الفصل الخامس: التدبير العلاجي للسرطان
الرسائل الرئيسية
أولاً: سيُشخَّص السرطان خلال العقد المقبل لدى نحو 200 مليون شخص سيحتاجون إلى الرعاية، ولا بد من توسيع القدرة على العلاج المتعدد الوسائل لتلبية هذه الحاجة.
ثانياً: تتفاوت القدرة على العلاج تفاوتاً كبيراً بين البلدان وداخلها. ففي كثير من البلدان المنخفضة الدخل لا تتوافر عموماً خدمات السرطان، ولا الأدوية والمنتجات الصحية الجنيسة الزهيدة الكلفة، ولا المنتجات المبتكرة.
ثالثاً: تحقق تقدم كبير في التدبير العلاجي للسرطان، وأُدرج العلاج المناعي في القائمة النموذجية للأدوية الأساسية لمنظمة الصحة العالمية. غير أن أقلية فقط من العلاجات المبتكرة تحدث أثراً سريرياً ذا شأن، ولذلك ينبغي تقييم الإتاحة والاستدامة وجاهزية النظام قبل إدخال علاجات جديدة.
رابعاً: ينبغي اختيار أولويات التدخلات بحسب نوع السرطان ودواعي الاستعمال. فبعض التدخلات، كالعلاج الشافي لسرطانات الثدي والقولون والمستقيم وعنق الرحم والأطفال، متاحة في البلدان على اختلاف مستويات دخلها. وينبغي رصد جودة خدمات علاج السرطان وتحسينها من خلال التنظيم والسياسات الوطنية والإرشادات السريرية وتحسين تدريب العاملين الصحيين. ولا ينجح العلاج إلا إذا اقترن بخدمات الرعاية الداعمة، كالتغذية والوقاية من العدوى ومكافحتها والتأهيل.
خامساً: يمكن الاستعانة بنهج "سلسلة القيمة" لتصور المكونات اللازمة لتحسين الوصول إلى أدوية السرطان ومنتجاته الصحية. ومن المشكلات الشائعة التي تعيق وصول المرضى إليها سوء الاختيار، وانقطاع الإمداد، والأدوية المتدنية النوعية والمغشوشة، وسوء الوصف والاستخدام، والكلفة. وينبغي لواضعي السياسات اتباع سياسات متسقة وشاملة على امتداد سلسلة القيمة، بما فيها سياسات تسعير متينة، لضمان وصول واسع للسكان إلى منتجات صحية مأمونة وناجعة وعالية الجودة تحقق الرعاية المثلى للسرطان.
سادساً: لا يحصل معظم مرضى السرطان على الرعاية الملطفة، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، مما يفضي إلى معاناة لا داعي لها. وينبغي أن تكون الرعاية الملطفة أولوية في كل مكان، وأن تُدمج في الرعاية الصحية على جميع المستويات.
الخلفية
لا بد من توسيع نطاق التدبير العلاجي للسرطان لتحقيق غايات أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالتغطية الصحية الشاملة، وخفض الوفيات المبكرة والمعاناة. فحتى مع وجود وقاية جيدة، سيُشخَّص السرطان لدى أكثر من 15 مليون شخص سنوياً خلال العقد المقبل.
وينبغي أن تكون المبادئ التوجيهية للتدبير العلاجي للسرطان أهدافاً متمحورة حول المريض، يؤطرها مفهوم القيمة. فالخدمات يجب أن تكون عالية الجودة وشاملة، والاستثمارات يجب أن تكون كفؤة تحقق قيمة مقابل المال. وتكون العلاجات غير كفؤة إذا كانت باهظة الكلفة ولا تحقق سوى نتائج قصيرة الأمد عديمة الأهمية السريرية. كما أن العلاقة بين ارتفاع الإنفاق على السرطان وتحسن البقاء على قيد الحياة موضع شك، بل قد يفاقم هذا الاستثمار عدم المساواة المالية. والخدمات المتدنية الجودة غير كفؤة كذلك، إذ ترفع التكاليف رفعاً كبيراً وتزيد النتائج سوءاً.
ويتألف التدبير العلاجي العالي الجودة للسرطان من علاج قائم على البيّنات ومراعٍ للسياق، ومن تعاون بين المرافق على جميع مستويات الرعاية. ويجب أن تكون الخدمات شاملة ومنسقة في كل خطوة من خطوات التدبير العلاجي. وينبغي أن تشمل الرعاية المتعددة التخصصات الخدمات السريرية الأساسية، كطب الأورام الباطني والجراحة وطب الأورام الإشعاعي وعلم الأمراض والرعاية الملطفة وعلم الأورام النفسي وتمريض الأورام والتغذية والتأهيل، بحسب الاقتضاء. والتنسيق ضروري لتجنب تشتت الرعاية وسوء التواصل بين المهنيين والمرضى وأسرهم، والفرق المتعددة التخصصات تكفل رعاية صحية متمحورة حول المريض وفعالية سريرية.
ويشمل التدبير العلاجي للسرطان جميع مستويات نظام الرعاية الصحية. ويمكن بناء نظم فعالة وميسورة الكلفة للتدبير العلاجي للسرطان على نحو تدريجي، حتى في البلدان الأدنى دخلاً، إذا أُحسن التخطيط والتنفيذ.
وينبغي إيلاء اعتبار خاص للفئات السكانية التي تحتاج إلى سياسات ونُهج ومعدات وأجهزة طبية مكيفة لها، ومنها الاحتياجات الخاصة للفئات المحرومة، والمسنون، والأطفال، والمراهقون والشباب الذين قد يُغفل عنهم.
المشهد الحالي لخدمات التدبير العلاجي للسرطان
يتفاوت الوصول إلى خدمات التدبير العلاجي للسرطان تفاوتاً كبيراً بين البلدان وداخلها. فوسيط عدد مراكز السرطان العامة لكل 10 آلاف مريض بالسرطان يبلغ 3.3 في البلدان المرتفعة الدخل (بمدى يتراوح بين 0.25 و21.4)، و2.6 في البلدان المتوسطة الدخل (بمدى يتراوح بين صفر و55.4)، و0.8 في البلدان المنخفضة الدخل (بمدى يتراوح بين صفر و25.4). ولا تتاح هذه المراكز لعامة السكان إلا في 32% من البلدان المنخفضة الدخل و65% من البلدان المتوسطة الدخل الأدنى. ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مثلاً، لم تتلق نسبة تصل إلى 38% من النساء اللواتي راجعن مرفقاً صحياً أي علاج، ويرجح أن ذلك يعود إلى تعذر الوصول إليه أو عدم القدرة على تحمل كلفته.
ويبلغ الوسيط الحالي لكثافة أجهزة العلاج الإشعاعي لكل مليون نسمة 5.1 في البلدان المرتفعة الدخل (بمدى يتراوح بين 0.4 و11.6)، وصفراً في البلدان المنخفضة الدخل (بمدى يتراوح بين صفر و0.4).
كما أن توافر أدوية السرطان الأساسية والجديدة محدود، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. فالقائمة النموذجية للأدوية الأساسية لمنظمة الصحة العالمية مرجع عالمي لأدوية السرطان ذات الأولوية، غير أن القوائم الوطنية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أظهرت توافقاً معها يقل عن 50%، ولم تتضمن قوائم البلدان المنخفضة الدخل سوى نحو ثلث أدوية السرطان الواردة في القائمة النموذجية، وعدداً أقل من ذلك من الأدوية المحمية ببراءات. وأدوية السرطان المدرجة في القائمة النموذجية فعالة، ويمكن لمعظم البلدان على اختلاف مستويات دخلها تحمّل كلفتها.
وتتزايد ميزانيات العلاج الموجّه بسرعة، وتوجَّه على نحو غير متناسب إلى أقلية من المرضى، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، على حساب توفير الأدوية الجنيسة الراسخة الفعالة والبدائل الحيوية لعدد أكبر بكثير من المرضى. وقد وجد الاتحاد الدولي التابع للجمعية الأوروبية لطب الأورام أن كثيراً من أدوية السرطان الأساسية غير متاحة في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل الأدنى، وأن المرضى يدفعون كامل كلفتها حين تتاح، مما يحد من وصولهم إليها. فضلاً عن ذلك، لا تتاح كثير من أدوية العلاج الموجّه الحديثة دون إنفاق مرتفع من الجيب إلا في البلدان المرتفعة الدخل.
وتسجل معدلات إدخال أدوية السرطان الجديدة واعتمادها مستوى غير مسبوق، وكذلك تكاليفها. ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً اعتُمد 91 دواءً للسرطان بين عامي 2014 و2018، وتتعلق 47% من جميع التجارب السريرية الدوائية بأدوية السرطان. وقد ارتفعت أسعار أدوية السرطان المعتمدة حديثاً ارتفاعاً كبيراً، وزاد نصيب الفرد من الإنفاق عليها بمقدار يتراوح بين ضعفين وثمانية أضعاف نصيب الفرد من الإنفاق الصحي بين عامي 2012 و2016.
ولبعض العلاجات المبتكرة أثر كبير في نتائج السرطان، وهو ما يدل عليه إضافة سبعة علاجات موجّهة إلى أحدث إصدار من القائمة النموذجية للأدوية الأساسية. فهذه الأدوية بالغة الفعالية، إذ يحقق العلاج المناعي مثلاً مكسباً مطلقاً في البقاء على قيد الحياة يتراوح بين 30% و40% في حالة الورم الميلانيني النقيلي. وتحسّن علاجات جديدة مختارة متوسط العمر المتوقع وجودة الحياة تحسيناً ملموساً، غير أن كثيراً من العلاجات المبتكرة لا يمنح سوى فوائد متواضعة. فأقل من ثلث التجارب السريرية المعشاة المنشورة بين عامي 2011 و2015 أظهرت فوائد ذات معنى سريري وفق درجات مقياس حجم الفائدة السريرية للجمعية الأوروبية لطب الأورام. كما أن الأدوية المعتمدة لا تُستطب إلا لأقلية من المرضى، ففي البلدان المرتفعة الدخل مثلاً لم يستفد من العلاج المناعي سوى 13% من مرضى السرطان، ومن العلاج الموجّه جينومياً سوى 4.9%. وهذه الأدوية غير متاحة وغير ميسورة الكلفة للغالبية العظمى من الناس في العالم ما لم تتوافر تغطية تأمينية أو حماية مالية. فكلفة العلاج الموجّه المدرج في القائمة النموذجية لسرطان الثدي المبكر الإيجابي لمستقبلات HER2 تعادل مثلاً نحو عشر سنوات من متوسط الأجر السنوي في الهند وجنوب أفريقيا، وسنة وسبعة أعشار السنة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي المقابل، يمكن وصف أنظمة العلاج الكيميائي الأقدم الراسخة الفعالة بجزء يسير من تلك الكلفة، وهي في متناول الحكومات والأفراد. وقد أفضى ارتفاع أسعار أدوية السرطان وأرباحها إلى ممارسات غير كفؤة وغير أخلاقية وغير قانونية، كالأدوية المتدنية النوعية والمغشوشة، والممارسات المخلة بالمنافسة، والتسويق المضلل للمنتجات خارج دواعي استعمالها المعتمدة، والهدر.
والوصول إلى الرعاية الملطفة محدود كذلك. فقد أدرجت 58% من البلدان حالياً الرعاية الملطفة في سياساتها الوطنية للأمراض غير السارية. وفي عام 2011 كان 86% من سكان العالم يحصلون على قدر ضئيل من مسكنات الألم الأفيونية أو لا يحصلون عليها إطلاقاً. ويختلف التوافر العام للمورفين الفموي اختلافاً كبيراً بحسب الإقليم ومستوى الدخل، إذ يبلغ 86% في البلدان المرتفعة الدخل، و29% في البلدان المتوسطة الدخل، و10% في البلدان المنخفضة الدخل.
تحديد الأولويات في علاج السرطان
باتت الحجج الاستثمارية لطب الأورام الباطني والإشعاعي والجراحي راسخة، غير أن الاستثمار ما زال غير كافٍ وغير فعال. ويصعب تحديد الأولويات في ظل التغير السريع في علاج السرطان والقدرات والتصورات العامة. وينبغي أن تكون الرعاية القائمة على القيمة أساس التغطية الصحية الشاملة.
تحديد الأولويات في رعاية السرطان
ينبغي اختيار أعلى التدخلات أثراً وأكثرها قابلية للتطبيق في جراحة السرطان والعلاج الجهازي والعلاج الإشعاعي بحسب نوع السرطان ومرحلته. والأولويات التي حددتها منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي لجميع البيئات هي علاج السرطانات في مراحلها المبكرة (ولا سيما سرطانات الثدي وعنق الرحم والقولون والمستقيم وغيرها)، وسرطانات الأطفال، والأورام الخبيثة الدموية التي قد تُشفى بكلفة منخفضة حتى في مراحلها المتقدمة.
وينبغي النظر في فائدة العلاجات بحسب وسيلة العلاج والمرحلة ونوع السرطان. فقد قُدّرت الفائدة المطلقة للعلاج الإشعاعي في البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات بنحو 20% في سرطان عنق الرحم و1% في سرطان المعدة، ويتجاوز المكسب المطلق في البقاء من العلاج الكيميائي السابق للجراحة أو المساعد 35% في اللمفومة اللاهودجكينية وسرطان الخصية، في حين قد يقل عن 5% إلى 10% في سرطانات أخرى كسرطان البنكرياس أو الدماغ. ويحقق العلاج الكيميائي السام للخلايا مكسباً أكبر بكثير في البقاء المطلق في المرحلة الثالثة من سرطان الثدي (بين 1% و19%) منه في المرحلة الأولى (بين صفر و9%).
وينبغي تحديد أنواع السرطان ومراحله التي تستفيد من علاج معين، لتحديد الأولويات على مستوى السكان وتقديم رعاية عالية الجودة للمرضى. كما ينبغي عند اختيار التدخلات مراعاة العوائق المتعلقة بالطلب (كالقدرة على الانتقال إلى المرفق، والوعي بالخدمة، والاستعداد للدفع) والعوائق المتعلقة بالعرض (ككفاية عدد مقدمي الخدمات المؤهلين والمعدات). فقد يكون الطلب غير كافٍ لتسويغ الإنفاق الرأسمالي، كما في بلد قليل السكان أو محدود القدرة على التوسع الفوري في الخدمات، وحينئذ يمكن إرسال المرضى إلى بلدان مجاورة أو إلى القطاع الخاص بموجب اتفاق منظم وخاضع للتنظيم.
التقنيات الحديثة لعلاج السرطان: تحديد الأولويات
طب الأورام الباطني: يجب تعزيز خدمات طب الأورام الباطني على مراحل، بحسب متطلبات النظام الصحي وأثر العلاجات وكلفتها، إذ إن بعضها قد لا يقدم للمرضى إلا فائدة ضئيلة ويرتب تكاليف اجتماعية كبيرة. وعند تحديد الأولويات يجب النظر في الدواء وكلفته واحتمال تحقيقه فائدة في داعٍ استعمالي محدد.
وقد تحقق تقدم كبير في طب الأورام الباطني بتحسين العلاج (من حيث النظام العلاجي وعدد الدورات وتوقيتها) باستخدام علاج كيميائي زهيد الكلفة، كما في ابيضاض الدم اللمفاوي الحاد في البلدان على اختلاف مستويات دخلها. وقد أُدخلت أدوية السرطان الموجّهة خلال العقدين الماضيين، ولبعضها دور علاجي مهم أدرجت بسببه في القائمة النموذجية للأدوية الأساسية، غير أن ليس كل أدوية السرطان الحديثة ذات فائدة ذات معنى سريري، ولا ينبغي افتراض أن علاجاً جديداً فعالاً ضد سرطان ما فعال ضد جميع السرطانات. فالعلاج المناعي مثلاً مدرج في أحدث إصدار من القائمة النموذجية لعلاج الورم الميلانيني، لكنه غير مدرج حالياً لدواعٍ أخرى بسبب الشكوك المحيطة بها.
وينبغي أن تستند قرارات اقتناء العلاجات الجديدة إلى الفائدة السريرية ومتطلبات النظام الصحي والعبء المحلي للمرض، وأن يُعاد تقييم الأولويات كلما توافرت خيارات أيسر كلفة. فلدى منظمة الصحة العالمية مثلاً برنامج للاعتماد المسبق للبدائل الحيوية، ليمكن الحصول على أدوية سرطان عالية الجودة بكلفة أقل.
ويتطلب كثير من العلاجات الجديدة خبرة خاصة، وتقنيات تشخيصية معقدة، ورصداً دقيقاً للسمية، وموارد مالية كافية. كما تتطلب وسائل التشخيص المصاحبة لأدوية السرطان الحديثة استثماراً وخبرة وتخطيطاً كبيرة. وقد يكون تفسير نتائجها صعباً، والأدوية غير الملائمة التي توصف على أساس تشخيص خاطئ قد تضر بالمرضى وتؤدي إلى إنفاق غير كفء. فبعض البلدان المرتفعة الدخل مثلاً تستخدم على نطاق واسع تقنية التسلسل من الجيل التالي للكشف عن الطفرات في الأورام بغية توجيه العلاج، غير أن الطفرات التي يكشفها منتجان مختلفان قد تتباين تبايناً كبيراً، مما يربك اتخاذ القرار السريري ويرتب تكاليف مرتفعة. ويلزم كذلك توافر خبرة سريرية لرصد السمية، إذ قد يسبب العلاج المناعي آثاراً جانبية سامة فريدة أثناء العلاج أو بعده بأشهر، مما يتطلب دعماً من الأخصائيين ورصداً من جميع مقدمي الخدمات بمن فيهم العاملون في الرعاية الأولية.
طب الأورام الإشعاعي: العلاج الإشعاعي وسيلة علاجية ضرورية تنقذ الأرواح، ويمكن إتاحتها للمرضى على اختلاف مستويات الدخل، كما تدل تجربة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويتطلب بناء القدرات في العلاج الإشعاعي تخطيطاً دقيقاً واستراتيجية للصيانة، وفق "نهج المعالم" الذي اقترحته الوكالة. ويستلزم العلاج الإشعاعي بنية أساسية لازمة، وصيانة دورية، وتمويلاً مستداماً، وقوى عاملة مدربة تدريباً ملائماً. ويتطلب اختيار التقنيات الملائمة فهماً تقنياً لأنواعها المختلفة وآثارها. وحين يكون نظام الرعاية الصحية غير مهيأ أو عاجزاً عن الحفاظ على القدرة في العلاج الإشعاعي، تضيع الاستثمارات.
فبين عامي 1998 و2017 فقدت سبعة بلدان في الإقليم الأفريقي القدرة على تقديم العلاج الإشعاعي الخارجي، وإن كان بعضها قد أحرز تقدماً كبيراً خلال السنتين الماضيتين. وينبغي أن يقترن التبرع بأجهزة العلاج الإشعاعي للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بالإشراف ومراعاة متطلبات النظام الأوسع لضمان الاستخدام المستدام.
وينبغي أن يستند اختيار المعدات إلى مواصفات تقنية مفصلة، وإلى القدرة على تخطيط العلاج وتقديمه، وضمان الجودة، والأمان الإشعاعي، والصيانة. ويتوقف تركيب أجهزة إضافية على السياق، والاستخدام الحالي وفترات الانتظار، ونوع المعدات القائمة وعمرها، وقدرة البنية الأساسية، وتوافر القوى العاملة وكفاءتها، وسهولة الوصول الجغرافي. ولتعزيز الاستدامة والحد من الإنفاق غير المخطط له، يمكن إدراج تكاليف الخدمة ضمن كلفة شراء الجهاز.
وتشمل الابتكارات في تقنيات العلاج الإشعاعي ونظم تقديمه العلاج الإشعاعي التجسيمي الاستئصالي، والعلاج الإشعاعي المعدّل الشدة، والعلاج الإشعاعي الموجّه بالصور، وتُستخدم هذه التقنيات روتينياً في البلدان المرتفعة الدخل، وتحقق عموماً قيمة علاجية ذات معنى سريري. أما بعض التقنيات المبتكرة كالعلاج بالبروتونات فقد تتجاوز كلفتها 100 مليون دولار أمريكي ولا تحسّن البقاء على قيد الحياة إلا تحسيناً هامشياً، مما يثير تساؤلات حول قيمتها. وينبغي إجراء تقييمات للتقنيات الصحية على المستوى الوطني قبل اتخاذ قرارات اقتناء التقنيات، بدلاً من الاعتماد على دراسات المردودية المنشورة في بلدان أخرى.
وينبغي مراعاة التدريب الملائم للعاملين في طب الأورام الإشعاعي على استخدام التقنيات الجديدة أو المحدّثة. وتوفر الوكالة الدولية للطاقة الذرية مجموعة من المناهج لتدريب أطباء الأورام الإشعاعي وفنيي العلاج الإشعاعي وممرضي الأورام الإشعاعي والفيزيائيين الطبيين، إلى جانب منصات للتعلم الإلكتروني.
طب الأورام الجراحي: جراحة السرطان ممكنة عموماً في جميع البيئات، ولها دواعٍ مقبولة قائمة على البيّنات بحسب نوع السرطان ومرحلته. وتتأثر القدرة الجراحية بخبرة القوى العاملة وبقدرة المستشفيات على إجراء العمليات العالية التخصص (كالاستئصال الجذري للكبد) أو استخدام التقنيات المتقدمة (كالإجراءات طفيفة التوغل). ومن التقنيات الجديدة المتاحة في الجراحة الورمية الإجراءات بمساعدة الروبوت، التي تكلف مليارات الدولارات سنوياً، ولم يثبت على نحو قاطع أنها تحقق نتائج أفضل في البقاء على قيد الحياة مقارنة بالجراحة التقليدية طفيفة التوغل أو الجراحة المفتوحة. وقد حذرت الهيئات التنظيمية مؤخراً الجمهور من استخدام الإجراءات بمساعدة الروبوت في بعض عمليات السرطان. ولذلك ينبغي أن تتجه السياسات، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، إلى بناء القدرات بدلاً من الاستثمار في تقنيات جراحية جديدة تفتقر إلى البيّنات.
الرعاية الداعمة ورعاية الناجين والرعاية الملطفة
تعد رعاية الناجين والرعاية الملطفة عنصرين حاسمين في الرعاية الشاملة للسرطان. ومع تحسن العلاج، تزداد أهمية رعاية الآثار الضارة المتأخرة للسرطان وتلبية الاحتياجات النفسية والاجتماعية للناجين منه على المدى الطويل.
والرعاية الملطفة، أي الوقاية من المعاناة الجسدية أو النفسية أو الاجتماعية أو الروحية وتخفيفها لدى البالغين والأطفال، ضرورية لتحقيق أفضل جودة لحياتهم والحفاظ على كرامتهم. وتشمل الرعاية الملطفة الرعاية في نهاية الحياة، وينبغي أن تستمر حين يصبح العلاج غير مجدٍ أو غير ممكن. ومن الفئات التي تحتاج إلى سياسات ونُهج مكيفة لها الفئات المحرومة والمسنون والمراهقون والشباب الذين لهم رغبات واحتياجات فريدة كالحفاظ على الخصوبة. ويخوض المصابون بالسرطان رحلة تتضمن رعاية معقدة وطويلة الأمد ومتكاملة، ولذلك ينبغي دمج الرعاية الداعمة ورعاية الناجين والرعاية الملطفة في الخدمات الصحية الأوسع، مع تواصل واضح بين مستويات الرعاية المختلفة لتحسين النتائج الإجمالية والكفاءة.
الرعاية الداعمة أثناء العلاج
يحتاج مرضى السرطان في جميع مراحل مرضهم إلى خدمات داعمة. فالضائقة النفسية تصيب ما بين 20% و50% من مرضى السرطان، وينبغي تقييم الأعراض كالألم والإرهاق والمشكلات التغذوية ومعالجتها على نحو منهجي. ويسهم تعليم المرضى استراتيجيات الرعاية الذاتية أثناء العلاج وبعده في هذا النهج، ولذلك ينبغي أن يكون أخصائي علم الأورام النفسي جزءاً من الفريق المتعدد التخصصات.
فالاكتئاب والخوف غير المعالجين قد يضعفان تحمّل العلاج ويثبطان إتمامه. وبالمثل، يرتبط سوء التغذية بجميع أشكاله (نقص التغذية، ونقص الفيتامينات أو المعادن، وفرط الوزن، والسمنة) بتوقعات أسوأ، منها ارتفاع احتمال عودة المرض أو الوفاة أثناء العلاج أو بعده. كما يرتبط سوء الحالة التغذوية بزيادة خطر الآثار السامة للعلاج الكيميائي، وتدني جودة الحياة، والضائقة النفسية. ويمكن للتقييم السريري المبكر والإرشاد الغذائي، والمكملات الغذائية عند الحاجة، أن تحسن جودة الحياة وإتمام العلاج.
ويهدف التأهيل إلى الحد من الآثار المعيقة للسرطان وعلاجه، وتيسير العودة المبكرة إلى الحياة الاجتماعية، ولا سيما لمن يعانون مضاعفات مرتبطة بالجراحة (كالبتر) أو آثاراً ناجمة عن الورم كالشلل أو فقدان البصر.
رعاية الناجين بعد العلاج
في عام 2018 كان نحو 43.8 مليون شخص على قيد الحياة بعد خمس سنوات من تشخيص إصابتهم بالسرطان. ومع تحسن التشخيص المبكر والعلاج سيزداد عدد الناجين، ويجب على النظم الصحية تلبية احتياجاتهم الصحية. وتشمل رعاية الناجين الوقاية من عودة السرطان ومن السرطانات الجديدة وترصدها، والتدبير العلاجي للسمية الطويلة الأمد والحالات المرضية المصاحبة، وترصد الآثار النفسية والاجتماعية وتدبيرها.
وينبغي تكييف رعاية الناجين مع احتياجات كل مريض وتفضيلاته وموارده وموارد النظام الصحي، وتقديمها بعد إتمام العلاج بتنسيق من فرق رعاية تضم طبيباً للرعاية الأولية. وينبغي إيلاء اعتبار خاص للأطفال، فالعبء التراكمي للحالات الصحية المزمنة الناجمة عن السرطان وعلاجه في سن مبكرة أكبر لدى الناجين من سرطان الأطفال، مما يتطلب نهجاً شاملاً لانتقال الرعاية مع نموهم من الطفولة إلى البلوغ. فضلاً عن ذلك، يُتوقع أن يحمل نحو 12% من الناجين من سرطان الأطفال تغيرات في جينات مهيئة للسرطان، مما يستلزم متابعة دقيقة طويلة الأمد وإرشاداً.
دراسة حالة: رعاية الناجين وإعادة دمجهم في القوى العاملة في اليابان
يمثل الناجون من السرطان في اليابان ما بين 2% و4% من السكان. ومع تحسن التدبير العلاجي للسرطان وارتفاع متوسط العمر المتوقع، أصبحت رعاية الناجين أولوية للصحة العامة لدى واضعي السياسات ومقدمي الخدمات وعامة الجمهور. وقد ألزمت الخطة الوطنية للسرطان لعام 2007 جميع مراكز السرطان المعتمدة من الحكومة بتقديم رعاية متكاملة لمرضى السرطان، من الرعاية الأولية إلى الرعاية التخصصية. وتقدم الاستراتيجيات الوطنية الحديثة الدعم للعودة إلى العمل، والتثقيف للناجين وأقاربهم، ومجموعات الدعم، ودورات خاصة بالناجين، وزيادة الوعي العام. ومن السياسات ذات الصلة التزامات أصحاب العمل أثناء علاج السرطان وبعده.
تحسين الوصول إلى الرعاية الملطفة
دعت جمعية الصحة العالمية إلى إتاحة الرعاية الملطفة للجميع بوصفها جزءاً من التغطية الصحية الشاملة. ولذلك ينبغي إدراج الرعاية الملطفة في السياسات والخطط الاستراتيجية الوطنية للأمراض، بوصفها مكوناً أساسياً من مكونات الرعاية الشاملة للسرطان.
وينبغي للسياسات الوطنية التي تتضمن الرعاية الملطفة أن تعرّفها، وأن تؤكد الضرورة الطبية والأخلاقية لإتاحتها للجميع لمرضى الأمراض الخطيرة، وأن تبيّن كيفية دمجها في رعاية السرطان وفي نظام الرعاية الصحية العام، وأن تكفل الوصول دون انقطاع إلى المورفين الفموي الفوري المفعول والمورفين القابل للحقن لجميع المرضى الذين يعانون ألماً متوسطاً أو شديداً أو ضيق تنفس في المرحلة النهائية. وينبغي لخطط العمل الاستراتيجية أن تضمن الوصول إلى جميع أدوية الرعاية الملطفة الأساسية وإلى الإرشادات السريرية الخاصة بتدبير الألم. كما ينبغي سنّ لوائح للحد من تسريب المواد الأفيونية وغيرها من الأدوية الخاضعة للرقابة إلى الاستخدامات غير الطبية، بما في ذلك سلسلة إمداد آمنة، وتخزين وإعطاء وصرف وتخلص آمن.
وتحسّن الرعاية الملطفة جودة حياة المرضى وأسرهم الذين يواجهون أمراضاً مهددة للحياة، وقد تحسّن البقاء على قيد الحياة. وهي تنطوي على الوقاية من المعاناة وتخفيفها من خلال التعرف المبكر على المشكلات الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحية وتقييمها وعلاجها، والحفاظ على الكرامة، والسيطرة على الأعراض.
ومن الأمثلة المبتكرة على الرعاية الملطفة تركيب الدعامات الذاتية التمدد لعلاج عسر البلع في سرطان المريء المتقدم، وهو إجراء يمكن تقديمه في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل التي ترتفع فيها الإصابة بهذا الورم. كما أن شبكات الرعاية الملطفة التي تشمل الرعاية المنزلية تخفف الاكتظاظ في المستشفيات، وتحمي أسر المرضى من المخاطر المالية، وتخفض التكاليف على نظم الرعاية الصحية بتقليل حالات الدخول إلى المستشفى ومدة الإقامة فيه.
وينبغي أن يشترط إطار للكفاءات تدريباً أساسياً على الرعاية الملطفة لا يقل عن 35 ساعة لجميع مقدمي الرعاية الأولية، وتدريباً متوسطاً لا يقل عن 70 ساعة لأطباء الأورام وغيرهم من الأخصائيين الذين يرعون المصابين بأمراض خطيرة. وينبغي لنماذج تقديم الخدمات أن تعزز القدرة الملائمة في الرعاية الملطفة، على المستوى الأساسي في المنازل والمراكز الصحية المجتمعية، وعلى المستوى المتوسط في المستشفيات، وعلى المستوى التخصصي في مراكز السرطان، مع إجراءات للتواصل والانتقال السلس للمرضى بين المستويات.
تدخلات فعالة لضمان الوصول المنصف إلى رعاية عالية الجودة
يتطلب تعزيز الوصول إلى رعاية السرطان في إطار التغطية الصحية الشاملة الاختيار الملائم للتدخلات ذات الأولوية، والاستثمار الحكيم لتلبية الاحتياجات غير الملباة، وسياسات تضمن خدمات صحية عالية الجودة.
الاستراتيجيات والتدخلات الوطنية لزيادة الوصول إلى الخدمات
لتحسين النتائج، ينبغي أن تشمل الأنشطة الوطنية معايير للممارسة السريرية، وهياكل لتقديم الخدمات، ومعايير تنظيمية، وسلاسل شراء وإمداد مستدامة. فالالتزام بمعايير العلاج القائمة على البيّنات يحسّن جودة رعاية السرطان ونتائجها، والإرشادات الوطنية للممارسة السريرية تقلل احتمال الانحرافات غير المقبولة عن الرعاية المعيارية. غير أن الابتكارات السريعة واستراتيجيات التدبير العلاجي الجديدة لأنماط فرعية جزيئية بعينها من السرطان تجعل تحديث هذه الإرشادات أمراً عسيراً. ففي إرشادات الشبكة الوطنية الأمريكية للسرطان مثلاً، يجب مراعاة نحو 2000 نقطة قرار سريري مختلفة في التدبير العلاجي للسرطان، ويتزايد هذا التعقيد مع تلقي المرضى خطوطاً علاجية إضافية. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما تكون البيّنات الداعمة للقرارات السريرية متدنية الجودة أو غير متسقة، إذ تشمل تقارير حالات أو "الخبرة السريرية وحدها"، مما يؤدي إلى تباين واسع في الممارسة السريرية وإلى الوصف خارج دواعي الاستعمال المعتمدة، ولا سيما في العلاجات من الخط الثالث وما بعده. وقد يتعثر الالتزام بالإرشادات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بسبب الكلفة والتوافر.
ويمكن للتوحيد القياسي والاعتماد والرقابة التنظيمية على المرافق العامة والخاصة أن تعزز الجودة والتنسيق. وترتبط النتائج العالية الجودة باتساق بالمراكز ومقدمي الخدمات ذوي الحجم الكبير من الحالات، ويرجح أن يعود ذلك إلى التزام أفضل بعمليات الرعاية القائمة على البيّنات، وتخصص أو كفاءة أكبر في الرعاية القائمة على العمل الجماعي، وتقنيات أكثر تقدماً.
وقد يؤدي غياب التوحيد القياسي وقصور الرقابة إلى الاستخدام غير الملائم لأدوية السرطان، وتكاثر المنتجات، وصعوبات في التنبؤ بالاحتياجات وتخطيط الإمداد بالأدوية الأساسية، مما يرفع التكاليف ويزيد تكرار نفاد المخزون. ولذلك ينبغي للسياسات الوطنية للسرطان أن تضمن شراءً مستداماً وسلاسل إمداد متينة، وأن تعزز ممارسات الشراء التوحيد القياسي، وتكفل الالتزام بأفضل الممارسات والشراء المراعي للكلفة، كشراء البدائل الحيوية.
دراسة حالة: الشبكة الوطنية للسرطان في الهند
أنشأت حكومة الهند الشبكة الوطنية للسرطان في عام 2012 لتحسين نتائج السرطان. ومن مهامها كذلك وضع معايير موحدة للرعاية قائمة على البيّنات، وتيسير تبادل الخبرات والبحوث التعاونية لتعزيز الجودة والتنسيق. وقد بدأت المبادرة بأربعة عشر مركزاً للسرطان، وتضم الآن أكثر من 200 مركز ومعهد بحثي ومجموعة مرضى ومؤسسة خيرية. وتناقش الهيئة الوطنية للصحة في الهند، المسؤولة عن تنفيذ المخطط الوطني للتأمين الصحي، حزم علاج السرطان وتسعير الخدمات التي سيغطيها البرنامج.
استراتيجيات المرافق لتحسين جودة الرعاية
تشجع منظمة الصحة العالمية على إنشاء مراكز للسرطان تجمع كثيراً من مكونات البرنامج الوطني لمكافحة السرطان وتنسق تقديم الرعاية في المواقع الطرفية. ويمكن أن تختلف قدرات مراكز السرطان ووظائفها، إذ لا يوجد تعريف موحد لها. فقد تكون مراكز شاملة مستقلة تضطلع بوظائف القيادة ووضع المعايير والتنسيق أو البحث، وقد تكون شبكة من مراكز السرطان ووحدات الأورام الأساسية في المستشفيات الثانوية، أو وحدة أو مرفقاً مخصصاً لسرطان الأطفال أو لأنواع أخرى من السرطان. والعنصر الأساسي في مراكز السرطان هو توافر الرعاية المتعددة التخصصات.
وتحسّن مرافق علاج السرطان الخاضعة للإشراف الحكومي الوصول والجودة بضمان أن تتبع فرق متعددة التخصصات عالية الأداء معايير الرعاية. وتكفل مجالس الأورام المتعددة التخصصات قرارات سريرية أفضل بالالتزام بأفضل الممارسات وتعزيز نهج متكامل متمحور حول الناس. فمرضى السرطان كثيراً ما يراجعون أخصائيين عديدين، وإذا غاب التنسيق بينهم جاءت الرعاية مشتتة وغير كفؤة. ومع تزايد تعقيد رعاية السرطان، تزداد أهمية الفرق لتقديم رعاية عالية الجودة على أفضل وجه.
وتجمع مجالس الأورام جميع المهنيين الصحيين المشاركين في رعاية المريض في اجتماعات دورية لمراجعة جميع الحالات. ولما كان إنشاء هذه المجالس قد يكون صعباً في البلدان المنخفضة الدخل، فقد تشكلت شراكات عالمية لمراجعة الحالات عبر الإنترنت في مؤسسات في بيئات مختلفة.
وقد حُددت الجوانب الرئيسية للنهج المتعدد التخصصات في تنظيم رعاية السرطان تحديداً جيداً. وينبغي أن تمتلك فرق السرطان المتعددة التخصصات العالية الأداء آليات لضمان الجودة وتحسينها، كمؤتمرات المراضة والوفيات، والمؤتمرات عن بعد مع خبراء محليين أو إقليميين أو دوليين، وأن يكون الفريق متنوعاً.
والتواصل مع مرضى السرطان ضروري لتوجيه الخدمات وضمان اتخاذ القرارات على أفضل وجه. فكثير من مرضى السرطان لا يدركون غايات علاجهم أو أهدافه، مما قد يؤدي إلى نتائج أدنى واستخدام غير كفء للموارد. كما أن رصد الأعراض الشائعة المرتبطة بعلاج السرطان، كالاكتئاب، وتدبيرها يمكن أن يحسّن جودة حياة المرضى المصابين بسرطان متقدم.
ويمكن لتوفير سكن مؤقت لمرضى السرطان وأسرهم، وخدمات الرعاية النهارية الخارجية للعلاج الجهازي أو الإشعاعي، أن ييسر العلاج، ولا سيما للمرضى الذين يقطعون مسافات طويلة.
وقد يتجاوز معدل السمية المرتبطة بالعلاج 30%، ولا سيما في البيئات التي تفتقر إلى برامج لضمان الجودة وتحسينها. وينبغي الحد منها تشجيعاً على إتمام العلاج، بما في ذلك تحديد المواعيد وإرسال الإشعارات، وتقديم المعلومات والخدمات الداعمة للمرضى وأسرهم. ففي السلفادور أدى نظام لمعاودة الاتصال بالأطفال الذين فاتتهم مواعيدهم إلى خفض التخلي عن العلاج من 12% إلى 2%، ووجدت مراجعة منهجية أن التواصل الروتيني مع المرضى الذين يتلقون العلاج الكيميائي الفموي حسّن التزامهم وتدبير السمية لديهم. ويسهم ضبط العدوى، ووجود بنك للدم وصيدلية، والدعم التغذوي والنفسي والاجتماعي في خفض السمية المرتبطة بالعلاج، كما يمكن لبروتوكولات المستشفيات الخاصة بتدبير الأعراض أو السميات المهددة للحياة، كقلة العدلات الحموية، أن تحسّن النتائج.
وفي بعض البيئات لا يتم أكثر من 50% من المرضى علاجهم بسبب تزايد التكاليف غير المباشرة أو الأعباء الجسدية أو المالية أو العاطفية للعلاج. ويمكن للخدمات الداعمة، كعلم الأورام النفسي أو السكن أو القسائم، أن تحسّن إتمام العلاج، ولا سيما للفئات الأدنى اجتماعياً واقتصادياً أو التي تقيم بعيداً عن مرفق العلاج. فالاستثمارات الصغيرة في الخدمات الداعمة قد تحدث أثراً كبيراً في الأفراد والأسر والمجتمعات.
ولا بد من سياسات للتعامل الآمن مع أدوية العلاج الكيميائي والتخلص منها، حفاظاً على صحة العاملين وتقليلاً للضرر على المجتمع. كما أن نقص معدات الحماية الشخصية قد يعرّض العاملين للضرر.
إشراك المجتمعات والمصابين بالسرطان وأسرهم في التدبير العلاجي للسرطان
ينبغي ضمان بناء التحالفات وإشراك المجتمعات في تقييم الأهداف والأولويات، ولا سيما مع ازدياد علاجات السرطان تفرداً وتعقيداً. فمرضى السرطان والناجون منه ومقدمو الرعاية لهم يستطيعون تقديم رؤى حول أهداف الرعاية الحالية وثغراتها. ويمكن للمجتمعات أن تدعو إلى تحسين المعارف والممارسات والسياسات والخدمات، وأن تمكّن المرضى والمجتمعات.
وتؤثر العوامل الاجتماعية كذلك في تصورات المجتمع عن السرطان. فقد يعتمد الجمهور مثلاً على "روايات المشاهير" مصدراً للمعلومات، إذ قد يكوّن المشاهير المصابون بالسرطان تصورات عن أفضل علاج، مع أن تجربتهم قد لا تكون قابلة للتعميم. ولذلك ينبغي للحكومة ومقدمي الخدمات والمجتمعات أن يبنوا فهماً وأولويات مشتركة.
وينبغي إشراك مرضى السرطان وأسرهم في البلدان على اختلاف مستويات دخلها في اتخاذ القرارات مع مقدمي الخدمات بشأن رعايتهم السريرية، ودعمهم في اتخاذ قرارات مستنيرة من خلال فهم سليم للمرض والعلاج والآثار الضارة المحتملة والنتائج المتوقعة. وتشمل برامج اتخاذ القرار المشترك زيادة مشاركة المرضى وتدريب مقدمي الخدمات على العمل والسلوك الإيجابيين.
ويخفف دعم منظمات المجتمع المدني ومجموعات المرضى لمقدمي الرعاية، وهم عادة من أفراد الأسرة، العبء الجسدي والنفسي الواقع عليهم. والشفافية والقواعد الواضحة ضروريتان للمشاركة والتعاون، استناداً إلى مبادئ الحوكمة التشاركية. وينبغي إدارة أي تضارب في المصالح في مشاركة المجتمع، مع الحفاظ على نزاهة العملية التنظيمية.
التدبير العلاجي المنسق للسرطان
يشيع تشتت الرعاية على امتداد سلسلة رعاية السرطان وبين مستويات الرعاية، مما يزيد التكاليف ويؤخر العلاج ويحول دون الرعاية المتمحورة حول المريض، وهي الهدف الجوهري للنهج المتكامل.
وتقلل مسارات الرعاية الموحدة التباين في الممارسة وتحسّن التنسيق، وينبغي أن تغطي الإجراءات ومستوى الرعاية وموقعها لكل نوع من السرطان. ويكتسي انتقال المريض بين مقدمي الخدمات ومستويات الرعاية حساسية خاصة، ويمكن للاتفاقات المرنة أن تكفل مصلحة المرضى على أفضل وجه. ويمكن لتثقيف مقدمي الخدمات وتدريبهم على التواصل والعمل الجماعي وعمليات الرعاية أن يحسّن القدرات والنتائج. وتيسر الفرق المتعددة التخصصات الحوار بين جميع مقدمي الخدمات، ويستطيع "مرشدو المرضى" و"ممرضو إدارة الحالات" مساعدة المرضى على اجتياز مسار الرعاية وتحسين التنسيق والفعالية.
وينبغي تقييم نتائج الرعاية قبل الرعاية المنسقة وبعدها لتحديد أي مشكلات وتقييم فعاليتها. والسجلات الصحية الإلكترونية مفيدة للتغيير التنظيمي وتقييمه. فضلاً عن ذلك، تدعم نظم السداد التي تقر بأهمية الرعاية المتكاملة ومؤشرات الجودة تطبيق الرعاية المنسقة.
العلوم والبرامج الناشئة
لوتيرة الابتكار والموارد في علاج السرطان انعكاسات على مرضى السرطان وعلى استقرار النظم الصحية. فكل عنصر من عناصر رعاية السرطان يتأثر بها، من العلاج الجهازي والإشعاعي والجراحة والتصوير التشخيصي، إلى استخدام بيانات العالم الواقعي وتعلم الآلة لتحسين القرارات السريرية. وقد لوحظت آثار إيجابية منها انخفاض الوفيات بالسرطان، ولا سيما في البلدان المرتفعة الدخل.
وتعكس هذه الإنجازات سنوات من الاستثمار في بحوث السرطان والابتكار فيه. غير أن ارتفاع العائد على الاستثمار كانت له أيضاً آثار سلبية على السوق، منها أدوية ضئيلة القيمة العلاجية لكنها عالية الربحية المحتملة. والعلاج بالخلايا التائية ذات المستقبلات المستضدية الخيمرية مثال على ابتكار يُستخدم الآن في البلدان المرتفعة الدخل، وتتشابه تحديات تطبيقه مع تحديات العلاجات الحديثة الأخرى: تحديد الدواعي العالية الأثر واختيارها، وتقديم رعاية عالية الجودة بقوى عاملة مدربة تدريباً ملائماً وخدمات تشخيص ودعم، وتعزيز الإتاحة، وضمان الاستدامة المالية للنظام دون أن يتعرض الأفراد لضائقة مالية.
بيد أن وعود الابتكار، ومنها الرعاية الدقيقة للسرطان، لم تتح إلا لأقلية ضئيلة جداً من سكان العالم، ولذلك يجب أن تقوم الاستجابة السياسية المستقبلية للعلاجات المبتكرة على التغطية الصحية الشاملة. فمعظم علاجات السرطان الأساسية فعالة وميسورة الكلفة، ويظل توسيع نطاق الخدمات الأساسية لتشمل كل مريض في العالم أولوية.
القسم الثالث: تجميع العناصر معاً: اتخاذ القرار والتنفيذ
ينبغي أن يجري التخطيط المتين لمكافحة السرطان وتنفيذها على مراحل، يؤطرها ما يلي: حوكمة قوية، وجمع البيانات وتحليلها، ووضع برنامج وطني لمكافحة السرطان قائم على البيّنات وملائم للموارد ومستدام، وضمان التمويل، والتنفيذ الفعال بمشاركة أصحاب المصلحة المعنيين مع الرصد والمساءلة. ولا يملك خطة عاملة لمكافحة السرطان سوى 108 بلدان.
ويبيّن هذا القسم أهمية وجود خطة متينة لمكافحة السرطان تسترشد بالنُهج القائمة على البيّنات التي تناولها القسم الثاني، واستراتيجية تمويل سليمة، وتنفيذ متين لضمان الوصول إلى الوقاية والعلاج الفعالين.
