تمهيد
يستعرض تقرير "آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار 2025" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أبرز الاتجاهات في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار في الدول الأعضاء في المنظمة وفي الاقتصادات الشريكة الرئيسية. ويأتي هذا الإصدار في وقت يتسارع فيه التغير التكنولوجي، وتشتد فيه التوترات الجيوسياسية، وتتعاظم فيه الحاجة الملحّة إلى استجابات تحويلية لمواجهة التحديات الاقتصادية والمجتمعية.
ويُبرز التقرير أهمية الارتقاء بفاعلية سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وكفاءتها، لا سيما أنها تسعى إلى تحقيق غايات واسعة وأولويات متعددة في ظل قيود متزايدة على الموارد. ومن ثم ينبغي لهذه السياسات أن تستثمر أوجه التآزر بين الأهداف المختلفة، وذلك بتطبيق تدابير سياساتية متكاملة، وتعزيز التعاون بين مختلف الجهات الحكومية، ودعم نماذج التمويل المشترك بين القطاعين العام والخاص.
ومن المحاور الرئيسية لهذا الإصدار الكيفية التي يمكن بها للدول أن تعيد تشكيل التعاون العلمي في مشهد جيوسياسي يزداد تشرذماً، بما يكفل الانفتاح الذي يدفع عجلة التقدم العلمي، ويحمي في الوقت نفسه اعتبارات الأمن الاقتصادي. ومن محاوره الأخرى ضرورة أن تتكيف المنظومات العلمية ذاتها، عبر ترتيبات مؤسسية ومهارات وحوافز جديدة، إن أرادت أن تسهم إسهاماً فعالاً في التغيير التحويلي من خلال مقاربات أكثر تعدداً في التخصصات.
كما يتناول التقرير التقارب المتنامي بين تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والتقنية الحيوية والحوسبة الكمية، وهو تقارب يعيد تشكيل عمليات الابتكار ويستدعي أنماطاً جديدة من الدعم السياساتي. ويسلط الضوء على ما تنطوي عليه المقاربات الأكثر تفصيلاً من إمكانات، إذ تتيح فهماً أعمق للهياكل الصناعية وتقييماً أدق لأثر التدخلات السياساتية، بما يساعد على حشد جهات فاعلة متنوعة حول مهام مشتركة. ويبيّن كذلك كيف يمكن للحكومات أن تعزز قدراتها في مجالات الاستشراف والتجريب في السياسات والذكاء الاستراتيجي، حتى تحافظ على مرونتها في مواجهة حالة عدم اليقين.
وتؤكد هذه الرؤى مجتمعةً أن سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار تقف عند منعطف حاسم؛ إذ ستكون قدرة الحكومات على تسخير العلوم والتكنولوجيا والابتكار لإحداث التغيير التحويلي، مع التعامل في الوقت ذاته مع الضغوط الجيوسياسية والتحولات التكنولوجية المتسارعة، عاملاً حاسماً في رسم ملامح المستقبل.
الملخص التنفيذي
قيادة التغيير في مشهد متحوّل
تشكّل التحديات العالمية، وتصاعد المخاوف المتعلقة بالأمن الاقتصادي، والتقنيات الناشئة والمتقاربة ذات الطابع الثوري، سياقاً جديداً لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. ولضمان بقاء هذه السياسات ملائمة للغرض المنشود في هذه البيئة الجديدة السريعة التغير، لا بد من إصلاحات هيكلية جوهرية تحسّن فاعلية التدخلات السياساتية وكفاءتها، إلى جانب مواصلة الاهتمام بتعزيز قاعدة الأدلة. ويحلل تقرير "آفاق العلوم والتكنولوجيا والابتكار 2025" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا المشهد المتحوّل وانعكاساته على منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، مقدماً عبر فصوله السبعة توصيات ترسم ملامح الإصلاحات اللازمة في هذه السياسات لإحداث تغيير طموح.
الاستفادة من التكامل بين السياسات لرفع الكفاءة
تُبرز الأجندات السياساتية الطموحة، مقترنةً بالقيود المتزايدة على الموارد، أهمية تعزيز كفاءة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار. فمع تراجع المخصصات الحكومية السنوية للبحث والتطوير بنسبة 1.9% في عام 2024 في نطاق الدول الأعضاء في المنظمة، باتت هذه السياسات مطالبة بأن تستثمر عن قصد أوجه التآزر بين الأولويات السياساتية المختلفة وأن تخفف من المفاضلات بينها، بحيث يمكن لدعم العلوم والتكنولوجيا والابتكار الموجّه لتعزيز القدرة التنافسية الوطنية، على سبيل المثال، أن يسهم أيضاً في التحولات نحو الاستدامة. كما يتعين على الحكومات أن توازن بين تدابير دعمها المباشر وغير المباشر للبحث والتطوير، كالحوافز الضريبية، وأن تستثمر أوجه التآزر بينها، إذ يمكن لكليهما أن يسهم بطرق متكاملة في تسريع التغيير التحويلي. فضلاً عن ذلك، ينبغي تعزيز التنسيق بين مجالات سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار وسائر مجالات السياسات الأخرى.
جعل الأمن البحثي متناسباً ودقيقاً ومصاغاً بالشراكة مع الأطراف المعنية
يسهم تصاعد التوترات الجيوسياسية والتنافس الاستراتيجي في مجال التقنيات الناشئة في تنامي إضفاء الطابع الأمني على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وهو ما يعيد تشكيل أنماط التعاون الدولي في هذا المجال. وتتأثر منظومات البحث العام بذلك على نحو متزايد، إذ تسعى الحكومات في آن واحد إلى تنمية القدرات المتقدمة وتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية في مجالات التقنيات الحرجة، وإلى حماية المعارف الحساسة من خلال تدابير الأمن البحثي، وإلى تعزيز مصالحها الوطنية عبر الشراكات الانتقائية والدبلوماسية العلمية. ومن الممكن حماية البحوث الحساسة أو أوجه التعاون الأكاديمي بطرق لا تمس جودة البحث، ولا تقوّض الابتكار، ولا تؤدي إلى تفتيت التعاون في مواجهة التحديات العالمية المشتركة. ولتحقيق ذلك، يجب أن تكون سياسات الأمن البحثي متناسبة ودقيقة، وأن تُصاغ بشراكة وثيقة مع العلماء وقطاع الأعمال والجهات الحكومية الأخرى.
توسيع نطاق المنافع من خلال تعزيز انتشار الابتكار
تميل أنشطة الابتكار عادةً إلى التركز لدى الشركات والقطاعات والمناطق الرائدة، بفعل وفورات الحجم والآثار غير المباشرة للمعرفة. وقد يفضي هذا التركز إلى حصر المنافع الاقتصادية والمجتمعية في نطاقات جغرافية محدودة. ولتوسيع دائرة الأثر، ينبغي لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تولي اهتماماً أكبر للسياسات والاستثمارات الرامية إلى تعزيز انتشار التقنيات، وإلى تحويل الابتكارات إلى مكاسب في الإنتاجية على مستوى الاقتصاد ككل وإلى منافع مجتمعية. ويُعد توسيع المشاركة في الابتكار أداة رئيسية لتعميم منافعه، إذ يمكنه أن يرفع جودة التطوير التكنولوجي ويعزز صلته بحاجات المجتمع في آن معاً. كما ينبغي لسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار التي تستهدف الحدود القصوى للمعرفة أن تنظر في كيفية دمج سياسات النشر والتبني ضمن جهود التطوير التي تدفع حدود التكنولوجيا إلى الأمام.
تكييف منظومات العلوم العامة
ثمة حاجة أيضاً إلى إصلاحات هيكلية تمكّن المنظومات العلمية الوطنية من الاستجابة على نحو أفضل للسياق السياساتي المتغير، ومن تعزيز إسهامها في مواجهة التحديات المجتمعية الكبرى. ويكمن جوهر هذه الإصلاحات في تمكين البحث متعدد التخصصات وتقدير قيمته، لما له من قدرة على توليد حلول للتحديات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة التي تتجاوز حدود التخصصات والقطاعات. كما تلزم إصلاحات لاستحداث مسارات مهنية متنوعة وشفافة تعترف بالتنقل بين الأوساط الأكاديمية والقطاعات الأخرى وتيسّره. وتحتاج البنى التحتية البحثية إلى آليات دعم وحوكمة أكثر مرونة تتيح لها العمل معاً لتحقيق أهداف مشتركة وتعزيز التغيير التحويلي. ويتعين على البحث الأكاديمي كذلك أن ينفتح على تفاعل مباشر أكبر مع المجتمع، من خلال تحسين تدابير التواصل وبرامج علم المواطن. ولضمان ترسّخ هذه الإصلاحات الهيكلية، ينبغي أن تعترف أنظمة تقييم الأداء وهياكل الحوافز على نحو أفضل بتنوع الإسهامات في العلم ومخرجاته اللازمة لتعزيز الابتكار. وفي الوقت ذاته، ينبغي للحكومات أن تواصل ضمان حرية البحث واستقلاليته، والنهوض بالعلم المفتوح، وتعزيز ثقة الجمهور بالعلم.
تسخير تقارب التقنيات
تزداد أهمية تعزيز البحث متعدد التخصصات والعابر للقطاعات مع تحوّل تقارب التقنيات إلى قوة دافعة للابتكار. وتوضح أربعة مجالات تقنية مهمة هذه العمليات، هي البيولوجيا التركيبية، والتقنيات العصبية، والتقنيات الكمية، ورصد الأرض من الفضاء. فعلى سبيل المثال، يتيح الذكاء الاصطناعي تصميم البروتينات لابتكار جزيئات ذات خصائص جديدة قد تمهد الطريق لعلاجات مخصصة لكل فرد، في حين يتيح تقاربه مع التقنيات الغامرة فرصاً لعلاج الأمراض النفسية. والتقارب عملية تكامل تشترك فيها تخصصات ومجتمعات مختلفة. ويمكن للحكومات أن تعزز هذا التقارب بدعم "فضاءات التقارب"، وهي بنى تحتية ومنصات مادية ورقمية وتقنية قادرة على احتضان أشكال عميقة من البحث والهندسة والابتكار متعدد التخصصات.
تبني مقاربة المنظومات
يمكن لتبني منظور المنظومة الصناعية، الذي يتخطى الحدود القطاعية ليشمل الصناعات في مراحل سلسلة القيمة الأولية واللاحقة على حد سواء، أن يسهم في تصميم سياسات صناعية أكثر فاعلية. كما يمكنه أن يساعد الحكومات على تحديد الطيف الكامل من أصحاب المصلحة المعنيين، بمن فيهم الشركات والشركات الناشئة والعاملون والمستثمرون والموردون والشركاء التجاريون، بغية تصميم سياسات تعكس على نحو أفضل التعقيد الحقيقي للمشهد الصناعي. بيد أن استخدام هذه المقاربة يقتضي تطوير بنية تحتية متينة للبيانات تجمع بيانات تفصيلية من مصادر متعددة، بما يتيح الإحاطة بتعقيد المنظومة.
تعزيز مرونة السياسات من خلال الذكاء الاستراتيجي والتجريب
لقيادة التغيير في مشهد متحوّل، يجب أن يصبح صنع سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أكثر استباقية ومرونة في ظل ظروف تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين. ويمكن لممارسات مثل الاستشراف الاستراتيجي وتقييم التقنيات وتقييم السياسات أن توفر رؤى في الوقت المناسب، عبر إنتاج أدلة استباقية وآنية، في حين يتيح التجريب في السياسات اختبار الأفكار الجديدة وإجراء تقييم نقدي لآثار السياسات. وتدعم هذه المقاربات مجتمعةً صنع السياسات القائم على الأدلة وتعزز مرونتها. ويتطلب تشجيع صانعي السياسات على استخدامها إدماجها في البرامج والأطر الوطنية، وزيادة المرونة والقدرة على التكيف داخل الهياكل البيروقراطية، والاستثمار في برامج تدريب موظفي القطاع العام. ومن الأهمية بمكان أيضاً ضمان وجود مسار واضح لتوسيع نطاق التدخلات التي يثبت نجاحها، أو التخلص التدريجي من تلك التي تخفق.
بهذه الإصلاحات، تستطيع منظومات العلوم والتكنولوجيا والابتكار أن تقود تغييراً طموحاً
ستعزز هذه الإصلاحات السياساتية منظومات الابتكار الوطنية، وتساعدها على قيادة تغيير يستجيب للمشهد السياساتي المتحوّل ويتصدى لتحديات المستقبل.
