القائمة الرئيسية

الفوائد الصحية والاقتصادية لمعالجة الأمراض غير المعدية

الفوائد الصحية والاقتصادية لمعالجة الأمراض غير المعدية
ملخص الدراسة

يقدم هذا التقرير تقييماً شاملاً لعبء الأمراض غير المعدية (NCDs) في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي. يُظهر التقرير أن هذه الأمراض، مثل السكري والسرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية، تتزايد باستمرار على الرغم من عقود من الجهود، مدفوعةً بتفاقم عوامل الخطر (خاصة السمنة)، وشيخوخة السكان، وتحسن معدلات البقاء على قيد الحياة. تفرض هذه الأمراض أعباء صحية واجتماعية واقتصادية جسيمة، تُضعف الإنتاجية وترفع الإنفاق الصحي بشكل كبير. ويؤكد التقرير أن الوقاية، ولا سيما التصدي لعوامل الخطر الرئيسية كالسمنة والتدخين، تحقق فوائد صحية واقتصادية أكبر وأوسع نطاقاً بكثير مما يحققه العلاج وحده. ولتحقيق ذلك، يقترح ثلاث ركائز لاستراتيجيات فعالة: تمكين الأفراد لاتخاذ خيارات صحية، وتهيئة بيئات داعمة لهذه الخيارات، وبناء نظم صحية مستجيبة تتجه نحو الوقاية والرعاية الشاملة.

تمهيد

يقدّم هذا التقرير تقييماً شاملاً لعبء الأمراض غير المعدية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ودول الاتحاد الأوروبي، إذ يجمع أحدث الأدلة المتعلقة بعبء المرض وعوامل الخطر وأداء النظم الصحية والآثار الاقتصادية. فعلى الرغم من عقود من الجهود المبذولة على صعيد السياسات، لا تزال هذه الأمراض في ازدياد مستمر، مدفوعةً بتفاقم عوامل الخطر وشيخوخة السكان وتحسّن فرص البقاء على قيد الحياة مع الحالات المزمنة. وإلى جانب عواقبها الصحية العميقة، تفرض الأمراض غير المعدية تكاليف اجتماعية واقتصادية جسيمة، فهي تُضعف الإنتاجية وترفع الإنفاق الصحي وتقيّد النمو على المدى الطويل.

ولا يكتفي التقرير بوصف الاتجاهات القائمة، بل يمضي إلى تحديد مجالات العمل ذات الأولوية لكل دولة على حدة. ويكشف تحليل النمذجة المواضعَ التي تستطيع فيها الدول تحقيق أكبر المكاسب الصحية والاقتصادية إذا ما لحقت بنظيراتها الأفضل أداءً. وتبيّن النتائج أن الوقاية، ولا سيما التصدي لعوامل الخطر الرئيسية كالسمنة والتدخين والاستهلاك الضار للكحول، تحقق فوائد أكبر وأوسع نطاقاً مما يحققه العلاج وحده. كما يطرح التقرير ثلاث ركائز أساسية تقوم عليها الاستراتيجيات الفعّالة لمواجهة هذه الأمراض، وهي: تمكين الأفراد، وتهيئة بيئات داعمة، وبناء نظم صحية مستجيبة تتجه نحو الوقاية.

شكر وتقدير

يعود الفضل في العمل الذي يقدّمه هذا التقرير إلى كثيرين، وقد أعدّه فريق الصحة العامة في مديرية التوظيف والعمل والشؤون الاجتماعية بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. واستفاد إعداده استفادة كبيرة من الإسهامات والملاحظات التي قدّمها الخبراء الوطنيون وممثلو الدول الأعضاء وسائر الجهات المعنية.

وقد عُرضت الصيغ الأولية لفصول هذا الكتاب ونوقشت في اجتماعات فريق الخبراء المعني باقتصاديات الصحة العامة التابع للمنظمة، وفي اجتماع لجنة الصحة بالمنظمة المنعقد في ديسمبر 2025 برئاسة كريس مولين. ويتعذّر ذكر خبراء الدول ومندوبيها بأسمائهم لكثرتهم، غير أن المؤلفين يودّون أن يخصّوا بالشكر مندوبي أستراليا والنمسا وكندا وكرواتيا وأيرلندا ولوكسمبورغ والمكسيك وسلوفينيا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة على ملاحظاتهم البنّاءة طوال مراحل العمل.

ويتقدم المؤلفون بالشكر كذلك إلى المنظمات والمؤسسات التي استُخدمت بياناتها في التحليلات الواردة في هذا التقرير.

ويُوجَّه شكر خاص إلى ماريان تاكي وإيفيت أتزوباردي وكارلوس غارسيا مايورال ورالوكا أرديليانو من المفوضية الأوروبية، الذين تابعوا تطور المشروع منذ مرحلة صياغة فكرته وقدّموا إسهاماتهم في جميع مراحله.

وقد موّلت هذا العمل المساهماتُ المنتظمة للدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وحظي بدعم من البرنامج الصحي للاتحاد الأوروبي. ولا تعكس الآراء والحجج الواردة فيه بالضرورة المواقف الرسمية للدول الأعضاء في المنظمة أو للاتحاد الأوروبي. كما لا تتحمل المنظمات والمؤسسات التي استُخدمت بياناتها أي مسؤولية عن تحليل تلك البيانات أو تفسيرها.

الملخص التنفيذي

عقود من الجهود لم تنجح بعد في عكس مسار الأمراض غير المعدية

على الرغم من عقود من الجهود الوطنية، لا تزال الأمراض غير المعدية في ازدياد. ففي الفترة الممتدة بين عامي 1990 و2023، ارتفع معدل انتشار السرطان بنسبة 36% ومرض الانسداد الرئوي المزمن بنسبة 49% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مقابل 39% و41% على التوالي في الدول الأعضاء السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي، التي يُشار إليها فيما يلي بالاتحاد الأوروبي. وارتفع انتشار أمراض القلب والأوعية الدموية بما يزيد على 27% في دول المنظمة و21% في الاتحاد الأوروبي، في حين قفز انتشار داء السكري بنسبة 86% في دول المنظمة و64% في الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023، كان شخص واحد من كل عشرة أشخاص في دول المنظمة مصاباً بالسكري، وشخص واحد من كل ثمانية يعيش مع أحد أمراض القلب والأوعية الدموية، بينما بلغت هاتان النسبتان في الاتحاد الأوروبي شخصاً من كل اثني عشر وشخصاً من كل سبعة على التوالي.

عبء الأمراض غير المعدية يتزايد ويُتوقع أن يواصل نموه

ثمة ثلاثة أسباب رئيسية وراء استمرار تزايد انتشار الأمراض غير المعدية.

أولاً، على الرغم من التقدم المحرز في الحد من بعض عوامل الخطر، كتلوث الهواء والتدخين والاستهلاك الضار للكحول وقلة النشاط البدني، فإن هذا التقدم قد تآكل بفعل الارتفاع الحاد في معدلات السمنة.

ثانياً، إن تحسّن معدلات البقاء على قيد الحياة، وهو نجاح لا لبس فيه في مجال الصحة العامة، يعني أن أعداداً أكبر من الناس يعيشون فترات أطول مع حالات مزمنة، مما يزيد الطلب على الرعاية ويضاعف تعقيد الخدمات المقدمة.

ثالثاً، تعني شيخوخة السكان أن مزيداً من الناس يبلغون الأعمار التي تشيع فيها هذه الأمراض. فحتى لو ظلت معدلات انتشار عوامل الخطر ومعدلات البقاء وحجم السكان على حالها، يُتوقع أن يرتفع عدد الحالات الجديدة من الأمراض غير المعدية بنسبة 31% في دول المنظمة و29% في الاتحاد الأوروبي بين عامي 2026 و2050 بفعل شيخوخة السكان وحدها. ويُتوقع كذلك أن يرتفع انتشار تعدد الأمراض المزمنة بنسبة 75% في دول المنظمة و70% في الاتحاد الأوروبي، وأن ينمو الإنفاق الصحي السنوي للفرد على هذه الأمراض بأكثر من 50% في دول المنظمة و54% في الاتحاد الأوروبي.

المسوّغات الاقتصادية والاجتماعية ومسوّغات الرفاه للتحرك

لا يقتصر أثر الأمراض غير المعدية على النتائج الصحية، بل يمتد إلى طريقة عيش الناس وعملهم، ويُثقل كاهل الأسر والمجتمعات، ويفرض عبئاً متنامياً على النظم الصحية والاقتصادات.

فالأمراض غير المعدية القابلة للتأثر بتدخلات الصحة العامة، أي تلك التي يمكن الوقاية منها عبر هذه التدخلات، مسؤولة عن أكثر من أربع من كل عشر وفيات مبكرة، وهي الوفيات التي تحدث قبل سن الخامسة والسبعين، في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي. وإلى جانب تحسين الصحة البدنية، يمكن للتصدي لهذه الأمراض أن يحسّن نتائج الصحة النفسية كذلك، إذ ثبت أنها ترفع خطر الإصابة بالاكتئاب.

والفرص الاقتصادية لا تقل أهمية عن ذلك. فوفقاً لحسابات أُجريت باستخدام نموذج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للتخطيط الاستراتيجي للصحة العامة في مجال الأمراض غير المعدية، المعروف اختصاراً بنموذج SPHeP NCDs، لو لم تكن هناك أمراض غير معدية لانخفض الإنفاق الصحي بنحو 40%، ولارتفع متوسط الناتج المحلي الإجمالي بما يقارب 4% في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة.

تحديد الأولويات لتحقيق أقصى أثر ممكن

تتسم مواجهة الأمراض غير المعدية بالتعقيد، نظراً لتعدد عوامل الخطر واتساع المداخل الممكنة للسياسات. ومع ذلك، يمكن تحديد أولويات واضحة من خلال تقييم الأثر النسبي لمختلف عوامل الخطر في الصحة والاقتصاد، ومقارنة الأداء بأداء الدول الأفضل. ويُظهر تطبيق سيناريو الربع الأعلى، الذي تُواءَم فيه مستويات عوامل الخطر ومعدلات البقاء في كل دولة مع المستوى المسجل لدى أفضل 25% من دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، ما يلي:

تستطيع الدول تحقيق مكاسب صحية واقتصادية ملموسة بالتصدي لعوامل خطر الأمراض غير المعدية. فلو بلغت جميع دول المنظمة مستويات الربع الأعلى في عوامل الخطر، وهو هدف طموح لكنه قابل للتحقيق، يقدّر النموذج أن الوفيات المبكرة السنوية ستنخفض بنسبة 11.4%، وأن إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية سينخفض بنسبة 6.2%، وأن الناتج المحلي الإجمالي السنوي سيرتفع بنسبة 1.3% في المتوسط خلال الفترة من 2026 إلى 2050، مقابل 11.5% و4.6% و1.4% على التوالي في الاتحاد الأوروبي. وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي مثلاً، يعني ذلك تجنّب وفاة مبكرة واحدة كل ثلاث دقائق ونصف، وتحقيق وفورات في الإنفاق الصحي تضاهي الميزانية الصحية الكاملة للنمسا.

وتمثّل السمنة الفرصة الكبرى لتخفيف عبء الأمراض غير المعدية في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي، إذ تستأثر بأكثر من نصف الأثر الإجمالي لمواءمة عوامل الخطر مع مستوى الربع الأعلى في دول المنظمة، وبنسبة 42% منه في الاتحاد الأوروبي. ولو حققت جميع دول المنظمة أداء دول الربع الأعلى في معدل انتشار السمنة، لانخفض العدد السنوي للحالات الجديدة من الأمراض غير المعدية بنسبة 11%، والوفيات المبكرة بنسبة 5.6%، والإنفاق الصحي السنوي بنسبة 3.3%، في المتوسط خلال الفترة من 2026 إلى 2050، مقابل 7.0% و3.6% و1.6% على التوالي في الاتحاد الأوروبي. كما سيرتفع الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 0.6% في المتوسط خلال الفترة ذاتها في كل من دول المنظمة والاتحاد الأوروبي.

والوقاية تحقق فوائد صحية واقتصادية أكبر مما يحققه العلاج. فمواءمة معدلات البقاء على قيد الحياة بعد الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان في دول المنظمة والاتحاد الأوروبي مع مستوى الربع الأعلى من شأنها أن تخفض الوفيات المبكرة مجتمعةً بنسبة 3.2% سنوياً في المتوسط خلال الفترة من 2026 إلى 2050. غير أن خفض عوامل الخطر الرئيسية كالسمنة والتدخين إلى مستوى الربع الأعلى سيكون أعظم أثراً في الوفيات المبكرة. يُضاف إلى ذلك أن المكاسب الاقتصادية الناجمة عن معالجة عوامل الخطر تفوق بكثير تلك المتحققة من تحسين معدلات البقاء، إذ يزيد أثر خفض انتشار السمنة في الناتج المحلي الإجمالي على عشرة أضعاف أثر رفع معدلات البقاء بعد الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. ومع أن تحسين نتائج العلاج أمر جوهري، فإن معالجة الأسباب الجذرية لهذه الأمراض تحقق مكاسب صحية واقتصادية أوسع.

وتستطيع جميع الدول تحقيق نتائج صحية كبيرة بالتركيز على أولوية واحدة أو اثنتين. ففي المتوسط عبر الدول الإحدى والخمسين التي شملها التحليل، تحقق معالجة عامل الخطر الأبرز في الدولة نحو نصف الأثر الكلي الممكن على معدلات الإصابة بالأمراض غير المعدية والإنفاق الصحي والناتج المحلي الإجمالي، وتغطي معالجة أبرز عاملين نحو 75% من ذلك الأثر، في حين تبلغ معالجة أبرز ثلاثة عوامل نحو 90% منه.

الاستراتيجيات الناجحة لمواجهة الأمراض غير المعدية تقوم على ثلاث ركائز مترابطة

مع أن مزيج السياسات سيختلف من دولة إلى أخرى تبعاً لخصائص عوامل الخطر فيها وأولوياتها الصحية، ثمة ثلاث ركائز مترابطة تستند إليها جميع الاستراتيجيات الناجحة لمواجهة هذه الأمراض.

الركيزة الأولى هي تمكين الأفراد عبر المعلومات والتثقيف. فالتقدم المستدام يتوقف على امتلاك الأفراد المعرفة والدافع والمهارات اللازمة لاتخاذ خيارات صحية أفضل. ولذلك ينبغي تعزيز المعلومات والدوافع والمهارات السلوكية على جميع مستويات المجتمع، بدءاً من العلاقات بين الأشخاص وصولاً إلى السياسات العامة.

الركيزة الثانية هي تهيئة بيئات تدعم الخيارات الصحية. فالبيئات التي يعيش فيها الناس ويعملون ويتعلمون تؤثر تأثيراً قوياً في احتمال إصابتهم بالأمراض غير المعدية. ومن ثَمّ تُعدّ السياسات التي تهيئ بيئات معززة للصحة عنصراً أساسياً في دعم تغيير السلوك وتحويل الأعراف الاجتماعية، وذلك بإزالة العوائق، ومعالجة أثر العوامل الاجتماعية والبيئية والاقتصادية والتجارية والسوقية، وتيسير الوصول إلى الخيارات الصحية.

الركيزة الثالثة هي بناء نظم صحية مستجيبة تقدّم الوقاية والرعاية معاً. فبإمكان النظم الصحية، والرعاية الأولية على وجه الخصوص، أن تعمل على امتداد مسار رعاية الأمراض غير المعدية بأكمله، لا أن تقتصر على علاج النوبات الحادة. ويؤدي مقدّمو الرعاية الأولية دوراً حاسماً في تشجيع أنماط الحياة الصحية، غير أن هذه الإمكانات كثيراً ما تبقى غير مستغلة. كما تضطلع الرعاية الأولية بدور محوري في تعزيز الفحص والكشف المبكر، وفي تقديم إدارة طويلة الأمد للأمراض تتمحور حول المريض.

دراسات ذات صلة