدريجياً ليشمل كامل الفئة السكانية المستهدفة قبل إدخال خدمات جديدة، اتساقاً مع مبادئ الإعمال التدريجي. ولا يمكن التصدي للتحدي المتنامي الذي يفرضه السرطان على مجتمعاتنا إلا إذا استند ذلك إلى هدف تحقيق التغطية الصحية الشاملة والصحة للجميع.
القسم الأول: بيان المسوّغات
يمثل السرطان تحدياً كبيراً للصحة العامة. فبين عامي 2012 و2018، يُقدَّر أن عدد الحالات ازداد في كل بلد تقريباً من البلدان التي تتوافر عنها بيانات سجلات سكانية. ومنذ عام 2011 قُطعت التزامات عالمية ووطنية مهمة للاستجابة لهذا التحدي والتصدي له. ولتحقيق هذه الالتزامات السياسية، يجب أن تكون التغطية الصحية الشاملة الأساس الذي يقوم عليه تعزيز الوقاية من السرطان ومكافحته.
إن كلفة التقاعس باهظة. فالاستثمار في حزمة أساسية من خدمات السرطان وأنشطته يمكن أن يجنّب 7.3 ملايين وفاة بالسرطان بين عامي 2020 و2030، مع مكاسب للنظام الصحي بأكمله وفوائد اقتصادية للحكومات والأسر والأفراد. والعمل مطلوب الآن.
